رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5 بقلم ايه محمد رفعت
رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5
رواية اشباح المخابرات الفصل الخامس 5
تحكم بالقيادة ببراعةٍ لا تخص سواه، إن كنت ترى صعوده بالطائرة ببطء على سفح العمارة كأنها إنسان يتسلق بمهارةٍ ستفرك عينيك من هول ما تراه ولن تصدق الأمر بالنهاية، وإذا به يقتبس نظرة لمن تتجه للصندوق الموصود، تتسلح بأسلحتها المفضلة، وهي تشم عبيرها باشتياقٍ جعل "زين" ببتسم بسخريةٍ اتبعت نبرته:
_على السادة الركاب التمسك بالمقاعد عشان متتقلبيش برة في ساحة العدو قبل ما نديله القلم!
منحته نظرة قوية وقالت بثباتٍ لا يليق سوى بالرجال:
_متقلقش عليا، كمل طريقك يا شريك.
رفع المقبض وهو يهتف بسعة وترحاب:
_لقد تم التحذير بنجاح!
عادت الطائرة لوضعها الطبيعي، تحلق فوق سطح المبنى ولم تلفت الانتباه لها في ظاهرة لا تحدث الا على يد شبح
محترفٍ من فريق أشباح المخابرات!
وكأنه جان اختفى بالطائرة ثم ظهر بها فجأة فوق سطح المبنى، بينما ينفتح بابها وتظهر "قدس" بأسلحتها المدببة، تستهدف المجموعة المحاصرة لحماية سطح البناية، تسقط واحدًا تلو الآخر بسرعةٍ متمرسة، لدرجة جعلت "زين"
يسترخي في جلسته وهو على أتم الثقة فيما ستتمكن من فعله.
ومع سقوط آخر جثمان قفزت على سطح المبنى، تلتقط إشارة "مرين" بابتسامة مستمتعة، فأتجهت لذلك الكهف المجوف الخاص بالتكييفات، الحامل لبصمة الروج، والتي تتخذها كلتاهما كإشارة متبادلة بينهما لكرههما الشديد لمستحضرات التجميل.
كسرت الغطاء الخارجي، وتطلعت للانبوب الداخلي، فوجدت الصغير بالداخل مثلما توقعت، دست سلاحها الكبير للخلف حتى لا تخيفه ومدت ذراعيها تلتقطه وهي تخدعه بابتسامتها الرقيقة:
_لا تخف يا صغير، لقد أرسلنا أبوك إليك.
تلك الفتاة ملامحها البريئة تخدع القديس، هيئتها الخارجية لا تربطها بأي صلة بأجرامية أفعالها، حملته وعادت للطائرة، تضعه على المقعد وتلف الحزام من حوله، ثم استدارت تسلط سلاحها على الباب الرئيسي الذي يعد المدخل الوحيد للسطح العلوي، متسائلة بجمود:
_المفروض أنهم يخرجوا أمته؟
أجابها ذلك المستند برأسه للخلف باسترخاء:
_إديهم دقيقة يفضوا خناقتهم، وهيشرفونا، وبعدها ب30ثانية هيشرفنا أربع أو خمس أوغاد من مجموعة الدور الخامس، بسبب عناد مروان أشطا.
سحبت سلاحها الاضافي وقالت مبتسمة:
_تعند براحتها أنا جاهزة وفي استقبالهم.
فتح زيتونته وردد بتهكمٍ:
_محدش بيخلص الفنش الأخير من المشهد غير ياسين ومروان أشطا!
*****
كل لفظ خرج عن لسانه تحقق بالنص، ثلاثون ثانية واكتظمت الطوابق بعدد غفير من الرجال، بعد أن كشفوا الفخ، ولاحظوا اختفاء الصغير، هرولوا جميعًا لسطح البناية، بينما تركض "مرين" ومن خلفها "ياسين" للاعلى.
دفعت "مرين" الباب بيدها المصابة، وقد تناست أمرها، فضمتها لصدرها وهي تعتصر وجعها بصمتٍ، زاد من غضب "ياسين" الذي اعتصر نواجذه التي تحركت خلف خده بعصبيةٍ مفرطة، طبقها على الباب الخشبي الشبه متهالك، فدفعه عنها دفعة قوية أسقطته للخلف بقوة أفزعتها.
مرت "مرين" تسرع بخطواتها تجاه الطائرة، التي ارتفعت عن السطح فور أن رآهما "زين"، واستعد للاقلاع فور ان تلقى إشارة تنبيهية من" ياسين" بالقادم من خلفهما.
ركض كلاهما صوب باب الدخول، فانسحبت "قدس" لان الأمر سيتطلب من كلاهما القفز عاليًا، وبالفعل نجح "ياسين" بالقفز داخل باب الطائرة المفتوح على مصرعيه، واستدار يلتقف "مرين"، أمسك حزام أسلحتها جيدًا ومازال جسدها يتدلى للخارج، بينما وجهها في مقابله، رفع عسليته عنها إلى مدخل الباب، ثم عاد يتعمق بعينيه يقدم إشارة سريعة لها، في نفس وقت لفظه الخشن:
_زيــن!
لحظة مصيرية، أتخذ بها أعضاء الفريق طريقًا مشتركاً يحفه الانسجام الذي جعلهم من أفضل فرق المخابرات، فاذا ب" مرين" تسحب سلاحي ياسين المحاطان لخصره، وتستدير بجسدها للخلف في مواجهتهم وهي على ثقة بأنه لن يترك الحزام المتحكم بجسدها، تحقق إشارته وأمره الصامت في نفس لحظة تلقي "زين" اشارته، فأدار الطائرة لتكن وجهتها الامامية قبالة طلقات النيران التي أمطرت فجأة عليهم، يقدم وجهة آمنة عن جسد "مرين"، ويسدد مدفعيته تجاههم.
نجح بأن يستهدف المدخل، بينما تسدد" مرين" اصابات مباشرة تصيب منتصف الرأس دون رجعة، لم تحصد أي اصابة سطحية أبدًا، بل تبدي كل مرة استحسان وتقدير مدربيها، حتى تمكن "زين" من الارتقاء بهم والابتعاد عن المبنى كليًا مسددًا قنبلة هبطت على سطح المبنى أدامته، وقد تمكنت زرُقة عينيها من التقاط المشهد برمته فمازالت تترنح خارج الطائرة، إلى أن سحب "ياسين" الحزام بقوة، فتهاوى إليه جسدها وخصلاتها تتحرر من أسفل قبعه جاكيتها الاسود، تميل قبالته وأعينهما في اشتباكٍ ضاري!
رأت فيه "مرين" فخرًا بما فعلته منذ قليلٍ، بل ومدحها بصوتٍ منخفض بينما ينسحب لمقعده المخصص جوار رفيقه:
_قناصة درجة أولى عنيدة هانم!
راقبته وهو ينسحب بهدوءٍ بعدما أحدث فيها معركة بعثر فيها ثباتها، وكأنه يتعمد أن يؤدي بها لصورة مكتملة داخل اطارها طفيف من التفاهم اللحظي والسريع المتبادل بينهما!
أفاقت على ضمة "قدس" لها، وهي تردد بشوق:
_وحشتيني أوي يا ميري!
أحاطتها بقوةٍ وابتسامة مشرقة تحتل ثغرها:
_عرفت إنك حاضرة من أول ما بدأتي عزف بعد الاشارة.
ابتسمت بمكرٍ ساخر:
_طبعًا حضوري مميز.
وأضافت وهي تضحك رفقتها:
_كان ورايا حفلة طبخ بس غيرت النية وعقدتها على حفلة أسلحة ورصاص!
جلست كلتاهما جوار الصغير، بينما بالأمام يهتف "زين" وعينيه لا تفارق طريقه:
_حمدلله على سلامتك يا شريك، تصدق أني أفتقدتك الساعتين اللي عدوا دول.
لم يجيبه "ياسين"، بل كان يتطلع أمامه بشرودٍ، ومشهد ضرب هذا الرجل لها لا يفارقه، قبضة يده تئن ألمًا من فرط اعتصارهما لبعضها البعض.
راقب" زين" كل حركة صادرة عنه، ثم أشاح بصره عنه وتمتم ساخطًا:
_عاملها مروان أشطا!
*******
تقلب في فراشه بانزعاجٍ، وهو يستدعي النوم إليه، فاذا به يبرق بدهشةٍ حينما وجد أخاه يجلس على المقعد المقابل إليه، يتطلع له بصمتٍ خبيث، وهو يضع ساقًا فوق الآخرى، زم "مراد" شفتيه بحنقٍ، وأعتدل بمنامته يجذب قميص بيجامته، يرتديه ومازال يقابله بنزقٍ، جعل "رحيم"يهدر بسخرية مضحكة:
_في حد يقابل أخوه بنظرة الكراهية دي، إيه جاي أقبض روحك أنا!
زوى حاجبيه باستنكارٍ، وجابهه:
_لا سمح الله، جاي بس تقلق منامي أكتر مهو هربان.
ورسم ابتسامة مغتصبة:
_سيادة الفريق جاي لحد هنا ليه؟
اتسعت ابتسامته وردد بتشفي:
_فريق أول لو سمحت!
احتقنت زرُقتاه بغضب أتبع صوته المتعصب:
_عايز إيه في يومك ده يا رحيم، وإنجز عشان مش فايقلك.
حل ساقيه وسحب مقعده يقربه من الفراش، ثم قال:
_هو إنت هتفضل في الحالة دي كل ما مرين تطلع مهمة؟ إنت المفروض تكون واثق في زين وياسين، طول ما هي معاهم مستحيل حد يمسها بأي أذى!
تنهد بوجعٍ فشل باخفائه ونطق بحزنٍ:
_غصب عني، مبترحش من بالي لما بتبعد عني، هي بالذات بخاف عليها بشكل مرضي، يمكن لإني عارف دماغها ناشف وعنيد إزاي، وخصوصًا قدام زين وياسين.
وأبلغ أخاه بما يضيق صدره:
_مرين عايزة تثبت نفسها وعشان تعمل ده مستعدة تتخلى عن أي حاجة، حتى لو كان الحد ده اللي بسعى يكون شريك حياتها.
ابتسم" رحيم" وقال بنبرة لطيفة:
_ده على كده بقى فاتني كتير، هو إنت قبلت عرض ياسين باشا الجارحي ولا إيه؟
تبسم ساخطًا وهو يقول:
_ما إنت عارف إني قابل بعرضه والأولاد صغيرين وبيدرسوا لسه.
وهدر بانزعاجٍ:
_وبعدين موافقتي مش هتقدم ولا هتأخر، للأسف الرأي الأول والأخير لمرين.
أجابه "رحيم" بثقة:
_دي تسبها لياسين نفسه، دي حربه هو ومجبور يكسبها.
وأضاف "رحيم" بغرور:
_بنتي مش زي أي بنت، لو هو بيحبها فعلًا لازم يقبل إنها تكون جنبه مش وراه زي مهو أتعود جوه قصر الجارحي.
أرتخى رأس "مراد" وصفن قليلًا يحسب كلمات أخيه، ثم قال:
_صعب حد يتقبل ده يا رحيم، إنت نفسك بشخصيتك دي متقدرش تتقبل ده، إنت أخدت إنك تواجه الدنيا بصدرك وشجن متحامية في ضهرك، وأنا خوضت حروب كتيرة وحنين بتتحامى فيا، فمعتقدش إنه من السهل يقبل بكده وخصوصًا بشخصية زي شخصية ياسين.
وأسترسل ضاحكًا بجاذبية لم يفقدها بعد:
_ياسين يشبهك أكتر من زين نفسه، وده راجع أنه واخدك قدوة ليه.
استمع لما قاله بوضوحٍ، ثم أجابه بمنطقيةٍ بَحْته:
_ وأنا قالب الدنيا على شجن وسيادتك خفيها عني مكنتش على علم بإيه اللي اتغير فيها، بس كنت مستعد أتقبلها بأي شكل كان.
كبت ضحكته بصعوبة على انعكسات ملامحه وهو يسدد اتهامه المغتاظ منه، بينما يستطرد "رحيم" :
_وإنت حبيت حنين على هذا الوضع، محاولتش تغير فيها حاجه بل بالعكس إتأقلمت عليها وهي كده.
واستكمل بجدية وحزم:
_مرين مش مضطرة تتغير عشان حد يا مراد، لو هو حاببها ومتقبلها على هذا الوضع أهلًا بيه، عايز يغير فيها عشان تليق بيه فأعتقد أن الطبقة المخملية فيها ألف بنت تليق بيه حتى لو إختار واحدة من عيلة زيدان أنا معنديش مانع لأني بالنهاية بعز ياسين وبتعامل معاه زي زين بالظبط.
ضحك رغمًا عنه وهو يصحح له:
_لا مفيش حد بيتعامل معاملة زين!
ضحك هو الآخر وقال وهو يطالعه بنظرةٍ ماكرة:
_بالعكس محدش بيعرف يتعامل معاه غيري، زين شارب منك الشكل الظاهري بس من جواه طالعلي أنا، ولعلمك عمره ما هاب حد حتى أنا!
ونهض يزرر جاكيته وهو يخبره بخبث:
_والدليل إنه كسر كلامي وفي اللحظة اللي بكلمك فيها دي!
*****
منذ عودتها من المشفى، أغتسلت وأدت فرضها، ثم جلست على فراشها وهي ترتدي بيجامتها الستان الوردي، ذات الأكمام الطويلة، ترتشف من مشروب أبيها المفضل، الذي يساعدها على الاسترخاء بفضل النعناع المنعش الذي يذوب داخل محتوياته، بينما تقرأ كتابها الخاص قبل النوم.
فإذا بصوت طرقات خافته تستحوذ على انتباهها، أبعدت "مارال" الغطاء، ونهضت تتبع الصوت، فوجدته يأتي من شرفتها الخارجية، أبعدت الستائر وخرجت، فإذا بها تراه يقف قبالتها بشموخ، وهو يدير لها ظهره حتى لا يثير غضبها أو احراجها منه، نادته بخفوتٍ وعدم تصديق:
_زين!
قال ومازال يدير لها ظهره، رغم توقه لرؤيتها دون حجابها:
_إلبسي إسدالك، معيش وقت كتير!
انتبهت جيدًا لهيئتها، فعادت سريعًا إلى غرفتها ترتدي اسدال صلاتها الموضوع جوار سجادتها المخصصة بركن الصلاة، وحينما عادت وجدته يقف نفس وقفته ولكن وهو يتطلع لها بعدما استدار بهدوءٍ، طالعته بارتباكٍ من وجوده بهذا الوقت وبتلك الطريقة، همت إليه تتساءل:
_حد يعرف أنك هنا؟
ضيق عينيه ينفي، ورنا إليها مبتسمًا:
_محبتش أمشي من غير ما أصلح غبائي اللي سقط مني بالمستشفى، جيت أمسحه كويس عشان متتكعبليش فيه وتوقعي.
وأضاف وزيتونية عينيه تطالعها بحبٍ:
_ولو وقعتي هتتوجعي وأنا مبيجيش من قلبي تتوجعي!
تلونت بشرتها بحمرة خجلها، ومع ذلك واجهت ما يعتريها وقالت على استحياء:
_عمرك ما عملت اللي يوجعني يا زين، أنا بس بخاف عليك إنت من غضبك، لكن أنا واثقة أنك عمرك ما هتأذيني، إنت بتهتم لأذية مشاعري فهتسبب أذى ليا ازاي؟!
وأضافت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، عسى أن تستلهم قوتها:
_بس لو غيرتك تخف شوية هتبقى كيوت أوي.
ضحك بصوته الرجولي، وهدر ساخرًا:
_الجملتين مش راكبين مع بعض يا مارلا!
أشار لها أن تقترب من الطاولة البلاستيكة الموضوعه بالشرفة، بعدما احتل أحد مقاعدها، فاقتربت بتردد، برز بنبرتها:
_زين أنا مش حابة إنك موجود في أوضتي في وقت زي ده، ومش حابه أقعد.
طالعها بنظراتٍ دافئة، ووضع كفه على الطاولة يشير لها بوجعٍ مصطنع:
_أنا جاي عشان جرحي نزف تاني!
رق قلبها وتمعنت بالضماد الذي تلوث بالدماء، هرعت إليه تتفحص كفه وتناظره بغضبٍ:
_عملت إيه تاني عشان ينزف بالشكل ده!
أزاحت الضماد وطالعته بعصبية لحقت صراخها الحانق بعدما رأت تضرر كفه:
_ما أنت السبب فيه، كل ما تتنرفز مني تجرح نفسك!! بترتاح لما بتشوف الدم؟؟
تعمق بعينيها وردد:
_راحتي إنك اللي داويتي جرحي، ده هيساعدني أتخطى المشهد اللي المفروض يكون طبيعي بس بالنسبالي مكنش كده خالص.
وغمز بمشاكسةٍ جعلتها تطالعه بصدمة:
_أنا آخر حالة عالجتيها من صنف الرجال بذمتك مش كده أحلى؟
نصبت عودها وهي تهز رأسها بصدمة لحقت قولها:
_إنت مش طبيعي!!
قال ومازال يحتل الطاولة:
_أنا طبيعي جدًا بس مجنون في حبك، وغيرتي هتتسبب في قتلي في يوم من الايام.
زفرت بغضب، واستدارت تعود لغرفتها، بينما يجلس هو محله، يتطلع داخل الغرفة من محله القريب منها، ابتسم وهو يراقب صورهما معًا تحتل الحائط المقابل له، أكثر من ثلاثون صورة صغيرة موزعة على طول الحائط، جميعها تخص مراحل طفولتهما، عشقهما لم يكن بمرحلة المراهقة فقط بل بُني أساسه منذ نعومة أظافرهما!
ظهرت فاتنته على باب الشرفة تعود حاملة حقيبتها السوداء، فأخفض بصره وقد شرد بكل ذكرى جمعتهما، بينما تجذب هي المقعد المقابل له، وتضع الاغراض من أمامها، ثم بدأت بتقطيب الجرح ومازال يشرد هو بصمت والحزن يتجول على ملامحه، فيما يخص معركته.
انتهت مما تفعله، فلاحظت أنه مازال يفرد كفه حتى بعدما انتهت مما تفعله، على ما يبدو بأنه شارد كليًا عنها، نادته مارال بقلقٍ:
_زين!
رمش تجاهها على الفور، فتساءلت بقلقٍ:
_وجعتك؟
جاهد ألا ترى سخريته في ابتسامته، على الاحرى لا تعلم بما يتعرض له في عمله، سحب كفه وقال:
_أبدًا، إيدك خفيفة جدًا يا دكتورة.
أبصرت ما يخفيه داخل زيتونته بوضوحٍ، فسألته بوضوحٍ:
_مالك؟!
تنهد بضيقٍ، ومال يستند على الطاولة بيديه، ثم قال بعدما سحب نفسًا مسموعًا لها:
_مارال أنا شاطر أوي في قراية لغة العيون، وفاهم كل إشارة بسيطة صادرة من الانسان اللي قدامي، فأنا واثق مليون في المية إنك بتحبيني زي ما بحبك وأكتر كمان.
ارتبكت قبالته وخشيت أن تطرق الامور بينهما، فقالت:
_عايز تقول إيه يا زين، ومن فضلك بلاش تلميحاتك دي، بتكسفني!
أحب ما على قلبه رؤيتها بتلك الحالة، ولكنه لا يريد الا الوصول إلى غايته، ففاه:
_أنا مببالغش في غيرتي عليكِ، وده وصلت ليه بعد تفكير.
طالعته بتيهةٍ فقال مبتسمًا:
_أنا بسبب نظرة الضيق والحزن اللي كنت بشوفها بعيونك إعتزلت لمة عيلة زيدان، لإني كنت بلمح غيرتك عليا لو بنت من بنات أعمامي هزرت معايا أو حتى كان بينا حوار عادي، ده السبب اللي مخليني مختفي عن أي تجمع، احترامًا لمشاعرك حتى لو كانت سطحية، فأنا ليا كل الحق في غيرتي عليكِ وواجبك تراعي النقطة دي زي ما أنا براعي اللي يضايقك ومبعملوش.
وطالعها بنظرة دافئة يسألها مبتسمًا بثقةٍ:
_هل أنا مستحقش ده منك يا مارال؟!
ارتبكت قبالته، فنهضت سريعًا تجمع أدواتها بالحقيبة وهي تردد:
_أنا غيرتلك على الجرح، وكده خلصت.
واستدارت تضع الحقيبة على المقعد، وهي تستطرد:
_كده هتتأخر على سفرك.
تقبل حياءها الشديد والذي اعتاد التعامل معه، نصب عوده وقال بخبث:
_مع إني عارف إنك بترتاحي في قربي ومبتحبيش هجري بس تمام، أنا بحررك لحد ما أنقل دبلتي من الأيد دي للتانية، وقتها مفيش أي فعل أو قول هيخليني أرحل الا بمزاجي.
ابتسمت رغمًا عنها، وتابعته وهو يستعد للمغادرة، فإذا به يصعد على حافة الشرفة مما دفعها أن تهرول إليه وهي تصرخ بفزع:
_زيـــــــن!!
استدار مبتسمًا وقال:
_قولتلك كذة مرة متخافيش عليا، زي ما طلعت هنزل.
هزت رأسها والدموع استحوذت عليها:
_إنت عارف إحنا في الدور الكام؟ انزل من فضلك.
ضحك رغمًا عنه وغمز لها:
_إنتِ محتاجة تيجي معانا اسبوع في صالة التدريب هتعرفي تقيمي قدرات جوزك المستقبلي.
وسحب سهمًا موضوعًا جواره ثم صوب طرفه على الشجرة القريبة منه والآخر للأسفل، ولف ذراعه من حوله، استدار يواجهها بابتسامته الجذابة وبحنان قال:
_لما تشوفيني بعد كده متتفزعيش، ولا تخافي مني أنا عمري ما أعرضك لوضع إحراج قدام أي حد، إنتِ عارفاني طايش أه بس عاقل، مجنون آه بس عاقل بردو، غيور بس عاقل عاشر ومليون لحد ما تسمعي كلامي وتعتزلي أي صنف رجالي إتولد على وجه الأرض الا أنا.
واستطرد مبتسمًا بشكلٍ أضحكها:
_أعتبريني الرجالة كلهم، اتعاملي معايا مرة على إني أخوكي ومرة على إني صديقك ومرة حبيبك وفي شغلك هعملك مريض!
وغمز مجددًا وهو يضحك بصوتٍ زاد من ضحكاتها:
_ وأنا وعد كل ما أتجرح هجيلك تداويني عشان يتكتب في شهادتك عالجت سيد الرجال كلهم!
وودعها بجدية تامة:
_خدي بالك من نفسك.
وفرد كفه يستعد فأسرعت تطرح محاولتها الاخيرة:
_ما تنزل من على السلم أحسن، هتقع يا زين!
تعمق بالتطلع لها وابتسامته لا تفارقه، ابتعد عن حافة الشرفة وبسط جسده للاسفل، ليهوى للأسفل وقامته شامخة، ضمت بكفيها وجهها بفزعٍ وخوف، وبتردد اقتربت من سور شرفتها، وهي تعلم أنه كالعادة سيختفي مثلما يظهر فجأة، ولكنه تلك المرة بقى ليطمئن قلبها بأنه على ما يرام، ثم غادر من أمامها واختفى مع أخر لمحات بصرها، بعد أن بدد ذكرى يومها السيء!
*****
كان يستند على جزع الشجرة، وبين يديه دفتره الصغير، وقلمه، يخطط بهيامٍ ما التقطته عينيه لأخر مرة، وفجأة توقف عما يفعله وهو يشعر بالحزن للذنب الذي يرتكبه، فترك رسمة عينيها دون أن تكتمل، ومضى يتفحص رساماته السابقة.
كانت تحتوي على رسومات عينيها، وتختلف عن سابقتها، لقد نجح في تجسيد نظرة عينيها الحزينة، السعيدة، المتحمسة، العاشقة، كل همسة صادرة منها.
اطبق "ياسين" على دفتره بغضب شديد، لا يقبل بتلك الذنوب الجارية التي يرتكبها ويده تتحرك في دفتره لترسم عينيها التي سقط غريقًا بها حد النخاع، أطبق على دفتره وكاد بتمزيقه ولكنه لم يتمكن من ذلك، أشمر عن ساعديه يراقب ذلك السوار المعدني الذي يحمل بمنتصفه رسمة عينيها المرسومة بخط يديه والتي وضعها بعناية بإطار مثقوب لتظل جوار وريده، كان يود لو يرتديه بسلسالٍ توشم جوار قلبه، ولكن كره أن يفعل كل المحرمات بسببها.
في تلك اللحظة لا ينتابه سوى السخط والغضب، كل مرة يحاول التقرب إليها تدفعه بكل ما فيها ليظل بعيدًا عنها، وليكن صريحًا مع نفسه لن يحتمل أن تكون نقطة ضعف في حياته، كان سيحميها وهي بعيدة عن هلاك مهماته، ولكنه لن يحتمل أن تكون جواره في ساحة المعركة، فإن خدشت سينخلع قلبه هو.
خرجت من الطائرة ويدها ملفوفة برباط ضغط قد وضعته لها "قدس" قبل رحيلها رفقة "زين" بالصغير، قفزت للخارج ورنت إليه فوجدته يطوي دفتره الصغير الذي لا يفارقه ويضعه بجيب جاكيته الاسود، ثم ينصب عوده بجمود تام، فإذا بها تسأله:
_هو زين إتاخر ليه؟ مش معقول كل ده بيوصل الولد؟
أجابها وعسليته منحرفة عنها:
_زمانه على وصول.
وأضاف بسخريةٍ لاذعة عسى أن تنطفئ نيران غضبه:
_إيه خايفة؟ المفروض بعد اللي عملتيه النهاردة تكوني أكثر ثقة في نفسك.
عبثت بعدم فهم:
_عملت إيه؟
قال ومازالت عينيه تتحاشاها:
_ضربك للرجالة.
أطبقت على أسنانها غيظًا من نبرته، وقالت تستفزه:
_تقصد دفاعي عنك؟
ضحك بسخرية ونهض يدس يديه بجيب جاكيته بينما يطالعها بنظرة ثاقبة:
_دفاعي عنك أو دفاعك عني مش هتفرق كتير، المهم إنك لما هترجعي هتعترضي على أي مهمة أنا أكون فيها.
وأضاف بفحيحٍ غاضب:
_زين ممكن يستحمل دلعك وعنادك بالنهاية هو ابن عمك، لكن أنا لا.
قالها وإنطلق صوب الطائرة، فلحقت به تخبره باندفاعٍ:
_مش إنت اللي تقرر أطلع ولا لا، الظاهر إنك نسيت إني عضو أساسي في الفريق.
رفع رأسه يطبق على أسنانه بغيظٍ ومازال يوليها ظهره، بينما تستطرد هي بوخزةٍ انتابتها فجأة:
_عمومًا أنا هعمل بنصيحتك ومش هطلع غير مع زين.
قالتلها وغادرت من أمامه تنزوي بعيدًا عن عينيه، ركل "ياسين" الحجر الصغير بغضب جعله كالذي جن جنونه، وخاصة حينما وجدها تجلس أمام المياه بصمتٍ وكبرياء.
****
رأسها مرفوع للأعلى بشموخٍ، وهي تقابل أمواج المياه الثائرة، ما حاجتها بوجود رجلٍ في حياتها يريد أن يراها بصورة النساء التقليدية، ترتدي الفساتين وتتحدث بنعومة، تظهر ضعفها في كل مواقف حياتها، تلجأ للبكاء أكثر من الحديث، لا ليست تلك الفتاة الهزيلة، ربما جسدها ليس بقوامة الرجال وليست تتشبه بهم، بل صنعت لذاتها شخصية مستقلة، تلك التي كان "رحيم زيدان" معلمها ومدربها الأول لن تنخضع لحبٍ يشدد قيوده حول معصميها، بل ستظل كما هي، شامخة لا ينكسر لها أنفٌ ولن تنحني، إن أرادها بحق عليه تقبلها كما تكون!
قتلت "مرين" حزنها الشديد، وتركت الهواء البارد يحرك خصلاتها الناعمة من حولها، بينما تقابله بابتسامةٍ دافئة، وجملته تُعاد لها
«_أهون عندي من إن الحقير ده يمد إيده القذرة عليـــــــــكِ! »
أفاقت من شروده حينما التقطت أذنيها صوت خطوات هادئة ترنو من خلفها، اعتادت أن تستقبل أذنيها أقل صوت من حولها مثلما علمها أبوها، اتسعت ابتسامتها حينما استشفت من هدوئها بأن عصبيته قد غادرته الآن.
جلس "ياسين" على الحجر المقابل لها، يمد يده لها بكوب من القهوة البلاستيكي، منحته نظرة شرسة قابلها بابتسامة هادئة وقال يشاكسها:
_مسؤولة مني طول ما أنا لسه مسلمتكيش للجوكر.
هاتفته بنزقٍ:
_عيلة صغيرة أنا!
بنفس الابتسامة الثابتة قال بمكرٍ أضحكها:
_لا بنوتة شطورة وعاقلة وبتسمعي الكلام جدًا.
تعالى صوت ضحكاتها وابتسامته تتسع وهو يراقبها، سحبت منه الكوب وهي تردد بتلقائية لم تخسرها مهما التزمت بدورها الحازم:
_كنت هموت من البرد، ميرسي!
راقبها بقلقٍ وقال:
_العفو..
وسألها بجدية تامة:
_تأخدي جاكيتي؟
طالعته بغرابة لقليلٍ من الوقت، ثم شاكسته ضاحكة:
_لا مش للدرجادي، القهوة هتدفيني.
وارشفت رشفة منها، فتوسعت مُقلتيها دهشة حينما وجدتها دون سكر، وطالعته، فارتشف من كوبه وقال بغرورٍ:
_تركيزي في تفاصيلك مبهر مش كده!
عادت تتطلع أمامها وهي تخفي ابتسامتها، فاذا به يتطلع ليدها بحزن لم يتمكن من إخفائه بسؤاله:
_إيدك بقت أحسن؟
تطلعت إلى يدها وأجابته:
_ سطحية جدًا.
هز رأسه بخفة وعاد يتطلع أمامه بصمتٍ، حتى انتهت من كوبها وفاهت بانزعاجٍ:
_على فكرة أنا عارفة زين فين؟ ومش حابة اللي بيعمله ده خالص.
تطلع صوبها وردد بخبث:
_طبيعي إنك متحبيش اللي بيعمله، إنتِ أخرك عزومة في صالة التدريب مع الجوكر أو الاسطورة، لكن حب وغرام والكلام ده معتقدش أنه واصلك!
احتقنت مُقلتيها غضبًا، وهدرت بانفعالٍ وهي تقف محلها:
_أنا مش ضد الحب ولا عندي مشكلة تجاهه، أنا بتكلم عن الطريقة نفسها، وياريت متستغلش كل ثغرة عشان تتكلم عننا.
نهض قبالتها يقابلها بهدوء:
_عننا! عننا مين؟! أنا وإنتِ متجمعناش في جملة صريحة عشان أتكلم!
ضحكت مستهزئة:
_ولا عمرنا هنتجمع طول ما نظرتك ليا كلها أنانية وعنصرية مريضة.
وألقت الكوب الفارغ أرضًا قائلة بشجاعة جعلته مندهشا من قوتها:
_طلعني من دماغك يا ياسين، إتجوز بنت من بنات أعمامك تكون رقيقة وزي كل البنات بالنسبالك متعرفش تعمل حاجة من غير مساعدتك، يمكن وقتها تحس برجولتك وأد إيه إن وجودك مهم وفارق معاها، مع إني أشك إنك هتكون مرتاح أصلًا.
ألقى كوبه غضبًا وصاح بعنفوان:
_أنا مش محتاج لواحدة تتحامى فيا عشان أحس إني راجل، أنا الرجولة إتعملت وإتفصلت على مقاسي، لبستها ومش هقلعها أبدًا ولا هسمح لأي شيء يلوثها زي أفعالك وتهورك اللي يستحمله أشباه الرجال اللي ممكن يقبل يبقى معاكي في يوم من الايام.
_إنهوا الحــــــرب دي واطلعوا عشان نتحرك قبل ما النهار يطلع!
قالها "زين" الذي يتابعهما من الاعلى بمللٍ، يراهما يتجادلان للمرة المليون ولكن لا يستمع شيئًا لما يُقال بينهما، طعنته "مرين" بنظرة حارقة وصعدت تتحاشاه، بينما ينظم هو أنفاسه الهادرة، يود لو أن يقتلع أظافرها الحادة.
اتبعهما وصعد جوار "زين" بالامام وهو يتجاهل وجودها تمامًا، كأنها لم يكن لها وجود، راقبهما "زين" وهمس بسخطٍ:
_العداوة اللي ما بين الهند وباكستان هتخلص وعداوتكم عمرها ما هتخلص أبدًا!
*****
بالقاهرة
انفتح باب مكتبه وولج أحد رجاله للداخل، يؤدي تحيته بكل وقار يليق به، ثم نطق بما حصده من معلوماتٍ خطيرة:
_ابن السفير رجع يا باشا، فريق الاشباح رجعوه.
برق "عدي" بدهشةٍ مما استمع إليه، وتساءل بذهولٍ:
_مين من الاشباح بالظبط؟
أجابه بما أكد به شكوكه:
_سيادة الرائد ياسين وزين يا فندم!
........ يتبع.......
