رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم امل نصر
رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32 هى رواية من كتابة امل نصر رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32
رواية لأجلها امل نصر الفصل الثاني والثلاثون 32
كانت تظن أنها انتهت... أن ما بها ما هو إلا فتات امرأة أنهكها الألم والخذلان. لكنها لم تكن ميتة، بل كانت راقدة تحت الرماد، تنتظر شرارة تُعيد إشعال الحياة فيها.
لم تكن تدري أن بداخلها أنثى لم تولد بعد، أنثى خُلقت لتُحَب، لتُدلل، لتُحتَضن ككنز نادر لا يقدَّر.
كانت تنتظر من يراها رغم الغبار، من ينتشلها بلطف لا بعطف، من يُعيد تشكيلها لا بتغييبها، بل بإحياء ما خمد فيها من شعور.
كل لمسة صادقة، كل نظرة تُشعرها بأنها مرغوبة، أعادت ترميم كيانها... رويدًا رويدًا، تحوّلت من ظل باهت إلى نور دافئ.
لم تكن تبحث عن فارس، بل عن من يُشعل أنوثتها بكلمة، ويجعلها ترى انعكاسها بعينيه، لا بمرآة اعتادت كسرها.
ها هي الآن... تنبت من بين أنقاضها، امرأة كاملة... لم تُخلق من أجل البقاء، بل من أجل الحياة.
المراجعة والخاطرة الروعة من الرائعة/سنا الفردوس
...........................
الفصل الثاني والثلاثون
بعد مدة طويلة من الانتظار، فُتح باب الغرفة أخيرًا، فنهض عن جلسته أمام الشاشة التي كان يُسلِّي وقته بمشاهدتها، متحفزًا بحماس لما هو قادم. لكنه تفاجأ حين وجدها أمامه بهيئة مختلفة تمامًا عمّا كان يتوقعه؛ فقد كانت ترتدي مئزرًا محتشمًا بصورة مستفزة، يُغطيها بالكامل من العنق حتى القدم.
عقد حاجبيه بتساؤل واستغراب، لكنه سرعان ما فهم من نظرتها، وذلك الارتباك الذي كان يلفها، وهي تشدّ على فتحتي المئزر من الأعلى.
تبسَّم داخله بمكر، متظاهرًا بعدم الفهم، واقترب منها بخطوات بطيئة يخاطبها بعتب ودهشة:
ـ طب جاية على نفسك ليه ولابسة روب ستان؟ كنتِ اكتفيتِ بالعباية اللي كنتِ لابساها، ولا نقيتِ عباية تانية أكتر حشمة منها؟
كان قد اقترب ليقف قبالتها، فأخفضت عينيها وهي تهرب منه، وقالت بصوت أظهر مدى ارتباكها:
ـ والله ده اللي عندي، أعملك إيه عاد؟
كانت ترتجف حرفيًا، ويدها لا تزال تشدّ على تلك الفتحة في المئزر الذي شدّت حزامه عليها، مما زاد من صدق تخمينه، ولم يتبقّ له سوى التأكيد. فباغتها على حين غرّة وقبض على يديها، الأمر الذي زاد من توترها، فحاولت دفعه عنها، لكنه أبى أن يتركها تبعده:
ـ بتعملي إيه يا مزيونة؟ عيب عليكِ، أنا جوزك لو تفتكري، مش حد غريب يعني.
وبحركة سريعة، كلمح البصر، نزعه عنها فجأة، ليُصدم مذهولًا أمام ما يراه من فتنة خالصة تجسدت أمامه، الأمر الذي أخجلها بشدة، فحاولت إبعاده عنها حتى كادت أن تبكي، وهي تحاول أن ترفع المئزر مرة أخرى لتُغطي نفسها، لكنه رفض أن يعطي لها الفرصة بعد أن حصل عليه. ألقى به بطول ذراعه على كنبة الصالون التي كان جالسًا عليها منذ قليل، ثم سحبها من يدها ليعود بها إلى غرفة النوم مرة أخرى، لتدب الأرض بقدمها رافضة، قائلة:
ـ سيب يدي يا حمزة! وانت خليتني زي المسخرة كده... عايزة أستر نفسي، بلا قلة قيمة. أنا الغلطانة اللي لبسته أصلًا.
كتم انفعاله داخله حتى لا يغضب عليها ويُفسد اللحظة الساحرة، فقد وعد نفسه أن يتحلى بالصبر معها، وهذا أقل شيء يُقدّمه لها. فتابع يجبرها على السير معه، غير آبه باعتراضها حتى وصل بها إلى المرآة.
أوقفها أمامها، ووقف هو خلفها، يُوجهها بحديثه:
ـ بصّي، بصّي زين، وشوفي مين المرة الحلوة اللي واقفة قدامك؟بصي على هيئتها وجمالها هل دي ينفع يتقال عليها مسخرة؟
نثر شعرها الأسود حول وجهها، وأردف بالمزيد علّها تسمع أو تقتنع:
ـ سبحان من جعلك آيه فى الجمال أنا محظوظ بيكِ يا مزيونة.
لا تُنكر تأثرها بمعسول غزله، الذي يُرضي أنوثتها التي بدأت تكتشفها على يديه، لكنها... لكنها ليست معتادة على ذلك. منذ زمن طويل وهي ملتفّة بالسواد، منذ زمن لم ترتدِ من تلك الأشياء. مرّ عليها من المآسي ما جعلها تنسى حتى هويتها كامرأة، لقد طالت أعوام الحزن التي عاشتها حتى ظنتها دُهورًا، واقتنعت أن عمرها الحقيقي خمسون، لا ثلاثون كما هو مدوّن في بطاقتها.
أردف حمزة، وقد أسند ذقنه على كتفها، يقرأ ما تفكر به من تلك النظرة الضائعة التي يراها جليّة في انعكاسها عبر المرآة:
ـ بدل السرحان والتوهان، انزلي بعينِك تحت شوية، وشوفي النبيتي اللي هياكل منك حيّة! اتأمّلي كده، وقولي إحساسك إيه؟ وانتي شايفة ست بمعنى الكلمة، أجمل حتى من اللي بيطلعوا في التلفزيون.
سمعت كلامه، فأنزلت عينيها نحو ما يُشير، لتُدرك صدق قوله، فارتجف قلبها داخلها وكأنها ترى امرأة أخرى غيرها. ودون أن تشعر، وجدت نفسها تلتفت للخلف، ليصطدم رأسها بصدره، قائلة بضعف:
ـ حمزة، حنّ عليك. أنا مش متعودة على الحاجات دي، أو يمكن نسيتها. مش كله مرة واحدة، الله يرضى عنك.
ضمّها إليه، منتشيًا بشعور ما أعظمه، وهي تهرب من عقدها وخوفها إلى حضنه، مصدر أمانها واطمئنانها، يُقبّل رأسها قائلًا بابتسامة واسعة، لا تخلو من عبث:
ـ خلاص يا قلبي، ولا يهمك. خلّيكِ في حضن حبيبك حمزة على ما تتعودي... ولا أقولك...
توقف، ثم استدار بها بعيدًا عن المرآة قليلًا، وأردف:
ـ طيب، سيبك من كل مرايات الدنيا يا ستي، بس حُطّي عيونك الحلوة دي في عيوني، وانتي تشوفي نفسك زين قوي. بصي فيهم كده وجولي شايفة إيه؟
أسرها داخل عينيه كما هي أسيرة بين يديه، ترى حديثًا كثيرًا لا تفهم منه إلا القليل، لكن يصلها منه شعور جميل، يُرضيها ويُرضي ذاتها جدًا. تلك النظرة التي تتلقاها منه الآن قادرة على إسعاد جميع النساء، ليست هي وحدها فقط.
ـ فسّري اللي شايفاه في عيوني يا مزيونة؟ وانتي تعرفي قيمة نفسك صح.
بماذا ستُخبره؟ هي ليست قادرة على مجاراته من الأساس، تخشى أن تتحدث فيخونها التعبير. أمام حنكته ولباقته، تجد نفسها على طرف الطريق، رغم رغبتها الحثيثة في أن تسايره.
أخفضت بصرها بعجز، كتلميذة تخجل حتى من إجابة أستاذها، ليحسم هو الأمر سريعًا، ويرفع وجهها إليه من أسفل ذقنها بأطراف أصابعه، قائلًا بعجالة:
ـ شوفي... لا مراية ولا عيون.
خطفها سريعًا بقبلة قوية، ثم رفعها من أسفل ركبتيها، يحملها بين يديه، مردفًا:
ـ هو العملي... أسهل طريق يوصل المعلومة أصلًا.
...
أمام مرآته كان يُمشّط شعره استعدادًا للخروج إلى عمله، وعيناه تذهب كل دقيقة إلى الكمود المجاور له، بسبب الهاتف الذي لا يكفّ عن الضجيج. ضجيج يُؤذي سمعه، ويضغط على الجزء الساكن بداخله بصعوبة. تجدد محاولاتها اليوم بشكل هستيري.
لقد نزلت الملكة "هالة" من عليائها للوصول إليه. ويومًا بعد يوم، أصبحت محاولاتها تزداد جدية، لكن ما تفعله هذه المرة هو الجنون بعينه. هاتفه لا يتوقف عن الرنين باتصالاتها المستمرة. لم تفعلها من قبل، ولا يدري ما الذي استجدّ، لكنه يعلم تمام العلم أن التجاهل التام منه هو السبب.
استجاب أخيرًا، فرفع الهاتف إلى أذنه ليردّ عليها، نتيجة لإلحاحها المستمر، فقط لينتهي منها:
ـ نعم، عايزة إيه؟
جاء ردّها من الناحية الأخرى بسخرية مشحونة بغضبها:
ـ نعمين يا أستاذ خليفة؟ أخيرًا اتنازلت وردّيت؟ كتر خيرك يا واد عمي، كتر خيرك يا أبو عيالي.
تتحدث بعشم وحماقة، غافلة بعقلها الصغير عمّا جدّ وجعله يكره حتى سماع اسمها، فما باله بتلك النبرة المستهترة التي تتحدث بها الآن؟ فجاء ردّه بشدة وحزم:
ـ اسمعي أما أقولك... أنا مفياش دماغ ليكي أصلًا. عندك حاجة مهمة تخبريني بيها بخصوص العيال، تمام. ما فيش؟ يبقى تقفلي أحسن، لأن غير كده... حتى وقت ما عنديش ليكي.
وصلته شهقة خافتة منها، تدل على صدمتها، قبل أن تتراجع عن حدّتها وتتخذ طريقًا آخر في إلقاء اللوم عليه:
ـ وه يا واد عمي... للدرجة دي مش قادر حتى تسمع صوتي؟ للدرجة دي كرهتني يا خليفة؟ طب أنا غلطت في إيه بس؟ عشان تعمل فيا ده كله؟ يعني مش مكفّيك، كسفتني قدام أمة لا إله إلا الله يوم فرح أخوك؟ لما الكل اتعزم وأنا لأ؟
ـ يعني هو ده اللي هامّك؟ إن الكل اتعزم وانتي لاه؟ بتنقح عليكي كرامتك قدام الناس، ومش بينقح عليكي ضميرك؟ ثم إنتِ مالك أصلًا بالفرح؟ إيه اللي يخصك بفرح واحدة دبرتي وخططتي عشان تعمليلها فضيحة؟ وفي الآخر، السحر اتقلب على الساحر، وشلتي إنتِ الليلة بضميرك السو، وبشريكتك اللي فتّنت عليكي.
ـ شريكة مين؟ إنت بتخرف؟ بتقول إيه يا خليفة أصلًا؟ يتخيل جيدًا صورتها الآن، بتلك النبرة الجزعة التي تتحدث بها، بالطبع لم تكن تتوقع أصلًا أن يحدثها في الأمر، وهو لم يكن يسعى لإخبارها، ولكنها هي من تضطره لذلك، أن يكون صريحًا معها، ويكشف كل أوراقه. لقد ضج منها ولم تعد به طاقة.
ـ حبيبتك روان يا هالة، لتكوني نسيتيها بعد ما أخدتِ غرضك منها، ونفذتِ اللي إنتِ عايزاه، هي بقى ما نسيتش، واتصلت بيا، واشتكت، وبكت، وكانت عايزاني أتجوزها يا هالة، عشان أرد فيها المقلب اللي عملتيه، بعد ما خليتيها تخسر حمزة.
ـ وجع في عينها الكذابة قليلة الأصل، قليلة التربية، تربية الشوارع أناااا؟ تقول عليا كده؟ أوعاك تكون صدقتها يا خليفة؟... يا مِرِّي لا تكون كمان هتتجوزها عليا، صح؟ وديني أروح فيها في داهية لو حصل، لا أعمل لكم كمان فضيحة لو هاودتها يا خليفة... خليفة... خليفة.
كان قد أغلق المكالمة عليها، ولم يكترث بصراخها ولا بما قد تفعله الآن، حتى وإن أحرقت البلدة بأكملها بنيران قلبها التي لا تهدأ أبدًا... لأنها وبكل بساطة أصبحت لا تعنيه.
................
في طريق خروجه من المنزل، تصادف بتلك الفتاة، أو المرأة كما تصنفها العادات بحكم زواجها، الذي لم يستمر سوى شهور قليلة كما علم مؤخرًا، ولكنها اليوم غريبة، وكأن ما بها من شراسة قد اختفى. يراها اليوم وديعة على غير طبيعتها، ليس معتادًا هو على ذلك، وكان قد اقترب منها وهي قادمة نحوه، فتوقف يلقي عليها التحية، لتضطر من جهتها أيضًا أن تتوقف:
ـ صباح الخير، عاملة إيه يا أبلة اعتماد النهاردة؟ أجابته بنبرة زادت من شكه أن بها شيئًا ما: ـ بخير، والحمد لله... وتشكر على السؤال.
"تشكر على السؤال!" ترددت العبارة داخله بتعجب، لتزيد من ظنونه، فتابع بطريقة غير مباشرة يستحثها:
ـ إنتِ فيكي حاجة النهاردة؟ تعب يعني؟ ولا مشكلة حصلت معاكي؟ تهيأ له في الوهلة الأولى أنها كادت أن تتحدث بالفعل، لكنها تراجعت سريعًا، تنفي:
ـ لااا... لا، ما فيش حاجة، تشكر على السؤال.
"تاني تشكر على السؤال! هي مالها دي؟"
للمرة الثانية لا يستوعب الجملة التي تعيدها بدون سبب وجيه، فواصل مرة أخرى بما يشبه الإلحاح:
ـ أبلة اعتماد، عايز أفكرك إن ليكي عليا بدل الجميل جميلين، بدل التليفون تليفونين عطّلوا بسببي وما قبلتيش العوض فيهم، يعني يا ريت لو عندك مشكلة تقصديني، ومتتردديش، حتى أسد جزء من اللي عليا.
كان لطيفًا للغاية معها، حتى أوشكت أن تخبره بالفعل، ولكن جزءًا من كرامتها منعها أن تفعلها وتستجير برجل، حتى لو كان هو هذا الرجل، وهي حقًا في أمسّ الحاجة إليه.
لتنفي سريعًا وقدماها تخطوان لتتخطاه:
ـ من غير جميل ولا كلام فاضي، أكيد لو احتجت مساعدة... مش هلاقي أحسن منك... متشكرين مرة تانية.
وتحركت ذاهبة، يتابعها هو بعينيه، حتى صعدت السلم الرخامي لمدخل المنزل في الخارج، ثم اضطر أن يستدير ويتابع طريقه، فجاء دورها هي بعد ذلك، في الأعلى عند باب المنزل، وقبل أن تدخله تطلّعت في ظهره وهو يغادر فى طريقه، إلى وجهته، بحيرة داخلها إن كان عليها أن تخبره وتحمل عليه كما حدث في المرة السابقة، ودافع عنها هي وشقيقتها، يحميهما من شرّ ذلك الجبان الذي لا يشعر بقوته سوى بالتجبر على النساء الضعيفات، من صنف شقيقتها التي تزيد على همومها ما يثقل على طاقتها أضعافًا، بشخصيتها المهزوزة تلك.
ولكن، لما عليها أن تشركه في ذلك الأمر؟ هل كان من بقية أهلها كي يتحمل همّها هي وشقيقاتها أيضًا؟
..........................
في الموقع الذي كانت تُشرف عليه، وأثناء حديثها مع رئيس العمال، تلقي عليه بعض التعليمات وتتشاور معه، أتاها أحدهم يخاطبها:
ـ يا بشمهندسة، يا بشمهندسة، في واحدة طالبة تشوفك. طالعته بتساؤل:
ـ مين دي اللي جاية تشوفني هنا وأنا بشتغل؟
أشار بيده إلى خارج المشروع الذي يتم العمل به، لتتبين فعلًا وجود امرأة تعطيها ظهرها من خلف السيارة التي تصدرت أمام عينيها، فاضطرت لترك العمل، كي ترى تلك المرأة التي لم تعرفها حتى الآن.
ـ أفندم، مين حضرتك؟
جاء تساؤلها بعفوية، قبل أن تلتف الأخرى وتُعرّف بهويتها:
ـ هالة.
ردت عليها الأخرى:
ـ أيوه يا أختي، هالة، هالة اللي افتكرتك بنت ناس وهتصوني السر، طلعتِ قليلة الأصل وما لكيش سعر.
أجفلت روان، لا تصدق ما وصل إلى مسامعها من تلك المجنونة حسب ما رأتها في هذه اللحظة، لتردد خلفها بعد الاستيعاب:
ـ هي مين اللي ما لهاش سعر ولا أصل؟ إنتِ بتوجهيلي أنا الكلام ده يا هالة؟
ـ أمال لأمي؟ لا، استهبلي يا بت واعملي نفسك مش واخدة بالك، إطلعي من دول، ده أنا الوحيدة اللي فهمتك من أول ما دخلتي البيت.
صاحت بها هالة بصوت عالٍ أرعب الأخرى، تلتفت برأسها يمينًا ويسارًا خوفًا من تسبب تلك المجنونة بفضيحة لها، لتعود إليها بالتحذير:
ـ وطي صوتك وانتِ بتكلميني، واحترمي نفسك، جيالي على مكان شغلي وعايزة تعمليلي فضيحة؟ ده أنا ممكن أدفنك هنا!
تلقت هالة التحذير بأثر عكسي، فرفعت صوتها أكثر وكأنها قاصدة بالفعل أن تفضحها:
ـ فضيحة واحدة؟ قولي يا أختي فضايح، مش إنتِ يا عديمة الكرامة رايحة لجوزي تطلبي إيده عشان يتجوزك؟ بقصد تجهريني؟ ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة، وخلي حد يحوشني عنك! غلّب الأيام اللي فاتت كلها هيتحط عليكي، وخلي حد يقدر يخلصك مني، تعالي هنا!
فما كادت أن تنهي كلماتها، حتى هجمت عليها على حين غرة، وقبل حتى أن تعطيها فرصة للصدمة أو تستأذنها، هجمت تمسكها من شعرها المصفف الجميل لتُسقطها أرضًا وتجثو فوقها، حتى تربيها وتشفي غليلها منها، ولكن الأخرى لم تكن ضعيفة حتى تعطيها غرضها دون أن تقاوم أو ترد القلم بقلمين، وخصلة الشعر المقتلعة في الكف، قُبالها خصلات، فصارت معركة حامية بخسائر فادحة، نتيجة الأرض الصخرية القاسية أسفلهما، وحرارة الشمس العالية، بالإضافة إلى خلو المكان إلا من عمال البناء في المشروع، الذين لم ينتبه أحد منهم، إلا بعد مضي وقت، بسبب السيارة التي حجبت خلفها الشجار وكانت حاجزًا عن الأعين. ......
........................
:في طريق عودتها بعد انتهاء دوامها الدراسي، تتجه مباشرةً من ذلك الطريق المختصر الذي يؤدي إلى منزلها في تلك المنطقة المنخفضة عن باقي البلدة.
مجهدة متعبة، ويزيد على ذلك حظها البائس اليوم أن تتقابل مع ذلك السمج، زوج شقيقتها، الذي بادرها بتهكمه:
ــ يا ما شاء الله، أبلة اعتماد! ده إيه الحظ الحلو ده اللي خلاني وقعت في طريقك؟
قابلت تهكمه بسخرية منها:
ــ أكيد الصدفة العجيبة الغريبة، ولا أنت ماشي في طريق ومش عارف آخره فين؟
برقت عيناها فجأة باستدراك، هاتفه:
ــ أكيد انت راجع من بيتنا يا محمود؟ أنا مش جايلالك ميت مرة، البيت ده ما تخطهوش طول ما أنا مش موجودة فيه!
صاح بدوره رداً عليها:
ــ حيلك حيلك! على أساس إنك راجل البيت مثلاً يا ست الأبلة، ولا كنت أنا واحد غريب؟ أنا رحت لمرتي!
مرتي اللي إنتِ حايشاها عني ومش راضية تريديهالي! أنا أقدر أطلبها في بيت الطاعة لو حبيت، عشان تبجي عارفة!
سخرت منه بضحكة خالية من أيّ مرح، معقبة على ما يهذي به:
ــ بيت الطاعة؟! هو انت فاكرها سهلة قوي عند الحكومة؟ إياك! ده مش بعيد يحبّسوك لمجرد بس ما تُطّل بوشك!
اسمع أما أقولك، ميت مرة نبهت عليك وقلتها: عايز أختي؟ تجيب حد كبير، حد كبير يكون شاهد عشان ما تكرّرهاش.
أضمن منين أنا؟ تاخد البِت وتمضيهالي على أي قرض ولا نصيبة من نصايبك!
اسودّ وجه محمود من الغضب، وشيطان نفسه يوسوس له بكل شر نحوها...
دائمًا كانت – وما تزال – حجر عثرة في طريقه، تمنع عنه كل خير.
كرهُه لها تعدّى كل مراحله، ولا طريق أمامه سوى التخلّص منها!
ــ والله ما في حد نصيبة غيرك! بت انتِ! اتقي شري أحسن لك، أنا واصله معايا لآخرها منك،
تلاتة بالله العظيم، لو ما حلّيتي عني أنا ومراتي، ما تلومّي غير نفسك بعد كده!
في نظرها، فاشل، وسيظل إلى آخر عمره كذلك.
قابلت اعتماد تهديده باستخفاف ولم تأبه. غلبها طبعها، ولم تعِ الحقد الذي يملأ قلب رجل جاحد حاقد مثله، جبان لا يستقوي إلا على من هو أضعف منه.
فلم تتوقّع أن يستغل لحظة السكون في ذلك الطريق الهادئ،
ليدفعها بطول ذراعه من فوق الجسر الذي كانت تمر عليه، إلى خلف شجرة الكافور التي كانت تقف تحتها، لتنزل متدحرجة على الحجارة، وذلك المنخفض حيث الأرض الزراعية في الأسفل.
ولم تدرِ بالصوت الرجولي الذي أتى على حين غرّة، بهذا الأحمق:
ــ بترميها من فوق الجسر؟! عايز تموتها يا عِرّة الرجالة؟!
انتفض محمود نحو مصدر الصوت، ناظرًا إليه بهلع، متخذًا قراره بالهروب فورًا قبل أن يمسكه ويفتك به.
وعى أخيرًا إلى حجم الجريمة التي ارتكبها... وبوجود شاهد!
---
قبل قليل
داخل سيارته التي كان يقودها عائدًا من عمله، متخذًا طريقًا غير الذي يسير فيه عادة.
لا يعلم ما الذي دفعه اليوم ليأتي في تلك الساعة في هذا الطريق تحديدًا؟
ربما لانشغال عقله منذ الصباح بتلك المرأة، والتفكير المرهق عما بها؟
هل ينوي أن يوقفها مثلًا كي يطمئن عليها؟ يستبعد بالطبع ذلك الاحتمال، فهي رفضت حتى أن تجيبه حين سألها.
ولكنه...
انتبه فجأة، يراها على جانب الطريق، أسفل شجرة الكافور العالية، تقف مع أحدهم وكأنها تتشاجر معه.
تعرف عليه من ظهره، ليتأكّد له الآن أن حدسه كان أصدق من منطقه.
فتوقّف بالسيارة ليضع له حدًا ويردّه عنها، لكن، وقبل أن ينزل بقدميه جيدًا على الأرض، فوجئ بفعل هذا الأحمق وهو يدفعها، والنية واضحة: أن يتخلّص منها.
ركض إليها خليفة كي يستكشف ما بها، عقب هروب الآخر كالفأر من أمامه وصراخه متوعدًا.
نزل خلفها بحرص شديد، حتى لا يقع هو الآخر.
وصل إليها، ليجدها متكوّرة على الأرض بصورة لم يفهمها، ليضطر إلى رفعها من كتفيها ويعدّل رأسها.
ناداها باسمها حتى تجيبه:
ــ اعتماد... اعتماد!
فكانت المفاجأة حين انتبه للجرح الكبير في جبهتها، والدماء تسيل على وجهها الذي غطّاه التراب، وهي فاقدة الوعي تمامًا.
فصرخ بجزع:
ــ حد ينجدنا يا ناس! حد يجيب لنا عربية إسعاف بسرعة!
---
ها هي الآن أمام المرآة، تجرب نوعية جديدة من الملابس لترتديها، كما أنها أصبحت تستيقظ في وقت متأخر...
لقد تبدلت حياتها بالكامل، من حزن وشقاء، وهمّ مسؤولية، إلى دلال وغنج... وعشق.
تلك الكلمات التي لم تكن تقتنع أنها موجودة من الأساس.
نعم، أو ربما موجودة ولكنها لم تُخلق لها...
لكن ما عند الخالق من مفاجآت، لا أحد يعلمها أبدًا.
تنهدت برضا، تفيق من شرودها، لتعدّل البلوزة البيتية الضيّقة التي ترتديها على البنطال القصير فوق الركبة، بصورة محكمة على جسدها، الأمر الذي أثار سخريتها.
فجعلها تتحدث إلى نفسها:
ــ بيجامة ضيقة وبنطلون برمودا؟! يا وعدك يا مزيونة... كانك فشّلتِ يا جزينة! هطلع إزاي بيها دلوك؟
قالت الأخيرة والتفتت برأسها إلى المرآة لتلقي نظرة أخيرة على نفسها، وشعرها الذي لفته في الخلف كذيل حصان، ليجعلها تبدو كفتاة في السابعة عشرة، بالأمس امرأة مكتملة الأنوثة، وبالنهار فتاة في طور المراهقة.
ــ هصغر لحد فين تاني؟ الله يجازيك يا حمزة!
---
خرجت بعد لحظات، لتجده على طاولة السفرة، يتناول بعض الشطائر التي صنعها لنفسه.
لم تكن تدري أنه كان في خضمّ مكالمة فيديو، والهاتف مثبت أمامه، وحين لمح خروجها، تركت من كان يتحدث معه، وأطلق صفيرًا من بين شفتيه، معبرًا عن انبهاره بالغزل الصريح كعادته.
ــ أوعى الوحش! أموت أنا في البرمودا والقصير... إيه الحلاوة دي؟
ضحكت بحلاوة، لتقترب متغنّجة بخطواتها نحوه، وثقة بالنفس بدأت تنمو على يديه.
لكن، وما إن انتبهت إلى الشاشة المفتوحة وأحدهم يتابع ما يحدث، صرخت مرتدة إلى الخلف:
ــ يا مُرّي! انت فاتح وبتتكلّم فيديو وسايبني على عمايا يا حمزة؟!
تبسم ليخفف عنها موضحًا:
ــ ما فيش حد غريب يا مجنونة، تعالي... دي ليلى!
ــ ليلى؟!
رددت الاسم من خلفه، لاطمة بيدها على وجنتها بحرج شديد، حتى جعلته يضحك مائلًا برأسه إلى الخلف.
وجاء صوت ليلى بتساؤل وعدم تصديق، تدعوها لتقترب مرة أخرى من الشاشة:
ــ أمي! دي معقولة؟! مزيونة؟! تعالي هنا يا مزيونة، خليني أشوفك!
بخجل شديد، استجابت، تتحرك خطوتين، مع حثّ الآخر لها أن تتقدم، حتى إذا اقتربت، جذبها لتجلس على إحدى قدميه، ليضاعف من توترها، حتى تململت تريد أن تنهض، لكنه أجهض محاولاتها بحزم:
ــ بس بقى، بطّلي فرك! أنا مجعدك عشان تبقي في وشّ الشاشة قبال ليلى!
حدجته بغيظ شديد، قبل أن تعود لابنتها التي كانت تتأملها بانبهار عبّرت عنه:
ــ الله! شكل البيجامة يجنّن عليكِ يا أمي! جبتيها إمتى؟ دي أول مرة أشوفها عليكِ!
ــ ما هو مش أنا اللي جيبتها يا حبيبتي!
قالتها مزيونة، ثم التفتت إليه ناظرة بلوم أثار تسليته، ليضيف عليها:
ــ أنا اللي اشتريتها يا ليلى، ومعاها مجموعة تجنن! عايزك لما تيجي، خلي أمك تفرّجك عليها.
هذه المرة تخلّت عن اللوم والاستسلام، لتلكزه بمرفقها على بطنه من خلفها، فارتفعت ضحكاته بصخب، حتى جعل ليلى تشاركه المرح وتبادل المزاح في مشاكسة والدتها التي كانت محرجة مما كانت ترتديه.
ـ ...................
بعد انتهاء المكالمة، ابتعدت عنه تخاطبه بلوم:
ــ الله يجازيك يا حمزة، إنت السبب! كل هدومي خفيتها، عشان تجبرني ألبس هدوم العيال دي، ويبقى شكلي مسخرة دلوك قدام ليلى!
ضحك، ثم جلس محشورًا بجوارها على الأريكة، قائلًا: ــ وايه اللي هيخليها مسخرة يا ست أنتِ بس؛ هي مش بردك متجوّزة وعارفة؟
ــ وه، بردك في الآخر اسمى أمها!
ــ واهِين تلاتة! إذا كانت هي نفسها مش مقتنعة، وشايفاكي أختها الكبيرة، مش أمها وبس! فكّي كده وروّقي، بنتك مخها مفتّح وفاهمة وعارفة. حتى لو استغربت النهارده، بكرة تتعود... لما يبقى ده أسلوب حياة معاكِ.
ــ أسلوب حياة؟! هتفت بها باستهجان، ليضمّها من خصرها إليه مشددًا: ــ أيوه، أسلوب حياة! ولا انتي فاكرة إن إحنا لسه عملنا حاجة؟! مضايقة عشان ليلى شافتك بالبرمودا؟! أمال بكرة لما تلبسي البوركيني هتعملي إيه؟
ــ وإيه البوركيني ده كمان؟! تساءلت بعدم فهم، فالتصق بها ليجيبها بسهولة:
ــ ده لبس السباحة اللي هتلبسيه بكرة لما تنزلي معايا البحر. صاحبي عنده قرية سياحية هناك. خلاص، حجز وروّق الدنيا، ومن بكرة إن شاء الله هنطلع على الغردقة... نقضي شهر عسلنا!
ــ شهر عسلنا؟!
قفزت ناهضة من جواره، تجادله: ــ يا حمزة، إنت بتتكلم بعقلك؟ غردقة إيه ولا بوركيني وكلام فاضي! أنا مالي بالحاجات دي يا بوي! طول عمري ماشية بالحشمة، هشلّح دلوك على كِبَر؟!
نهض هو الآخر، يواجهها، وقد بدا عليه الغضب:
ــ مين اللي جاب سيرة الشلح؟! انتي عارفاني راجل، لمؤاخذة، عشان أقبل بالكلام ده؟! ماتنقّي كلامك يا مزيونة، ولو مش عايزة تروحي، خلاص!
صاح بها وابتعد داخل غرفته، مما جعلها تشعر بالذنب، فتبعته حتى جلست خلفه على الفراش، تحاول أن تصالحه:
ــ حمزة، حقك عليّا. أنا بخربط، بس والله ما أقصد أي كلمة عفشة تزعلّك. عارفة نفسي مدب، بس إنت أكيد اتعودت يعني، ولا إيه؟ ولو على السفر ورحلة الغردقة، أروحها مادام معاك، بس وغلاتي عندك، ما تخلينيش ألبس حاجة عريانة!
عند الأخيرة، التفت برأسه نحوها بعدم استيعاب، وذلك لإصرارها على شيء لا تعي أبعاده:
ــ وه؟! ــ واهين تلاتة أربعة! تمتمت بها تقلّده ضاحكة، حتى أمسك نفسه بصعوبة كي لا يشاركها الضحك، قبل أن يصل لغرضه منها.
ــ ماشي يا ست مزيونة، اضحكي براحتك، بس أنا برضه زعلان إنك غلطتي فيا.
رحّبت بعتابه، فعرضت عليه ليعطيها فرصة للتصالح:
ــ طب شوف يا حمزة، أعمل لك إيه عشان ترضى؟ لو عايزني أعتذرلك، أعتذر تاني وتالت كمان!
ــ لاه، أنا مش عايز اعتذار.
ــ أمال عايز إيه بس؟
ــ عايز منك حاجتين عشان أرضى وأسامح.
ــ ماشي يا حمزة، قول وأنا أعمل اللي إنت عايزه.
وصل إلى ما يبتغيه، لينتشي داخليًا، ويلتفت إليها بجذعه قائلًا:
ــ أولًا، لما تناديني ما تقوليش "يا حمزة"... الاسم من دلوك يبقي "حمّوزي".
ــ نعم؟!
ــ نعم الله عليكي! خلاص، لو مش عايزة، بلاش.
كاد أن يلتفّ عنها مرة أخرى، لكنها أوقفته تراضيه:
ــ خلاص يا سيدي، حمّوزي حمّوزي! راضي كده؟
تبسم بابتسامة منتشية متغاظمة، يقطف قبلة قوية من وجنتها، كأنه طفل صغير يفرح بدلال والدته، حتى تسربت إليه طالبة:
ــ خلاص، وانت كمان دلّعني! بس شوف اسم حلو، ما تقولش حاجة تزعلني.
هزّ رأسه نافيًا، قائلًا:
ــ لا يا مزيونة، لا عفش ولا زين... انتي ما ليكيش غير "المزيونة". المزيونة بس اللي يليق عليكي، عشان هو الوحيد اللي يديكي حقك... زينة البنات، زينة الستات، وعلى قلب حمزة... انتي الملكة عليهم كلهم!
كم تعجبها مفاجآته، ولو حتى بكلمة أو تعبير لا تتوقعه، يزيد من ثقتها بنفسها، ويضاعف من تعلّقها به. فتجرأت هذه المرة وبادرت باحتضانه، ليباغتها بقوله:
ــ ناقص الشرط التاني!
ــ إيه؟
أشار بيده نحو خزانة الملابس: ــ اللي ننقيه النهاردة، مهما كان شكله... عرياني ولا حشمة، هتلبسيه من غير جدال!
ردّت بسخرية وقلة حيلة: ــ حشمة؟! انت برضه تنقّي حشمة؟! ماشي يا حمزة، موافقة... في حاجة تانية كمان؟
ــ لا. قالها بانتصار، ثم نهض ورفعها معه، مردفًا: ــ تعالي بقى، أنجيلِك اللي عايزه!
استجابت، لسحبه لها بتوجّس وريبة:
ــ يا ترى هتلبّسني إيه المرة دي يا حمزة؟! استر يا رب!
......يتبع
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا