رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64 هى رواية من كتابة منال سالم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64

رواية فوق جبال الهوان بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والستون 64

لم يترك لها حرية الاختيار، ببساطة حرمها من حق تحديد مصير علاقتهما الشائكة، وحسم قراره نيابة عنها، وإن لم يكن على صواب. ازدادت الأمور تعقيدًا، وأصبحت على المحك، بل إنها المرة الأولى التي بدا فيها والده معترضًا على تصرفه، فأخذ يعاتبه عندما انفرد به في المضيفة:
-كيف يا ولدي تعمل إكده؟
سكت ولم يقل شيئًا، فتابع "زكريا" لومه إليه:
-أني مش معاك في طلاجك منيها.
ليرد عليه "غيث" معطيًا تبريره:
-يا حاج أني مش عايزها تجعد إهنه بالإجبار، عايزها تكون إمعاي بالرضا.
ضيق "زكريا" عينيه محتجًا على تفسيره الواهي:
-وفكرك لما تسيبها تروح لحال سبيلها هترجعلك تاني؟ إنت عامل زي اللي غدر بصاحبه لما كان محتاجه.
إلا أن ابنه حاول إثبات صحة وجهة نظره معترضًا:
-أني...
لم يمهله الفرصة لقول ما لا يحبذ سماعه، وأخبره مشيرًا بسبابته:
-بكرة تعرف إنك اتسرعت...
نكس رأسه قليلًا، فاستمر والده في استرساله المنطقي:
-وبعدين لو مش عامل حساب ليها، اعمل حساب لكلام الناس، وإنت عارف كيف بيجرح وما بيراعيش حُرمانية.
نظر ناحيته مرة أخرى، وأوضح له طبيعة خطته:
-أني مظبط كل حاجة، هجول إن الحاجة والدتها بعافية حبتين، ومحتاجة تعمل عملية كبيرة جَوي في البندر، ولازمًا تكون جاعدة معاها لحين ما تتعافى...
رمقه "زكريا" بنظرة غامضة، فما كان من الأخير إلى أن حاد ببصره بعيدًا، وأردف بعد تنهيدة سريعة حاول بها وأد ما يعتريه من مشاعر مضطربة:
-والدنيا تلاهي يابا.
لحظتها ضرب والده بعكازه على الأرضية هاتفًا في صلابةٍ:
-أني عند جولي، مش موافجك في اللي عملته!
......................................
بحزنٍ واضح مرسوم على ملامحها، وافتقار جلي إلى العزيمة، انتقت "دليلة" ما هو ضروري من متعلقاتها الخاصة الموجودة في غرفة "غيث" لوضعه في حقيبتها الصغيرة، وكأنها لا ترغب في أخذ ما لا تملك من الأساس. راقبت "إيمان" شقيقتها وهي تجمع أشيائها باستغرابٍ، لتسألها وهي تراها تترك كل شيءٍ خلفها:
-سايبة دول ليه؟
خنقت غصة قاسية في حلقها قبل أن تجيبها:
-مش عايزاهم.
ظلت على دهشتها وهي تعلق:
-إنتي يعتبر ماخدتيش حاجة معاكي.
رمشت بعينيها لتطرد دمعة غادرة نفرت إلى طرفها، وقالت وهي تحاول ارتداء قناع الجمود:
-مالهاش لازمة، احنا كنا ضيوف هنا من الأول.
فيما جلست "إيمان" على طرف الفراش متسائلة في تحيرٍ:
-أنا مستغربة "غيث" عمل ليه كده؟ ليه مخدش رأيك؟ ليه ماتكلمش معاكي الأول؟ 
لترتكز نظرتها على شقيقتها وهي تتم كلامها:
-مع العلم هو باين عليه إنه بيحبك.
بادلتها بنظرة جوفاء، بعيدة عن الحياة قبل أن ترد في أسى:
-بلاش نفترض حاجة مكانتش موجودة من الأول...
ليتلاشى صوتها ويتردد صداه فقط في جنبات نفسها وهي تختم ما تبقى منه:
-ده كان وهم، في دماغي وبس.
