رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير
رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة اسما السيد رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير
رواية صدمة العمر ياسين وسلمي من الفصل الاول للاخير
دخل علي عروسته ليله الدخله واول ما شافها صرخ انصرفي.. اعوذ بالله.. انصرفي الحقيني يا امه..
عازب رافض للجواز كله.. امه يأست منه فخططت تحطه قدام الامر الواقع فجوزته بالتوكيل اللي معاها بنت اختها واول ما دخل عليها صرخ.. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. انتي مين.. ياامه
دخل عليها في ليلة الدخلة وهو يحمل في صدره ضيقا قديما لا يعرف له سببا واضحا ولا يعترف به أمام أحد لأنه كان يظن أن الرجال لا يحق لهم أن يقولوا أنا خائف وأن كلمة خائف وحدها تجرح هيبته وتفتح باب سخرية لا يرحمها الناس ولا ترحمها الأمهات حين يشتد قلقهن على مستقبل ابنهن.
كان اسمه ياسين وكان في أوائل الثلاثينات رجلا يبدو لمن يراه من الخارج ثابتا مهذبا ناجحا يعرف كيف يبتسم وكيف يغلق النقاش بكلمة قصيرة وكيف يعتذر بلطف دون أن يفتح قلبه لأحد وكان يعمل عملا محترما يكفيه ويكفي أمه ويجعل الجميع يقولون ما شاء الله لكنهم حين يصلون إلى السؤال المعتاد لماذا لم يتزوج بعد تصبح كل صفاته فجأة بلا قيمة ويصير كأنه ناقص مهما كان كاملا في عيونهم.
هو نفسه لم يكن يكره النساء ولم يكن يكره الزواج لأنه فعل محرم أو شيء قبيح بل كان يكره ما يحيط به من ضجيج وتهديد وتحويل إنسانة إلى مشروع تكملة سيرة وتحويل بيت إلى ساحة امتحان دائم ورأى ذلك بعينيه في بيت أبيه حين كان صغيرا ورأى كيف تحولت أمه من امرأة تضحك إلى امرأة تقيس أنفاسها وتختار كلماتها بدقة لأن كلمة واحدة قد تشعل غضب رجل لا يعرف كيف يعترف بتعبه فكان ياسين قد أقسم في نفسه أنه لن يدخل تلك الدائرة وأنه إن تزوج يوما فسيتزوج وهو
قادر على ألا يظلم امرأة معه وأنه لا يريد أن يكرر خطيئة الصمت التي ابتلعت أباه وأكلت عمر أمه.
لكن الأمهات حين يخشين الوحدة لا يسمعن تلك التفاصيل الدقيقة ولا يلتفتن إلى فلسفة النفس بل يسمعن كلمة واحدة ابنك لا يريد الزواج وينامين على خوف واحد سيظل وحيدا بعد موتي وسيضيع في الدنيا دون بيت ودون أولاد ودون امرأة تحفظه وتخفف عنه.
كانت أمه أمينة امرأة تجاوزت الخمسين بقليل لكنها في عينيها قلق أكبر من العمر كله وكانت تحب ابنها حبا مخلوطا بالتملك لأن حياتها بعد وفاة زوجها صارت تدور حوله وحده وحول نجاحه وحده وحول خوفها عليه وحده وكانت كل مرة تحاول أن تفتح معه موضوع الزواج ينهي الحديث بهدوء مهذب ثم ينسحب كأنه يغلق الباب على نار لا يريد أن تشتعل.
قالت له مرة بصوتها الذي حاولت أن تجعله حنونا لا آمرا.
يا ياسين يا ابني إحنا هنفضل كده لحد إمتى.
قال وهو يبتسم ابتسامة قصيرة.
لحد ما ربنا يكتب الخير يا أمي قالت وقد ضاقت. هو الخير ده مش بييجي غير لما الواحد يسعى قال وهو ينهض.
أنا بسعى في شغلي وفي حياتي يا أمي قالت وهي تلحقه بالكلمة قبل أن يغلق الباب والجواز قال دون أن يلتفت مش دلوقتي.
ومرت مش دلوقتي سنوات حتى صارت لا تعني وقتا بل تعني رفضا دائما وفي كل مناسبة عائلية كانت أمينة تسمع التعليقات المبطنة وتسمع الضحكات التي تخفي الشفقة وتسمع نساء يقلن لها بينهن إن ابنك أكيد فيه حاجة وإنه لو كان طبيعيا لتزوج وإنك أنت السبب لأنك دللته زيادة أو خنقته زيادة وكانت تمشي في بيتها وتختنق وتبكي وحدها ثم تمسح دموعها قبل أن يراها وتبتلع الغضب
حتى لا تخسره.
وفي بيت أختها هناء كانت هناك فتاة اسمها سلمى ابنة أختها بنت في منتصف العشرينات جميلة هادئة تحب القراءة وتتعلم بصمت وتساعد أمها في البيت وتنام مبكرا لأن بيت أمها لم يكن يحب الضجيج وكان فيه أب متعب لا يهتم إلا بأن تسير الأمور كما يريد وكانت سلمى قد تعلمت منذ الصغر أن الهدوء أحيانا وسيلة نجاة لا طبعا أصيلا.
كانت هناء أم سلمى تحمل في قلبها هي الأخرى خوفا مختلفا لأنها ترى ابنتها تكبر وتخشى أن يفوتها القطار كما يقولون وتخشى كلام الناس أكثر مما تخشى حزن ابنتها وكانت ترى في ياسين فرصة مريحة لأن نسبته طيبة وأخلاقه معروفة ووضعه مستقر وأمه امرأة تعرفها وتثق بها فصار الموضوع بين الأختين يطبخ على نار صامتة حتى صارت الخطة جاهزة.
كانت أمينة تملك توكيلا قديما من ابنها كتبه لها بعد وفاة أبيه لتسهيل بعض المعاملات لأنها كانت لا تحسن الذهاب وحدها ولم يكن ياسين يتوقع أن التوكيل الذي أعطاه بدافع البر سيصير بابا لقرار مصيري لم يشارك فيه.
وفي ليلة كانت أمينة قد وصلت إلى أقصى يأسها قالت لأختها هناء بوجه شاحب أنا خايفة يموت مني وأنا عايشه قالت هناء بحدة فيها حنان يبقى نحطه قدام الأمر الواقع قالت أمينة وكأنها تهمس لنفسها بس أنا مش عايزة أكسره.
قالت هناء هو اللي كاسرنا يا أمينة من غير ما يقصد.
ثم قالت الجملة التي قلبت حياتهما. زوجيه.
كان القرار في قسوته يبدو لهما رحمة لأنهما لم تريدا فضيحة ولا مواجهة ولا انكسار أمام الناس فأقنعتا نفسيهما أنهما إن فعلتا ذلك فسيستسلم ياسين بعد الصدمة ثم يعتاد ثم يحب ثم يشكرهما لاحقا كما
يحدث في الحكايات التي ترويها النساء لبعضهن حين يردن تسكين خوفهن.
أما سلمى فلم تكن تريد هذا الزواج بهذه الطريقة ولم تكن تحلم بالثروة أو البيت أو اللقب بل كانت تريد حياة بسيطة تختارها بنفسها لكنها لم تكن تملك صوتا قويا في بيتها وكانت أمها تقول لها بنبرة لا تقبل النقاش.
ده نصيبك يا بنتي ومتتعبيش دماغك.
فتقول سلمى في داخلها نصيبي الذي لم أسع له ولم أستشر فيه ولم أفرح به كيف يكون نصيبا.
وفي ليلة الزواج تم كل شيء بسرعة غريبة كأنهم يسرقون لحظة من الزمن قبل أن يفيق ياسين ويفهم وقيل له إنهم سيذهبون إلى مناسبة عائلية وإن أمه تريد أن يرافقها فذهب وهو لا يعلم أن توقيعه الحقيقي سبق حضوره وأن اسمه صار على عقد يربط حياته بحياة فتاة لم يخترها ولم يرها.
وحين وصل إلى البيت ورأى الزينة والنساء والرجال والتهاني شعر أن الدم ينسحب من وجهه وأن الهواء صار أثقل وأن الكلمات حوله صارت بعيدة كأنه يسمعها من قاع بئر.
اقترب من أمه وقال بصوت منخفض كأنه يخشى أن يسمعه أحد.
إيه اللي بيحصل يا أمي.
قالت وهي تمسك يده بقوة.
ده فرحك يا ابني.
قال وهو يحدق فيها.
فرحي.
قالت وهي تتجنب عينيه.
إحنا كتبنا كتابك.
قال وهو لا يصدق الكلمة.
كتبتم كتابي.
قالت بسرعة كأنها تطفئ نارا.
بالتوكيل يا ياسين متكبرش الموضوع.
قال وهو يشعر بأن قلبه يضرب في صدره كأنه يريد أن يخرج.
إنتي عملتي كده من ورايا.
قالت وهي تبكي.
أنا عملته عشانك.
لم يصرخ يومها لأن الناس حوله كانت كثيرة ولأنه كان يعرف أن أي فضيحة ستكسر أمه قبل أن تكسره لكنه ظل طوال الحفل كأنه يمشي فوق أرض غير ثابتة
يبتسم للناس ويصافحهم ويقول شكرا وهو يشعر
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أن كلمة شكرا تخرج من فمه كذبا لا يليق به.
وحين انتهت الليلة ودخل البيت الذي أعدوه لهما وأغلقوا عليه باب الغرفة لأول مرة شعر أن كل ما هرب منه صار خلف الباب لا أمامه وأنه الآن وحده مع القرار المفروض عليه.
فتح الباب ودخل.
كانت سلمى واقفة في طرف الغرفة طويلة القامة ترتدي ثوبا بسيطا لكنه مرتب وتضع على وجهها قناعا أسود كاملا لا يظهر منه سوى فتحتين عند العينين وكانت تقف بصلابة مصطنعة لأن قلبها كان يرتجف ولأن أمها قبل أن تتركها قالت لها بصوت قاس.
إوعي تبيني له وشك.
قالت سلمى وهي مذهولة.
ليه يا أمي.
قالت هناء.
عشان يكرهك من أولها وما يمدش إيده ولا يلمسك ويعدي الليلة زي ما إحنا عايزين.
قالت سلمى وهي تشعر أن جسدها يسقط في حفرة.
إنتي عايزة إيه بالظبط.
قالت أمها.
عايزاه يهدى وما يعملش مشكلة ومع الوقت يتعود.
ثم أضافت بنبرة لا تسمح بالاعتراض.
اعملي اللي بقولك عليه.
فوقفت سلمى بالقناع لأنها لم تعرف كيف ترفض وهي تشعر أنها لعبة بين أيدي الأمهات.
لكن ياسين حين رآها لم ير خطة أمها بل رأى فجأة صورة من ذاكرة بعيدة صورة حكاية قديمة كان يسمعها وهو طفل عن امرأة مقنعة كانت تظهر في الليل وتسرق الأطفال وكان يخاف منها لدرجة أنه كان ينام وهو يضم غطاءه إلى وجهه ثم كبر ونسي الحكاية لكنه في تلك اللحظة عاد الطفل داخله مرة واحدة عاد الخوف غير المعقول وخرج صوته صرخة لم يخرج بها في حياته.
انصرفي.
أعوذ بالله.
انصرفي الحقيني يا أمه.
تراجع خطوة ثم أخرى وتعلقت عينه بالقناع أكثر من جسدها وشعر أن الغرفة تدور وأن قدميه لا تحملانه فانهار فجأة وسقط مغشيا عليه أمامها.
أما سلمى فحين سمعت صرخته شعرت أن شيئا انكسر في صدرها ليس
لأنها أحبت هذا الرجل ولا لأنها كانت تنتظر حضنه بل لأنها لأول مرة تشعر بالإهانة أمام نفسها شعرت أنها صارت في نظره شيئا مخيفا شيئا قبيحا شيئا يستدعي الاستعاذة فاختنقت وبكت دون صوت ثم تراجعت إلى الحائط وجلست على الأرض وقدماها ترتعشان ولم تخلع القناع لأن يديها كانت لا تطيعها.
دخلت أمينة وهي تصرخ بعد أن سمعت صوته ووجدته ممددا على الأرض فصرخت بدورها ونادت على الرجال ثم حملوه إلى السرير وأفاق بعد دقائق وهو يتنفس بصعوبة وعيناه تبحثان عن تفسير سريع قبل أن ينهار مرة أخرى.
قال بصوت مكسور.
هي مين دي.
قالت أمه وهي تبكي.
دي مراتك يا ياسين.
قال وهو يضغط على رأسه كأن الألم فيه.
مراتي.
قالت أمه.
بنت أختي سلمى.
قال وهو ينظر إلى القناع الذي ما زال على وجهها.
إيه اللي على وشها ده.
قالت أمينة وقد التفتت إلى هناء التي دخلت هي الأخرى بسرعة.
إيه يا هناء اللي عملتيه ده.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قالت هناء بعصبية.
أنا اللي عملته ده كان عشان يعدي الموضوع من غير مشاكل.
قال ياسين بصوت مرتفع لأول مرة.
من غير مشاكل.
أنتم عملتوا أكبر مشكلة في حياتي.
في تلك الليلة لم يحدث شيء سوى أن سلمى خرجت إلى غرفة أخرى وأمينة بقيت تبكي عند ابنها وهناء تحاول أن تبرر وأن تهون وأن تعطي كلاما جاهزا لكن ياسين كان يشعر أن الكرامة التي كان يحافظ عليها طوال عمره سحبت منه فجأة وأنه صار رجلا بلا قرار.
مرت أيام ثقيلة كأنها أعوام وكان البيت يعيش في توتر صامت والناس خارج البيت يباركون ويضحكون وهم لا يعرفون أن الداخل ليس فرحا بل جرح مفتوح.
لم يقترب ياسين من سلمى ولم يجلس معها وحدهما وكان يتجنب النظر إليها لأنه كان يشعر بالذنب كلما تذكر صرخته الأولى لكنه في الوقت
نفسه كان يغضب لأنهم وضعوه في هذه الزاوية التي لا يستطيع فيها أن يكون رحيما ولا يستطيع أن يكون صلبا.
وفي يوم بعد أسبوع تقريبا طلب من أمه أن تأتي معه إلى غرفة الجلوس وجلس أمامها كما يجلس رجل أمام قاض ثم قال بنبرة هادئة لكنها تحمل حدا قاطعا.
أنا مش هكمل كده.
قالت أمه وهي ترفع يدها ترتجف.
هتطلقها يا ياسين.
قال.
أنا مش عايز أظلمها ولا أظلم نفسي.
قالت أمه وهي تكاد تنهار.
دي بنت أختي يا ابني والناس هتقطع فينا.
قال.
الناس مش هتعيش مكاني.
قالت وهي تبكي.
أنا عملت كده عشانك.
قال وهو يزفر ببطء.
أنا عارف يا أمي بس نيتك ما بتغيرش إن اللي حصل غلط.
ثم قال جملة خرجت منه كاعتراف مؤلم.
أنا اتخضيت منها لأن أنا أصلا مخضوض من الجواز كله.
صمتت أمه لحظة لأنها لأول مرة تسمع منه اعترافا بهذه الصراحة ثم قالت بصوت خافت.
ليه يا ابني.
قال وهو ينظر إلى الأرض.
عشان خوفت أطلع زي أبويا.
وعشان خايف أظلم واحدة.
وعشان أنا مش بعرف أحب بسهولة.
ثم رفع رأسه وقال.
بس اللي عملتوه خلاني أكره الفكرة أكتر.
في تلك الليلة خرج ياسين وحده ومشى في الشارع طويلا ثم عاد ووقف أمام باب غرفة سلمى وطرق طرقا خفيفا ثم قال من خلف الباب بصوت متردد.
يا سلمى.
لم تجبه أولا ثم قالت بصوت خافت كأنها تخشى أن يسمعها أحد.
نعم.
قال.
ممكن نتكلم.
قالت بعد صمت.
اتفضل.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخل وهو يشعر أن صدره ضيق وأن الكلمات لا تأتي سهلة لكنه قرر أن يفعل الشيء الوحيد الذي لم يفعله في حياته وهو أن يكون واضحا دون زينة ودون دفاع.
كانت سلمى جالسة على كرسي قرب النافذة والقناع لم يعد موجودا وكانت ملامحها هادئة لكنها شاحبة وعيناها تحملان تعبا أكثر مما يحمل عمرها.
قال وهو يقف على
مسافة.
أنا جاي أعتذر.
قالت بلا انفعال ظاهري.
اعتذارك مش هيرجع اللي اتقال.
قال وهو يبتلع ريقه.
عارف.
بس أنا لازم أقوله.
أنا كنت غلطان.
أنا اتصرفت كأني شايف قدامي حاجة تخوف مش إنسانة.
قالت وهي تحدق فيه.
هو أنت شفتني أصلا.
قال بصراحة جارحة لكنها صادقة.
لا.
أنا شفت خوفى.
ثم سكت قليلا وأضاف.
وشفت اللي اتعمل فيا.
قالت بعد لحظة.
وأنا كمان اتعمل فيا.
أنا اتجوزت غصب عني.
والقناع ده ما كانش اختياري.
قال وهو يشعر بضغط في قلبه.
يعني إنتي كمان.
قالت وهي تبتسم ابتسامة قصيرة بلا فرح.
كلنا هنا مغصوبين يا ياسين.
تردد ثم قال.
أنا مش عايز أظلمك.
ولا عايز أعيش معاك كأنك عقوبة.
قالت بصوت ثابت.
ولا أنا عايزة أعيش مع حد شايفني كده.
ثم حدث الصمت الذي يسبق القرار.
قال ياسين أخيرا.
أنا قدامي طريقين يا سلمى.
يا إما ننهي ده كله باحترام من غير فضيحة ومن غير انتقام.
يا إما نحاول نصححه من الأول.
بس مش بالطريقة اللي حصلت.
بالشرع وبالرضا وباختيار جديد.
نظرت إليه طويلا كأنها تبحث عن خداع جديد ثم قالت.
يعني إيه اختيار جديد.
قال.
يعني أنا مش هلمسك ولا هقربلك ولا هتعامل معاكي كزوجة إلا لما يكون في عقد جديد بحضورك وإيجاب وقبول منك أنت مش من أمك ولا من أمي.
يعني تقولي أنا موافقة بصوتك إنتي.
ووقتها بس أبقى راجل قد الكلمة.
اهتزت عيناها بشيء يشبه الدمع لكنها تماسكت وقالت.
وإنت ليه عايز ده.
قال وهو صادق على نحو مربك.
لأني لما بصيت في وشك دلوقتي حسيت إني جرحت إنسانة ما تستاهلش.
ولأني تعبت من الهروب.
يمكن تكون دي أول مرة أواجه نفسي.
سكتت طويلا ثم قالت بصوت منخفض.
أنا مش بحبك.
قال وهو يهز رأسه.
ولا أنا بحبك.
بس ده مش شرط عشان
نكون محترمين.
قالت.
وأنا خايفة.
قال.
وأنا كمان خايف.
بس يمكن نكون خايفين مع بعض أحسن ما نكون خايفين لوحدنا.
في اليوم التالي جمع ياسين أمه
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وهناء وسلمى في غرفة واحدة ووقف مثل رجل قرر أن يحمل مسؤولية نفسه أخيرا وقال دون مقدمة طويلة.
اللي حصل غلط.
وأنا مش هكمل غلط.
يا إما سلمى توافق قدامكم على عقد جديد وهي فاهمة ورايحة بإرادتها.
يا إما ننهي الموضوع فورا.
صرخت أمينة.
يا ياسين الناس.
قال وهو ينظر إليها بنظرة حادة لأول مرة.
الناس مش ربنا يا أمي.
ثم التفت إلى سلمى.
إنتي قولى.
نظرت سلمى إلى أمها ثم إلى أمينة ثم إلى ياسين وكأنها ترى لأول مرة أنها تملك الحق في النطق ثم قالت بصوت متردد لكنه واضح.
أنا.
أنا موافقة نبدأ من جديد بس بشرط.
قال ياسين.
قولي.
قالت.
إن محدش يتدخل بيني وبينك تاني.
لا أمك ولا أمي.
ولا كلمة من بره البيت تدخل بينا.
وإن لو يوم من الأيام حسيت إنك مش قادر تكمل تقولها في وشي.
متسبنيش معلقة.
قال ياسين فورا.
وعد.
تم العقد من جديد في حضور شيخ وشهود وكان عقدا بسيطا لكن في قلبه شيء كبير لأنه كان أول عقد في حياتهما لا يبدأ بالكذب ولا بالخطة بل يبدأ بجملة واحدة قالتها سلمى بصدق وهي تنظر إلى الأرض.
قبلت الزواج منك.
بعد العقد لم تتحول الحياة إلى جنة كما تتخيل الحكايات لأن الجروح لا تلتئم في يوم واحد ولأن الخوف لا يخرج من القلب بسهولة ولأن سلمى كانت تحمل في داخلها حسرة إهانة ليلة أولى لا تنسى وياسين كان يحمل شعورا بالذنب والغضب من أمه ومن نفسه لكنه قرر أن يعالج ذلك بالصبر لا بالصمت.
كانت الأيام الأولى أشبه بتعلم المشي في بيت جديد لا يعرفان قواعده كان يجلس معها على المائدة ويسألها عن يومها فتجيب بإجابات قصيرة ثم تصمت وكان يحاول أن يجعل صوته عاديا فلا يبدو كأنه يعتذر دائما ولا كأنه يطلب الصفح دائما وكان يقول لها أحيانا بنبرة خفيفة.
عايزة تشربي إيه.
فتقول.
أي حاجة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فيضحك ضحكة بسيطة ويقول.
أي حاجة دي مش مشروب يا سلمى.
فتضطر أن تبتسم
ابتسامة صغيرة ثم تعود إلى صمتها.
وفي الليل كان كل واحد منهما ينام على طرف من السرير كأن بينهما مسافة عالم وكان ياسين يترك لها مساحة كاملة لأن الوعد عنده صار مقدسا ولأن اقترابه قبل أن تطمئن سيكون نسخة أخرى من الإجبار الذي يكرهه.
مرت أسابيع ثم شهور وكانا يتغيران ببطء لا يراه الناس لأن الناس لا ترى إلا النتائج لكن التغير الحقيقي كان يحدث في التفاصيل الصغيرة حين بدأت سلمى تتكلم أكثر وحين بدأ ياسين يحكي لها عن أبيه وعن خوفه وعن اللحظة التي صار فيها يرى الزواج سجنا لا بيتا وحين بكت سلمى لأول مرة أمامه بلا خوف وقالت له إنها في تلك الليلة شعرت أنها قبيحة وأنها لن تنسى صرخته مهما حاولت وأنها كانت تريد أن تخلع القناع وتصرخ هي الأخرى لكنها لم تستطع لأن أمها علمتها أن الصراخ عيب.
قال لها ياسين وهو ينظر إليها بصدق.
أنا آسف يا سلمى.
مش آسف الليلة دي بس.
آسف عن كل مرة كنت جبان فيها قدام خوفي.
قالت وهي تمسح دموعها.
وأنا آسفة إني سكت كتير.
قال.
إنتي ما غلطتيش.
اللي غلطان اللي سلبك صوتك.
وفي يوم جاءته رسالة من رجل كبير في العائلة يقول له إن أم سلمى تتدخل كثيرا وإنها تحاول أن تفرض على سلمى أشياء في بيتها وإنها تكرر الخطأ نفسه فتذكر شرط سلمى وتذكر وعده فوقف مرة أخرى أمام أمه وأمام هناء وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة.
محدش يدخل بيني وبينها تاني.
هي مراتي وأنا مسؤول عنها.
واللي عايز يطمن يطمن بس من بعيد.
غضبت هناء وقالت.
يعني إحنا عملنا كل ده وفي الآخر تقفل علينا الباب.
قال ياسين.
أيوه.
عشان اللي عملتوه كان غلط.
وأنا بصححه.
وفي تلك الليلة حين عاد إلى البيت وجد سلمى تجلس في الصالة تنتظره ووجهها متوتر فقال لها.
فيه حاجة.
قالت بصوت خفيض.
أنا سمعت كلامك لأمي.
قال.
إيه رأيك.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قالت وهي تنظر إليه بعينين لامعتين.
أول
مرة حد يقف عشانى.
ثم سكتت وأضافت.
يمكن.
يمكن أنا أبدأ أحبك.
لم يقل لها أنا أحبك فورا لأنه لم يرد أن يحولها إلى جملة سهلة لكنه اقترب منها قليلا وقال بصوت دافئ.
خدي وقتك.
أنا هنا.
ومنذ تلك الليلة بدأ الجليد ينكسر قليلا قليلا وصارت تضحك أحيانا دون أن تخجل وصار هو يضحك معها وصارت تترك له باب قلبها مفتوحا بعض الشيء وصار هو يدخل برفق لا بعجلة وفي لحظة ما بعد شهور كانت سلمى تجلس قرب النافذة تقرأ كتابا وحين دخل ياسين رأت التعب على وجهه فقامت دون كلام وأحضرت له كوب ماء ثم جلست بجواره وأمسكت يده ببطء كأنها تختبر الشعور لأول مرة وقالت له بنبرة خفيفة.
متخافش.
قال وهو يبتسم.
أنا مش خايف دلوقتي.
قالت.
لا.
أقصد متخافش من إنك تبقى زوج.
أنت مش زي أبوك.
ثم قالت جملة جعلت قلبه يلين على نحو موجع.
أنت بتتعلم.
وهنا فقط شعر ياسين أن الزواج لم يعد فخا بل صار فرصة وأن المرأة التي دخل عليها ليلة الدخلة بقناع لم تكن تريد أن تخيفه بل كانت هي أيضا محاصرة وأن أمه حين خططت كانت ظالمة لكن خوفها كان حقيقيا وأن الحياة لا تصلحها النوايا بل تصلحها الشجاعة.
وفي فصل من وجهة نظر أمينة كانت تجلس وحدها في غرفتها بعد كل ما حدث وتشعر أن ابنها ابتعد عنها وأنها خسرت شيئا كانت تظنه حقا طبيعيا وكانت تبكي لأنها كانت تريد أن تراه سعيدا لكنها لم تعرف الطريق الصحيح إلى سعادته ولم تتعلم في عمرها كيف تسأل ابنها ماذا تريد بدل أن تقول له افعل ما أريده أنا وكانت تسمع ضحكة سلمى من بعيد فتشعر بوخز غيرة ثم تشعر بالذنب لأن الغيرة من سعادة ابنها قبح لا يليق بأم فتقوم وتصلي وتدعو ثم تقول لنفسها أنا التي كنت أريد أن أحميه فجرحته وجرحتها ثم تقول في قلبها يا رب اغفر لي جهلي.
أما سلمى ففي فصلها كانت تعترف لنفسها أنها في البداية لم تكن تحبه وأنها كانت
تراه صورة رجل صرخ في وجهها وأنها كانت تتمنى أن ينتهي كل شيء بسرعة لكنها الآن تشعر أنها تعيش أول مرة حياة تملك فيها حق النطق وحق الشرط وحق الرفض وحق القبول وأن ياسين حين وقف ضد أمه وأمها لم يكن يتكبر بل كان يعلن أنها إنسانة مستقلة لا هدية في يد أحد وأن هذا وحده كان بداية حب حقيقي لأن الحب عندها لم يكن كلاما بل كان حماية واحتراما.
وفي فصل ياسين كان يكتب في هاتفه ملاحظة صغيرة يقول فيها إنني كنت أظن أن الزواج نهاية حريتي ثم اكتشفت أنه بداية مسؤوليتي وأن المسؤولية ليست سجنا إذا كانت بالاختيار وأنني حين صرخت أول مرة لم أصرخ على سلمى بل صرخت على خوفي القديم وأن الخوف حين تسميه يصغر.
وبعد عام تقريبا لم يعد أحد يذكر القناع ولم يعد أحد يجرؤ أن يفتح الموضوع لأن سلمى صارت في البيت صاحبة قرار وياسين صار أكثر هدوءا وأمينة صارت تتعلم أن تحب دون أن تمتلك وأن الندم لا يغير الماضي لكنه قد يصلح ما بقي.
وفي ليلة هادئة كانا يجلسان على الشرفة والهواء لطيف وسكون الحي يحيط بهما فقالت سلمى
وهي تبتسم تلك الابتسامة التي صار يعرف أنها صادقة.
تفتكر لو الزمن رجع كنت هتصرخ تاني.
قال ياسين وهو ينظر إلى السماء.
لو الزمن رجع كنت همنع كل ده من أوله.
ثم التفت إليها وقال.
بس يمكن لو ما حصلش ما كناش اتعلمنا نختار.
قالت.
أنا كنت هكرهك طول عمري لو فضلت ساكت.
قال.
وأنا كنت هكره نفسي.
ثم قال الجملة التي لم يقلها بسهولة إلا بعد أن صارت حقيقة في سلوكه قبل لسانه.
أنا بحبك يا سلمى.
لم ترد بسرعة لأنها كانت تعرف قيمة هذه الكلمة حين تخرج بعد تعب لا حين تخرج بسهولة ثم قالت بصوت خفيض ممتلئ.
وأنا كمان بحبك.
ولم تكن النهاية صاخبة ولا مثالية لكنها كانت صادقة وهذا وحده يكفي لأن بعض البيوت لا تبنى بالزينة بل تبنى حين يتوقف الجميع عن التلاعب
بالقلوب ويبدؤون أخيرا في الاعتراف بأن الإنسان لا يقاد إلى السعادة بالحيلة بل يقاد إليها بالاحترام.
تمت بحمدلله
