رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27 بقلم ياسمين عادل
رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27 هى رواية من كتابة سوما العربي رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27
رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل السابع والعشرون 27
لا تدري كيف أتتها تلك الجرأة لتقف أمامه وتطلب التطليق منه، قد يكون جرحها أكبر من أي ألم آخر فلم تشعر سوى بجمر الحقد ينبعث من أنفاسها المضطربة؛ وظنها إنه سيجن جنونه، سيعتقلها، سيحافظ عليها قِسرًا إلى أن يتحقق مبتغاه كاملًا؛ لكن رده كان صادمًا للغاية، أقوى من أي صدمة أخرى :
- ماشي.. الصبح هنشوف الموضوع ده.
وخطت أقدامه خطوتين نحو الفراش، بينما تدخلت هي لتوقفه :
- لأ دلوقتي.. مش قادرة أصبر للصبح.
نظر في ساعة هاتفه قبل أن يرمقها بإستنكارٍ حازم، ثم هتف ببادرة إنفعال قد يتطور لشئ خارج حدود توقعاتها :
- انتي بتهرجي؟!.. هجيبلك مأذون منين دلوقتي!.
تراجعت للخلف خطوة، وانكسرت عيناها عن النظر إليه غير قادرة على المواجهة أكثر من ذلك :
- أفتكرت قصدك هنتكلم الصبح!.
- أتكلم في إيه؟.. انتي خدتي قرارك وطلبتي اللي عايزاه، وأنا هحققهولك، بس كده.
رفعت عيناها تنظر إليه في عتاب جريح، لم تتوقع إنه سيرمي بها هكذا دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عن السبب، دون أن يهتم بما تعانيه. ألقى "هاشم" حذائهِ ومدد جسدهِ على الفراش، واضحًا عليه آثار الإرهاق والتعب، بدون أن يشغل عقله لثانية واحدة بما حدث، تاركًا إياها گالجمر على نار مشتعلة، ليدخل في نوم عميق.
****************************************
أول صباح في المدينة النابضة بالحياة، البقعة التي جمعت بين عبق التاريخ وسحر الحاضر، أسـطنبول.
تناول "مراد" إفطار خفيف بالفندق الفاخر الذي يستضيفه ثم نزل إلى الشوارع، ثم إلى الساحل مباشرة، رائحة البحر التي تهب في عكس إتجاه الريح اخترقت أنفه وكأنها أنعشت دماغهِ، جلس وهو يتأمل طيور النورس، يلتقمون الطعام الذي يلقيه المارّة، سابحًا في أفكاره التي ذهبت به لنفس المكان المحزن، إلا إنه هز رأسه رافضًا التفكير فيها أو في مواقفها السلبية معه، لتصحو آذانه على رنين هاتفه برسالة على تطبيق المحادثات الشهير "واتساب" :
- أنا خلصت meeting دلوقتي وراجعة الفندق هغير هدومي وعندي نزهه لمضيق البسفور، تيجي معايا؟.
ذمّ على شفتيه يفكر خلال لحظات، حتى وردته رسالة أخرى :
- أكيد انت مش جاي تركيا عشان تقعد في الفندق وعلى الساحل!.
طيف ابتسامة ظهر على شفتيه وهو يكتب رسالة لها :
- معنديش مانع، أنا كمان هطلع أغير هدومي وهستنى منك رسالة.
أغلق الهاتف، ثم نظر لسفح البحر الأبيض المتوسط، نظرة أخيرة قبل أن ينهض من مكانه ليعود إلى الفندق، لكي يستعد لنزهه حقيقية ستغير معنى الكآبة التي أتى بها إلى هنا، مُدعيًا إنها سيغادر أراضي تركيا وقد نسى من هي ومن تكون.
***************************************
لم تنم في غرفتهم، بل أن الليل كان حارًا ساخنًا عليها فلم تتحمل المزيد من التواجد بقرب أنفاسهِ التي تحس بها من حولها، خرجت بعدما غاص "هاشم" في نوم عميق، وقضت سهرتها أسفل النجوم في حديقة المنزل الصغيرة، حتى بدأ شروق الشمس، فصعدت لغرفتها لكي لا تلفت أنظار الخدم في المنزل.
جلست على الأريكة وعيناها عليه، نائمًا گالملاك، لا ينتمي أبدًا للصورة الشريرة التي ترسخت في ذهنها بعد تلك الحادثة الشنيعة التي اكتشفت فيها حقيقتهِ.
بدأ يفتح عيناه رويدًا رويدًا، فـ تصنّعت "رحيل" إنها نائمة على الأريكة كي لا تخاطبه، حتى رآها هناك بالفعل، فـ فهم إنها ترفض حتى الإقتراب منه.
كان شعورًا سيئًا، هزّ مشاعر السيطرة التي كان يحسها حيالها، وعكر صفو مزاجه منذ الصباح، فـ دفع عنه الغطاء وبدأ ينزع ملابسهِ في تشنجٍ غير مقصود، ثم دخل دورة المياة عاريًا، كي ينفض غبار المزاج السئ عن وجهه الكظيم.
تنهدت "رحيل" بعدما شعرت أنفاسها تضيق صدرها، ثم نهضت عن الأريكة وغادرت الغرفة كلها، قد يجعلها هذا تتنفس بشكل أكثر أريحية. هبطت للأسفل فوجدت والدتها بالمطبخ تُطعم "ليلى" حبوب القمح بالحليب الساخن، بينما الأخيرة في غاية الإستمتاع بمذاق وجبة القمح التي لم تعتاد عليها، مسحت "رحيل" على وجهها وهي تردف بـ :
- شبعتي يالوليتا؟
مسحت فمها بالمنديل وكأنها عاقلة راشدة، قبل أن تجيبها بدلالٍ :
- آه شبعت.
ساعدتها "رحيل" على الهبوط عن الكرسي وهي تقول :
- طب اطلعي أوضتك لحد ما نجهز المفاجأة اللي اتفقنا عليها امبارح.
ثم غمزت لها نصف عينها، فغمزت "ليلى" بكلتا عيناها وهي تقول :
- اتفقنـا.
ركضت "ليلى" من والحماس يطير من خلفها، حينما التفتت "رحيل" لتسأل والدتها :
- لميتي حاجتك ياماما ؟.
جففت "جليلة" كفيها بالمنشفة وهي تقول :
- آه لميت كل حاجه.. السمسار قالك هيسلمنا الشقة النهاردة ؟.
أومأت "رحيل" برأسها مجيبة :
- آه يا ماما.
اقتربت منها "جليلة" لتسألها بخفوت :
- قالك إيه لما طلبتي منه الطلاق؟.
زفرت "رحيل" وهي تشيح بوجهها للجانب الآخر :
- قالي الصبح نتكلم.....
سمعت صوته وهو يتحدث في هاتفه أثناء نزول الدرج، فتركت الحديث في منتصفه وخرجت مهرولة، غير قادرة على تحمل الصبر الذي يأكل رأسها.
أنهى "هاشم" مكالمته في عجالة، وعلى وجهه تعابير الإمتعاض واضحة. نظر إليها في استنكار وتفحص ثم هتف بـ :
- روحي ألبسي حاجه المأذون في الطريق.
اتسعت عيناها بذهول، فقد أنجز العمل في أقل من نصف ساعة تقريبًا، بدون أن يتأنى أو يفكر، بدون أن يسألها عن أسبابها لطلب الطلاق. رأى "هاشم" الصدمة في عينيها، فـ فهم للتو إنها أرادت التفاوض على الأقل؛ لكنه لم يكن بالرجل الذي يتحمل التفاوض في أمرٍ گهذا :
- مالك مصدومة كده ليه ولا كأنك انتي اللي طلبتي الطلاق!.
برز البغض في نظراتها إليه وهي تقول :
- افتكرتك على الأقل هتهتم تسأل عن السبب!.
هزّ رأسه نافيًا :
- لأ مش هسأل، أكيد ليكي أسبابك المقنعة واللي مش عايز أعرفها.. طالما دي رغبتك هنفذهالك، مش أنا الراجل اللي يبقى على ست فكرت تمشي.. دي حريتك وانتي اخترتيها.
ثم نظر في ساعة يده قبل أن يتابع :
- متتأخريش المأذون مش فاضله كتير.
تجاوزها ودخل مكتبه منفردًا بنفسه، حينئذٍ كانت تعدو بخطواتها سريعًا للأعلى، لم تحس سوى بالإختناق الذي يجثم على صدرها، ويجبرها أن تنهي كل شئ بعجلٍ للمغادرة من هنا. كانت قد جمعت أشيائها بالفعل، فلم يبقى سوى بضعة أشياء خفيفة جمعتها في حقيبة صغيرة، ثم ارتدت من الثياب ما يناسب الخروج من هنا.
حدث كل شئ في غفلة من الزمن، كأنها لا تشعر بالوقت الذي يمضي والأحداث الدائرة من حولها، هل كان ينتظر أن تطلب التطليق منه بنفسها؟ أن إنها كانت خطواته التالية وهي لا تعلم؟.. تلك السرعة التي تصرف بها لا تحمل سوى معنى واحد من الأثنين.
هي الآن تجلس أمام المأذون الشرعي، يسألها حول التأكد من رغبتها، فـ تهز رأسها إيجابًا بدون أن ترمش لها عين، لحظتين وكان "هاشم" يوقّع على أوراق الطلاق الرسمية، لحظتين أخرتين وألقى عليها يمين الطلاق. كل شئ تم في وقت قياسي وكأنه مُعد له سابقًا، وربما ترتيب القدر الذي اختار لها ألا تشعر بلوعة الأيام ولذلاعة الصبر.
سحب "هاشم" بطاقتهِ ليضعها في جيبه، ثم هتف بخشونة ورسمية:
- المحامي هيكلمك عشان يديكي كل حقوقك، وفي شقة فاضية هيوصلك ليها السواق تقعدوا فيها مؤقتًا آ.....
أرادت أن تبتر الحبال التي جمعت بينهما، قطعًا لا ردّ له :
- مش عايزة حاجه.. ولا محتاجه الشقة، أنا أتصرفت.
ابتسم "هاشم" ابتسامة الغيظ الدفين وهو يحاول التغطية على ذلك :
- طب كويس إنك مرتبة أمورك من بدري.. أنا برضو محبش أشيل ذنب الولايا.
نظرت "رحيل" للحارس الواقف هناك، ثم أشارت إليه :
- لو سمحت.. في شنط فوق محتاجة تنزلها.
نظر الحارس نحو سيده، وكأنه يستأذنه :
- أسمع كلام الهانم يا عطية.
- حالًا ياباشا.
صعد الحارس، بينما ترك "هاشم" آخر كلماته :
- خدي راحتك.. البيت بيتك ياهانم.
وسحب نفسه نحو غرفة المكتب، لحين انتهاءها من إجراءات المغادرة السخيفة، متحاملاً على نفسه التي لم تكن راضية عما يدور. لا يدري كم من الوقت مرّ عليه وهو في غرفته معتكفًا أمام حاسوبهِ الشخصي، حتى نظر في ساعته ليجدها الرابعة عصرًا، فتأفف منزعجًا وهو يغادر المكتب، وعيناه تدور في اليمين واليسار بحثًا عن ابنته التي لم يراها اليوم ولم يسمع لها صوتًا. صعد لغرفتها التي تمضي فيها أغلب الوقت بسبب كثرة الألعاب، ثم دخل إليها مبتسم الوجه بشوش الخلقة :
- روح قلب دادي من جوا.
لم تكن في غرفتها، قطب جبينه وهو ينادي عليها بحثًا في اليمين واليسار وحتى في دورة المياة الملحقة بالغرفة، لكنها لم تكن موجودة بتاتًا. الغرفة مرتبة ومنظمة أكثر من اللازم، الفراش مهندم وكأنها لم تنم عليه. الآن فقط انتبه لباب خزانة الملابس الموارب، ليهرع إليه وينظر بداخله، فإذا به فارغ تمامًا، ثيابها وأغراضها غير موجودة، أغلب ألعابها غير مرئية بالنسبة إليه، فـ انقبض قلبهِ وهو يفكر في التفسير الوحيد الذي حطّ على تفكيره، وبصوتٍ زلزل جدران المنزل كله كان يصيح بإسمها :
- لـيـلـــــى.....!.
**********************************
