رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 بقلم ايه محمد رفعت
رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8
رواية اشباح المخابرات الفصل الثامن 8
نجح "ياسين" بتخطي أول جزء من التمرين بشكلٍ أبهر "مراد" الذي يراقب ويدرس كل إنفعالٍ صادر عنه، حتى تأكد من أنه مستعد لجرعة إضافية من تلك المادة التي قد تصبح نهاية محتومة لأي ضابط مخابرات محترف، قد تنجح أي جماعات باستمالته بهذا النوع من العقاقير لتخضعه لأي أنثى قد تستدرجه ليكشف عن هويته وأسرار بلده.
جهز "مراد" الجرعة، ورنا إليه يسأله:
_قادر تكمل يا ياسين ولا تحب نأجل لبكره؟
اتاه صوته اللاهث يجيب بقوةٍ وثقة:
_قادر يا باشا.
بابتسامةٍ فخر ربت على كتفه وحمسه:
_عاش يا بطل.
وانحنى يدس المحقن بوريده، ثم انتظر لعشرة دقائق حتى بدأت أنفاسه تتحشرج بصعوبة، وكأنه سيلقى حتفه بين الحين والآخر، ومازال "مراد" جواره يحمسه بممارسة تمارين تؤهله على تخطى هذا النوع القاتل من الشهوة الفاسدة، فإذا به يغلق عينيه ويتمتم بكلماتٍ غير مفهومة، جعلت "الجوكر"
يميل تجاهه ليستمع لما يفعل، فاتسعت ابتسامته فرحة وسعادة حينما وجده يردد بعض الايات من سورة سيدنا يوسف عليه السلام.
ناداه بحزمٍ ليجتاز باقي الاختبار:
_ياسين!!
فتح عينيه وهو يطالعه بصعوبة، وإذا به يصعق من رؤية من يقف قبالته في الخارج، فردد بهمسٍ خافت:
_بابا!
زوى "مراد" حاجييه باستغرابٍ لما قال، واستدار صوب الباب ليلحق بنفس صدمته:
_عدي!
كاد أن يبصق النيران من فمه من شدة الغضب، لا يصدق تلك الحالة المزرية التي يرى ابنه فيها، عينيه تلتقط عُلب الإبر والادوية التي تملئ الطاولة، فحرر وحشه الكامن صارخًا:
_إنت بتعمل فيه إيه؟ افتح الباب ده.
قالها وهو يحاول دفع الباب بقوته، ولكنه لم يستجِب، حاول مراد" أن يوقفه عما يفعله، متعمدًا أن يوضح له الأمر":
_مش هينفع أفتحلك، "ياسين" لسه مخلصش التدريب بتاعه، وبالفعل بدأنا فيه فلازم ينتهي.
واقترح عليه ليخفف من غضبه الملموس إليه:
_ارتاح في مكتبي وإحنا شوية وطالعين وراك.
لطم الباب بقبضة يده بعنفوان:
_اطلع فين!!! أنا مش منقول من هنا الا لما تفتح الزفت ده.
وأضاف وهو يتأمل وجه ابنه الشاحب، الذي يكافح لرفع رأسه:
_أنت بتعمل إيه في الولد، إفتح أم الباب ده بدل ما وربي أكسره فوق دماغك!
وجد أن لا أمل منه، ومفعول الإبرة قد أبدى مفعوله، تجاهله واستكمل ما يفعله، وتلك المرة قد فاق الألم حدود تحمل "ياسين"، فحاول قدر الامكان كبت ألمه، وبالرغم من ذلك كان ملموسًا لأبيه الذي ركل الباب الزجاجي بكل قوته وهو يصرخ كالذي فقد عقله:
_" مــــراد" وقف اللي بتعمله ده حالًا، الولد مش هيستحمل كل ده إنت أكيد اتجننت إنت وأخوك!
خرج "عدي" عن رزانته وهدوئه وهو يراقب ما يحدث لأبنه أمام عينيه، وبالباب الزجاجي المجاور له يرى ما يتشارك به "رحيم" بنفس فعلة أخيه بابنه "زين" الذي يكبت تأوهاته بتمكنٍ، ويحرك رأسه مواجهًا ذاك الدوار الحاد وكل ما يتمكن من سماعه صوت "عدي الجارحي" وصوت "الجوكر".
هرع للباب الأخر يطرق هاتفًا بعنفٍ:
_انتوا مجانين، افتحوا الأبواب دي فورًا.
منحه "رحيم" بسمة شيطانية وهو يعيد ما يفعله غير
عابئٍ بثورته العارمة، بينما قال "مراد" بسخريةٍ:
_إسمع كلامي وإطلع المكتب وسبنا نكمل شغلنا بهدوء يا سيادة العميد.
ركل الباب الفاصل بينهما مهدده بانفعال:
_افتح الباب ده يا "مراد" بدل ما أكسره فوق دماغك إنت والمجنون التاني
ضحك على نبرته الغاضبة، فحينما حصل على مبتغاه وحقق نجاح تدريبه، بعدما ترك "ياسين" الماسد بين يديه يواجه مفعول ما حقن بوريده بكل قوة إجتازها لمحاربة ذاك العقار، وآخر ما تلتقطة عسليته قائده الذي يقترب من أبيه يضع يديه بخصره، وهو يهدر إليه بأسلوب استفز الأخير:
_إنت هنا في مبنى الجهاز يعني الباب اللي تقدر تكسره في الداخلية متقدرش تعملها هنا يا وحش، أبوابنا مصفحة وصعبة عليك بس عشان إنت صديقي وكفاءة هخلي تلميذي يفتحلك الباب ومن غير مفاتيح!
جحظت عين "عدي" بدهشة حينما وجده يعود إلى
ياسين" ينحني لمقعده المعدني ويحرر وثاقه، ثم أشار بعينيه" ملقنًا أمره:
_أفتح الباب ورحب بالباشا كويس وارجعلي ورانا لسه تمرين أخير.
هز رأسه بخفوت رغم اهتزاز بنيته ودوار رأسه القاتل الذي يجعل جسده الضخم يهتز كالبلور، ومع ذلك مازال صامدًا ينتصب بوقفته بكل قوة تلقنها على يد "الجوكر" و"الاسطورة"، اتجه لأبيه الذي يراقب خطواته الغير متزنة بألمٍ وشفقة فحرر صوته المكبوت:
_"هيكسر الباب ازاي وهو بالحالة دي إنت بتهرج يا "مراد!
احتفظ بابتسامته الباردة، وردد بمكرٍ:
_بالحنية الصعب يلين!
أطبق على شفتيه بعنفٍ وأقسم بأنه سيسقطه قتيلًا في الحال إن تمكن ابنه من تحرير ذلك الباب المتين، وجد" ياسين" يخرج شيئًا حادا من جيب بنطاله ومن ثم مررها بفتحة الباب وبمهارة فاجأت الاخير انفتح الباب من أمامه مما جعل الاخير يندفع تجاه "الجوكر" بكل طاقة غضب امتلكها!
لف يديه حول عنقه وهو يصيح بانفعالٍ:
_إنت بقيت عديم الاحساس زي أخوك، الظاهر إني كان لازم أقطع علاقتي بيكم من زمان، كنت مشفق على زين إنه واقع مع مجانين زيكم، طلع ابني قاسم معاه الالم والجنان، مش هسمحلكم بده سامع.
حافظ على ثبات ابتسامته ودفعه تجاه باب سري بينما يهمس له:
_ادخل بس جوه وأنا هجيب رحيم وجيلك.
حدجه بنظرة شرسة، فمال يهمس به:
_في حوار مهم بخصوص العيلة إياها.
واستدار صوب "ياسين" الذي يتابع حوارهما وهو يستند على الكومود الطبي بتعبٍ، أشار له "مراد" قائلًا:
_ارجع أوضتك وبكره نكمل يا ياسين.
أدى تحيته بوقارٍ، ومنح ابيه نظرة متعبة، ثم غادر على الفور يطبق الاوامر التي صدرت عن قائده، رغم انه كان يتمنى أن يحظى بضمة حنونة من أبيه مثلما اعتاد أن يغمره بها، بينما ولج عدي للمكتب ينتظر أن ينضم كلاهما إليه، وقد فشل فشلًا ذريعًا في تهدئة غضبه.
******
جابت طرقات المبنى ذهابًا وإيابًا، وعقلها سيتوقف من فرط اعتصار رأسها لما يحدث بالداخل، اعتادت أن ترافق ابن عمها وصديقه المقرب وابن صديق العائلة "ياسين عدي الجارحي"، في كافة الاختبارات، والآن طالبها الاسطورة بالبقاء بالخارج حينما كادت بالدخول، أخبرها بأن تنتظر لحين أن ينتهي وحينما كادت بالاعتراض شملها بنظرة هادرة جعلتها تلتزم بأوامر قائدها الأعلى، ولكن ماذا ستفعل بتلك الأنثى الشرسة المدفونه داخلها.
والآن بعد دخول" عدي" للداخل، قد أفرج فوه الوحش عن أول ضحاياه، فخرج "ياسين" ومن خلفه "الجوكر" يمسح كف يده ويطالعها بنظرةٍ لم يختفي بها حنان الأب العطوف، بينما تراقبه" مرين" بنظرةٍ شك وحيرة إنتابتها وهي ترى "ياسين" يتحرك ببطءٍ شديد وعلى وشك السقوط أرضًا بين لحظة وأخرى، وبالرغم من توتر العلاقة بينهما أسرعت إليه تتساءل بخوفٍ فشلت بدفنه:
_ياسين إنت كويس؟!
انتبه لوجودها فانتصب بقامته العريضة، بجسدٍ استجاب لأوامره الصارمة، وشملها بجمودٍ تام:
_زي ما أنت شايف يا حضرة الرائد أنا بخير.
اغتاظت من حديثه المصيغ بصياغة الذكر، فأتته موجتها الشرسة التي لا تنتهي:
_تصدق أنا غلطانه، ياريت اللي كان معاك جوه النهاردة رحيم زيدان كنت هتطلع مطوح خالص زي امبارح.
تابعهما "الجوكر" بابتسامة واسعة، فلقد نجح "ياسين" باختباره بالداخل بصموده أمام أي أنثى تستهدف غريزته، وبقي أهم جزء بقاؤه صامدًا أمام حبيبته حتى وإن اجتاحتهما عاصفة الغرور والكبر، بنظرة من "الجوكر" يعلم بها مكنون كلاهما.
لاحظت "مرين" احمرار بشرة "ياسين" بقوةٍ، حتى عينيه
اصطبغت بحمرةٍ قاتمة، فتسلل الخوف إليها وباهتمامٍ يعاكس ما قالت منذ دقيقة هتفت:
_ياسين إنت مش كويس خالص، هو الجوكر كان بيختبرك في إيه؟
ألقى ثقل جسده على الحائط ومازال يتلبس وجه قسوته وتعابيره الثابتة:
_مش سبق وقولتلك خلي بينا حدود!
احتقنت معالمها وكورت يدها بغضبٍ هادرة:
_متتغرش في نفسك وتصدق كلام متقالش على لساني لإنك آخر إنسان أنا ممكن أتخطى حدودي معاه!
تعمق بحدقتيها بتوترٍ، وقد اتشح جبينه بعرقٍ نافر، فانسحب من حوارها الذي يزيد وجعه واتجه لغرفته هربًا من رغبته الغريبة التي هاجمته فور أن رآها، بينما يتنهد "مراد" في راحه من نجاح أخر جزء من تدريبه دون تخطيط منه.