فرغت كلتاهما من تجهيز كل شيءٍ في وقتٍ وجيز، لتنضم إليهما "عيشة" بعدما جمعت ما يخصها، سرعان ما نظرت إلى ابنتها التي وضعت في يدها علبة من القطيفة وهي تخبرها:
-حطي يا ماما الدهب ده في الدولاب.
تعجبت من تخليها عن هداياه الثمينة، بعكس ما هو معتاد، فرفعت حاجبها للأعلى مرددة:
-بس هو كان جيبهولك!!
ابتسمت رغم الألم، وقالت هازئة في مرارة:
-ده لزوم التمثيلية اللي ضحكنا بيها على الناس، يبقى الأحسن نرجع الحاجة لأصحابها.
لم تجادلها "عيشة" كثيرًا، واتجهت نحو الدولاب لتضع العلبة في المكان المخصص لثياب "غيث"، وقامت بتغطيتها بإحدى جلاليبه المطوية لتخفيها عن الأعين.
.............................................
بضعة دقائق أخرى، وكان ثلاثتهن مجتمعات بالأسفل في البهو الفسيح، وعلى أهبة الاستعداد لمغادرة القصر نهائيًا، فقد قام "وهدان" بنقل حقائبهن إلى السيارة المرابطة أمام الباب. وقفت "فاطمة" تبكي رحيلهن بحزنٍ غير زائف، فأمسكت بطرف حجابها تكفكف به دمعها المسال قائلة:
-حقكم عليا يا غاليين، والله ما كنت أعرف إن ولدي راح يعمل إكده.
وكأنها الملامة على قرار ابنها الصادم، إلا أن "عيشة" تعاملت مع الموقف بحذرٍ وتقدير، فاستطردت باسمة ابتسامة باهتة:
-كتر خيرك يا حاجة على اللي عملتيه معانا، إنتي كنت أحن علينا من ناس كتير، وكل حاجة ليها نهاية.
وأخذت تحتضنها في امتنانٍ، لتواصل "فاطمة" نحيبها وهي تضيف:
-ده إنتم أكتر من الأهل والله، ويعلم ربنا محبتكم عاملة كيف في جلبي، وخصوصي "دليلة"، ده أني اعتبرتها بتي اللي ماجبتهاش للدنيا.
وانتقلت بعدها لتضم "دليلة" وتودعها في شجنٍ، لتعلق عليها بتأثرٍ لم تخفه:
-ربنا يخليكي ليا يا طنط، أنا مش هنساكي.
نهنهت "فاطمة" متمتمة في استعتابٍ:
-ربنا يسامحك يا "غيث"، تكسر بخاطر أمك، وبجلب البنية.
ليخفق قلب "دليلة" بقوةٍ ممزوجة بالألم عندما سمعت صوته المألوف يأتي من مسافة قريبة متسائلًا في جمودٍ:
-جاهزين يا جماعة؟
اشتدت أصابعها القابضة على أطراف ثيابها، محاولة كبح ما يعتريها من مشاعر غاضبة تجاهه، وقصدت تجاهله وعدم الالتفاف إليه، لتتولى "عيشة" الرد قائلة:
-أيوه يا ابني.
أعلمها بلهجته المعتادة في حسم الأمور دون منح الفرصة لغيره للاختيار:
-أنا هوديكم على المحطة، وهوصلكم البر التاني، وبعدها "وهبة" هياخدكم مطرحكم الجديد.
لم تتحمل نبرة التسلط الظاهرة في صوته، واستدارت تناظره بعينين ناريتين مرددة في عِناد:
-مالوش لازمة تتعب نفسك، روح شوف مصالحك، كفاية الوقت اللي ضيعته علينا.
سدد لها نظرة غير مفهومة، ليحول عينيه عنها متحدثًا إلى "عيشة":
-لو عوزتي حاجة يا حاجة معاكي رقمي، اطلبيني في أي وَجْت، وأني مسافة السِكة هكون حداكي.
قالت في امتنانٍ:
-كتر خيرك يا ابني.
انحنى بعدها ليلتقط بعدها الحقيبة الأخيرة المتروكة بجوار "عيشة"، واندفع نحو الخارج تجاه سيارته، فيما التفتت "عيشة" بعدها مودعة سيدة البيت وهي تقبل عليها لتحتضنها:
-نشوف وشك بخير يا حاجة "فاطمة".
بكت الأخيرة تأثرًا وهي تودعها:
-هتوحشكم جوي يا حبايبي.
وتناوبن في توديع بعضهن البعض لعدة لحظاتٍ قبل أن يتجهن إلى الخارج. 
.......................................
بمجرد أن استقرت "عيشة" في المقعد الخلفي، أغلق "غيث" الباب بحيطةٍ فشكرته على ما صنع، حاول لحظتها استغلال الفرصة، واختطاف نظرة سريعة نحو "دليلة" التي جلست عند الجهة الأخرى، وجدها تتحاشى تمامًا النظر تجاهه، فتفهم طبيعة موقفها المعادي له، ليتحرك من موضعه، ويجلس في المقعد الأمامي معطيًا إشارته لتابعه "وهدان" للتحرك نحو محطة القطار.
خيم الصمت على الجميع إلا من صوت المذياع الذي أخذ يبث عبر الأثير آيات الذكر الحكيم، ليميل "وهدان" على سيده متسائلًا في صوتٍ خافت:
-هنطلعوا على المركز يا كبير، ولا هنوجفوا عند محطة القطر؟
أخبره بجديةٍ وهو يدس يده في جيب جلبابه ليخرج هاتفه المحمول:
-هكلم "وهبة" وهجولك.
عبث به للحظةٍ قبل أن يلصقه بأذنه متسائلًا بعدما أجاب عليه الطرف الآخر:
-إيوه يا واد عمي، إنت فين دلوجيت؟
سكت لهنيهةٍ، وتابع:
-احنا داخلين عليك.
ثم أعطى أوامره لتابعه لينعطف بالسيارة نحو الطريق الجانبي المؤدي إلى محطة القطار، لتتباطأ سرعتها بالتدريج حتى هدأت تمامًا، ليدير "غيث" رأسه موجهًا كلامه إلى ثلاثتهن، وعيناه تسعيان لنيل نظرة أخيرة من "دليلة":
-عننزلوا إهنه يا جماعة.
غمغمت بصوتٍ وصل إلى مسامعها وهي تضع يدها على المقبض لتفتحه بتعجلٍ ينم عن ضيقها المتزايد:
-كويس.
راقبها وهي تفر من أمامه كطيرٍ جريح دون أن يجرؤ على لومها على شيء، فهو المتسبب الرئيسي فيما تعانيه الآن. من جهة أخرى، حادثت "إيمان" والدتها وهي تعاونها على الترجل من السيارة:
-على مهلك يا ماما وإنتي نازلة.
ردت بتنهيدة مرهقة:
-طيب.
بينما تولى "وهدان" مهمة إحضار الحقائب، ليقوم "غيث" بمقابلة "وهبة" الذي كان حاضرًا مع رجاله بداخل محطة القطار، بادله المصافحة والتحية وهو يخاطبه مشددًا:
-مش هوصيك عليهم.
أكد له بما لا يدع أدنى مجالٍ للشك:
-اطمن يا كبيرنا، الأمانة محفوظة.
استمر في إملاء أوامره عليه ليستمع الجميع إلى صوت أحدهم وهو يتحدث عبر المذياع الداخلي لينبه المغادرين بموعد تحرك القطارات وفق جدول المواعيد المعلنة مسبقًا.
عادت "عيشة" لتودع "غيث" بإظهار امتنانها وعرفانها بالجميل متبادلة معه حديثًا خافتًا، في حين بادرت "دليلة" بالإسراع في خطاها لتجنبه، فلم تعد تملك من فضائل الصبر ما يستحثها على تحمله، إلا أنه لحق بها، واعترض طريقها قائلًا بلهجةٍ احتوت حنينًا خفيًا:
-يا ست البنات! لو عوزتي حاجة أني.....
لكنها صدته بكامل كبريائها مقاطعة بإباءٍ:
-ربنا ما يحوجني لحد أبدًا.
أومأ برأسه مرددًا في هدوءٍ وهو يربت على صدره:
-مجبولة منيكي.
منحته هذه النظرة اللائمة من لؤلؤتيها الدامعتين قبل أن تنصرف، ليشيعها بعينين قد باتتا تتذوقان منذ الآن لوعة الاشتياق إلى أن يشاء القدر ويجمعهما مجددًا.
.............................................
الفترة المنصرمة التي قضاها في إعادة توفيق أوضاعه المادية أكسبته المزيد من الخبرة الحياتية، فأصبح قادرًا على التعامل مع الأمور المعقدة التي لحقت بعمل أبيه الراحل، لينهي النزاع القائم على خير. في خضم انشغاله تلقى "عادل" اتصالًا هاتفيًا من رقمٍ بدا مألوفًا إليه بعض الشيء، حاول الاستعانة بتطبيق الكشف عن هويات أصحاب أرقام الهواتف غير المسجلة لديه، إلا أنه تعذر عليه استخدامه بسبب ضعف خدمة الإنترنت، فأجاب عليه بحذرٍ: 
-سلام عليكم، مين معايا؟
أتاه رده شبه المتعجب:
-وعليكم السلام يا أستاذ "عادل"، حضرتك مش فاكرني ولا إيه؟
قال بترددٍ حرج:
-معلش أنا مش واخد بالي.
أوضح له هويته بتفهمٍ:
-أنا المحامي اللي ماسك قضية مدام "إيمان حجاب".
فور أن سمع اسمها ترك ما في يده منتبهًا إليه وهو يبدي كامل اعتذاره:
-أهلًا وسهلًا بيك، حقك عليا يا أستاذ والله، معلش كنت مشغول شوية وعندي حوارات خلتني ملبوخ أتابع التفاصيل.
سمعه يبشره بالأخبار السارة:
-أنا عايز أطمنك إن المدام كسبت قضية تبديد العفش، وخدت حكم فيها.
انفرجت أساريره هاتفًا:
-بجد! دي أخبار حلوة جدًا!
أضاف المحامي بنفس النبرة المتحمسة التي كان يخاطبه بها:
-ولسه كمان باقي القضايا، في اللي محجوزة للحكم، واللي منتظرة رأي الخير، وإن شاء الله كلها تكون في صالحها.
لم يضع "عادل" فرصته تلك هباءً، واستأذن منه في أدب:
-طب معلش ممكن طلب منك يا أستاذ.
سمعه يبدي ترحيبه غير الممانع:
-اتفضل.
ازدرد ريقه مكملًا:
-تبعتلي رقم مدام إيمان علشان أبلغها بالأخبار دي لأن للأسف موبايلي ضاع وكان عليه كل الأرقام القديمة.
رد بغير اعتراضٍ:
-تمام حاضر.
أحس بموجةٍ عارمة من الارتياح تجتاحه، وشكره وهذه الابتسامة العريضة تزين محياه:
-كتر خيرك.
استقبل رقمها على تطبيق الواتساب، فابتهج أكثر لاستعادته ما فقد، وردد في انتشاءٍ:
-يـــاه، أخيرًا هعرف أوصلك.
..........................................
منذ أن حانت لحظة ارتباطها الفعلي بذلك الزوج الجديد، وقد صارت "أحلام" متقلبة المزاج للغاية، تثور لأتفه الأسباب، تتشاحن على أقل الأشياء، تفتعل المشاجرات مع الجميع من أجل تطويع الأمور وفق أهوائها، ورغم هذا قابل "محروس" كل تصرفاتها العجيبة المبالغ فيها بالرضا معتبرًا ذلك تدللًا منها عليه، ومع ذلك استطاعت أن تخلق العداوات سريعًا مع زوجتيه الآخرتين، حيث راحت "وجدان" تدور حول نفسها في غرفة ضرتها "تفيدة" صائحة بعصبيةٍ:
-لادد عليكي اللي بتعمله البت دي؟ بجى يخلي مُطرحها الدور اللي فوق كلياته، إن ما عمل إكده مع واحدة فينا، ده احنا وعيالنا متكومين فوج بعض كيف السردين.
حررت "تفيدة" زفرة طويلة من صدرها قائلة بقلة حيلة:
-طالما سي "محروس" راضي عنعملوا إيه يعني؟
اشتعل وجهها بغلها الدفين، واستمرت تبرطم في غيظٍ متصاعد:
-دي مخلية الكل خدام تحت رجليها، والأَمَر طاردنا من مطرحنا لأجل ما يجعد لحاله مع عروسة البين، كإننا نحس إياك وهنحسدوه!!
بنفس الأسلوب المنكسر علقت عليها:
-واحنا بإيدنا إيه نعمله؟ 
لتصير نبرتها أكثر توجسًا وهي تكمل فيما يشبه التحذير:
-تجدري تجوليله لع؟ ده مش بعيد يطلجك فيها لو فكرتي تفتحي خاشمك.
توعدتها بغضبٍ أعظم:
-جسمًا بالله ما عخليها تتهنى، مش بت امبارح تاجي تجش كل حاجة إكده على الجاهز!!!
لتقول "تفيدة" بنزقٍ، كأنما تفكر بصوتٍ مسموع:
-الخوف لتبجى حبلى وتجيبله الواد اللي نفسه فيه.
وشت هيئتها الحانقة بمدى الغليل المستعر في نفسها، لترد على جملتها الأخيرة بما لا يوحي بأي خيرٍ على الإطلاق:
-مش عتلحق!
وهمت بالمغادرة رغم تحذيرات "تفيدة" لها بضرورة البقاء معها، وإلا لعانت من تبعات عصيانها لأوامر زوجيهما. 
........................................
اللحظات الحميمية التي قضاها معها على فراش الزوجية أعادت إليه شبابه المفقود، وجعلته يظن أنه في ريعان شبابه، وقادرٌ على منحها السعادة المنشودة، لتخبو كامل طاقاته دفعة واحدة كما انبثقت مرة واحدة بفعل الأدوية المساعدة، ليستغرق بعدها في نومٍ عميق تاركًا إياها تتحرَّق من الحسرة والقهر.
نظرت "أحلام" إلى "محروس" بعينين مملوءتين بالسخرية المريرة، فصوت غطيطه المنفر جعلها تقفز من على الفراش لتجلس على الأريكة وتتناول بعض اللقيمات بتأففٍ وضيق، لقد استحضرت في مخيلتها طيف "غيث" لتجبر نفسها على تقبل لمسات زوجها فتتمكن من التجاوب معه وإشعاره بمدى تأثيره عليها، حتى نضب مخزون عاطفته، وسكن جسده أخيرًا.
أطبقت على جفنيها لتجبر ذاكرتها على استعادة مشهد اللقاء الأخير بينهما حينما وقف بجوار باب سيارتها ليوصلها مع أبيها إلى منزلها، لم تمنع نفسها من لومه بلا حياءٍ بعدما أخفضت النافذة لتبدو قريبة منه:
-فرطت فيا يا واد عمي؟
لم ينظر ناحيتها، وقال بجمودٍ محذرًا إياها بلهجةٍ صارمة:
-ربنا يصلح حالك مع جوزك، صونيه، لأجل ما ربنا يكرمك.
لكنها تخطت حدود المقبول بقولها الفج:
-هونت عليك تشوفني في حضن غيرك؟
غامت تعابيره كليًا، والتفت ناحيتها يزجرها رغم انخفاض نبرته:
-اتحشمي يا بت عمي، إنت مَرت راجل تاني، ليه هيبته وكلمته المسموعة بين الناس.
إلا أنها ظلت على تبجحها السافر بإخباره بجراءة صادمة:
-مافيش راجل يملى عيني غيرك..
ومدت يدها عبر النافذة لتمسك بذراعه، فانتفض كالمسلوع متراجعًا وهو ينهرها بغير تساهلٍ:
-شكلك اتخابلتي إياك وناوية على موتك السعادي!
رمقته بهذه النظرة الملتاعة وهي تخاطبه بتنهيدةٍ والهة:
-أنا عمري كله فداك يا واد عمي.
اِربد وجهه بالمزيد من علامات الضيق، وأنذرها بعينين تصدحان بالشرر:
-لأجل ما وعدت عمي أكون إهنه مكونتيش شوفتي خلقتي، بس ملحوجة..
بهتت تعابير وجهها خاصة وهو يُعلمها:
-دي آخر مرة أعتب فيها حدا مطرحك أو أي مُطرح تكوني فيه...
ثم رماها بنظرة مزدرية قبل أن يغمغم في حنقٍ:
-المرة الجاية عتكون على جَبرِك.
وانصرف مغادرًا بتعجلٍ، فناداه عمه متسائلًا في استغراب:
-رايح فين يا "غيث"؟
تحجج مدعيًا بوجومٍ وهو يمد يده لمصافحته:
-المأمور عايزني في مصلحة إكده، مبارك يا عمي، وعقبال ما تفرح بعوض بت عمي.
صافحه هو الآخر مرددًا:
-الله يبارك فيك.
لتتبخر الذكرى من خيالها، وتظل بقايا قساوته حاضرة، ومع ذلك لم تستطع أبدًا كرهه، بل كانت تتحين أي لحظة لتعيد تجيد الوصال على أي شاكلة.
ضجرت من البقاء مستيقظة في غرفة نومها، فارتدت مئزرها الأبيض على قميص نومها الفاضح، وخرجت إلى الصالة، كان المكان غارقًا في الظلام، فأضاءته، ثم سارت نحو الشرفة، ووقفت مستندة بمرفقيها على حافته، لتشعر بذلك الاختناق يجثم على صدرها رغم نسائم الهواء الباردة، لمحتها خادمتها التي كانت تعيد ترتيب المقاعد بالحديقة الملحقة بالمكان من الأسفل، فنادتها متسائلة في دهشةٍ: 
-باه، لساتك صاحية يا ستي؟ عاوزة حاجة أجيبهالك؟
أجابتها من موضع وقوفها بالأعلى:
-اعمليلي شاي.
استغربت من مطلبها العجيب، لكنها لم تجرؤ على معارضتها، وأسرعت بالصعود إلى طابقها لتلبية مطلبها، دون أن تنتبه لتلك التي رفضت الانصياع لزوجها، وحبست نفسها في الغرفة الأخرى من البيت لتراقب عن كثبٍ ما يدور بينهما وهي تكتوي بنار الغيرة والحقد. 
ناولت "نعمة" فنجان الشاي الساخن لسيدتها مستطردة بحذرٍ:
-صحيح في حاجة إكده سمعتها بس ما خبراش إن كانت صُح ولا لأ.
أخذته منها قائلة بفتورٍ:
-جولي على طول، وما ترطيش في الحديت، أني نافوخي أد إكده.
برقت عيناها قائلة مباشرةً، وبصوتٍ شبه هامس، بالكاد يمكن لأحدهم التقاط ما نطقت به:
-بيجولوا سي "غيث" طلج مَرَته.
انتفضت "أحلام" بمجرد سماعها لتلك العبارة، فانسكب القليل من الشاي الساخن على يديها ليحــرق جلدها، هرعت خادمتها لمساعدتها، إلا أن الأخيرة تجاهلت حجم الألم الذي عصف بها، وتساءلت في لوعةٍ:
-بـــاه، ميتى ده حُصل؟
ردت بحذر:
-من إجريب!
صاحت في غضبٍ مريب:
-وإزاي محدش جالي؟
ارتاعت الخادمة من هيئتها التي تبدلت للغضب الشديد في لحظة، وهمهمت متسائلة:
-كنتي عتعملي إيه يا ستي؟ ما اللي راح راح، إنتي بجيتي في عصمة راجل تاني.
ليتهدل كتفاها بخيبة أملٍ جلية، وراحت تنوح متمتمة في أسى:
-يا حسرة جلبي عليه!
لم تدرك "أحلام" للحظةٍ واحدة أن كل ما فاهت به بشكلٍ عفوي قد التقطته أذنا "وجدان"، فلم تمرر ردة فعلها مرور الكرام، وتساءلت فيما بينها بتحيرٍ:
-بتجول إيه دي؟
لتبدو أكثر إصرارًا على كشف أكثر أسرارها خطورة وهي تواصل حديث نفسها بحنقٍ متعاظم:
-مين اللي عتتحسري عليه إكده يا بت المركوب .......................................... ؟!!!! 
...............................................

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا