رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم امل نصر
رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31 هى رواية من كتابة امل نصر رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31
رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والثلاثون 31
حرّر قلبك
فالحب لا يأتي في هيئة صفعة،
ولا يولد في ظل الخوف والخذلان.
من أحب بصدق، لا يخون... ولا يهمل.
اترك نفسك للحب،
ودعه يتسلل بهدوء إلى شقوق روحك،
يداوي الجراح التي توهمت أنها لا تلتئم.
أعطِ لقلبك فرصة ثانية...
ربما القادم يحمل لك بلسمًا،
يرمّمك، ويجبر كسرك دون أن يسأل.
لا تدفن الحب في مقبرة الماضي والحذر،
فليست كل القلوب سواء،
وليس كل من اقترب... يشبه من رحل.
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة الغالية/ سنا الفردوس
تنظر إلى الخارج من خلف الستار الأبيض للغرفة التي أصبحت تسكنها مؤقتًا، وذلك منذ الإعلان عن عقد قرانها.
عشرة أيام مرّت بأحداث مشتعلة لم تهدأ حتى الآن، منذ أن ضعفت وأخبرته بموافقتها بعد إلحاحٍ منه، ليغتنم الفرصة في نفس اليوم، ويُتم الاتفاق مع شقيقها على إتمام الزواج في أقرب وقت.
حاولت الاعتراض أو التراجع، ولكن هيهات، فكأن الجميع قد تآمر عليها، واتسعت دائرة الإلحاح لتشمل كل من له صلة قرابة من جهته أو جهتها، من والدته وشقيقاته، أو شقيقها وزوجته، حتى رضخت في النهاية ووافقت على عقد القران في تكتم تام، فقد كانت تلك التعليمات الأهم بالنسبة إليه.
لكن ما إن أتم مراده، حتى خرج إلى الهواء يطلق عددًا من الأعيرة النارية احتفالًا وإشهارًا، وكأنه أول زواج له!
فنَال بعدها المباركات والتهاني من المعارف والأحباب، غير آبه بخجلها أو خوفها من القادم. ثم حدث ما كانت تخشاه، حين وصل الخبر إلى زوجها السابق "عرفان"، فاشتعلت نيران كانت كفيلة بإشعال فتنة بين العائلتين، قد تخلّف ثأرًا يمتد لعقود بسببها.
فقد أتى في اللحظة نفسها، مسلحًا، متهجمًا وقاصدًا الاعتداء، لولا يقظة "حمزة" الذي كان على استعدادٍ تام لإحباط مخططه، وإحكام السيطرة عليه بواسطة رجال الحراسة العاملين تحت أمرته، بالإضافة إلى شهادة عدد من الأعيان الذين جمعهم ليشهدوا على ما يحدث.
تلك الليلة كانت أبشع الليالي، مليئة بالأحاديث الساخنة والشجارات، انتهت في الأخير بقرار حاسم:
ضرورة نقل مزيونة من منزلها لوأد الفتنة حتى يتم الزفاف.
ودّت في داخلها لو تتبع عرض شقيقها بالذهاب إلى منزله، لكنها خشت عليه وعلى أبنائه من بطش عرفان، الذي بدا كالمجنون، غير آبه بفضائح أو سمعته أمام الرجال.
مما اضطرها في النهاية للانصياع إلى أمر العقلاء، والقدوم إلى هذا المنزل الكبير، حيث تسكن ابنتها في الطابق العلوي، وتسكن هي وحدها في الأسفل داخل شقة اتضح لاحقًا أنها شقته، بل وصُدمت حين اكتشفت أنها تنام داخل غرفته أيضًا.
اللعنة عليه من ماكرٍ يُجيد فرض سطوته بأبسط الأشياء.
وها هي الآن، تطالع من مكانها تجهيزات "الليلة الكبيرة" التي تتم من صباح الغد... ليلة زفافها إلى حمزة.
تنهدت بقنوط، وتراجعت بخطواتها حتى جلست على طرف التخت، تفرك كفيها بتوترٍ شديد.
يمر على قلبها الخوف بوطأة مرعبة، وكأنها بكرٌ في أول زواج لها، لا... بل هي تخشى إعادة التجربة.
التجربة المريرة التي قضت على طفولتها ومراهقتها، وأنوثتها التي سُحقت بالضعف والمرض.
الكلمات الجارحة التي كان يلقيها عليها "عرفان" في كل مرة يقترب منها، وهي ترجوه أن يتركها، وألا يُحمّلها ما لا تطيق، لكنه كان يأبى إلا أن يُنفّذ رغبته بها، دون ذرة شفقة أو رحمة لحالها، وفي النهاية تُعَيَّر بمرضها، وبعجزها عن مجاراته كأي زوجة خُلقت لإسعاد زوجها...
كثيرًا ما تمر عليها لحظات من الندم، لاستسلامها والموافقة على الزواج من حمزة، رغم حنقها الشديد منه لاستخدامه كل الطرق للضغط عليها، إلا أن صوتًا داخلها دائمًا ما يُذكّرها أن سبب موافقتها، في الأول والأخير، كان حاجتها إلى الأمان، بل والأكثر... حاجتها إليه هو.
صوت طرقٍ خافت على باب الغرفة جعلها تنفض عنها الأفكار السيئة، استعدادًا لدخول "حُسنية" كما توقعت، أو إحدى الفتيات الصغيرات من أحفادها.
كادت أن تدعو الطارق للدخول، لكن الكلمة علقت في حلقها حين اجفلت بدفع الباب على عجالة، بدخول أحدهم، مُغلقًا الباب خلفه.
همّت بالصراخ، لكنها توقفت حين عرفت هويته، وقد وقف يلهث أمامها بابتسامة متسعة، يُناظرها ببرودٍ متناهٍ قائلاً:
— أخيرًا شوفتك يا عروستي.
ذهب عنها الذهول، واعتلت ملامحها شراسة كاملة، وكأنها قطة على وشك الهجوم عليه:
— انت اتجننت يا حمزة؟ داخل كده من غير "أحم ولا دستور"؟ افرض كنت براحتى وانا في الأوضة هنا، كان هيبجى منظري إيه ولا منظرك ساعتها؟
ألقى عليها نظرة فاحصة، من شعر رأسها حتى خف القدم أسفل العباءة التي ترتديها، ثم عقب بحسرة مرددًا:
— لا، مالكيش دعوة بمنظري... المهم إنتِ! ليه يا مزيونة مش جاعدة براحتك؟ وانتي في أوضة ومجفول عليكي بابها؟
فغرت فاهها بدهشة، لكنها سرعان ما فطنت لسر دخوله المفاجئ المريب:
— يعني داخل عشان كده يا حمزة؟
أومأ برأسه تهتز أمامها بوضوح، فبرقت عيناها ذهولًا من صراحته الفجّة، لتصرخ به:
— اطلع برا يا حمزة.
تبسم بخبث، يُشاكسها بكلامه المعسول وأقدامه تتحرك في اتجاهها ببطءٍ مدروس:
— كده على طول؟ طب قدّري إني جايلك "سرقة"، غفلت أمي وأخواتي، وطلعتلك من الباب الخلفي، عملت زي العيال المراهقين عشان أشوفك، مانعينك عني لحد ما يتم المراد، أموت أنا بقى بشوقي على ما يحصل.
كادت أن تتأثر بحديث قلبه الذي يخرج دون حساب، لكنها انتبهت لقربه فجأة، فتراجعت معترضة:
— حوش ملاعيبك دي عني يا حمزة، عشان أنا صاحية لك. ثم تعالى هنا، مين اللي حاشوني عنك؟ ما انت بتيجي كل يوم، وبحضر قعدتك معاهم، مفيش مرة جيت من غير ما تشوفني!
ردَّ متصنعًا الجدية:
— أيوه، بس وسطيهم يا مزيونة، وأنا عايز أجعد معاكي لوحدينا، نقعد ونتقرب من بعض، تعرفي أنا بفكر إزاي؟ وأنا أعرف مقاس هدومك بدل ما أشتري على عمايا، والصورة الذهنية اللي في خيالي.
— هدوم إيه؟
سألت ببراءة، قبل أن تقرأ الإجابة في عينيه الماكرتين، فازداد غيظها:
— بطل قلة أدب!
ضحك مرددًا ببراءة ومظلومية:
— طب أنا عملت حاجة يا بوي؟ ما أنا جاعد مكاني أها، وكل ما أتعِتع حبة لجدّام، ترجعي انتي لورا أكتر! رغم إنك حلالي، والنهاردة يوم مش عادي... دي دخلتنا كمان و...
صاحت به، تقاطعه بحدة من فرط انفعالها وتوترها الذي يزيد بأفعاله، حتى لم تعد تدري بما تتفوه:
— احترم نفسك يا حمزة، وبطل حديتك البارد. وبعدين ما تنساش أنا نبهت عليك بإيه من الأول، يعني ما تحطّش أمل على اللي في دماغك.
قطّب للحظات ثم استوعب، مرددًا بابتسامة لم تفهمها:
— آه، صح... انتي قلتيلي أعتبر نفسي متجوز واحد صاحبي، أو مش متجوز خالص؟
أومأت بتشنج:
— أيوه، هو كده بالفعل، وانت جولتت إن مش هامك، خلاص... إنت حر.
ازدادت ابتسامته الغامضة اتساعًا، ليهادنها:
— وقلت كمان إني راضي، راضي بكل حاجة تاجي منك، لو حتى "فتافيت"... أنا شاري، وواقع على بوزى كمان، في حب المزيونة.
يغلبها بذوقه، يغلبها بغزله وبرقة الحديث التي لا تخلو من رسائل مبطنة ومداعبات تصل إليها سريعًا بدون جهد، ولكنها ترفض أن تضعف بين يديه.
لا بد أن يعلم جيدًا بعيوبها حتى لا يُصدم لاحقًا.
طال سكوتها أمام تأمله نظراته الحانية، حتى ضجرت وأمرته:
— خلاص بقى، مش ناوي تطلع؟ اطلع يا حمزة، مش ناجصة حد يدخل يشوفك دلوك، ويسأل بتعمل إيه عندي في الأوضة؟ اطلع يا حمزة.
---
خرج أخيرًا من غرفتها على غير إرادته، مدفوعًا بيديها، لتغلق الباب خلفه.
فتوقف مستندًا على بابها بحالمية، هامسًا بعدها:
— اعملي على كيفك يا قلب حمزة... في الآخر برضو هيتجفل علينا باب واحد.
تنهد بحرارة، ثم رفع رأسه ليستدير عائدًا، فتصطدم أبصاره بمن كانت واقفة أمامه، عاقدة ذراعيها فوق صدرها، تطالعه بنظرات كاشفة.
حاول التغاضي عنها، يمازحها بعد أن تحمحم يجلي حلقه:
— الست منى هانم، لا تكوني واجفة هنا مستنية الجطر؟!
ضاقت حدقتاها أكثر، تركته يبتسم على مزحته بسخافة مكشوفة، حتى كاد أن يتخطاها، لكنها أمسكته توقفه:
— يا ظريف إنت يا لطيف... داخل عندها ليه دلوك زي الحرامية؟
مش جادر تصبر لما تيجي العشية ويتجفل عليكم باب واحد؟
نزع ذراعه منها مُبدياً اعتراضه مرددًا:
ـ لا، مش جادر يا ست البرنسيسة، عشان بقالي أكتر من أسبوع وانتوا مانعيني أجعد معاها زي الخُطاب، مع إن دا حقها عليّ وحقّي عليها عشان نفهم بعض.
بدهشة شديدة عقّبت تراجعه:
ـ انت عقلك هبّ منك يا حمزة؟ كلام وخُطاب! على أساس إنكم أول مرة تتعرفوا على بعض، ولا دي أول جوازة ليكم؟
ـ بالنسبالي أنا، دي أول جوازة ليا يا منى، واعتبرها الجوازة الوحيدة كمان. ويلا بعدي كده، عشان متأخر أصلاً على الرجالة.
قالها بجدية وهو يهمّ بالذهاب، لكنها أبت أن تتركه، فأمسكت به متأملة ملامحه السعيدة للحظات، ثم ألقت بنفسها عليه، تعانقه وتقبّل كتف ذراعه، معبّرة عن فرحتها:
ـ مبروك يا حبيبي، ربنا يتمملك على خير.
شدّ عليها بذراعه هو الآخر:
ـ الله يبارك فيكي يا غالية. عقبالك تفرحي بولادك انتي ومنص... إلّا هو فين؟ من الصبح ما شفتوش.
كانت قد ابتعدت عنه قليلًا لتخبره بشيء من الأسى:
ـ منصور جاعد مع أمك، أصلها زعلانة وعايزة حد يقنع خليفة يرد مراته. شايفاها عيبة في حقنا يتم فرحك وبت عمّه زعلانة منه.
ـ أممم...
زَمَّ حمزة بفمه متفهّمًا ومتأثرًا أيضًا، لكنه لا يملك بيده شيئًا. يعلم أن سر لجوء والدته إلى منصور هو يأسها منه، لا تعرف أنه قد ضاق من هالة ونفسها السوداء منذ طفولتها.
لقد تسببت في أذيته كثيرًا، ولم تترك له بابًا للتسامح، خصوصًا بعد مؤامراتها الأخيرة على مزيونة وتعمدها افتعال الفضائح لها.
ليس ملاكًا هو، حتى يتغاضى عن كل ذلك ويذهب لمصالحتها على أخيه، الذي جنى على نفسه منذ البداية حين رضخ لأمر والده الراحل ووافق عليها.
ـ طب وخليفة نفسه فين؟
ـ جاله اتصال مفاجئ وطلع بعدها بعربيته، شكله عنده مشوار مهم هو التاني؟
تساءل بحيرة بعد سماع رد منى على استفساره:
ـ مشوار إيه كمان اللي يطلعلُه فجأة ويسيب العالم والفرشة اللي بتتنصب تحت من غير ما يبلّغني؟!
...
لأول مرة يجتمع معها في مكان تحفه الأجواء الرومانسية كهذا، هادئ وبعيد عن الضوضاء. وما حاجته للأخيرة وقد كانت هي تقوم بالمهمة كاملة، بالبكاء حدّ الانهيار، والذي يشهده لأول مرة منها، بعد أن اتصلت به تطلبه على عجالة في أمر ضروري، وكأنها على وشك الانتحار من فرط قهرها كما تدّعي.
وبالطبع السبب معروف:
ـ هموت من القهرة يا خليفة. أخوك ماهموش كلام الناس ولا الفرق اللي بينهم، وكأنه عايز يكسرني أو ياخدها عند، بقى أنااا يفضل عليا واحدة جاهلة وبيئة زي دي؟
هو بيعاقبني ولا بيعاقب نفسه؟ طب افترض بكرة خلفت، أولاد الست البيئة دي يبقوا إخوات ابني؟ هو أنتوا إزاي سكتوله أصلاً ولا وافقتوه؟ إزاي أقنعكم؟
بهدوء شديد، كان يستمع ويستمع، يكبت انفعاله على قدر ما يستطيع، حتى إذا جاءت على ذكر الأخيرة، عقب قائلًا:
ـ أولًا حمزة مش عيّل صغير عشان ياخد رأي حد فينا ولا يهمه إقناعنا،
ثانيًا بجى، وهو الأهم، ياريت تخلي بالك من كلامك عن مزيونة أكتر من كده، بلاش تقللي من واحدة كل ذنبها إن حمزة اختارها. هو في الأول والآخر، دا اختياره على فكرة.
شهقت، تمسح بالمحارم الورقية على أنفها ووجنتيها بعنف، معترضة:
ـ لا يا خليفة، مش اختياره. أنا عارفة من زمان إنه "عندي"، وهو أكيد عمل كده عشان يتحداني أو يكسرني بعد المغرز الأخير اللي وقعت فيه، وكله بسبب مراتك.
هالة هي السبب. فضلت تحرّض فيا لحد ما غلطت ونفذت اللي كانت عايزاه، منها لله. كانت عاملة نفسها حبيبة معايا وخايفة على مصلحتي، وبمجرد ما حصل اللي حصل قطعت معايا، وحتى تليفون ما بتردش عليه. منها لله، منها لله.
ها هو يتأكد من ظنه دون مجهود، وعلى الرغم من الغضب المستعر بداخله، إلا أنه استطاع السيطرة على انفعالاته معها بكل سهولة:
ـ يعني أنتي بتعترفي وبكل بساطة إن هالة هي اللي وزّتك تعملي فضيحة للست الغلبانة؟
وجاية دلوك تصرخي إن حمزة فضّلها عليكي؟
طب هو كتب كتابه خلاص من أيام، والنهاردة دخلته، بعتّالي أنا ليه يا روان؟
بغض النظر عن هالة، عشان دي حسابها عليا، دا غير إني مزمجها أصلًا عند ناسها من يوم اللي حصل.
أظن يعني إن دموعك دي والشحتفة والبُكا كان من الأفضل يبجوا في بيتك وبين أهلك،
أنا إيه دخلي بانهيارك؟
معلش يعني، أنا مش هجف معاكي ضد أخويا مهما كانت معزتك عندي.
كان واضحًا، كان حازمًا، حتى أفحمها للحظات، حتى إذا ردّت أخيرًا، أظهرت وجهها الحقيقي:
ـ أنا عارفة إنك مش هتوقف معايا يا خليفة عشان أخوك، أخوك اللي فضّلته على نفسك زمان، وفضلت كاتم اللي في قلبك ناحيتي عشانه.
أنا مش غبية عشان مفهمش ولا أحس بمشاعرك.
ابتلع ريقه بتوجس، يسألها بحذر، يرفض رفضًا تامًا افتضاح أمره بالفعل أمامها، يُنهيها بصرامة أن تواصل:
ـ إيه اللي بتخربطي بيه دا يا روان؟ دا كلام تضيع فيه رقاب. اصحي وفوقي لنفسك يا بت الناس، وأنا هاعتبر نفسي ما سمعتش حاجة، ولا ألمّها وأقوم أحسن.
كاد أن يهمّ بالنهوض وتركها، قبل أن تصعقه بعرضها:
ـ خليفة... أنا بعرض عليك تتجوزني.
توقف لحظات متطلّعًا إليها بصمت، حتى صدر استفساره أخيرًا بعد استيعاب متأخر، بعد تجاوزه الصدمة:
ـ مين اللي يتجوز مين؟!
إنتي ناسية إنك كنتي مرّة أخويا؟
عايزاني أعدي ده وكمان على مراتي؟
إنتي عايزة تكيدي مين فيهم بالظبط؟
ـ الاتنين.
كادت بالفعل أن تنطقها، ولكن يكفي عليها أن يفهمها وحده، فردّت بضعف ونعومة تلمس عاطفته نحوها:
ـ مليش دعوة بحد فيهم يا خليفة،
أنا بس رجعت لعقلي دلوقتي وببص لمصلحتي زيهم.
إشمعنا هما يعيشوا حياتهم، وإحنا الاتنين نفضل في العذاب طول عمرنا؟
بُصّلي كويس يا خليفة، وبُصّ لنفسك.
جوازنا مش عيب ولا حرام،
الحرام هو إنك تعيش مع واحدة زي هالة لا عمرها شافتك ولا هتحس بيك،
وأنا أفضل بعيدة عن ابني،
واسيبه لواحدة جاهلة تربيه.
يرضيك يا خليفة إن إحنا الاتنين نندفن بالحياة؟ دا يرضيك؟
ـ لا طبعًا، ميرضنيش...
قالها في رد سريع، ثم أخرج من صدره تنهيدة مثقلة، ليردف ببعض الارتياح، وكأنه قد وجد نفسه أخيرًا:
ـ عارفة يا روان، إن أنا مفروض أشكرك دلوك، بجد والله من غير هزار.
بجالي سنين في توهة وأفكار غبية عن وهم صنعته في عقلي،
فاكر نفسي إني بحب من طرف واحد وكاتم على اللي بحسّه جوايا.
عمال ألوم نفسي، مرة في السكوت لحد ما سيبتك تضيعي مني وتروحي لأقرب ماليًا،
ومرة تانية إني مش قادر أطلع حبك من قلبي وأنا عارف إنه ما ينفعش.
توقف فجأة، زافرًا بغضب مكتوم:
ـ بقالك سنين، عارفة بكل ده، وحاسة بيه،
ويمكن كمان مستمتعة بالاحتياط اللي مستني رضا منك،
ولما ييجي وقت عوزته، هيركض ركض عليكي لما بس ما تشاوري...
لكن لا يا روان، مش أنا اللي أقبل.
روحي دوري على حد تاني بعيد عنّينا.
عيلة القناوي كلها رجال، مفيهمش واحد واطي ولا خسيس يناسبلك.
ونهض بعنف عن مقعده، هاتفًا بصوته الجهوري على النادل دون مراعاة لهيبة المكان أو وضعهما، وألقى عددًا من الأوراق النقدية على الطاولة:
ـ جرسون! تعال خد حسابك، والباقي خدّه بجشيش حلال ليك.
ورمقها بنظرة أخيرة بازدراء، عرفت منها مقدارها الحقيقي الآن بالنسبة إليه، قبل أن يذهب ويتركها في صدمتها.
…
مازالت الاستعدادات مستمرة، وقد حان الآن وقتها،
ولكنها رفضت أن تفعل أي شيء قبل أن تصعد إلى ابنتها وتطمئن عليها.
ولجت إلى داخل الغرفة التي كانت غارقة في الظلام، فخطت بأقدامها، شدّت ستار الشرفة، ثم فتحت شراعيها ليغمر ضوء الشمس نصف الغرفة، الأمر الذي جعل ابنتها تستيقظ من غفوتها على الفور وتغلق بكفيها على عينيها بعدم تحمل:
ـ باه عليك يا معاذ، أنا جيلالك، عايزة أنام يا شيخ، حرام عليك.
ـ ما أنا مش معاذ يا جلب أمك.
تفوهت بها مزيونة لتحط جالسة بجوارها على الفراش، ثم دنت تقبّل وجنتها وجبهتها، فقابلتها ليلى بوجوم قائلة:
ـ هو إنتي مش دخلتك النهاردة برضو؟
اجفلت مزيونة حتى تجلّى الارتباك في ردها:
ـ وه، مش تقولي صباح الخير الأول يا ليلى، صاحية على الأسئلة كده دوغري!
تمتمت ليلى تعيد لها القبلة على وجنتها:
ـ صباح الفل والورد ياما، معلش صاحية مش مركزة.
ـ مش مركزة برضو؟
تمتمت بها مزيونة في داخلها بتساؤل أصبح يراودها، عن الموقف الحقيقي لابنتها من زواجها. لقد أبدت من البداية موافقتها، بل والعكس لطالما كانت تلمح عن حمزة وعن رجولته وعن وعن، لكن ما إن تمت الخطبة القصيرة والمفاجأة حتى تغيرت معها بشكل غير مفهوم، المعاملة بينهما أصبحت فاترة بدون سبب. كم من مرة صارحتها تسألها عن موقفها من الخطبة لتعرف رأيها، ولكنها دائمًا ما تجيب بنفس الإجابة، ولا تريحها.
ـ ليلى يا حبيبتي هسألك تاني وللمرة السبعين حتى:
ـ موافقة على جوازة أمك اللي لا كانت على البال ولا على الخاطر؟ ولا لاه؟ جولي يا بتي، لو ملكيش غاية بلاش أوجف ومكملش.
استنكرت ليلى وهي تعتدل بجزعها حتى تجلس بجوارها:
ـ إيه هو اللي متكمليش ياما؟ إنتي جاية النهاردة وفي الليلة الكبيرة والناس والمعازيم مليّين الدنيا وهتجولي لا؟ هو لعب عيال؟ عمي حمزة كاتب كتابه عليكي يعني مرته شرعًا إنتي ناسية؟
ـ لا يا حبيبتي مش ناسية، بس خايفة أكمل وإنتي مش راضية؟ هيفيدني ساعتها سي حمزة؟
أشفقت ليلى حتى ألقت بثقلها عليها، تكرر لها وللمرة الألف:
ـ والله موافقة يا أمه، والله موافقة، أجولها كام مرة عشان تصدّقي؟ بلاش تزعليني من نفسي الله يخليكِ.
ضمتها مزيونة إليها أكثر، تقبّل أعلى رأسها:
ـ وأنا عمري ما أزعل منك يا جلب مزيونة، ولا عمر راجل هياخدني منك، لا تفتكري كمان إني هشوف نفسي وأنشغل عنك.
رفعت رأسها إليها تعارضها:
ـ وماله ياما لما تنشغلي بنفسك؟ أنا كبرت على فكرة، ولما اتجوزت فهمت أكتر، إنتي اتظلمتي جوي يا أمه، وحقك تشوفيلك يومين. عمي حمزة حنين وأنا واثقة إنه هيعوضك.
اكتنفها الخجل تأثرًا بكلمات ابنتها، حتى حاولت التشويش بالمزاح:
ـ يا أختي، لا عايزة عوض ولا زفت، أنا كده زينة وفل الفل، المهم خلينا فيكي، أنا عايزاكي دايمًا مبسوطة يا نور عيني.
وكان الرد من ليلى ابتسامة صافية، بصدق موقفها المؤيد، ولكن داخلها حرب شعواء، والسبب والدها الذي لا يكف عن الاتصال بها والشكوى مما حدث إليه من غدر، من قبل حمزة.
......................
أما عن عرفان الذي كان يغلي كفوهة بركان، يتحين الفرصة فقط من أجل الانفجار لتأكل نيرانه الأخضر واليابس، ذلك المتحذلق الذي علم عليه في كل المعارك التي خاضها معه، دائمًا ما يباغته، دائمًا ما يختار الوقت المناسب كي يضرب ضربته، وما أقسى تلك الضربة الأخيرة، لقد أخذها منه، أخذها منه بعد أن استفاق هو وعاد إلى وعيه وعشقه القديم لها.
ضرب بكف يده الغليظة على خشب الخزانة التي تحتوي على ملابسه حتى انشطر بشكل طولي من قوة الدفعة، يريد أن يفرغ غليله بأي فرد الآن، وكأنه محبوس داخل قفص حديدي مقيد بعد أن سُحبت منه كل الحيل. فكلما تهور هزمه الملعون بأقل الوسائل وأشهد عليه خلق الله، لا أحد يقف معه حتى عائلته، وقد نالهم الخزي من أفعاله كما يتحججون دائمًا. نيران تأكله من الداخل، كلما أتى بذهنه أن أحدًا غيره سيلمسها، يريد إطفاء حريق صدره بأي طريقة، حتى لو اضطر لافتعال جريمة.
ـ الغداء يا غالي، مش هتاجي تدب يدك في وكله زينة، بدل ما أنت بتاكل في نفسك.
تمتمت الأخيرة بصوت كالهمس، لكنها وصلت إليه مع تلك النبرة الشامتة التي أصبح يستشعرها منها طوال الأيام الفائتة، وكم من مرة فشّ غليله بضربها، ومع ذلك لا ترتدع أو تتراجع:
ـ إيه يا صفا، شكل جتك خدت على الضرب يا جزينة ولا هو بجى معاكِ إدمان؟ تحبي أريحك خالص المرة دي بطلوع روحك، النهاردة بالذات معنديش غير كده عشان تبجي عارفة يعني.
نثرت مجموعة من أوراق الجرجير التي كانت تتسلى بهم من فوق صينية الطعام، لتسخر بهدوء وعدم اكتراث، تزيد عليه:
ـ اشمعنا النهاردة بالذات يعني؟ لا تكون خسرت في شغلك كمان، اهو دا اللي ناقص، هتبقي خسارة وجلة قيمة كمان اهو دا اللي ناقص....
وكأنه كان في انتظارها، اندفع بدون انتظار ليهجم عليها ويضع كفيه الكبيرتين على عنقها عازمًا على خنقها والتخلص منها:
ـ أنا هخليها جلة قيمة وجلة عقل كمان بالمرة وأطلع روحك المرة دي في يدي.
بعنفه وقوته المفرطة كاد يكسر رقبتها بين يديه بالفعل، حتى لم يشعر بنفسه إلا بعد صراخ صغاره وابنه ناصر أكبر أطفاله منها، وهو يضرب بكلتا يديه على كل منطقة يطالها من جسده؛
ـ بعد يدك عنها، والله لو موتها لموتك أنا كمان، بعد.
دفعها بقوة حتى أوقعها على الأرض، فجثا الفتى بجوارها يربت عليها ويتبادل نظرات التحدي مع والده الذي تجمد في مكانه، يلهث بصدمة، لقد كبر الفتى وشب رغم صغر سنوات عمره، لتطول يداه على والده. يبدو أن صورته اهتزت ولم تعد له قيمة بالفعل حتى في بيته.
زفر ليسحب نفسه فجأة مغادرًا من أمامه وشياطينه معه.
..........................
كلما مرّ الوقت، كلما اشتعلت مظاهر الفرح أكثر فأكثر،
رغم أنها كانت قد شددت عليه ألّا يُفرط في الاحتفال كما كان ينوي وأن يجعلها ليلة تشهد عليها البلدة بأكملها.
تذكّرت أنه في هذا اليوم، قد صرخت به أمامهم جميعًا حتى لا يفعلها،
فهادنها، وادّعى طاعتها، باختصارها على ليلة للذكر الحكيم،
مع دعوة الأقرباء إلى مأدبة طعام… فصدّقته.
ثم جاء اليوم، وشهدت بأم عينيها نصبة الفَرَاشة التي شملت حيًّا كاملًا،
وعدد الذبائح التي تكفي بلدةً كاملة،
ثم المزمار البلدي اشتعل منذ أذان العصر،
ووصلت منه أصوات التهليل من الرجال، والرقص على الأحصنة،
وكأنه مهرجان أو مولد!
زادها ذلك حرجًا وهي في مراحلها الأخيرة
تحت يد الفتاة التي تقوم بتزيينها،
رغم أنها لم تكن تريدها من الأساس،
لكنها اضطرت إليها بعدما أصر برأسه أن يأخذها
إلى أكبر مركز تجميل في المحافظة.
كان يكتنفها حرج غير عادي،
تتمنى فقط أن يمر كل شيء في هدوء،
فهي تكره هذه الجلبة التي لا داعي لها.
ــ بسم الله ما شاء الله، لا قوة إلا بالله،
قمر وبدر منور يا مزيونة!
هتفت بها "منى" من خلفها فجأة، حتى انتفضت على أثرها،
ثم تبسّمت لعفويتها مرددة بخجل:
ــ مش جوي كده يا منى،
دول شوية مكياچ وبودرة في الأول وفي الآخر يعني.
ــ مكياچ مين يا مجنونة اللي هيخلي الواحدة بالحلاوة دي؟
صاحت بها "محروسة"، زوجة شقيقها، متدخلة في الحديث
علّها تخفف عنها قليلًا من توترها،
فهي الشاهدة على مأساتها منذ بداية اليوم،
مع محاولاتها الحثيثة لتحفيزها.
ــ بصّي في مرايتك زين يا مزيونة،
وشوفي الحلاوة الربّاني لما ينضاف عليها
بس شوية ألوان يبيّنوها،
والله ما كدبت لما قالت "قمر يا حبيبتي، وبدر منور"!
ختمت عبارتها بقبلة حانية على وجنتها،
فصرخت "منى"، التي كانت تتابع بتأثر:
ــ عندك يا محروسة!
هي حبيبتك آه، بس من بعيد لبعيد الله يخليكي،
معانا واحد مجنون،
لو شاف حد بيلمس ممتلكاته، هيعملها جناية!
ضحكت "محروسة" مع الفتاة التي كانت تلملم أدواتها،
على عكس "مزيونة" التي تطلعت إلى "منى" بخجل متضاعف، تنهاها بحذر:
ــ بلاش الكلام ده يا منى،
لأحسن والله لو زوّدتي،
هجوم ويسيبها لكم خالص!
ــ تروحي فين يا غالية؟
بعد خلاص ما دخلتي القفص؟
ولا السبع اللي برا ده هيسمح أصلًا؟
ده مصدّق!
قالتها "منى"، ثم اقتربت تعانقها من الخلف،
تقبّلها على رأسها، تخفف من جرعة الضغط عليها بالمزاح:
ــ رجلك شغالة هز تحت الكرسي،
ولا اكنك عروسة في أول دخلتها،
وشّي بجى في الأرض من البِت الكوافيرة
اللي واخدة بالها وعمّالة تضحك!
التفّ رأس "مزيونة" فجأة بالفعل نحو الفتاة،
فلحقت بها "منى" تهمس في أذنها:
ــ يا بت بهزر معاكي، ما تفضحِناش!
أنا بس قاصدة أناغشك،
تعالي بقى، الحريم والكل مستنيكي برا.
استقامت تسحبها من يدها،
لكن "مزيونة" تشبّثت قدميها بالأرض، تعترض:
ــ بلاش يا منى، خلّيني هنا،
هي الحريم دي لازم تشوفني يعني؟
اشحال ما كانت ليلة عزاب!
قهقهت "منى"، معقّبة:
ــ يا أختي احمدي ربنا على كده،
ده "حمزة" كان عايز يعمل كوشة ومسرح وحكاية!
ــ أيوه، عشان كنت سيبتها له خالص!
ضحكت "منى" لتسحبها من يدها ساخرة:
ــ تاني برضه يا "مزيونة"؟
تعالي يا خيتي، وبلاها أحلامك دي!
خرجت بها بالفعل من داخل الغرفة
التي كانت تتخفّى فيها منذ الصباح بحجة الاستعداد لليلتها،
لتنزل بها الآن، وهي تتشبث بها كعروس بكر،
ليس خجلًا، بقدر ما هو قلق شديد طُبِع في الذاكرة
من مخلفات الماضي البائس...
---
وما إن أطلت بها من أعلى الدرج، حتى صدحت أصوات الزغاريد تُجلجل المكان،
وتفاجأت "مزيونة" بالعدد المهول من النساء اللاتي لا تعلم بصفة معظمهن،
ولكنها مضطرة للتعامل والتكيّف.
تلقّفتها "حُسنية" تُقبّلها وتضمّها إليها بأمومة ليست غريبة عنها،
ودارت بها على النساء الكبيرات من عائلتها،
حتى استقرّت "مزيونة" في النهاية بجوار ابنتها،
التي جلست في مكانٍ مبتعدٍ إلى حدٍّ ما عن الضجيج،
حرصًا على سلامتها وسلامة جنينها،
فكلّ حركتها محسوبة بشدة.
اندَمَجت قليلًا حتى كادت أن ترتخي،
لولا صوته الذي صدح فجأة يجذب أنظار الجميع نحوه:
ــ "وه! عروستي جاعدة هنا يا غجر،
وأنا جاعد برّا بسلم على الخناشير!"
أثار بمزحته ضحكات النساء وتعليقات شقيقاته،
الأمر الذي انعكس عليها بالمزيد من الحرج،
حتى همست إلى "منى" موسوسة لها:
ــ أحبّ على يدك، قولي لأخوك يلمّها!
مش كفاية المقلب اللي شربته، وقال لي بأن الليلة على الضيق؟
أمال لو على الواسع كان عمل إيه؟
تبسمت "منى" لها بقلة حيلة،
رغم ابتهاجها الشديد لفرحة شقيقها،
الذي عاد بأفعاله لعريس صغير في العشرين من عمره.
تبادل هو المزاح مع النساء من أقاربه، ثم تقدّم نحوهن،
فقبّل رأس "ليلى"، التي ناظرته بامتنان شديد،
رغم الحيرة التي كانت تعصف برأسها.
تركها لـ"معاذ"، الذي أنهضها بحرص شديد،
ليصعد بها، مكتفيًا بذلك الجزء القصير من الوقت
في حضور تلك الليلة الهامة.
واتّخذ "حمزة" محلّها بجوار عروسه، لكن من الجهة الأخرى،
ليُبادرها على الفور بمشاكسته:
ــ إزيك يا عروستي يا حلوة؟
لم يتأثر بصمتها،
وعيناها الجميلة المرسومة تطالعه بشرر الغيظ
الذي تكنّه داخلها الآن بسببه.
ــ الحلو ساكت ومبيـرُدّش ليه؟
تمكنت هذه المرة من التحدث،
تهمس محذّرة له:
ــ اعقل يا حمزة،
عشان أنا بقيت حاسة نفسي مسخرة وسط الحريم
اللي بتقلب عينيها فيّا.
قطب فجأة، عاقدًا حاجبيه،
حتى ظنّت به الغضب،
لكنّه ألقى بنظرة مُقيّمة عليها،
من تلك الطرحة التي أُلقِيَت على الشعر المصفف بعناية،
بقصة لا تناسب إلا ملكات الجمال،
حيث الشعر المدرج الطويل على جانبي الوجه،
بزينة تليق بالمناسبة،
حتى جعلتها ليست فاتنة فحسب،
بل هي "فتنة" كاملة.
نزلت عيناه على الفستان الواسع بلونه السماوي،
الذي انتقاه بنفسه،
كي يرى بعينه حسن اختياره،
على ذاك القَد الملفوف،
الذي أحدث داخله مشاعر لا يصحّ لها الظهور الآن على الإطلاق...
فرفع عينيه سريعًا،
يعود إلى عبثه قائلًا:
ــ ما هو ده الطبيعي،
إنها تقلب عينيها فيكي وتغير كمان منك.
تصدجي بجي أنا أقتنعت دلوك بس بوجهة نظرك،
لما رفضتي نعمل كوشة ولا ليلة كبيرة ومسرح!
تخيّلي بقى عيون الستات،
لو انضمّت ليها عيون الرجالة؟
والله كنت صوّرت فيها جتَيّل!
للمرة المئة، يُربكها بجرأته في الحديث،
والنظرات التي ليست غبية عن الانتباه لما خلفها،
الأمر الذي جعلها تميل عليه وتذكّره:
ــ برضه هاجولك تاني يا حمزة،
عشان بس ما تعشّمش وترجع تتصدم...
بلاش اللهفة الزيادة، وانت عارف اللي فيها.
كاد أن يستفسر عن مغزى ما تقصده،
لكن سرعان ما تذكّر،
لتصدح ضحكته العالية حتى لفتت أنظار النساء إليهما،
فدنا منها هامسًا:
ــ واخد بالي يا باشا؟
اعتبر نفسي متجوز واحد صاحبي...
أو مش متجوز أصلًا!
أومأت برأسها تطالعه بتوجّس،
فعاد يضحك بصوت مكتوم مرة أخرى،
مغمغمًا بصوت لا يسمعه سواه:
ــ عَدّيها على خير الليلة دي يا رب...
... يتبع بالجزء الثاني.
ما هذا الذي يسري في دمي كتيارٍ دافئٍ لا أُحسن مقاومته؟
كلُّ شيءٍ بداخلي يُعاد تشكيله...
أنفاسي تتلعثم، نبضي يختلّ، وقلبي...
قلبي كأنّه يُجرّب الخفقَ لأول مرة.
أنظر حولي، فأُبصر العالم بعينٍ غير عيني،
كأنني خرجت من نفسي إلى نسخةٍ أكثر دهشةً وارتباكًا.
اللمسةُ صارت دافئةً على غير العادة،
والصوتُ الذي كان يمرّ عابرًا، بات موطنًا دافئًا لروحي.
أهذا هو الاكتمال؟
أن ينتمي أحدهم إليك دون أن يُقيّدك؟
أن يقتحم حصونك المُحكمة،
يزيل عن جدرانك ندبات الأمس،
ويُريك نفسك كما لم تعرفها من قبل؟
ويُربكك، لا بالخوف، بل بحنانٍ تجهله؟
كلُّ شيءٍ غريب،
لكنّ الغرابة فيه لذيذة، شهية، مغرية حدّ الاستسلام.
أنا التي ظننتُ قلبي صلبًا...
ها هو يذوب بين كفَّي قدرٍ ناعم.
أهذا جزاءُ صبري؟
أهذه هديةُ السماء المؤجّلة؟
أم أنّني كنتُ طيّبة بما يكفي ليستجيب الله لقلبي المنكسر بهذا العوض؟
ربّاه... ما أحلى أن تجهل الشعور، ثمّ يأتيك طاغيًا دون استئذان،
ليُعلن أن عهد التيه قد انقضى،
وأنك، أخيرًا... اكتملت.
روووووعة الخاطرة والمراجعة مع الجميلة/ سنا الفردوس
الفصل الواحد والثلاثون – ج٢
ـ مشيوا خلاص يا معاذ؟
بادرته ليلة بسؤالها فور أن دلف إليها إلى داخل الغرفة التي صعدت إليها بعد نصف ساعة فقط من حضور الحفل المتواضع لزواج والدتها، ليجيبها معاذ الآن بفرح أشرق بوجهه:
ـ مشيوا أخيرًا يا قلبي! يا سلام، يا أما أنا فرحان جوي يا ناس، كده مبقاش زيتنا في دقيقنا وبس، دي بقت رابطة جوية مننهاش منفذ.
أومأت باستجابة إليه بابتسامة ضعيفة، فجلس هو على طرف الفراش يخلع الحذاء من قدميه، ثم خلع سترته العلوية وهمّ بخلع البقية، لكنه انتبه فجأة لشرودها فتوقف سائلاً:
ـ مالك يا ليلى؟ في حاجة شغلاكي؟
تطلعت إليه بعجز وصل إليه، وكأنها تخشى البوح، الأمر الذي أثار قلقه، فسقط جالسًا مقابلها يحثها برجاء:
ـ لا يكون في حاجة تعباكي؟ ردي يا ليلى الله يرضى عنك، أنا على شعرة والله!
سارعت بالنفي تطمئنه:
ـ مفيش يا معاذ، أنا بخير وعال العال جدامك، أهو.
ـ أمال إيه بس؟
عادت للصمت مرة أخرى، حتى فاض به فصاح بها:
ـ ما هو سكوتك ده بيخليني أتأكد أكتر إن في حاجة، اتكلمي بجى وريحي قلبي!
وكأنها كانت في انتظار انفجاره، لتنطلق في نوبة مفاجئة من بكاء حارق، ضاعف من جزعه:
ـ هي وصلت كمان للبكا! يا مرك يا معاذ، العيل اتضرّ صح؟
ردت بانفعال صارخة به:
ـ جولتلك لاه، جولتلك لاه! أنا بس...
ـ انتي إيه؟... معقول تكوني زعلانة عشان أمك اتجوزت؟
صدر ترجيحه الأخير بتخمين ضعيف، لكنه سرعان ما تأكد من ظنه حين وجدها صمتت فجأة تطأطئ رأسها، حتى استجمعت شجاعتها لتتكلم أخيرًا:
ـ مش غيرة والله يا معاذ، ولا أنانية، بس...
لم يقاطعها، بل فضّل الانتظار لتُخرج كل ما يؤرقها:
ـ أمي اتظلمت كتير، كتير جوي. أنا أصلًا من يوم درِيت بنفسي والدنيا، وأنا شايفاها لابسة أسود. الأول كان حزن على سِتي، وبعدها حزن على سيدي، لكن تلبس ملوّن ولا تتنزّه زي باقي الستات؟ لأ. ياما الزفتة صفا كانت تكيدها بكل شغل الستات المعروف، وهي كانت تبلع وهي ساكتة. أبوي تاركها زي البيت المهجور تحت عينه، وبرضه ساكتة. ودلوك بعد السنين دي كلها، إن ربنا يعوضها بعمي حمزةعشان يفكرها بعمرها، ويرجعها لسنين صباها اللي انسرقت منها، دي حاجة فوق الخيال بالنسبالي، بس... معرفش ليه حاسة بحاجة وجعاني مش قادرة أحدد هي إيه.
تبسم معاذ بحنو، ليميل على رأسها يقبّلها، يربّت على خدها بكفه:
ـ طب بس بس، هوني على نفسك، يا شيخة خلعتيني. الحيرة واللخبطة دي أكيد يعني شعور طبيعي عشان الوضع الجديد. فوقي فوقي، دا أكيد بس عشان سيبتك لوحدك الشوية دول، اصحي كده واستعيذى من الشيطان.
تنهد مستقيمًا في وقفته:
ـ هغير هدومي واروح أصلي ركعتين، أخلصهم، وأجي أقرالك شوية قرآن، أكيد دي عين، على رأي أمي.
تركته يذهب ليدور ذهنها مرة أخرى في تلك الحيرة. فسبب الوجع الذي أخبرته عنه تعلمه جيدًا، ولا تستطيع النطق به، فوالدها الذي تذكّر فقط الآن أن له ابنة، لا يرحمها باتصالاته ورسائله.
.......................
شجار آخر يصلها من خارج الغرفة التي تلتزم بها. والدها، الذي لو يطال أن يخنقها بين يديه أو يطردها لسوف يفعل، لكن يمنعه العار كما يقول دائمًا في التخلي عنها، رغم أنها لا تستحق. كم من مرة توقعت أن يسحبها من يدها ويلقيها تحت أقدام حسنية، كما كان يهددها سابقًا. لكن يبدو أن الرسائل القادمة من الجهة الأخرى تخبره ألا يفعلها، حتى لا يقلّ بقيمته إن رفضها ابن شقيقه خليفة.
خمد الصوت فجأة بخروج والدها كما خمّنت، ليأتي دور والدتها الآن في لومها. وكما توقعت، لم تنتظر المرأة لتلج إليها موبخة:
ـ طبعًا جاعدة هنا ورا الشباك وبتتفرجي على زينة الفرح وأنتي ولا هامك! طب يهمك كيف وانتي مدسية هنا واحنا اللي الناس واكلين وشّنا؟ كل اللي رايح واللي جاي يسألنا أنا وأبوكي: كيف هالة مجعداش في الفرح؟ كيف جوزها سيبها لحد دلوك؟ خليتي اللي رايح واللي جاي بيجيب في سيرتنا! هموت وأعرف، هببتي إيه يخليهم يرموكي كده؟ دي خالتك احرجت نفسها وراحت لحسنية وكلمتها، وكان رد الست السكوت وبس!
عند الأخيرة، لم تتحمّل أن تصمت، لتعقب ردًا:
ـ أحسن! تستاهل، كان حد طلب منها تتقدم؟ ما تخليها في نفسها وبناتها! ده إيه الهم ده!
شهقت المرأة ضاربة بكفها على صدرها:
ـ يعني دي جزاتها يا هالة؟ الولية اللي باصة على عمارك تفرحي فيها كده؟ تصدقي بالله، انتي ما حد جايبهالك غير طولة لسانك دي! خلي جلة أدبك دي تنفعك لما تخسري من كله.
وخرجت سريعًا تصفق الباب بحدّة، تتركها في غيظها تحدث نفسها بتوعّد:
ـ ماشي يا خليفة، خليت اللي يسوى واللي ما يسواش يفرح فيّا عشان أخوك والمحروسة! طب أهو الكلام ثبت والناس كلها اتأكدت، بس هقول إيه فيك يا حمزة، فاجر وما حد يقدر يدوسلك على طرف، حتى وكل الناس عارفة اللي فيها ومحدش برضه يقدر يتكلم! فوضت أمري لربنا فيك يا حمزة، فوضت أمري لربنا...
.......................
لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.
ذلك المنزل الذي أُسِّس من أجلها، وتمّ بناؤه بالصبر والأمل، ليكون سكنًا له ولها، يجمعهما سقفٌ واحد بداخله.
لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.
أمام مدخله الآن، كانت تتلقى الدعم والتهنئة والمباركة من شقيقها، الذي لم يتخلَّ عنها يومًا، على قدر ما يستطيع، ورغم قلة إمكانياته.
ضمّها إليه بفرحة الوصول بها أخيرًا إلى بر الأمان، ومحل الثقة، بعد سنوات من العذاب والألم الذي كانت تكابده.
بماذا يُعبّر؟ لا تُسعفه الكلمات حقًا.
تركها باطمئنانٍ تام، أنها الآن في حوزة حمزة؛
سوف يعوّضها عمّا فات، ويعيد إليها ذاتها التي طُمست في سنوات الجهد والعذاب، في زيجتها البائسة الأولى.
كان عمره حينها أصغر من أن يعي خطورة الوضع ليملك حق تقرير مصيرها برفض عرفان، حتى كبر ورأى وفهم، فخُلِقت في قلبه غصّة، لم يشعر بزوالها سوى اليوم.
وبعد ذهاب الجميع وعودتهم إلى منازلهم، لم يتبقَّ سواه معها.
أغلق الباب عليهما سويًّا، لتبدأ معه حياة جديدة، لم تكن في خطتها من الأساس.
بصمت وتفهُّم، جعلها تسبقه في الدخول، وهو بخطواته المتمهّلة يتبعها، حتى توقفت في وسط الرُّدهة والتفتت إليه بحدّة، قائلة:
ـ هنام فين بَجى؟
تابع تقدمه نحوها، ملوّحًا بكفّيه أمامها:
ـ ودي عايزة كلام؟ أكيد في أوضتنا أنا وانتي، اللي على الناحية الشمال جدّامك.
اتجهت أبصارها نحو الجهة التي أشار إليها، فتذكّرت تلك الغرفة التي استفاقت داخلها يوم أن فقدت وعيها، وما سبقها من أحداث مؤسفة تودّ طمسها من عقلها، ولكنها كانت سببًا فيما تمّ.
لم تعِ بوقفتها وحيرتها تلك أنه قد اقترب، حتى شعرت بذراعه التي التفّت حول خصرها تسحبها إليه وتصطدم بصدره، فخرجت منها شهقة إجفال، نابعة من خوفها، لتصله رجفتها بين يديه، حتى سارع بطمأنتها:
ـ هششش، اهدَي... اهدَي يا مزيونة.
بتروٍ شديد، صارت يده تمسح على ظهرها، يضمّها بلطف لا يخلو من حزم، كي لا يترك لها فرصة للهروب منه، موجّهًا كلماته إليها بصوتٍ عميق... عميق جدًا، وقد تخلّى عن عبثه، واضعًا تهدئتها نُصب عينيه... وأن يرتخي تشنجها أولًا، ثم يأتي كل شيء بعد ذلك.
ـ مالك بتترعشي ليه؟
ارفعي عينِك الحلوة دي وحطيها في عيني، ليه تتوتّري أصلاً؟
أنا حمزة... حمزة اللي جابل منك حتى الفُتات، زي ما قولتلك قبل سابق، يبجى متبخليش عليّا حتى بالنظرة.
تغلغلت كلماته الرقيقة إلى مسامعها، لترفع رأسها إليه، وتلتقي عينيه بخاصّتيها الحائرتين، التائهتين، وكأن داخلها غريقٌ يبحث عن طوق نجاة.
فتحدثت أخيرًا:
ـ أنا عارفة إنك حمزة... عارفة إنك غير اللي فات، غير كل الرجالة كمان، بس...
وقطعت كلامها، تخفض أبصارها مرةً أخرى، ولكنه أبى أن يتركها تتوقف، فرفع ذقنها بطرفي إصبعيه مشددًا:
ـ كمّلي... متوَجفيش.
ابتلعت رمقها لتجسر على المواصلة، وتتحلى ببعض الجرأة في مصارحته:
ـ أنا عايزاك تقدّر خوفي يا حمزة.
ـ مقدّر.
ـ الكلام غير الفعل، وانت بتتكلم بثقة عشان لِسّاك على البر، مجرّبتش...
أنا قعدت في ذمّة عرفان أكتر من عشر سنين من غير ما يجرّبلي، وعِشرتي قبلها معاه كانت كلها مشاكل بسبب الموضوع دِه...
يعني لما جُلتلك إني منفعش، كان بسبب كده.
تعقّد حاجباه فجأة، يُعقّب بتفكه على تصريحها:
ـ آه! وانتي فاكراني كده هزعل يعني؟
ولا حاطّة في بالك إنك بتدّيني حذري عشان ما انصدمش لما يحصل المُراد؟
ده برضو كلام يا صاحبي؟
قصد بالأخيرة التخفيف عنها، فبزغت ابتسامة رقيقة بزاوية ثغرها، وشفاها المطلية بالأحمر القاني.
نظرة واحدة منها كادت أن تُطيح بثباته، وهو في أمسّ الحاجة للصبر والتمهُّل معها.
صدرَت منه حمحمة خشنة، وصوت بالكاد يستجمعه:
ـ بَجولك إيه... ما تسيبك من كل الأفكار والهواجس اللي في مخّك دلوك، ونشوف الأهم.
ـ هو إيه الأهم؟
وما كادت أن تنهي سؤالها، حتى وجدته يرفعها بغتة بين يديه ويحملها قائلًا:
ـ هنروح نصلّي الأول.
هتفت بتوتّر:
ـ طب وشايلني ليه مدام هنصلّي؟
رد وخطواته السريعة تعرف طريق وجهتها:
ـ عشان أنا حالف إنك ما تدخلي الأوضة الليلة دي غير وأنا شايلك.
احمدي ربنا ما عملتها على عتبة البيت جدام أخوكي وعياله!
ـ وه...
ـ واهين! حتى عندِك اعتراض
................................
دخلت منى خلف زوجها إلى داخل منزلهما بشعور من الارتياح يغمرها، وابتسامة لا تفارق محياها، عائدَين من حفل الزفاف الذي تم كالسحر اليوم.
ـ حمزة الفرحة مش سايْعاه يا منص، وكأنه مش مصدق إنه أخيرًا حقق حلمه بجوازه منها!
عقّب منصور وهو ينزل ابنته التي كانت نائمة على كتف ذراعه، ليضعها على الأريكة التي تتوسط المدخل:
ـ عشان حبها بجد. أخوكي على قد ماهو ناصح ولف ودار، لكنه ما طالش الإحساس الحلو ده غير معاها. واخدة بالك يا حب عمري إنتِ؟
جلس أخيرًا ليسحبها من يدها كي تجلس هي أيضًا، ثم التفت بذراعه حولها يضمها إليه، يقبّل رأسها مردفًا:
ـ اللي جرب بس هو اللي يعرفه، كد حلاوته، كد عذابه برضه، لكنه الحياة نفسها. ربنا ما يحرم حد من حبيبه.
مالت هي برأسها على صدره تريحه، كي تتمتع بلطف مودته وعشقه:
ـ آمين يارب، أنا بجى جربته وعرفته على يدك. كتير جوي أسمع عن فلان بيحب فلانة وفلانة عادي، لكن إن يخليها برضه تبادله نفس الشعور، ده التحدي نفسه، وانت فوزت ونجحت وخلتني أحبك أكتر كمان.
شدّد منصور من ضمّته، يريح ذقنه أعلى رأسها، يتنهّد براحة قائلًا:
ـ متهيألك يا منى، أنا حبي زي المرض! الناس اللي في حالاتي عقلهم بيطير منهم لو ما طالش الوصال مع محبوبه. الحمد لله أنا كنت دايمًا ماشي بدعواتي إن ربنا يوضَع اللي في قلبي في قلبك، وربنا كان رحيم بيا وحقق لي أمنيتي.
ـ ونعم بالله.
تمتمت بها ثم استدركت تسأله بتذكّر:
ـ إلا صحيح يا منصور، ما قولتيش عملت إيه مع خليفة؟ وافق بقى يرجّع هالة؟
زفر الأخير وارتخت ذراعه عنها، ليجيبها بقنوط:
ـ للأسف يا مني، شكل الموضوع كبير جوي مع أخوكي. أنا ما رضيتش أرد عليكي ساعة ما سألتيني جدّام أمك عشان مزيدش عليها، بس خليفة زعلان جوي، وساكت، مابيطلّعش اللي في قلبه حتى عشان الواحد ياخد ويعطي معاه في الحديت.
عقّبت على الأخيرة تؤيده:
ـ دي حقيقة فعلًا، خليفة كتوم طول عمره، لا هو بجرأة حمزة ولا بجنان الصغير. يعني هالة دي أصلًا ولا كانت على باله ولا من نصيبه، ومع ذلك لما عرض أبوي عليه جوازها بعد عملة حمزة، برفض إنه يتجدملها وافق عشان يرضيه، رغم علمه بعيوبها اللي كنا كلنا نعرفها من واحنا عيال صغيرين. الله يهديها، البت دي تعبتنا كلنا معاها.
...
بعد أن انتهيا من الصلاة سويًا، وقرأ على رأسها دعاء الليلة حتى يُحفّ زواجهما بالبركة والمودّة، نهض عن سجادته بظنٍّ منه أنها ستقوم معه، لكنها تحججت برغبتها في ركعتين إضافيتين.
فتركها لرغبتها، لكنها طالت وأطالت، وهو في انتظارها قرابة النصف ساعة الآن، حتى تربع بقدميه بصبر يتعلمه على يديها.
وظل على سكونه، حتى إذا انتهت أخيرًا، والتفتت برأسها إليه، وجدته جالسًا على الفراش بابتسامة ارتياح يطالعها.
التفتت مرة أخرى إلى الأمام، لتظلّ في مكانها، وكأنها التصقت بسجادتها.
وبدون انتظارٍ آخر، قفز سريعًا ليلحق بها قبل أن تعود للصلاة مرة أخرى.
فجذبها من يدها على حين غرّة، كي تقوم معه من مكانها.
استجابت، تتركه يسحبها، ويسير بها حتى جلس، وأجلسها مقابله على طرف الفراش، يخلع الطرحة من رأسها، لينثر الشعر الحريري حول وجهها، ويتأملها بعدما مسحت عن وجهها كل المساحيق.
وعلى الرغم من جمالها بتلك الزينة، إلا أن بهذه النضارة وملامح الوجه التي وضع الخالق بصمته عليها، تجعل الطبيعي أجمل بألف مرة.
حتى والحيرة ترتسم على ملامحها بوضوح، فوجد صوته أخيرًا يمازحها:
ـ مش هناخد اليوم كله في الصلاة... ولا إيه يا صاحبي؟
أهدته ابتسامة ضعيفة أخرى، فيما يجتاحها من الداخل مشاعر متصارعة، جعلتها تفقد تلك الميزة في تحدّيه...
طريقه طويل، وعليه أن يبدأ الآن.
تناول كفها بين يديه، يرفعه إليه، معلّقًا:
ـ ـ تصدّجي إن دي أول مرة أمسك فيها يدك؟
ده أنتي حتى الدهب ما خلتينيش ألبسهولِك، ولا حتى أشوفه عليها...
بس بيقولوا: "إن اللي يدها حلوة، هي كمان حلوة."
أرفق الأخيرة بنظرة إليها ذات مغزى زادت من توتّرها، ليفاجئها بسؤاله:
ـ ليه مارسَمتيهاش بالحنّة يا مزيونة؟
ردّت بحرج، وهي تجاهد أن تنزع يدها منه:
ـ عادي... ما بحبهاش، وحسّيتها مش لازمة يعني بصراحة.
تلقّت ردّه بابتسامة، وهو يمسح بإبهامه على ظهر كفها:
ـ شوفي... رغم إني بحبها، بس بصراحة كده أحسن.
عشان اليد الحلوة دي أشوفها وهي على طبيعتها أحلي...
ناعمة جوي، ولا كأنها حتة مارشميلو!
أمال دي لو لقت الراحة والدلع، هتبقى كيف؟
وهنا، وقد بدأت تستشعر الخطر، حاولت بقوة أن تُفلت يدها منه، لكنه شدّ عليها، بل زاد أكثر هذه المرّة، بأن رفعها إلى فمه، يُقبّل كل إصبع وحده.
فسرَت داخلها قشعريرة، وعاد الخوف يزحف إليها، لتطالبه دون انتظار:
ـ حمزة... أنا عايزة أنام وحدي، تطلع انت من الأوضة؟ ولا أطلع أنا؟
توقّف لحظات يطالعها بجمود، وهي تبادله بانفعال جعل صدرها يصعد ويهبط بتسارع.
وبدون أن يتفوّه بكلمة، حسم وجذَبها من ظهرها إليه، يضمّها بين ذراعيه، ويُجفلها للمرة الثانية، قائلًا:
ـ عايزة تبعدي؟ وأنا ما صدّجت أقرّب!
أي نوم ده اللي هييجيلي لو نمتي بعيد عني؟ ومن غير ما آخدك في حضني؟
حُطيها في علمك من دلوك، من النهاردة حضني بجى بيتك...
ومافيش مرة تبعد عن بيتها، حتى لو حصل خلاف بينها وبين راجلها.
هل أصابها الخرس؟
أم أن كلماته أصابت شيئًا ما داخلها أفقدها النطق وعزيمة الرفض؟
حتى باغتها، مستغلًّا لحظة التشتّت، ليهبط برأسه نحو ثغرها الشهي، يُشبِعها ويُشبِع شوقه منها، لم يترك لها فرصة للاعتراض أو الصد، فكانت كلما تحاول — حتى مجرد محاولة — يُحبطها بطريقته. فقد نفد صبره منها تمامًا، ويجب عليها الآن أن تدرك الفرق جيدًا... بين الرجال وأشباه الرجال،
وأن تعي أنها امرأة كاملة الأنوثة، لا ينقصها شيء... سوى رجل يُدرك قيمتها الحقيقية.
فتنوّعت لمساته بين حزمٍ ولطف، ومداعباتٍ وتدليل، ومهادنة، وكأنها بِكر في أول زواج لها،
حتى يصل بها إلى النقطة التي تجد بها ذاتها؛
تلك المرأة التي وهبها الخالق أنوثةً مهلكة، لكنها لا تراها، ولم تكن تشعر بها.
أنانيٌّ هو، إن اكتفي بما يريده منها، دون أن ينظر لما تحتاجه.
ففي تلك اللحظات، لا يصحّ الأخذ فقط دون العطاء… والعطاء ببذخ، كما يفعل هو الآن.
وبعد وقتٍ طويل، حين سمح لها أن تلتقط أنفاسها أخيرًا، نظر إليها بابتسامة متخمة بالسعادة، يمطر جبهتها بعدة قبلات، قائلًا:
ـ ده انت طلعت جامد جوي يا صاحبي!
...........................
في بقعةٍ قريبة من النيل الذي يجري على حدّ بلدتهم،
ألقى من يده السجادة التي أتى بها من حقيبة السيارة، فرشها على الأرض، ثم وضع عليها الوسادة واستلقى، واضعًا ذراعه تحت رأسه، وعيناه نحو السماء ونجومها التي تتلألأ أمامه.
لقد حان وقت الخلوة مع نفسه، حيث السكون والهدوء بعد انتهاء "الليلة الكبيرة" التي أدّى فيها واجبه على أكمل وجه كعادته، دون أن يتحدث أو يفضي لأحد بما يعتمل في قلبه من حزن وقهر.
رغم كل المحاولات التي قام بها زوج شقيقته، وشقيقه معاذ، وحتى حمزة، الذي لا يليق به الانشغال بغير نفسه في هذا اليوم، إلا أنه جاهد لاستدراجه ولو بكلمة، لكنه أفلت منه كما أفلت من البقية.
هذه طبيعته؛ لا يجد راحته إلا في العزلة، ولن يُشفى إلا بذاته، مهما بلغ عمق الجرح. حتى وإن كان هذه المرة يمس كرامته: بين امرأة تعلّق قلبه بها واكتوى بنيران قربها بزواجها من شقيقه، لتأتي الآن وتظهر وجهها الحقيقي الذي خُدع فيه،
وأخرى، ابنة عمه، التي تزوّجها وعاشت في كنفه عددًا لا بأس به من السنوات، حتى أنجب منها طفلين، يفترض أن يقويا رابطة الزواج، لكنها أبدًا لم تعتدل أو تتغيّر.
يعلم الله أنه حاول كثيرًا، أن يجعلها تكتفي به ويكتفي بها، قدّم لها الحب والمودة، لكن عقلها اليابس وقلبها الأسود لم يتأثرا أبدًا بتلك المحاولات.
حظّه البائس أوقعه بين زوجين من النساء، ما أبشعهما:
إحداهن تدفعها الكراهية لأذية الجميع دون استثناء،
والأخرى ناعمة بنعومة الأفاعي، جميلة من الخارج، وبشعة من الداخل.
مرّ بذهنه فجأة وجه مختلف... ليست واحدة من الاثنتين.
ذات لسان طويل وطبع حاد، تتشاجر حتى مع الذباب إن أزعجها، والجميع تقريبًا يخشاها لشراستها.
لكن لا أحد يعلم أن خلف تلك الشراسة امرأة عادية... لمس ضعفها بنفسه في لحظات نادرة.
.....................
الاسم "مقهى شعبي"، ولكنه في الحقيقة شيء آخر، لا يفرّق عن المصرف سوى أمتار قليلة.
مساحته مفتوحة لكل روّاده من السكارى ومتجرّعي المواد المخدّرة، غافلين عن أن الله حرّم كل ما يذهب العقل، والخمر على رأسها، فقال: 'إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.'"
وقد اتخذ هو طاولة له وحده، بعيدة عن المتسوّلين والمدمنين، يتجرّع زجاجة تلو الأخرى من الخمر،
وكلما فرغت واحدة، ألقاها نحو مياه المصرف فتبتلعها.
ومع ذلك... لا شيء حتى الآن أذهب بعقله.
ـ عرفان يا صاحبي.
دوى الصوت المألوف في أذنيه، فالتفت إليه يطالعه بصمت. لم يأبه به الآخر، بل تقدّم ساحبًا أحد المقاعد البلاستيكية القريبة، وجلس عليه مقابله:
ـ بسلم، ما بتردّش ليه يا عم؟ كنت بايت في حضنك أنا؟ طب حتى باركلي، طلعت من السجن.
ناظره عرفان بنظرة يعرفها جيدًا... ما زال يشكّ به.
وما يمنعه عن الفتك به، أنه لا يملك دليلًا.
خرج صوته أخيرًا بعد فترة من الصمت:
ـ مبروك يا سيدي. بس انت جاي هنا؟ مش خايف لولاد الحرام اللي كانوا عايزين يخلّصوا عليك قبل سابق يظهروا من تاني؟ المرة دي هيرموك في المصرف على طول.
نظر عطوة نحو ما أشار إليه... وتلك المياه السوداء في الظلام.
انقبض صدره خوفًا، لكنه لم يُظهره أمامه:
ـ لا، ما أنا سَوّيت أموري معاهم.
عقّب عرفان بتشكيك:
ـ يعني وصلتلهم وجعدت معاهم كمان؟! غريبة يا أخي،
مع إن أنا دورت عليهم وسألت الدنيا كلها، وما عترتش عليهم.
برر عطوة على الفور:
ـ لا، ما هما سابوا البلد واصل،
ولما ياجو هعرفك مكانهم...
المهم، جولّي: كيف سمحت لواض الفرطوس ده يعملها؟ ويضحك الناس عليك؟!
الحكاوي مالية البلد، وأنا زعلت جوي لما عرفت باللي حصل.
حدجه عرفان بناريّته، ودخان حريقه الداخلي يخرج من فتحتي أنفه وفمه في هذا الظلام.
ألقى الزجاجة الفارغة نحو المصرف، يردّ عليه بكلمات مقصودة:
ـ كل كلب هياخد حسابه... كامل ومكمّل، خليك فاكرها دي.
عرفان ما يسيبش حقه... ولا يخلي حد يعلّم عليه واصل.
................
ما هذا الخمول والثقل الذي تشعر به يحيط بجسدها وكأنها مقيدة؟
ما هذا التعب الجسدي الذي...
توقفت فجأة عن التساؤلات التي كانت تدور في رأسها، وهي تستعيد وعيها بعد فترة طويلة من النوم، لتفتح أجفانها إلى النور أخيرًا، فتعِي على وضعها الجديد.
نائمة في غرفة ليست غرفتها، وعلى سريرٍ ناعم بشدة، وغطاء كأنّه من حرير، وو...
يا إلهي... لقد تذكرت الآن! وعاد إليها وعيها بالكامل.
تُطالع الوجه القريب منها، وتلك الذراع التي تُقيدها وتمنعها من النهوض إلا بإيقاظه – كما يبدو لها.
إذاً، ماذا تفعل؟ وهذه أول مرة تتأخر إلى هذا الوقت، كما ترى الآن على ساعة الحائط المعلقة أمام عينيها، تشير إلى تجاوز الحادية عشرة صباحًا...
تنهدت، تترك حيرتها الآن لتُركّز بصرها عليه، وتتذكر ليلتها معه.
اكتنفها شيء من الخجل، وذهنها يعيد صورًا كثيرة لا تستوعب حتى الآن كيف حدثت؟
وهي التي هيأت نفسها لسيناريو مأساوي كما حدث معها في زواجها الأول، أو أقل قليلًا...
لقد اختبرت بين يديه مشاهد لم تكن تعي بوجودها أصلًا.
من يراها في بداية الليلة، وهي في حالة يُرثى لها، لا يُصدّق أنها ذات المرأة التي تحوّلت بعد ذلك معه.
تذكُر جيدًا أنها حاولت صده ومقاومته، ولكنه استطاع أن يجعلها تستجيب له...
إلا أن عقلها اليقِظ بعُقد الماضي توقف بها عند مرحلة ما، لتدفعه عنها وتبكي... يا لها من بائسة!
ومع ذلك، لم ينهَرها، لم يصرخ في وجهها، ولم... يصمّ أذنيه ويكمل دون اكتراث، كما كان يحدث قديمًا.
هادنها كطفلة، راعى أمرها وكأنها عذراء في مرتها الأولى...
هل يُعقل بعد كل ذلك أن يُعاملها بهذه الطريقة؟
تمتنّ له بشدة... كما أنها لا تُنكر إعجابها به.
هل ابتسم لها الحظ أخيرًا، حتى تستيقظ بهذه الراحة، وبرؤية صاحب الوجه الوسيم بهذا القرب؟
توقفت فجأة عن شرودها حين انتبهت إلى تحرّك عضلة في وجهه، تبِعتها أخرى في أماكن مختلفة، علامة على قرب استيقاظه.
فسقطت بجسدها تحت الغطاء، تدّعي النوم، تُغمض عينيها لحظة... لحظتين...
لا يصلها أي صوت أو حركة... هل تظن أنه لم يستيقظ بعد؟
همّت أن تستكشف الأمر، وما إن همّت بفتح عينيها ورفع الغطاء، حتى خرجت منها صرخة خافتة، قُطعت فورًا كردّ فعل طبيعي حين تفاجأت به، فجلجل ضاحكًا حتى أغاظها فعله، لتلكزه بقبضتها:
ـ عجبتك جوي يعني؟ ولا هي تضحك للدرجادي؟!
قبض على يدها يمنعها مشاكساً:
ـ وه يا مزيونة، دا انتي خدتي عليا جوي، كده في يوم صباحيتنا بتضربيني!
هتفت بغيظ، وهي تحاول تحرير يدها من قبضته:
ـ ما أنت السبب بعمايل الصغار بتاعتك، خضيتني يا حمزة... باه عليك!
زاد في تسليته، مرددًا بتحدٍّ:
ـ باهين تلاتة أربعة حتى... جولتلك قبل سابق، أنا راجل عقلي صغير، وهفضل طول عمري صغير!
هاوديني بجى مدامتي الكبيرة العاقلة!
اللعنة... إنها لا تعرف حتى كيف تُجاري خفة دمه، فتتوقف لحظات مدهوشة بأفعاله، قبل أن يخرج منها:
ـ طب بعد عني يا حمزة، وخليني أَجُوم. جايم رايق وأنا لسه بستوعب إني صحيت أصلاً... بعد يا حمزة، وزنك تقيل!
ضحك معقّبًا على "دبش" كلماتها، حتى وصل به المرح لأن يُكبّل ذراعيها:
ـ تقيل؟ تقيل برضو؟ دي كلمة تتقال من عروسة لعريسها يوم صباحيته؟
ثم تعالي هنا، هتنبري عليا عشان جايم مبسوط؟ ما هو ده الطبيعي يا ست يا نكدية!
ارتخت يداها عن مقاومته فجأة، لتتساءل بأعين لاح فيها الاستجداء، وكأنها لا تُصدق بعد:
ـ يعني انت فعلاً جايم مبسوط يا حمزة؟ ولا بتحاول تبسط نفسك جدامي... زي ما كنت كده بتعمل ليلة امبارح؟
اللعنة... بماذا تهذي هذه المرأة؟
انتفض فجأة ليعتدل جالسًا، ثم سحبها لتجلس مقابله، يحدثها بجدية، مستفهمًا:
ـ ليه بتجولي كده؟...
توقف، لا يعرف بما يواصل... وكأن جهاز النطق أصابه العجز والشلل.
ألهذه الدرجة مدمّرة داخليًا؟ حتى ذلك الشيء الجميل الذي تمّ بينه وبينها لا تُصدّقه؟
وتحسب سعادته معها تصنّعًا؟...
لعنة الله عليك يا عرفان.
ضمّها إلى صدره فجأة بقوة، يحثها:
ـ اسمعي لما أقولك...
إياكي تكرريها تاني، ولا تسألي.
انتي تدوري على نفسك الأول.
لو مش مبسوطة، تقوليها... ومتخافيش.
متدوريش على سعادتي أنا على حسابك إنتي.
إياكي تعمليها، ولا تيجي على نفسك عشاني.
قسماً بالله... ما هسامحك.
رفع رأسها إليه مشددًا:
ـ سمعاني؟
أومأت، تهزّ رأسها بطاعة ووداعة...
جعلته يفقد السيطرة على ما تبقى من ثباته، يباغتها على حين غرة، يُجفِلها بهجومه عليها، يُطفئ نار غضبه، ويُسكتها عن الجدال والتفكير الأحمق.
يبدو أن مشواره معها طويل... وهو مرحّب جدًا بخوضه.
............................
مساءا
من خارج الغرفة كان يغمغم ساخطًا:
ـ راجل بارد، ما عندوش دم ولا بيشم ريحته حتى! أبو شكله... أنا كان لازم ما أطلّعلهوش أصلاً.
التفتت إليه من أمام المرآة، حيث كانت تمشط شعرها، وسألته:
ـ مين اللي بارد وما عندوش دم؟
توقف يطالعها بتقييم، وقد بدّلت ملابسها وتحمّمت بعد خروجه. شعرها الندي يعزف سيمفونية مع تفاح وجنتيها، والكحل المسحوب على رسم عينيها الساحرتين. كانت ترتدي عباءة! بالوانٍ زاهية أَضفت مزيدًا على حسنها، ولكنها عباءة، تُغطيها من أعلى رقبتها حتى أقدامها في الأسفل.
ارتفعت أبصاره نحوها فجأة، بعينين متسعتين، وكأنه رأى شيئًا يخالف الطبيعة:
ـ لابسة عباية يا مزيونة؟! عباية في ليلة صباحيتنا؟!
فغرت فمها لحظة، نزلت بعينيها نحو ما ترتديه، وردّت باستغراب:
ـ ومالها العباية؟ وإيه دخل الصباحية أصلاً بعباية لبستها عشان بلاقي راحتي فيها؟
ضاقت حدقتاه، وعلت ملامحه جدّية واضحة، خطا بقدميه حتى وصل إليها:
ـ "راحتك" يا مزيونة! أنا عمال أسب وألعن في العمدة بوز الأخص اللي عامل فيها صاحب واجب وجاي يبارك لي النهارده من دون باقي الأيام... عشان أخش دلوك ألاقيكي صدماني ولابسة عباية؟! عباية يا مزيونة؟!
أردف كلماته الأخيرة بأداء درامي جعلها، دون أن تشعر، تقلّده:
ـ سلاااامتك من الصدمة! بس برضو فيها إيه؟ هي العباية بقت "كُخ" وعيب مثلًا؟
ـ حبيبتي... يا عسل.
قالها ضاحكًا، وقد أثارت عفويتها تسليته، ليضيف:
ـ بتعيبي عليا يا مزيونة؟ ماشي... أوضحلك عملي، مدام مش فاهمة يا غالية، عشان تفهمي أكتر.
تحرك خطوتين بجانبها نحو خزانة الملابس، فتح ضرفتيها، ولوّح أمامها بيده نحو عدد من قطع الملابس... بألوان وقصات مختلفة، وأشياء أخرى تخجل حتى من النظر إليها.
كانت تعرف بوجودها من البداية، لكنها أغلقتها ولم تجرؤ على ارتداء شيء منها.
ـ اتفضلي يا ست مزيونة، ده كله مش عاجبك؟! ده أنا طلع عيني وخصصت يوم كامل عشان أنقيهم.
ـ يوم كامل عشان تنقيهم فيه؟! وليه التعب والمصاريف؟ الحاجات دي غالية، أنا تقريبا عارفة تمن كتير منهم لأني جهّزت ليلى. بس مالي بيهم؟ دي... دي حاجات... تتلبس إزاي أصلًا؟!
نفسي أفهم... انت اتعاملت إزاي وانت بتشتريهم؟
تبسم بمكر وقد فهم مقصدها:
ـ تقصدي البنات اللي كنت بشتري منهم؟ وّه دا، كلّهم كانوا فرحانين جوي، وبيتسابقوا مع بعض، وهما بيختارولي... بعد ما وصفتلهم شكل العود الفرنساوي اللي يهبّل...
ـ بس يا حمزة!
صاحت بها تقاطعه قبل أن يتمادى بوقاحته التي شهدت عليها منذ الأمس، ليؤكدها الآن، مخرجًا واحدة من تلك القطع، التي لا تعرف حتى من أي اتجاه يتم إرتدائها.
ـ إيه ده؟
سألت إستفسار طبيعى بالنسبة إليه، وهي تنظر إلى القطعة التي رفعها أمام عينيها، فطالعها بانبهار قائلاً:
ـ شوفي... هو أنا مش فاكر اسمه إيه بالظبط، بس بصراحة عاجبني. لونه كده نبيتي وناري، دا غير إنه يشبه المايوه...
قال الأخيرة بمرح ضاعف من استفزازها، لتنتفض فجأة عن كرسي المرآة صائحة:
ـ والنعمة ما هيحصل! بقى أنا ألبس ده؟ ليه؟ اتجننت؟!
مطّ شفتيه بثقة وهو يخبرها:
ـ والله، ولو حلفتي بأيمان المسلمين كلها، برضه هتلبسيه.
ده إحنا لسه معانا سنة كاملة في الحاجات اللي مالية الدولاب دي... لازم نبتدي فيها من النهاردة!
ـ وأنا بقولك: "لاه" يعني لاه يا حمزة!
هتفت بإصرار وتصميم، فواصل هو من جهته تحدّيها:
ـ وأنا بقولك: هتلبسيه يعني هتلبسيه، يا مزيونة!
وهي كلمة... ومش هتتنيها!
تجمّدت في مكانها بعدم استيعاب. لا تصدّق مدى الجدية التي يتحدث بها، وتلك الابتسامة المرتسمة على شفتيه تزيد من غيظها وقهرها أيضًا.
دبّت الأرض بقدمها مغمغمة:
ـ وه...
علّق بمكر وخبث:
ـ واهين تلاتة أربعة!
هطلع برا الأوضة دلوك عشان تعمليهولي مفاجأة...
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا