رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1 بقلم ايه محمد رفعت
رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1
رواية اشباح المخابرات الفصل الاول 1
شقت خطواته سكون الليل، فكان لحذائه صوتًا مسموعًا فوق أرضية الرخام الفخمة، كأنه ينبه من حوله بأنه يمر الآن من تلك البقعة، استخدم الدرج المعدني رغم وجود سلسلة من المصاعد، صعد بسرعةٍ للأعلى بجسدٍ رياضي إعتاد على المشقةِ ولم يكن من ذوي رخاء المصاعد.
استهدف بزيتونته إحدى الغرف المنزوية بنهاية الطابق الرابع، حددها وجهة صريحة إليه، ومضى بطريقه الصارم تجاهها، مرر بطاقة يحملها من داخل المقبض، فانفتح على الفور، ولج للداخل يبصر قاطني الغرفة بنظرة خبيثة، حُملت بالتسلية وحب خوض مغامرة جديدة، وزع نظراته إليهما بهدوءٍ، ورغم أن كلاهما يلتحفان بالأغطية التي أخفت رأسيهما الا أنه تعرف على ابنه بسرعة الريح، رغم أنهما في نفس الطول وعرض الجسد تقريبًا.
إتجه حيث غايته، يتأمله بابتسامةٍ غريبة، ثم بدأ يحرك ذراعيه المنعقدين للأعلى من أسفل غطائه، فاذا بمن أسفل الغطاء ينتفض فزعًا، وتلقائيًا تسحب يده سلاحه من أسفل وسادته، وما كاد بإبعاد الغطاء عنه ليوجهه لمكانه الصحيح، أحالت يد الآخر السلاح عن كفه من قبل أن يُرفع بوجهه، وهمس له بسخريةٍ:
_من كل عقلك عندك نية التفكير أن في حد يقدر يدخل مركز التدريب السري ولأوضة نومك غيري!
تنهد "زين" وهو يسحب أنفاسه المُضطربة، فاستقام بجلسته ومال يستند بظهره على الوسادة مُتسائلًا:
_خير يا بابا، في حاجة ولا إيه؟
مرر بصره عليه ببطءٍ، وهو يمنحه إنذارًا مبطنًا، علم به شبيهه، فردد بنزقٍ:
_أنا أديت كل التحيات العسكرية لسيادتك النهاردة، وحاليًا تعبان وبردان ومحتاج أريح شوية.
قالها ومال على جانبه الايسر، جاذبًا غطاءه على ذاته، بينما الاخير لم يهتز له جفنٌ، بل ردد بهدوءٍ قاتل:
_عشر دقايق تكون قدامي تحت إنت وصاحبك.
صوته الهادئ كان مخيفًا لمن يفسر عاصفته الدفينة، نصب قامته الطويلة، يؤدي التحية بحزمٍ، وهو يجيبه:
_علم وينفذ يا باشا.
منحه "رحيم" ابتسامة نبعت بالرضا، وهتف قبل أن ينسحب ببرود:
_صحي شريكك.
قالها وإنصرف تاركًا من خلفه زوج من الأعين الشبيهة له، تطالعه بضيقٍ ونفور، دمدم "زين" بسخطٍ:
_أيامي اللي جاية كلها كوابيس أنا عارف.
ومال صوب فراش رفيقه، ينزع الغطاء عنه، يناديه بمللٍ:
_قوم حقق أمانيك بتدريب الملاك اللي منتظر خروجه من بين توابيت الموت، قوم يا حبيبي!
أتاه ردِّ حماسي من ذو العينين المغلقتين:
_صاحي من أول ما الباشا حط رجله في الأوضة.
وأفرج عن عسليته الساحرة، بينما يستقيم بجلسته مبتسمًا بمكر:
_بس حبيت إديكم خصوصية التعامل، على أساس إني هشوف أب وابنه بيحبوا في بعض قبل النوم، بس الظاهر إن اختيار ياسين الجارحي كان صح بكل المقاييس، رحيم زيدان مبيهزرش.
برق بزيتونته باسترابةٍ لسعادة رفيقه التي تقع بغير محلها، وقال ساخرًا:
_أنا ببذل مجهود خرافي عشان تأخد حذرك منه وإنت دايب فيه! هو سيادتك فكرتك عن علاقة الأب بابنه إيه؟
نهض يجذب ملابسه من الخزانة، وشرع بتبديل ما يرتديه وهو يجيبه:
_لو أب بمواصفات الاسطورة، فأكيد فكرتي عنه هتكون المثالية اللي هيحب يشوفها في ابنه.
وأضاف وهو يرتدي التيشرت الصوف على صدره العضلي:
_المعروف عن الاسطورة إنه بيفصل علاقاته الخاصة تمامًا عن شغله، ودي الميزة اللي تفرقه عن أي حد بالجهاز.
واستطرد وهو ينحني ليعقد حذاءه:
_أنا سمعت كتير عن الوحش، وكنت أتمنى أقدر أشتغل معاه أو على الأقل إنه يشرف على تدريبي بشكل شخصي على سبيل أنه أبويا وكده، بس مع أول وقعة ليا في أول يوم تدريب معاه سحب إيده عني، قلبه مجابوش يشوفني بتجرح أو حتى بعافر عشان أوصل.
ربع زين يديه أمام صدره العريض وهو يهتف بنزقٍ:
_ده الطبيعي يا جارحي، إنت اللي مش طبيعي، لذا أنا شايف إننا نستبدل الادوار، تقيم في الجحيم مع رحيم زيدان وتسبني أنا في جنة عدي الجارحي، إيه رأيك يا شريك؟
تحررت ضحكاته الرجولية حتى شاركه بها زين، فقال باعجابٍ شديد:
_شريك!! زيد من الكلمة دي عسى أننا نورث من الجوكر والاسطورة تاريخهم المشرف.
رد عليه زين بغرور يليق به:
_ومين غيرنا هيكون أحق بالورث ده، إنت ناسي احنا مين ونقدر نعمل إيه؟
وأضاف وهو يشير له ريثما يتذكر سنوات التدريب القاتلة:
_إحنا من خفتنا وسرعتنا اتسمينا أشباح، فقولي يا شريك حابب تتكوم في أي تابوت النهاردة، بحيث شبحك ميلفش ويحتار عليك كتير.
سحب جاكيته يرتديه وهو يجيبه بعزمٍ وفخر:
_لا يا قلب شريكك مش ناوي أتشبح النهاردة، أنا ناويها اجتهاد وكلي نية إني أعدي في كل اختبارات الاسطورة.
شمله بنظرة ساخرة من زيتونية عينيه الجذابة، بينما يتمتم ساخطًا وهو يتجه للجزء الآخر من الخزانة:
_حماسك معلي طموحاتك!
*****
تقلب في فراشه بانزعاجٍ، ففتح زُرقاوتيه يتأمل فراش أخيه المقابل إليه، فاذا بالنوم يغادر أبديًا عن جفنيه، أبعد "مراد" الغطاء عنه وأسرع تجاه حمام الغرفة يتفقده، وحينما لم يجده قبض قبضته وصوته الحانق يتردد من بين اصطكاك أسنانه بغيظٍ:
_رحيـم!!
سحب البلطو الخاص به، يرتديه فوق بنطاله وتيشرته الأسود، وإتجه إلى باب الغرفة، يحاول فتحه، زحفت ابتسامة ساخرة على شفتيه حينما وجده يغلق عليه الباب من الخارج، فعبث وهو يبحث بين الأغراض عن شيءٍ حاد، وحينما لم يجده علم بأنه تعمد فعل ذلك ليرضخ له ويبتعد عن مخططاته الموضوعة بعنايةٍ.
ابتسامته لم تهتز بل زادت ثقةً وغروراً، حينما وجد بضعة أوراق وقلمًا موضوعا فوقها، سحبه وإتجه إلى الباب يحرره بسهولةٍ بينما يردد بنزقٍ:
_ده أنا اللي معلمك فتح الأبواب!
*****
توقف يستدير إليه باستغرابٍ من بطء خطواته، فصاح به يعاتبه:
_ما تنجز يا زين، ماشي مشية عيل بيزحف ليه؟
سدد له نظرة محتقنة، بينما يدس يديه بجيب جاكيته:
_أنا ماشي بعقل ورزانة، إنت اللي شوقك للتوابيت قتلك يا جارحي.
استدار بجسده ليكون قبالته، وقال يمازحه:
_عارف لو أنا مش واثق من قدراتك كنت فكرتك دخلتها وسطة.
زوى حاجبيه باستنكارٍ وحاذاه على نفس خُطاه:
_كنت هعمل كده لو رفضوني، مهو أنا مبحطش حاجة في دماغي وتطلع منه من غير ما أجيب الناهية فيها.
ومال صوبه يغمز له بمشاكسة:
_ماشي بطيء عشان اللي بتراقبنا متتلخبطش في الممرات، هاتها وتعالى إنت!
قالها وتخطاه مكملًا طريقه، بينما يقف هو محله متخبطًا، لا يريد اللقاء بها بتلك اللحظةِ التي يستعد بها ليجتاز أي اختبارٍ يضعه "رحيم" له، ولكنه لن يتمكن من أن يكون عابر سبيلٍ
يمر عليه مرور الكرام.
لطالما كانت ماهرة في تتبع خصمها دون أن يشعر بوجودها، ولولا أن ابن عمها يعلم تفكيرها جيدًا لما شعر بوجودها أحدٌ.
استشفت من وقفة ياسين أن أمرها قد كُشف، وأنه يقف بانتظارها، فخرجت من محلها تقترب منه بضيقٍ، خاصة حينما كسر صمته بأكثر الاشياء التي تثير غضبها كليًا:
_مينفعش تكوني موجودة هنا، لا دلوقتي ولا بعدين، التدريبات دي مخصصة لينا كشباب مش هتفيدك في شيء.
شملته بنظرة ساخرة من زُرقة عينيها، أنهتها بحديثها المتهكم:
_وحضرتك تقرر إيه ينفعني وإيه لأ بناء على إيه؟ أنا مش عيلة صغيرة محتاجة اللي يفكر عنها!
ومضت خطوتين حتى باتت جواره، فقالت قبل أن تتخطاه:
_ شكرًا على النصيحة اللي مطلبتهاش ولا هعمل بيها!
تخطته بينما ظل هو محله مبتسمًا رغم ضيقه الشديد من طريقتها وأسلوبها الهجومي بالحديث الذي مازال يحاول أن يمرره كنسمة هواء باردة تحيطه بالبرودة للحظةٍ ثم تفر عنه.
حرك رأسه بخفة وإتبعها بثباتٍ وإتزانٍ قاتل، كأنها لم تحاول منذ قليل أن تستفزه، ولج للداخل بالصالة الضخمة الفارغة، يتخذ محله جوار "زين" الذي يقف باستقامةٍ وهيبة، عاقدا
ذراعيه للخلف، نظراته القوية تحيط بباب الغرفة الخاصة بأبيه، ينتظر خروجه ليواجهه فيما سيختاره ويفرضه عليه، ولجوارهما تقف "مرين" على بعد مسافةٍ محدودة منهما، تنتظر انضمام الاسطورة لهم.
شقت خطوات حذائه المميزة الأرجاء، وانتهت بوقوفه قبالتهم، يوزع نظراته البطيئة عليهم، ثم تعلقت بابنة أخيه فمنحها ابتسامة فخورة اتبعت قوله:
_كنت واثق إن الليلة مش هتفوتك من أولها، دايمًا صاحية ومركزة لكل حركة بتحصل حواليكِ، حتى من غير ما هما ياخدوا بالهم.
منحته ابتسامة صغيرة، شكلتها بالكاد وسحبتها وهي تقف بثبات مثلهما، أتى من خلفه أحد العساكر، يضع له مقعداً
حديدياً أسودا، جلس "رحيم" عليه ووضع ساقًا فوق الآخرى، يتنقل بنظراته إليهم، ثم إلى ساعة يده بفتورٍ، وكأنه بانتظار انضمام أحدٍ، وبالطبع كان متوقع لهم من القادم؟
تمتم رحيم ساخطًا:
_شريكي لسه بيخمن مكان وجودنا، وعلى ما يوصل للصالة في كلمتين مهمين عايز أقولهالكم في أول يوم هتخضعوا للتدريب تحت إيدي بشكل شخصي.
وتابع يبدي لهم أهمية هذا الموقف:
_وده حدث مهم جدًا، لإني طول فترة شغلي مكنش ليا دور مذكور في تدريب الظباط الا اللي كنت بختارهم أحيانًا وعددهم ميتخطوش صوابع الأيد، كنت برفض التدريب بشكل صريح، ومهما كانت الاوامر تلزمني بده القادة كانت بتعفيني من المهمات دي.
وأضاف وزيتونيته تحيط زين المندهش مما يستمع إليه، فكأنما أراد أن يرضي فضوله حول السبب:
_مكنتش بحب أهدر وقتي على تدريب حد، في حين إني أولى بكل الوقت إني أشتغل بيه على نفسي، وصولي لمستوى أعلى في كل مرة مكنش بيرضيني، كنت حاسس إن في أعلى من أعلى أي شيء بوصله.
ونهض عن المقعد يرنو إليهم، مستهدفًا "ياسين" بحديثه ونظراته:
_آلآف الظباط بيدخلوا وبيخرجوا من الجهات، منهم اللي محققش شيء ومترقاش الا في الكام يوم اللي فاضلين من عمره، ومنهم اللي كان متوسط ماشي بتوازن معقول، ناجح بس مش مبهر، وده بالنسبالي نوع غير معترف بيه، والمبهر واللي يسيب بصمة وراه بردو مش هعترف بيه، أنا اللي يرضيني هو الاختلاف، إنك تكون مختلف وميكنش ليك بديل، رهاب شخصيتك قبل ما يوصل للعناصر بره يمس اللي حواليك جوه الجهاز نفسه، يعملولك كلمة وحساب جوه قبل بره، كلامي مفهوم؟
أدى "ياسين" تحيته وهو يجيبه:
_مفهوم يا فندم.
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجه "رحيم"، تلاشت فور أن استمع لصوتٍ يأتي من خلفه:
_كنت مشتقلي وجيتلك ألبى!
تنهد بضيقٍ شديد، وقال:
_المرة الجاية هأمر بحبسك جوه زنزانة، عشان اضمن أنك هتتأخر في الوصول.
اتسعت ابتسامة الجوكر، وقال بثقةٍ:
_ولو حبستني في برمودا هختفي وهظهرلك بردو، إحنا ملناش غير بعض يا شريك.
وتجاهله وهو يرنو إليهم، مرددًا بابتسامةٍ واسعة:
_مساء الخير يا شباب، أو صباح الخير بما إن الباشا مغفلنا الساعة 3 بليل.
وشمل بنظراته ابنته التي تطالعه بثبات كالربوت، تفصل بين وجودها رفقته بالعمل وبالخارج تعود إلى نعومتها ودلالها عليه، نصب"مراد" قامته بشموخٍ، وأجلى صوته الخشن بحزمٍ:
_المرحلة اللي فاتت من تدريباتكم جنت ثمارها في الكام مهمة الاخيرة اللي طلعتوها، وطبعًا كانت تليق بالمستوى اللي وصلتوله، وحاليًا إحنا حابين نرفع المستوى ده وعشان يحصل لازمكم تدريبات مكثفة، عشان كده أنا وسيادة الفريق موجودين هنا معاكم.
هتف بنزقٍ يتعمد اطاحة غضبه:
_سيادة الفريق الأول، بتقع منك كتير دي يا شريك!
تجاهله مراد وأشار على إحدى الغرف المنزوية خلف الحائط السري:
_اتفضلوا وأنا شوية وهحصلكم.
ولجوا إلى الغرفة بينما وقف الجوكر قبالة أخيه يناظره بنظرة ساخطة أتمها بقوله:
_ولو بقيت رئيس أركان مالكش مني غير اللي خارج على لساني، ولو متضايق على نطقي المهين لمرتبتك خد المرتبة اللي فوق في حضنك ونام بعد ما تصلي العشا على طول، سلام يا شريك.
قالها وغادر والابتسامة الخبيثة تزداد على وجه "رحيم" الذي دس يديه بجيوب جاكيته الرياضي الأسود، ولحق به.
*****
بالداخل.
راقب ثلاثتهم المكان بدهشةٍ، كانت تبدو لهم من الخارج أنها مجرد غرفة، ولكنها كالسرداب المؤدي لباطن الأرض، تتشكل فيها عدة غرف أغلبها مُحملة بالزجاج المتين العازل للصوت، كل غرفة يوجد داخلها العديد من الاجهزة التي تبعث الرعب في النفوس.
مال "ياسين" صوب"زين" يسحبه بعيدًا عن "مرين" التي تتطلع للغرف بدقةٍ، بينما الاخير يهمس له:
_حاول تطلعها من هنا، هي بنت عمك دي ملهاش آخر في العناد!
أحاطه بنظرة ساخرة، وقال:
_عمها وأبوها ساكتين ومشجعين الحوار أقوم أنا أعترض! وبعدين دي خبيثة اي خلاف بيحصل بينا بتروح تولع الدنيا بيني وبين مارال، وأنا قايلك قبل كده إن مارال طيبة زيادة عن اللزوم والاستاذة بتقدر تسيطر عليها وبتعملها غسيل مخ.
وأضاف وهو يراقب باب الدخول بمللٍ:
_أنا مش في مود يساعد ادخل معاها في صدام كفايا الحرب اللي داخل عليها مع رحيم توابيت!
واستدار صوبه يربت على كتفه ببسمةٍ ساخرةٍ:
_فكك منها بدل ما تفتحلنا في مرافعات حقوق المراة وإن الست زي الراجل والكلام اللي مش هنخلص منه ده.
احتقنت عسليته وتلاشت جاذبيتها، يحاول كبت كل ما يعتريه داخله، بقوله الرزين الثابت:
_زين إعقلها، احنا تقريبًا اتدربنا على كل حاجة، مش فاضل غير قدرة التحمل تجاه العنصر النسائي، وبعض الرتوش اللي مينفعش تدخلها واحدة ست وقت التدريب، أنت مش واخد بالك ولا إيه؟
زوى حاجبيه بضيقٍ، فشملها بنظرة منزعجة ثم قال:
_أكيد عمي وبابا مش هيفوتهم تفصيلة زي دي يعني.
ردد ياسين بحدة رغم ثبات نبرة صوته:
_عنادها ده آخرته وحشة، هي من وقت ما ليل العربي رفض يدربها معانا وهي بتعاند بتهور، وده باين عليها في طريقة التعامل بينها وبينا!
على ذكر سيرته تبسم وهو يؤكد له بمزحٍ:
_اهو ده عدو المرأة اللي يستحق إنها تحاربه هي وكل النساء، كل السنين اللي عرفناه فيها وعمري ما لمحته مع واحدة ست، ده بيتلاشى التعامل معاهم بشكل زارع عندي الفضول أعرف قصته إيه بالظبط.
نجح بجذب انتباهه، فشاركه الحديث:
_مش إنت بس، ليل العربي هيفضل لغز محير الجهاز كله، ده داخل على 45 سنة ولسه مرتبطش، وبينقي مهماته بشكل غريب، ولو المهمة فيها واحدة ست بيرفضها رفض قاطع، الا لو اتجبر بيطلع بس كل اللي ببتعامل معاه بينتقد طريقته بالتعامل رغم أنه بيتمم مهمته على أعلى مستوى.
تحررت ضحكات "زين" ومازح رفيق طفولته قائلًا:
_أهي مرين تستحق واحد زي ده، يخشوا الاتنين في حرب اثبات ذات ما بين حروب العصور الاولى بين العنصر النسائي والرجالي واللي ينتصر فيهم هيعلن ابادة الطرف الاخر!
اكفهرت معالمه غضبًا، مما يقوله وما كاد بأن ينازعه على ما قال، اقتحم الجوكر مجلسهم، واسترعى انتباه الجميع بدخوله، اقترب ياسين ليقف محله المجاور على بعد مسافة منها، شملته بنظرة غاضبة جعلته يبتسم بمكر وتسلية، هرته الصغيرة تجيد قراءة الشفاه، مؤكد قد علمت بحوارهما المتبادل، سحبت عينيها عنه ومالت تتطلع إلى "زين" الذي تمتم بسخطٍ:
_ركزي مع بابي الجوكر يا ميري!
قرأ ما تود قوله بتلك اللحظة، فتنهد بتعبٍ:
_حبيبتي الست شهور اللي فلقتيني معايرة بيهم مش مبلوعين بينا، قارني شكلنا ببعض هتلاقيني قالب على بابي، بصي قدامك وادي التحية بحماس، عشان اللي جاي شكله نهايته هباب!
قطع "مراد" محادثتهما الجانبية بصرامة:
_زيــــن!
ردد من بين اصطكاك اسنانه:
_كالعادة صوتي اللي مسموع لكن نظراتها مش بتتشاف.
منحه نظرة حازمة جعلته يؤدي تحيته العسكرية ويقف شامخًا بجدية لا تحتمل هزلا بينهم، مر الجوكر من بينهم وحرر صوته الرخيم يقول:
_المهمات اللي سبق وطلعتوها كانت هزار خفيف، حاليًا التأهيل هيكون على مستوى أعلى، عشان كده فترة التدريب اللي هتقضوها هنا هتكون من أهم التدريبات اللي هتهيئكم أنكم تمسكوا قضايا دولية خطيرة، عشان كده أنا ورحيم عملنا خطط وترتيبات بخصوصكم وهنبدأ بيها من النهاردة.
عاد يقف محله قبالتهم، مستكملًا وعينيه تحيط ابنته:
_بس أغلب التدريبات هتكونوا منفصلين فيها، وبالأخص إنتِ يا مرين.
تحررت عن صمتها تطالع ابيها بزرقاوتاها الغاضبة، فأحلت خصلاتها البنية القصيرة للخلف، وقالت بتذمرٍ:
_حضرتك متعمد تعمل ده، دايمًا بحس إنكم عايزينهم يكونوا الأفضل بأي شكل من الاشكال، بس انا مش هسمح بده، أنا زيي زيهم مفيش أي فرق بينا، زي ما هما هينزلوا مهمات هيحتاجوا فيه اللي اتدربوه انا كمان هنزل ومحتاجة التدريبات دي، وقادرة استحمل أي شيء وحضرتك عارف كده كويس، فمن فضلك بطل تتعامل معايا على إني صغيرة أو ضعيفة!
يا الله كم تلك الفتاة تشبهه كثيرًا بملامح وجهها الفاتنة، ولكن لم تترك من والدتها شيئًا الا و ورثته منها، حتى العناد القاتل، تنهد مراد وقال بنبرة لينة:
_مرين أنا ما بفضلش زين وياسين عنك ولا شايفك ضعيفة أو صغيرة زي ما بتقولي، بس في تدريبات هتختلف عنك لانهم شباب يا حبيبتي.
ضمت شفتيها معًا بغضب تحرر بنبرتها المنفعلة:
_شباب!! بابي مفيش فرق بين راجل وست، من فضلك متكنش من مؤيدي الهبل ده!
_مفيش حد في ذكائك وخفتك يا ميري، كفايا أنك بتراقبي الباشوات من فترة طويلة وهما مش ملاحظين ده!
كلمات تحررت على لسان الاسطورة، الذي يتابع حوارهم مبتسمًا بخبث، كأن القدر قد افسح له فرصة المرور، فاستطرد وهو يرنو إليها ويضمها إليه بذراعه، بينما تحتد نظراته بمراد المندهش مما يفعله ويقوله:
_بابي في سكة فاضية لوحده، عمك في ضهرك وشايفك ناجحة وقوية وإثباتًا لكلامي بما إنه قرر يبدأ معاهم النهاردة أنا اللي هدربك بنفسي.
وسحبها تجاه إحدى الغرف بينما يشيع للجوكر اشارة بأنه سيتولى أمرها وليبدأ هو باول دروسه، مزق "مراد" شفتيه السفلية من شدة غضبه، ذلك الشيطان يكتسب نقطة ود في قلب ابنته بالمكر والاحتيال، وبفعل ما قسم له فعله من الاساس!
تغاضى عن كل شيء واشار لهما باتباعه، ولجوا للداخل، فاذا به ينتزع جاكيته، ويشمر عن ساعديه، ثم استدار بوجههما بابتسامة ماكرة وسؤالٍ يتردد لهما فترك دهشة لكلاهما كبيرة:
_ إزاي تلفتوا نظر بنت جميلة ليكم، مع العلم إن مفيش واحد منكم جذب انتباهها نهائيًا!
****
جذب المقعد يضعه قبالتها، يتأمل حمرة وجنتيها الصارخة من شدة الغضب، جلس أمامها مبتسمًا، ثم ناداها بحنانٍ:
_مرين، ممكن تفكي التكشيرة دي مبحبش اشوفك زعلانه كده خطر على اللي مزعلك، كتيره معايا قنبلة وتابوت!
ارتخت تعابيرها المشدودة ومنحته ابتسامة صغيرة، ثم اعتدلت بجلستها تسأله باهتمامٍ:
_أنكل هو لو شجن طلبت تدخل الجهاز هتقبل بده؟
فهم ما تخفيه داخل زُرقتها، وأجابها بذكاءٍ:
_قبلت بانضمام زين وبانضمامك فإيه اللي هيخليني أرفض أن بنتي تنضم لو ده اختيارها؟!
زوت حاجبيها بتيهةٍ واستنكار، فاستند بجسده العلوي على الطاولة وقال:
_مرين أنا مأجبرتش زين ينضم ولا أجبرتك على ده، بس بما أنكم دخلتوا واجبي هنا مسبكوش الا وأنا مطمن عليكم، وبعدين أنا مبفرقش في تعاملي بينك ولا بين شجن وزين، كلكم أولادي وأكيد عايزكم تبقوا أحسن ناس في الدنيا كلها.
وشدد على حديثه حتى تنتبه:
_ومراد آخر شخص تتوقعي منه إنه يفرق بينك وبين زين، لو أنتِ شايفاني حنين عليكِ قيراط فمراد أحن 24 قيراط، مراد مفيش في حنية قلبه في الدنيا كلها.
برقت باستنكارٍ اتبع سؤالها:
_إنت بتشكر في بابي معقول؟
اتسعت ضحكته وأجابها بمكر:
_طول مهو مش موجود فهو راجل عظيم، لكن قدامه وقدام أي حد مفيش أعظم من رحيم زيدان في الكون كله!
تحررت ضحكاتها بقوةٍ جعلت ابتسامته تتسع، ونهض يشير لها على جهاز كشف الكذب:
_يلا نبدأ أول تدريب، واللي بعده هتقدري تتخطي أي جهاز كشف الكدب مهما كان مدى تطوره!
******
بعد دروس الجوكر التي استمرت إلى ساعاتٍ طويلةٍ، وقف "ياسين" أمام المرآة يرتب كرفات بذلته السوداء وينثر البرفيوم من فوقها، برز جمال عسليته وتناسق جسده الرياضي، بينما يدقق التطلع لملامحه التي اكتسبت من ملامح وجه "ياسين الجارحي" طابعًا يجعله يبدو كأنه ابنه أكثر من "عدي".
ولجواره يرتدي الآخر بذلته الرمادية باهمالٍ، وعدم رضا لما يخططان فعله، وقد تألق كلاهما وكأنهما اليوم عريسان يزفان إلى حفل زواجهما، وبينما يهذب "زين" خصلات شعره الطويل دمدم ساخرًا:
_حمايا العزيز بقاله أربع ساعات بيديني دروس عن كيفية خيانة بنته!! لا ومن اخلاصه مديني درس تنفيذي عشان أطبق كلامه عملي، عمرك شوفت حال أغرب من حالي؟
لم يتمكن من كبت ضحكته التي تحررت برجولية، بل قال يشاكسه:
_بيطمن إن الدكتورة هتقع في إيد أمينة.
تأججت زيتونيته الساحرة بوميض عشقها، وردد بصوتٍ هادئ مغمور بالعشق:
_في إيد وروح وقلب آمين عليها والله، ده أنا عبد مسكين دايب وروحي مشتاقة تعانق روحها.
ربع يديه أمام صدره يتابعه بسخرية:
_بالنسبة للمهمة اللي طالعينها دي، نأجلها ونقعد نسمعك يا أستاذ كاظم؟
استقام بوقفته عن الفراش يعدل من جاكيت بذلته بغرور:
_نأجل إيه أنت عايزنا نسقط من أول جولة ولا إيه؟ وبعدين لسه الشيطان يومه بكره، فاعتبر إن الجوكر بدأها معانا بالسهل.
وأشار لياسين يحذره:
_إنت تطبق الدروس كلها وأنا هتفرج من بعيد، انا مرتبط ومعرفش أخون!
شمله بنظرة ساخرة، وعقد ذراعيه أمام صدره مستنكرًا جملته:
_وسيادتك جاي معايا ليه بقى طالما المهمة كلها بقت على كتافي أنا!!
أجابه ببراءة مضحكة:
_هشجعك من بعيد!
تجاهل حديثه الساخر، وإتجه يجذب الأوراق التي قدمها له مراد، وضعها على الطاولة الخشبية القابعة بنهاية الغرفة، وفرد اللوحة البيضاء والتي شكلت تفاصيل المكان من الداخل والخارج، تمعن زين بالمخطط ثم قال بذكاء:
_الكباريه ده مهو الا ستارة يتدارى وراها الأنشطة التانية، مكان زي ده اخفائه هنا سهل جدًا ومش محتاج تعقيد، واستدراجهم اسهل بكتير، عشا عمل في مكان زي ده ومن هناك يتم تنفيذ العملية بالكامل.
هز ياسين رأسه باقتناعٍ، وقال:
_زي ما الجوكر قال فضايح رجال الاعمال والفيديوهات المسربة ليهم كانت بتم بعد دخولهم المكان ده، بس يا ترى بيتم تصوير الفيديوهات دي فين؟ المكان كله عبارة عن دور واحد، صالة رقص كبيرة، ومطبخ وحمامات مفيش فيه غرف خالص!
طال صمت زين وزيتونيته لا تفارق المكان المخصص للبار، فاذا به يهتف:
_المكان اللي فيه البار مش طبيعي، المساحة المبني عليها بالرغم من طولها الا أنه مش باين أنه مبني على المساحة دي كلها.
ركز ياسين بما يقوله، ثم هدر:
_في باب سري!
شجعه زين بابتسامة ماكرة:
_والباب ده بوابة ننهي بيها القذارة اللي بتحصل وراه.
اتسعت ابتسامة ياسين ومازحه وهو يتخطاه:
_هنعملهم حملة تنظيف على نفقة الدولة، متنساش بس المعقم والمطهرات.
حشى خلف ظهره بالاسلحة وهي يجيبه مبتسمًا بخبث:
_اتوصيت بيهم لاجل عيونك يا شريك!
*****
ثبتت شاربها جيدًا وعدلت من الكاب الخفي للجاكيت الأسود، حتى زُرقتها التي تفضحها امام عسليته بكل مرةٍ أخفتها بعدسات سوداء اللون، اجتهدت "مرين" حتى حصلت على شكل رجالي مُتناسق يصعب أن يتعرف عليها أحدٌ، ثم سحبت سلاحها وخرجت تتهادى بخطواتها خلفهما حتى اعتلت دراجتها النارية، ومضت خلفهما بذكاء وخطوات مدروسة.
صف كلاهما السيارة بالخارج، وتفرقا كأنهما لا يعرفان بعضهما البعض، اختار زين الجلوس على المقاعد المقابلة للبار المشكوك بأمره، بينما ولج ياسين للداخل ينفذ الجزء الهام بالخطة الموضوعة، حرص على أن تنتبه له تلك الفتاة التي تلهو بكأسها في مللٍ وضيق، غادرها حينما رأت هذا الوسيم يستكمل طريقه في ثقة وغرور وكأنه لم يرها.
جلس على احدى الطاولات، يلهو بهاتفه بجمودٍ تام، وحينما طالعها وجدها ترفع كأسها صوبه تحييه، فأحاطها بنظرةٍ باردةٍ غير مهتمة بفعلتها، بل سحب بصره لهاتفه بعدم اهتمام زاد من غضبها وحنقها الشديد، وقبل أن تبدي رد فعل له أتاها من يهمس لها بشيءٍ جعلها تستقيم وتلحق به إلى الطاولة التي تحوي عى ضحية جديدة ستُنسب لها.
استقبل هاتف ياسين رسالة ساخرة
«هتقضيها تقل ولا إيه، انجز في أم الليلة الملزقة دي، المُنكرات هي اللي فيها اغراء، بتشد رجلي وأنا تقريبًا اتزحلقت، انقذني يا صديقي العزيز!»
وضع الهاتف جانبًا ورفع عسليتاه يتفحص المكان بهدوء غير مشكوك بأمره، حتى رآه يرتشف يرتشف من الكأس الذي يضعه النادل من امامه حتى لا يثير الشكوك تجاه، بل وأشار له بسرية تامة أنه الكأس الرابع حتى الآن، فإن نجح وسيطر الخمر بمفعوله ستقع المهمة بأكملها على عاتقه بمفرده!!!
تأفف بحنقٍ، ونهض يلم متعلقاته، ويستعد لإبداء أول خطوة منه تجاه تلك الفتاة، ولكنه بقى محله مشدوهًا من رؤية ذلك الشاب ذو الجسد النحيل، الذي اخترق الطاولة التي يتم فيها تنفيذ الايقاع بالضحية، يتهادى بوضع المشروبات على الطاولة، بينما يدفع جهازه الصغير جانبًا، ويغادر بثقة تامة، جعلت ياسين يتمتم بغضبٍ وعدم تصديق:
_محدش هيكسر عنادك ده غيري!!
*****
سلكت ممر جانبي من الطريق المؤدي للمطبخ، تضع السماعات بأذنيها، لتتمكن من التلصص لسماع أي شيء يحدث بينهم على الطاولة، انكمشت ملامح مرين باسترابة حينما لم تحصل على أي إشارة، فعبثت بجهازها تحاول أن تحدد أين تقع المشكلة، فاذا بقبضة قوية تسحبها لإحدى الغرف الخاصة بتبديل الموظفين، وتدفعها تجاه الحائط، بينما ترتفع يده الاخرى بالجهاز الذي سبق وزرعته، يضعه نصب عينيها ويده تنتزع شاربها، في نفس اللحظة الذي نطق فيها بحدة:
_غبائك كان هيكون سبب في قتلنا كلنا النهاردة، وأول الغباء هو شكلك المضحك ده!
وتابع وعسليتاه تتحداها عن قرب:
_مكنتيش محتاجة إنك تتنكري، بشكلك الطبيعي كنتِ هتباني إنك راجل من غير أي مجهود!
التقطت الجهاز من يده بعنف، وجابهته بنفس الحدة والغضب:
_لو شكلي بيديك ايحاء إني راجل فانت محتاج تروح تكشف نظر، ثانيًا الغباء ده إنسبه ليك ولطريقتك الهمجية بالتعامل، أنت محتاج تفوق نفسك من الغرور القاتل اللي ملاحقك ده، أنت من غير مساعدة زين في أي عملية بتطلعها ولا حاجة!
ظنته سيثور أمامها، ولكنه فاجأها بابتسامة ثابتة، تطوفها نظرة تسلية، وكلمات زادت من غضبها:
_أخويا وصاحب عمري وشريكي لو متسندتش عليه هتسند على مين يعني، عليكي أنتِ مثلًا؟
ومال يهمس لها بسخطٍ:
_لو عملتها هتكفي على وشي، إنتِ مش بس عنيدة ورأسك صلب أنتِ مهما حاولتي تعملي عمرك ما هتعرفش تساندي شخص بقدراتي، لإن الحقيقة اللي بتنكريها إن قوة الست مهما فاقت التوقعات عمرها ما هتجابه قوة الراجل في ميزان واحد.
ووضع شاربها في كفها مستكملًا:
_لما سيادة الفريق يعرف أنك السبب في تعريض المهمة كلها للفشل، وخصوصًا بتعطيلك ليا اللي ممكن يتسبب في كشف زين بره أعتقد هيكون سبب كفايا لاستبعادك من أي مهمة نطلعها أنا وهو.
وأضاف بابتسامة واسعة:
_وده هيخليني في منتهى السعادة، إني أشتغل انا وهو من غير شغل لخبطة العيال اللي بتعمليه في كل مهمة ده.
أنهى حديثه وهو يستدير ليغادر، فأوقفته حينما قالت باستحقارٍ:
_طريقتي كانت ناجحة وأنت اللي قصدت تشيل الجهاز عشان يكونلك طريقة تانية وحل بديل، إنت متعمد تكون دخلتك عن طريق الحقيرة اللي اختارتها، فبلاش تعيش الدور عليا يا سيادة الرائد المحترم.
ارتسمت ابتسامة لعوبة على وجهه، أبادها واستدار يواجهها بحاجبين منعقدان، بينما يتساءل ببراءة قاتلة:
_حقيرة مين اللي تقصديها؟ أنا سنجل معرفش حد للأسف.
وربع يديه أمام صدره يطالعها بتسلية:
_ولو نفترض إني حابب أتسلى شوية في وسط الضغط ده يضايقك في إيه يا سيادة الرائد!
ارتبكت قبالته، واستدارت تعيد لصق شاربها وترتب ملابسها قائلة بجمود:
_هيضايقني في إيه، أنا كل اللي يهمني أن المهمة تنتهي على أكمل وجه.
حك طرف أنفه بخبثٍ، وقال:
_مصدق كلامك اللطيف وعشان كده مضطر أني أجبرك تسمعي كلامي كله بالحرف، لأن بسبب عنادك الغبي ده زين بقى خارج اللعبة، مش هينفعني بحاجة!
***
بدأ رجال الأمن يخلوا الصالة تدريجيًا، الا من الطاولة التي تحتوي على رجال الاعمال، والذي من بينهم يقع الهدف، فحرصوا على الاعتذار للزبائن بأن لديهم احتفالًا خاصًا، وبالفعل أصبح المكان فارغًا الا من ذلك الذي يقبع على البار، يرتشف الكوب وهو يهاجم الدوار العنيف الذي يهاجمه، بينما يدعي تأثره الشديد وهو يتمتم بعدم توازن:
_ألم الخيانة أصعب ألم ممكن يصيبك يا صديقي.
استحوذ على انتباه النادل، بينما يستطرد وهو يميل يسارًا ويمينًا:
_أنت عارف أنا واثق أني مش لوحدي رغم إني فعلًا لوحدي!
أتى أحد الرجال التابعين للعصابة الالكترونية يحادث النادل بانزعاج:
_ده هنا بيعمل إيه مش قولنا فضوا الصالة؟
أجابه النادل بنظرات شفقة:
_فضيناها ومفضلش غيره، زي ما انت شايف يا باشا حالته متدهولة خالص، ومفيش معاه لا بطاقة ولا تليفون ولا أي حاجة، خوفت أرميه برة يعملنا مشكلة.
واستأنف يحفزه:
_عيشوا انتوا ومالكوش دعوة بيه، ده في ملكوت تاني لوحده، شكل مراته خانته وشارب ومش داريان بحاجة.
قبض قبضة يده القوية بتوعدٍ، ولكنه يستكمل في تمثيله البارع، وراح يشير له:
_هاتلي كاس تاني يا اسمك إيه؟
أسرع يسكب في كأسه وهو يذكره بذاته:
_محسوبك عبد الرحمن يا باشا.
هز رأسه دون مبالاة وعاد يرتشف وهو يخبره:
_أنا مش وحيد ولا لوحدي يا عبده، أنا مينفعش أكون وحيد الوحدة خطر عليا وعلى اللي حوليا!
*****
تسللت من خلفه وهي تحمل سلاحها، فأوقفها باشارته وهمس لها:
_خليكِ هنا أنا هأمن المكان بره وراجع تاني.
عصت أوامره قائلة:
_مالكش الصلاحيات أنك تديني أوامر، أنا زيي زيك!
ضم شفتيه معًا وهو يسحب نفسًا طويلًا بينما يحرك عنقه لفة طقطقت عظامه بعنفوانٍ، وفي لحظة استدار يقابلها بنظرة مشتعلة وصوتٍ هادئٍ ينفي حالته الغاضبة:
_اكسري عنادك ونفذي أوامري، احنا في الحالة دي بسببك، فاسمعي الكلام وبدون جدال وإلا..
واجهته بغضب:
_وإلا إيه؟
رد بنفس الهدوء رغم أنه يحمل تحذيرًا لها:
_هكمل لوحدي ومن غيرك.
ضحكت مستهزئة:
_ودي هتعملها ازاي!
ابتسامته كانت شريرة لدرجة أربكتها، وخاصة حينما أعاد سلاحه خلف جاكيته، ورنا إليها، فتراجعت حتى اصطدمت بالحائط، فلم تجد ما تفعله الا أن ترفع سلاحها بوجهه تحذره:
_إرجع مكانك يا ياسين، وأوعى تعمل اللي بتفكر فيه ده، إياك!!
انتشل السلاح من يدها بسرعة البرق، وهمس بنبرته المغوية:
_السلاح يعور ايدك.
واقترب حتى يكرر همسه بجدية وغضب جحيمي:
_مش حفيد ياسين الجارحي اللي يترفع عليه سلاح!
قالها ورفع اصبعيه يضغط على عرق رقبتها النابض، فاذا بها تفقد الوعي في ذات اللحظة، سندها للخلف ووضع من أمامها خزانة عريضة، ثم أسدل الستار من فوقها وهو يشيعها بنظرة أخيرة، ونبرة محملة بالانزعاج:
_عنادك ده هيكون نهايته خسارة حد فينا بس متقلقيش توبتك منه على ايدي أنا!
إندفع ياسين للخارج، يدرس الأمر بحذرٍ وحكمة، بينما ينتظر زين اشارته للهجوم وقد بدأت الخمور بالتأثير عليه بالفعل، مال على ذراعه يلعن رفيقه ويرتب له موتة منطقية تليق بتاريخه الحافل فور أن يلتقي به، فاذا بالنادل يحركه وهو يقول:
_بقولك إيه خلاص احنا بنلم الحاجة وهنقفل، يلا خد بعضك وأتكل.
منحه زين ابتسامة هادئة وردد بصوتٍ صداه خطير بينما يستكمل ارتشاف ما بيده ببرود:
_أنت فاكرني لوحدي! قولتلك أنا مش وحيد!
قالها تزامنًا مع انطلاق رصاصة ياسين تستهدف منتصف جبينه فسقط على البار صريعًا، استكمل زين ارتشف كأسه واستدار يواجهه بنظرة غاضبة:
_اتاخرت يا شريك.
اشار على الغرفة السرية من خلفه بنفس نبرته:
_كان عندي مهمة زيادة.
زم شفتيه في سخط:
_التهمة دي مش هنخلص منها الا بعريس.
وارتشف ما بالكوب وهو يقترح على من يعمر سلاحه ويتأكد من كاتم الصوت استعدادًا للمهاجمة:
_ما تتجوزها وتعتزل!
تلاشت صفاء عسليته وتأنق فيهما انذار الخطر، فردد ببطءٍ قاتل:
_زين!
علم الاشارة المبطنة وتلقاها، فاذا به يسحب سلاحه كالشبح الذي اعتلاه واستدار للخلف، يسدد رصاصاته القاتلة في مواجهة من خرج للتو يراقب ما يحدث بالخارج، وهنا رفرف إعلان بدأ الحرب بين الطرفين!
......... يتبع......