فور رحيله اندفعت تجاه الغرفة المصفحة التي خرج منها للتو، فوجدت أباها يعيد غلق صندوق متوسط الحجم يحتوي على عدد من الإبر الطبية غريبة اللون، فأقتربت منه ورددت بغضب:
_ممكن أفهم اختبارات إيه اللي صممت إنت والاسطورة يكونوا لزين وياسين بس!! حضرتك هترجع تفضلهم تاني ولا إيه؟!! أنا سبق وقولت لحضرتك اعتبرني ولد زيهم وانسى خالص أني بنتك بس انت وانكل رحيم بقيتوا مهتمين بيهم جدًا لدرجة انهم هيترقوا الاتنين وأنا لسه زي ما أنا!!
رفع زرقة عينيه لها بابتسامة جذابة، فدنا إليها يحيط كتفيها بذراعيه، قائلًا بحبٍ:
_حبيبة باباها المندفعة دايمًا ومش مدية فرصة لنفسها تفهم شيء.
ضيقت عينيها بنظرة مغتاظة، فتابع بضحكة تمردت حينما رأى نفس حركتها الطفولية المعتادة، قائلًا:
_طيب متزعليش، أحنا مبنفضلش عليكي حد الموضوع وما فيه إن الاختبارات دي متخصكيش كبنت.
تساءلت بدهشةٍ:
_ازاي يعني!
حك جبهته وعاد يلملم أشياءه متجاهلًا سؤالها فزفرت بضيق لتأكدها بأنه إن صمت لن تتمكن معرفة اجابتها، فتركته واتجهت للغرفة الاخرى تطرق عليها بعصبية بالغه وهي تصيح:
_رحيم باشا اخرج من فضلك...
وحينما لم يأتِها الرد صرخت هادرة:
_أنكل!!
فتح "رحيم" الباب والعرق يتساقط على وجهه وصدره العاري وكأنه كان يركض لأميال طويلة، فالتقط المنشفة التي يقدمها له أحد العاملين، وقال دون أن يتطلع لها:
_مش سبق وقولتلك يا سيادة الرائد إن أنكل وبابا دول في البيت!!
شملها ذُعر قاتل حينما انفتح الباب من جوار "رحيم" وخرج "زين" يجاهد الا يفقد وعيه، حالته كانت أبشع من "
ياسين" لدرجة أرعبتها هي، بينما أبوه يقف منتصبًا، جامدًا، غير مبالي به، وكأنه لم يكن هو السبب بحالته تلك.
ترددت للخلف حتى كادت بالسقوط على ابن عمها الذي جلس أرضًا ينظم أنفاسه، فانحنى "رحيم" يعاونها على النهوض، ليجدها تهمس بهلعٍ:
_انتوا بتعملوا فيهم إيه؟!!
منحها "رحيم" ابتسامة هادئة، وقال:
_روحي أوضتك دلوقتي يا مرين، وأنا هقابل عدي وشوية وهطلع نتكلم مع بعض شوية.
ضمت شفتيها معًا بتهكمٍ وانسحبت مثلما أخبرها، بينما وقف "رحيم" قبالة أخيه يختطف النظرات الغامضة إلى باب غرفة المكتب بضجرٍ، ازداد حينما ابتسم "مراد" شامتًا:
_الوحش مش ناوي على خير، وبالذات ليك!
****
كانت في طريقها للصعود إلى غرفتها، حينما وجدت
زين" يتكئ على الدرج بتعبٍ شديد، رنت إليه بقلقٍ انتابها" وهي تناديه:
_زين!
رفع رأسه عن الدرابزين بصعوبة، يطالعها بنظرة متخبطة، فأسرعت تجاهه تتساءل:
_هو أنكل رحيم عمل معاك إيه؟
لوى شفتيه بتهكمٍ، وصاح باستهزاء:
_مسموش أنكل يا عسولة، أسمه إبليس توابيت.
وأضاف وهو يترنح بوقفته في تعب:
_ينوبك ثواب تسنديني لحد أوضتي، يا تناديلي ياسين ينقذني من البرستيج اللي هيتهدر قدام العساكر ده.
رفرفت بأهدابها بتوترٍ، وخاصة حينما وجدته يجلس في إنهاكٍ، تخطته "مرين" وصعدت تطرق على باب الغرفة بارتباكٍ وتردد، وحينما لم تجد أي رد فتحت الباب ونادته من الخارج:
_ياسيــن!
لم يأتها أي رد منه، فعادت تناديه مجددًا:
_ياسيـــــــــــن!
ترنح لها صوت مياه الحمام تتهاوى كالشلال، وفجأة توقف الصوت، وخرج وهو يجفف خصلات شعره الطويل الذي تنحدر من فوقه المياه، فاذا به يجدها قبالته تتطلع له بتفحص، خشى "ياسين" أن يسقط في غياهب صنعها له العقار، فمازال لم يتلاشَ مفعوله كليًا، تنحنح بخشونة وصاح بقسوة عن عمد:
_أيه اللي مدخلك هنا من غير استأذان، وبتعملي إيه هنا في الطابق ده أصلًا!!
تجاهلت سؤاله ورددت بقلقٍ:
_فهمني إيه اللي بيحصل معاكم، وليه أنكل عدي شكله متنرفز كده؟
وأضافت بتوتر:
_أنا شوفته تحت بيتخانق مع بابي!
تنهد وهو يحبس داخله ذلك الوجع الذي هاجمه من جديد بوجودها الآن، مرر يده على خصلاته المبتلة وفاه بجمود:
_بعدين نتكلم يا مرين، أنا تعبان ومحتاج أرتاح، ممكن؟؟
طالعته بانزعاجٍ واستدارت تستعد للمغادرة فاذا به يوقفها وهو يتساءل باستغراب:
_طلعتي ورايا عشان تسأليني كده بس؟
أجابته ولم تستدِر إليه:
_لا زين بعتني اناديك تساعده، بس طالما تعبان خليك انا هساعده.
أسرع خلفها بخطوات سريعة، ونبرة غاضبة غيورة:
_تساعدي مين؟!
استدارت تربع يديها أمام صدرها، ورددت بتعب:
_أساعد ابن عمي! عندك في دي مشكلة كمان؟!
واسترسلت باختناقٍ:
_مهو أنت دايمًا عندك مشاكل مع كل حاجه بعملها وبقولها.
ابتلع ريقه بصعوبة، وقد تصبب عرقًا غزيرًا، رفع يده يميل على باب الغرفة، بشكل جعلها تفك عقدة ذراعيها، وتهتف بقلق:
_مالك يا ياسين؟
سحب نفسًا طويلًا، لفظه وهو يخبرها برجاءٍ متعب:
_ممكن تسمعي كلامي مرة واحدة من غير عناد وتطلعي أوضتك، من فضلك مرة واحدة بس على الأقل.
منحته نظرة شملتها بالضيق لنبرته، وانسحبت للاعلى على الفور، بينما يتنهد هو بتثاقلٍ، ومضى تجاه للدرج وهو يتمتم بانهاكٍ:
_صحرة ليل العربي وعيشة البدو والاعتكاف اللي عنده طلعت أرحم ميت مرة من بهدالة الجوكر والاسطورة!
وجده يجلس على الدرج، يميل برأسه على الدابزين، زفر بملل، وهبط يناديه:
_زيـن!
فتح نصف عين وطالعه من خلف درابزين الدرج الحديدي:
_جارحي إنت جيت!
واضاف بنظرة محتقرة:
_أخبارك إيه يا شريك بعد مغامرة الابرة إياها دي، أحسن ولا لسه شغفك تجاه إبليس توابيت ومراد مراجيح لسه منتظر المزيد، لو حاسس إنك لسه عطشان للمزيد من المغامرات إلعب لوحدك متعملش حسابي معاك سامـــــــــع!
ضيق عسليته بتعب وصاح فيه مستنكرًا:
_أنت مناديني عشان تبلغني الكلمتين دول ولا وضعك إيه؟
رد وهو يميل بجبينه على الدرابزين:
_لا يا جارحي ناديتك تشيل معايا، لحسن انا حاسس أني شايل اتنين على كتفي، شيل إنت الاتنين وسبني أريح هنا.
زم شفتيه بتهكمٍ، وسنده بقوة قائلًا:
_طيب قوم معايا وفوق نشوف حوار الاتنين اللي معاك دول!
مال إليه متعبًا، وردد بحزن مضحك:
_ليه إبليس يبقى أب لابن ملاك زيي، ليه مثلا ميبقاش عدي الجارحي بابي!!
شمله بنظرة شك وهدر:
_إنت ملاك انت!
هز "زين" رأسه بتأكيدٍ:
_أخلع التيشرت تشوف الجناحين؟ ولا بلاش الظباط هيظنوا فينا ظن مهلبية، اسندني بس من بعيد يا شريك.
ضحك رغمًا عنه وتابع طريقه قائلًا:
_والله أنا اللي محتاج للسندة دي!
نجح بأن يلقيه على فراشه، وألقى بذاته هو الآخر على الفراش المقابل له بتعبٍ، مازالت أنفاسه تعلو وتهبط بانفعالٍ، وكأنه انتهى من صعود الطابق الثلاثين للتو.
عاد "زين" يناديه بنعاسٍ وتعب:
_ياسين.
تأفف بغضب صريح، بينما يستكمل الآخر بانزعاجٍ:
_قوم طفي النور مش بعرف أنام وهو شغال.
رد عليه بجمود:
_مش قادر اقوم من مكاني، أنا كنت معاك تحت في نفس أم الاختبارات لو ناسي يعني.
هز "زين" رأسه بتعب وقال:
_آسف ياشريك نسيت، بس لا تقلق عندي الحل.
زوى حاجبيه بدهشة، ومال برأسه تجاهه، فوجده يسحب سلاحه من أسفل الوسادة ثم صوب رصاصة منه بالمصباح الذي تحطم على الفور وساد الظلام اجباريًا على الغرفة العلوية، وسرعان ما غفا "زين" بينما بقي "ياسين" مستيقظًا ليكون على أتم الاستعداد للقاء مع والده، الذي لن يرحل دون أن يقابله.
******
ألقى "عدي" الملفات التي وجدها على سطح المكتب أرضًا، وقد جن جنونه بشكلٍ غير مسبوق وهو يصيح:
_ لو فاكر أني هسمحلك تنفذ الهبل ده تبقى غلطان، كلنا حاولنا نكشف اللي ورا العيلة دي وفشلنا، فازاي تفكر تبعتهم، إيه اللي مقدرناش نعمله هيعملوه هما!
أجابه "مراد" بهدوء:
_الناس دي مش سهلة يا عدي، دخولنا ليهم مكنش صح، كلنا سافرنا بمهمة شكل، وده طبعًا مخلاش حد فينا يوصل لحاجه، أنا على مدار تاريخي كله مصدفتش دهاء بالشكل ده، عشر سنين بنحاول نمسك عليهم حاجه ومش عارفين، عشر سنين ملف بيتقفل وبيتفتح قصاده عشر ملفات ومش عارفين نوصل لطرف الخيط حتى، لاننا كنا غلط، المرادي الفريق متعوب عليه جدا، خمس سنين تدريبات من اعظم قادة الجهاز كله، عصارة خبرتنا كلها اتحطت فيهم، فأنا واثق إنهم اللي هيجيبوا ناهية عيلة "التميمي" واللي وراهم.
صاح عدي بانفعال:
_ازاي، واحنا مقدرناش نمسك عليهم حاجه، اديني عقلك انت!
تخلى "رحيم" عن صمته القاتل وقال بابتسامة زرعت بالشر على وجهه:
_قولنالك تفكيرنا كان غلط، اتعاملنا بشكل معتاد معاهم، سفر لمدة اسبوعين تلاته ونهايته فشل، الناس دي مستواها مرعب، وعشان نكشفهم محتاجين صبر وطولة بال، عشان كده المرادي مش هنتعامل بالمعتاد، زين وياسين ومرين هيتزرعوا بينهم لحد ما نوصل للجزيرة اللي مش قادرين نحدد موقعها ده، وعشان ده يحصل لازم نكشف أسرار عيلة التميمي.
وأضاف وهو يستدير صوب "عدي":
_ليل وآدهم هيوصلوا بعد بكره، عايزك تكون حاضر بالتحريات والمعلومات اللي جمعتها في مدة سفرك، الاجتماع ده لازم ننقل فيه ليهم كل الخيوط اللي جمعناها ومقدرناش نمشي وراها.
قطع" عدي" المسافة بينهما، وبخشونة وحزم ردد:
_مش هيحصل يا "رحيم"، انا مش هعرض ابني لخطر كبير زي ده، إنت اللي في دماغك ده جنان رسمي، عايز تزرعهم وسط عالم الشياطين دول!
حاول" مراد" تهدئته ولكنه صاح باصرار:
_أنا همشي من هنا حالا وابني معايا، وليا كلام تاني معاك ده لو عقلت .
جلس على حافة المكتب، وردد ببسمة انتشاء:
_ياسين" بعد ما يعرف خطورة الملفات اللي جمعناها" مستحيل هيتنازل عن المهمة دي، فبالتالي أحتفظ برأيك لحد ما نسمع رأيه وبالمرة نسمع رأي الدنجوان.
خرج عن طور هدوئه المفقود، سحب سلاحه من خلف ظهره، وجذب الاخير يرطمه بسطح المكتب، ويضع السلاح أسفل ذقنه هادرًا بجنون:
_إلا ابنــــــــي يا رحيــــــم، سامـــع!
جحظت عيني "مراد" في صدمة، بينما لم يهتز جفنًا ل"رحيم"، الذي ابتسم فجأة وفاح بخبث:
_تعرف إن دي أول مرة حد يثبتني بسلاح! بس أنا هعدهالك ليه بقى مش عشان صاحبي وبتاع لا عشان خاطر ياسين الجارحي.
ودفعه للخلف وهو يتأنق بخطواته، متجهًا لهاتفه، سحبه ومال إلى أخيه يسأله ببرودٍ:
_هو قالي لما أحتاجه أرن على الرقم إنهو، الأول ولا الأخير؟؟
توترت ملامح "عدي" حينما وجده يهاتف أباه، فاندفع يسحب هاتفه منه ثم دفعه أرضًا وحطمه بطرف حذائه، بينما يهدر بخشونةٍ:
_حاول متظهرش قدامي تاني، عشان لو شوفتك مش هشوف غير اللي عملته إنت وأخوك في ابني النهاردة.
واستطرد بخشونة وعينيه تتأجج بالنيران:
_هسلمك في تابوت مش ده بيكيفك، عنيا ليك.
قالها واندفع للخارج بينما تتعالى ضحكات "رحيم"، وفاه ببرود وهو يدس يديه بجيب بنطاله:
_طلع وحش فعلًا، بس متهور وغبي.
شمله "مراد" بنظرة مستحقرة، وردد بسخرية:
_هو اللي متهور!
وتلفظ بوعيد:
_لو عملها هساعده عشان أخلص الجهاز كله من بشاعتك، إنت كانوا المفروض يعينوك على مشنقة عشماوي، تشد الحديدة وتتمزج وأنت شايف البدلة الحمرا.
واضاف وهو يجذب متعلقاته عن المكتب:
_إبقى فكرني أكلملك دكتور علي الغرباوي، دكتور نفسي ممتاز!
****"
طرق على باب الغرفة، فاذا به يفتح بلهفة، وابتسامته الجذابة تحيط شفتيه، بشكلٍ أرغم "عدي" على ان يبادله الابتسامة، فارتمى إليه ياسين يضمه بحبٍ، وهو يعبر له:
_وحشتني أوي، كنت عارف أنك هتعرف مكاني مهما حاولت أخبي عنك.
راقبه "عدي" بنظرة متخبطة، ثم أشار له على احد المقاعد الخارجية، فما ان جاور جلوسه حتى تنهد بضيق وهو يقول بغموض:
_لو طلبت منك تسيب كل ده وتسافر معايا هتوافق؟
.......... يتبع.....
