رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21

رواية عهد الدباغ بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والعشرون 21

ظل فاروق واقفًا للحظات… يشعر بأن شيئًا خفيًّا يُطبق على صدره، كأن الهواء من حوله صار أثقل من أن يُستنشق..
لم يكن الغضب وحده ما يعتصره… بل ذلك الإحساس المُربك بين الجحود  والخذلان، إحساس رجل أدرك متأخرًا أن قلبه لم يعُد ملكه...حرك يده ببطء، كأنه يحاول أن يطرد ذلك الجمود الذي تسلل إلى أطرافه دون إذن… ثم مرر يديه على وجهه في محاولة فاشلة لاستعادة صلابته التي يعرفها الجميع عنه... 
لكن الحقيقة التي كان يهرب منها وقفت أمامه الآن بلا رحمة.. هو لا يخشى خسارة الموقف…
بل يخشى خسارتها هي... 
ابتلع ريقه بصعوبة، وارتفعت عيناه نحو الباب الموارب أمامه…
باب واحد فقط يفصل بينه وبين اعتراف قد يغير كل شيء…أو يُنهي كل شيء... 
تقدّم خطوة… ثم توقف... 
عاد التردُد يقيد قدميه كالسلاسل، وهمس صوته الداخلي يخبره بسخرية مُرة:
ليه سكتت كنت... 
صمت للحظة يعاتب ذاته قائلًا: 
حتى لو اتكلمت مكنتش هتصدق، عهد قافلة دماغها على فكرة معينه، ومش عاوزه تصدق غيرها، لكن بعد اللى حصل بينا لازم الفكرة دي تنتهي. 
أغمض عينيه لحظة طويلة، كأنه يحاول أن يجمع شتات قلبه في قبضة واحدة…
ثم فتحهما ببطء، وقد لمعت فيهما عزيمة ممزوجة بوجعٍ صامت... خرج من الغرفة ذهب نحو غرفة ياسين كان الباب مواربً فتحه وتجول بعينيه عهد ليست موجودة، نظر نحو غرف الشقة استقر على باب ذلك الحمام، توجه نحوه وقف للحظات يلتقط نفسه، 
ورفع يده أخيرًا لكن توقف للحظات مُترددًا قبل أن يحسم عقله القرار…
ليطرق الباب.
بينما عهد
سارت رغم ذلك الشعور بالألم بجرح قدمها، لكن هنالك ألم أشد فى قلبها.. دلفت الى ذلك الحمام.. ذهبت نحو صنبور المياة نزعت ذلك الثوب عنها  وقفت أسفل اندفاع الماء، كأنها تحاول أن تُغرق ذلك الإحساس الموجع…
وجع يعتصر صدرها بصمت قاسي لا يسمعه سواها... 
اختلطت دموعها بقطرات المياه.. فلم يعد يُمكن التمييز بين ما يتساقط من ذلك الصنبور فوقها… وما يتساقط من دموع قلبها المكسور... 
أغمضت عينيها طويلًا، عل تلك العتمة خلف الجفون تمنحها لحظة هدوء،
لكن الذكريات كانت أجرأ من أن تُقصى…
تسللت إليها بلا استئذان، تحمل صوته، نظراته، وهمسه وما حدث بينهما 
ارتجف كتفاها، ليس من برودة المياة… بل من قسوة ذلك الشعور الذي تحمله وحدها... 
مدت يدها تستند إلى الجدار، كأنها تخشى أن تخونها قدماها قبل أن يخونها صبرها،
وهمست بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع:
ليه الوجع ده كله… ليه... كُل ما بحاول أتحمل بيزيد الوجع... ليه، ياريت أكون فى كابوس وأفوق منه... مبقتش قادرة أتحمل... حاسة بضياع،مش عارفة الطريق واخدني لفين.. كل ما بقول مسألة وقت بلاقي نفسي بضيع أكتر، إزاي سمحت لـ فاروق يلمسني بالشكل ده... كان فين عقلي، وهو طبعًا إستغل لحظة ضعف، وصل لهدفه.. إنه ينام معايا... إزاي ده حصل بغفلة مني... وجودي هنا معاه فى مكان واحد بقي صعب أتحمله. 
انحدرت رأسها للأمام، واستسلمت للحظة ضعف حاولت كثيرًا أن تهرب منها،
لكن الحقيقة كانت أوضح من الهروب…
أن بعض القلوب لا تنكسر مرة واحدة…
بل تتشقق ببطء، حتى وهي تبتسم... 
ظلت واقفة مكانها…بين ماء يغسل الجسد…
وحزن يعجز عن غسل الروح... 
وبينما كانت غارقة في تلك اللحظة الثقيلة…
انقطع صوت الماء فجأة... لم تنتبه في البداية أن يدها ضغطت على مقبض المياة بلا وعي منها…ظنت أن العالم كله صمت احترامًا لانكسارها،
لكن صوتًا خافتًا خلف الباب جعل قلبها ينتفض بقوة... طرقات مترددة…
كأن صاحبها يخشى أن يوقظ وجعًا يعرف بوجوده... تجمدت مكانها،وانحبست أنفاسها في صدرها،حتى سمعت صوته من الخارج،بنبرة منخفضة، مبحوحة بشيءٍ يشبه القلق:
عهد... 
ذلك الصوت…
كان كفيلًا بأن يُعيد كل شيء دفعة واحدة
الألم… والحنين… والخوف…
وذلك الضعف الذي حاولت دفنه تحت اندفاع الماء... أغمضت عينيها بقوة،
وكأنها تحاول أن تستجمع بقاياها قبل أن ترد،
لكن صوتها خرج خائنًا، مرتجفًا رغم محاولتها التماسك وتحدثت بحِدة:
خير عاوز إيه. 
ابتلع تلك الطريقة الحادة فى الرد تنهد يحاول تهدئة نفسه ونطق إسمها بنبرة هدوء: 
عهد
قبل أن يسترسل بقية كلامه توقف لحظات ساد
صمت قصير مر بينهما،
صمت يعرف الحقيقة… لكنه يتظاهر بالتصديق.
ثم جاء صوته مرة أخرى، أهدأ… وأقرب إلى الرجاء:
طب افتحي الباب… خليني أطمن.
ارتعشت أصابعها وهي تمتد نحو الصنبور لتفتحه مره أخري، لكن شعرت ببرودة الماء، أغلقت الصنبور... 
وساد المكان سكون ثقيل…
لا تسمع فيه سوى خفقان قلبها،
كأنه يعلن خوفها من اللحظة القادمة... جذبت مِعطف الحمام وضعته حول جسدها وأحكمت إرتداؤه بعُقدة جامدة كأن تلك العُقدة هي حائط الدفاع... 
تقدمت بخطوات بطيئة نحو الباب…ثم توقفت.
هل تفتحه…
وتفتح معه كل ما حاولت إغلاقه داخلها
أم تبقى هنا…حتي لا  يرى ضعفها
وقفت بين الاختيارين…
وقلبها وحده يعرف
أن لحظة واحدة بعد هذا الصمت…
قد تغير كل شيء... تسارعت أنفاسها دون إرادة،
وكأن قلبها يركض نحو الباب… بينما كرامتها تشدها للخلف بقوةأغمضت عينيها،
لا لتمنع الدموع…
بل لتمنع نفسها من الضعف أمامه مرة أخرى
جاء صوته هذه المرة أقرب، أخفض…
يحمل رجاءً خفيًا لم تعهده فيه من قبل:
عهد عارف إنّي آخر حد يحق له يسأل…
بس افتحي الباب… دقيقة واحدة بس.
زفرت عهد نفسها... لكن ليس رجاء فاروق هو ما أرغمها على الخروج من الحمام، بل ذلك الصوت الآخر... 
قبل لحظات إستيقظ ياسين نظر نحو فراش عهد لم يجدها،بمشاعر طفل شعر  ببعض من الفقدان... اعتدل في جلسته ببطء، وعيناه تجوبان الغرفة كأنهما تبحثان عنها كأن غيابها القصير تحول في داخله إلى خوف  لا يعرف له اسمًا... نهض من الفراش بخطوات سريعة
كأن قلبه يسبقه نحو الباب قبل جسده،
يهمس إسمها بصوت طفولى وهو يُعبث بعينيه يحاول الا يبكي حين رأي فاروق يقف أمام باب الحمام: 
عهد. 
خرجت من الحمام سريعًا... رغم ذلك الألم لكن رسمت له بسمة عطف... 
كانت كافية لتُعيد الطمأنينة إلى قلب ارتعب قبل لحظات.
فتوقف مكانه…وأغمض عينيه لثانيةٍ واحدة فقط... إنحنت عليه قائله بحنان: 
زعلان ليه... يلا تعالي أغسل وشك، عشان تفطر قبل ما باص الحضانه يوصل. 
أومأ لها في  تلك اللحظات أيقن فاروق  يعترف لنفسه 
أن صغيره  لا يريد حياة…لا تكون عهد فيها... لحظات سقط الصمت بينهما…وهي تتوجه نحو تلك الغرفة تقبض بيد ياسين بين يدها... ثم أغلقت باب الغرفة... ساد
صمت آخر  يعرف أن الحب ما زال لم يصل الى قلب عهد... وأن الطريق إليها… لم يعد سهلًا أبدًا.
❈-❈-❈
بشقة نديم
فتح باب تلك الشُرفة.. نظر نحو تلك الشمس، رغم أنه يوم خريفي شبه غائم، لكن أحيانًا تنبثق الشمس من خلف الغيوم كأنها تُصر على أن تمنح القلب فرصة جديدة للدفء.
وقف مستندًا إلى السور الحديدي البارد، يضم كفيه إلى بعضهما دون أن يشعر، وعيناه معلقتان بذلك الخيط الذهبي المتسلل بين السحب... 
كان الصمت حوله واسعًا… صمت يشبه الفراغ الذي يسكن داخله منذ رحيله المفاجئ، حتى تركه لكل شيء دون تفسير يُطفئ الأسئلة المشتعلة في صدره.
تنفس بعمق، كأنه يحاول أن يملأ رئتيه بشيءٍ أكثر من الهواء… بشيءٍ يُشبه الطمأنينة التي فقدها دون أن يدري متى.
مرت صورة يارا  بخاطره، واضحة على نحوٍ أربكه؛ ابتسامتها الهادئة… عينيها اللتين كانتا تُشعان وهج خاص حين ينظر لها… ذلك الشعور الغريب بالأحتياج الذي لم يعترف يومًا أنه فد يشعر به... 
أغمض عينيه للحظة، فبدت له المسافة بينها وبينه أطول من أي طريق قطعه في حياته... 
همس بصوتٍ خافت، كأنه يخشى أن يسمعه أحد… أو ربما يخشى أن يسمع هو نفسه الحقيقة:
كان لازم أتكلم معاها قبل ما أسافر، لكن وقتها كان كل تفكيري فى الفرصة اللى قدامي، دلوقتي بدفع تمن التسرُع. 
فتح عينيه من جديد، فوجد الشمس قد خرجت أكثر من بين الغيوم…
لكن الدفء لم يصل بعد إلى قلبه... 
تنهد وهو يتذكر اللقاء الأخير مع يارا بالأمس صدفة، هي منذ ذهب لطلبها للزواج وهي توقفت عن الذهاب الى ذلك النادي... لكن بالأمس تفاجئ بها وهي تقف مع إحد العاملات بالنادي...لكن حين لمحته قريب من المكان، تركتها وكادت تُغادر عمدًا، لكن لحقها قبل ذلك…لكن لحقها قبل ذلك.
ناداها باسمها أكثر من مرة …
يارا.
غصبً توقفت قدماها رغمًا عنها، لا لأنها أرادت التوقف… بل لأن قلبها خان قرار الهروب الذي اتخذته منذ أن رأته... 
بقيت واقفة وظهرها له، كتفاها مشدودان كأنها تستعد لمعركة تعرف نتيجتها مسبقًا... 
اقترب بخطواتٍ سريعة، كأنه يسير فوق شيءٍ هش قد ينكسر تحت قدميه في أي لحظة... 
وحين صار على بُعد خطوة واحدة منها، تحدث بصوتٍ هادئ اختلط فيه التردد بالاشتياق:
ليه بتهربي مني. 
سؤال بسيط… بالأصح سؤال متوقع منها، 
كذالك سهل من أن يُجاب عليه بسهولة... رسمت بسمة استهزاء ثم 
أغمضت عينيها لثواني  محاولة أن تُعيد ترتيب ذلك الفيض من المشاعر الذي أربكها منذ عودته المفاجئة لحياتها، كذالك عرض الزواج التي تفاجئت به … التفتت نحوه ببطء.
كانت عيناها هادئتين على غير العادة… هدوء يشبه ما يأتي بعد عاصفة طويلة... 
تحدثت بنبرة بها غرور ، واضح:
وأنا ههرب منك ليه… أنا بس بحاول أنسي أنا كنت إيه قبل ما تسافر. 
ارتجف شيءٌ خفي داخله عند كلماتها... 
أراد أن يقترب أكثر… أن يقول أي شيءٍ يُصلح ما أفسده الغياب…
لكن الكلمات خانته، كما خذلها هو من قبل... 
مرت لحظة صمت  طويلة بينهما…
لحظة بدت كأن الزمن توقف 
وأخيرًا همس بنبرة ندم:
يارا ممكن نقعد نتكلم بهدوء... ومستعد أسمع… أي حاجة… حتى لو هتوجع.
نظرت إليه طويلًا، كأنها تبحث في ملامحه عن الرجل الذي أحبته يومًا…ثم سألت بصوت بارد: 
ولو الوجع ده كان سببه إنك جيت متأخر
سؤالها ظلّ معلقًا بينهما…خفيف في نبرته… قاتل في معناه... لم يُجب فورًا.
فقط ابتلع تلك الغصة التي صعدت إلى حلقه، ونظر إليها كأنّه يحاول أن يحفظ ملامحها من جديد… ملامح ربما  لم  يتغير فيها شيء يُرى بالعين، لكن التغيُر يُشعر به القلب...تحدث أخيرًا بصوتٍ حاسم: 
أرجوكِ خلينا نتكلم بتحضُر. 
ابتسمت ابتسامة صغيرة…باهته
ليست سخرية، وليست فرحًا… بل شيءٌ بينهما يشبه الترقُب فقط للسماع 
هزت رأسها ببطء قائلة: 
في حاجات لما بتتكسر… مبتتلحمش.
تقدم خطوة أخرى دون وعي، كأن المسافة بينهما أصبحت فجأةً خانقة... 
كان يريد أن يقول إنه لم يفهم حقيقة مشاعره إلا بعدما ابتعد…
إنه خاف… فضاع… ثم عاد يبحث عنها وحدها...
لكن كل هذه الاعترافات بدت ضعيفة أمام عينيها الهادئتين همس:
طب قوليلي أعمل إيه عشان تسمعني. 
للحظة… فقط للحظة…ارتبك قلبها.
ظهر ذلك الـ نديم الذي كانت تعرفه… الذي يسألها كأنهما على شفا الارتباط معًا، 
لكنها تذكرت سفره دون إخبارها … الأسئلة التي كانت بلا رد… ذلك الصمت الطويل الذي تركها تواجه نفسها وحدها... قبل أن ترفض عاد يلح: 
تمام خلينا نقعد بس خمس دقايق. 
زفرت نفسها وأومأت بقبول.. انشرح قلبه وتبسم وهو يُشير لها بالذهاب نحو إحد الطاولات
سحب لها المقعد،جلست ثم جلس بمقعد قريب منها قبل أن يتحدث تحدثت هي بإستفسار: 
قبل ما نتكلم فى أي موضوع، أنا شوفتك واقف مع عهد مرات فاروق أخويا عندنا فى البيت واضح إنك تعرفها قبل كده. 
تذكر قائلّا: 
أيوه فعلّا قابلتها قبل كده مرتين صُدفة. 
تهكمت يارا قائلة: 
قابلتها صدفة ولسه معلقه فى دماغك. 
فهم تلميح يارا وسرد لها اللقائين ثم تحدث ببساطة: 
أظن جاوبتك على سؤالك، ممكن بقي أعرف قرارك  على طلب الارتباط. 
نهضت واقفه بغرور قائلة: 
لما أخد القرار بابا هو الللى هيببلعك بيه.  دلوقتي لازم أمشي عندي حاجات مهمه لازم أنجزها. 
نهض هو الآخر بتسرع مسك معصمها 
قائلًا بهدوء حاول أن يجعله عاديًا:
يارا… القرار مش هيكون لباباك لوحده. القرار في الأول والأخير ليكِ إنتِ.
سحبت يدها من يده بقوة،  ولم تلتفت إليه، فقط شدت كتفيها قليلًا وكأنها تستعيد تماسكها، ثم قالت بنبرة جافة أكثر من قبل رغم محاولتها إخفاء ذلك:
وأنا لما أقرر… هتعرف.
قالت ذلك وإنسحبت من المكان تركته، ينظر في أثرها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة تحمل تحديًا خفيًا وهمس لنفسه:
 واضح إن الحكاية مش سهلة… بس برضه مش مستحيلة.
جلس ببطء على المقعد، وأسند رأسه إلى الخلف، وعيناه تلمعان بذلك الإصرار الهادئ الذي يسبق المعارك الحقيقية…ليس معركة لإقناعها فقط…
بل معركة ليعرف لماذا أصبحت هي بالذات، دون غيرها، تشغل كل هذا المكان في قلبه.
بينما يارا، صعدت الى سيارتها إنطلقت سريعًا 
تقود بسرعة أكبر من المعتاد، كأنها تهرب من شيء يلاحقها من الداخل... 
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة، وتمتمت بضيق خافت:
مالك يا يارا… ايه هيرجع كلامه المسهوك يأثر فيكِ. 
لكنها لم تجد إجابة…وكان ذلك السؤال أخطر  كل الأسئلة.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام 
ظهرًا 
بالجامعة 
اثناء شرح كنان لأحد المسائل، صدفة رفع رأسه
طافت تلك الشعثاء أمام عيناه،أو هكذا ظنها طيف...زفر نفسًا طويلًا محاولًا طرد ذلك الخيال العابر من رأسه، ثم أعاد تركيزه سريعًا على للشرح وكأن شيئًا لم يكن... 
أمسك القلم بثبات مصطنع، وأكمل شرح الخطوات بنبرة هادئة، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا… هنالك شيء خفي يتسلل بين الأرقام والمعادلات، كأن حضورهـا المفاجئ اللى خياله أربك ترتيب أفكاره... 
توقف أحد الطلاب ليسأله عن خطوةٍ لم يفهمها، فالتفت إليه كنان فورًا، ممتنًا لهذا السؤال الذي أعاده إلى أرض الواقع... 
شرح المسألة مرة أخرى بتأني، هذه المرة بتركيز أكبر، حتى انتهى وهو يربت القلم على حافة المكتب في حركة لا إرادية اعتادها حين يفكر بشيء يشغله... 
وقبل أن يخفض رأسه إلى أوراقه…
تحرك بصره دون قصد نحو آخر القاعة.
وهناك…كانت المفاجأة حقًا لم تكِن طيفًا هذه المرة... كانت تقف فعلًا، مترددة بالقرب الباب الخلفي  كأنها  تحسم قرار الخروج مع زملاؤها... 
عيناه ثبتتا عليها لثانية أطول مما ينبغي، ثم شد ملامحه سريعًا وأدار وجهه إلى أحد الطلاب يسأله عن ايتفسار ، حاول أن يستعيد صرامته المعتادة أمام طلابه.
لكن قلبه كان قد سبق كل محاولات التماسك…
وخفق بتلك الدقة المؤلمة التي لا يخطئها... وهو يتيقن أن خيال المآته إحد طُلابه... يسأل عقله كيف لم يلاحظها سابقًا. 
❈-❈-❈
مساءً
بالمقر 
خلع محسن نظارته الطبية، وترك العمل على حاسوبه... إتكئ بظهره على المقعديتنفس بهدوء وهو يُمسد على عينيه، شعر ببعض الإرهاق.... 
لكن سرعان ما  صدح رنين هاتفه، جذبه من فوق المكتب سرعان ما خفق قلبه وتبسم وهو يجذب الهاتف بلهفة غريبه عليه حين علم هوية من تتصل عليه. 
بينما بمنزل والدة رابيا 
ابتسمت والدتها بسخرية قائلة: 
برضوا محسن لسه مصمم إن البنات ميجوش هنا.
أجابتها: 
خلاص يا ماما الموضوع ده إتكلمنا فيه كتبر، لما تحبي تشوفيهم بيت عمتي مفتوح فى أي وقت. 
تهكمت والدتها بنزق، ثم تحدثن بأمور كثيرة.. 
حتي آتي بهما الحديث الى ذلك الماضي التي دائمًا ما تلوم نفسهاعليه... 
تحدثت والدة رابيا كالعادة باستهجان: 
هتفضلي خايبه طول عمرك...لو مش أنا اللى خططت ودبرت كان زمانك عايشه عالاطلال أو متجوزة موظف زي أختك، بدل ما تشليها مني، جِميلة، شيلاها على صدرك. 
نظىت لها رابيا قائلة: 
قصدك شيلاها ذنب إني وافقت وشاركتك فى المؤامرة. 
فجأة صمت الإثنبن حين سمعن صوت نحنحة، نظرن نحوها وجدن 
والد رابيا ومحسن لجانبه. 
❈-❈-❈
ليلًا بشقة والد عهد 
دلفت مسرعة وهي تسأل بلهفةٍ واضحة:
ياسين فين. 
أجابتها والدتها بهدوءٍ ممزوج بسؤال:
 نايم… إيه آخرك كده النهارده. 
خلعت عهد ثوب العمل الخاص بالمضيفات وهي تقول بإرهاقٍ ظاهر:
الطيارة اتأخرت في الإقلاع.
تنهدت ميرفت بضيق، ثم قالت بنبرة لا تخلو من لوم:
مش عارفة إيه اللي غصبك على الشغل ده… خدي أجازة من غير مرتب وارتاحي شوية.
نظرت إليها عهد وهي تبدّل ثيابها سريعًا، ثم تحدثت بحسمٍ اعتادت عليه:
 اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده… أنا ما بحبش قعدة البيت، وكمان أنا مش تعبانة من السفر.
ثم أغلقت أزرار ثوبها الآخر وتحدثت بنبرة استعجال:
يلا… أنا خلصت تبديل هدومي هاخد ياسين وأمشي.
توقفت ميرفت عن الحركة، والتفتت إليها بقلقٍ حقيقي هذه المرة قاىلة بحنان:
— تمشي فين دلوقتي يا عهد  إتعشي الأول وبعدين ياسين نايم.
انشغلت عهد بجمع شعرها خلف رأسها في حركةٍ سريعة، قائلة:
مش جعانه،أكلت فى الطيارة.
خرجن من الغرفة توجهن الى الغرفه الأخرى سريعًا جلبت عهد معطف صغير وقامت بوضعه فوق ثياب ياسين،وهو مازال غافيًا ثم حملته،بنفس الوقت تلاقت مع والدها تبسم لها بخفوت،إقتربت منه وهي تخمل ياسين وضعت قبلة على وجنته قائلة:
تصبح على خير يا بابا.
اومأ لها بغصة قوية فى قلبه قائلًا:
باتي هنا و...
قاطعته:
مش هبنفع،عشان باص الحضانه متعود ياخد ياسين من هناك...تصبح على خير.
تنهد توفيق بقلة حيلة قائلًا:
وإنتِ من أهله،خلى بالك من الطريق وبلاش تسوقي بسرعة.
أومأت له وهي تغادر... بينما 
ظل القلق معلقًا في عيني ميرفت تتنفس بقلب يبدو هادئًا من الخارج،
ومضطربٍ على نحوٍ لا يراه أحد غيرها. 
بعد وقت بـ  منزل الدباغ
ترجل فاروق من سيارته، بنفس الوقت نظر خلفه حين سمع صوت سيارة، سُرعان ما سأمت ملامحه وهو يرا سيارة عهد تقف قريبًا، ثم ترجُلها من السيارة وحملها لـ ياسين، الذي يبدوا غافيًا.. نظر الى ساعة يده لاحظ تأخر الوقت، ظل واقفًا الى أن إقتربت منه لم يتحدث،رغم غضبه أشار لها بيده لتسبقه الى الداخل... صعدا مباشرة الى شقتهما.. فتح فاروق الباب ثم تجنب لها...ذهبت مباشرة الى غرفة نومها مع ياسين، ذهب فاروق خلفها توقف حين وضعت ياسين بفراش، ونزعت عنه ذلك المعطف الثقيل،تنهد بضيق وسأل بنبرة استياء واضحة: 
إيه أخرك لدلوقتي الساعة داخله على عشره. 
أجابته بهدوء: 
عادي الوقت مر بدون ما أخد بالي. 
جواب بارد منها 
نظر إليها للحظات دون أن يرد، وكأن الكلمات احتبست خلف غضبه... شد فكه قليلًا، ثم تحدث بصوتٍ منخفض خالٍ من أي دفء:
 واضح إن الوقت بيعدي بسرعة جدًا… لما تكوني برّه البيت.
لم تلتفت إليه، فقط استقامت في وقفتها بعد أن تأكدت أن ياسين غارق في نومه، وعدلت الغطاء حوله بعناية زائدة… كأنها تتشبث بتلك التفاصيل الصغيرة هربًا من المواجهة.
أضاف فاروق ببرودٍ أشد، وهو ينظر الى ساعته 
:
 على الأقل كان ممكن تكلفي نفسك تبعتي رسالة… تطمني إنك لسه فاكرة إن عندك بيت ترجعي له.
رفعت عينيها إليه أخيرًا…
نظرة هادئة من الخارج، لكنها مُتعبة بعمقٍ لا تخطئه العين.
وتحدثت بصوتٍ خافت، خالٍ من الرغبة في الجدال:
 كنت مع ماما… وعادي الوقت مر بدون ما أحس. 
ضحك بسخرية قصيرة بلا ابتسامة قائلًا: 
 آه طبعًا الوقت بعيد  عن هنا بيمُر بسرعة. 
لم ترد ساد صمت ثقيل بينهما…
صمت يعرف الطريق جيدًا إلى هذا البيت، ويجلس بينهما كل ليلة دون استئذان.
❈-❈-❈
تمدد فاروق على فراشه يشعر بإرهاقٍ بدني… وكذلك إرهاق نفسي أثقل بكثير من أي تعب جسدي...وضع ذراعه فوق عينيه، كأنه يحاول حجب كل ما يدور في رأسه، لكن الأفكار كانها أصرت أن تُحجَب عن رأسه… تتسلل إليه واحدة تلو الأخرى، بصوت يشبه العتاب أكثر مما يشبه التفكير... لم يكن غاضبًا منها فقط…
كان غاضبًا من ذلك العجز الذي يشعر به كلما حاول الاقتراب منها فتبتعد خطوة، أو يمد يده بالكلام فترد بالصمت... 
زفر نفسًا طويلًا، ثم التفت برأسه نحو الجهة الخالية من الفراش، المفروض هذا مكانها الذي لم يعد يحمل سوى برودة الغياب، رغم أنهما داخل البيت نفسه... 
مدّ يده دون وعي، كأنه يبحث عن أثر لوجودها… ثم سحبها سريعًا حين لم يجد شيئًا سوى الفراغ... 
أغمض عينيه بقوة، لكن صورتها لم تغب…
نظرتها المتعبة… صوتها الهادئ الذي يخفي وجعًا لا تقوله… وإصرارها الدائم على الهروب بدل المواجهة.
همس لنفسه بصدقٍ موجع:
عهد... أنا مش عايز اخسرك… كمان مش عارف أوصلك إزاي.
ظل مستلقيًا بلا حركة، يحدق في سقف الغرفة المظلم،بين رغبةٍ في أن يذهب إليها الآن…
وكبرياءٍ يمنعه من أن يكون هو من يخطو الخطوة الأولى كل مرة...وها هي  ليلة أخرى تبدأ بين قلبين يسكنان تحت سقف واحد…
لكن تفصل بينهما مسافة أبعد من أي طريق.
رغم ذلك الارهاق لكن نظر  فاروق نحو باب الغرفة الموارب...
كأنه شعر بغفوة..وتردد الى رأسه موقف ليس ببعيد...
وسمع همس فرح وهي تُردد إسمه... قبل فترة وجيزة من إكتشافه لمرضها الأخير... 
-فاروق
توقف قبل أن يخرج من الغرفة، إستدار مُبتسمً، حين إقتربت منه، إندهش حين وقفت أمامه وبلا خجل رفعت يديها تطوق بهما حول عنقه تعقدهما معًا، بتلقائيه تبسم، لكن فوجئ حين رفعت جسدها تقف على أطراف أصابع قدميها، وقامت بتقبيل شفتيه
تجمد للحظة… ليس لأن القبلة أدهشته بل لأن جرأتها باغتت قلبه قبل عقله... 
اتسعت عيناه بدهشةٍ قصيرة، ثم لانت ملامحه شيئًا فشيئًا، وكأن تلك اللحظة أذابت ما تبقى من حذر كان يتشبث به...
لم تطِل القبلة… كانت خاطفة، مرتجفة، تحمل ارتباكًا أكثر مما تحمل يقينًا.. 
لكن أثرها ظل معلقًا بينهما، ثقيلًا بما يكفي ليمنع الكلمات من الخروج... 
ابتعدت ببطء، وما زالت يداها حول عنقه، أنفاسها متسارعة، وعيناها تتهربان من النظر إليه مباشرة، كأنها فجأة تذكرت خجلها الذي نسيته قبل ثواني
أما هو… فلم يتحرك... ظل ينظر إليها بصمت طويل، صمت لم يكن فراغًا، بل امتلأ بأسئلة ومشاعر لم يعترف بها من قبل... 
همس أخيرًا، بصوتٍ خافت اختلطت فيه الدهشة بالحنان:
إنتِ عارفة بتعملي إيه. 
ارتعشت شفتيها بابتسامةٍ صغيرة، نصف شجاعة ونصف خوف، وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
أيوه… عارفة أنا بعمل ايه مش ندمانة... فاروق أنا مراتك وده من حقك. 
فهم معني إقترابها منه بهذا الشكل الحميمي كذالك حديثها... هي ترغبه كزوج... 
عندها فقط… تنفس بعمق، كأنه لم يتنفس الهواء منذ زمن.
رفع يده ببطء، لامس وجنتها بحذر شديد، حذر رجلٍ يخشى أن يوقظ لديها حلمًا جميلًا لو اقترب أكثر... لبعض الوقت... وبعدها هي من ستتألم 
تحدث بنبرةٍ تغيرت تمامًا:
المشكلة… إني أنا كمان مش ندمان... إني إتجوزتك يا..... يا فرح... صدقيني... 
قاطعته قبل أن يسترسل كلامه وضعت يدها فوق فمه.... تعلم أنه سيخبرها أن هذا الشأن الحميمي لا يفرق معه... صحتها أهم... صمت وهي أزاحت يدها وعادت تُقبله... تقبل قبلتها بادلها بهدوء حذر... ثم ترك شفاها 
ساد الصمت بينهما من جديد…
لكن هذه المرة، لم يكن صمت تردّد…
بل صمت بداية... 
بداية لإظهار ضعفها التي خذلها تحمُل جسدها... لم تستطيع مجابهة حتى القليل من جموح مشاعره كزوج... بهذا الوقت الحميمي 
خذلها الألم الذي عاد ينهش جسدها بضراوة، وهو لم يُظهر أي إستياء بل ضمها لصدره، يضع قُبله فوق رأسها بصمت، إحتبست دموع عينيها، بضعف داخل مُقلتيها... لوهلة رفعت رأسها  وبعقلها تردد أن تبيح له بالزواج من أخرى قادرة على إعطاءه ما 
…قادرة على إعطائه ما حُرِمت هي منه.
ارتجفت الفكرة داخل رأسها كهمسٍ مُؤلم،
وتكسرت الكلمات على شفتيها قبل أن تولد…
كيف لامرأةٍ تُحبه بهذا العُمق أن تسمح لغيرها أن تشاركه قلبه
وكيف لأنثى مُنهكة الجسد أن تحبسه داخل حرمانها 
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تُحارب دمعةً عنيدة،لكن صوته سبق دموعها…
صوت هادئ، دافئ، يشبه يدًا تُربت على قلب مذعور:
إوعي… حتى تفكري تقولِي الكلام ده.
رفعت عينيها إليه ببطء،
فوجدت في نظرته شيئًا لم تره من قبل…
لم يكن شفقة…ولا واجبًا…
بل يقينًا خالصًا، كأنها اختياره الوحيد الذي لا يُراجع نفسه فيه... أكمل وهو يُشدد احتضانها برفقٍ يخشى أن يؤلمها:
"أنا ما اخترتِكيش علشان لحظة…ولا علشان حق زوج…أنا اخترتِك علشانك إنتِ…
بوجعِك… بضعفِك… وبقوتِك اللي بتستخبى جواكِ. 
انكسرت دمعتها أخيرًا،لا دمعة ألم هذه المرة…
بل دمعة نجاة.
همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
طب ولو فضلت كده…
ابتسم ابتسامة صغيرة،
تلك التي لا تُرى بالعين… بل تُحَس في القلب،
وقال بهدوءٍ يشبه الوعد:
هفضل جنبِك…وده يكفيني يا فرح. 
سكنت بين ذراعيه كطفلةٍ وجدت بيتها بعد تيهٍ طويل،أغمض عيناه بقوة، فهو ليس قديسًا، لكن قلبه لم ينبض سوا، لامرأة مُحرمة عليه.. 
كأنه سمع صوت فتح باب الغرفة فتح عيناه 
نظر نحوه كان ساكنًا تنهد بعذاب، ماذا ظن، أن تأتي إليه عهد... ذلك مستحيل... 
إستقام جالسًا للحظاتت قبل أن ينهض وبتلقائية سار خلف رغبة قلبه، الى تلك الغرفة فتح الباب بهدوء، ثم دلف مجرد خطوات نظر نحو عهد التي تبدوا غافية، لوهلة فكر فى حملها وأخذهت معه الى غرفته... فقط لتنام بجواره يشعر بها قريبة.. لكن تراجع وهو يُزفر نفسه وعقله يعقد مُقارنة بين امرأة عشقته، وامرأة هو عشقها... 
والمقارنة محسومة بقيد جليدي بقلب عهد من ناحيته. 
لم يتردد وخرج من الغرفة بهدوء مثلما دخل
بنفس الوقت تنفست عهد بقوة تسحب هواءً لصدرها، لو ظل فاروق للحظات كانت إختنقت أو تنفست وعلم أنها مُستيقظة ككل ليلة تشعر به يدلف الى الغرفة... فتحت عينيها هنالك إحساس بدأ يتوغل فى قلبها 
هو العطف أو هكذا تظن، او ربما ذلك الشعور غير موجود، ربما ذلك مازال من تأثير ذلك اللقاء الحميمي الذي حدث بينهما منذ أيام.. مجرد إرتباك فى عقلها الذي بدأ يستوعب فكرة أنها أصبحت  زوجته قولًا وفعلًا، وهذا لم تُخطط له.. وضياع وغشاوة أصبحا يغزوان حياتها، لا تعلم كيف ترا بداية طريق النجاة من ذلك التشتُت الذي ينهش مشاعرها. 
«يتبع» 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا 
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا