رواية لانه موسي الفصل التاسع 9 بقلم ماهي احمد

رواية لانه موسي الفصل التاسع 9 بقلم ماهي احمد

رواية لانه موسي الفصل التاسع 9 هى رواية من كتابة ماهي احمد رواية لانه موسي الفصل التاسع 9 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لانه موسي الفصل التاسع 9 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لانه موسي الفصل التاسع 9

رواية لانه موسي بقلم ماهي احمد

رواية لانه موسي الفصل التاسع 9

"وحشتيني .."
أَردف بِصوت يُصاحبه بَحه خَفيفه ، أَثر التَدخين المُستمر ، حَاولت "روز" أَن تَبطىء مِن صِعود وَهبوط جَسدها ، تَتنفس بِهدوء بَينما قَلبها يَقرع بِقوه ، أَثر كَلمتُه
"وحشتك ، انت تقصد اني وحشتك بجد ، وحشتك بتاعت اتنين بيحبوا بعض دي  "
أَومأ مُسايراً حَديثها ، وَابتِسامه  تُزين ثِغره ، لَطالما كَان " موسى" يَمنع الجَميع مِن تَخطي عَتبة غُرفته بِحجة نِضوجه وَرغبتُه العَارمه فِي الاستِقلاليه ، حَتى بَات الجَميع يَشك كَونه يَخفي
أَشيَاء نَوويه بَين أثَاث الغُرفه ، اغلَقت بَاب الغُرفه
تُطالع ارجَائها
" هي دي بقى اوضتك ، عمري في يوم ما دخلتها ، طول عمرك بتمنع اي حد يدخل اوضتك ، ساعات كنت اتمنى ادخلها ، بس انت دايمًا بتبعدني عنك ياموسى "
نَهض لِأمتعاض مَلامحها ، وَلم يَستطع كَبح مَلامِحه عَن الابتِسام
"الاوضه وصاحب الاوضه من هنا ورايح تحت امرك "
لاَحت قَهقه مِن بَين شَفتيها ، وَلم تَستطع كَبح دِموعها مِن النِزول تَدفن رَأْسها دَاخل عُنقه 
" يـــاه ،  ماتعرفش انا استنيت قد ايه عشان اسمع منك الكلام الحلو ده ياموسى "
هَمست بِها وَهي مُغمضة العِينين ، واختَزل العَالم بِاسرُه فِي ضِلعه الايسَر 
" انا بحبك ، بحبك اوي .." 
شَدت ذٌراعيها حَوله ، تُحاول أن تَختبىء مِنه فيِه
ثُم شَعرت بِبرد مُفاجىء ، واصَابع تَدفع كَتفها بِلطف ، يَهتف بِصوتٍ نَاعس 
" روز ، روز اصحي ، بتتكلمي طول الليل مش عارف انام .." 
فَتحت عِينيها بِبطء لِتجد نَفسها تَحتضن وِسادتها بِقوه ، انسَحب شِعورها بِالدفء ، وتَلاشت ابتسَامتها تَدريجيًا حينَ رَأت زَوجها ، يَمسك رَأْسه مِن الألَم 
" صداع هيفرتك دماغي ، مش عارف من ايه " 
استَدار نَاحيتها سَائلاً
" كنتي بتقولي ايه وانتِ نايمه .." 
جَفت ابتِسامتها ، تَتسارع دَقات قَلبها تَتذكر مَاحدث مِنذُ سَاعات قَليله حينَ وَضعت المِنوم دَاخل كُوب العَصير لِزوجها ، وتَبديلها لِملابسُه ثُم نَعست بِجواره بِأراحيه 
فَاقت مِن شرودَها ، واستَدارت نَاحيتُه تَخبرهُ بِبسمه مُزيفه 
" هكون بقول ايه يعني ياسالم ، هو انا فاكره .." 
مَدت كَف يَدها تُعيد تَرتيِب  الوسَاده
" نام ، نام ياحبيبي ، لسه بدري على الصبح ، تصبح على خير .."
التَفتت بِجسدها، تَغلق الأناره وأعطَته ظَهرها.
تَحتضن وسَادتها مَره أُخرى بِاطمئنان…
وَكأنها تُخفي بَين ذِراعيها سرًا،  لا يَنبغي لأحَد أن يَعلمُه ، حَيثُ لا صَوت لـ "موسى إلا فِي قَلبها
.                                                                      .
                                     .
.                                                                       .
جَافها النَوم كَعادتُه فِي الليَالي التَى تَثقل صَدرها  ، تَسير" حبيبه " بِخطواتها فِي الحَديقه الدَاخليه لِلقصر  فِي شُرود اِلا أنَها جَفلت ليِد حَطت عَلى كَتِفها لِتَستديِر فَتطلق تَنهيِده مِرتَاحه 
" موسى خضتني ، انت طلعتلي منين يابني " 
مَازحتهُ لِيصنع لَها ابتِسامه هَادئه ، يُخلل أصَابِع يَدُه بَين أصَابعها يَقودها نَحو مَكان تَعرف أنَهُ لَن يَكون فِيه سِوا هَي وَ هُو وَأحاديثهم ، جَعلها تَجلس فَوق العُشب النَدي اسفَل بَيت الشَجرة ، الَذي صَنعه لَها أَثنَاء طفولَتهم ، مُستلقيًا بِجانبها ، يَرخي بِثقل رَأْسُه عَلى حِجرها 
" عروستنا الصغيره ،  مانامتش ليه لحد دلوقتي "
"عروسه .." 
هَمست تَمتهن الغَباء تُلاعب خُصلات شَعره البُندقيه فِي شِرود 
" ايوه عروسه وهَتبقي اجمل ، واكيت ، والطف عروسه قريب " 
لَم يَتلقى رَد ، بَل اصبَحت شَارده مِن جَديد ، رَفع سُبابتُه يُداعب أنفَها الصَغير 
" سرحانه في ايه مخليكي مش عارفه تنامي لحد دلوقت ، ايه .. انا مابقيتش البير اللي كنتِ بترمي في كل اسرارك "
" لا طبعًا ما تقولش كده .. "
هَتفت وَقد تَملكها القَلق لِنظراتُه لَها ، هَبطت يَدها عَلى عِينيه تَخفي مِقلتيه المُعاتبه لها 
" ماتبصليش كده ، عنيك دي لما بتبصلي بيها كده ما بعرفش اخبي عنك حاجه ، وبقول كل اللي جوايا على طول " 
نَهض يَمسك بِكتفيها يَلفت انتِباهها بِقول 
"واحنا من امتى بنخبي حاجه على بعض ياحبيبه، 
حبيبه عايزك تعرفي حاجه واحده بس انا مافيش حاجه مخلياني متحمل الراجل ابونا ده وقاعد هنا وبنفذ اللي بيقول عليه غير  عشانك انتِ وامي "
قَضمت شَفتاها ، تَشد عَلى تَنورتها ، تُطالع مِقلتيه الهَادئه ، تَعتذر لَها كَالعاده ، عَيناهُ تَخبرها طَالما أنهُ حَي سَيصبح كُل شَىء بِخير 
مَالت بِجبينها عَلى صَدرُه تَعتصر سِلسة قِلادتها ، عَل هَذا يُخفف مِن انقِباضة قَلبها ، وَهي تَروي لهُ مَا يؤرقَها
" انا خايفه ياموسى ، خايفه بابا مايرضاش للمره العاشره بمصطفى ، خايفه افضل حبيسة القصر ده طول عمري  ،  لأني مش هتجوز غيره ، مصطفى اخر مره بابا رفضه فيها كان هينتحر ، وانا لو مصطفى جراله حاجه بسببي انا ممكن اموت نفسي فيها ، بحس ان كل حاجه ضده ، حتى جده اللي بيعتني بي  جاله المرض الوحش وممكن يسيبه في اي وقت ، ومش هيلاقي اللي يعتني بي لو بابا موافقش مصطفى هيبقى وحيد " 
قَاطع حَديثها الطَويل بَكلماته المُستفسره تِلك
" هو مالوش قرايب يا حبيبه غير جده  .." 
أجَابتهُ وَهي تَسدل جِفناها لِأناملُه التَي تَسبح فِي أموَاج شَعرها 
" عنده عمامه وعماته ودول ما صدقوا خلصوا منه هو واخته عشان ياخدوا ورث ابوهم من بعد الحادثه اللي حصلت وطبعًا مصطفى مش عارف يرجع حقه هو واخته ، واللي رباه جده ابو امه وده راجل كبير معرفش يعمل معاهم حاجه .. "
سَألها بِنبره تَتماشى مَع هِدوء المَكان 
" اخته..؟ انتِ ماقولتليش قبل كده ان مصطفى عنده أخت .." 
رَفعت رَأْسها مِن عَلى صَدره تُطالعه وَهي تَهتف
"ايوه عنده .."
طَالعها بِأهتمام دونَ حَديث ، يُحرّك يَدهُ بِهدوء، يُزيح خُصلةً نَاعمة انسَدلت عَلى جَبينها وَهي تَردف
" اخته دي طلعت من الحادثه اللي حصلتلهم وهما صغيرين عندها اكتئاب حاد ، مكنتش بتتكلم كانت كارهه الڤيلا والمكان وطبعًا اهل باباها دفنوا مامتها وباباها من هنا وسفروها على بره في سويسرا في مدرسه داخليه
رفّ جِفنه بِبطء، دونَ أن يُغيّر مِن جَلستهُ، فَتابعت هِي 
" اخته دي  كانت صغيره اوي ، وطبعًا عشان ماترجعش تسأل على ورثها كانوا بيدفعولها كل مصاريفها ، وهي بعد الحادثه مصطفى بيحكيلي انها انعزلت عنه ماكنتش بترضى تشوفه هو وجده ولا حتى رجعت مصر ولو لمره واحده ومصطفى لما اتشل وبقى قعيد بسبب الحادثه ، ماقدرش يسافرلها 
لاَمس كفُّ "موسى" رَاحتها، بِهدوءٍ وَتمسكت بِه هَي أكثَر تَردف 
" تعرف انها بعدت عنه لدرجة انها كانت بتكلمه كل سنه مره ، وفين وفين على مايشوفها وتبعتله فيديو او حاجه ، عشان كده مصطفى مابيحكليش عنها كتير  ، وانا ما كنتش بسأل بصراحه ، بس اللي عرفته انها لسه راجعه امبارح ، وجت عشان تبقى مع مصطفى المره دي وهو بيكلم بابا تاني وهترجع على طول  " 
حَديثها عَنها جَعلهُ يَسأل بِفضول 
" هي أسمها ايه ..؟ " 
لاَحت بَسمه عَلى شَفتاها وَهي تَسألُه
" هي مين ..؟" 
ضحكت هي لِامتعاض مَلامحهُ نَاهضًا يَتفقد مَلابسُه مِن الأَتربه العَالقه لِتنهض هَي مِثلُه ، تَحرك أمَامها بِضعة خَطوات ، لتَلتقط بِبصرها سِوار فِضي مَنقوش بِحرفيه يَتدلى مِن طَرف جَيبُه ، هَمست بِداخلها فِي صَمت 
" اسوره !! " 
لَاحت اسئله بِداخلها تَسأل بِها نَفسها وَهي تَرى ذَلك السِوار يَترنح مِن جَيبه بِكل اراحِيه 
" دي اسوره بناتي ياترى بتاعت مين ، معقول انه يكون بيحب وماقاليش ، بس موسى عمره ما خبى عني حاجه ازاي مايقوليش عن حاجه مهمه زي دي ، ياترى ماقاليش ليه ، ما انا بحكيله عن كل حاجه " 
شَيئًا مَا مِن خَيبة الأَمل اهتَزت دَاخلها ، لاَ يُمكن لـ
"موسى " أَن يَفعل ذَلك وَقد وَعدوا بَعضهم البَعض 
بِالبوح عِند أول نَبره غَريبه ، اقتَربت مِنهُ مُقطبه حَاجبيها فِي شَىء مِن الحِيره ، مَدت يَدها نَحو السِوار تُمرر اَناملها عَليه بِسطحيه قَبل أَن تَسحبهُ نَحوها ، نوع السِوار فَقط كَفيل بِالتصريح بِمدى ثَراء صَاحبتُه ، حِينما كَادت تَسحبهُ كَاملاً نَحوها انتَفضت بِفزع عَلى صَوت " موسى " الحَذر 
" بتعملي ايه "
" دي اسوره بناتي مش كده " 
سَألت دونَ سَابق أنذَار ، والفِضول يَأذها لِمعرفة الحَقيقه ، لَن تُسامحه بِسهوله لَو أخفَى عَنها شَيئًا كَهذا ، لَطالما كَان مَصرف عُملات أَسرارهَا وكَانت هِي زبونَتهُ الوَحيده 
" موسى ، قولي بجد دي اسوره لبنت صح ، معنى كده ان في بنت في حياتك وانت ماقولتليش ، ده انا بحكيلك على كل حاجه "
هَتفت بِحاجب مَرفوع ، مُتكتفه تُطالعه وَهو يُخبيء السِوار بِداخل جَيبُه  ، تَنتظر مَا سَيقوله تَاليًا ، نَبس بَعد صَمت ظَنت أنهُ لَن يَنتهي بِصيغه سَاخره 
" مافيش حاجه والله يابنتي ، ده حتى معرفش الاسوره دي بتاعت مين " 
" ماتعرفش دي لمين ، تمام ، هات الاسوره بقى عشان ارميها في الزباله طالما ماتعرفش الاسوره دي بتاعت مين ايه رايك " 
تَمتمت بِأبتسامه مُتكلفه وَسخط ، وَلكنها لَمحت نَظراتُه تُحاول مَنعها ، وَكما يَبدو فَهو لاَ يَنوي الحَديث ، لِذا ادعت هَي الا مُبالاه فِي حَديثها 
"خلاص مش عايزه اعرف ،  براحتك على فكره ، مش هغصب عليك ، بس توعدني لما تحب تحكي ابقى انا اول واحده تحكيلها ، انت عارف انا وانت مالناش غير بعض في الدنيا ممكن انت ليك نعيمه وولادها ، بس انا ماليش غيرك ياموسى " 
هَدأ تَنفُسها واستَكانت ، استَدار نَحوها بِنظره حَانيه 
" وانا عايزك تعرفي اني هنا دايمًا عشانك ياحبيبه ، ومش هرتاح الا لما اطمن عليكي في عش اللي قلبك اختاره "
ثُم طَالعها بِعيناه الصَامته يُؤكد لَها انهُ هُنا قُطبها الموجَب حِينما تُريد التَنافر مِن الجَميع ، انهُ عُملتها الوَحيده وَيدها الثَانيه التَي تَسندها أن خَارت قِواها يَومًا 
.
* .                                                                  .
                                  .             
    •                           
                                 *
                                                                         •
•.
                                                                      .
                                     .
           .•                                                      
  أَشعَلت " أمنه " الأِنَاره وَدثرت نَفسها جَيداً بِالغطاء، أغمَضت عَينيها لِلحظات ثُم فَتحتها تُطالع الخَارج وَنافذتها مَفتوحه  ، تَرفع بِبصرها الىَ السَماء الدَاكنه وَنوافذ الجِيران التَي تَشع مِنها إضَاءه صَفراء مُريحه ، قَبضت بِأناملها بِقوه عَلى الكِتاب المُفضل لَها ( البيت المَائل ) لِأجاثا كريستي ، كَم تَعشق كِتاباتها ، هَمت بِقراءته كَعادتها قَبل النوَم ، فَشعرت بِباب الغُرفه يُفتح ، رَفعت رَأْسها ، تَهمس بِداخلها 
" من سيزورني فِي هَذا الوَقت مِن اللَيل " 
" ماجالكيش نوم زيي يا امنه " 
لَقد كَان شَقيقها "مُصطفى" لَم تَشعر بِصرير عَجلات كُرسيه المُتحرك 
رَفعت اضَاءة الغُرفه المَوضوعه فَوق المَنضده التَي بِجانبها فَأضيئت الغُرفه قَليلاً ، وَتراءى لهَا جَسدُه والقَليل مِن مَلامُحه ، اخَذ يَقترب مِنها حَتى صَارت مَلامحهُ وَاضحه 
" انا مش فاهم ازاي بتقدري تقري والاضاءه يادوبك بتبقى ضعيفه اوي " 
استَقامت مِن مَرقدها مُستقيمه لهُ
"في المدرسة الداخلية بسويسرا ، كان علينا أن نخلد إلى النوم قبل التاسعة، وما إن تُطفأ الأنوار حتى يعمّ الصمت في العنبر الكبير حيث ننام جميعًا
لم يكن هناك متسع من الحرية، ولم يكن أمامي سوى خيارين
إما أن أتأقلم... أو أُحرم من الكتب التي أحبها
وهكذا اعتدت أن أقرأ على ضوء شمعة صغيره بالكاد يضيء وهجها وجهي والسطور القريبة من عيني
هَمست " امنه " فِي غَير تَصديق لَقد نَسيت تَمامًا وَتحدثت مَعهُ بِالفُصحى ، حَاولت أعَادة صِياغة مَا قالتُه بِالعاميه وَلكنهُ مَنعها وَنبس يُطالعها بِابتسامه
" انتِ مهووسه بِالكتب لدرجة انك بتاكليها اكل مش بس بتقريها ، انتِ حتى نسيتي اللغه العاميه من كتر قرايتك ليها بالفصحى " 
هو مُحق ، أنها مَهووسه وأكَله لِلكُتب .. لَكن التِهام الكُتب يَجعل العَقل يَسمن وَسمنة العَقل لَيست ضَاره كَسمنة الجَسد ، فَوضعت الكِتاب عَلى طَاوله جَانبها وَهي تَخبرُه 
" لولا الكتب دي كنت نسيت اصلا اتكلم بالعربي ازاي ، ماتنساش اني بقالي في انجلترا اكتر من ١٣ سنه ، مافيش مخلوق هناك بيتكلم عربي وعشان احافظ على لغتي عيشت مع الكتب ، عشان مانساش لغتي ابداً ومفقدش هويتي الحقيقيه" 
" ومكنتيش بتكلميني ليه يا امنه مع انك كنتِى وحيده زيي  ، ليه كل ما كنت اتصل بيكي يقولولي مشغوله يا اما بتدرس يا نايمه ، ليه كنتي بتبعدي عن اخوكي اللي مالهوش غيرك في دنيته " 
سَأل دونَ سَابق أنذَار ، وأخرَجت هَي تَنهيده مُنهكه
وَأكمل 
" مِن كتر حُبي ليكي اوقات كتير  كرهتك " 
عَقدت حَاجباها بِاستغراب مِما قَاله ، فالنَبره والجُمله يَتعارضان ، امتَدت يَداهُ تُخرج كَفيها مِن
تَحت الغِطاء  يَحتضنهما وَتابع 
" كرهت بعدك عني في اكتر وقت كنت محتاجك في يا امنه ، مش فاهم ايه اللي يخليكي بعيده كده ، ايه اللي خلاكي تهربي وتسبيني في وش المدفع لوحدي ، ضعيف من غيرك ، انتِ كنتي دايمًا سبب قوتي " 
شَعرت بِشوكه تَخدش حَلقُها ، وَكأن كَلماته كَانت القَطره التَي أفَاضت الكَأس لِتهمس بِداخلها 
" اعرف جَيداً بِأنك تُريد اجَابه تَشبع بِها جُوع تَساؤلاتك ، وَلكن أن عَلمت حَقيقتي سَوف اخسرك لِلأبد ، وأنا أفضل موتي بَدلاً مُن خُسارتك ، فَأنتَ بِالنسبة لي المَطر وَأنا البُستان ، وَبدونه سَأغدو قَاحله وَجرداء "
طَالعتُه وَقد اتَخذت قَرارها 
"مصطفى ارجوك "
" في حاجات ماينفعش نشاركها مع غيرنا ، حتى لو  كانوا اقرب ما لينا ، انا مضطره اني احتفظ 
بأجابات اسئلتك لنفسي وبس " 
ابتَسمت لِتطرد ذَاك الشِعور الغَير مُريح ، تَضرب يَدهُ بِغيظ ، تِجاوبهُ بِتظَارف 
" وبعدين انت مش اول ما قولتلي انا محتاجلك سيبت كل حاجه ورايا عشانك وجيت " 
هَو يَدرك جَيداً أنَها حيِنما لا تُحبذ الأجَابه فَأنها تُغير المَوضوع كُله وَلانهُ " مصطفى " وَاكثر مَن يَتفهمها سَيُغير المَوضوع يُسايرها 
" ده بعد ما كنت شويه وهعيط عشان ترجعيلي"
" كــــاذب " 
أَومَأت  بِجديه مُزيفه وَهي تَبتسم ، فَأشار بِيده عَلى صَدره يُقلد نَبرتها 
" انا كاذب يا امنه " 
أَشَارت تَهز رَأسها بِأبتسامه وَاسعه ، وَهي تَخبرُه 
" نعم ، عشان مطلعتش انت اللي محتاجني "
خَففت مِن نَبرتها السَاخره ، سَائله بِنبره جَاده
" ليه ماقولتليش يامصطفى ان جده مريض بالشكل ده  ، ليه خلتني افتكر ان انت اللي محتاجلي مش هو " 
تَنهد بِعمق وَهو يَدس يَديه فِي جِيوب سُترته
"عشان كنت عايز اشوف غلاوتي عندك ، ياترى انا استاهل انك تسيبي كل حاجه عشاني وتيجي وتبقي معايا في أكتر وقت محتاجك في ولا لاء " 
عَيناها كَانت هَادئه وَصامته وَكأنها  .. تَطلب مِنهُ الحَديث فَقط ، تَعدهُ بِالأصغَاء إِذا القَى مَا يُثقله ، 
فابتَسم هِو شِبه ابتِسامتهُ تِلك 
" انا سهرتك اوي النهارده .. هسيبك عشان ترتاحي بقى اليوم كان متعب اوي بالنسبالك ، بس اعملي حسابك ، بكره انا عايزك جاهزة وتبقي زي القمر في الحفله التنكريه ، عشان هتقابلي واحده نسخه من طيبة قلبك ، والقلوب بتتشابه " 
التَفت يُحرك عَجلات الكُرسي بيِديه ليفتح بَاب الغُرفه
" مصطفى " 
" انا مبسوطه عشانك اوي ، واوعدك بكره هعمل كل اللي اقدر عليه عشان حبيبه تكون من نصيبك ، ومش هرجع سويسرا الا لما اطمن عليك وانت معاها " 
أومَأ برَأسه بِابتسامه وخَرج  ، وأَغلَقت " أمنه " بَاب غُرفتها ، تُطالع أرجَائها فِي صَمت ، الهِدوء يَحتل المَكان بِشكل مُريب يُمكنها سَماع  صَوت عَقارب السَاعه التَي تُعانق الحَائط ، لِتُحرك خَطواتها نَحو حَقيبتها ، وَقد بَدأت فِي اخرَاج مَا بِجوفها ، نَزعت شِريطه شَعرها حِينما فَرغت كُل مِحتويات الحَقيبه ، تَخطو نَحو المَنضده بِجانب السِرير ، وَحينما وَضعتها فِي الدَرج جَذب انتِباهها صوره بِداخل بِرواز قَديم لِوالدتها تَحملها وَهي صَغيره ، وَقعت عَيناها عَلى سِوار وَالدتها وَهي تَضعه فِي مِعصمها ، لَاحت شِبه بَسمه عَلى شَفتيها تَمرر أنَاملها عَلى مِعصم يَدها لِتنتفض حِين لَم تجد سِوار " والدتها "بِمعصمها فَهو الذِكرى الوَحيده المُتبقيه لَها مِنها 
انحَنت أرضًا تَجثو عَلى رُكبتيها ، تَبحث بِعينيها أسفَل الفِراش ،  تُقلب بَصرها هُنا وهُناك عَن السوَار 
قَلبت الغِطاء ثُم سَحبت الوِسادة ، تَفقدت حَقيبة يَدها مَرة أُخرى، فَتحت كُل سِحّاب فِيها ، عَادت تَنظر إلىَ أركَان الغُرفة، المَنضدة، فَوق الكُرسي، حَتى عَتبة البَاب ، أغمَضت عَيناها لِثواني ، تَقبض بِكفها عَلى جَبينها مِن كَثرة التَوتر 
"ذلك السوار كيف اختفى يا الهي ، لا أحتمل فقده" 
هَمست لِنفسها ، وَهي تُغمض عِيناها تَتنفس بِعُمق
تَدخُل كَثيراً مِن الهَواء فِي صَدرها عَل زَفيرها يَخرُج كُل ذَرة غُبارٍ اسوَد  ، انتَفض قَلبَها مُتأرجِحًا وَقد تَذكرت شَيئًا 
" مهلاً ، ذَلك الشَاب حِين لَمس يَدي  ، أيُعقل  أن يَكون لِصًا لِذلك أَمسك بِها  " 
زَفرت فِي تَوتر مِن سَذاجتها المُفرطه 
" يا لحماقتي ، كيف لي أن اكون بِتلك السذَاجه ، مِن المؤكد ، ان لَمستهُ الخَاطفه تِلك ،  لِذلك الغَرض لَيس الا " 
شَددت بِقبضتها عَلى سَلاسل عَقدها مِتوجه نَحو البَاب لِتخبر مَن بِالبيت بِما حَدث عَليها التَصرف وَبسرعه قَبل فَوات الأوان فَهي مُستعده أن تَخسر ايِ شَىء مُقبال استِرداد ذَاك السِوار ، وَلكنها تَوقفت فَجأه تَسأل نَفسها 
" هل سألهيهم اليوم بِمشكلاتي بَدلاً من ان أحل لَهم مَشاكلهم المُتراكمه ، هَل سَأتي لِأزود هِمومهم هَمًا أخر ، وَهما مَن يَعتمدون عَليا أنا " 
بَلعت كقَومة القَش فِي حَنجرتها ، تَفرك يَداها المُتعرقه  ، وَقد شَعرت أن صَدرها مَحشور بَين جِدارين يَطبقان عَليه ، لِترمش رَافعه عَيناها نَحو السَماء دَاعيه رَبها والبُكاء كَان حَليفها  أن تَجد ضَالتها فِي وَقتٍ قَريب ، ولَكن كَيف ؟ 
هَي حَتى لَم تَرى مِن مَلامُحه سِوى عَيناه ،  فَكانت مُخبأه أسفَل تِلك الخوذه السَوداء هَامسه لِنفسها 
" عَيناه ، نعم ، عَيناه " 
استَقامت تَتوجه مُسرعه نَاحية المَكتب ، تَلتقط كَومه مِن الأوراق ، تَرسم عَيناه بِالقلم الرُصاص فَهي حَقاً بَارعه فِي الرَسم 
أخذَت تَرسم مَا يُمكنها التِقاطه مِن ذَاكرتها ، خُصلات شَعرُه المُتوجه عَلى حَافة رِموشه الكَثيفه  بِلون يُماثل لَون خُوذته القَاتم ، لَكن خُصلاتُه لَها لَمعه ، وَكأن لَهُ قَمراً يَسقط إضاءتهُ الخَافته عَليه 
حَاجباه كَثيفان بِشكلٍ مَرسوم دونَ اللِجوء لِشفره او قَلم  ،  مِقلتيه بِلون ....
" مَهلاً لَحظه ، أخذَت تُحدق فِي الرَسمه مُطولاً 
حدّقت في عِينيه ، كَأنها تُحاول أَن تَمسك بِاللون وَهو يَفلّت مِنها لَطالما أَربَكتها الأَلوان 
وَلكن هُناك لَمعة، شَيءٌ خاطفٌ بَين رُمادٍ سَاكن وَضوءٍ دافئ ..لونٌ لا يَستقر، لا يصرّح بِإسمه، ولا يَمنحها فُرصة لِتُقسم بِثقة كَان كَذا
هَي تَعرف مَلامح البَشر، تَحفظ الخِطوط والظِلال...
لَكنها دومًا مَا تَتوقف أمَام الألوَان، كَأنها تَختبرها لَيست بِمقلتيها ، بَل بِشيء غَامض دَاخلها لا يُجيد التَمييز
أغمَضت عيِنيها لِلحظه ، فَلم تُدرك إن كَان مَا رَأته وهمًا مِن الضَوء ، أم أن عِينيه فعلًا تَضيئان بِلونٍ لَا تَعرفُه 
حَبست نَفسها بَين الأَوراق والأَلوان وَانشَغلت بِرسم عَيناه ، حَتى تَصبغت السَماء بِلون يُماثل لَون العَسل الأَبيض فِي نَقاؤه 
                                 🍂
" نوح ، ماتروح تنشط دورتك الدمويه يا اخي وتحضر الفطار مع امك بدل ما انتَ لازق في الكنبه
كده ، من اول النهار " 
أَمر " انس " ذَلك الجَالس بِجواره عَلى الأَريكه دُون حِراك لِينسَحب نَحو المَطبخ بِضجر ، بَينما " لُقمان" 
تَحرك فِي مَقعدُه بِغير رَاحه يَتفقد هَاتفه بِعينيه كُل
دَقيقه ،  شَعر الحَج " نصار " بِقلق طَفيف ، مَد كَف يَدُه يُربت عَلى فَخذُه بِلطف 
" ايه يالقمان يابني ، مالك شايفك كل دقيقه تبص في تليفونك ، مستني حاجه " 
نَفى بِرأْسه لِيجيب 
" لا ، ابداً ياحج هكون مستني ايه يعني " 
أَومَأ " والده " وَقد لَمح ابتِسامتهُ لَهُ ، ابتِسامه دَافئه وَلطيفه ، هَل دَومًا ابتِسامة  كُل العَجائز دَافئه هَكذا ؟ 
" لو مش عايز تقول يالقمان على راحتك ، بس خليك عارف ، لو المقابله بتاعت المدرسه الفخمه اللي بتقول عليها دي مجاتش لصالحك اعرف ان هما الخسرانين يابني ، انت قيمه وقامه وتزيد اي مكان تروحه ما تقلش منه ، واللي أنا اعرفه كويس، إن رزقك هيوصلك زي ما النفس بيدخلك، لا أسرع ولا أبطأ " 
هَز " لقمان " بِرأْسهُ لَهُ يَضع قِدح الشَاي عَلى المَنضده نَابسًا 
" كلامك ده على قد ما بيريح على قد ما يتعب ياحج والله ، انا بس محتاج فرصه مش اكتر اثبت فيها نفسي ، وابدأ طريقي بقى " 
تَنهيده خَرجت مِن "نصار"  وَهو يَقف يُقلب حَبات سِبحتُه بَين أَناملُه بِبطء يُبارح الرُدهه ويَتجه نَحو الخَارج وَهو يَقول 
" ماتستعجلش يالقمان ، كل جبل كان في يوم تراب ، وكل شَجره بَدأت ببذره صَغيره ، وطول ما انتَ بتحاول هتوصل في يوم يابني وخليك واثق في كلام ربك " وَليس لِلأنسَان إِلا مَا سَعى " وطول ما انت بتسعى ربك مش هيسيبك أبداً " 
خَرجت السَيده " نعيمه " تَحمل بَين ذِراعيها الأطباق لِلافطار ، وَقبل أَن تُلامس يَد " أنس " قِطعة الخُبز ، ضَربت السَيده " نعيمه " ظَهر كَفُه بِخفه 
" استنى يا انس لما كلنا نقعد ناكل ونتلم سوا على الطبليه " 
طَالعت "زَوجها " بِاستغراب وَهو يَقف عَلى عَتبة المَنزل يَرتدي فَردة حِذاءُه 
"رايح فين يانصار ، مش هتفطر معانا ولا ايه " 
وَضعت الأطبَاق عَلى الطَبليه لِينفي بِرأْسه 
" لا ، فطار ايه بقى انا اتأخرت على الفرنه ، تلاقي الصنايعيه بدأوا الخبيز افطروا انتوا ، وانا هبقى افطر مع الصنايعيه تحت " 
رَحل ، وَهزت هَي رَأْسها بِالموَافقه تَتجه نَاحية المَطبخ لِتحضر الأَطباق المُتبقيه ، سَمعت رَنين هَاتفها وضَغطت عَلى زِر الشَاشه ، كَانت مُكالمه ڤيديو مِن صَديقتها " وداد " وَما أَن رَأتها تُحضر الطَعام قَالت 
" ياختشي وانا كل ما ارن عليكي الاقيكي في المطبخ يانعيمه " 
دَست أَوراق الجَرجير فِي فَمها 
" تعبانه يابت والله تعبانه ، سبيني باللي انا فيه " 
أَرتَشفت " وداد " مِن كوبها مُستمتعه بِبرودة حَليب الكَاكاو وَهي تَنساب فِي حَلقها 
"مالك ياعنيا ، مالك ياقلبي فيكي ايه احكيلي "
اتَجهت " نَعيمه " نَحو صَنبور المِياه تَغسل أَوراق الجَرجير بِعنايه 
" طالع عيني ياوداد ، وحياة ربنا طالع عيني ياختي ،  من ساعة ما اصحى الصبح لحد ما احط دماغي على المخده " 
مَسحت كَف يَدها فِي مَلابسها تَتجه نَاحيه الهَاتف
تَشير بِأصبعها بِحركه دَائريه
"وانا بَـــــوِر كِده يَاوداد ، بَــــور ياختي زي النحله"
أَصدَرت " نعيمه صَوتٍ بِجانب فَمها 
" يابختك عندك بنت ، اما انا " 
أَشارت بِأصبعها بِأتجاه الخَارج 
" بوريـــه منهم ياختي بـوريــــه ، قاعدين بره اهوه مستنيين الاكل ، الا ما في واحد فيهم ييجي يشيل مني حتى الاطباق " 
" وانتِ فاكره عشان معايا بت يانعيمه يبقى بتعمللي كل حاجه ، دي مطلعه عين امي والله " 
قَالتها " وداد " تَضع الكوب عَلى المَنضده وتُقرب شَاشه الهَاتف مِنها تَستردف 
" والله كلهم نيله يانعيمه ياختي مابتساعدني في حاجه " 
" ربيها ماتسيبهاش كده ياوداد ، ايه ده " 
طَالعت " وداد " الجِوار بِعينيها بِحذر هَامسه
" ياختي بتقعد طول الليل على الفيس والواتس وتقعد تسهر طول الليل تكلم خطيبها ، وطول النهار نايمه " 
" شيلي فيشة النت ياوداد ، ماتسكتلهاش " 
دَخل " ادم " الىَ المَطبخ وَهو يَقول 
" مش عايزه مساعده يانعيمه " 
ابتَسمت " نَعيمه " بَسمه حَانيه وَهي تَشير بِأصبعها الىَ الأطباق 
" روح يا ادم اللهي يرزقك ، خد الاطباق دي طلعها بره وكلوا انتوا " 
حَمل " ادم " الأَطباق بَين ذَراعيه وَقبل أَن يَخرج التَفت اليَها
" طيِب وانتِ يا امي مش هتفطري " 
أشَارت عَلى فُرن المَوقد بِسُبابتها وَهي تَقول 
" العيش بس يسخن في الفرن واطلعه واجي ، اكون خلصت كلام مع طنطك وداد ، انت عارف ما بحبش العيش الطازه بحبه يكون مقرمش " 
خَرج " ادم " وَتوجهت " نعيمه " بِبصرها الىَ شَاشه الهَاتف فَأخبرتها " وداد " 
" حنين ادم يانعيمه " 
لِتؤكد " نعيمه " عَلى حَديثها 
" اوي ، اوي ياوداد ، مافيش في حنيته والله  المهم سيبك منه دلوقتي  وزي ما بقولك كده شيلي فيشة النت قبل ما تنامي ماينفعش تسيبي البت تقعد طول الليل على النت ، بسمع انه بيبوظ البنات ياوداد خللي بالك " 
أَشارت " وداد " بِكف يَدها بِقلة حِيله 
" شيلته ، شيلته ياختي وهو انا لسه هستناكي اما تقولي ، بقيت اخبيه تحت المخده بتاعتي وانا نايمه " 
دَلكت صِدغيها وَهي تقول 
" عارفه بقت تعمل ايه لما بقيت اشيله " 
هَزت " نَعيمه " رأَسها بِأهتمَام 
" لاء ، ايه ، بس عالي صوتك عشان صوتك واطي مش سامعه منك حاجه " 
اشَارت " وداد " بِرأسها بِالموافقه ثُم أشَارت عَلى بَاطن كَفها بِاصبعها 
" بقت تجيب كرت الفكه ده عارفاه ؟ ابو سبعه ونص وابو عشره جنيه وتفضل تكلم اصحابها وتتفرج على افلام تركي طول الليل لحد ما بقت ترطملي بالتركي وانا ياختي مابقاش فاهماه هي بتقول ايه  "
كَتفت  " نعيمه " ذِراعيها 
" شكلها بتشتمك يابت " 
ثُم أَشارت بِأصبعها مُردفه
" مش عارفه ياختي باين كده ما انا زي العبيطه مش فاهمه ، ده غير كمان انها ولا بتساعدني في البيت ، ولا بتغسل ، ولا بتنشر ، ولا بتطبخ ، ولا بتمسح " 
قَضمت " نعيمه " شَفتاها فِي استغراب 
" ياختي عالي صوتك شويه مش سامعه ، أنتِ موطيه صوتك كده ليه " 
أَخبرتها " وداد  " بِحذر 
" خايفه اخوها طه يصحى ويسمعني ، ويعرف انها بتسهر على البتاع ده اللي اسمه التوكتوك ، وهو قالها قبل كده ماتقعديش عليه ، يقوم يجيبها من شعرها وتبقى خناقه بقى مش هنخلص النهارده " 
ثُم أَشارت عَلى أسفل ظَهرها بِذراعها
" مع ان والله حلال فيها ، انا اقسم بالله ضهري اتقطم ، مش عارفه اعمل ايه خلاص يانعيمه في البت دي  طهقت والله ياختي " 
دَلكت السَيده " نعيمه " صَدغيها وَقد لاَنت مَلامحها حِينما رَأت دَمعه يَتيمه تَتجمع فِي عِينيها 
" سبحان الله مع انها كانت خدومه يعني طول العزومه لما كنت عزماكم " 
تَنهدت " وداد " فِي وَهنٍ
" لا معاكي انتِ تخدمك بعنيها اصلها بتحبك اوي ، انما انا ..." 
خلاص ، خلاص بقى ياوداد ، يختي جايه اشتكيلك همي شيلتيني همك هو ايه ده " 
حَنت " نعيمه " ظَهرها تَخرج الخُبز مِن الفُرن ، لِتسمع صَوت " وداد" تَطلب مِنها 
" طيب بقولك ايه ماردتيش عليا من امبارح ،  مش هاتروحي فرح بنت ام محمد اللي جنبنا ، ده بيقولوا عاملينه في قاعه غاليه اوي " 
وَضعت " نعيمه " الخبز بِداخل القِدر 
" اه طبعًا ، وده فرح يفوتني ، لازم اروحه ، عشان اشوف ام محمد عامله ايه في نفسها " 
ابتَسمت " وداد " بَسمه عَريضه بِقول 
" ولا العروسه لازم نتفرج على فستانها والمكياچ بتاعها ونقول رأينا ونقيم ،  خلاص هستناكي في القاعه هجيب سمر واجي " 
أَشارت لَها " نعيمه " بِرأسها 
" ماشي ، خلاص هاروحلك هناك على القاعه وهجيب عيل من العيال عشان يوديني " 
وَما إن أُغلِق الخَط، حَتى عَادت كلٌّ مِنهُما إلىَ يَومها الشَاق، تُحضّر، وتُرتّب، لِلفرح وَستؤديَان فيِه واجبهما المقدّس وَهو التَقييم بِإسم الذَوق العَام
                                   ✨
لَحظاتٌ لا يُعوِّضُها شيءٌ، قرَّرَ أن يَقضيَها "موسى" بِرِفقةِ مَن لا يَستحقُّها، بِرِفقةِ أولئكَ الّذينَ تتَكاثَرُ حَولَهمُ المتاعِب، وتَتناسَل الخَسائر كُلَّما مَضَوا خَطوَة
فَبعض القُلوبِ تُجيد التعلّقَ بالخَطَر، أكثَرَ ممّا تُجيد الهَربَ مِنه
كَان " موسى " مُستلقيًا عَلى ظَهرُه فَوق سُور مَبنى أَسمنتي عَلى حَافة مَبنى شَاهق ، يُمناه خَلف رَأسُه وَلفافة تَبغُه مُعلقه فِي زَاوية فَمُه ، شَاردًا فِي النَظر الىَ السَماء ، النجُوم مُتناثره بِهدوء ، وَميضُها خَافت لاَ يُزاحم عَتمة اللَيل 
أَطلق تَنهيده تَنم عَن ضَجره ، وَهاتفُه يَضوي فِي جَيب بِنطالُه وَلكن لَم يَصلُه صَوته فَقد كَان عَلى الوَضع الصَامت 
بَينما شَقيقتُه "حبيبه" تَقف فِي مُنتصف غُرفتها مُرتديه فُستانها الوَردي ، الهَاتف مُلتصق بِأذنها ، تَقضم أَظافِرها مِن بَين أَسنانها فِي تَوتر 
" كده برضوا ياموسى ، بتصل بيك من الصبح مابتردش عليا ، الساعه داخله على عشره والحفله خلاص قربت تبدأ ومصطفى قرب ييجي ، رد بقى رد .." 
أَلقت بِالهاتف عَلى الأَريكه بِغضبٍ جَامح تبتعد عَنهُ تُمشط خَطواتها القَلقه بِالغُرفه لِتسمع صَوت رَنينُه 
تَقدمت نَاحيتُه بِأملٍ وَاضح عَل يَكون هُو المُتصل لَكنها وَجدتهُ "مُصطفى " تَنهدت يَائسه وَهي تَرد 
" أيوه يامصطفى " 
كَان يُحدثها مِن غُرفته يُحرك الكُرسي أَمَام مِرأتُه يَضع القَليل مِن العِطر عَلى جَسدُه 
" ايوه ياحبيبه ، اسف على التأخير ياحبيبتي انا خلاص جهزت ساعه بالكتير وتلاقيني عندك " 
هَتفت لِيقبض " مصطفى " حَاجبيه فِي شَك مِن ارتِجاج صَوتها 
" مال صوتك ياحبيبه ، انتِ كويسه " 
هَتف وَهو يَستدير بَكرسيه المُتحرك نَحو الخِزانه ، بَينما هَي تُحاول بَث الطَمأنيِنه بِداخلُه ، لِيُجيب هُو
" كل اللي انتِ في ده مجرد توتر طبيعي اوي ، حاولي ما تتوتريش ،  انا حاسس ان شاء الله  خير 
كل مره بنكون لوحدنا لكن المره دي موسى و امنه معانا وانا متأكد انهم هيقدروا يقنعوا والدك " 
" لو ، لو موسى مكانش هيقدر ييجي النهارده انت مش هتيجي يامصطفى " 
سَألتُه وَهي تَجلس عَلى طَرف السَرير ليِومىء لَها نَابسًا 
" حبيبه ، انتِ عارفه رأي والدك في موضعنا ، مجييتي مالهاش اي لازمه من غير اخوكي ، اخوكي لازم يكون موجود ياحبيبه " 
لاَ تَعلم لِما تَقوست شَفتاها لِلأسفل ، رُبما شَعرت بِخيبة أَمل ، خَيبة أَمل مِن شَقيقها ، لِتجده يَسأل 
" ليه هو مش جاي النهارده " 
فَرقت شَفتيها تَنفي  وَبسرعه تَخبرهُ لِكي يَطمأن قَليلاً بِأنهُ حَتمًا سَيأتي ليُجيبها هو بِأبتسامه وَاسعه 
" طيب خلاص اومال قلقتيني ليه بقى "
أدَار كُرسيِه المُتحرّك بِبطء نَحو البَاب، بَينما لاَ تَزال ابتِسامتهُ الهَادئة تُلامس مَلامحهُ
"بصي انا هقفل دلوقتي اشوف امنه خلصت ولا لاء، وعايزك تبقي زي القمر النهارده اتفقنا " 
أَنهى المُكالمه ،  وَدفع كُرسيه المُتحرك نَاحية غُرفة "أمنه" التَقط صَوت وَقع أَقدَام " جده " بِالرُدهه بِأبتسامه وَاسعه 
" ايه الجمال ده والبدله الشيك دي ، انت عريس النهارده ، مش رايح تحضر حفله تنكريه " 
كَلماتُه ونَظراتُه الحَانيه لَهُ قَد حَاصرتُه فَشعر بِقليلٍ مِن الحَرج ، مُصوبًا نَظراتُه لَهُ
"عريس مره واحده ، يسمع من بوقك ربنا ياجدي "
" عايزك تبقى واثق في نفسك المره دي يامصطفى وانت بتكلمه ، مش عايز والد حبيبه  يهزمك بكلامه  ولا يحسسك يابني انك قليل ، أنتَ مش قليل يامصطفى ، فاهمني "
أَجاد " الجِد " أقنَاعُه بِأسلوبه المُنمق وَكلامه اللَطيف ، أومَأ " مصطفى "  بِأنصيَاع ، ليُِباغته 
" الجد " فِي خَطفه لِحضنُه ثُم فَلتت مِنه تَنهيده خَافته قَادمه مِن أَعمق مَكان فِي صَدرُه ، فَصل العِناق ، ثُم تَنحى جَانباّ يُشير لَهُ بِأن يُكمل طَريقُه
" يلا بقى ، روح شوف امنه جهزت ولا لسه عشان ماتتأخرش على ميعادك " 
طَرق " مصطفى " بَاب غُرفتها مَرتين  ثُم نَادى مِن خَلفُه بِصوتٍ عالٍ نِسبيًا عَله يَصل لَها 
" أمنه ، خلصتي ولا لسه ، يلا يا أمنه مش عايزين نتأخر " 
كَانت تَجلس عَلى طَرف الفِراش شَارده بِذهنها فِي مَكانٍ بَعيد ،  تُمرر  أَنَاملها فَوق مَعصمها تُقلب فِيه أَثر السِوار الَذي فُقد  ، عَيناها مُعلقتان بِالرَسمه المَوضوعه أَمامَها  عَيون وَاسعه رَسمتها بِتفاصيلها الدَقيقه المُميزه ، تَشعر بِالعَجز المُميت عَلى فُقدانه ، طَرق " مصطفى" البَاب مَره أُخرى وَصوته اكتَسب نَبره مُختلفه أَكثر حِده َ
" أمنه ، انتِ كويسه مابترديش ليه " 
جَفلت لِنداء " أخيها " مِن الخَارج لِتنهض رَاكضه نَحوه  ، تُزيف البَسمه عَلى وَجهها وَهي تَقوم بِفتحُه ، تَخبرُه بِنبره هَادئه
" انا خلاص قربت اخلص " 
التَفتت تُمشط خَطواتها نَاحية الفِراش ، تَلتقط  تِلك الرَسمه تَطويها عَلى عَجل  ، تَدسها  بِداخل الدُرج بِحركه سَريعه 
" فَقط امنَحني بِضع دَقائق " 
أَغمضت عَيناها بِيأس تَضرب جَبينها بِكف يَدها ، تَهمس لِنفسها 
" تَبًا ، لَقد تَحدثت بِالفصحى مُجدداً ، كَيف لِرجل كَهذا أَن يَأخذ كَلامي بِجديه حِين أَتحدث مَعهُ بِشأن أبنَتُه وَكأنني خَرجتُ مِن كِتابٍ قَديم  ، لاَ أَريد أفسَاد الأمر بِرُمته ، وَلكن أنَا لَم أَحضر الىَ حَفلات مُنذ سِنين " 
شَردت مَره أُخرى ، قَبضت عَلى قِلادتها مِن شِدة التَوتر حَتى أَبيضت قَبضتها تُطالعه بِأرتباك
" أخر مره قد ذهبت لحفلٍ ، كان حفل أقامته المدرسه ، لتوزيع الجوائز وقد كنت من بين اصحابها ، يَجب عَلي التَخلص مِن ذَلك التَوتر لُمساعدة أخي ، رُبما لَا بَأس لَو ذَهبت فَأنا أَيضًا بِحاجةٍ لِشىء يَلهيني عَن السِوار الَذي فَقدته ، لِذلك يَجب أن أتحدث بِالعاميه وأن لا أخطأ ابداً بِطريقة حديثي"
" حاسس انك عايزه تقوليلي حاجه يا امنه ، لو مش عايزه تروحي الحفله قوليلي " 
هَزت رَأسها تَنفي حَديثه 
" لا لا طبعاً ، كل الحكايه انك شكلك زي القمر النهارده"
أَومَأت تَعود نَحو الخِزانه وَقد وَقع نَظرُها عَلى ثَوب بِلون الكَهرمان يُلائِم شَعرها الأَسود وَبشرتها الوَرديه ، تَقدمت نَحوه بِالثوب وَهي تَخبرُه 
" عموماً انا كنت لسه هجيلك عشان  الفستان ده عاجبني استايله اوي ، بس انا مش عارفه لونه ايه وياترى لونه هيليق عليا ، وهيبقى مناسب في الحفله التنكريه ولا لاء  " 
سَألتُه لِيرفع أَنظارُه نَحوها ، وَقد أزدَادت مَلامحهُ ارتِباكًا 
" انا ازاي نسيت يا امنه ، عموماً ياستي ده فستان بلون الكهرمان وهيبقى لايق عليكي اوي ، أنتِ عارفه ان بشرتك ورديه ولا نسيتي " 
أَستمر فِي التَحديق بِها وأَومأت هَي لِتبتسم فِي حَرج، وَقد سَارعت فِي تَجهيز نَفسها تَغلق البَاب بِالمفتاح مِن خَلفه لِتنعم بِبعض الخصوصيِه 
                               🍂
أَنس يلا عَشان تيجي معايا فَرح بِنْت أُم مُحمد
هَتيجي معايا ولا لَا؟"
قالَتها السَيّدةُ "نَعيمة" بِنفادِ صَبرٍ، وهي تُطالعُ جَفنيهِ المُحمرَّينِ مِن فَرطِ التَحديقِ في مَقاطعِ الفيديو القَصيرة.
لَم يَلتفِت إليها، واكتفى بِالتقليبِ في هاتِفه، يُمرِّرُ إصبعَه يَمنةً ويَسرة
"لا لا، مِش عايز أروح، روحوا انتوا."
ازدَادت حِدّةُ انفعالِها، وهي تُثبّتُ دَبّوسَ الطَّرحةِ في مَكانِه، ولوَّحت بِيَدَيها الاثنَتَين بِعصبيّة
"براحتك، وأنا هَتذل عليكم عَشان تيجوا معايا في حِتة، الله يِخربيتكم، أنا هاروح لوحدي"
دخلت السَيّدةُ نَعيمة غُرفتها، وأغلقت الباب خَلفها بِعُنف
لَم تَمرّ سوى ثَوانٍ قَليلة، حتّى خَرَجَت مِن جديد، مَلامِحها مُشتعِلةٌ بالغَضب، تُشاورُ بِيَدَيها بِعُنفٍ وتُهدّده
"دَقيقة واحدة، أُقسم بالله يا أَنس لو ما لاقيتَك لابِس وجاهز ، لَهُفرّج عليك الدنيا"
انتفض "أَنس" إلى الخَلف، مِن شِدّةِ تَغيّرِ نَبرتها الّتي أَصبَحت أَكثر جِديّة، ونَظراتِها الّتي لَم يَعُد فيها أَثَرٌ للهَزل.
أومَأ بِرأسِه سريعًا مُوافقًا، وانطلَق إلى غُرفتِه ليُبدِّلَ مَلابسَه على عَجل
                              🍂
ما زال "موسى" يَستلقي على ذلك السُّور، لم يَبرح مكانَه، ولم يَكن هناكَ ما يُنبئُهُ بأنَّ اللّيلةَ على ميعادٍ مع الجنون.
فجأةً، انقَطعَ سُكونُ المَشهدِ بصوتٍ أَجَشٍّ يُنادي من خَلفِه
"جاهز يا موسى؟"
الْتَفَّ "موسى" ببُطءٍ، وعلى وجهِه قَسماتٌ لم تَنفُذْ إليها الدَّهشة
كانَ الصوتُ لشابٍّ يَعملُ في المُراهناتِ على ألعابِ رياضةِ الباركور (أي: الرِّياضة الحُرَّة)، صاحبِ الجسدِ النحيلِ، والشَّعرِ المُبعثَرِ فوقَ جبهتِه.
وإلى جانِبِه، شابٌّ آخَرُ صَعِدَ فوقَ الحافَّةِ بثِقةِ لاعبِ رياضةٍ حُرَّةٍ مُخضرَم، بدأ يَتقدَّمُ خُطًى صغيرة، ثم يَرجِعُ للوراءِ، يَقْفِزُ في مكانِه، كأنَّهُ يُسَخِّنُ عضلاتِه لما هو أعظم.
لم يُجِب "موسى"، بل نَهَضَ من استلقائِه بتمهُّلٍ وهُدوءٍ، نَفَضَ غُبارَ ثيابِه، وسَوَّى ياقَةَ كِنزَتِه، ثم دَسَّ قدمَهُ الأولى عندَ حافَّةِ السُّور، ليَختبرَ الثِّقَلَ والثَّبات.
بأطرافِ أصابعِ قدمِه، رَفَعَ مِشطَها للأعلى والأسفل، كأنَّهُ يُوقِظُ جسدَهُ من سُباتٍ طويل، ثم انتَشَلَ حقيبتَهُ السَّوداء المُعلَّقةَ في الزاوية، وألقاها على ظهرِه 
الشابُّ الأوَّلُ بدأ العدَّ، وبصوتٍ يَختلطُ فيهِ الحماسُ بالتحدِّي:
"Ready..."
سَحَبَ "موسى" غِطاءَ رأسِه، وَضَعَه عليه، ثم التَقَطَ سَماعةَ الأُذُنِ الصَّغيرة، وغَرَزَها في أُذنه، دونَ أن يَصرِفَ نظرَهُ عن هدفِه الذي أمامَه، كأنَّهُ يَسمعُ لحنًا لا يُشارِكُهُ فيهِ أحد.
"Steady..."
تَراجَعَ "موسى" خُطواتٍ قليلة، يَفركُ كفَّيْهِ بحركةٍ خاطفة، كأنَّهُ يُشعلُ نارًا من احتكاكِ اللحظة، وفي الجهةِ الأُخرى، كانَ الشابُّ المُنافِسُ يُطالِعُهُ من طَرَفِ عينِه، وعلى الشُّرفاتِ البعيدة، يَرتفعُ الهُتاف
"موسى.. موسى!"
"فارس.. يلا يا فارس.."
عَينا "موسى" لا تَشيانِ بشيءٍ، تحتَ الجدارِ المُعتِم، يَسكنُ ثِقلُهُ، وفوقَهُ، تُحلِّقُ قفزتُهُ المُنتظَرة.
قَفزَ "موسى"... وقد تَخلّى عن ثِقَلِ الجاذبية، وانطلقَ في الهواء، عَبَرَ الفجوةَ  بينَ المبنيَينِ الشاهقَين، وسطَ صيحاتِ الحاضرينَ وأصواتِ التصفيقِ المُتحمِّسة، تلك التي لم تَزِدْهُ إلا ثباتًا في قفزتِه، ولا زادَتهُ إلا حِدّةً في النَّظر
هبطَ بثباتٍ فوقَ سطحِ المبنى المُقابل، رَكَضَ خُطوتَين، ثم التَفَتَ سريعًا للخلف...
فرأى الشابَّ الآخَر، وقد قَفَزَ أيضًا، لكنَّهُ لم يُفلِحْ كليًّا؛ تَشَبَّثَ بكِلتا يديه في الحافةِ الخَرسانية، قدماهُ تتأرجَحانِ في الهواء، وأنفاسُهُ مُتقطِّعة، تتلوّى بينَ الخوفِ والإصرار.
لكنَّهُ التفتَ سريعًا، لِيَلمَحَ زميلَهُ وقد عَلِقَ بكِلتا يديهِ على حافةِ السور، يَتشبَّثُ بها كمن يُحاولُ البقاء.
لم يُطِلِ النَّظر، فقط لمحَ وجهَهُ وتَأكَّدَ أنَّهُ متمسِّكٌ جيّدًا، ثم أدارَ ظهرَه.
يَركُضُ مُجددًا، هذهِ المرة نحوَ سورٍ اخر ، قَفَزَ فوقَه، هَبَطَ في شرفةٍ ضيِّقة، ثم لم يُمهِلْ نفسَه، بل استدارَ بجسدِه وبدأ يركُضُ فوقَ صفوفِ أجهزةِ التكييفِ المُثبّتةِ على الجدار، واحدًا تِلوَ الآخر، يُحرّكُ قدمَيه بخفَّة، ويدَيْه لتوازنِ الحركة، وبينَ قفزةٍ وأُخرى، يلتفُّ بجسدِه ليُوازِنَ الهبوط، ثم يَنقَضُّ على الجهازِ التالي، وكأنَّهُ في رَقصةٍ هو قائِدُها الوحيد.
من خلفِه، كانَ الشابُّ الآخرُ قد صَعِدَ أخيرًا، تَداركَ نفسَه، ولَحِقَ به، لم يُرِدْ أن يَخسرَ السباقَ تمامًا.
أمّا "موسى"، فقد وَصَلَ إلى الحافَّةِ الأخيرة، نَظَرَ للأسفل، المسافةُ كبيرة... لكن لا مجالَ للتوقّف.
ثَبَّتَ قدميه، أخرَجَ نفسًا عميقًا، ثم قَفَزَ.
هَبَطَ أرضًا، مُنحنيًا قليلًا، يُوازِنُ جسدَه، ثم ينتصِبُ مُبتسمًا، يتردَّدُ صدى التصفيقِ من الأعلى، وهُتافٌ باسمِه
"مــوسى..."
ابتسمَ "موسى" وهو يُحدّقُ في الأعلى، يَلتقِطُ أنفاسَهُ بينما تتعالى أصواتُ الهُتافِ من فوقَ سطحِ المبنى.
لم يَكنِ الفوزُ جديدًا عليه، لم يَعتَدِ الخُساره في هذهِ اللعبة، رغمَ خُطورتِها.
رياضه الباركور لم تَكن هوايةً عابرةً بالنسبةِ له، بل شيئًا تَعلَّمهُ منذ صِغره، كأنَّ جسدَه خُلِقَ لِيُتقِنَ القفز.
أخرجَ هاتفَهُ من جيبِ بنطالِه، وَحين وقعت عينُه على الشاشة، تَغيَّرَت ملامحُه في لحظة.
سلسلةٌ طويلةٌ من المكالماتِ الفائتة: "حبيبة"، "أبيه"، "لقمان"، وإخوتُه...
أطبَقَ جفنَيْه، وضَرَبَ جَبينَهُ براحةِ كفِّه.
"حبيبة ومصطفى... أنا إزاي نِسيت؟"
تَمْتَمَ بها بصوتٍ مُنخفِض، ثم أسرعَ خُطاهُ نحوَ درّاجتِه النّاريّة.
ركِبَها على استعجال، يغلَقَ خَوذته ، وأدارَ المُحرّك.
لم يَملِكْ ترفَ التفكيرِ أكثر، كلُّ ما يَعرفُهُ أنَّهُ قد تأخّرَ كثيرًا.
..                    ..                        ..                   ..
تَبسمت " أمنه " فِي قِلة حِيله ، أَدارت نَفسها نَحو المِرآه ، وَأثَناء تَلمُسها لِأهدَاب ثَوبها الكَهرماني ، التَقطت أَنفها رَائحه زَيت العَنبر التَي تَفوح مِنهُ ، 
لاَح لِبالها صَديقتها بِالسكن وَهي تَضع تِلك الرَائحه عَلى جِميع مَلابسها ، ثُم بَدأت بِتمشيط شَعرها كَالأمواج لِتضيف لَهُ الحَياه أَكثر ، أو رُبما قَد تَرفعُه بِمشبك ذَهبي ، وَبعد حِيره بَين تِلك وَذاك اتَخذت قَرارها وَقد رَاق لَها أَمواج شَعرها المُتساقطه عَلى مَنكبيها وَظهرها ، لِتأخُذ بُخصلتين لِلخلف تَعقدهُما فِي شِريطه أعتَقدت أنها تُلائم لَون ثَوبها وَلكن فِي الحَقيقه هَي غَير كَذلك ، ثُم وَضعت الكُحل لِيُبرز لَون عِينيها الكَحيليه 
" امنه خلصتي ولا لسه انا هنزل مصطفى تحت ما تتأخريش " 
كَان هَذا صَوت " الجِد " مِن الخَارج لِتشرع " أمنه" بِأرتداء أَحذِيتها وَالتى أَعارتها أَياها صَديقتها أيِضًا
" انا نازله حالاً ياجدي " 
لِتنظر الىَ انعِكاسها ، وَقد شَعرت بِأنها فَتاه مُختلفه تَمامًا ،وَكأنها كَالأميره ، ابتَسمت بِأعجاب رُبما بِفعل الغَريزه الأَنثويه التَي تَنمو فِينا مُنذ الخَلق .. أو رُبما ذَلك بِفعل الهِرمون  الصَغير الأستروچين الَذي يَهمس لِأجسَادنا  بحُب التَزيين والتَعطر 
أغلَقت بَاب حُجرتها لِتنزل الىَ السَياره التَي كَانت بِأنتظارها لِدقائق ، أَمالت رَأْسها عَلى النَافذه تُطالع بِبطُء حَركة الأَضواء وَهي تَنساب فَوق الأَرصفه تَهمس بِداخلها بِما تَشعُر بِه 
"لا أدري لماذا يبدو الليل دائمًا أكثر رحمة، كأن المدينة تهمس لنا بأسرارها حين ينام الجميع ،
المصابيح تتأرجح في صمت، كأنها تحرس أسرَار اللَيل، أَشعُر بِأن المُعجزات تولد لَيلاً ، وَمع ذَلك أَنا 
لاَ أَميل الىَ الحَفلات .. فالحفلات المُبالغ فيها كَتلك الحَفله لاَ تغريني ،  الضحكات المُبالغ فيها تُربكني ، كل ما أرجوه هذا المساء، أن لا يضطر قلبي للمجاملات، ولا ذوقي لتحمّل أناقة متكلّفة
تَذكرت شَيِئاً ، فَمالت عَلى شَقيقها لِتسأله بِصوتٍ قَريب لِلهمس 
" مصطفى .. اكيد حفله زي دي فيها شُرب ، صح "
اَبتلع رِيقه بِتوتر لِيُجيب 
" للأسف فيها ، بس حبيبه مابتشربش ، مرات باباها روز هي اللي بتشرب ، وخلت باباها كمان مدمن للشُرب ، وكل اللي معزومين في الحفله صحاب روز فأكيد هما كمان بيشربوا " 
وَكأن شَيئًا مَريرًا انزَلق فِي حَلقها، يَنهش سِكون صَدرها بِصمت ، أَومَأت لَهُ بِابتسَامه مُزيفه ، تِحاول نِسيان ذِكريات لاَ تُريد أن تَتذكرها مُتعلقه بِالشُرب فَقالت وَهي تَهمس بِداخلها 
لاَ أعلم لماذا يُريد البَعض نِسيان هَويتهم ، وَما هُما عَليه ، وَلكن  .. إن كَان لاَ بُد مِن الشَراب، فَالعنب بَريء، والذَنب عَلى مَا تَصنعهُ بِه السَكرة 
" أمنه احنا خلاص تقريبًا وصلنا ، بصي عايزك لما تقعدي مع والد حبيبه ، اتمنى انك تطولي بالك عليه شويه ، واسمعي كلامه من هنا وطلعيه من الناحيه التانيه وكمان ، كمان لو قال كلمه كده ولا كده ..
لاَحظت تَوتره فمَدت كَف يَدها تُربت عَلى فَخذِه بِحنان ، مَع ابتِسامه وَدوده 
" مصطفى ، اهدى ، مش عايزاك تقلق مافيش حاجه ممكن تخلي الليله النهارده تبوظ ، اتفقنا " 
أومَأ فِي رِضا لِكلماتها، نَزل كُلٌّ مِنهما، تَمسك هي بِكرسيه المُتحرك مِن الخَلف، تَقوم بِدفعه للأمَام
لَم تَستطع إِجبار مِقلتيها عَلى التَوقف عَن مَسح الأرجاء مِن الأعلى إِلى الأسفل، حَيثُ تَدلت الثُريّات البَلّورية مِن السَقف العالي، كأنها عَناقيد ضوء مَسحورة، تُلقي عَلى المكان بَريقًا يُذكّرها بغُرَف الأَميرات في الحِكايات القَديمة
الرُخام تَحت قَدمها يَلمع كَصفحة مَاء سَاكنة
تَسللت إِلى أَنفها رائِحة دافئة، مَزيج مِن الكَراميل المُملّح وَالبُندق، كأنها خارجة لِتَوّها مِن فُرن قَديم في صَباح شِتوي
الطاولات مُزيّنة بِأقمشة لَمّاعة بلَون الشَمبانيا الباهت، تَعلوها صُفوف مِن المَخبوزات الفاخرة وَالمشروبات المُبرّدة
" مصطفى " 
هَمست "أمنه "  بِأسمُه ،  لَكن مَا أَن وَقعت عَيناه عَلى
" حَبيبه " بَين الحِضور ، اتَجه نَحوها سَريعًا ، بَينما هَي اتَخذت مَقعداً بَعيداً تَرخي جَسدها عَليه ، تَمنت لَو اتَخذت كِتابًا مَعها بَدلاً فِي التَحديق فِي الجَميع كَالبلهَاء ، تَحتسي شَراب الفَواكه الصَفراء  
بِطعمُه الهَادىء الَذي لاَ يَشبهه شَيئًا .
شَردت بِتفاصيل القَصر المُميزه ، تَطرق بِأناملها فَوق سَطح الطَاوله ، لَكن قَاطع شُرودها صَوت سَيدةٍ مَا بِالخلف 
" تعرفي انك الوحيده هنا اللي بتشربي عصير برتقان ، شكلك مش من الناس اللي بتشرب " 
تَوقفت عَن شُرب البُرتقال ، لِتجفل مُستديره لِلخلف 
" عمري ماشربت قبل كده بصراحه ، ماتعودتش على الشرب " 
اقتَربِت مِنها السَيده تَشد كُرسي لِتجلس عَلى طَاولتها بِتطفل دُون أَن تَأذن لَها ، لَمحت " أمنه " حَدقتيها مِن تَحت قِناعها  تُطالعها وَكأنها كِتاب تُريد قراءتُه فَنطقت السَيده بِقول 
" غريبه اول مره اشوفك هنا ، ممكن اعرف أنتِ جايه هنا تبع مين " 
أَنزلت " امنه" رَأسها  ، حِين شَعرت بِالحرج ، تَعبث بِحافة مَشروبها دُونَ النَظر الِيها ،  فَنزعت السَيده قِناعها تَضعه عَلى الطَاوله 
" اه .. نسيت اعرفك بنفسي انا روز صاحبة الحفله التنكريه دي ، عشان عيد ميلادي ، اللي أنتِ جايه فيه ، مش هتقوليلي بقى أنتِ جايه هنا تبع مين " 
جَحظت مِقلتاها حِين عَلمت هَويتها ، وَقبل أَن تَرُد لاَحظت ثُقل يَحُط عَلى كِتفيها العَاري التَفتت 
" امنه" بِوجهها لِلخلف لِتجد " حبيبه " تَرد بَدلاً عَنها 
" جايه تبعي يامرات ابويا " 
شَدت "حبيبه"  كُرسي تَجلس عَليه ، تُحدجها مِن طَرف مِقلتيها 
" ايه عندك مانع اني اعزم صحابي في الحفله ، ولا يمكن تكوني  فاكره ان من حقك بس انك تقولي مين ييجي ومين لاء " 
عَقدت "روز" حَاجبيها بِأرتباك وَلم تَمهلها "حبيبه" لَحظه لِلرد 
"البيت ده بيتي انا وموسى ، ونعزم في اللي احنا عايزينه " 
مَررت "روز" كَفها عَلى جَانب خُصلاتها الذَهبيه قَبل أَن تَهمس بِثقه مَغروره 
" الكلام ده كان زمان قبل ما أجي انا هنا ، ولو تحبي انادي لباباكي يقولك مين اللي له الكلمه" 
أَسندت "حبيبه" ذَقنها عَلى مَفاصل أَصابِعها ، وَتلك الأبتِسامه العَابثه تَرتسم عَلى شَفتيها 
" مش هتقدري تعملي كده ، عشان لو حصل هبوظلك الحفله ، قدام صحابك المزيفين اللي بتحاولي تجمعيهم حواليكي عشان تنسي بيهم اصلك " 
أَتى " مصطفى " يُحرك عَجلات كُرسيه ليِبقى بِجوارها 
" عيب ياحبيبه مش كده دي مهما كان مرات باباكي " 
أَومَأ عِينيه لِلأسفل كَأعتذار مِنهُ 
" كل سنه وحضرتك طيبه يامدام روز "
أَشَارت " روز " حَولها بِبسمه مَاكره تَلاعبت عَلى أَطراف شَفتيها المَطليتين بِملمع الشِفاه ، تَقدمت خَطوتين وَهمست فِي أُذن "حبيبه " بِصوتٍ مَسموع لِلجميع 
" اه .. انا كده فهمت ، مصطفى هنا يبقى هنشوف الرفض مره تانيه .. اقصد مره عاشره تقريباً" 
مَلامِح " حبيبه"  بَقيت خَاويه بِلا أثَر لِأنفعالٍ يُذكر 
خَطت نَحوها بِتأنٍ ، فَقابتلها بِرفع حَاجبها ، تَنتظر مِنها رَداً ، فَمنحتها " حبيبه " رَدها كَما اَرادت 
" هو انا ما قولتلكيش ، تاهت عليا ازاي دي ، مش انا المره دي مش لوحدي " 
هَزت " حبيبه " رَأْسها بِالأجابه
" موسى المره دي معايا ، وانتِ عارفه بقى لما موسى يبقى معايا هيحصل وقتها ايه " 
جَحظت مِقلتاها لِما قَالتُه ، لِتتركها "روز"  وَترحل 
فِي ارتِباك وَاضح عَلى مَلامِحها ، عَادت " حبيبه " تَجلس عَلى مَقعدها ، يؤنبَها "مصطفى " بِقول
" ليه كده ياحبيبه ، احنا مش عايزينها تقف قصادنا ، احنا مش ناقصين " 
أَشَارت بِكف يَدها بِلا مُبالاه 
" سيبك منها هي كده كده عمرها ما هتقف في صفنا في جميع الاحوال " 
ثُم  طَالعت "حبيبه" " أمنه " فِي أبتِسامه 
" لا بس انتَ ماقولتليش ان أمنه زي القمر اوي كده يامصطفى وفستانك تحفه لايق اوي على لون بشرتك
موت "
أَبتسمت " امنه"  فِي حَرج فَهي فَاشله فِي رَد المَديح ، لَكن وَصفها لَها بِهذه الطَريقه ، جَعلتها تَشعر بِثقةٍ غَريبه وَهي تَقول 
" أنتِ كمان زي القمر ، وفستانك جميل اوي ولايق عليكي " 
صَدح صَوت أَنغام كِلاسيِكيه فِي الأَرجَاء لِتمد "حَبيبه" يَدها الىَ " مصطفى" تَحني رَأْسها انحِناءه بَسيطه وَهي تَطلُب مِنه
" تسمحلي بالرقصه دي " 
أِعترض " مصطفى " بِقول 
" ايوه بس لو ابوكي شافنا .." 
قَادتهُ لِلمنتصف وَهي تَنظر الىَ عَقارب سَاعتها 
" بابا عنده اجتماع جوه في مكتبه  ومش شاغل باله بأي حد غير بموسى دلوقت ومستنيه على نار ومش هيطلع الا لما موسى ييجي "
"طيب ومرات باباكي اللي عنيها ماشيه معانا دلوقت" 
قَالها وَهي تَديرُه لَها ، لِتخبرُه بِابتسامه مَاكره 
" ما هو ده المطلوب اثباته ، اومال انا برقص معاك ليه دلوقت ، عشان تموت بغيظها وهي واقفه ، خلينا نخلص منها  " 
اقتَربت "حبيبه"  مِنهُ في صمت، مدّت يَدها نَحوه فَاحتوَاها كَفُه بِرفق  ، مَال بِجسدُه مُتكئاً عَلى ذِراع الكُرسي كَأن جَسدُه يَلين فَقط لِأجلها ،  لِتدور هِي مِن حَوله بِبطء يَتتبعها بِنظراتُه الحَانيه
لم يرقصا كما يرقص الآخرون، بل كما يقدر هو، وكما تفهم هي نصف خطوة منها، ونصف نفسٍ منه ، ضَحكتهما تَسبق الموُسيقَى ، وَنظراتهما تَقول كُل شَىء .. دونَ حَاجه لِصوت
كانت "آمنة" تُطالعهما مِن بَعيد ، بِأبتِسامة دَافئة ،
فَالمشهد دَافىء والفَرحه حَقيِقيه تَشبه تِلك الَلحظات النَادره التَي تَأتي بِلا تَرتيب ، أَختفى الأَثنان عَن نَظرها وَسط الزِحام ، وَعيناها مَازَالت تَبحث عَن أَخيها ، سَمعت صَوت قَطع تَأمُلها
" تسمحيلي بالرقصه دي "
التَفتت لِتجد شابًا أمامَها، بِبدلة رَسمية 
نَظرت الِيه وَابتِسامه بَاهته عَبرت وَجهها كَشمعه تَطفيها أول نَسمه  
" آسفة ،  بس مش بحب أرقص "
لم يُلحّ،  وانصَرف بِهدوء ، التفتت بعِينيها تبحَث عَن شَقيقها ، لَكن قَابلتها نَظرة "روز" الثَابتة مِن بَعيد، كَانت كَفيلة بِأن تُطفئ نُور المَساء كُله
ضَاق صَدر "آمنة"كلّ شيءٍ حَولها أصبَح ثَقيلًا
انسَحبت بِصمت،  تَبحث عَن هَواء مُختلف 
وَحين خَرجت مَشطت قَدميها الىَ الحديقه  الدَاخلية بَدت وَكأنها عَالم آخر، كَانت الأَرض تَلمع بِندى المَساء وَرائحة  الأقحِوان تَسبُق خُطاها  ، الزهور مصطفّة على الجانبين ، وألوَانها الهَادئة، نَادت قَلبها أَن يَطمئن.
انحَنت قَليلاً، أرَاحت كَفها فَوق أحدَى الزهُور، مَررت أنَاملها عَلى البَتلات بِرقة، ثُم أغمَضت عيِنيها لِلحظة وَهي تشمّ العِطر القَريب مِنها، كَأنها تُعيد تَرتيب نَبضها
وَما حَقًا جَذب انتِباهها هُو خَرير المَاء مِن يَسارها 
لِتلمح نَافوره تَنتصف السَاحه ، تُشكل هَيئة جَرسٍ مِن الحَجر أو الحَديد ، أَو رُبما حَتى مِن الفَضه هَي لَم تُدركه 
لَكنها أَنست لِأزهَار اللوتَس التَي تَطفو عَلى السَطح 
تَدور حَول النَافوره بِفعل التَيار ، مَدت كَفيها تَملؤها بِالماء تَغسل وَجهها 
وَحين فَتحت عينيها وَجدت أمامها تمامًا ، دَراجة نَارية سَوداء، مَألوفة لَها ، جَحظت مِقلتيها بِذهول  تقدّمت نَحوها، تَتنفس بِقلب لاَ يَفهم لِماذا عَادت خَفقاتُه فَجأه ، تَتذكر سِوارها 
مَررت أصَابعها عَلى جِسم الدرَاجة ، الأرقَام والحِروف المَنقوشه  عَليها  ، نَفس البَرغي المَائل قليلاً تَهمس لِنفسها بِصمت 
" أنها هي ، نفس الدراجه لِذلك الشَاب وَلكن كيف ..
نظرت حولها، تَبحث بِعينيها عَنهُ ، شيئًا ما بداخلها وجّه عينيها إلى الأعلى لِتجدهُ يَتسلق العواميد نفس الهيئة، نفس الخوُذة، والسُترة يَتنقل بَين الجُدران بِحركة خَفيفة، مُحكمة، كَأن القَصر مَلعبُه.
رَاقبتهُ بِدهشة، لَم تَكن تُصدق أن مَا ترَاه حَقيقي.
ثُم رأتُه يَفتح نَافذة صَغيرة، يَدخل مِنها بِالطابق الثَالث  
استَقامت تَركُض نَحو البَاب وَلم تَفُتها مَلامِح النَاس المُستغربه مِن جنُونها المُفاجىء ، وَلكن هَذا لا يُهم  فَهي تَركُض مِن أَجل السِوار تَتمسك بِأخر أَمل لَها  أَسندت نَفسها عَلى طَرابزين الدَرج تَلتقط أَنفَاسها  ابتَلعت ريِقها تَتقدم بِبطىء نَحو الدَرج  
"ماذا لو كَان مُجرمًا ، أَو قَاتل مُحترف وَليس بِمجرد لِصًا عَادي " 
عَلى الرَغم مِن مَخاوفها إِلا إنها صَعدت أول ثَلاث دَرجات لِتجد نَفس الأَحرف المَنقوشه عَلى جِسم الموتور أَسفل الجِدار 
فَلسببٍ مَا فِضولها قَد قَام بِتهكيرها ، الفِضول استَولى عَلى عَقلها يُحركها كَأنها حَجر بَيدق ، حَاولت أَن تَبطىء صِعود وَهبوط جَسدها ، تَتنفس بِهدوء
بَينما قَلبها يَقرع بِقوه وَقد يَفضحها 
صَعدت نَحو الطابق الثاني، الذِي مِن الوَاضح عليِه بِأنهُ مُفعم بِالحيَاه لِيُقابلها أَحد أَفرَاد الخَدم سَائلاً
" تحبي اساعدك بحاجه يافندم "
ابتَلعت ريِقها مِما زَاد تَوترها لِتجد لِسانها يَنطق بِعكس مَا تُريد قَوله
" لا ، ابداً انا كنت بدور على الحمام ، علشان اللي تحت مشغول اوي " 
أَومَأ لَها الخَادم بِتهذيب وَهو يَشير لَها بِمكانُه  يَهبط الدَرج ،  ابتَسمت لَهُ فِي أيِماءة تُطالعه حَتى رَحل 
قَبضت يَدها بِتوتر هَامسه بِداخلها 
"تَبًا ، لماذا لم أخبره بِأن هناك لَصًا قد تسلق الجدران ، وَهو الأَن بِالطابق الثالث ، وهو أيضًا ذات اللص الذي سَرق سِواري .. رُبما لاَ أُريد أِحداث الجَلبه دون أَن أتَأكد مِما رَأتهُ عَيناي أَولاً  " 
حدقت نحو الدرج الثالث تَأخُذ نفسا عميقا تَتقدم نَحوه
كانت تصعد الدرج في هدوء، و كأن كُل درجة تخبرها بأن تعود بأدراجها ... للأسفل  لكن قد فات الأوان
فهي تقف أمام الممر الذي يحوي كثيرًا من الأبواب المغلقة 
لكن جمال جُدرانه مُخبأه تَحت خِيوط العَناكب ،  إطارا لمناظر طبيعية تَحت كَومه مِن التُراب الذَي يَفقدهُ جَماله ، وَكأن هَذا الطَابق خَالٍ مِن الحَياه 
تقدمت تسير فيه تشد بقبضتها على سلاسل قلادتها سَائله لِنفسها 
" أأمدّ يدي إلى المقابض؟ أم أترك للأسرار حرمة صمتها؟ إن نبضي يعلو حتى يكاد يسمعه الجدار، غير أنّ تراجعي الآن خيانة لجرأتي."
وضعت يدها على مقبض أول باب لِتحركه لكنه مقفل، لِتجرب بابٍ آخر 
أرادت أن تتراجع و تعود للاسفل ، لكن شدها باب كان في آخر الممر، هو ينتصف الرواق بينما تتوزع الأبواب على يمينه و يساره
و ما جذبها  أكثر، بابٌ وحيد بلا غبار، كأن الأيدي ما زالت تطرق عليه بالأمس ، نقوشه تنبض وسط جدرانٍ ميتة
تقدمت نحوه لكنها لم تجرؤ  على فتحه، هاجس ما أوقفها  
" بِالتأكيد هو هنا ، ماذا أفعل الآن  ، ماذا لو كان يحمل سلاحاً " 
" من المؤكد انه يسرق كل ما طاب ولذ لهُ بِالداخل ، واذا شاهدت على جريمته سأكون انا الشاهده الوحيده"
إنني ضائعة بين اصراري وخوفي يتقاتلان ، وَلكن لاَيهم كُل ذَلك الأَن فَكل مَا يُهمني هو ذاك السِوار ، حتى لو أصبحت حَياتي ثَمناً لهُ " 
وَضعت كَف يَدها عَلى صَدرها لِتنظم تَنفسها ، رَفعت اليَد الأُخرى لِتمسك المِقبض بقيت هَكذا لِعدة دَقائق وَقبل أَن تُحركه وَجدت..
أن البَاب قَد فُتح 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا