رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51 بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51 بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51 هى رواية من كتابة امل نصر رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51

رواية لأجلها امل نصر بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الواحد والخمسون 51

وإن قولتلك إني ماليش مزاج أعدّيكي… هتعملي إيه؟
قالتها نوسة بنبرة يفوح منها الخطر والتوعد، لتجبر هالة أن تتراجع بخطوتين الى الخلف عنها، تتصنع القوة حتى لا تشعرها بخوفها:
ـ انا لا عايزة اعمل ولا اسوي يا نوسة، للمرة التانية بنبهك تبعدي عني، ما تخليكي في حالك وانا خليني في حالي يا بنت الناس .
رددت نوسة بسخرية مقيتة 
ـ وانا للمرة التانية بقولك... لا والكلام دا فات وقته خلاص!
لم تفهم هالة على غموض الاخيرة حتى تفاجأت بفتح إحدى الكابينات وخروج واحدة من صديقات نوسة،  متجهة إلى الخارج، تحدق بها بصمت غير مفهوم ثم تنقل الى  نوسة بنظره واضحة وكأنها كانت كحديث صغير، ثم بعدها تغادر وكأنها لم تراهما من الاساس حتى اذا وطئت قدميها الارض خارج المرحاض، دوى صوت صرختها:
ـ اااه، اللحقيني يا صول زكية،, باين جمبتي قايمة عليا، ولا الحصواية فيها اتحركت، هموت يا ناس، حد يجبلي دكتور .
شيء تعجبت له هالة، ولكنها لم تجد الوقت حتى للتفكير أو التساؤول، وقد تفاجأت بكف كبيرة وضعت على فمها تكتمه، في نفس الوقت التفت ذراع قوية حولها تكبلها كقيود من حديد، لترفعها من خصرها عن الارض ، ثم تركض، كي تبتعد بها عن المدخل،  
صارت هالة تزوم بفمها في محاولة بائسة لأن يصل صوتها إلى الخارج ،  ووبقدميها وذراعيها تطوح بها للمقاومة او أن تطولها بضربات، ولكن الأخرى كانت أقوى من ان تتأثر، 
حتى دلفت بها الى اخر كابينة، لتدفعها بظهرها على  الحائط الرخامي بعنف تألمت له هاله، لتخرج صوت تأوه تحت كف الاخرى، والتي بدلت من وضعها لتصبح مقابلا لها، تبث في قلبها الرعب، بعد ان احتجزتها بين الحائط وبينها، تتحدث بفحيح:
ـ عاجبني قوي شكلك كدة وانتي مرعوبة مني ومستنية اخلص عليكي، كنتي فاكراني هفوتلك، يا بت دا انا ما اكرهش في عمري كد اللي من طينتك، الحلوين اللي لابسين هدوم نضيفة وبيقرفوا حتى يبصوا عليا في الشارع، كأنكم انتو بس اللي بني ادمين واحنا حيوانات.
طب اللي برا وبنعديلهم عشان مفيش في ايدنا حيلة، لكن تيجي هنا ومسجونة زيك وزي، وتتشطري عليا بالباشا اللي حن عشان عيونك الحلوة، يخليني اشيل العقاب لوحدي...
ماذا تفعل وهي بين يدي امراة تعميها رغبة الانتقام منها؟ تسيطر عليها بقوتها، تقيد حركتها ، تسلبها حتى حق الصراخ، سالت دموعها تترجاها بعينيها أن تعفو عنها، فتبسمت نوسة بتشفي:
ـ لا لا بلاش منهم الشويتين دول، عشان انا خدت القرار ، ودلوقتي جه وقت الحساب، هطلع عليكي غل السنين كلها.... ومحدش هيقدر ينجدك من يدي
انهت الاخيرة تكشر عن أنيابها بتوحش، ثم باغتتها بلكمة قوية جاءت ف وسط البطن، تأوهت على اثرها هاله بوجع اسفل كفها، وكان هذا هو الصوت الوحيد الذي خرج منها، فلم تعطيها الفرصة بعد ذلك حتى للتنفس، فصارت تدفع بجسدها الضخم عليها، كصخرة ضخمة تدهسها مرارا وتكرار، وهي عاجزة عن صدها او وقفها، تشعر فقط بسحق عظامها في كل مرة. 
تركتها فجأة لتسقط على الارض، تظن أن العذاب انتهى ، إلا أن الاخرى أحبطت املها، حين غرزت أظافرها على لحم ذراعيها لترفعها متمتمة:
ـ قومي يا حلوة افوقك فوقة عمرك كلها متنسيهاش، فوفة هتفضل لازقة فيكي مهما استحميتي ولا بقيتي نضيفة.
في هذا الوقت كانت هالة مستسلمة لها تماما، وهي على وشك أن تفقد الوعي كليا، لكنها انتفضت فجأة حين رأت الوعاء الداخلي لقاعدة المرحاض ورأسها المحني عليه بفضل تلك المجرمة التي تمسكها شعرها من الخلف،، فعرفت ما هي مقدمه عليه وكأن صاعق كهربائي أنعش روحها من الموت، ابت أن تعطيها غرضها، لتتمسك ذراعها السليمة بحافة القاعدة تمنع رأسها عن النزول انشا واحدا اخر بعزيمة هبت داخلها رغم الألم الشديد بالذراع الاخر وباقي أعضاء الجسد.
لتزداد نوسة جنونا:
ـ الروح دبت فيكي دلوقتى لما وصلت للقرف، طب انا هخليكي تشربي منها المية دي.
عند تلك النقطة تذكرت هالة صوتها الذي كان قد هرب منها أثناء تلك اللحظات الرهيبة التي مرت بها لتستجمع قوتها المتواضعة التي لا تناسب قوة نوسة الغاشمة، فتشحذها كلها في صرخة عالية وصلت إلى كامل المبنى ، بل والى خارج القسم ايضا في ذلك السكون من الليل.
ليرتد ذلك بالزعر على نوسة التي شعرت بالخطر وقرب كشفها مع الصراخ المستمر من هالة، لياتي ردها الفوري، تدفع راسها عنها بعنف لتصطدم بالحائط الرخامي فتسقط على الارض غارقة في دمائها.
.............................
صباح اليوم التالي 
وضياء الشمس الوليدة تطل على الجدران باستحياء، "بداية ليوم جديد"
استيقظت مزيونة لتحاول النهوض عن الفراش بحرص شديد، حتى لا تزعج زوجها ويستيقظ هو ايضا.
اخيرا تمكنت أن تستقيم جسدها، لتتحامل على القدم السليمة حتى استعانت بالعصا التي جاء بها إليها حمزة, ثم تسير بها حتى وصلت إلى شرفة الغرفة تجلس على أحد المقعدين بها ، تتأمل السكون نسبيا حولها، مع الحركة الخفيفة للبشر الذاهبة الى اعمالها، او صهيل الخيل في الاسفل، تلك اللحظات التي تنفرد بها بنفسها، لتتخلى عن القناع الذي ترتديه طوال اليوم .
قناع المرح والسعادة والا مبالاة بالخطوة الخطيرة التي أقدمت عليها بتلك التجربة التي تمر بها الآن ، كيف توقف عقلها عن التفكير والصور البغيضة بذهنها تتوالي في كل لحظة ودون رحمة، حتى وقد تغيرت الظروف بشكل جذري عن الماضي، لكنها ورغم ذلك كيف تنسى قسوة تلك الأيام وقد احتلت جزء كامل من عمرها؟
ـ اممم، تاني برضو بتتسحبي وتقومي من جمبي، طب هنا في كروان كمان؟
ما كان هذا سوى صوت زوجها الحبيب الذي تفاجأت به أمامها، مستندا بوقفته على إطار الشرفة بملامحه الناعسة وشعر رأسه المبعثر في جاذبية تنعش روحها كلما نظرت إليه، 
فردت تجيب عن سؤاله:
ـ لا يا سيدي مفيش كروان، بس فيه صوت الخيل والهدوء اللي يصفي العقل، لكن انت ايه اللي صحاك يا حمزة وأنا اتسحبت بهدوء من جنبك؟
تقدم ليدنو نحوها، يستند بكفيه على ذراعي المقعد الذي كانت جالسة عليه، يقول:
ـ مجرد بس ما يختفي نفسك من جاري بحس، روحي بتدب فيا تصحيني من عز نومتي، عشان اجري ادور عليكي، بالظبط زي العيل الصغير اللي بيدور على امه.
لا  يفشل ابدا في وضع الابتسامة على فمها رغم رقة الوصف الذي أدلى به, فياتي ردها بمنكافة كالعادة:
ـ وه عاد على كلامك المزوق، صاحي وبالك رايق.
تلاعب حاجبيه في رد متوقع:
ـ واهين تلاتة أربعة، خمسين حتى.
هذه المرة ضحكت من قلبها حتى مالت رأسها للخلف ، ليميل هو طابعا فوق جبهتها قبلة عميقة، بعد ان أسعدت روحه على بداية الصباح بضحكتها الجميلة، ثم اعتدل جالسا على الكرسي المجاور لها، قائلا بمرح:
ـ صباحك فل
لترد تحيته هي ايضا:
ـ صباحك ورد وريحان يا ابو ريان.
سمع منها ليرتفع حاجبه بدهشة لجملتها:
ـ وه.... ما تكتبيها شعر بالمرة، دا انا بايني هتفاجأ بمواهبك على يوم من الايام.
ـ ياللا بقى خليك مستعد عشان يمكن تلاقيني فجأة بقيت زي الابنودي ولا هشام الجخ، ما هي مواهب متخفية عاد 
رد يلاحق تفاصيلها بتمعن، وكأنه شاعرا باختلافها:
ـ يا ستي ربنا يكرمك، في كل الأحوال انا معاكي وفي ضهرك، المهم بس انتي تفتحيلي قلبك، ما تحبيس حاجة جواكي بعيد عني.
توقفت عن عبثها تستفسر عن مغزى عبارته:
ـ قصدك ايه يا حمزة؟ حد قالك اني مخبية حاجة عنك؟
أجابها بثقة:
ـ انا مش مستني حد يقولي عشان عارفك وحافظك،  تضحكي وتبيني انك فرحانة وانا حاسس ان في حاجة ناقصة..... انتي مازالتي خايفة من موضوع حملك صح؟
ـ غصب عني يا حمزة..
قالتها ردا عليه، لتتابع موضحة:
ـ ربنا العالم اني كنت بترجاه، بس بصراحة عشانك، مش عشاني، فرحتك عندي بالدنيا، لكن لو على رغبتي انا نفسي، بصراحة حساها مخفية.... يمكن تلاقيها حاجة غريبة أو غباء مني، بس انا بقولك على اللي حساه.
سيكون قاسيا ان عاتب أو لامها على صراحتها، فهو 
لا ينكر صدمته بكلماتها، ولكنه يتفهم جيدا على الحالة التي تمر بها، وعليه أن يتحلى بالصبر كالعادة معها, ايظنها سوف تنسى ما مرت به من مأساة  وبتلك السهولة!
ليتنهد بقوة ناظرا اليها بتصميم يعقب على ما اردفت به:
ـ مش هشوفها حاجة غريبة ولا اقول عليكي غبية، عشان عارف  كل اللي بتقوليه ده دلوك، بكرة هيتنسي ويبقى مجرد أوهام وراحت، الذكريات اللي واقفة حاجز يمنع عنك الفرحة بكرة تنمحي من عقلك وتتبخر، عشان لا يمكن اخلي اللحظات الصعبة دي تتكرر معاكي،..... وحطيها حلقه في  ودانك، حمزة لما يوعد لازم يوفي.
وكان ردها ابتسامة ممتنة، تستعين بثقتها به لتخمد مخاوفها، تتبادل معه حديث النظرات ووعودا لا تحتاج النطق بها, ولكن قطع اللحظة دوي الهاتف بصوت اتصال وارد،. 
ليضطر لتركها عائدا إلى الغرفة يجيب المتحدث:
ـ الوو صباح الخير يا كمال...... مين؟ مالها هالة؟
...........................
يَعْدو بخطواته السريعة، داخل الرواق الطويل، بقلق يعصف به. كم يتمنى ان يملك القدرة على امتلاك أجنحة كي يطير بها حتى يصل إليها في أقل من الثواني، لكان فعلها منذ أن استيقظ من غفوته وسَمِع بالخبر المشؤوم.
ليته ما خرج أمس في مهمته وقبض على ذلك التافه الصغير، ليته ما ترك مكانه في القسم، ليته ما تركها أصلاً داخل الحجز في غيابه مع تلك المجرمة... كان يظن أنه يكرهها، لكنه الآن تأكد من كذب إحساسه، وقد تبخّرت كل مشاعر الحقد التي يحملها بقلبه نحوها، وذهبت أدراج الرياح، فور أن سمع بما حدث لها، ليحل محلها الخوف الشديد لدرجة تخطّت الألم في قلبه.
ظهر فجأة رقم الغرفة أمامه، لتتحفز كل خلاياه قاطعاً الخطوة بخطوتين، حتى وصل إليها دافعاً الباب إلى الداخل بدون استئذان، ليُصعَق بما يراه أمامه!
ويتجمّد محله فور أن وقعت عيناه عليها، صدره يعلو ويهبط بتسارع غير طبيعي، لا يصدق ما تراه عيناه
ـ حَضْرة الظابط كمال، هي الحالة دي تخصك يا فندم؟
جاء السؤال من الطبيبة التي تتولى حالتها، واقفة بالقرب منها، وفي الناحية الأخرى جوار السّرير كانت الممرضة تُتأكد من وضع إبرة المحلول الملحي بيدها. أما هي فلم ترفع عينيها إليه إلا بعد لحظات، تطالعه بسكون وخواء غريب، حتى ضاعفت من جزعه. ليتمالك رباط جأشه بصعوبة، كي يُجيب الطبيبة وحمحمة خشنة تسبق كلماته:
ـ آه يا دكتورة تبعي. كنت عايز أعرف بقى تشخيصك للحالة.
تنهيدة أسى صدرت من المرأة في البداية ثم تحدثت بعملية:
ـ الحالة جاتلنا في حالة يُرثى لها، الحمد لله لحقنا نعملها الإسعافات سريعاً على الإصابات الظاهرة زي الفتحة اللي في الرأس. طبعاً بعد ما عملنا الأشعة الكاملة عليها واتأكدنا إنه مَحصَلش ارتجاج في المخ، هو بس كسرين في الدراع، والباقي رضوض وسحجات على معظم أعضاء الجسم.
هتف بغضب:
ـ على معظم أعضاء الجسم! ليه هي داسها قطر؟
مطّت الطبيبة شفتيها تلملم أدواتها الطبية:
ـ والله يا فندم دا شغلكم وانتو حرين اكيد، بس اللي حصل ده مع الحالة مخليني انا نفسي دمي محروق، زي ما انت شايف قدامك اهو، الإصابات المنتشرة في كل حتة، بالإضافة لحالة الصدمة اللي جاتلنا بيها، دي حتى ماكانتش قادرة تتكلم.
سألها برعب:
ـ طيب ودلوقتي، قادرة تتكلم ولا لأ؟
ـ لأ الحمد لله دلوقتي اتحسنت. عن إذنك بقى أروح أشوف شغلي، يالا يا هناء.
أشارت بها الطبيبة على الفتاة الممرضة التي عدّلت من وضع الوسادة، لتصير هالة بنصف بنومه، لتُريح رأسها المتألم إلى الخلف، حتى اذا انهت عملها غادرت معها الغرفة. فلم يتبقّ إلا هو مع الحالة
ليتقدم نحوها بخطوات وئيدة حتى جلس على الكرسي المقابل لها يتأملها عن قرب.
ملامحها الجميلة التي ما زالت محفورة في قلبه قبل عقله، تقريباً لا يظهر منها إلا القليل، بفضل تلك الأربطة التي التفت حول الرأس، والجبهة كاملة,  اللعنة، وكأنها كانت تريد قتلها دون تردد 
زمجر بغضب يحاول السيطرة عليه بصعوبة، حتى يتمكن من إزاحة العاطفة والتصرف معها بعملية بحتة :
ـ هالة انا عايز اعرف منك ايه اللي حصل بالظبط عشان احاسب اي واحد له يد، بس لو مش قادرة ممكن اقدر جط انا ممكن أجل.
اومأت بعيناها تجيبه بصوتها الضعيف:
ـ حقدر ان شاء الله 
تنهد يسألها:
ـ تمام، طب انا عايز اسأل 
ـ ذلتني بقوتها عليا، وقلة حيلتي معاها..
صدرت منها بصوت تجلى فيه الضعف والهوان ، هذه الحالة التي يراها عليها ولاول مرة، لا تدري بحجم وقعها عليه، انه حتى لم يقوى على التعقيب ، واكتفي فقط أن يحثها بعيناه، لتستحضر تلك اللحظات القاسية التي مرت عليها منذ ساعات، تتحدث دون مقاطعة، وان توقفت انتظرها حتى تعود وتكمل:
.............................
في مكان آخر 
وقد استيقظت تلك الجميلة بعد غفوة طويلة تحت تأثير الحمى والتعب الشديد، لتجد نفسها على سريرها في المنزل الذي تركته في لحظة غضب وقهر من ذلك الأحمق، أعمى البصر والبصيرة.
إذن ما الذي عاد بها إليه مرة أخرى؟ أيُعقل أن يكون حلمًا ذلك الذي مرت به؟!
ولكن..... اللعنة.... من هذا الرجل الذي يشاهد التلفاز في غرفتها بملابس ال....
ـ إنت مين؟
صرخت بها نورا، لينتفض ذلك الجالس بأريحية على الأرض، فيلتف نحوها، كي تتبين ملامحه، قائلًا يطمئنها:
ـ حمد الله على السلامة، أنا عطوة يا نورا اطمني.
وعلى عكس ما توقع، فقد استبد بها الغضب بعد أن تحققت من هويته، لتنهره بصيحتها:
ـ عطوة ولا عفريت أزرق حتى، واخد راحتك وقاعد في أوضتي، بتشرب دخان بالـ"كالسون" 
نظر لما يرتديه، فاستدرك صدق قولها، لينهض سريعًا يلتقط جلبابه المعلق على المشجب، ثم يسرع خطاه نحوها مبررًا:
ـ ما هو غصبن عني، أعمل إيه في غيبتك اللي طولت؟ ليلتين وأنا قاعد جنبك، لما زهقت وما عدتش حامل الجلابية اللي عليّا..... المهم، أنتِ زينة دلوق؟
حدجته بضيق شديد وبنظرة أدخلت في قلبه الندم، ليزفر مقتربًا منها قائلًا:
ـ أنا عارف إنك شايلة مني بسبب اللي قلته، ودور الحمى الواعر أكيد برضه بسببي....... بس يا نورا، انتي متعرفيش حالتي كانت كيف في اليومين اللي عدوا عليّا وأنا شايفك كده؟ قلبي كان معصور عليكي، مش عارف أهو تأنيب ضمير ولا حاجة تانية، لكن في كل الأحوال، دلوك حاسس إن الروح ردت لي بشوفتك وأنتِ بتكلميني وتزعقي فيّا، حمد الله على سلامتك.
ـ الله يسلمك
قالتها بضيق تشيح بصرها عنه، لتجول بعينيها داخل الغرفة التي أصبحت كمقلب قمامة؛ أطباق الطعام على صينية فضية على آخر التخت، عبوات الأدوية المتناثرة في كل ركن، الأرجيلة التي كان يدخن منها، وبعض قطع الفحم على الأرض. غلت الدماء برأسها حتى كادت أن تجأر به وتشتم بأفظع الألفاظ، ولكن لفت انتباهها تلك القماشة والإناء الممتلئ نصفه بالماء على الكمود المجاور لها، لتسأله باستدراك:
ـ هي وصلت للكمادات كمان!
تبسم يردد بتأكيد:
ـ ما أنتِ كنتِ موهوجة يا بنت الناس، حتى العلاج ما كانش جايب فايدة معاكي، الكمادات بس اللي كانت بتهدي. ياللا بقى، عمر الشقي بقي، أنا هروح أجهز لقمة نأكلها مع بعض، أكيد هلكانة جوع، وأنا كمان زيك.
أومأت بصمت لتتركه يخرج، فتتنفس هي ببعض الراحة، وتغمرها الحيرة بشأن ذلك الأحمق؛ به كل الخصال السيئة ومع ذلك يملك من الصفات الحسنة أجملها، وهي الطيبة.....
..............................
تمام أوي يا هالة، أنا عرفت منك كل اللي محتاجه أعرفه دلوقتي، تأكدي أن البنت المجرمة دي هتنال جزاء عملتها بأقسى ما تتصور، أنا هعرف أربّيها كويس أوي.
ـ هتعمل إيه؟ هتضربها مثلًا؟ أنا أعرف إن عمرك ما بتمد يدك على نسوان."
تلك العبارة التي نطقت بها أثناء تحقيقه معها، ولا تزال تتكرر في ذهنه حتى بعد أن تركها، ليأخذ جلسته خلف غرفتها الآن على إحدى مقاعد الانتظار، شاردًا في كل كلمة نطقت بها.
بجملة عابرة تمكنت من العودة به إلى تلك الذكرى الفاصلة، قبل سنوات يذكر عددها جيدًا، حين كان هائمًا بغرامه بها وبعد أن اتخذ قراره وفاتح حمزة كي يمهد الأمر مع والدها. فأتى بعدها بيومين متوقعًا الرد من حمزة، مُحمّلًا بأحلامه الوردية معها، ليمر على منزلهم قبل أن يذهب إلى منزل حمزة، يمنّي نفسه بنظرة منها، في تلك الشرفة التي تقف بها دائمًا، ولكنه في تلك المرة وجدها خالية، فغمره اليأس لعدم رؤيتها، ليتابع طريقه حتى وصل إلى خلف منزلهم، وكانت المفاجأة حين وجدها أمامه، واقفة مكتفة ذراعيها حول صدرها بتحفز وكأنها كانت في انتظاره، بتلك النظرة المُحدّقة نحوه، حتى جعلته يلقي التحية عليها بحرج لا يخلو من دهشة، فهو أبدًا لم يتحدث إليها مباشرة قبل ذلك لعلمه الجيد بالأعراف والتقاليد وتقديرًا لصديقه أيضًا:
ـ مساء الخير
ـ مساء النور. أنت بقى اللي طالب إيدي من حمزة؟
باغتته بسؤالها لتجبره أن يتراجع عن مواصلة طريقه، ليلتف إليها بذهول لجُرأتها:
ـ آه، أنا كمال يا آنسة هالة، صديق حمزة وفعلاً طلبت إيدك منه.
ـ كده مرة واحدة! جاتك الجرأة تبص عليّا وتطلب إيدي من خطيبي! دا إيه البجاحة دي يا أخي!
هكذا بصقت كلماتها مرة واحدة غير مبالية بصدمته ولا مُراعية لأصول الأدب في مخاطبة الآخرين:
ـ أنتِ بتقولي إيه؟ حمزة مين اللي خطيبك؟ حمزة صاحبي اللي كلمته عنك يبقى خطيبك؟ إزاي يعني؟ وهو ما قالش ليه قبل كده قدامي؟
ـ وهيقولك ليه وإحنا ما فيش حاجة ما بينا تمت رسمي؟ أنا بنت عمه وهو مكتوب على اسمي وأنا مكتوبة على اسمه. أنت بقى كان لازم تفهم من نفسك ولا تسأل زين قبل ما تفاتحه، مش تطلبني منه عشان تعمل فتنة بيني وما بينه.
كانت قاسية بدرجة لم يكن يتخيلها، هشّمت قلبه بمنتهى البساطة. ربما كان لديها الحق وأصابت في أنه لم يسأل جيدًا قبل أن يتقدم بخطوته، ولكن أن تدهس قلبه بتلك الصورة الغاشمة، هذا الذي لم يكن يتقبله على الإطلاق.
ـ هو أكيد العيب مني في إني ما سألتش كويس، على الأقل كنت عرفت بطبيعة الإنسانة اللي واقفة قدامي بمنتهى البجاحة جاية تشتمني عشان بس اتقدمت وطلبتها، لكن العيب مش عليكي، العيب على الأهل اللي ما علّموش بنتهم تعرف تتكلم بالأدب.
ـ أنا مؤدبة أحسن منك!
هتفت بها وارتفعت يدها نحوه، إلا أنه أمسكها على الفور، حاجزًا رسغها داخل كفه القوية هادرًا بفحيح:
ـ لولا إنك واحدة ست، أنا كنت مسحت بيكي الأرض دلوقتي، بس حظك إنك اتقابلتي مع إنسان محترم، ما يقبلش أبدًا يمد أيده على النسوان..... حتى ولو كانت هي تستاهل بالفعل!
كمال.
جاءه النداء ليستفيق من شروده، فينتبه إلى قدوم حمزة وكان معه خليفة، زوجها السابق ووالدها كما يتذكر، والمرأة تبدو والدتها.
ـ إيه اللي حصل لبنتي؟.... مالها هالة يا كمال؟..... عايزة أشوف بنتي يا سعادة الظابط.
لوّح بكفّيه أمامهم كي يوقف سيل التساؤلات منهم بكلمتين:
ـ معلش يا جماعة أرجوكم بس الهدوء، انتوا هتدخلوا تشوفوها دلوقتي، معلش مش عايزين بس نزود عليها، وأنا أضمن لكم برقبتي إن حقها هيرجع....
ـ هي وصلت لحقها؟ هالة حصل لها إيه؟
صدر السؤال من خليفة بارتياع أزعجه، ولكن استطاع الرد بصورة عادية:
ـ بتحصل كتير يا خليفة، بس أنت اطمن، أم ولادك هتكون بخير إن شاء الله، وتقدروا تشوفوها بنفسكم دلوقتي، بس أرجوكم الهدوء.
كان في الختام قد أشار لهم على الغرفة، ليتجهوا نحوها جميعهم، فلم يتبقَّ إلا حمزة الذي وقف كي يسأله على انفراد:
ـ طمني يا كمال، عايز أعرف منك قبل ما أدخل لها.
لم يكد يكمل سؤاله حتى وصله صوت بكاء والدتها، وعويلها، ليعود إليه بتساؤل أجاب عنه كمال دون تردد، وهو يعود للجلوس على كرسيه بتعب:
ـ كسرين في دراعها ورضوض في الجسم كله، دا غير إن كان فيه اشتباه في ارتجاج في المخ، بس ربنا ستر ورسيت على إصابة كبيرة في الراس.
ـ وه!
تمتم بها حمزة يسقط جواره على الكرسي المجاور له، متمتمًا بقهر:
ـ ليه كده؟ هما كانوا كام نفر بالظبط اللي اتسلطوا عليها؟
ـ هي واحدة يا حمزة، بس قوتها بعشرة ستات.
ـ ولما هي قوتها بعشرة، مخلينها مع الحريم ليه؟ وكيف تسيبوها تتمكن منها لحد ما توصل للحالة دي؟
لم يلومه كمال على عصبيته، بل كان مُقدّرًا ومُتفهمًا، ليوضح بهدوء كي يمتص غضبه:
ـ أولًا هي مش راجل عشان نعزلها، وثانيًا بقى هي هتاخد جزاءها بالقانون، هي والبنات اللي ساعدوها عشان تستفرد بها. ثالثًا بقى وهو الأهم، لازم أفكرك إني كنت في مأمورية إمبارح للقبض على الولد ده المتهم إنه شريكها، إجراءات بقى وتحقيقات. أنا روحت بيتنا وما نمتش غير ساعتين بس وجاني الخبر، فاتصلت بيك قبل ما أوصل هنا.
سأله حمزة بتوجس:
ـ طب وعلى كده لما حققتوا معاه قالولكم إيه؟ اعترف على حاجة؟
رد يجيب بما أذهله:
ـ أنكر كل حاجة، بس المهم بقى لما زنقت عليه في موضوع البصمات ومقارنتها مع البصمات الموجودة على العبوة، نفى نفي تام إن خالته ليها صلة.
سأله حمزة بحيرة وقد تشتت عقله:
ـ كيف يعني؟ أمال هيكون مين اللي وزّه؟
زفر كمال يجيبه بتعب:
ـ والله إحنا لسة في بداية التحقيقات معاه، والإنكار ده شيء طبيعي منه. على العموم بكرة هنشوف القضية رايحة بينا على فين.
....................................
كانت تأكل طعامها بِنَهَم بعد أن عادت لها شهيتها، غير قادرة على التمهل أو حتى الانتباه لذلك الذي توقف ليتابعها فقط. في البداية، خطفه رؤيتها بتلك الحالة، ثم تحوَّل تفكيره إلى شيء آخر، شيء أزعجه على مدار اليومين الفائتين، فلم يقاوم فضوله حتى يسألها:
ـ عدنان ده يقرب لك إيه يا نورا؟
سعلت فجأة حتى تناثر الطعام من فمها، ليسارع بإعطائها كوب الماء:
ـ خدي اشربي وابْلَعي... شَرقة خير.
أومأت بصمت ثم رفعت عينيها إليه لترد بسؤال:
ـ إشمعنى الاسم ده؟ إيه اللي جابه على بالك؟
أجابها دون تردد:
ـ عرفته منك، وأنتي بتخرفي باسمه طول ما الحمى ماسْكَاكِي. أي نعم كنتي بتقولي اسمي كمان، وفي كل مرة عليه شتيمة، إنما عدنان ده إيه حكايته؟
توقفت عن تناول الطعام، لتطالعه بقوة وتصارحه دون مواربة:
ـ عدنان ده وَلَد عَمّي اللي اتربيت معاه، كان مكتوب لي وأنا مكتوبة له، بس الموت خطفه مني قبل جوازنا بشهر. عربية صاحبها شارب شالته شيل من فوق الإسفلت ورزعته على الارض محطش منطق بعدها، وراح عند ربه، عشان يسيبني أنا الدنيا تلطش فيَّ.
ـ كان شبهي صح؟
سألها باستدراك، لتُؤكِّد له:
ـ فعلاً، وما أنكرش إن سبب تعلُّقي بيك من أول مرة شوفتك هو الشبه العزيز على قلبي. عرفت بقى إن مش أنت بس اللي محتفظ بصورة جنب قلبك، كلنا مجروحين، بس المهم إن إحنا نعيش ونتكيف مع الظروف والدنيا.
ختمت كلماتها ونهضت تتركه في تخبُّطه.
.................................
كانت جالسة أمامه حول الطاولة التي كانت تضمهما في ركنٍ لهما وحدهما في ذلك المحل الذي يُطلّ على النيل، بناءً على طلبه، فقد كان في حالة من الحُزن لا يصح معها الجدال، همٌّ يُثقل ظهره، حتى الكلمات كانت تخرج منه بصعوبة.
ـ لدرجة دي زعلان عليها يا خليفة؟
ذلك السؤال الذي وجهته إليه وهو لم يتأخر عن الإجابة باستفاضة:
ـ مش أم ولادي قبل ما تبقى بنت عمي؟ أنا قلبي ماكانش مطمن، عشان عارف طبعها كويس، هالة لو قعدت أكتر من كده في السجن، اللي حصل النهاردة هيتكرر تاني وتالت ورابع، ومش بعيد تروح فيها. طبعها عنيد، متعرفش تطاطي ولا تتكيف مع الظروف، أعمل إيه بس وهي مْشَيَّلاني الهم حتى بعد ما سيبتها؟ ده أنا بْحايل في البنات وبطلوع الروح بَسَكَّتهُم.
ربَّتت بيدها على كف يده المستندة على الطاولة تُهَوِّن عليه:
ـ سيبها لله وربنا يدبرها. أكيد إن شاء الله نلاقي لها مخرج. هما مش بيقولوا إنهم قبضوا على ابن أختها؟ يا رب يجي من ناحيته الفرج.
أومأ رأسه بتفكير يُعقِّب على قولها:
ـ يا ريت!  إحنا نِكره يعني؟ على العموم هو النهاردة أنكر خالص إنه عمل الْعَملة دي. كده يبقى الموضوع واقف على تحليل البصمات، آه يا سلام لو كمان دي تطلع سليمة، يبقى كده خِلصِتْ، يا ساتر، إمتى أخلص من الكابوس ده؟
ـ يا رب تخلص منه قريب إن شاء الله. ساعتها ترجعها لعصمتك يا خليفة، حتى عشان البنات....
سمع منها، ليحدق نحوها بدهشة، سرعان ما تحولت لغضب واشتدت تعابير وجهه، ليباغتها بالقبض على يدها بِغَيْظ مرددًا:
ـ أنتي مجنونة يا اعتماد؟ وإيه دخل ده بده؟ مَتْخَلّينيش أتعصَّب عليكي قدام الناس عاد. هالة بنت عمي وأم ولادي يعني عمري ما هَجْطَع منها ولا أعكَّر اللي ما بينا عشان صلة الدم اللي رابطانا، إنما حكاية جواز ورجعة فَده موضوع خِلص من ناحيتي وناحيتها، عرفتي بقى؟
أومأت بحرج تحاول نزع يدها منه:
ـ حاضر يا خليفة، فهمت. سيب يدي بقى الناس بتبص علينا.
قالت الأخيرة وعيناها ذهبت نحو طاولة مجموعة من الفتيات قريبة منهما، كن يخطفن النظرات نحوهما بفضول. فضاعف هو بتحدٍ يباغتها وعلى حين غِرَّة، مُخرجًا شيئًا ما من جيب جلبابه:
ـ ماشي يا اعتماد، وادي اللي هَربطِك بيها العمر كله عشان تِخْرَسي خالص بعد كده عن الكلام الماسخ ده.
تطلعت بذهول إلى ما وضعه في إصبعها تسأله بعدم استيعاب:
ـ إيه ده يا خليفة؟
بابتسامة ماكرة لاحت على محياه:
ـ والله لو مش عارفة أقولك. دي دبلتك يا اعتماد، شاريها بقالي فترة طويلة ونفسي ألبسها لك، بس الظروف بقى كل مرة تمنعني، لكن مدام راسك الناشفة لسه مَنْعَاكي ما تِقْتِنعي بخطوبتنا، يبقى ينعل أبو الظروف.
وكأنها فقدت النطق، صارت تنقل بعينيها منه وإلى المحبس الذهبي الرائع الذي زيَّن إصبعها، بانبهار شديد، لا تدري كيف فعلها بتلك السرعة؟  لم تكن مفاجأة سعيدة وحسب، بل هي شيء أقوى وأعمق في معناها، لقد ربطها به كما أوضح وبكل جرأة.
رقَّ قلبه لها، ليخفف من جنونه سائلًا لها:
ـ مَا قُولتِيش بقى، إيه رأيك فيه؟ حلو ولا نغيره؟
ردت بيأس وتعب من أفعاله غير المتوقعة على الإطلاق:
ـ رأي مين يا خليفة؟ هو أنت خليت فيها رأي؟ ولا أنا إزاي أصلاً كنت مخدوعة فيك وفاكراك هادي وعاقل؟
ـ والله وأنا نفسي ما كنتش أعرف. شكلي بأكتشف جناني على ايديكي يا أبلة اعتماد، بركاتك.
قالها ودوَّت ضحكته الرجولية الرائعة تلفت أبصار الفتيات نحوهما مرة أخرى، فيزيد من خجلها وهي لا تملك القدرة على إفلات يدها منه، وقد أطبق عليها بقوة، يُخمِد فرصتها حتى في التفكير أو التراجع.
.......................
عاد مساء وقد انتهى ذلك اليوم الثقيل، ليجد الهدوء قد عمَّ الأجواء داخل محيط المنزل بمغادرة الجميع من أبناء إخوته، ونوم البقية من أهل المنزل أو اختلائهم في غرفهم. إلا أنه تفاجأ بزوجته العزيزة جالسة على الأرجوحة الوحيدة في الحديقة، ترسم بالعصا التي تساعدها في السير، خطوطاً في الأرض.
ليقترب حتى يجاورها، إلا أن الأرجوحة اهتزت تاثرا بثقله واهتزت هي معها حتى كادت أن تقع، لتناديه بِجَزَع:
ـ وِه! حاسب لا أقع يا حمزة.
قبل أن تنهي جملتها كانت ذراعه حول خصرها يسندها مردداً:
ـ عيب عليكي يا مَرَة، تقعي وأنا جنبك!
تبسمت له بامتنان تساير غروره:
ـ لا طبعاً، ودي تيجي كيف يعني؟ ده أنا معايا الأسد.
ـ أيوه كده حلاوتك وأنتي فهماني.
قالها بمزاح استجابت تشاركه الضحك، ليتوقف الاثنان بعدها بلحظات، وكأن الضحكة قد فقدت معناها وعاد الهم يعتلي الوجوه، لتسأله مزيونة:
ـ شكلك تعبان ومش بطبيعتك، هي هالة حالتها صعبة؟
أومأ يوضح لها:
ـ مش حكاية صعبة ولا سهلة، الحكاية إن الموضوع أكبر من تحملنا، فكرة إنها تنضرب في السجن ومن مَرَة زيها، يعني حتى ما تقدريش تاخدي حقها، حاجة وَاعِرَة وتقيلة قوي على النفس.
عقَّبت مزيونة بتفهُّم:
ـ طبعاً معاك حق، بس إنتوا ما تشوفوا ولد أختها ده اللي اتقبض عليه،وأكيد المحامي يعرف يلاقي معاه سكة عشان يطلعوها من الموضوع.
رد بابتسامة لم تصل لعيناه:
ـ وأنتي فاكرة يعني إن دي حاجة تفوت عليا؟ ده أنا دخلت له بنفسي والولد قعد يحور معايا، بس أكَّد لي إن خالته ما لهاش دعوة.
ـ وِه! أومال إيه طيب؟
قالتها مزيونة بتساؤل ليرد بحيرة:
ـ والله ما أنا عارف أقولك إيه؟ فاضل تقارير المعمل الجنائي وربنا يجمِّلها بستره.
ـ آمين يا رب، إن شاء الله خير، أنت بس سيب تِكَّالك على الله وقول يا رب.
قالتها مزيونة تلف يداها الاثنتان حول ذراعه، تحتويه بنظرتها الدافئة، تنقل إليه الدعم دون جهد، وهو يتلقى محاولاتها برضاء تام، ليستريح بظهره أكثر إلى الخلف، ويضمها إليه مقبِّلاً أعلى رأسها، ثم بدأ يضغط بقدمه على الأرض حتى تهتز الأرجوحة بهما بخفة، فضحكت ساخرة:
ـ طب افرض حد طلع دلوقت، ولا طَبّ فجأة من برَّه، يقول علينا إيه؟
رد بعدم اكتراث:
ـ اللي يعرف أبونا يروح يقول له، ولا يعمل زيينا! صحيح المرجيحة دي حلوة قوي، فكّريني نعمل واحدة في بيتنا هناك.
سألته عاقدة حاجبيها:
ـ لريان ولا للنونو الجديد؟
رد يفاجئها بإجابته:
ـ لا ده ولا ده، لينا إحنا، كفاية عليهم باقي اللعب يا وِلاد الفرطوس.
وكان ردها ضحكة عالية، داعبت وجدانه، ليواصل المزاح، مستمتعاً بضحكاتها والجو الشاعري اللطيف على الأرجوحة.
.....يتبع

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا