رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير
رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة مريم محمد غريب رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير
رواية وما ادراك بالعشق يحيي البحيري ورحمة من الفصل الاول للاخير
أحسّ بقبضة تعتصر حلقه، حتى خُيّل إليه بأنه يختنق، و اللهفة بداخله تستحيل إلى غضبٍ حالك، شدد قبضته حول كأس الشراب الكريستال حتى كاد أن ينكسر لولا أنه تمالك أعصابه بآخر لحظة و هو يرد على محدّثه عبر الهاتف :
-انت متأكد يا وائل ؟ هي بنفسها !؟؟؟
أكد له الأخير بلهجةٍ لا تقبل الشك :
-بقولك شوفتها بعيني. أخدت قهوة من أون ذا ران. أول ما عرفتها نطيت في عربيتي و مشيت وراها. لسا ماشي أهو باينها طالعة على الإسكندرية.. عاوزني أعمل إيه يا رامز ؟
هب “رامز الأمير” واقفًا في الحال و هو يهدر محتدًا :
-خلّيك وراها. إياك تتوارب عن عينك. إياك يا وائل !!!
بدا كالوحش الكاسر و هو يتحرّك في شقته الفاخرة ملتقطًا أغراضه، سلسلة مفاتيحه، سترته الجلدية القاتمة، ارتداها فوق قميصه المفتوح على عجالةٍ ثم أسند الهاتف بين كتفه و رأسه صائحًا :
-أبعت لي اللوكيشن بتاعك و أنا هاحصلك. أنا جاي على الطريق. مش هسامحك لو فوّتها يا وائل مش هسامحك …
و هرول راكضًا إلى الخارج، غير عابئًا بالفوضى التي خلّفها ورائه من زجاجات شرابٍ فارغة و أثاثٍ مبعثر و ألبسة نسائية متناثرة في كل مكانٍ، حتى لم يهتم بتلك الفتاة التي انسحب من جوارها تاركًا إيّاها بلا تفسيرٍ أو استئذانٍ، رغم إنها تشعر بأهميتها لديه من معاملته لها، إنها مساعدته الخاصّة منذ عامين ، و بينهما علاقة أقرّ بها منذ عام، تعرفه و تتآلف بطباعه الخبيثة، و نفس الوقت تطمئن له، و تظن بأنها ليست مجرد علاقة للفراش… فهل صحيحٌ ظنّها ؟
إنها لا تعرف “رامز الأمير” حقًا، مهما ظنّت بأنها اقتربت من هالته الغامضة، الحقيقة إنها لا تفقه أيّ سبيلٍ يؤدي إلى قلبه، أو حتى عقله، وحدها هي التي تملك زمام كيانه، ضالته التي هبطت إلى حياته مصادفةً، فملأتها بهجةً و سعادة، حوّلته من شخصٍ لا مبالي إلى عاشق، إلى رجلٌ يتوق لامرأته، نصفه الاخر، و قد وجدها أخيرًا بعد أن جحد بالفكرة، جعلته يؤمن بها حين ألتقاها، و هي نفسها التي هجرته قبل ما ينوف عن ثلاثة أعوام ؛ هكذا فجأة و بدون أسباب، اختفت من حياته بعد علاقة حب، بل عشق جنوني كاد أن يتخطّى حدود المنطق من شدة تعلّق و إنتماء كلاهما للآخر …
-شمس ! .. همس “رامز” بحسرةٍ تميل للغضب و هو يستقلّ خلف المقود
يشغّل محرّك السيارة و يفعل كل شيء بأيدي نزقة، ينطلق بسرعة كالمجنون، و كأنه يسابق الزمن لإنقاذ حياته، عثوره عليها بعد كل تلك المدة أمر لا يُصدق، لأنه قد بحث، بحق الجحيم إنه لم يترك مكانٍ لم يبحث فيه عنها، نُزُل مشافي و حتى تحقق من قوائم السفر من جميع الموانئ الجوّية و البحرية و لا زال يصله جردًا شهريًا بها، لم يفقد الأمل و مع ذلك علم بأنها لن تسمح له بالعثور عليها
لأنها قالتها له و هي تودعه للمرة الأخيرة بمكالمة هاتفية، لا يزال صوتها آنذاك يرن بأذنيه و هي تقول بصوتها الضبابي المميز : “علاقتنا انتهت يا رامز. أنا آسفة. مش هقدر أكمل. و ماتحاولش تدوّر عليا.. مش هاتلاقيني!” …
جن جنونه يومها، قلب عليها البلدة كلها بحثًا، لكنها كانت صادقة، لم تقل مجرد كلام، لم يجدها ببيتها، و لا في أيّ مكان يعرف إنها قد تذهب إليه، هكذا بهذه البساطة غدرته، بعد أن سلّمها قلبه العزيز على طبقٍ من ذهب، ركلته و هربت !
-شمـس !!! .. تكرر الهمس بين شفتيه المطبقتين
شدد قبضتيه حول المقود و هو يحدق في الطريق و كأنه شياطين تبتلعه، لا يستطيع تخيّل شعوره لحظة رؤيتها مرةً أخرى، ماذا ستقول ؟ كيف تُبرر ما فعلته به ؟
بل ماذا سيفعل هو بها ؟؟؟
لقد عذّبته و أذّلت رجولته بتخلّيها عنه، هو الذي عاش حصينًا عن شِراك الجنس الآخر، وقع في حبائلها هي، بعد زمنٍ طويل من العزوبية هي الوحيدة التي دفعته للتفكير في زواج و بيتٍ مستقر و تكوين أسرة، كان جادًا معها و كل شيء لعين كان على ما يُرام
كيف استطاعت التفريط به ؟
ما الخطأ الذي اقترفه ؟
لماذا !!؟؟؟
واصل “رامز” القيادة على أقصى سرعة و قد بلغ بوابات المدينة متجهًا إلى الإسكندرية …
*****
لقد رأت هذه السيدة مراتٍ كثيرة من قبل، في صحف و مجلّات، في محفظة أبيها حيث صورة تضمّه مع أسرته الكبيرة _ ما عدا هي بالطبع _ و لكنها المرة الأولى الآن التي تراها وجهًا لوجه على أرض الواقع
السيدة “فريال المهدي”.. زوجة رجل السلطة و الجاه.. رجل الأعمال الشهير “يحيى البحيري”… تلك ضرّة أمها !
للعجب
كانت أجمل بكثير على الحقيقة، الصور لا تنصفها أبدًا، و رغم تقدمها في العمر، لكنها لا زالت كالزهرة الفائحة أريجها، جميلة، مهيبة، أيقونة ارستقراطية و هي تقف عند منتصف الدرج العريض بلباس النوم، يغطي كتفيّها روبًا حريريًا محلولٌ عقدته فوق الخصر …
-مين حضرتك ؟ .. تساءلت “فريال” و هي تحدق بالضيفة الغريبة
لقد رأتها للتو برفقة إبنها، و لكنها لم تتعرّف عليها مطلقًا، مع ذلك يبدو وجهها مألوفًا !!
ابتسمت الأخيرة بحلاوةٍ تليق بها و جاوبتها برقة :
-أنا اسمي شمس. عثمان يعرفني. لو مش هايضايق حضرتك هستناه لما يرجع عشان عايزاه في موضوع مهم جدًا.. و ممكن لما يرجع هو يعرفنا على بعض أكتر !
اكتسى وجه “فريال” بالأسى من جديد و هي تقول ناظرة بين الطابق العلوي و الضيفة الماثلة أمامها :
-عثمان مش بيرد عليا و باين مش راجع دلوقتي. ربنا يستر. أنا كنت لازم أروح معاه أطمن على سمر بنفسي. بس مقدرش أسيب الولاد لوحدهم و مافيش حد مننا جمبهم !!
إنبلج التعاطف على وجهها المليح و هي تقول بتأثرٍ متكلّف :
-سمر مرات عثمان صح. ماتقلقيش سليمة إن شاء الله. هاتبقى كويسة.
تضرّعت “فريال” بحرارةٍ دامعة العينين :
-يارب.. يارب ترجعي بالسلامة يا سمر. دي بنتي التانية إللي مخلّفتاهش !
زيّن ثغر “شمس” نصف ابتسامة و هي ترمق زوجة أبيها الراحل، لديها فكرة عن كم إنها امرأة رقيقة و هشّة، و عطوفة على الجميع، لقد رأت اليوم و بالدليل الدامغ صحّة تلك الإدعاءات كلها ؛ و لكن هل يا ترى ستنال هي حظًا من عطفها ؟
أم إنها ستحصل على النتيجة المتوقّعة لمجيئها و الإفصاح عن هويتها الحقيقية !؟؟
في جميع الحالات، لقد فات أوان العودة للوراء، و هي، حتى لو عاد الزمن ألف مرة كانت ستأتي و تكشف كل شيء، أجل ستخلّ بوصية والدها، ستحنث بوعدها إليه، و لكنها ستظفر بعائلة
لا تعلم هل سيتقبلونها أم لا، و لا يهمها، لقد جاءت من أجل أخيها، بعد سعيها ورائه و مراقبته في الخفاء لسنواتٍ خلت، لن تتركه الآن و لن تفارقه أبدًا، إلا إذا أراد هو منها أن تفارق، يستطيع إقصائها بكلمةٍ ة منه، و لن تعترض.. الأمر كله عائد إليه …
*****
كان المطر ينهمر مدرارًا، و السماء مكفهرّة بغيومٍ سوداء و الرعد يدوي عنيفًا و كأنه إنعكاس لحالته.. هذا “عثمان” يقود سيارته محطمًا، بينما الرؤية مشوّشة في عينيه بسبب سيل المياه المنهمر على الزجاج الأمامي و لم تفلّح المسّحات بازالته تمامًا
المسافة بين قصره و المشفى الخصوصي التي أوصى بنقل زوجته إليها رأسًا من مكان الحادث لا تزيد عن خمسة عشر دقيقة إذا كان يقود بشكلٍ معتدل، فما بال الطريق يبدو سحيقًا بلا نهاية و هو يقطعه بهذه السرعة الفائقة !!؟
لحسن حظه لم يكن هناك اكتظاظًا مروريًا بسبب سوء الطقس و النوّة الشديدة على السواحل، أمضى كل هذا الوقت في الدعاء و استراق النظر إلى هاتفه الملقى بجواره على مقعد الراكب لعل اتصالًا يورد إليه يطمئنه عن حالة زوجته، لكن لا شيء سوى محاولات أمه للتواصل معه، و لم يلبّي أيًّا منها، لأنه هو نفسه لا يزال جاهلًا، و الخوف يتعاظم بداخله مع مرور الوقت …
حين وصل أخيرًا صطف السيارة باهمالٍ أمام بوابة المشفى، و ركض نحو المدخل، كان أسرع من الأبواب المنزلقة إلكترونيًا، فاضطر إلى التوقف عن الركض لبضع لحظاتٍ حتى يتباعد مصراعيّ الباب ليتمكن من الدخول، واصل ركضه على الفور بثيابٍ نصف مبتلّة و شعره بالفعل ملتصقًا بجبينه و مؤخرة رأسه، اتجه مباشرةً إلى مكتب الطوارئ
هناك تجلس موظفة شابة خلف حاسوبها، رفعت عينيها عنه فورًا لتنظر إلى الرجل اللاهث الذي نطق بفزعٍ لا يخلو من الغلظة :
-مراتي فين ؟
نظرت إليه بتعبيرٍ متعاطف و هي ترد عليه برفقٍ :
-مافيش حالات دخلت الطوارئ إنهاردة غير من خمس دقايق بس. واحدة ست جت في حادثة عربية. حضرتك إللي دفعت الحجز المسبق ؟ الحالة تقرب لك ؟
صاح “عثمان” بها بوحشيةٍ و قد نفذ كل صبره :
-بقـولك مـراااتي. هـي فيــــن ؟
لم تؤاخذه الأخيرة بسبب حساسية الموقف، لكنها أيضًا لم ترد في الحال، بل رفعت سمّاعة الهاتف و أجرت اتصالًا عاجلًا لم يستغرق عشر ثوانٍ، ثم أقفلت و عاودت النظر إليه قائلة بلطفٍ :
-الدور الأول قسم العمليات قاعة 2 !
لم ينتظر “عثمان” تتمّة عبارتها، سجّل عقله الوصفة على الفور، انطلق مهرولًا نحو الدرج، أقرب إليه من المصعد، و أسرع في حالته هو، في غضون ثوانٍ كان أمام القاعة التي دلّته عليها الموظفة، اقترب من الباب المغلق يطلّ عبر النافذة الزجاجية الصغيرة علّه يرى شيئًا، لكن لا شيء سوى معدّات طبيّة كثيرة، و ظلال للأطبّاء العاملين بالداخل و ربما يرى بعضٌ منهم
لكنه لا يلمح أثرًا لزوجته، لا أثر !
لم يجد بدًا من الانتظار، انتظار طويل، هو وحده يجول بساحة الانتظار أمام غرف العمليات و القلق ينهشه.. حتى دفع الباب طبيبٌ مسن أخيرًا و بعد ساعةٍ و نصف بالداخل …
-دكتور أرجوك طمنّي. مراتي عاملة إيه !؟ .. تصاعد هتاف “عثمان” بقلقٍ و هو يسرع نحو الطبيب
خلع الطبيب صدريته و قلنسوته متنهدًا و هو يخاطب الزوج الهلوع :
-أطمن يا بيه. الحالة كانت بسيطة رغم صعوبة الحادث. كانت مجرد رضوض في الصدر و خلع للكتف. إللي قلقني لما شوفت على الأشعة نزيف في الأمعاء.
برزت عينيّ “عثمان” و هو يكرر بتوترٍ :
-نزيف !!
طمأنه الطبيب : مافيش داعي للقلق. أنا دخلتها عمليات فورًا. الحمدلله خيّطنا جزء من الأمعاء و دلوقتي أمورها بخير تمامًا. كمان شوية طاقم التمريض هاينقلها جناح خاص و لما تستعيد وعيها طبعًا تقدر تطمن عليها بنفسك.
زفر “عثمان” بقوة و هو يفرك جبينه، ثم نظر إلى الطبيب مرةً أخرى و شكره بامتنانٍ :
-أنا عاجز عن الشكر يا دكتور.
الطبيب بابتسامة : لا شكر على واجب. حمدلله على سلامة المدام.
و انسحب تاركًا إيّاه وحده، في انتظار خروج زوجته، تناهى إلى سمعه نقر حذاء يقترب منه، استدار ليجدها سكيرتيرة زوجته، تقبل عليه و الدموع ملء عينيها …
-مستر عثمان ! .. هتفت “رانيا” بصوتٍ باكي
توقفت أمامه مغمغمة و هي بالكاد تلتقط أنفاسها :
-أنا كان لازم أرجع بيتي الأول عشان أوصل ابني عند ماما. بس أنا ماسبتش مدام سمر إلا لما جت الإسعاف. وصلت ابني و جيت على هنا علطول. من فضلك طمنّي عليها !!!
تحدّث “عثمان” إليها برفقٍ :
-ماتقلقيش يا رانيا. الدكتور طمنّي على حالتها. سمر بخير. إن شاء الله هاتفوق و نطمن عليها أكتر. إن شاء الله هانخرج بسرعة من هنا.
أومأت “رانيا” مؤيدة كلماته :
-إن شاء الله. يارب. يارب ..
شعر باهتزاز هاتفه بجيب سترته الآن، فانزوى عن الفتاة الشابة و أخرج هاتفه ليرد أخيرًا على اتصال أمه :
-آلو. ماما !
-ماما إيه يا عثمان. حرام عليك يابني. سايبني هموت من القلق كده و مش بترد عليا !!
-أنا آسف. آسف جدًا. بس كنت مشغول بيها. لسا الدكتور مطمنّي.
-طمنّي أنا كمان. سمر عملت إيه ؟
-الحمدلله مافيش خطورة. حالتها مستقرة ماتقلقيش.
-طيب أنا هاجي لك. مش هقدر أستنى عندي أكتر من كده. ممكن أسيب الولاد مع الدادة. بس الضيفة إللي جات لك دي مش عارفة أتصرف معاها إزاي !
و كأنه قد نسي الخبر الذي هبط على رأسه كصاعقةٍ، ذكرته أمه الكارثة التي زارته مساء اليوم، ألا زالت هناك ؟ حقًا.. هي مع أمه في هذه اللحظة، و يمكن أن تخبرها ما أخبرته به ؟
اللعنة !!!
-ماما من فضلك إلبسي و خلّي السواق يجيبك ليا على هنا. فورًا ! .. كانت لهجته الآمرة تختلج بالغضب الدفين
جاء صوت أمه مستغربًا :
-أنا كنت فكراك هاتعترض يا عثمان. في حاجة و لا إيه !؟
نفى متمالكًا أعصابه بجهد :
-مافيش حاجة يا فريال هانم. أرجوكي أعملي إللي بقولك عليه. و هاتي معاكي الولاد. كلهم. أما الضيفة دي سبيها زي ما هي. أطمن على سمر بس و هارجع لها.
إلتقطت أذنه الحسّاسة في هذه اللحظة صوت إنفتاح بوابة العمليات، فأنهى المكالمة مع أمه مسرعًا :
-يلا يا ماما من فضلك. أعملي إللي قلت عليه حالًا. و لما توصلي كلّميني. مع السلامة !
و أغلق معها …
ثم استدار من فوره ليراها، زوجته، إنها تستلقي فوق سريرٍ جرار يسحبه إثنان من طاقم التمريض، بينما يتولّى فرضٌ ثالث حمل كيس المحلول العلاجي فوق رأسها المحاط بالضماد، سارع “عثمان” إليها و هو يطل فوق وجهها بنظراتٍ متلهفة
سار مواكبًا إيّاها تتبعه “رانيا”.. بينما يمد يده ماسحًا بكفّه على وجهها المكدوم، و رأسها العاري، إنها بلا حجابٍ الآن، و لكن ليس عليها حرج، لقد نجت للتو من هلاكٍ محتّم
ليطمئن عليها أولًا.. ثم يُهيئ لها كل ما يلزمها لتعود أفضل مِمّا كانت …
*****
توقّعت منه ردًا كهذا، إنه يحاول حماية أمه منها الآن، يريدها أن تبتعد عنها لئلا تفجر القنبلة بوجهها هي الأخرى، و لكنه لم يكن يعلم بأنها لم تهدف لذلك من البداية، هي لم تأتي لتكشف عن نفسها أمام السيدة “فريال” بالأخص، إنما جاءت لأجله هو، جاءت لتلتقي بأخيها و تعرّفه عليها أخيرًا …
-أنا آسفة بس لازم أروح المستشفى لعثمان ! .. قالتها “فريال” و هي تقف ثانيةً أمام الضيفة
كانت في كامل أناقتها و رقيّها، محاطة بثلاثة أطفال ذوي أعمار متفاوتة، تفرك رأسه أوسطهم و هي تقول على عجلة من أمرها :
-أنا كلّمته و قالّي إنه هايرجع يكمل كلامه معاكي. لو عندك وقت ممكن تستني هنا لحد ما يرجع لك.
سارعت “شمس” قائلة قبل أن تخطو “فريال” خطوة للأمام :
-pardon فريال هانم. أنا ممكن أجي معاكي. الواجب بردو أطمن على سمر بنفسي أنا كمان.
نظرت لها “فريال” حائرة، لكنها هزت كتفيها في الأخير و قالت :
-أوكي. زي ما تحبي. بس أنا هاخد العربية أنا و الولاد بالسواق !
رفرفت “شمس” بأهدابها الطويلة المطليّة بالماسكرا الفاحمة و قالت باسمة :
-أنا معايا عربيتي. هاكون وراكوا بالظبط.
*****
كان منهمكًا في مواصلة الإنطلاق إلى الوجهة التي أرسلها له صديقه، بلغ تخوم مدينة الإسكندرية منذ دقائق، و ها هو يشق طريقه بالشوارع و المناطق التي يحفظها عن ظهر قلب، لم ينتبه و هو يسير بتركيزٍ و يقترب من هدفه إلى أنه بالفعل جاء إلى هنا من قبل !
تلك المنطقة الراقية التي يمر بها، ليست بغريبة عليه، بل إنه ذرعها زيارات و أحيانًا إقامات في ضيافة أقرب أصدقاؤه القدامى.. رباه !!
-قصر البحيري ! .. تمتم “رامز” عندما استقر بنقطة الموقع المرسل إليه
و ترجل من سيارته متطلّعًا بتدقيق إلى البناء المهيب الأبيض، إنه هو، يقسم بأنه هو قصر “البحيري”.. هنا يعيش صديقه المقرّب “عثمان البحيري”.. هذا البيت كله ملكًا له و لعائلته فما شغل “شمس” هنا !؟؟
-رامز !
إلتفت “رامز” إلى نداء صديقه “وائل”.. كان ينتظره أمام سيارته و مضى نحوه ما إن رآه …
-شمس دخلت البيت ده من حوالي ساعة و أكتر و لسا ماخرجتش !
قست ملامح “رامز” و هو يسأله بغلظةٍ :
-محدش دخل أو خرج طول المدة دي ؟؟
-في واحد خرج من شوية. بس شمس لسا جوا !
كان “رامز” قد أستلّ هاتفه أثناء حديث الأخير، بدون تفكير وجد رقم “عثمان” و أجرى الإتصال به على الفور واضعًا الهاتف فوق أذنه، أنتظر حتى انقطع الاتصال، لم يرد صديقه، فسحب الهاتف شاتمًا، في نفس اللحظة دفعه “وائل” بكتفه صائحًا :
-أهيه شمس أهيه يا رامز !!
إندفع ناظريه على الفور صوب النقطة حيث أشار صاحبه، و بالفعل، رآها، رآها و قد تصدّع ما تبقّى من إلتئام قلبه، إنشطر إلى نفصين لحظة احتواء عينيه لوجهها، لم يلاحظ إنها كانت تسير خلف سيارة نقلت السيدة “فريال” و مجموعة من الأطفال، لم يلاحظ سواها هي
بعد مدة اختفائها، بل هروبها منه، ها هي أخيرًا أمامه، صارت في متناوله، مع عليه إلا أن يمد يده و يأخذها، و هو ما لم يتردد بفعله لحظة اقترابها من سيارتها المصفوفة على مقربة ن بوابة قصر “البحيري”.. هرول ناحيتها بخطواتٍ صمّاء
و قبل أن تمتد يدها لتفتح باب السيارة، كان قد هجم عليها من الخلف مكممًا فاها الصارخ في الحال بكفّه الغليظ، و محيطًا خصرها النحيل بذراعه المفتولة العضلات، حملها بهذا الشكل عائدًا إلى سيارته أمام أنظار صديقه المذهولة، لم يجرؤ على التدخل، و لا حتى التفوّه بكلمةٍ واحدة …
*****
الآن يمكنها أن تمتثل للشفاء العاجل …
بعد أن كثّف الجهود الطبّية عليها، يأتي الطبيب مرة كل ساعةٍ ليلقي نظرة عليها، بينما هو، زوجها، لا يتركها طرفة عين، يركع بجوارها على الأرض المكسوّة بالموكيت الفاخر، كل شيء هنا بالجناح نظيفٌ و لائق
يداه تصل لشعرها، يداعبها بلطفٍ و عيناه ملآى بالأهتمام، يتأمل صفحة وجهها الجميلة، كم شحبت قليلًا بسبب الحادث، و هناك عاى جانب جبهتها أثر لكدمة خفيفة، إنها تميل للون الأحمر الآن، لكنها ستكون باللون الأزرق حتمًا بالنظر إلى الغد
حبيبته المسكينة !
كيف نسي كم هي أرق من أن تُخدش ؟ .. إنها تستمد منه القوة على أيّة حال.. ما دامت تشعر بقربه فهي قوية تقدر على مواجهة العالم بأسره… كيف يطمئنها بأنه هنا قريبًا منها في هذه اللحظة ؟
لا بد إنها في مكانٍ ما داخل عقلها، و لكن هل تشعر به، متى تفيق ؟
لا يمكنه الصبر أكثر من ذلك، سيفقد عقله إن لم يراها بعينيه تفتح عيناها و تتحدث، حتمًا سيفقد عقله …
-فوقي بقى يا سمر ! .. قالها “عثمان” هامسًا بوهنٍ قرب أذنها
لثم خدّها بعمقٍ مستطردًا :
-اصحي يا حبيبتي. اصحي ماتجنّنيش !!
و كأنها بالفعل استجابت لكلمته
شعر بها تتململ أولًا، كانت حركتها ضعيفة للغاية، مرتجفة، ارتد للخلف قليلًا بلحظة ليلقي نظرة على وجهه، راقب ملامحها و هي تتلوّى بألمٍ، ثم يصدر منها أنينًا طويل ينم عن حجم الأوجاع التي لحقت بها …
-سمر. حبيبتي. حمدلله على سلامتك يا عمري. حمدلله على سلامتك !
بقي “عثمان” يهدل هكذا بسعادةٍ، لكنها لا تزال مغمضة عينيها، و نطقت أول كلمة في الحال بصوتٍ ملؤه الوجع :
-عطشانة !
يتوقف عن معاينة وجهها فورًا، ينهض خلال ثانية متجهًا نحو الطاولة القريبة، يصب لها كأسًا من الماء، ثم يعود مسرعًا، ينحني فوقها مادًا يده ليرفع مؤخرة عنقها، و يدفع بيده الأخرى الكأس تجاه فمها و هو يحثّها برفقٍ :
-أشربي يا حبيبتي. على مهلك ..
لثمت “سمر” حافة الكأس بشفتيها تتلهف لرشف أكبر قدر من المياه، لكنه أصر أن تأخذ على دفعاتٍ، حتى أنهت نصفها، فأبعده عنها قائلًا بحزم :
-كفاية كده. كمان شوية أشربك تاني و يكون الدكتور جه يشوفك.
استدار ليضع الكأس فوق منضدة محاذية، ثم عاود النظر إليها ثانيةً فإذا بها قد فتحت عيناها، ابتسم و هو يرنو إلى بهاء مقلتيها الزمرديتين، و لكن ابتسامته تلاشت تدريجيًا و هو يرى هذا التعبير على وجهها، تعبير واجم، يميل للخوف، و فجأة عيناها المؤثرتان صارتا تتمعنا في وجهه لعدة ثوانٍ قبل أن تفتح فمها المرتعش و هي تقول بلهجة تشبه الاستغاثة :
-انت مين ؟
الفصل الثاني _ الماضي في صور _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
الربيع… تتفتّح أزهاره و يعبّق أريجه مع نسيم البحر عروس الأبيض المتوسط.. “الإسكندرية” الساحرة بموجها الفيروزي و شواطئها الذهبية
بعد يوم مزدحم بالعمل، يغادر “يحيى البحيري” مبنى شركته أخيرًا متجه نحو سيارته المخصوصة، يعتلي المقعد الخلفي و هو يلتقط أنفاسه بإرهاقٍ واضح، يغلق في إثره رادًا التحيّة على سائقه المسن :
-مساء النور يا عم جابر. معلش إن كنت خلّيتك ترجع توصلّني البيت. بس حقيقي اليوم كان طويل و متعب و خلاص مش قادر أعمل بنفسي أي حاجة تاني.
يرد المدعو “جابر” بلطفٍ ناظرًا إليه عبر المرآة الأمامية :
-أنا خدّامك يا بيه و تحت أمرك في أي وقت.
يحيى مبتسمًا : ماتقولش كده يا راجل يا طيب. انت غالي عليا يا عم جابر كفاية إنك من ريحة أبويا الله يرحمه.
-الله يحفظك يابني و يسترها معاك دنيا و آخرة. تسلم يا يحيى بيه.
لاحظ “يحيى” اهتزازًا قوي بصوت الأخير، فقطب مدققًا النظر إلى وجهه عبر المرايا، ليرى عيناه محمرّتين و كأنه يبكي فعليًا، و قسمات وجهه بدت متعبة و ذابلة عن المعتاد …
-انت كويس يا عم جابر ؟ .. قالها “يحيى” متسائلًا باهتمام
فشل “جابر” بامساك دمعته من الفرار بين جفنيه، مع ذلك حاول أن يرد بصوتٍ طبيعي :
-أنا كويس يا بيه. كويس !
لكنه لم يستطع خداعه تمامًا، و شعر “يحيى” بالفضول و القلق على تابعه الأمين، فأمره بحزمٍ متناسيًا تعب النهار كله :
-طيب اركن بينا عند “******” إللي على البحر. نفسي رايحة لفنجان قهوة في الوقت ده.
أطاع السائق المسن أمر سيده دون أن يشك لحظة بنيّته، إلا إن “يحيى” ما كان ليجعله يعترض في جميع الأحوال، و ما كان ليتركه دون أن يعرف ماذا به بالضبط
دقائق و كانا يجلسان داخل مقهى شهير يطلّ على البحر مباشرةً، بعد مقاومة من “جابر” بأن لا يصح أن يُجالس السيد في مكانٍ كهذا، و لكن كلمة “يحيى” كانت أمر نافذ بالنسبة له، فرضخ لمشيئته في الأخير و ها هو يجلس أمامه، يطالعه “يحيى” بنظراتٍ متفحصة و هو يحتسي فنجانه قهوته باستمتاعٍ، بينما “جابر” لم يمد يده إلى قدح الشاي الذي طلبه
بقي شاردًا هكذا منذ جلوسهما، علامات الكآبة تبدو عليه، و لا يدري “يحيى” أهذا إعياء الذي يهدّل محيّاه الهرِم أم ماذا !؟
-إيه يا عم جابر ! .. هتف “يحيى” بابتسامته الجذّابة مبددًا الصمت بينهما
انتفض “جابر” بخفةٍ منتبهًا من شروده، نظر إلى سيده قائلًا :
-أؤمرني يا بيه !؟
يحيى بهدوءٍ : مش هاتقولي مالك بقى. أنا جبتك و قعدنا هنا مخصوص عشان أعرف فيك إيه. شكلك مش عاجبني. قولّي مالك يا عم جابر ؟
تململ “جابر” بمكانه مجفلًا و هو يقول بتوتر :
-ماليش يا بيه. أنا كويس الحمدلله …
ابتسم “يحيى” كما لو أنها لم تنطلي عليه و قال :
-يا عم جابر. انت شايفني عيّل صغير قدامك ؟
-العفو يا بيه. ينقطع لساني لو أقول كده. ده انت على راسي يابني و ليك مكانتك في قلبي ربنا إللي يعلم.
-طيب طالما كده يبقى تفتح لي قلبك. أنا مش زي إبنك ؟
-و أكتر يابني. أنا أفديك بروحي. ده انت ابن صالح بيه البحيري الراجل إللي طول عمره خيره عليا و على بيتي حتى بعد ما مماته.
حافظ “يحيى” على ابتسامته و هو يقول :
-قولّي يا عم جابر.. فضفض !
في البداية لم يستطع “جابر” البوح بكلمةٍ، لكنه مع نظرة “يحيى” المصممة، تنهد بانهزامٍ و مضى يحكي له عن السر الذي حمله على عاتقه لأيامٍ حتى كسر ظهره بالفعل، و لم يعد بقادر على كتمانه دون أن ينهار
انهار بالفعل أمام “يحيى”.. بكى وهو يخبره عن مرضه العضال الذي اكتشفه مؤخرًا… و بكى بحرقةٍ أكثر و هو يخبره عن إبنته الصغيرة التي ليس لها سواه في الدنيا و عن مخاوفه من أن يأخذه الموت و يتركها بمفردها لقمة سائغة بفك الأقدار المجهولة
كان “يحيى” متأثرًا بالفعل، و رؤية “جابر” يبكي بهذا التداعي لم تسهم إلا في ازدياد جزعه و هو يحاول عبثًا تهدئته :
-إهدا يا عم جابر. وحد الله كده. صدقني مافيش مشكلة مالهاش حل.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
يسحب “جابر” منديلًا آخر و هو يجفف عينيه التي لا تكف عن ذرف الدموع، و ير على سيده بصوتٍ ملؤه النشيج :
-إلا مشكلتي يابني. أنا راجل كبير و ماليش حد في الدنيا غير بنتي. و الدكتور قال مرضي مالوش علاج. أيامي بقت معدودة.
يحيى بنزقٍ : مين قال. مايعلمش الغيب إلا ربنا يا عم جابر. محدش يعرف هايموت إمتى و لا إزاي. انت مش مؤمن بالله و لا إيه. ربنا سبحانه و تعالى قال : “”وَما تَدْري نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْري نَفْسٌ بِأيِّ أرضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير”.
جابر بآسى : صدق الله العظيم. و نعم بالله. أنا مؤمن و الله. و أقسم لك مش فارق معايا الموت من الحياة. أنا بس خايف على رحمة بنتي. مالهاش غيري. لا أم و لا أخوات و أنا أصلًا مقطوع من شجرة. يعني لو ربنا خد أمانته في أي وقت هاسيبها لوحدها و هاتتبهدل من بعدي.
-أنا مش فاهم انت ليه متشائم كده. قلت لك مافيش مشكلة مالهاش حل بإذن الله. أنا من بكرة هاعرضك على أحسن دكاترة في البلد. و لو حكمت أسفرك برا هاتكفل بمصاريف علاجك من الألف للياء يا عم جابر و لا تشيل هم. و بنتك لا هاتكون لوحدها و لا حاجة. أنا هاخد بالي منها. مش بس كده هاشغلها عندي في الشركة كمان و بكده قلقك عليها مالوش داعي.
كل ما سمعه “جابر” للتو غير قابل للتصديق، فما كان منه إلا ان أنكر هذا الكرم بعزة نفسٍ :
-أنا مش عارف أشكرك إزاي يا يحيى بيه. بس سامحني مش هقدر اقبل منك كل ده. بالأخص إن زب ما قلت لك. حالتي مالهاش علاج. أنا عندي الخبيث في الدم !
وأد “يحيى” اعتراضاته بإشارة من يده قائلًا :
-أنا مش عايز اسمع الكلام ده تاني. انت أمانة أبويا. و معلش ماتزعلش مني برضاك غصب عنك هاتسمع كلامي. حتى لو زي ما بتقول أنا هاعمل إللي عليا معاك و الشفا ده من عند ربنا. مفهوم يا عم جابر ؟
نظر له “جابر” و لم يعرف بماذا يرد، فاستطرد “يحيى” بصوتٍ أجش :
-بالسنبة لبنتك بكرة تجبهالي الشركة. أنا هاحطها بنفسي في مكان كويس. و مرتبها كمان أنا إللي هاكتبه بإيدي.
هز “جابر” رأسه مدمدمًا بحرج :
-أنا و الله ما عارف أشكرك إزاي. كلك كرم زي أهلك يابني. بس أنا مش عارف إن كنت فاكر و لا لأ. أنا قلت لك قبل كده ان رحمة بنتي مش متعلمة. أنا قعدتها في البيت بعد الإعدادية. هاينفع تشتغل في الشركة. لو ينفع أنا مش هابقى عايز حاجة اكتر من كده. كفاية تكون تحت عنيك انت !
صمت “يحيى” متفكرًا، و قد وجد صعوبة بالفعل في حل تلك المعضلة، ماذا ستفعل في شركته الكفؤة فتاة مثلها بشهادة أدنى من المتوسطة !؟
من المستحيل أن تفلح بأقل وظيفة لديه.. كيف يصنع معها إذن !!!
-ماتقلقش يا عم جابر ! .. قالها “يحيى” مبتسمًا ببساطةٍ :
-ليها حل إن شاء الله.. و دلوقتي قوم معايا يلا عشان أوصلك بيتك.
و قام “يحيى” مرتديًا سترته من جديد، قام “جابر” هو الآخر قائلًا و هو يتطلّع إليه :
-لا توصلني إيه يا بيه. أنا إللي جاي عشان أوصلك !
تنهد “يحيى” بصبرٍ و قال بصرامة :
-عم جابر. هي كلمة واحدة من فضلك. أنا إللي هاوصلك.. اتفضل قدامي.
و رمى فوق الطاولة بورقتين نقديتين.. ثم لحق بالسائق بعد أن أصر ان يتقدّمه …
في غضون ثُلث ساعة، كان يصطف “يحيى” سيارته هنا، أمام بيتٍ متواضع من أربعة أدوار بمنتصف حارة ضيّقة بالكاد اتسعت للسيارة الفخمة التي وطأتها باصرار، يفتح “جابر” باب السيارة من جهته و ينزل، لكنه ينحني ليخاطب السيد قائلًا :
-أنا عارف إن بيتي مش أد المقام. بس أزعل أوي لو تيجي لحد الباب و ماتدخلش نضايفك أي حاجة.. ها. تدخل و لا ماتدخلش يا يحيى بيه ؟
تشكّلت على ثغره ابتسامته الدقيقة الحلوة مجددًا، ليقول بكياسته المعهودة :
-أدخل يا عم جابر. ادخل طبعًا.
و حقًا لم يتردد و هو يغلق السيارة و ينضم إلى سائقه، أثناء مروره ناحيته بالكاد تفادى “يحيى” و بالوقت المناسب مياه قذرة ألقت من الأعلى، لم يصدق نفسه لوهلةٍ، بينما أحس “جابر” بحرجٍ شديد و هو ينفض عن كتفيّ سيده متمتمًا باعتذار :
-أنا آسف يابني. حقك عليا أنا. أنا آ …
-مافيش حاجة يا عم جابر ! .. قاطعه “يحيى” مهدئًا إيّاه :
-أنا كويس ماحصلش حاجة.
رغم ذلك بقي الخير يتمتم بعبارات الإعتذار، و سار “يحيى” من خلفه و هو يتأمل المكان من حوله، مدخل البيت المتهالك، العفن و الرطوبة بالداخل، كان كل شيء متسخ و في حالة يُرثى لها.. حتى دفع “جابر” بمفتاح باب الشقة بالقفل و فتحه
أفسح له داعيًا إيّاه :
-اتفضل يا يحيى بيه. نوّرت و شرفت.
تقدّم “يحيى” بخطى مدروسة للداخل و هو ينظر إلى المساحة المحدودة باعجابٍ، كان غير مصدقًا، النظافة و الترتيب بالداخل يُناقض تمامًا ما رآه قبل لحظات بالخارج، صحيح أن الأثاث رث و المفروشات تنم عن رخصها، و لكن البيت كان جميلًا، دافئًا بطلاؤه الجديد، و أرضه اللامعة، و تلك الرائحة الزكية المنبعثة من مبخرة قبعت هناك فوق طاولة مقابلة للشرفة المفتوحة و المطلّة على الحارة، إن هذا البخور جيد حقًا، رائحته… جميلة !!
-رحمــة !
إلتفت “يحيى” لحظة هتاف “جابر” باسم إبنته، لم يتسنّى له منادتها مرةً أخرى، إذ ردت عليه قبيل ظهورها بلحظاتٍ :
-نعم يا بابا. انت وصلت.. أنا جاية أهـو !
و ظهرت “رحمة” …
خرجت عبر باب لغرفةٍ جانبية تمسك بفوطة تنظيف تحمل القليل من الأتربة
غير ممكن.. هل هذه هي “رحمة” !؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خلال دردشة بسيطة في الطريق إلى هنا أخبره والدها بأنها بالكاد تبلغ الثامنة عشرة من عمرها.. و لكنها لا تبدو صغيرة إلى هذا الحد
اللعنة !!!
كانت امرأة شابة، ذات شعرٍ فاحم مجعّد ينثر من حولها نعومةٍ أنثوية، طويلة القامة، بشرتها حليبية ناصعة، ملامحها حادة الجاذبية، مفاتنها قد نضجت أسفل ثيابها بشكلٍ ملحوظ يثير الغرائز علانيةً
كانت بلا شك ذات مظهر فقير، و لكنها في الوقت ذاته جميلة هي التي تعطي قيمة ما ترتديه، ببلوزتها الصفراء الخفيفة، و تنورتها البنيّة التي رآها “يحيى” قصيرة جدًا بحيث أبرزت ركبتاها و جزء من فخذيها، لم يدرك إلى أيّ حد كان يلتهمها بنظراته و انها هي أيضًا كانت تحدق فيه كما لو أنها لم ترى رجال أبدًا
ليقطع صوت “جابر” جو التأملات هذا على الفور و هو يصيح بحدة :
-خشي يابت إلبسي حاجة بسرعة. عندنا ضيف !!
و لم يكمل أبيها جملته إلا و لاذت بالفرار عائدة داخل الغرفة بعيدًا عن مرمى نظرات “يحيى” …
كان الأخير مرتبكًا بشدة، يتنفس بثقلٍ و هو لا يستطيع محو صورتها من أمام عينيه، لا يعرف ماذا أصابه، إنه متزوج، لديه امرأة يعشقها و يحسده عليها القريب قبل الغريب، كيف إذن تحرّك مشاعره فتاة مثل تلك ؟
كيف تجتذب عيناه إليها بهذه الطريقة و تثيره !
بحق الجحيم !!
إنه حقًا مُثار، و منها هي، إبنة السائق !!!
_______________
أجفل “عثمان” من سؤالها غير المتوقع بالمرة، في البادئ لم يبدر إلى ذهنه إجابة، و لم يحاول أن يجاوبها على هذا أصلًا، أثارت ريبته أكثر و هو يرى خوفها يتفاقم
جسدها يرتعش بوضوح، الجزع يُحدد ملامح وجهها و هي تنظر إليه بهذه الطريقة كما لو أنه غريبصا عنها، أو.. عدوها !!!
-سمر. حبيبتي. ماتخافيش انتي بخير. الحادثة كانت بسيـ …
-إبعد عنـــي ! .. قاطعته صارخة قبل أن تمتد يده لتلمسها
و رغم آلامها الجسيمة، إلا أنها وجدت القدرة لتقفز من السرير الطبّي لتفر منه أقصى ما يمكنها بآخر نقطة بالجناح، وسط ذهوله و عدم قدرته على إستيعاب ما يحدث معها …
الهواء حولها يصير ثقيلًا، ثقيلًا جدًا لتتمكن من استنشاقه، لا زالت تلوذ بالجدار الصلد من خلفها، محاصرة في تلك الزاوية، لا تستطيع حراك، بلباس المشفى و الضمادات تُحيط برسغها و رأسها، و هناك آلام سحيقة تنهش أضلاعها، ترفض التخلّي عن المزهرية التي تشهرها بوجه ذاك الغريب كمحاولة دفاعٍ واهية
في قرارة نفسها تعلم يقينًا بأنها لن تتغلّب على كائنٍ مثله، بنظرة فاحصة سريعة تمكنت من ملاحظته جيدًا، رجل بطوله و ضخامته، و وجهه الوسيم الخطر في آنٍ، إنه يبدو نظيفًا و علائم الثراء تتجلّى عليه، لكنها لا تعرفه، إنه غريب، غريب استيقظت من نومها لتجده بوجهها !
أين هي بحق الجحيم ؟ أين والديها ؟ أين شقيقها ؟ أين أختها الرضيعة !؟؟؟
اتسعت عيناها بخوفٍ مضاعف و هي تراه يتقرّب إليها على مهلٍ …
-سمر ! .. يُكرر “عثمان” بهدوءٍ و هو يحاول أن يمسك ذراعها
لكنها تنتزعه من قبضته بالقوة صارخة بذعرٍ :
-ابعد عنـي. اوعـى تلمسني. ابعــد عنــــي …
ينظر إليها “عثمان” بتعبيرٍ مصدوم، ليأتي الطبيب في هذه اللحظة من ورائه متسائلًا :
-إيه إللي بيحصل !؟
نظر الإثنان نحوه، و خاطبه “عثمان” بصوتٍ أجش :
-تعالى شوف مالها يا دكتور. دي حالتها صعبة. مش طبيعية خالص. دي مش عرفاني !!
رفع الطبيب كفّاه و هو يقول مُهدئًا :
-طيب بالراحة بس. دي يا دوب لسا فايقة يا عثمان بيه ! .. ثم حوّل نظراته صوب “سمر” مستطردًا :
-إهدي يا آنسة !
فارت الدماء بعروق “عثمان” و هو يصيح غاضبًا :
-آنسة !!؟
و إندفع مرةً واحدة إليها، قبض على ذراعها بقوة محملقًا بشراسةٍ إلى عينيها المتسعتين بخوفٍ، ثم قال من بين أسنانه :
-الآنسة دي تبقى مراتي. أنا جايب منها عيّلين !
الدموع تلدغ عينيها و هي تصرخ به و في نفس الوقت تهوى بكفّها على صدغه صافعةً إيّاه :
-أخـرس. أنا عذراء يا حيـواااان !!!
الصفعة قد أطاحت بوجهه جانبًا، و لكن الصدمة كانت أشد وطأةً عليه، جعلت فكّه يتدلّى و عيناه تتسعان و هو يردد و لا يزال ثابتًا على وضعيته :
-عــذراء !!؟؟؟
*****
كانت السيدة “فريال” قد وصلت بصحبة الأطفال، عندما كان يهتاج “عثمان” و يستشيط غضبًا بالخارج أمام الأطباء :
-يعنـي إيـه يا دكاترة. بتطلبوا مني أستوعب إيـه ؟ يعني مراتي وقعت من ذاكرتها 13 سنة بحالهم. و يُصادف إن ده الوقت إللي ظهرت فيه في حياتها. يعني هي فاكرة كل حاجة و نسياني أنا و ولادها. إزاااي !!؟؟؟
جاوبه كبير الطباء قائلًا :
-بتحصل يا عثمان بيه. صدقني بتحصل. كلنا مقدرين صدمتك. لكن في نفس الوقت بنطلب منك تهدا لأن إنكارك مش هايسبب أي حاجة غير سوء حالة المدام.
عثمان بسخرية : و هي حالتها ممكن تسوء أكتر من كده. دي مش فكرانـي. المدااام. لسا مفكرة نفسها عذراء ! .. و استدار نحو أمه ليخبرها مجددًا و كأنها أبشع نكتة سمعها :
-سمر عذراء يا فريال هانم. عذراااء.
-يعني إيه عذراء يا بابي !؟
إلتفت “عثمان” إلى إبنته التي طرحت عليه السؤال، و لم يستطع ردًا، فاجتذبتها “فريال” لتقف أقرب منها و هي تغمغم لها :
-فريدة ده كلام كبار. مايصحش تسألي !
ثم ولّت اهتمامها صوب إبنها قائلة بلطفٍ :
-هدي نفسك يا حبيبي. الدكتور قال في علاج. سمر مش هاتفضل كده. قوله يا دكتور !!
تدخل طبيبًا آخر في هذه اللحظة :
-يا حضرات ده حادث عرضي. عادي جدًا يحصل. و مش شايف كدكتور إنه أزمة. المريضة بس محتاجة صبر و إنها تتعرّف على القريبين منها من أول و جديد. مع الوقت هاتفتكر.
رد “عثمان” من بين أسنانه :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-إحنا لسا هانتعرف على بعض. فعلًا.. ولادنا في المدرسة و لسا هانتعرف على بعض !!
اقترحت “فريال” : طيب يا دكتور مافيش أي حلول سريعة. مثلًا نخلّيها تشوف حد تعرفه قبل المدة دي. أختها مثلًا !
الطبيب : هي فين اختها دي ؟
-أهيه. تعالي يا ملك ! .. و شدت “فريال” الفتاة المراهقة من رسغها
رفع الطبيب حاجبه و هو يقول بلهجةٍ قطعية :
-أكيد ماينفعش. البنت شكلها صغيرة جدًا. يعني من 13 سنة شكلها ماكنش كده و كانت مجرد طفلة. مش هاتفتكرها طبعًا. و لا هاتفتكر حد فيكوا. ف مش هاينفع تشوفكوا في الوقت الحالي تحصلها صدمة أكبر !
يزفر “عثمان” بنفاذ صبرٍ و هو يفرك جانب وجهه بشدة، و على مضضٍ ردد من بين شفتيه المطبقتين :
-مافيش غيره… فــادي !
_________________
استعادت “شمس” وعيها ببطءٍ، كانت تعلم بأنها أُجبرت على التخلّي عنه، كانت تعلم بأنها مختطفة، مِمّا جعل الجزء السحيق داخل رأسها و الذي لم ينله الخدر يتحفّز استعدادًا لهذه اللحظة
ما إن أحسّت “شمس” بقدرتها تعود لتفرض سلطة على جسدها، قاومت الثقل الذي توّزع على أطرافها وتململت بمكانها، تشعر ببرودة و نعومة الشراشف أسفلها، و تشم رائحة نظيفة منعشة، كان عقلها يعمل بنشاطٍ مجنون الآن و هي تحلل وضعها ريثما تجد القدرة على فتح عيناها
إذن هي مخطوفة !
من الذي يمكنه فعل ذلك ؟ هي لم ترى و لا حتى ظلّه.. و لكنها شعرت به
وحش بشري، ظهر من عدمٍ قبل أن تتمكن من الصعود إلى سيارتها، كبّلها بذراعيه و سحبها بعيدًا و هي تصرخ بلا فائدة لأن كفّه أطبقت بقوة على فمها، لا تعرف ماذا حدث بعد ذلك.. و كيف فقدت وعيها !؟؟
إنفتح جفناها الآن مرةً واحدة، لتصطدم عيناها برؤية ساطعة لتلك الغرفة الكبيرة الأنيقة، إنها غرفة نوم كما توقّعت، و لكن لمن ؟
ارتعدت فرائصها و هي تهب جالسة فوق الفراش، تنظر حولها بخوفٍ، شرفة موصدة ورائها صفحة الليل لا تزال داكنة، طاولة زينة خلت إلا من أغراض رجالية تتمثل بمكينة حلاقة كهربائية و بعض من قناني العطور و فرشاة للشعر، سترة جلدية سوداء اللون ملقاة هناك فوق كرسي صغير محاذي للفراش
احتبست أنفاسها بحلقها و هي تدرك الحقيقة أكثر، و لا تريد تصديقها، و لكن الأدلة كلها تؤكدها، خاصةً و هي تستنشق ذاك العطر الذي تحفظه كأسمها، و تستمع إلى وقع خطوات تعرفها تقترب من الغرفة
بقيت في تأهب و هي تحدق بقوة إلى الباب المغلق و دقات قلبها تدوي بصخبٍ في أذنيها، إنكمشت على نفسها لحظة دفع الباب، ليظهر الشخص الذي اختطفها، آخر شخص توقعت أن تراه اليوم… هو “رامز الأمير” !
-رامز !!! .. أفلت اسمه من بين شفتيها مع أنفاسها المتلاحقة
بقدر ما أسعدتها رؤيته من جديد، و شوقها الشديد إليه، بقدر ما أرعبها ظهوره أمامها، لاسيما بتلك السِحنة الضارية، إن كانت النظرات تقتل لأردتها نظراته قتيلة في هذه اللحظة
ارتعشت “شمس” و هي تزدري ريقها بصعوبةٍ دون أن تجرؤ على إزاحة عينيها بعيدًا عنه، و غريزيًا دفعت نفسها للقيام من السرير عندما رأته يُقبل عليها كالنمر المسعور، بالتأكيد، كان عليها ان تعرف بأن اللقاء سيكون كارثة، بعد الخطأ الذي ارتكبته بحقّه، لطالما عرفت بأنه إن وجدها فهي هالكة لا محالة
أدى تراجعها المترنّح للوراء إلى اصطدام ظهرها بالجدار الصلب، ندت عنها آهة خافتة، و لا زالت مصوّبة ناظريها المذعورين تجاهه، ليتوقف “رامز” فجأة على بُعد خطوتين منها، يشملها بنظراتٍ متفرّسة، ملتذذًا برؤيتها خائفة إلى هذا الحد، كتفاها يرتجفان كأنها قطة عالقة بمصيدة، و لكنه أبدًا لم يحاول أن يخفي تعبير الغضب البارد الذي حدد معالم وجهه …
-شمس ! .. جرى اسمها على شفتيه بانسيابةٍ
سمعته كما تعوّدت أن تسمعه منه دائمًا، و كم كانت مشتاقة حقًا لسماع اسمها بصوته، للحظة تبخر كل خوفها منه و لم ترى أمامها إلا الحبيب الذي هجرته بمحض إرادتها، حبيبها الوسيم، الذي أقامت معه علاقة عشقٍ متآججة كان مآلها إلى زواجٍ لولا ما فعلته قبل ثلاثة سنوات، لم تغيّره تلك السنوات الثلاثة أبدًا، لا زال كما تذكره، جميلًا، جذّابًا، بعينيه الخضرواين مثل غاباتٍ مطيرة، و شعره الأشقر ربما قصر قليلًا عمّا كان، و بشرته البيضاء المشربة بحمرة طفيفة، لحيته الكستنائية الخفيفة، فمه الدقيق، أنفه الحاد، إنه أعتى جمالًا من الرموز الإغريقية، من ذا يُصدق إنه كان ملكًا لها يومًا ما !!!
-كنت خلاص صدقت فعلًا إني مش هالاقيكي !!
دغدغتها نظراته قبل كلماته التي غمغم بها و هو يستأنف قربه منها، و كانه القى عليها بتعويذةٍ فلم تستطيع حراك، بينما صار قريبًا جدًا، حد اللصوق، و لا يمكن إغفال طوله الفارع مقارنة بقامتها القصيرة، لكنه و بسهولةٍ تمكن من إمالة رأسه صوبها، و قد ساعدته و هي ترفع عنقها لتلاقي نظراته الجائعة إليها، كانت متوترة بشدة، تزداد ارتجافًا و هي لا تصدق بأنه يلمسها مجددًا، يحيط خصرها بيديه، تحس بأصابعه من خلال قماش ثيابها الرقيقة كأنما تترك علامات على كل جزء منها لمسه، يشدّها “رامز” قريبًا منه و هو يهمس بحرقةٍ و فمه لا يبعد أكثر من نصف بوصة عن فمها :
-انتي عارفة كام مرة حلمت باللحظة دي. كام مرة تخيّلتك بين إيديا.. زي إللي هايموت من العطش و مش لاقي الماية إللي ترويه. انتي قتلتيني ببعدك عني يا شمس. قتلتيني !
شد قبضته حول خصرها حتى ألمها بالفعل و تأوهت مقابل شفتيه، فلم يقاوم رغبته الشديدة فيها أكثر، كانت مثل الحياة و الموت بالنسبة له، حنى رأسه مقبلًا إيّاها بشغف السنوات و الأيام و الليالي التي فرّقت بينهما
تبًا ! .. إن لسانه موجود بالفعل بفمها، يداعبها بلطفٍ، كما كان يفعل دومًا من قبل، إن “رامز” لم يفعل شيء منذ تعرّفت إليه سوى إثارة جنونها، كما يفعل الآن، لقد نزع عنها إرادتها و تحكمها بنفسها بلحظاتٍ، إنها مستسلمة تمامًا بين ذراعيه، بينما يضمها إليه أكثر و هو يمشي بها إلى السرير و لا زال فمه على فمها
و تبًا مرةً أخرى.. إن فمه لا يزال متملك للغاية، متسلّط، لا يقبل إلا الطاعة و تلقّي تعليماته، أسقطها “رامز” فوق الفراش مائلًا فوقها دون أن يتوقف عن تقبيلها لحظة
رأته من خلال عينيها نصف المغمضتين و هو يحل أزرار قميصه الأبيض و يزيحه عن كتفيه ليبدو لها جزعه العضلي الرائع، كانت بلا حول و لا قوة و هو يفعل بها الأفاعيل، تلتمس له العذر، تعلم بأنه لا زال غير مصدق بأنها معه، في حركاته، لمساته المندفعة، قبلاته المتلهفة، ارتعاشة أنفاسه الساخنة على جلدها الرطب …
-لازم أضمن إنك مش هاتبعدي عني تاني !
بالكاد تسلل همسه اللاهث إلى أذنها، و لوهلةٍ لم تنجح بترجمة عبارته، إلى أن أردف و هو يقبل منحنى عنقها بفوضوية :
-انتي ليا. ليا لوحدي يا شمس.. مهما كان السبب إللي خلّاكي تسيبيني. مش هاسمح لك تستخدميه ضدي تاني. إنهاردة هاتكوني ملكي. دلوقتي حالًا !!
و لم تعي بعد ذلك إلا و هي تسمع صوت تمزّق حاد، لتدرك بأنه قد شقّ بلوزتها الضيّقة بحركةٍ واحدة، ثم يلف ساقها حوله و هو يحفر في فخذها و يضغط بطريقةٍ أثارت هلعها، فتشنج جسمها و قد أفاقت من نشوة اللحظات الحميمية صارخة :
-راااااامـز. انت بتعمل إيـه. لأ بليز. ماتعملش فيا كده يا رامز. رااامز …
زمجر “رامز” و هو يلتقط يديها أثناء محاولاتها الركيكة لدفعه عنها، رفعهما فوق رأسها و حبسهما في يد، و قبض بيد الأخرى على حفنة من شعرها و هو يقرب وجهه المسوّد من الغضب إلى وجهها المذعور قائلًا من بين أسنانه :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-كان لازم تفكري في رد فعلي بعد الفصل إللي عملتيه معايا. خلاص ماعادش يهمني أعرف ليه. و لا مهتم اسألك. زمان كنت عايزك بالجواز. دلوقتي يا يا شمس هاخدك و منغير جواز. و بعدها نتحاسب.
أغرورقت عيناها بالدموع الآن و هي تتخبّط بين ذراعيه، بينما ينهال على بقيّة ملابسها تمزيقًا غير عابئًا بصراخها الباكي :
-رااامـز, بليز. أنا مأمنتش لحد على نفسي غيرك انت.. بليز ماتعملش فيا كده.
احتمدت الدماء بعروقه و هو يهس بشراسةٍ :
-لسا بتمنعيني عنك. لسا فكراني هقع في الفخ ده و هاصدقك عشان تسبيني تاني. و لا انتي فرطتّي في نفسك و خايفة. قوليلـي في حد تاني ظهر في حيـاتك عشان كده سبتيني !؟؟؟
هزت رأسها بعنفٍ هاتفة :
-لأ. لأ محدش ظهر في حياتي. انت عارف عمري ما حبيت غيرك. عمري ما حد قرب مني كده غيرك انت يا رامز !
صاح بها بوحشيةٍ و قد برزت أوردة عنقه و جبهته :
-إيـه إللي ودّاكي لعثمان البحيري. كنتي بتعملي عنده إيـه و إيه علاقتك بيـه. أنا شوفتك بعنيا و انتي خارجة من بيته !!
ردت بهلعٍ : مافيش إللي بتفكر فيه ده. أنا و عثمان مانعرفش بعض. لسا أول مرة أقابله في حياتي إنهاردة. بليييززززز. عشان خاطري كفاية. كفاية كده يا رامز !!!
توسلاتها المستميتة أطاحت بصوابه، و لم تزيده إلا إصرارًا و هو يعود ليكبت صرختها الحادة عندما أحسّت بالضغط منه، حاولت تحرير معصميها من قبضته عبثًا، حاولت ركله بساقيها و لكن ضغطه عليها كان شديدًا بحيث شلّ حركتها و لم يسمح لها بأقل حركة
لم يكن في حياته كلها أن فاقدًا السيطرة على نفسه بهذا الشكل، هو الذي أشتهر ببروده و إباءه، الآن ينجرف وراء غرائزه الحيوانية فقط، حاجته و شوقه إليها تستوحش مع كل آنة رفض منها، مع كل نفضة اعتراض، امتدت يده لأسفل كي يرفع تنورتها بتصميمٍ جعلها تؤمن بهزيمتها أمامه، فتصمت عن البكاء أخيرًا إلا من شهقاتٍ متقطعة
يحرر شفتيها أخيرًا من بين أسنانه، فتنطق بسرعة هستيرية :
-أخويا. عثمان.. عثمان البحيري… يبقى أخويا !!!!
جمد “رامز” في لحظتها، رفع رأسه محدقًا فيها بعدم تصديق، هل تهادنه ؟
هل هذه لعبة منها لكي تتقي شرّه !؟؟
-كمان اتعلّمتي الكدب ! .. غمغم بغضبٍ مستعر
فصرخت بوجهه منهارة على الأخير :
-و الله ما بكدب. و الله بقول الحقيقة. عثمان البحيري أخويا.
عبس بشدة و هو يقول بخشونة :
-مستحيل. عثمان البحيري صاحبي من سنين. أنا عارف كل عيلته. عثمان ماعندوش غير أخت واحدة و اسمها صفية !!
انهمرت الدموع غزيرة من عينيها و هي تخبره بقهرٍ :
-عثمان نفسه ماكنش يعرف غير إنهاردة. أنا أخته من الأب.. أنا شمس. يحيى صالح البحيري. أنا بنت يحيى البحيري.. أنا اخت عثمان البحيري ! ……………………………………………………………………………………………..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل ثماني و عشرون عامًا …
مرّت أيام قليلة منذ رآها، الفتاة التي قلبت كيانه رأسًا على عقب، يكاد يفقد عقله من شدة التفكير بها، و لا يُصدق كيف يحدث هذا معه !؟
أن يقع صريع هوى فتاة يافعة مثلها !
إنها فعليًا لا تبدو كطفلة، إنها شابّة مكتملة الأنوثة، حرّكت شيئًا بداخله و لأول مرة، شغف جديد لم يشعر به أبدًا طوال سنوات زواجه و حتى الفترة التي سبقته، فترة الشباب و الطيش، تلك الـ”رحمة” لم ترحم إطلاقًا ضعفه أمامها، دون أن تدري تسبّبت بضياعه لحظة خروجه من بيتها، بيت والدها، سائقه الخاص
لم يعد يرى الأشياء كما اعتاد أن يراها، حتى زوجته، زوجته الجميلة، بات جمالها عاديًا بنظره، رغم أن “رحمة” ليست بفائقة الجمال، لكنها جذّابة بدرجة جميلة، و الأهم من ذلك، لقد لمست قلبه، و هذا هو الخطر بعينه، رجل مثله أتم الرابعة و الثلاثين قبل أشهر، يُغرم بفتاة لم تبلغ بعد الثامنة عشرة من عمرها …
اللعنة !.. إنه حقًا مغرم بها… هو الذي لديه إبنًا يصغرها بعامين فقط… كان من الممكن أن ينجب مثلها.. لكنه لا يراها هكذا.. لا يراها كابنته مطلقًا !!!
كان يجلس بمكتبه ينجز بعض الأعمال برفقة محاسبه و قد استراح عقله قليلًا من التفكير بها، و لكن سيرتها تأبى تركه كليًا، يرده اتصالًا من الأمن يخبرونه بوقوع السائق أثناء تأدية بعض الوظائف التطوعية، فيقوم “يحيى” فورًا منهيًا اجتماعه بموظفّه، ليكون بالأسفل في غضون دقيقة واحدة، يحمل السائق بمساعدة افراد الأمن إلى سيارته الخاصة، و يقود به رأسًا إلى المشفى الخصوصي التي زارها مصطحبًا إيّاه قبل يومين …
-يحيى بيه أنا آسف. زي ما قلت لك أول مرة. مافيش أمل !
تلقّى “يحيى” للمرة الثانية كلمات الطبيب المؤكدة حتمية مآل حالة السائق “جابر”.. تغضن جبين “يحيى” بعبسةٍ تنم عن حزنٍ كبير، ثم قال مستسلمًا للقدر :
-باقي له أد إيه ؟
جاوبه الطبيب ماطًا فمه :
-أسابيع.. أسابيع قليلة جدًا.
-و تنصح بإيه يا دكتور ؟ إيه في إيدي ممكن أعمله !؟
-مافيش في إيدك حاجة غير إنك تدعمه نفسيًا بكل الطرق. تخلّيه يمشي و هو مرتاح و مطمن. حضرتك أدرى بيه. بس الراجل ده أنا شفت في عنيه كسرة ماشوفتهاش طول حياتي.. لو تقدر تمحي النظرة دي من عنيه ماتتأخرش أبدًا. مافيش وقت كتير قدامه !
ترك “يحيى” الطبيب يذهب لمزاولة عمله، بينما يقف عند باب الغرفة المحتجز بها “جابر”.. مترددًا… يعيد كلمات الطبيب برأسه مرارًا تكرارًا
كيف يخفف عنه يا ترى ؟ ما الذي قد يفعله من أجله لكي يذهب في سلامٍ مطمئن ؟ إنه يمتلك المقوّمات التي تخوّله تحقيق كل شيء.. و لكن ما هي رغبات “جابر” الأخيرة ؟ ما الذي يمكن أن يتوق إليه في أيامه الأخيرة !؟؟
طرد “يحيى” نفسًا محبطًا، ثم حسم أمره و دفع باب الغرفة ليلج راسمًا على وجهه ابتسامةٍ بسيطة، رآى “جابر” هناك، يرقد فوق السرير الطبّي موصولًا بأنابيب تمدّه بالمسكنات، شاحبًا و قد خسر الكثير من الوزن خلال الأيام الفائتة، ما أن رصد سيده حتى تهللت أساريره على الفور …
-يحيى بيه ! .. هتف “جابر” بصوتٍ ملؤه الوهن :
-تعالى يابني.
يغلق “يحيى” الباب من ورائه و يتقدّم صوب الرجل العليل محافظًا على ابتسامته، شد مقعد في الزاوية و قرّبه من السرير، جلس فوقه رامقًا إيّاه بنظراته الوديعة الملائكية، ثم قال بهدوء :
-كده تخضنا عليك يا راجل انت. معقول شوية تعب يدوّخوك كده و تقع من طولك ؟
ابتسم “جابر” بتهكمٍ مرير و هو يرد عليه :
-التعب ده هايكون آخر محطة في حياتي يا يحيى بيه !
تلاشت ابتسامة “يحيى” الآن و هو يرى بوادر دموع بعينيّ السائق المسن، و سارع قائلًا بلطفٍ متأثر :
-ماتقولش كده يا عم جابر. انت ليه مش سايبها على الله !؟
هز “جابر” رأسه كابحًا جزع رهيب و هو يجاوبه بنشيجٍ مكتوم :
-يعلم الله. أنا مسلّم أمري له.. أنا قلت قبل كده إني مش خايف على نفسي.
حثه “يحيى” مادًا جسمه للأمام قليلًا :
-قولّي طيب يا عم جابر. قولّي أعمل لك إيه. إيه إللي ممكن يريحك و يسعدك. أطلب مني أي حاجة. أي حاجة نفسك فيها أحققها لك فورًا !!
تراقصت الدموع بعينيّ الأخير حتى أفاضت و جرت على خدّيه، بينما يقول ردًا على سيده :
-أنا مش طمعان في شيء لنفسي. أنا خلاص ماعادتش الدنيا ليها قيمة في نظري. حاجة واحدة بس إللي منغصة عليا إللي باقي من عمري… بنتي.. بنتي رحمة يا يحيى بيه !
لم يحاول الإمساك بدموعه أكثر من ذلك، و فجاة أجهش بالبكاء و لكن دون صوتٍ، استمر جسده بالارتجاف و هو يمضي مغمغمًا بحرقةٍ :
-البت هاتتيتّم.. دي لسا صغيرة.. هاسيبها لمين.. لكلاب السكك تنهش فيها.. بنتي حتة مني. عرضي و شرفي.. هاتتبهدل من بعدي.. رحمة القطة المغمضة.. محدش هايرحمها لما اختفي من حياتها.. بنتي.. بنتي …
و غرق في بؤسه و هواجسه المميتة دون تحفظٍ في وجود “يحيى”.. بينما الأخير لا يعرف ماذا يفعل أو يقول له !
قلبه يتألم من أجله، لكن ليس لديه طريقة ليساعده الآن.. أو ربما لديه !!
تنبثق الفكرة بعقله فجأة، لتصدمه لوهلةٍ، لكنه لا يقاوم الإغراء، لا يصد رغبته النابعة من أعماقه و كلماته تجري على لسانه في هذه اللحظة مخاطبًا سائقه :
-لو مطمن لي و واثق فيا يا عم جابر.. أسمح لي أطلب إيد بنتك رحمة !!!
و على الفور أطبق الصمت …
سكت “جابر” عن البكاء، رفع رأسه متطلّعًا إلى “يحيى” فقط، نظراته ملأى بعدم التصديق، ذاهلًا من الكلمات التي سمعها للتو، إلا أن “يحيى” أردف بثقة لا تقبل الشك :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-لو وافقت أنا بتعهد قدامك دلوقتي إنها هاتعيش معايا في الحفظ و الصون. هاتبقى مراتي على سنة الله و رسوله و هاخد بالي منها كويس. مش هاتحتاج لمخلوق و لا أنا هاسمح لأي حاجة وحشة تمسّها.. أنا بوعدك و ربنا شاهد على كلامي !
في البادئ تردد “جابر” قبل أن يعطي موافقته لسيده، كان يعلم بأنه متزوج و لديه صبي و فتاة، و لكنه وضع في اعتباره مصلحة إبنته، عندما تقترن بـ”يحيى البحيري” لن يعوزها شيء، و ستنال حمايةً أبدية، خاصةً بعد أن تعهّد “يحيى” إليه بأن يرعى إبنته و يضمها في كنفه الآمن، لم يتردد “جابر” في المرة الثانية و هو يبلغه بجوابه و يبارك الزيجة معربًا عن شكره و إمتنانه بدموعه و كلماته المؤثرة
و بما أن الوقت بات عدو “جابر” اللدود الآن، تحرّك “يحيى” من فوره بعد أن سمح له حماه المستقبلي، استقل سيارته متجهًا إليها، ليأخذها من بيتها لترى أبيها …
لم يشرح لها “يحيى” أيّ شيء، لم يحاول حتى النظر إليها لئلا يفقد رباطة جأشه أمامها و هو آخر شيء يريده الآن، بمجرد أن عرفت بأن أباها بالمشفى ذهبت معه، طوال الطريق و هي تجلس بجواره في سيارته، يستطيع سماع أنفاسها، و ملاحظة إرتجافة جسمها، و كذا رائحتها، كان عبيرها الأشبه بالعنب المخمّر مُسكِر، و كأنه يستنشق أجود أنواع النبيذ
ليكتشف إكتشافًا هزّه في الصميم و جعله قبضتاه تشددان حول المقود بتوترٍ جمّ.. تلك الجالسة بالقرب منه، فتاة نقيّة، لم يُعكر أحد بعد صفو شهدها، و هو الرجل المحظوظ، هو الذي يُخطط للزواج منها لتكون له، له هو فقط، و ليكن هو رجلها الأول، و الأخير …
-يحيى بيه طلب إيدك مني. و أنا وافقت !
الصمت المصدوم كان هو ردة فعلها الوحيدة على كلمات والدها، لم تستوعب ما قاله لفترةٍ طويلة، لتقول بتلعثمٍ ما إن استطاعت الكلام :
-قصدك إن الراجل إللي مستني برا ده. إللي ماشوفتوش غير مرتين لحد دلوقتي.. عايز يتجوزني !؟؟؟
أومأت والدها قائلًا بجمودٍ :
-أيوة. و أنا أديته كلمتي زي ما قلت لك. و أعملي حسابك كتب الكتاب الأسبوع الجاي يوم عيد ميلادك. يوم ما هاتّمي 18 سنة هاتكوني متجوزة يحيى بيه البحيري يا رحمة.
كان هذا كثيرًا عليها لتستوعبه، فردت مفغرة فاها بذهولٍ :
-الأسبوع الجاي.. إزاي يا بابا. إزاي و انت عيّان كده ؟؟
جابر منفعلًا : مالكيش دعوة بيا. أنا مافيش حاجة عايزها من الدنيا دلوقتي غير جوازك من يحيى بيه. لو انتي طوع أبوكي بصحيح مش هاتردي كلمتي. و لازم تعرفي إن جوازك من يحيى البحيري أكبر نعمة ممكن تاخديها في حياتك. و أنا لو مت في أي لحظة مش هاكون قلقان عليكي طول ما انتي معاه.
عبست “رحمة” و هي تقول دامعة العينين :
-بعد الشر عليك يا بابا. ماتقولش كده. أنا مقدرش أعيش منغيرك !!
و رمت بنفسها على صدره تضمه و تبكي في صمتٍ، ليحطها “جابر” بذراعيه متمتمًا بحنوٍ :
-هاتعيشي يا رحمة.. هاتعيشي و تتهنّي. أنا طلبتها من ربنا. و هو ماردنيش. مش هامشي غير لما أطمّن عليكي يا بنتي.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ألا لا تجري الرياح بما تشتهي السفن !؟
لم تدوم فرحة “جابر” بزواج إبنته طويلًا، فقد توفى يوم عيد ميلادها المرتقب، عقب عقد قرانها على “يحيى البحيري” مباشرةً، بعد أن زوّجها إليه على يد المأذون بالمشفى، بعدها أقل من ساعة فارق الحياة، و كانت الصدمة شديدة القسوة على “رحمة” …
“رحمة” التي وجدت نفسها وحيدة بلحظة، صحيح صارت يتيمة و بلا عائلة، و لكنها أمست زوجة “يحيى البحيري”.. الرجل الذي سرق قلبها منذ الوهلة الأولى !!
لم تمنع هذه الحقيقة المثيرة من خوفها العميق إزاء المجهول، لقد أخبرها أبيها قبل ان يرحل بأنها ستكون آمنة مع “يحيى”.. و إنه سوف يسعدها و يعتني بها… لكنها لا تزال خائفة
بعد جنازة أبيها التي بالكاد حضرها عدد قليل من جيرانها و بعض الغرباء، أخذها زوجها المزعوم في سيارته إلى حي أرقي أحياء المدينة، و كم بدا عليها الرعب و التوتر و هي مضطرة إلى الإنقياد خلفه دون أن تجد القدرة أو الجرأة على التوقف و سؤاله أيّ شيء …
-إتفضلي ! .. هتف “يحيى” فاتحًا لها باب الشقة الصقيل و قد تنحى جانبًا
تزدري “رحمة” ريقها بتوتر أشد و هي ترمقه بريبةٍ، لكنها تذعن لطلبه و تمد ساقيها الواحدة تلو الأخرى، حتى ولجت إلى الداخل، سمحت لعينيها أن تجوس أنحاء المكان، لتتبيّن شقة فسيحة للغاية، أنيقة، ألوان الجدار و الأثاث و حتى الديكور فاتحًا، كل شيء جميل هنا، أثري، كل قطعة فرشت بها الشقة ثمينة تنم عن ثراءٍ فاحش
حتى في أجمل أحلامها لم تتخيّل ان يأتي يومًا تتطأ قدمها بيتًا كهذا.. فهل يُعقل أن تسكنه !؟
ارتعدت “رحمة” و قد فصلها صوت إغلاق الباب ورائها عن أفكارها، لتستدير محملقة بـ”يحيى” الذي لم يزيح بصره عنها غالبًا طوال الوقت، كان وجهه هادئ التعابير، مثل نبرات صوته و هو يقول الآن :
-نوّرتي بيتك. أنا عايزك تعتبري المكان ده مكانك من إنهاردة. و أي حاجة ناقصاكي قوليلي عليها و تكون عندك فورًا.
-متشكرة ! .. تمتمت “رحمة” على استحياءٍ غير قادرة على نزع نظراتها عنه كليًا
بقى “يحيى” يطالعها بنظراته للحظاتٍ أُخر، ثم قال مشيرًا لها صوب الصالون القريب :
-أنا عايز أتكلم معاكي شوية.. تعالي نقعد هنا !
لا تعرف ما الخطورة فيما قاله، لكنها شعرت بالارتباك و كأنها عاشت عمرها بلا خبرة تُذكر، إنها بالفعل عديمة الخبرة، و هذا ما يرعبها …
من جديد رضخت “رحمة” لطلبه، و مشت أمام عينيه نحو الصالون، جلست هناك فوق كرسي وثير منكمشة على نفسها، تكاد تكون في صورة ملاكٍ و هي ترتدي الأسود هكذا حدادًا على أبيها، اقترب “يحيى” منها متعمّدًا، كان بامكانه أن يجلس بعيدًا، لكنه اختار مقعد مجاور لها تمامًا، جلس فوقه مواصلًا النظر إليها، يضايقه قليلًا أنها تتحاشى مواجهته
إلا إنه يتصرّف بدماثةٍ و هو يستهلّ حديثه بهدوءٍ :
-قبل أي شيء. أنا بعزّيكي تاني في وفاة والدك. و عايزك تعرفي إنه كان شخص غالي عليا أوي. أنا فتحت عيني لاقيته عندنا و دايمًا كان جنب أبويا الله يرحمه.. ف انتي ماخسرتيش لوحدك يا رحمة. خسارة عم جابر بالنسبة لي خسارة كبيرة أوي !
كانت عيناها تفيضان بالدمع فعليًا أثناء حديثه، طفقت تنظر إلى قبضتيها المتشابكتين بدلًا من النظر إليه، فضاق ذرعًا بهذا، مد يده صوب وجهها، علّق إصبعه تحت ذقنها، فشعر بارتعاشها تحت لمسته الخفيفة، جعلها تنظر إليه بهذه الطريقة، فسمحت له باجتذاب وجهها نحوه
لكنها لم تضع عينيها بعينيه مباشرةً، بل نظرت إلى الأعلى و اليمين و الشمال محاولة حبس دموعها …
-أنا آسف ! .. دمدم “يحيى” بلطفٍ
تسمرّت لبرهةٍ، إنها لا تعرف لماذا يعتذر منها، حتى سمعته يستطرد :
-يمكن دي مش الظروف المثالية لجوازك زي ما كنتي بتحلمي زي كل بنت. أنا عارف إن الوضع غريب عليكي. و إنك مش مرتاحة و لسا مصدومة و حزينة بوفاة والدك. لكن أنا بوعدك يا رحمة.. هاعمل كل حاجة في استطاعتي عشان تكوني مبسوطة و مرتاحة في حياتك معايا …
رمشت بعينيها و قد نجح بالتواصل معها بالعين الآن، نظر في عمق عينيها مباشرةً و هو يكمل بصوتٍ خفيض جاهلًا مدى إثارته :
-إنتي بقيتي مراتي. حمايتك و رعايتك واجب عليا. صحيح أخدتك من سكات. منغير فرح و لا حتى فستان.. بس أنا عارف إزاي أعوضك عن كل ده. و هاتشوفي بعينك إللي هاعمله عشانك !
أسرته لمعة عيناها الواسعتين، بؤبيها الأسودان، إنفراجة شفتيها الأشبه بحبتيّ كرز، و استدارة وجهها المثالية، كم يغريه اختبار ملمس بشرتها الناعمة النضرة، لكنه يمارس على نفسه أشد أنواع ضبط النفس حتى لا تزيد رهبتها منه
ثم و كأنه قرأ أفكارها بالفعل، رآى الخوف واضحًا في نظرتها، فقال على الفور بصوتٍ أجش :
-ماتخافيش يا رحمة.. أنا مش هلمسك. و لا هقرب منك إلا برضاكي. و وقت ما تكوني جاهزة. هاتاخدي وقتك كله صدقيني.. و مش هاضغط عليكي أبدًا !
و أبعد يده عن وجهها تمامًا في هذه اللحظة …
لا لا لا.. لا تبتعد، لا تريده أن يبتعد، تريده أن يلمسها مرةً أخرى
أيّ تناقض هذا !؟؟
ضغطت “رحمة” فمها في خطٍ مضطرب، بينما يتنهد “يحيى” بعمقٍ قائلًا :
-انتي طبعًا عارفة إني متجوز زي ما والدك أكيد بلّغك قبل كتب الكتاب !!
كسا الوجوم وجهها و هي تنظر إليه بذات الصمت، ليتابع و هو يحك طرف ذقنه عرضيًا :
-أنا متجوز و مخلّف. عندي ولد و بنت عايشين مع مامتهم في بيت العيلة. في قصر البحيري. أنا طبعًا كان نفسي أخدك تعيشي معايا هناك. لكن ظروفي ماتسمحش للأسف. و انتي عرفتي من أول لحظة إن جوازنا ده محدش هايعرف بيه غيري انا و انتي و والدك الله يرحمه. كان هو كل عيلتك بس خلاص ربنا استرد أمانته. فبقيت أنا دلوقتي كل عيلتك يا رحمة. أعتقد مش مهم عندك حد غيري.. و لا إيه ؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لم تستطع الرد على سؤاله الأخير، و استشف هو كم هي مضطربة، فلم يضغط عليها، قام فجأةً فتبعته قائمة غريزيًا، بينما يقول بصوتٍ أجش :
-أنا لازم أمشي دلوقتي. زي ما قلت لك أعتبري المكان ده بتاعك. كل حاجة تحت تصرفك و براحتك تمامًا. كمان هاتلاقي جوا في أوضة النوم كل حاجة ممكن تحتاجيها. الدولاب مليان هدوم عشانك أنا اخترتها بنفسي حتة حتة. و معاكي رقم تليفوني في المكتب و البيت لو احتاجتي أي حاجة كلّميني. و انتي عارفة لو حد غيري رد عليكي هاتقولي إيه مش كده ؟
لم تعبأ بكل ما قاله، فقط سألته و قد اختفت الألوان من وجهها الجميل :
-انت هاتمشي ؟؟
رقت نظرته بلحظة، و تمتم برفقٍ :
-عايزاني أقعد ؟
أجفلت من سؤاله و كالعادة عقد لسانها، فابتسم بنعومةٍ و قال يطمئنها :
-ماتقلقيش. راجع لك تاني.. هاروح أسوي أموري في المكتب و البيت. و الليلة دي هكون هنا معاكي. أكيد مش هاسيبك لوحدك اليومين دول بالذات.. عايزة حاجة مني قبل ما أمشي ؟
هزت رأسها ببطء، فمنحها ابتسامة أخيرة، ثم قال و هو يستدير مولّيًا تجاه باب الشقة :
-أوكي. أشوفك بالليل !
و غادر تاركًا إيّاها وحدها.. وحدها تمامًا …
____________________________
لاحقًا اكتشفت “شمس” بأن المكان الذي يحتجزها به “رامز” هو في الحقيقة شقة مستأجرة، أخذها بشكلٍ عاجل لينفرد بها، و قد نجح و كان على وشك تنفيذ خطته الجهنمية، كان عازمًا و بإصرارٍ على كسر شوكتها، كان سيخضعها إليه للأبد باعتدائه المشين عليها
لولا أن ذكرت أسمه.. “عثمان البحيري”… تقول إنها أخته نصف الشقيقة !!!
كيف ؟ كيف بحق الله !!؟؟؟
كانت حالتها مزرية، و هي تجلس الآن خارج غرفة النوم، بغرفة المعيشة، تشد حولها سترته الجلدية التي قدّمها إليها لتستر عريها بعد ان مزّق ملابسها كلها، كتفاها لا يكفّان عن الإرتعاش، تفلت من عينيها دمعات من حينٍ لآخر، شعرها بحالة من الفوضى، فمها متوّرم بفعل قبلاته الوحشية، أنفها محمّر من أثر نوبة البكاء التي انخرطت بها لحظة تركه إيّاها، و هي التي ظنّت بأنه سوف يدمرها اليوم حيث لا رادع له و لا حتى هي
انتفضت بعنفٍ عندما شعرت بيده تلامس جانب رأسها، و تزحزحت في الأريكة بعيدًا عنه، بينما لم يحرّك ساكنًا للحظات، كان يمسك في يده كاسًا من العصير، ينتظر إلى جوارها بصبرٍ، كان لا يزال عاري الجزع لا يرتدي سوى سرواله الجينز
يتنهد و هو يمرر أصابع يده الأخرى في شعره الغزير، ثم يقول أخيرًا بصوتٍ هادئ :
-شمس.. مش هاينفع كده. لازم نتكلم.. خلاص. قلت لك آسف. و لو إني مش آسف مية في المية. أنا لسا غضبان عليكي. و لسا جوايا رغبة قوية أكسرك و انتقم منك على كل إللي عملتيه فيا طول الـ3 سنين إللي فاتوا.. بس أنا ماسك نفسي دلوقتي. عشان حاجات كتير.. و محتاج أتكلم معاكي و أفهم !!
ردت “شمس” و التعب يطغى على نبرات صوتها :
-رامز من فضلك. أنا عايزة أمشي.. لو في قلبك ذرة شفقة مش هقول حب ليا. مشّيني من هنا.
و تأوّهت فجأة حين شعرت بقبضته القاسية تمتد لتأسر معصمها، بينما يقول من بين أسنانه بغضبٍ :
-أنا مش بحبك ؟ فعلًا !؟
طيب إيه إللي خلّاكي تهربي مني ؟ لو واثقة إني مش بحبك أكيد كنتي هاتعرفي إن وجودك زي عدمه. اختفيتي ليه السنين إللي فاتت ؟ رررددددي !؟؟؟؟
كانت عيناها تعكسان الخوف العميق الذي ما زالت تشعر به من جراء لحظات الاعتداء الذي كان يمارسه عليها، أغضبته نظرتها الجبانة أكثر و صاح بها :
-ماتبصليش كده. انتي السبب في إللي وصلنا له. أي حاجة حصلت إنهاردة و كانت هاتحصل انتي سببها !
و تخطّى عدم اكتراثه المزعوم بسبب هجرها له، فشدد قبضته حول معصمها أكثر و هو يغمغم بشراسةٍ :
-أنا عايز أعرف انتي ليه سبتيني ؟ عايز اسمعها منك. ليه ؟ أنا حبيتك. أنا كنت هاتحوزك يا شمس قوليلي لــيـه ؟؟؟؟
-عشان مامـا !!!
جمّده صراخها الذي تضمن ذلك الجواب الغريب
في البادئ لم يفهم، جيدًا، فسألها و قد اختفت قبضته التي أمسكت بها :
-مش فاهم.. مالها أمك !؟
تنهمر دموع جديدة فوق خدّيها و هي تفرك معصمها حيث كان يمسك بها بقوة، ثم تقول بأسى طفولي :
-ماما مش بتحبك. ماما مش عايزاني أكون معاك.. هي إللي أجبرتني أمشي و أسيبك. خيّرتني بينها و بينك. فهمت أنا سيبتك ليه !!؟؟؟
و انخرطت من جديد في بكاءٍ مرير، لتصدمه هو إجاباتها على أسئلته، الأسئلة التي قضى أيام و أشهر و سنوات يطرحها على نفسه دون أن يجد ردود !!!
إذن.. تلك السيدة الرقيقة و الهادئة هي من فرّقت بينه و بين حبيبته !؟
و هو الذي كان معجبًا بامرأة مثلها، تولّت تربية فتاة صغيرة وحدها دون زوج يعينها، هل كانت تخدعه بوجهها البريئ و ابتسامتها الأفعوانية !؟؟
أمها.. أمها هي التي عذّبته… هي من فعلت كل ذلك
كز “رامز” على أسنانه بغضبٍ لم يسبق أن اجتاح مشاعره، و أقسم بداخله، تلك المرأة، سوف تدفع الثمن غاليًا …
_________________________
عليه أن يعترف، لقد نسى بالفعل كل مظاهر المعاناة معها منذ سنواتٍ طويلة، نساها إلى درجة لم يتخيّل أن تعود أيامهما الصعبة من جديد
و لكنها عادت الآن !!
أفاق “عثمان البحيري” من نومه بعد ليلة قضاها بالمشفى في غرفة مجاورة لغرفة زوجته، لقد سرّح أمه و الأطفال ليلة أمس مصممًا على البقاء معها وحده
و كان تعبًا إلى حد استغرق في النوم لحظة وضع رأسه فوق الوسادة، و لحسن الحظ كانت غافية هي الأخرى، عندما مر عليها في ساعةٍ مبكرة من الصباح، قبل أن يفعل أيّ شيء، أراد أن يراها عن قرب و يطمئن عليها بنفسه، كانت حبيبته مثلما يعرفها جيدًا
يقاوم اغراء لمسها و تقبيلها كما اعتاد أن يفعل كل يومٍ، يغادر مسرعًا حتى لا يوقظها فتراه و تصاب بصدمةٍ أخرى طبقًا لتحذيرات طبيبها المعالج
و رغم كل الأزمات التي إنهالت على حياته مؤخرًا، لم ينسى الحدث الجلل الذي تلقّاه البارحة، لقد أعاد أمه و الأولاد إلى البيت بنفسه حتى يلتقي من جديد بالفتاة التي تدّعى بنوّتها لـ”يحيى البحيري”.. والده
لكنه لم يجدها، لقد اختفت ببساطة، لكنها تركت معه بطاقتها الشخصية، ها هو يمسكها في يده متجهًا بسيارته إلى مكتب المحامي الشهير، و بئر أسرار أبيه …
-عثمان. قولّي أنا مدين بإيه للزيارة الغالية دي. نوّرت مكتبي يابن الغالي !
ابتسم “عثمان” لسماع الترحيب الحار من فم المحامي العجوز، و تقدّم ليصافحه إذ كان يجلس وراء مكتبه الضخم كالذئب الأشيب …
-انت إللي منور الدنيا كلها يا سميح باشا. حقيقي. ربنا يديك الصحة.
ابتسم المدعو “سميح” داعيًا إيّاه للجلوس :
-اتفضل أقعد يا عثمان. تشرب إيه ؟
جلس “عثمان” في كرسي قبالته و هو يقول بجدية :
-و لا أي حاجة. أنا جاي لك في مسألة مستعجلة !
قطب “سميح” و سأله باهتمامٍ :
-خير. قول يا عثمان !؟
سحب “عثمان” من محفظته بطاقة الهوية تلك، و مدّها إلى الرجل عبر المكتب قائلًا بصلابةٍ :
-أنا طالب من حضرتك تكشف لي عن البطاقة دي. و كمان عايز اتأكد لو الشخصية دي ليها أي علاقة بأبويا أو بعيلة البحيري كلها و لا لأ.
لم يبدو على المحامي أنه تفاجأ، حتى و هو ينظر مليًا بصورة البطاقة الشخصية، ثم يرفع نظراته ليلاقي نظرات “عثمان” المتحفزة، ثم يقول ببساطةٍ :
-منغير ما تتعب نفسك يا عثمان. أنا قلت لأبوك إن اليوم ده جاي جاي ماسمعش كلامي.. أيوة. البنت دي بنت يحيى فعلًا. شمس يحيى صالح البحيري.. تبقى اختك من أبوك. و أنا كنت شاهد على القصة من أولها !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الرابع _ سأعطيك قلبي _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
لقد كان من السهل حقًا خِداع زوجته، و تزييف الحقائق، من أجل الابتعاد عن المنزل عدة أيامٍ، بحجة السفر خارج البلاد لأجل التمهيد لافتتاح فرعًا جديدًا من شركته الأم، و إن كان يمقت نفسه على أفعاله المستجدّة، بل و يكاد يحتقر ذاته
و لكن مجرد التفكير بتلك الفتاة، و حقيقة إنها زوجته الآن، هي إثارة لا يقدر على مقاومتها أو صدّها، لأول مرة بحياته يتوق لشيء كما هو الآن، لقد فعلت “رحمة جابر” إبنة السائق البسيطة، ما لم تستطع امرأة فعله منذ سنوات، و حتى زوجته أم ولديّه.. حث الرجل البدائي الكامن بداخله و إيقاظه من سباته !
فمنذ زواجه بـ”فريال المهدي” إبنة الحسب و النسب في عمر يافع جدًا، لم يستمر هذا الشعور معه إلا لأيام قليلة فقط، قبل أن تبدي زوجته إنزاعاجًا من معاملة أنوثتها بوضاعة لا تليق بها، ثم تفرض عليه شروط، و هو ما لم يعارضه لأنه ظن بأنه يحبها و هذا يكفي
لكن لا، مع مرور الوقت اكتشف بأنه أبدًا لا يكفي، لا أحد يعرف ما قضى حياته الزوجية السابقة مصرًا على كتمانه حتى لا يُفسد استقرار أسرته، و كان راضيًا لو أكمل البقيّة من عمره هكذا لنفس الهدف
و لكن ظهور “رحمة” غيّر كل حساباته، و أغراه وضعها بعد وفاة والدها، إنها صيد لن يجد أسهل منه مطلقًا، علاوةً على إنها تعجبه كثيرًا، و إنه واثقًا من خضوعها الحتمي إليه، من نظرة عينها تمكن من رؤية الرغبة به و المماثلة لرغبته بها، بقليل من الضغط ستسلمه نفسها و هي راضية كل الرضا
إلا أنه قد وعدها، لن يقترب منها او يمسّها حتى يلتمس منها دعوةً صريحة، أو على الأقل تلميحًا واضح …
يعود “يحيى البحيري” إلى شقته السريّة و التي أمتلكها في زمنٍ خلى ليلوذ بها هربًا من ضغوطات الحياة، و لكن بمفرده، لم تعرف امرأة أخرى غير “رحمة” طريق هذه الشقة و لم يزرها أحد على الإطلاق قبلها هي، حتى “فريال” لا تملك فكرة عنها
أشارت ساعة الحائط المذهبة بالصالة المركزية إلى العاشرة و النصف مساءً، عندما ولج “يحيى” إلى داخل الشقة جارًا خلفه حقيبة الملابس المتوسطة، كانت الإضاءة الخافتة تمهد له طريقه و هو يتحرّك بحثًا عنها بأرجاء المكان، لكنه لم يجدها بأيّ من الصالون أو غرفة المعيشة أو حتى بالمطبخ
لم يتبقّ سوى غرفة النوم إذن !
سحب “يحيى” نفسًا عميقًا و حسم قراره بالذهاب إليها، وضعًا بالاعتبار بأنه في جميع الأحوال سيعرج بالقرب من مخدعها لكي يصل إلى مضجعه هو، إلا إن الفضول ينتابه بشدة ليرى ماذا تصنع في هذه اللحظة !؟
و عرف !
بمجرد أن دفع باب الغرفة الموارب، لم يدخل على الفور، بل جمد تمامًا كتمثالٍ، عندما رآها ممدة بمنتصف الفراش، لم تكن مفاجأة كبيرة أن يراها نائمة، و صحيح أنه لم يتبيّن منها شيء واضح، لكن التفكير فقط أنها تنام في بيته و على مبعدة ذراعين منه جعل أعصابه تتوّقد …
ازدرد ريقه متوترًا، و رغم إنه يخاف من مواجهة هذا، لكنه مضى مدفوعًا بذات الفضول، و يا ليته لم يفعل، إذ كانت كارثة هزّت كيانه حرفيًا
تلك الشيطانة الصغيرة.. ما الذي تحاول فعله بالضبط !؟؟
و هي ترقد بذلك الثوب الذي يعرفه جيدًا، إذ إنه قد اختاره بنفسه، لم يتوقّع أبدًا أن يراه عليها مبكرًا هكذا، ليس حتى أن يتم الوصال بينهما عدة مراتٍ لتتخطّى حاجز الرهبة منه
اللعنة !!
كان الغطاء الخفيف قد انحسر عنها فعليًا، و سقط بعضه إلى الأرض، فبدت في الثوب الأسود الشفاف عليها أكثر إثارة مِمّا رآها للمرة الأولى في بيت والدها، كانت أعضاؤها الأنثوية متوّثبة في الثوب الضيّق صارخة بالأنوثة التي تستجدي أن يمتلكها من هو له الحق
أليس هو له كل الحق !؟
يطرد “يحيى” زفيرًا مطولًا بشكل مفاجئ، يبعد ناظريه عنها بسرعة غير قادرًا على العبث بأعصابه أكثر من ذلك، يستدير ممسكًا بمقبض حقيبته، ثم يولّى فورًا نحو الباب الجانبي بزاوية الغرفة، و الذي لم يكن سوى معبر لغرفة أخرى مشتركة و لكنها أصغر حجمًا و أكثر تواضعًا من حيث الفرش و الأثاث
كان مرهق ذهنيًا لدرجة لم يأبه بفتح الحقيبة ليخرج شيء ينام فيه بدلًا من بذلته الثمينة، خلع حذائه فقط و ألقى بسترته بإهمالٍ، ثم رمى بنفسه فوق الفراش آملًا أن يتمكن النعاس منه، و لكنه يعي تمامًا صعوبة حدوث ذلك، بعد ما رآه و إدراكه بأن الجسد الذي لطالما أشتهاه ليس ببعيد عليه، و أنه يمتلك شرعية حصوله عليه في أيّ وقت شاء، لم يكن أبدًا بهذا الضعف من قبل
سحقًا !!!
إنفتح جفناه مرةً واحدة، لا يدري هل نام حقًا أم إنه أغمض عينيه فقط، و لكن الصرخة التي دوت عبر المسافة الفاصلة بين الغرفتين كانت كفيلة بنزعه من الفراش، ليكون عندها خلال ثوانٍ …
-رحمـة !
إلى جانب صراخها المرعب، أيقظها أيضًا صياحه الخشن المذعور من سلسلة كوابيس مفزعة جعلتها تتخبّط في الفراش كالممسوسة متعرّقة و محمومة بشدةٍ، فتحت عينيها بلحظةٍ شاخصة بقوة، لترى ضوء الغرفة قد أضاء فجأة، و ذلك الشبح المتجول أمامها يقترب لتكتشف بأنه لم يكن سوى زوجها المزعوم !!!
-رحمة. إيه إللي حصل مالك ؟ .. قالها “يحيى” و هو يطلّ فوقها الآن بوجهٍ يعصف بالقلق
ارتعشت “رحمة” من لمسة يده على جبينها المندى، كانت في أقصى حالات وهنها، و لم تساعدها إطلاقًا رؤيته على هذا الشكل، حيث عينيه الرماديتين تومضان بالعاطفة، و صدره القوي بارزٌ وراء قميصه المفتوح، كل شيء فيه يربكها و يدفعها للفرار منه و الركض إلى أحضانه في آنٍ …
-شفت كابوس ! .. نطقت “رحمة” بصعوبةٍ و هي تحدق فيه ملء عينيها
رفع “يحيى” يديه عنها للحظاتٍ، ليصب لها كأس من الماء و يضيء مصباح السرير بجوارها، لاحظ بوضوح انتفاضة جسمها عندما دس ذراعه حولها ليساعدها على الجلوس، إنه فعليًا كان يعانقها !!!
لم يستمر هذا إلا ثوانٍ كانت كفيلة بتخدير حواسها، ليسقظ ظهرها فوق الوسادة خلفها، بقيت ترنو إليه فقط بإرادة معدومة، بعد أن لاحظت عينيه الجميلتان تتأملان وجهها و كتفيها العاريتين بشغفٍ لم ينجح في مداراته …
-اشربي مايّة ! .. تمتم “يحيى” بهدوء و هو يمد لها كأس الماء
رفعت يدها بثقلٍ و تناولت منه الكأس، قرّبته من فمها وشربت القليل، ثم أعادته إليه هامسة :
-شكرًا.
سألها بجمودٍ و هو يعيد الكأس إلى الطاولة :
-الكوابيس دي علطول بتجيلك ؟
هزت رأسها ببطءٍ و هي ترد عليه بنبرةٍ مهزوزة :
-لأ. دي أول مرة يحصل لي كده !!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
طمأنها بوداعته المعهودة :
-عادي يحصل لك كده في الأول. المكان جديد عليكي. و ظروف وفاة والدك.. كل حاجة جديدة. بس هاتتعودي بسرعة. ماتقلقيش.
راقبت عيناه يدها المرتعشة و هي ترتفع لتعيد خصلة حجبت عينها وراء أذنها، ثم سمعها تقول بارتباكٍ واضح و هي تبذل جهدًا لتنظر إليه مباشرةً دون أن يغلبها الخجل :
-انت جيت إمتى ؟ أنا ماحستش بيك خالص !
جاوبها و لا يزال مركزًا نظراته عليها باهتمامٍ :
-أنا لما رجعت كنتي انتي نايمة. دخلت الأوضة شفتك كده ف ماحبتش أزعجك …
لم تكن غبية إلى حد إغفال إيحائه بأنه رآها هكذا، يعني بأنها كانت عرضة لناظريه و هي تنام في هذا الثوب المثير، ما كان عليها أن ترتديه، و لكنها حقًا تحب هذه النواع من الألبسة النسائية، تناسبها و تشعر بالراحة و الحرية فيها، هذه الألبسة التي لطالما خاضت جدالاتٍ حادة مع أبيها لأنها كانت تصول و تجول بها بمنزلها القديم، لم تكن تتحمل توبيخه لها ففضلت أن تضعها على جسمها حين تخلد إلى الفراش فقط
إنها حقًا غبية، ما كان عليها أن ترتدي هذا و هي تعلم بأنه ربما يعود في أيّ وقت و يراها فيه، يا لحظها !!
تابع “يحيى” و هو ينظر إلى عينيها الآن :
-و أصلًا مافيش سبب عشان أزعجك. أنا سايب لك الأوضة الرئيسية دي. و ناقل كل حاجتي في الأوضة إللي جنبك. صحيح باب بيفصل بينّا. لكن أنا أكيد هاحترم خصوصيتك …
و سكت للحظة، ثم أضاف بلهجةٍ موحية :
-لحد ما تقرري إن مافيش خصوصيات بينّا !
كلماته ملأت قلبها حرجًا مفاجئًا، و استطاع هو أن يدرك تأثير ما قاله عليها، فتنهد مشيحًا بوجهه عنها، بدا عليه عدم الإرتياح، و أطرق برأسه بينما يخرج صوته واهنًا كالهمس :
-أنا آسف !
هذا كثير.. بصدق ؛ إنها المرة الثانية في يومٍ واحد التي يعتذر منها و لا تعرف السبب …
استطرد دون أن يغيّر من وضعيته شيئًا :
-وعدتك إني مش هاضغط عليكي.. لكن حتى لو مش بالأفعال. كلامي بيثبت إني مش بوفي بوعدي …
أدار وجهه إليها ثانيةً، ثبّت عينيه على وجهها دون أن يطرفهما للحظة، أطال التحديق فيها، فتسارعت نبضات قلبها بينما يضيف بصوتٍ أجش :
-أنا مش عايزك تحسّي أبدًا إني بستغلّك بسبب ظروفك. عشان كده بس أنا بحاول على أد ما أقدر إني أحافظ على مسافة بيني و بينك.. رحمة. أنا من أول ما شوفتك مش بتروحي من بالي.. غصب عني بفكر فيكي طول الوقت. مش ممكن تتخيّلي الراحة إللي حسيت بيها لحظة ما بقيتي مراتي. انتي أول واحدة أحس ناحيتها بالمشاعر دي.. أنا عارف إني بلعب بالنار. و إنها ممكن تحرقني. بس أنا.. عايزك.. رغم كل حاجة !
الآن اعترف !!
و هذا كل ما تمنت أن تسمعه منه، لقد أغرمت به منذ الوهلة الأولى، و مثله تمامًا لم تتوقف عن التفكير فيه، و لم يمر على بالها دون أن يحدث اضطرابًا كلّي لمشاعرها، تحلم به كل ليلة، هي أيضًا تريده، لعله يراها هدف يود الوصول إليه، لكنها تراه أمان و احتواء.. إن لم تكن قد وقعت بحبّه فعلًا !!!
ندت عنه نهدة عميقة الآن و هو يمسح على وجهه مغمغمًا بخشونة :
-آسف إنك بتسمعي مني الكلام ده. حاسس إني بتصرف بأنانية.. جايز فكرت قصادك بصوت عالي. ماتقلقيش. أنا هحافظ على وعدي ليكي.. حتى لو استنيتك كتير. حتى لو ماكنش في أي مقابل للإنتظار. أنا عمري ما هاجبرك على حاجة. و هاتفضلي أمانة عم جابر إللي هصونها لحد أخر يوم في عمري …
نظر إليها مجددًا و قال مبتسمًا بصعوبة :
-هاسيبك تنامي دلوقتي.. و اطمني أنا جنبك هنا. انتي مش لوحدك.. تصبحي على خير !
و همّ بالقيام من أمامها، لتمتد يدها في لمح البصر لتقبض على ذراعه، جمد “يحيى” بمكانه، و نظر إلى يدها التي تمسك به، ثم نظر إليها، إلتماع عينيها، رجفتها الواضحة مثل عصفورٍ يرفرف، و ماذا بعد !؟؟
-ماتسبنيش لوحدي.. خلّيك معايا لو سمحت !
أهي رغبة خالصة التي يراها تطلّ من عينيها الآن ؟ .. حقًا هي تريده أن يبقى معها ؟ .. و لكن هل تعرف هي ما يترتب عليه بقائه لو وافق ؟
لن يكون بإمكانها أن تتراجع بمجرد أن يمضي إلى هذا …
سرت الحرارة في جسده عندما صدمته و زحفت ناحيته لتصير قربه، لا تفصلهما سوى عدة بوصات، فأقشعرّت و هي تحس بحرارة أنفاسه تغمر وجهها، رفرفت بأهدابها الطويلة و هي ترفع يدها الأخرى لتحط بها فوق كتفه الدافئ مغمغمة من بين أنفاسها :
-أنا كمان.. أنا كمان عايزاك !
بعد أن أتمّت جملتها، فجأة، انفجرت مشاعره بشكلٍ أرعبها، عندما أعطته الضوء الأخضر إنتفى عقله و أيّ مظهر من مظاهر التفكير و المنطق
شهقت عندما قبضت أصابعه الغليظة حول معصمها، و قبل أن تدرك شيئًا آخر كان قد سحبها تجاهه بقوةٍ أخافتها في البادئ، ثم لصق فمه بفمها و هو يدس ذراعه من حولها ليحتويها بأحضانه الواسعة
حضنه مريح، لكنها لم تلين بسهولة، فجأة صارت أعصابها مشدودة من هجومه غير المتوقع، إلا أن قبلته المتعمّقة جعلت الحرارة تتصاعد من معدتها، و بالتالي تخور و تتلاشى كل مخاوفها، لتصبح أداة طيّة بيده الخبيرة، كان يعرف كيف يخضعها و هو ما حدث أسرع مِمّا خطط له، إنها حقًا بريئة كما وصفها والدها …
تسقط “رحمة” من جديد فوق الوسادة مدفوعة بضغطه عليها، بينما تعمل يده بمهارة لتزيل قميصه و استكشاف الجسد الذي اشتهاه كما لم يشتهي أيّ شيء في آنٍ، كانت تنتفض مع كل لمسة من يده، الجرئية منها خاصةً، تدمع عيناها، تفلت أنفاسها على شكل شهقات لتخبره بفقر خبرتها بل إنعدامها في هذا الميدان، كانت ضائعة و في نفس الوقت مشوّشة، خائفة من التجربة الجديدة الوشيكة
ثم فجأة لفحها البرد حين دفعها “يحيى” بعيدًا و هو يقول من بين أنفاسه :
-لحظة.. راجع لك تاني !
بالكاد استطاعت فتح عينيها قليلًا لترى ظلّه يحوم فوقها، قبل أن يختفي في الغرفة المجاورة، عاد بعد لحظاتٍ لينضم إليها في السرير مرةً أخرى …
-اشربي ده !
بدا متسلّطًا في طلبه، و ساعدها لتجلس و هو يقدّم لها حبّة دواء، و لكن أهي مريضة !؟
-إيه ده ؟ .. تساءلت “رحمة” ببلاهةٍ
رد “يحيى” و هو يدس الحبّة بفمها فعليًا :
-بس اشربيه. ماتخافيش.. بعدين أقولك ده إيه. وعد.
و لأنها بالطبع تثق به، لا تعرف كيف واتتها تلك الثقة العمياء بهذه السرعة، لكنها انصاعت لطلبه و ابتلعت الحبّة بجرعة من الماء …
نظرت إليه و هي تعبئ نفسًا عميقًا إلى رئتيها، رأت عيناه تبتسمان بتلك الملائكية التي تجعل وسامته لا تقاوم أبدًا، يأخذ وجهها بين كفّيه من جديد، و يقبّلها بشغفٍ أذابها بين يديه للمرة الثانية، قطع القبلة ليدفعها فوق الوسادة مجددًا، رفع ذراعيها و خلل أصابعه بأصابعها، ضغط يديها على الوسادة بشدة، نظر بعينيها.. ثم حطّم وعده لها بأن يمنحها كل الوقت لتستعد
حطّمه تمامًا …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم تجد “رحمة” زوجها بجانبها عندما تقلّبت في السرير باحثةً عنه …
نوعًا ما تشعر بالراحة، و تنظر إلى ساعة التنبيه المجاورة لتصدمها العقارب التي تشير للواحدة بعد الظهر، لقد تأخرت في النوم كثيرًا لأول مرة بحياتها، و لكن لماذا تستغرب !؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
إن الحدث كان جلل بالفعل.. لقد باتت حقًا زوجة حقيقية لـ”يحيى البحيري”… و هي التي ظنّت بأن هذا لن يحدث في المدى المنظور.. لكنه حدث بهذه البساطة !!
ابتسمت “رحمة” و هي تتمطّى بكسلٍ و تستعيد في نفس الوقت ذكريات الليلة الماضية، كسا الخجل ملامحها الجميلة و التي زادت جمالًا بفعل الحب و ممارسته، لقد سمعت عنه كثيرًا من صديقاتها المتزوجات في سنٍ مبكرة، و حتى بعض جاراتها، و لكن ما سمعته كله لا يُقارن بالمرة بما عاشته، لقد كان شيئًا عجيب، لا يمكن وصفه
رغم إنها لم تكن سهلة على الإطلاق، ربما قدّمت نفسها له في البداية، و لكن مع تخطّي الحدود، مع شعورها بأن الأمر يزداد جديّة و تعمقًا، ثار جسمها غريزيًا في دفاعية، و صارت تحمي أعزّ ما تملك بضراوةٍ شرسة معتقدة بأنه سوف يسأم و يتركها.. لكنه لم يفعل !
كان متفهمًا، صبورًا و هو يتعامل برفقٍ مع عذريتها، حتى استسلمت له شيئًا فشيء، توجب عليه أن يأخذها على حين غرّة لكي لا يعطيها فرصة أخرى للتمرد، و كما توقّع عادت تقاومه من جديد، لكنه ثبتها باحكامٍ، و في نفس الوقت أشعرتها الطريقة التي يمسكها بها بنوعٍ من الحماية، في خضم محنتها و شعورها بالهزيمة و أيضًا بكائها الصامت، كان يزيدها من القبلات الرقيقة و الشغوفة على شفتها و فكّها، كان رائعًا و غير متوقعًا.. فتارة يكون متحمسًا و ساخنًا.. و تارة يكون لطيفًا و رفيقًا
تلك اللحظات التي عاشتها، لم تكن مخيفة كما كان يروّج لها البعض أمامها من قبل، لم تكن أيضًا مجرد وقت مثير، بل كانت أروع شيء خاضته في حياتها، و خاصةً معه هو، الرجل الذي سرق قلبها، لا لم يسرقه.. لقد أعطته إيّاه عن طيب خاطرٍ.. و هي أبدًا لن تقايض حياتها معه مقابل أيّ شيء آخر في الحياة… إنها تريده هو.. هو فقط !
تنهدت “رحمة” بسعادة و هي تقفز من فراشها بخفة الفراشة، غطت جسدها بروب خفيف، ثم فتحت النافذة العريضة على مصراعيها لتستنشق هواء البحر المنعش المقابل لها تمامًا، كان المنظر خلّاب و الشمس لطيفة بالسماء و كأنها تباركها و تسعد لأجلها
من ذا يُصدق بأنها قبل يوم واحد فقط كانت منهارة لخسارة أبيها ؟
أبيها الذي رغم قسوته عليها منذ صارت يتيمة الأم في عمر الخامسة، لكنها كانت تحبه، و تألمت لفقدانه.. كيف عوّضها القدر بسرعة مذهلة ليبعث لها بزوج مثل “يحيى البحيري” !؟
إنه يفوق كل أحلامها و طموحاتها.. إنه هبة غالية !!!
-أخيرًا صحيتي !
انتفضت “رحمة” لدى سماع صوته، استدارت بسرعة لتراه واقفًا عند مدخل غرفة النوم، توقّعت أن يكون بالغرفة التي خصصها لنفسه، أو أنه قد غادر لمكانٍ ما، لكنه كان هنا.. لم يذهب لأيّ مكان …
-صباح الخير ! .. تمتمت “رحمة” بأشد الاضطراب
قهقه “يحيى” بإشراقٍ أسرها و هو يمضي إلى داخل الغرفة قائلًا :
صباح الخير إيه بقى. ده انتي لسا قايمة الضهر.. إوعي تقولي إنك كسلانة علطول كده !!
كانت تزدري ريقها مراقبة إيّاه و هو يخطو ناحيتها، لأول مرة تراه بدون ملابسه الرسمية، فهو الآن يرتدي سروال بيجامة من نسيج الحرير، فوقه روب قصير مفتوح يكشف عن صدره العضلي و بطنه المسطّح، كان أكثر جاذبية و حيوية، مثلها …
-أنا متعودة أصحى بدري كل يوم ! .. قالتها “رحمة” بصوتٍ خفيض و هي تتململ بمكانها
تشعر بأنها محاصرة، و لكنها تحب ذلك، تابعت عندما وصل أمامها و صار قريبًا جدًا منها :
-بس. يمكن طوّلت في النوم عشان.. إمبارح …
و صمتت غير قادرة على إكمال جملتها، فابتسم “يحيى” و رد عنها :
-إمبارح سهرتنا طوّلت شوية.. بس أنا قمت قبلك. أنا كمان متعود أصحى بدري و مابحبش أنام كتير.
كان مزاجه رائقًا حقًا و قد أربكتها نظراته التي لا تفوّت رصد أقل حركة تصدر عنها، أطلقت نفسًا مرتجفًا من صدرها و فجأة حانت منها إلتفاتة عابرة إلى الغرفة، فوجدت أنه أحضر باقات عديدة من مختلف أنواع الورود و الزهور، لتقول و هي تلوّح بيدها ناحيتهم :
-شكرًا على الورد !
رفع “يحيى” حاجبيه و قال بصوته العميق دون أن يزيح بصره عنها :
-لسا ملاحظاهم ؟ أنا طلبتهم بالتليفون أول ما صحيت. كنت عايزك تشوفيهم أول ما تفتحي عينك.
أومأت له و هي تقول برقةٍ :
-حلوين أوي.
-مش أحلى منك طبعًا !
و قبض على يدها ليرفع إلى فمه.. ثم يطبع قبلة ناعمة بباطن كفّها و هو يتواصل معها بالعين
دوّختها تصرفاته، ما دفعه أن يبتسم مجددًا و هو يراقب تعبيراتها كيف تتغيّر تأثرًا به …
-أنا عايزك تجمعي لي أوراقك الشخصية كلها ! .. قالها “يحيى” دون أن يفلت يدها من قبضته
قطبت “رحمة” متسائلة بريبةٍ :
-ليه ؟
-أنا بلّغت الكل إني مسافر للشغل. و انتي عارفة طبعًا إني ماسفرتش و إني معاكي دلوقتي.. بس بعد إللي حصل إمبارح غيّرت خططي كلها و قررت أسافر فعلًا. و انتي هاتكوني معايا.
فغرت فاها و هي تردد غير مصدقة :
-أنا هسافر معاك !؟؟
أومأ لها مؤكدًا :
-أيوة هاتسافري معايا. أقل هدية ممكن أقدمها لك بعد ما هادتيني نفسك شهر عسل يليق بيكي.
تضرجت وجنتاها بالدماء على إثر كلماته، و لا زالت لا تصدق ما يخبرها به، هل حقًا ستسافر ؟ .. ستقضي شهر عسل خارج البلاد ؟ .. و معه هو !؟؟
-و ده مش كفاية عليكي ! .. تمتم قبضته تنتقل من يدها إلى أسفل ظهرها
يقرّبها إليه أكثر، جفناه ثقيلان و صوته تحول إلى الهمس و هو يدنو بفمه نحو فمها بحركاتٍ مدروسة :
-أنا مش هاسيب أي فرصة تعدي منغير ما أقدم لك كل إللي تستاهليه.. و أكتر !
بالطريقة التي يتفاعل بها جسدها معه، لم تمانع أبدًا هذه المرة عندما قبّلها و هو يسحبها مجددًا نحو السرير، كان أكثر من مرحبًا به …
____________________
يجلس “عثمان البحيري” في سيارته الآن، و قد أغلق النوافذ عليه، لا تنقصه ضوضاء فوق التي تنهال على رأسه، في قبضته اليمنى مظروف يكاد يتمزّق من إطباقه عليه
لا يزال عقله يحاول تقبّل الحقائق، بما أنه اتسم طوال حياته بصفة حميدة من صفاته الحسنة، و هو إنه لا يسمح للصدمات بأن تشوّش على أفكار، لا يعترف بالخضوع للمشكلات، و هو بارعٌ حقًا في حل مشاكله و مشاكل من يهمه أمره.. لكن مع ذلك فقد أخذ وقته ليصدق حقيقة خيانة والده !!!!
أجل.. “يحيى البحيري” لم يخون زوجته “فريال” فقط، بل خان أولاده، خان عائلته بأكملها بتلك العلاقة السريّة التي نجح بإخفائها كل هذه السنوات و حتى بعد مماته، كيف استطاع أن يفعل ذلك ؟
بزوجته التي أحبّته.. به هو.. إبنه و وريثه… ماذا لو كانت قد أنجبت له تلك المرأة صبيًا !؟؟؟
هل حقًا خاطر بهذا ؟ .. هل أراد أن يجلب له أخًا نصف شقيق يشاركه بميراثه و كل ما أعدّ نفسه لتسلّمه في قابل الأيام ؟؟؟
كيف سيجد أجوبة على كل تساؤلاته ؟ .. من أين يأتي بأبيه و قد مات ؟ .. كيف يواجهه بحقارته و نذالته ؟ .. بل كيف سيخبر أمه بالنبأ الكارثي !!؟؟؟
يقول لها ببساطة بأن فتاة شابة ظهرت فجأةً و اتضح بأنها تحمل دماء آل”البحيري”.. و الأدهى أنها تحمل أيضًا اسم أبيه.. لم تكن مجرد إبنة غير شرعية حتى.. لا فقد منحها أسمه مثبتًا شرعيتها …
شتم “عثمان” و أطلق السباب من بين أنفاسه المهتاجة، كلّما يتردد في أذنيه تأكيد المحامي على صحة إدعاء أخته المزعومة، أصغى إليه بصمتٍ مصدوم، حتى أعطاه ما أؤتمن عليه ما إذا جاء اليوم و انكشف كل شيء
تنفس “عثمان” بعمقٍ مهدئًا أعصابه، ثم حسم قراره و فتح المظروف المسكين، سحب الورقة المنكمشة منه و فردها أمام ناظريه المشتعلين، ليقرأ خط والده الذي يعرفه كما يعرف أسمه :
“عثمان.. لو الورقة دي وصلت لك يبقى معناها إني مابقتش موجود. و إنك أكيد عرفت إن ليك أخت مني. أنا مقدر الحالة إللي انت أكيد فيها دلوقتي. و عارف انت شايفني إزاي. عارف كل حاجة. بس خلاص. لا انا و لا انت نقدر نرجع الزمن و نمنع إللي جرى. أنا مش طالب منك تسامحني و لا بكتب لك الكلام ده عشان أبرر لك أي حاجة. أنا بكتب لك عشان أوصّيك على أختك.. على شمس يا عثمان. أنا قلت لها ماتحاولش تظهر قدامك و لا تعرّفك بوجودها. و هي وعدتني. بس أنا عارف إنها مش هاتوفي بالوعد ده. حتى لو حاولت هايجي يوم تعمل عكسه.. لو شمس جت لك إوعى تتخلّى عنها. مش هاتكون عايزة منك أي حاجة. أنا أمنت لها حياتها كلها. لو جت لك ف هي جت عشان أخوها. مش عشان ورث و لا أي حاجة من إللي بتفكر فيها.. شمس أختك يا عثمان. زي صفية بالظبط. شمس بنتي.. اوعى تسيبها.. اوعى تسيب أختك.”
انتهى “عثمان” من قراءة الوصيّة و الغضب يؤجج مشاعره أكثر، لم تشفي كلمات والده هذه صدره، لم يقدم له أيّ إجابة على أسئلته، إنه يوصيه بابنته فقط، يبتز حمائيته و طبعه المتملّك بتذكيره بأن تلك هي أخته، من دماؤه، و كأنه واثق بأنه سيفعل …
و لكن هل هو مخطئ !؟
لا ليس مخطئًا.. إن “عثمان” لم يكن ليتخلّى عن تلك الفتاة لو ثبت له إنها حقًا إبنة أبيه، قطعًا لم يكن ليحاربها أو يقصيها بعيدًا في الظل كما فعل أبيه، سيتحمل هو كل العواقب في سبيل إظهارها و الإعتراف به فردًا من عائلة “البحيري”… و الجزء السيئ من الأمر أنه سيقف أمام والدته ليخبرها بنفسه
لا يعرف كيف.. لكنه سيفعلها… مهما كلف الأمر سيفعلها !!!
أطلق “عثمان” زفيرًا حانقًا و هو يعيد طيّ الوصية بالمظروف، ثم يضعه بدرج جانبي لسيارته، بينما كان عقله يعمل متفكرًا، أين ذهبت “شمس” يا ترى ؟ .. و لماذا اختفت بعد أن أطلعته عن حقيقتها ؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في جميع الأحوال هو سيجدها، تلك ليست المشكلة الآن، الواقع إن لديه ما يكفي من المشاكل في الوقت الراهن، ليتعامل مع أبرزها أولًا، ثم يتفرّغ لأمر أخته …
يستلّ “عثمان” هاتفه من جيب سترته، يعثر بسرعة على رقم شقيق زوجته، يجري الإتصال به على الفور، ثم يضه الهاتف فوق أذنه عابسًا بشدة.. لحظاتٍ و إنفتح الخط ليطلّ صوت “فادي” المتحذلق بتلك اللهجة الجافة التي يخص بها زوج أخته :
-أهلًا يا باشا. ده إيه الصباح الأبيض ده. عثمان البحيري بنفسه بيكلمني.. خير ؟
لم يكن “عثمان” في وارد الخوض معه في ملاسنة ساخرة، تحدث إليه مباشرةً في لبّ الأمر قائلًا بصوته الصلب :
-أختك عملت حادثة إمبارح.. لازم ترجع فورًا !
____________________
لا تصدق أنه أجبرها حتى الآن على المكوث القسري هنا، في هذه الشقة المترفة المستأجرة، منذ الليلة الماضية و هي تحاول إقناعه أن يطلق سراحها و وعدته بألا تهرب منه مجددًا
لكنه لا يصدقها طبعًا، و أبقى عليها بالقوة واعدًا بأن يخرجها معه صبيحة اليوم التالي، و ها قد أتى الصباح و خرجت “شمس” من الغرفة التي أقفلتها عليها بالمفتاح طوال الليل خشية أن يجن من جديد و يقتحمها مدمرًا إيّاها
خرجت تبحث عنه، لكنها لم تجده في أيّ مكان، في البادئ أشرق وجهها و هي تركض متشبثة بسترته التي تستر بها عريها، أمسكت بمقبض باب الشقة، تحالو فتحه، لكنه يعلق في كل مرة، لتكتشف بأنه يحبسها.. حقًا ؟
لقد إنعدمت الثقة بينهما إلى هذا الحد إذن …
تأففت “شمس” بنفاذ صبرٍ و هي تضرب الأرض بقدمها كالأطفال، تلفتت حولها بيأسٍ و هي تعي أنها لن تخرج من هنا ما لم يسمح لها، و لكن متى يعود ؟ متى يحررها من ذلك الأسر ؟ لا يمكن أن يجبرها على البقاء معه دائمًا بهذه الطريقة.. حبيبها المجنون… تخشى أن يرتكب في حقها أيّ حماقة تدفعها لكرهه.. هي لا تريد أن تكرهه.. هي تحبه و تعشقه حتى النخاع.. لولا سلطة أمها عليها ما كانت لتتركه و تذهب أبدًا
و لكنها عادت الآن.. و كانت تنوي الذهاب إليه، لكنه وجدها أولًا بطريقةٍ ما
إنبلجت إبتسامة على محياها لم تستطع كبحها لإدراكها بأنه حقًا يعشقها، و إلا ما فقد عقله إلى هذه الدرجة، ليته يدرك هو أيضًا أنها تبادله نفس المشاعر، و إنها صادقة هذه المرة، لن تتركه و تذهب إلى أيّ مكان، لن تفعل أبدًا …
تنهدت “شمس” باستسلامٍ و مضت تجاه المطبخ المفتوح، أرادت أن تعد كوب من القهوة سريعة التحضير، خيارها الأول في كل صباح، و من حسن حظها كانت الثلّاجة مزوّدة بغذاءٍ كافي و طازج، و كانت القهوة متوافرة أيضًا، بدأت تحضر لنفسها الفطور و هي تدندن غنوة غربية بصوتها الضبابي المميز و الذي كان أحد أكبر المميزات التي ساهمت بإغراق “رامز المير” بحبّها
لم تشعر بعودته، إذ كانت منهمكة بتفريخ المقلاة من سندويش الـ”الفرينش توست”.. بينما جاء هو من ورائها راسمًا على ثغره ابتسامة رائقة
كان معجبًا بالمنظر الذي يراه أمامه، تمامًا كما تخيّلها مئات المرات، حبيبته صارت معه أخيرًا …
-يا ترى عاملة حسابي في الفطار ده.. و لا لسا واخدة مني موقف ؟
ربما توقّع أن تجفل لإقتحامه المفاجئ لخلوتها، لكن على العكس، تلقّت كلماته بأعصابٍ هادئة، تركت ما بيدها، ثم استدارت نحوه بتؤدة و هي تشد سترته حولها بإحكامٍ
تطلّعت إليه بنظراتٍ عابسة و هي تقول بجمود :
-لحد إمتى هاتفضل حابسني هنا يا رامز.. إللي بتعمله ده غلط في حقي !
تلاشت إبتسامته الآن و هو يرد عليها بغضبٍ بارد :
-أحسن لك بلاش ندور على مين غلط في حق مين عشان ده مش هايكون في مصلحتك يا شمس.. أنا بحذرك. ماتحاوليش تستفزيني أنا على شعرة !!
وتّرها تهديده المبطن، و الذي تعي عواقبه فعليًا، ليرتجف فمها بشدة و هي تقول بعصبيةٍ :
-طيب على الأقل فهمني انت ناوي على إيه. مش معقول هاتفضل مخلّيني هنا محدش يعرف عني حاجة !!!
تنهد و قال بفتورٍ و هو يحك طرف ذقنه بظاهر يده :
-ماتخافيش. مش هانطول هنا. أنا وعدتك إني هاخرجك إنهاردة.. بس مش قبل ما نقعد و نتكلم. لازم تعرّفيني كل حاجة. لأني اكتشفت إني ماكنتش أعرف عنك أي حاجة.
-عايز تعرف إيه ؟ .. صاحت بنفاذ صبر
رماها بنظرةٍ باردة، ثم رفع يده لتتبيّن بأنه يحمل حقائب ورقية تحمل أشهر العلامات التجارية للملابس النسائية، قال و هو يمد يده صوبها :
-أنا نزلت اشترت لك شوية هدوم بدل إللي اتقطعوا منك. و اخترت المقاسات باحساسي و أنا واثق إن احساسي بيكي مايخبش أبدًا. ادخلي غيّري و تعالي عشان تفطري. بعدين هانقعد مع بعض نتكلم.. و أوعدك بعدها هانخرج من هنا.
نظرت له بسأم شديد، تمقت أسلوبه المتحكم هذا، لكنها لم تجد بدًا من الإذعان له، تقدّمت صوبه آخذة من يده الحقائب، ثم إندفعت تجاه غرفة النوم التي قضت بها ليلتها، غابت هناك لدقائق، ثم عادت إليه حيث جلس مسترخيًا إلى طاولة المطبخ الصغيرة
كان يحتسي من كوب القهوة خاصتها مستمتعًا بالمذاق الفريد الذي صنعته، عندما أتت، شملها بنظرةٍ فاحصة، و هي ترتدي الآن الثوب الذب اختاره من أجلها، ثوب أكثر إحتشامًا من ملابسها الفاضحة نوعًا ما، مؤلفًا من كنزة زرقاء بحمّالاتٍ عريضة، و تنورة بيضاء من القماش الناعم طويلة لها فتحة تصل للركبة، كما توقّع بالضبط، المقاس ملائم لها تمامًا
و شعرها الأسود الحريري قد رفعته في ذيل حصان محررة منه بعض الخصيلات حول وجهها، كانت مثالية، شديدة الجاذبية كعهده بها …
-تعالي كملي فطارك ! .. أمرها “رامز” مشيرًا إلى كرسي أمامه
ابتسم لرؤية الضيق يجلل وجهها و قد عرف لا تطيق تسلّطه عليها، لكن في النهاية هي مجبرة على تحمله، ألا إنها لم تخرج أسوأ ما فيه، و هو صارحها بأنه بالكاد يتحكم بنفسه لكي لا يطالها غضبه
جلست “شمس” أمامه مطلقة نهدة نزقة، ثم مدت يدها لتأخذ السندويش من الطبق، لأنها بالفعل كانت جائعة بدأت تأكله على الفور بنهمٍ و بلا أدنى تحفظ أمام “رامز” الذي بقى يراقبها بشغفٍ و استمتاع، حتى رآها تنظر إليه، و لاحظ نظرتها لكوب القهوة في يده
رفع حاجبه و هو يدفعه إليها قائلًا :
-آسف مقدرتش أقاوم لما شربت بؤ منه.. القهوة إللي بتعمليها حلوة أوي.
أومأت له برأسها قائلة من فمها المحشو بالطعام :
-عادي كمله. أنا ممكن أعمل غيره.
أصر “رامز” على أن تكمله هي قائلًا :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-لأ أنا هاعمل لنفسي فنجان قهوة سادة.. كملي انتي فطارك.
و قام ليصنع فنجان قهوته، بمجرد أن عاد كانت قد انتهت و بدأت تحتسي كوب القهوة خاصتها مستمتعة بكل رشفة، جلس “رامز” أمامها ثانيةً، و أستهلّ حديثه بهدوءٍ بعد لحظاتٍ من الصمت المتأمل لها :
-قوليلي بقى يا شمس.. فمهيني تاني إيه علاقتك بعثمان البحيري ؟
ركّزت نظراتها عليه و هي تخبره بضيقٍ واضح :
-قلت لك.. عثمان أخويا.
-إزاي !؟ .. سألها مطالبًا إيّاها بالتفاصيل
تنفست “شمس” بعمقٍ و هي تمد جسمها للأمام و تعبث بكوب القهوة، ثم تمضي مفضية إليه بملخصٍ لقصة حياتها :
-عثمان أخويا من الأب. يحيى البحيري يبقى أبويا. كان متجوز أمي في السر و عمره ما حاول يظهرنا للمجتمع بتاعه. إللي فهمته من ماما إنه كان حريص على مشاعر مراته الأولى فريال هانم المهدي و طول عمره كان قلقان إنها تكتشف جوازه منها و إنه مخلّفني. عشان كده لما تمّيت سبع سنين أخدني أنا و ماما و سفرنا لندن. عيّشنا هناك و فتح لماما مشروع المطعم إللي انت عارفه. فضل يساعدها لحد ما كبرته. و ماكنش بيغيب عننا كتير. كان بيزرنا باستمرار و بيقضي معانا أسبوع كل شهر و أحيانًا شهور لما بنوحشه أوي. كبرت و أنا ماعرفش إن ليا أخوات غير لما هو قالّي في مرة. أفتكر كان عندي 12 سنة وقتها. عرّفني على أخواتي من الصور. بس خلّاني أوعده إن عمري ما هحاول أقرب منهم. فهمني إن مامتهم مهمة بالنسبة له. و إن ظهوري ممكن يئذيها أوي. أنا مازعلتش منه. فهمت قصده و احترمت وجهة نظره. بس من ساعتها فضلت جوايا رغبة قوية ناحية أخواتي. بقى نفسي أقابلهم. أشوفهم. نفسي يعرفوني. انا قلت قبل كده إن طول عمري بتمنى يكون ليا أخ أو أخت.. و الحقيقة إن عندي الإتنين و مش عارفة أتواصل معاهم أبدًا. عشان وعدت بابا.. لحد ما ضعفت في يوم. كان بعد موت بابا بحوالي 8 سنين. نزلت مصر من غير ما أقول لماما. روحت إسكندرية و عرفت طريق عثمان. تصدق إني راقبته.. بقيت أمشي وراه في كل حتة. ماكنش عندي جرأة أقرب منه. لحد ما شوفتك معاه في مرة. فاكر أول مرة اتقابلنا.. في حفلة عيد جواز عثمان و مراته إللي كانت على اليخت. عملت نفسي من صحباتها. و محدش كان مهتم يدور ورايا. محدش لاحظني أصلًا.. غيرك انت. قربت مني و اتكلمنا. نستني كل حاجة ساعتها و بقيت مركزة معاك بس. أعتقد إني اتشيت لك من أول نظرة. و انت ماسبتنيش غير و معاك رقمي. و من وقتها بقينا نتقابل. و شوية شوية اتعودنا على بعض.. و حبيتك يا رامز !
كان مستغرقًا في التفاصيل التي تسردها عليه، مأخوذًا بالحقائق التي يعرفها لأول مرة، إلى أن جاءت على الجزء الخاص بهما، و اعترفت له بحبها.. صمتت و هي ترى تعبير وجهه الخاوي يستحيل إلى الغضب و هو يقاطع كلامها معلّقًا من بين أسنانه المطبقة :
-لو فعلًا حبتيني.. إزاي قدرتي تمشي و تسبيني ؟ 3 سنين يا شمس. 3 سنين ضاعوا مننا شوفي كان ممكن نعمل إيه فيهم. كان ممكن نتجوز و نخلف طفل أو اتنين. ليه ضيّعتي من عمري و عمرك الوقت ده كله ؟ على حساب مين !؟؟؟
أطرقت برأسها غير قادرة على مواجهة نظراته الإتهامية، و قالت بصوتٍ خفيض :
-ماما كانت محتاجة ليا. بعد موت بابا كانت منهارة. و فضلت فانية حياتها عليا. مارضيتش ترتبط من بعده رغم إنها كانت صغيرة و لسا لحد دلوقتي صغيرة.. أنا بالنسبة لماما كل حياتها. إزاي متخيّل إني ممكن أخذلها. مش كفاية عليها بابا خذلها و مش مرة واحدة. طول حياته معاها كان أناني. و عشان حبّته قبلت تعيش في الضل و بعيد و تتغرّب بيا.. كنت عايزني أعصيها و تكون دي مكافئتي ليها بعد كل التضحيات إللي عملتها عشاني !!؟
-تقومي تضحي بيا أنا ؟؟؟ .. صاح بعنفٍ
فأغمضت عينيها بشدة متحاشية أكثر النظر إليه، شعرت به يقوم محدثًا جلبة و هو يدفع بالكرسي الذي يجلس فوقه، ثم أحّت بقبضته على معصمها تنتزعها من مجلسها لتقوم واقفة، كتمت صيحة ألم بإصرارٍ و هي تفتح عينيها الآن محدقة بوجهه الغضوب، بينما يقول بخشونةٍ :
-السبب إللي خلّاكي تفضلي ورا عثمان لحد ما تعرفيه عليكي. و تكسري وعدك لأبوكي.. معقول حبنا ماكنش بالأهمية دي في نظرك عشان تلاقي له سبب تتحدي بيه أمك و تقنعيها إنك ماينفعش تكوني لغيري ؟ ماينفعش تبعدي عني. إنك فعلًا بتحبيني و مش ممكن تسبيني !!؟؟؟
هزت رأسها و هي ترنو إليه و الدموع ملء عينيها، ثم قالت بغصّةٍ مريرة :
-أنا ماكنتش فاكرة إني بحبك أوي كده. غير بعد ما سيبتك. صدقني مش انت لوحدك إللي عانيت من الفراق ده. انت ماكنتش بتروح من بالي.. كنت هاتجنن و أرجع لك.
-مارجعتيش ليه ؟ .. قالها من بين أنفاسه و هو يحدق بتفرسٍ في وجهها المتوّرد و فمها المكتنز المغري
كلماته تطرب أذنيه و تزيده رغبةً بها، بينما تجاوبه بضعفٍ محبب :
-رجعت. أنا المرة دي مارجعتش عشان عثمان بس. لو ماكنتش لاقتني الأول كنت هاتلاقيني جايالك لحد عندك.. أنا وقفت قصاد ماما المرة دي. قلت لها إني بحبك. إني مقدرش أعيش منغيرك و مش ممكن أكمل حياتي مع حد تاني. سيبتها و كنت راجعة لك …
قاطعها بضمة قوية بذراعه الذي أحاط كتفيها لحظةٍ :
-كنتي ؟ أنا مش هاسمح لك تبعدي عني تاني. من إنهاردة. مافيش يوم هايعدي عليكي و انتي بعيد عن حضني يا شمس !!
و دنى بفمه ليقبّلها بتملّكٍ عجزت عن مقاومته.. فكيف تقاوم من يمتلك عليها أكبر سلطة ؟
سلطة أشد قوة و بطشًا من سلطة أبيها الراحل و أمها المتحكمة !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الخامس _ إنها دمي _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
بالأمس القريب، كانت مجرد فتاة يتيمة فقيرة قد ابتليت بأب قاسٍ يحصي عليها أنفاسها، بل و حرمها من حقها باستكمال مسيرتها التعليمية معتقدًا بأنه هكذا يقيها الفتنة و صحبة السوء.. أما اليوم !
اليوم هي حقًا لا تصدق ما آلت إليه حياتها في طرفة عينٍ، و دون أن تحسب حسابًا لأيّ مِما حدث، خلال أسبوع واحد، إلتقت بفارس أحلامها، عقد قرانها عليه، انتقلت للعيش بمكانٍ لم تجرؤ حتى على تمنّي مثله، ثم صارت زوجةً حقيقية لـ”يحيى البحيري” غير قادرة على الإنتظار أكثر لتكون جزءًا منه، لتشعر بسيادته عليها و لتنعم بالواقع الذي حظيت به
لم تكن تتخيّل على الإطلاق بأن كل هذا ينتظرها، لقد سلّمته أوراقها الشخصية كما طلب منها، ليستخرج لها جواز سفر فوري في نفس اليوم، و في فجر اليوم التالي كانا على متن طائرة متجهة لأكثر المدن روّاجًا للعشاق، مدينة الفن و الجمال و العطور.. “باريس”… “رحمة” ستقضي هنا شهر عسل كامل و غير منقوص كما وعدها “يحيى”.. لا تستطيع أن تصدق !!!
حطّت معه بقدميها بأفخم فنادق المدينة “سان ريجيس”.. و المطلّ مباشرةً على برج “إيفيل” الشهير، تمعنّت “رحمة” بأعينٍ مذهولة الترف المحيط بها من كل حدبٍ و صوب، بينما تمشي متأبطة ذراع “يحيى” الذي تركها قليلًا ليؤكد تسجيل دخولهما بمكتب الإستقبال المفتوح
بقيت بجواره تمامًا، تجوب عيناها أرجاء المكان المتّسع برحابةٍ، الأرض نظيفة و برّاقة البرسلين يلمع كالمرايا تحت قدميها، الثريات الضخمة تدلّى من السقف الشاهق بمنتصف البهو الأمامي عاكسة أنوار مشعشعة خاصةً على مِسقاة انتصبت أسفلها مباشرةً يسح منها خرير المياه من كل جانبٍ، و التماثيل الفنيّة موّزعة بإتقانٍ في الزوايا المرئية، بالإضافة إلى الروائح المنعشة التي تستنشقها بانتظامٍ و تلك الموسيقى الهادئة التي تدوي عبر مكبرات الصوت الخفية، كانت تحس بشعورٍ جيد، و كأنها خفيفة مثل الريشة، كانت في حلمٍ جميل تتمنّى ألا تفيق منه …
-يلا يا حلوة !
صحت “رحمة” من تأملاتها على صوته، و أجفلت عندما أمسك بيدها و قادها معه تجاه المصعد، كان العامل المكلّف بنقل حقائبهم قد سبقهم، بينما تقف ملاصقة له أثناء صعود الطوابق، لم تكن تشعر بالراحة، و لا زالت كلمته تتردد أصدائها بأذنيها “يا حلوة” !!
هو لم يقل شيء معيب، لكن تلك الكلمة بدت غريبة، لو أنه ناداها بأسمها لكان أفضل، تعرف بأن باكرًا جدًا لتوصيف علاقتهما بعلاقة حب، فلا هي و لا هو يعرفان بعضهما جيدًا لينشب الغرام بينهما، الوصف الصحيح لعلاقتها به هو الإنجذاب، هي تنجذب له بكل جوارحها و لديها قابلية كبيرة حتى لتغرم به و تعشقه، و في نفس الوقت تشعر بأنه منجذب إليها جسديًا فقط، ذلك لا يعني أن مشاعرها مهمّشة بالنسبة إليه، مطلقًا، فهو يعتني بها جيدًا و يصغي إلى متطلباتها الصامتة، يترجم حاجتها و يفهم ما تريده دون أن تطلب
و لكن هذا حقًا لا يكفيها، فهي تريده أن يقع بحبّها، و في أسرع وقتٍ ممكن …
-أخيرًا استقرّينا ! .. قالها “يحيى” و هو يقفل باب الجناح من بعدها
تلج “رحمة” متطلّعة بانبهارٍ إلى ما حولها، الغرفة الكبيرة رائعة بكل ما للكلمة من معنى، و قد جهزها الفندق لتناسب زوجين في شهر العسل، حيث وريقات الزهور تفترش الأرض الخشبية اللامعة، و البالونات المثبّتة بالسقف من اللونين أحمر و أبيض
كانت الغرفة مكيّفة أيضًا، و تحتوي على صالون للجلوس، و تلفاز بشاشة مسطّحة، و آلة لصنع القهوة و ثلّاجة صغيرة، بالإضافة إلى حمام مزوّد بلوازم الإستحمام و مجفف للشعر، لم تستطع “رحمة” منع قدماها من التجوال للتعرّف على الجناح الذي ستسكنه مدة ثلاثين يومًا
حتى عادت من جديد لتقف أمام زوجها الذي ابتسم لها بوداعته المعهودة، مد يده ممسكًا بيدها مرةً أخرى و سحبها ورائه نحو الشرفة المغلقة، تركها ليزيح الستائر عن النافذة العريضة، و فجأة برز أجمل منظر رأته في حياتها
البرج التراثي ينهض بالقرب منها شامخًا في سماء الظهيرة الربيعية، و المباني التاريخية مترامية على مد البصر.. متعة ملموسة بإمكانها تذوّقها …
-إيه رأيك في المكان ؟
إلتفتت إلى سؤاله، حدقت فيه الآن، و مثل العادة تؤخذ بجمال عينيه و تكاد تنسى كيف تنطق الكلمات، لكنها تمكنت من الرد أخيرًا :
-المكان حلو أوي.. أنا عمري ما حلمت أزور بلد زي دي أصلًا !
رمقها بنظرةٍ حنونة و هو يقول بهدوء :
-أنا مش هاخليكي تحلمي بعد كده. عشان كل أحلامك هاتتحقق معايا.. و مش باريس بس إللي هانزورها. إحنا هاناخد القطر بعد أسبوع و نروح لندن. و بعدها لو حبيتي ألففك أوروبا كلها. اؤمريني بس.. قوليلي نفسك في إيه ؟
هزت كتفيها قائلة :
-و لا حاجة !
تقوّس فمه بأقرب ما يكون للإبتسامة و هو يرفع يديه ليزيح سترته عن كتفيه، ثم يلقيها جانبًا و يمضي نحو زوجته الصغيرة، ارتجفت ما إن لمستها يده و أحاطت ذراعه بخصرها، بينما يردد بخفوتٍ و هو يلامس ببطء و استمتاعٍ نعومة بشرتها على وجهها و عنقها النابض :
-إزاي.. أكيد في حاجة عايزاها. كلنا بنعوز حاجات طول ما احنا عايشين …
ابتعلت ريقها بصعوبة مع تزايد الحرارة التي ولّدها تلاصقهما ببعض، فقالت بلهجةٍ مهزوزة و هي بالكاد تتمسّك برباطة جأشها :
-و انت.. انت كمان. في حاجة.. عايزها !؟
ابتسم لها متمتمًا و شفتيه تتحرّكان أمام فمها مباشرةً :
-إللي أنا عايزه بين إيديا دلوقتي.. مافيش حاجة تانية عايزها. قوليلي انتي بقى… عايزة إيه ؟
جاوبته غريزيًا و من أعماقها و هي تنظر إليه بتوقٍ سافر :
-أنا عايزاك انت !!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-و أنا هنا. قدامك. و ليكي لوحدك !
انتشرت قشعريرة أسفل معدتها، بينما يمنحها تلك القبلة المرتقبة، لتذوب شفاههما معًا …
شعرت بأصابعه تنقّب في ظهرها و فخذها، أنفاسه تهدر و هو يقبّلها مرارًا و تكرارًا على فمها و عنقها، نبتت دموع النشوة في عينيها و هي تطلق تنهيدات عالية، و بالكاد لاحظت قبل أن يسحبها تجاه الفراش المزدوج أن حزام ثوبها الثمين الذي ابتاعه لها قبيل السفر قد تفكك بفعل أصابعه، لينزلق الثوب على ذراعيها متجمعًا حول خصرها، تأوّهت عندما دفعها لتسقط على ظهرها أمامه و بيديه يجرّدها تمامًا من الثوب ساحبًا إيّاه من حول ساقيها
خفض نفسه نحوها و تفاجأت بنفسها و هي تتشبث بكتفيه و تمسك بمؤخرة رقبته، لا تطيق صبرًا ليتوّحدا مجددًا، يمسك “يحيى” بها في مكانها و هو يلوي رأسه إلى عنقها يستنشقها و يقبّلها و هو يهمس بغلظةٍ :
-مش ممكن.. كنت هانسى !!
لم تستطع فهم جملته، و ما هو الذي كاد ينساه !؟
لكنها تذمرت عندما ابتعد عنها، لتفتح عيناها بصعوبةٍ محدقةً به، إنه يبتعد أكثر معرّضًا جسمها نصف المكشوف للهواء البارد بعد أن عمل على تدفئتها لألف سنة قادمة.. ما هذا الغش ؟ ما هذا العذاب !؟؟
تراه يفتح حقيبته الخاصة ليسحب شيئًا يعرف مكانه بالتحديد، ثم يعود إليها حاملًا زجاجة مياه صغيرة من الثلّاجة، يثني ركبته متكئًا على طرف الفراش، يلف ذراعه حول خصرها و يشدها لتجلس، ثم يدفع نحو فمها بذات الحبّة التي أعطاها لها في ليلتهما الأولى …
-اشربي دي يلا ! .. حثّها “يحيى” بلطفٍ
و لكنها رفعت يدها لتدفع يده قبل أن تصل لفمها و قالت عابسة :
-أنا شربت الحبّاية دي أول مرة لما طلبت مني. و قبلها وعدتني هاتقولي دي إيه.. ممكن أعرف دي إيه !؟
تنهد قائلًا بحِلمٍ :
-أيوة صح. وعدتك.. بس أشربيها دلوقتي و بعدين هقولك.
أبت بشدة الآن و هي تقول بتصميمٍ :
-لأ.. ققولّي الأول !!
لم يحرّك “يحيى” ساكنًا للحظاتٍ مطوّلة، ثم فتح فاهه أخيرًا و جاوبها بجمودٍ :
-دي حبوب منع الحمل.
لم تكن الصدمة ما شعرت به أول مرة، إنما الدهشة، لترد عليه ببلاهةٍ :
-حبوب منع الحمل ؟ و انت ليه بتديني حبوب منع الحمل !؟؟
أسبل “يحيى” عينيه و هو يطرد نفسًا حارًا من صدره، و قال بفتورٍ :
-أنا قلت لك إني متجوز و مخلّف يا رحمة. عندي الولد و البنت.. خلاص مش عايز حاجة تاني.
-بس أنا عايزة ! .. هتفت “رحمة” فجأة و قد صفعتها كلماته بفعالية أكبر من الصدمة
رفع رأسه محدقًا بها و هو يقول بجديةٍ تامّة :
-رحمة. أنا مش بناقشك. ده موضوع مافيهوش نقاش بالنسبة لي.. أنا مش هاخلف تاني لا منك و لا حتى من أم ولادي.
نظرت له غير مصدقة، يملؤها الاستنكار من موقفه هذا لتقول و هي تدفع كتفيه مقابلها تبعده و تقوم ملتقطة ثوبها الذي نزعه عنها منذ دقائق :
-أنا ماكنتش أعرف الكلام ده. لو كنت أعرفه قبل ما أتجوزك ماكنتش وافقت عليك مهما حصل.
تبعها “يحيى” واقفًا على قدميه، راقبها و هي ترتدي الثوب بأيدي مرتعشة، بينما ترمقه بنظراتٍ تنم عن خذلان و خيبة أملٍ …
-مش فاهم قصدك ! .. قالها “يحيى” بصوتٍ أجش متظاهرًا حقًا بالغباء
هزت “رحمة” رأسها مرددة بدموعٍ :
-أنا عشت يتيمة من و أنا عندي خمس سنين. عشت مع بابا لوحدي. لا كان عندي اخوات و لا أعمام و لا خيلان و لا عيلة. طول عمري كنت بحلم إني أكبر و اتجوز عشان أخلّف ولاد كتير. يكونوا هما اخواتي و ولادي و عيلتي كلها.. انت بقى جاي دلوقتي بتقولّي ببساطة مش عايز تخلّف ؟ ليه ماقولتش الكلام ده قبل ما تتجوزني ؟ ده اسمه غش !!
قطب “يحيى” بشدة، تفاجأ من طريقة تفكيرها و استخدامها لدفاعاتها مِمّا عطل ردّه لثوانٍ، لكنه قال في الأخير بحدةٍ :
-الغش ده لو كان صفة فيا فعلًا كنت اشترط على عم جابر مايجبلكيش سيرة عن جوازي أصلًا. كنت خبيت عنك تفاصيل حياتي.. أنا مش غشاش يا رحمة !!!
-و أنا عايزة أخلّف ! .. قالتها بعنادٍ حازم
طالعها بنظراتٍ قوية متقدة، ثم قال بخشونةٍ لا تُناسب ملامحه الملائكية البتّة :
-قلت لك مش هايحصل. لا منك و لا منغيرك.. مش هايحصل.
أومأت له قائلة بهدوء :
-ماشي. انت حر ماتخلّفش.. بس طلّقني !
صدمته هي الآن بنطقها بالكلمة الأخيرة، ليقول باستنكارٍ جلي :
-أطلقك ؟
ردت بفمٍ مشدود مضطرب بينما دموعها تسح فوق خديها :
-أيوة طلّقني.. أنا عمري ما هارضى بالوضع ده. أنا عايزة أخلّف. منك أو منغيرك !!
احتقن وجهه بالدماء عندما استعملت نفس كلماته، كان يشعر بغضبٍ شديد لم يتملّكه أبدًا من قبل، و أحس بأن عليه أن يختفي من أمامها الآن، و إلا فسيحدث ما لا يُحمد عقباه.. تلك الفكرة صدمته أكثر !
متى كان هكذا ؟ .. كيف جعلته تلك الفتاة هكذا !؟؟؟
يستدير “يحيى” الآن ملتقطًا سترته، يرتديها أثناء سيره للأمام، بينما تراقبه “رحمة” و هو يغادر الجناح بأكمله دون أن يفه بكلمةٍ
انتفضت حين صفق الباب ورائه، و فجأة اجتاحها إنهيارًا كامل، لتسقط متكوّمة فوق الأرض مجهشة ببكاءٍ حار و قد شعرت الآن فقط بوحدتها …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم تتوقف عيناها أبدًا عن ذرف الدموع، طوال مدة رحيله المفاجئ، تركها بمفردها دون أيّ كلمة، لم تكن بيدها حيلة غير المكوث هنا، ترقد فوق الفراش الوثير، تحدق باستمرارٍ إلى قنينة حبوب منع الحمل التي جلبها زوجها من أجلها
غريبٌ إنها تشعر بالخواء الآن !
و حقيقة أنها تفتقده، مجرد تخيّل الآتي من عمرها بدونه يرعبها، ليس بعد أن وجدته، لا يمكن ان تُحرم منه بهذه البساطة، و لأجل سببٍ لا يستحق، إنه أبسط حقوقها ان تصير أمًا، فلماذا يصرّ على منعها من حقّها الفطري !؟
لماذا يظلمها ؟
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مع إنتصاف الليل الباريسي، أحسّت “رحمة” بعودته، و لم تكن قد نامت أو حتى تراودها الرغبة في النوم، إنما تظاهرت مغمضة عينيها بأنها في سباتٍ، و هي تسمع قرع حذائه يقترب منها شيئًا فشيء، ثم أحسّت بالمرتبة تنخفض بجوارها، ثم بيده الدافئة تلامس جانب رأسها
في هذه اللحظة لم تستطع الصمود أكثر و أُفلتت الشهقات من بين شفاهها، لكنها لم تفتح عيناها رغم ذلك، بقيت تبكي محاولة كتم صوتها ما أدى إلى اهتزاز جسمها بقوةٍ، فدفنت وجهها في الوسادة، أرادت فقط أن تشد الغطاء إلى وجهها حتى لا يراها، لكنه لم يسمح لها بالتهرّب منه
شعرت بذراعيه تحيطان بها و تضمانها إليه، إلى حضنه الواسع المريح، جعلها ذلك تبكي أكثر، تبكي بشدة الآن، بينما يضم وجهها إلى صدره، تتشبث أكثر بقميصه و نحيبها يزداد حرارةٍ، ليتمكن أخيرًا الكلام
فتسمع همسه من فوق رأسها :
-رحمة.. أرجوكي ماتصعبيش الأمور عليا أكتر من كده. من فضلك إهدي. أنا مابتحملش الدموع أبدًا و خصوصًا منك انتي.. إهدي عشان خاطري !
نطق بكلماته مرارًا و تكرارًا، لكنها لم تستطع التوقف، بقيت تبكي بشدة، و هو فقط يضمها و يقبّل شعرها و جبينها بالتناوب علّها تهدأ، كانت عاجزة الآن عن قمع مشاعرها التي طفت كلها على السطح تمزّقها، لا يتعلّق الأمر الآن بقضية منعه إيّاها من الإنجاب، بل بكل شيء، تشعر بالوجع من كل شيء، من فقدان والديها، وحدتها، ضعفها العام تجاه الحياة و تجاهه هو خاصةً، الألم الذي لا ينتهي بداخلها منذ نعومة أظافرها، دائمًا ما تنقص سعادتها لتصبح مجرد مشاعر جوفاء.. كل تلك المشاعر تفوق قدرتها على التحمل… لا تستطيع تحمل كل هذا أكثر.. و قطعًا لا تريد الظهور أمامه بهذا الضعف
أحسّ بيديها تدفعانه، فمنحها فسحة ليرى ما الذي تحتاجه، بينما تقلّبت على الجانب الآخر من الفراش بعيدًا عنه، إنتابتها رغبةً مجنونة في الرحيل، راقبها و هي تنهض واقفة و تهمّ بالتوجه صوب الحقائب التي لم تفرغ بعد …
-أنا عايزة أرجع مصر دلوقتي ! .. هتفت بنزقٍ لا يخلو من البكاء
و قبل ان تضع يدها على الحقيبة كان قد وصل إليها، اعتقل معصمها في قبضته و هو يشدّها نحوه قائلًا بحدة :
-رحمة. بطلي جنان.. مافيش رجوع دلوقتي. و أكيد مافيش طلاق. شيلي الموضوع ده من راسك. انتي خلاص بقيتي مراتي حتى مش مجرد قسيمة بتثبت ده. انتي بقيتي ملكي فاهمة ؟
قاومت قبضته دون جدوى و تهّس من بين أنفاسها :
-و أنا مش عايزة أكمل معاك. انت اتجوزتني ليه أصلًا ؟ أنا ماعرفش لحد دلوقتي انت ليه طلبت تتجوزني !!؟
و سادت ملامحها فجأة تعبيراتٍ مصدومة وتّرته، ثم سمعها تقول مفغرة فاها و كأنها عثرت على الإجابة للتو :
-بابا هو إللي طلب منك صح ؟ هو إللي جبرك تتجوزني عشان كان عارف إنه هايموت !!!
هز “يحيى” رأسه نافيًا في الحال بقوة :
-لأ طبعًا. أبوكي مافتحش بؤه معايا في موضوع جوازي منك. و انتي أصلًا تفتكري إن في مخلوق في الدنيا دي كلها ممكن يجبرني على حاجة ؟ و بالأخص لو كان السوّاق بتاعي !!
كلمته الأخيرة كانت بمثابة الضربة القاضية، نظرت إليه كما لو أنه لكمها في أحشائها …
ندم “يحيى” على الفور على زلة لسانه، بينما يتلوّى وجهها و هي تقول محاولة استيعاب الأمر برمته :
-أيوة صح.. أيوة. أنا كده بدأت أفهم… انت مش عايز تخلّف من بنت السواق !
اللعنة.. إنه يناقشها ليخفف عنها ما جرى بينهما خلال النهار لكن يبدو بأنه يزيده سوءًا …
يهز رأسه ثانيةً و هو يقول بغلظةٍ مطوّقًا معصما أشد لمنعها من التحرّك :
-لأ. رحمة. أنا مقصدش إللي بتقوليه ده.. أبوكي كان شخص مهم بالنسبة لي. صدقيني مقصدش أي إهانة له أو ليكي.
كانت دموعها تنهمر بالفعل أثناء حديثه، لترد من بعده بلهجةٍ منكسرة دون تحفظٍ :
-و لو قصدت. انت مابتقولش غير الحقيقة.. بس لو كنت صريح اكتر معايا كنت وفرت علينا كل ده. انت اتجوزتني عشان تعيش لك يومين و في نفس الوقت ترضي أبويا و تطمنه عليا قبل ما يموت. أكيد ماخدش منك مقابل عشان كتبت مؤخر كبير في عقد الجواز. عشان لما تطلقني بعد فترة تكون وفّيت بوعدك و قال يعني سترتني.. مش كده ؟
وجهه يزداد عبوسًا مع تعاقب كلماتها، ليقول بخشونةٍ ردًا عليها :
-إيه إللي بتقوليه ده. لأ طبعًا مش كده. أنا اتجوزتك و أنا عارف و واثق إن عمري ما هاطلقك. مهما حصل.
رفعت حاجبها و هي تقول متحديّة :
-حتى لو جوازنا اتعرف ؟ حتى لو مراتك و ولادك عرفوا ؟
جمدت نظراته و كذا ملامحه و هو يقول بجفاء :
-و إيه إللي هايعرفهم يا رحمة ؟ مش ممكن يعرفوا طالما محدش فينا احنا الإتنين قال !
خيّم الصمت بينهما للحظاتٍ بعد ذلك.. لتقطعه “رحمة” مكررة طلبها :
-أنا عايزة أخلّف.. يا تطلّقني.
يفقد “يحيى” آخر شعرة إتزان لديه و هو يصيح بها مبتعدًا كل البُعد عن الوداعة و الملائكية اللتان أسرتاها :
-مافيش خلفة. افهمي بقى. مـافـيــــش خــلفة. و مافيش طلاق كمان. إللي حصل بينا ده مش لعبة.
يتملّكها غضب يوازي غضبه الآن و هي تثور بوجهه محاولة من جديد إنتزاع يدها من قبضته باهتياجٍ أكبر :
-صح مش لعبة. لو لعبة مش هقدر أخلّف. لكن أنا مش بلعب يا يحيى بيه. و قلتها لك. أنا هاخلّف.. منك أو منغيرك !!!
تبًا لها.. تبًا لها إذ تصر على تكرار تلك الكلمات التي تستفز رجولته و هي توحي له بصورة تفقده صوابه… صورتها بين أحضان آخر يستطيع منحها الأطفال التي يعجز عن منحها إيّاهم
كيف لها أن تفعل به كل ذلك ؟ كيف لها أن تخرج أسوأ ما فيه ؟ و هل كان في عمره كله بهذا السوء حتى و لو داخليًا !؟؟؟؟
أسوّد وجهه الوسيم من شدة الغضب، و تدفق الغيظ بشرايينه و هو يغمغم من بين أسنانه بطريقةٍ أخافتها :
-انتي صحيح لسا مجرد طفلة ساذجة و عنيدة. و أنا شايف إن جابر مابذلش أي مجهود في تربيتك. بس إحنا فيها. إللي هو ماعرفش يعمله أنا هاعمله. أنا هاربيكي يا رحمة !!
و انطلقت صرخة الرعب منها حين اجتذبها بالقوة و حملها إلى الفراش، رفعت يديها لتصارعه، لكنه أحبط إرادتها و هو يخفض جسده مكبلًا جسدها، على الرغم من جهودها المصممة لم تستطع الهرب من يديه، و أمسك بمعصميها ليصلبهما فوق رأسه بيدٍ واحدة، بينما يأسر وجهها في قبضته الأخرى
يحدق بتفرسٍ حاد إلى ملامحها الناطقة بالنقمة و الغضب، إلا أن فمه يرتجف فجأة و هو يدقق أكثر بتوّردها المتزايد و سِعة عينيها المتلألئة تحت ضوء الغرفة الخافت، انحسر غضبه بلحظةٍ و هو يشعر بالحاجة إليها بداخله تتعاظم، ليتأوّه و هو يدفن وجهه في عنقها مغمغمًا :
-رحمة.. ماتقاومنيش.. أرجوكي.. أنا مش هاجبرك على أي حاجة.. بس أرجوكي فكري كويس… ريّحيني.. أنا عمري ما حسيت بالراحة إلا و انا معاكي.. مستعد أحقق كل أحلامك.. أي حاجة تطلبيها.. إلا الشيء ده… من فضلك.. افهميني …
رجع إلى الوراء قليلًا و قبّلها بلطفٍ على حافة فكّها، ثم نظر إليها بعينين متوّسلتين، و فجأة.. لم تعد “رحمة” تشعر بالرغبة المُلحة في الرحيل !!!
أخضعها بكلماته، هدأت فورة الغضب عنها و صارت مرتاحة أسفله، مُثارة، رغم إنه لم ينزع عنها قطعةً واحدة.. تنهدت حين قرّب فمه من خدّها، ثم مرر شفاهه ببطءٍ لأعلى وصولًا لأذنها حيث همس بعاطفةٍ ملتهبة :
-أوعدك إن عمرك ما هاتندمي على جوازك مني.. أنا مش هاخلّيكي تحسّي بأي نقص !
كيف لها أن ترفضه و هو يناشدها هكذا بحق الله !؟؟
إدراكها بأنه يُفضلها، بأنه يضعها في مكانة أعلى من زوجته باعترافًا منه إنه لم يجد الراحة إلا معها.. جعل كل مخاوفها تطير بهبّة ريحٍ
تأوّهت هي الآن حين صار بين ساقيها، و جذبته نحوها أكثر غريزيًا، نسيت كل شيء، كل ما فكرت فيه هو اللحظة الراهنة، يداه و هي تخلع عنها منامتها من رأسها، سخونة فمه حين لامس صدرها، خلعه لملابسه بسلاسةٍ شديدة خلال لحظات، قوة و حدة نظراته و هو يقيم الوصال بينهما
تفجّرت بداخله مشاعر لطالما تاق لها، عندما أطلقت “رحمة” لنفسها العنان بين ذراعيه، تعاطت معه كأنثى طبيعية، و هو ما تفتقر إليه “فريال” و ستظل، فـ”رحمة” لم تكتسب هذا، بل هو في جذورها، في فطرتها، كانت مثل أمنية تحقّقت
أخيرًا وجد نفسه.. وجدها.. و لا ينوي التخلّي عنها مطلقًا …
_________________________
تهللت أسارير الرجل الطاعن في السن، و الوقور في آنٍ، و هو يجلس وراء مكتبه الضخم متطلعًا إلى شريكه الأصغر سنًا و هو يلج إليه أخيرًا، يراه بعد غياب بضعة أيامٍ في عطلةٍ إستجمامية
رحّب به على الفور مبديًا سروره بعودته :
-حمدلله على السلامة يا نبيل.. جيت في وقتك. زي العادة محتاس منغيرك !
يبتسم “نيبل الألفي” بموّدة صادقة لصديقه العجوز، يمضي مقبلًا عليه أقرب، فينهض الأخير ليصافحه بقوةٍ رابتًا على كتفه بينما يقول “نبيل” بتلك النبرة الرفيقة التي يخصّ بها شريكه و صديقه المقرّب :
-لو كنت كلّمتني عمري ما كنت هتأخر عنك.. انت الوحيد إللي معاك رقمي الخاص. و عشان ماكونش بكدب يعني هالة بنت أختي معاها بردو.
قهقه الرجل باشراقٍ و دعاه للجلوس قائلًا :
-أنا صحيح مابستغناش عنك. لكن ده مش معناه إني مابقاش مهتم براحتك أديلك مساحتك الشخصية. أهم حاجة تكون راجع مبسوط و عندك طاقة.
تنهد “نبيل” و هو يجلس قبالته و يرد :
-و الله راجع مبسوط فعلًا. بلد أول مرة أزورها و الطبيعية هناك تنعش الروح. لازم أخدك هناك مرة على الأقل هاتفيدك.
وافقه في الحال :
-و ماله طبعًا. نبقى نروح.
ران الصمت لثوانٍ.. ثم قال “نبيل” ساحبًا الوشاح الخفيف من حول رقبته و الذي تماشى مع لون عينيه الفيروزي :
-خير يا حسين.. قولّي بقى كنت سايب لي خبر أول ما أوصل أجي لك. في حاجة حصلت في غيابي ؟
نفى المدعو “حسين” افتراضه قائلًا بأريحية :
-لا أبدًا ماحصلش حاجة. كله ماشي تمام ماتقلقش.
عبس “نبيل” و هو يقول بحيرة :
-أومال في إيه ؟ أنا المفروض كنت أريح في البيت إنهاردةو أنزل الشغل من بكرة !
ابتسم “حسين” و هو يفصح له بعشمٍ :
-ما انا قلت لك انا مابعرفش أتصرف كويس منغيرك يا نبيل. انت مش مجرد شريك في الشغل. انا بعتبرك إبني. كنت أتمنى تكون إبني فعلًا يا نبيل.
امتلأت عينا “نبيل” بنظرات التقدير و الإمتنان للرجل الذي لا يتوقف أبدًا عن دعمه بكل الطرق الممكنة، لا يمكنه أن ينسى أحلك أيام حياته، حين خسر أعماله بالكامل منذ سنوات على يد “عثمان البحيري” الإنتقامية، ظهر “حسين عزام” فجأة، كان طوق النجاة، و عرض عليه الشراكة دون أن يطلب منه أيّ مقابل مادي، من وقتها و هما لا يفترقا أبدًا، و استحالت علاقة العمل إلى علاقة صداقة قوية، إلى أن كللها “حسين” بهذا الإعتراف الآن
أن يقولها علنًا بأنه تمنّى لو حظى به كابن حقيقي له.. هو شيء لا يُقدر بثمن بالنسبة له …
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أؤمرني يا حسين ! .. قالها “نبيل” بصوته القوي :
-قول إللي انت عايزه و أنا أنفذه فورًا.
حسين بلطفٍ : أنا مش طالب منك حاجة كبيرة. و مالهاش علاقة بالشغل. زي ما قلت لك أنا بعتمد عليك أكتر في حياتي الشخصية.
شعر “نبيل” بالفضول فحثّه مضيقًا عينيه :
-خير يا حسين. أتكلم !
علا صدر العجوز و هو يعبئ نفسًا عميقًا إلى رئتيه المنهكتين، ثم قال بصوتٍ خفيض :
-مالك ابني هايخرج من السجن كمان يومين. المحامي لسا مكلّمني إمبارح بدأ في إجراءات خروجه فعلًا.
-صحيح أنا فاكر إن السنة دي كانت أخر مدته.. يااه. عشر سنين عدوا بالسرعة دي !
-يعدوا علينا احنا بسرعة. إنما على المسجون يعدوا ألف سنة …
استشف “نبيل” الحزن في لهجة صديقه، فقال مرفرفًا بأهدابه الكثيفة :
-طيب انت عاوزني أعمل إيه ؟ أروح أجيبه من السجن و لا هو هايترحل على مصر ؟
-لأ مش هايترحل. أنا عملت اتصالاتي هنا و اتصالحنا مع السلطات. وضعي هنا يسمح لي اتوسط له و أضمنه. هو هايخرج من السجن علطول و أنا بنفسي إللي هاروح أجيبه.. ماكنتش عايزك في حاجة تخص مالك يا نبيل.
-أومال عايزني في إيه حيّرتني يا حسين !؟
حسين مبتسمًا بخفةٍ :
-أخيرًا مايا بنتي قررت تيجي تعيش معانا هنا. لما عرفت إن أخوها خارج قالت لي إنها جاية. ماكنتش مصدق نفسي يا نبيل. انت عارف مايا طول عمرها عاملالي هاجس. و خصوصًا بعد موت أمها.. ياما إتحايلت عليها تيجي !
أبدى “نبيل” سرورًا لبهجة صديقه و قال :
-حلوة أوي الأخبار دي. شفت مش كنت بقولك إن ولادك هايرجعوا لحضنك تاني.. ماكنتش بتصدقني.
أومأ “حسين” مرارًا و قد كست عيناه طبقة من دموع الفرح، ثم قال متململًا بشيء من الحرج :
-أنا عارف إنك مرهق من السفر. و مش من الذوق إني أطلب منك طلب زي ده.. بس لولا إن في اجتماع مهم بعد نص ساعة لازم أكون حاضر فيه ماكنتش طلبت منك أبدًا.
-بلاش كلام مالوش لازمة ! .. قالها “نبيل” متبرمًا، و استطرد بخشونةٍ :
-قول علطول إللي انت عايزه !!
إنصاع له مجيبًا بهدوء :
-مايا هاتركب الطيارة بعد ساعتين. و كنت عايزك تروح تستقبلها في المطار و توصلّها بيتي. بما إني مش هاعرف أروح لها مش عايز ابعت لها السواق و أخلّيها تحس إن وجودها هنا عادي. عشان كده بطلب منك انت إللي تروح. انت شخص مميز و مهم عندي و مايا هاتفهم ده أول ما تشوفك.
تلقّى “نبيل” كلماته بتفهمٍ و قال :
-بس كده ؟ غالي و الطلب رخيص يا حسين.. هكون في المطار قبل وصولها كمان. هاستقبلها بنفسي و أوصلها لك لحد البيت. ماتقلقش خالص !
و اعتذر منه فجأة إذ شعر باهتزاز هاتفه بجيب سترته، قام “نبيل” بعد أن رآى شاشة الهاتف تضيء باسم إبنة أخته الوحيدة، بدت الابتسامة في صوته و هو يرد عليها ما إن أغلق باب مكتب “حسين عزام” من خلفه :
-هالة ! حبيبتي عاملة إيه وحشتيني.
أتى صوتها خافتًا بشكلٍ ملحوظ :
-خالو. انت وحشتني أكتر. بس اسمعني عشان مش هقدر أطوّل معاك !
عبس “نبيل” و هو يسألها مرتابًا :
-انتي موطية كده ليه يا هالة ؟ في حاجة و لا إيه !؟؟
-لأ. لأ مافيش حاجة.. بس فادي قريب مني. انت عارف لو شم بس إني بكلمك هايبهدلني.
تنهد “نبيل” بسأمٍ، ليس من العدل ما تفعله معه الحياة.. سلبت منه أحبائه فيما مضى، والديه و شقيقته التوأم العزيزة على قلبه، و ها هي تحرمه من قطعة منها.. غاليته “هالة”.. الذكرى الوحيدة لوالدتها التي تبقّت له… باعتبار إن علاقته بأخيها “صالح” ليست وثيقة جدًا.. كانت “هالة” مفضلته حقًا.. و لكن بعد الذي اقترفه بشقيقة زوجها لم يكن له الحق في لومه عندما قضى منذ سنوات ألا يقترب من عائلته بمن فيهم زوجته.. “هالة”… لكنها مثله تعتبره من أقرب الأقربين.. لم تستطع تنفيذ أمر زوجها و خرقت كلمته و بقيت على تواصل مع خالها في الخفاء
ارتفع كف “نبيل” ماسحًا على وجهه و هو يغمم عبر الهاتف :
-طيب مش هاعملك مشاكل معاه. قوليلي يا حبيبتي اتصلتي عايزة حاجة ؟
-لأ كنت بتصل أطمن عليك. أنا عارفة إنك راجع إنهاردة.. رجعت ؟
-أيوة. بقالي ساعة واصل.
-إحنا نازلين مصر دلوقتي.
تفاجأ بالخبر و علّق :
-إيه ده معقول.. مش قولتيلي إن فادي مش بيفكر يرجع دلوقتي خالص. و حتى كان عايز يبعت لأخته الصغيرة عشان تعيش معاكوا هنا !؟
-آها قلت كده فعلًا. بس في حاجة حصلت و لازم نرجع فورًا.
-إيه إللي حصل ؟
-سمر عملت حادثة و بيقولوا فقدت الذاكرة. مش فاكرة أي حد لا عثمان و لا ولادها و لا حتى ملك أختها. مش فاكرة غير فادي !
-إيـه !!؟ .. هتف “نبيل” معقّبًا بذهولٍ
كان الخبر صادمٌ حقًا.. لا يُصدق …
_________________________
-وحشتني أوي !
تنهدت “ملك” براحةٍ و هي تتعلّق بأحضان زوج شقيقتها مثل قطيطة تلوذ بركنٍ آمن، كانت بالفعل تنتظره حتى عاد إلى البيت بعد غياب ليلة و نهارًا كاملين، كان تعاني من تعلّق مرضي به حقًا، و أضيف إليه هلع فقدانه عندما علمت بقدوم شقيقها الوشيك
خشت كثيرًا لو أصر على كلمته و أخذها من هنا.. بعيدًا عن عائلتها الحقيقية بالنسبة لها …
-انتي أكتر يا حبيبتي ! .. قالها “عثمان” و هو لا يزال يضمها بحنان عند مدخل المنزل
أخذ يمسح على رأسها ممتنًا لأنها تمنحه هذا السلام الذي كان بحاجة إليه بعد كا ما خاضه خلال الساعات الماضية، كان يستمد منها قوة دون أن تدرك، تلك الفتاة الصغيرة هي رمز الحظ بحياته، منذ تكفّل بها و إتخذها ابنة ً له و هو يشعر بلطائف الله تحيط به حتى في أصعب المواقف و الأزمات
إنها ملاكه …
-انتي كنتي قاعدة مستنياني ؟
مشيت “ملك” للداخل مع “عثمان” متشبثة بجزعه، بينما يحيط كتفها بذراعه و هو يلقي عليها ذلك السؤال ناظرًا إلى عينيها، نفس عينيّ أختها، زوجته.. “سمر” …
ابتسمت “ملك” و جاوبته :
-إمم. يحيى و فريدة ناموا من بدري. و أنا ماعرفتش أنام خالص غير لما تيجي و اشوفك.
مد يده الأخرى مداعبًا خدّها بلطفٍ، و قال متلفتًا حوله :
-فريال هانم في أوضتها ؟
أومأت له قائلة :
-أنا سيبتها مش شوية في السرير بتقرا. طلبت شاي البابونج. لو عايز تشوفها لازم تلحقها قبل ما تنام !
حنى رأسه ليقبّلها على جبهتها، ثم تركها تمنّى لها ليلة سعيدة و مضى صاعدًا لرؤية أمه، فقد عزم نهائيًا على إتمام الأمر الليلة، إذا أخره أكثر سيزداد صعوبة، و الصدمة ستقوى عليها، لم يكن أمامه خيارٌ آخر، لن يخفي “شمس”.. لن يفعل مثل والده.. فهي دمه و هو لا يتخلّى عن دمه …
-تسمحي لي أدخل ؟
ترفع “فريال” عينيها عن الكتاب الذي أمسكت بدفتيه بيديها الرقيقتين، إنفرجت أساريرها ما إن رأت ابنها الحبيب، دعته للدخول على الفور و هي تنتزع نظّارتها الأنيقة و تضعها جانبًا فوق الكتاب :
-عثمان.. حمدلله على السلامة. أدخل يا حبيبي !
يلج “عثمان” بعد سماع إذنها، يغلق الباب من خلفه و يمشي تجاه سريرها العريض مبتسمًا، و لوهلةٍ استوقفته صورة والده المعلّقة على الجدار بالزاوية، لأول مرة يشعره النظر إليه بالحنق، و حقيقة إنه لا يطيق سيرته من بعد الآن.. تضايق كثيرًا و أشاح بنظره نحو والدته …
-مساء الورد على الورد. فريال هانم. ست الهوانم !
ابتهجت “فريال” من غزله المعتاد، كالعادة لا غيره من بعد أبيه يُدخل السرور و السعادة على قلبها، تناوله يدها عندما مد يده إليها، فينحني ليطبع على ظاهر يدها ذات القبلة الرقيقة و الراقية كدأبه كل ليلة، ثم يجلس قبالتها على طرف السرير قائلًا بنعومةٍ :
-لو ماكنتش لحقتك قبل ما تنامي عيني أنا مكانتش هاتشوف النوم طول الليل.
كركرت “فريال” ضاحكة بمرحٍ كبير، أطربت ضكتها أذنيّ “عثمان” و أخذ يتأملها بقوةٍ دون أن يفوّت لحظة ردة فعلها كاملة، بينما تعاود النظر إليه و هي ترد بصوتها الحلو :
-يا عثمان أنا بجد مش ممكن أتصوّر حياتي منغير بكشك ده. زي ما تكون عارف الطريق لقلبي. و انت أصلًا قلبي كله.
عثمان مبتسمًا ببساطةٍ :
-ده مش بكش يا فريال هانم.. انتي حقيقي أهم حاجة في حياتي. و مش بس أنا.. لو عيلة البحيري لسا محتفظة باسمها و عالية في عيوم=ن الناس ف ده بفضلك انتي. انتي فريال هانم. يعني الجمال و الجاه و الأصالة.. أنا ماشي طول حياتي من يوم ما وعيت على الدنيا فخور إنك أمي.
ترقرقت الدموع بعينيها تأثرًا بكلماته، فقالت و هي تغطي يده الممسكة بيدها الأخرى :
-حبيبي.. و انت أجمل هدية ربنا بعتها لي. انت الوحيد إللي مصبرني على فراق باباك.. انت و ولادك. ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا !
رباه.. لماذا تصّعب الأمر عليه بهذا الشكل !؟
لا تكفّ عن ذكر أبيه، تعبّر عن شوقها إليه و تفانيها لذكراه، فليرى ماذا سيكون رأيها بعد أن يطلعها على سرّه المخزي …
-ماما ! .. نطق “عثمان” كازًا على أسنانه
كان ينظر إلى يديهما الآن، بينما يستطرد بصوتٍ أجش :
-في موضوع ضروري اكلمك فيه.. صدقيني لو بإيدي ماعرضكيش للموقف ده.. لكن انا مجبور. ده واجبي !!
إنتابها القلق على الفور و هي تقول محاولة اجتذاب عينيه :
-في إيه عثمان ؟ قلقتني. سمر فيها حاجة !؟
هز رأسه نافيًا :
-لأ.. سمر بخير.. الموضوع مايخصش حد فينا. مايخصش حد عايش !
قطبت بعدم فهمٍ :
-مش فاهمة.. وضّح يا عثمان عايز تقول إيه ؟؟
رفع رأسه ببطءٍ لينظر إليها بتضرعٍ يناقض لهجته الخشنة و هو يقول الآن :
-الأول أوعديني.. قبل ما أقولك أي حاجة. إنك هاتستوعبي كلامي. هاتفهميني. هاتتمالكي أعصابك و دي أهم حاجة عندي !!
ثارت أعصابها بفعل حديثه الغريب و هتفت به :
-أتكلم يا عثمان.. انت قلقتني بجد قول إيه إللي حصل !؟؟؟
-أوعديني الأول ! .. صاح بصرامةٍ
جمد تعبيرها لثوانٍ، و قد أدركت بأنه على وشك إطلاعها على كارثة، لذا تجلّدت بالشجاعة، و اتسمت ملامحها بالقوة و هي تحثه بجمودٍ :
-أوعدك يا عثمان.
يسحب “عثمان” نفسًا عميقًا عبر أنفه، ليطرد على مهلٍ من فمه، ثم ينظر في عينيها مباشرةً و هو يقول بهدوء و لا زال يمسك بيديها :
-أنا عرفت إمبارح بس.. و إتأكدت إنهاردة.. إن أنا ليا أخت… شمس يحيى البحيري.. أختي من أبويا ! …………………………………………………………………
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل السادس _ الحب خذلني _ :
قبل واحد و أربعون عامًا …
لقد مرّ على زفافهما شهر بالتمام، عصفوريّ الغرام “يحيى البحيري” و “فريال المهدي”.. كلاهما وريثين لإثنتين من كبرى العائلات المعروفة بالوطن الأم و العربي قاطبةً
كان زواجًا مباركًا من الجميع، من العائلة و المجتمع، و فوق كل هذا كان مبنيًا على الحب، عامين من المواعدة التي ما لبثت أن تحوّلت إلى خطبة، ثم أخيرًا كلّل الزواج علاقتهما المتآججة، و تزوّج “يحيى” المصري حتى النخاع من “فريال” ذات الأصول التركية من جهتيّ الأم و الأب معًا، بعد إقامة عرس ضخم بأفخم فنادق المدينة الساحلية، حصل العروسين على هدية الزواج بطاقتيّ سفر للإنطلاق برحلة شهر عسل حول أوروبا كما كانت رغبة “فريال”.. و قد كانت جولة مذهلة.. رائعة بتجربة جديدة كليًا و هي حقيقة كونها باتت زوجة لحبيبها الذي اختاره قلبها رغم حداثة سنّها !
أيقنت بأنها عثرت على رجلها و لن تندم أبدًا على الإقتران به، كما هو لم يتردد عندما قررالمجيئ بوالديه لطلب يدها، لقد أرادها بدوره، أحبّها و هذا ما دفعها للقبول دون تفكير، ثقتها به و اطمئنانها له، عرفت بأنه لن يخزيها أبدًا.. أبدًا
انقضت الرحلة و عادا إلى الوطن، أقامت “فريال” برفقة زوجها بقصر آل”البحيري” و قد حُملت على أكف الراحة فعليًا، أبدت العائلة سعادةً بالغة بها، حتى شقيق زوجها الأكبر “رفعت البحيري” و زوجته الشابة الجميلة “رضوى الألفى” التي تزوج بها “رفعت” بعد خطبة أخيه مباشرةً دون تمهيدٍ حتى
كل شيء كان على ما يُرام، و لا يمكن لـ”فريال” أن تكون أكثر سعادة مِمّا هي، و لكن هناك شيء، شيء مستجّد، إن “يحيى” إنسان عطوف للغاية، كريم حتى في مشاعره المرهفة، و لكنها منذ عودته معه من شهر العسل لا تشعر بالراحة، تحديدًا في الفراش، في بداية أيام الزواج كان أرق ما يكون، أحبّت كل شيء بينهما، قبلاته و لمساته و كل شيء، و لكنه تحوّل جذريًا هنا في عشّ الزوجية، صار متطلّبًا أكثر، جريئ، و أحيانًا.. بذيئ !!
لم يفعل لها شيء معيب، و لم يؤذيها أبدًا، لكنها بطريقةٍ ما أحسّت بالإهانة، فليس هذا “يحيى” الذي أحبّته، و كأنه صدمها بحقيقة أخرى عنه لم تكن تعلم بها، هذا النموذج منه لم تحبه، بل أرادته كما كان دومًا منذ عرفته، حنون، لطيف، مهذبًا حتى في هذا الأمر الخاص.. أرادت أن يكون تقليديًا.. لقد تغاضت عن أفعاله مرة و لم تعلّق حتى.. و لكنها لم تسمح له عندما إلتمست منه النيّة في تكرارها
أبعدته عنها فورًا، و نهضت من الفراش هاتفة باحتجاجٍ :
-يحيى من فضلك. أنا مابحبش كده !!!
تطلّع إليها مشدوهًا، و قال و لا يزال متكئًا في مكانه :
-في إيه.. إيه إللي حصل يا فريال !؟؟
تأففت بتوتر ملحوظ و ردت عليه منفعلة :
-إللي حصل إن تصرفاتك بقت مش مقبولة. ماينفعش تعاملني كده.
ازدادت حيرته و دهشته أكثر فأكثر، ليقوم من السرير الآن و يقف في مواجهتها عاري الصدر هكذا …
-أنا مش فاهم حاجة !! .. قالها بحدةٍ، و تابع :
-إيه الغلط إللي أنا عملته ؟
سحبت نفسًا عميقًا كي تتمكن من السيطرة على أعصابها أكثر حتى لا يتحوّل النقاش بينهما إلى مشادة، ثم بدأت تشرح له ما يضايقها، أفصحت له عن مشاعرها كلها و أشارت إلى النقاط الحسّاسة التي عليه ألا يقترب منها مجددًا
ظل “يحيى” مصغيًا إليه بصمتٍ، لم يقاطعها أبدًا رغم تعابير الدهشة و الغرابة التي جللت وجهه طوال الوقت و هي تتحدث، حتى فرغت، رد عليها بلهجة جامدة أقرب إلى السخرية :
-هو ده إللي مزعلك بجد ؟ غريبة. دي مش أول مرة. احنا بقالنا شهرين متجوزين يا فريال !!
عقدت ذراعيها أمام صدرها و هي تعبس قائلة :
-أنا مش متعوّدة منك على المعاملة دي. انت دايمًا كنت حريص على مشاعري أكتر من كده. و أنا دلوقتي مراتك.
أومأ لها قائلًا بصوتٍ أجش :
-بالظبط. مراتي. يعني قصة الحب العذري بتاعة فترة الخطوبة دي انتهت خلاص. وضعك معايا دلوقتي مختلف.
عقّبت بذهولٍ : قصدك إن حبنا اتنهى لما اتجوزنا يعني !؟
-لأ طبعًا مش ده قصدي ! .. صاح بنزقٍ
فأجفلت …
تمالك “يحيى” نفسه طاردًا زفيرًا مطوّل من صدره، استدار حول الفراش ماضيًا نحوها، وقف بجوارها و رفع يديه ممسكًا بكتفيها، أدراها لتواجهه، ثم قال موجهًا إلى عينيها نظرات عينيه الآسرة :
-فريال.. انتي مش مجرد زوجة بالنسبة لي. انتي حبيبتي. أنا بحبك. و انتي كمان بتحبيني صح ؟
أومأت له أن نعم في نفس اللحظة، فابتسم مكملًا :
-أنا عايزك تكوني واثقة إن عمري ما أعمل حاجة تحسسك بالإهانة زي ما قولتي. و لما قلت لك عن مشاعر فترة الخطوبة إنها انتهت كان قصدي إن مشاعرنا وقتها كانت بريئة. دلوقتي الوضع مختلف. احنا متجوزين. ده فصل جديد في حياتنا طبيعي تحسي بالغرابة في أوله. لكن أكيد هاتتعودي.
اتسمت نبرتها بالتصميم و هي تقول :
-كل إللي بتقوله أنا موافقة عليه. لكن الحاجات إللي بضّايقني مش هقدر أقبلها. انت ماكنتش كده أول ما اتجوزنا دي تصرفات جديدة.
صمت “يحيى” و امتنع عن الرد لبرهةٍ، نظر لها بوجومٍ بينما عقله لا يتوقف عن التفكير، إنها تظن بأن طبيعته كانت بعلاقته بها طوال شهر العسل، و لكنها لا تعرف بأن النسخة التي لا تعجبها منه الآن هي في الأصل حقيقته
إنها لا تتقبّل حقيقته إذن !
ماذا يفعل الآن ؟ .. الواقع إنه لن يفعل شيئًا.. فهو بعيدًا عن حبّه الكبير لها لا يمكنه أن يسمح لنفسه باجبارها على أيّ شيء… إن كانت لا تريده أن يطلق لنفسه العنان أثناء رباطهما فهو سيفعل ما تريده
يستطيع أن يحجّم رغباته، يكفي ألا يُحزنها، و لا يمكن أن يُجازف بحبها إليه …
-خلاص يا حبيبتي ! .. تمتم “يحيى” هازًا كتفيه ببساطةٍ
و استطرد و هو يفرك كتفيها بحركاتٍ دائرية لطيفة :
-أنا هاعمل إللي يريحك.. و في كل الأحوال انتي لوحدك كفاية عليا. مجرد إنك في حضني بس يكفيني !
تألقت عيناها الخضراوان بابتسامةٍ جميلة، ألقت بذراعيها حول عنقه و جذبته معانقة إيّاه بشدة و هي تغمغم من أعماقها :
-أنا بحبك. بحبك أوي يا حبيبي.
ضمّها إليه أكثر و هو يرد عليها بصدقٍ ملموس :
-و أنا بحبك أكتر.. بحبك !
______________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
شاهد “عثمان” ردة فعل أمه الواجمة للحظاتٍ مطوّلة، نبض قلبه بألم، لكنه لا يزال رزينًا أمامها، مصممًا على أن يخرج بها من هذه الكارثة بسلامٍ دون أني نالها أذى فادح
في المقابل لم ترمش “فريال” و لو لمرةٍ و هي تحدق بعينيّ إبنها، بعينيّ “يحيى البحيري” في الحقيقة، ظلّت جملة “عثمان” معلّقة حتى الآن، يستعصى عليها تمريرها إلى عقلها.. و فجأةً انفجرت ضاحكة
أجفل “عثمان” ثانية واحدة، ثم قست تعابيره و هو يراقب تطوّر وضع أمه، يحاول تعطيل مشاعر القلق المتافقمة بداخله عليها، بينما تزداد ضكات “فريال” قوة و هي تهتز بين يديه مرددة بصعوبةٍ :
-عثمان.. انت بقيت تهزر هزار بايخ أوي. إيه النكتة البايخة دي …
إنعقدا حاجبيّ “عثمان” و هو يقول بقساوةٍ :
-دي مش نكتة يا فريال هانم. دي الحقيقة.. بابا كان متجوز عليكي. و من زمان جدًا. أختي إللي منه عمرها 27 سنة. سامعاني كويس !؟؟؟
تختفي ضحكتها فجأة كما بزغت فجأة، تحدق إليه من جديد و قد تبيّن بأنها صدقته حقًا، و لكن جزء منها أبى ألا يُصدق، فقالت بلهجة ترتجف من العصبية :
-انت ماينفعش تختبر صبري في موضوع زي ده يا عثمان. و ماينفعش تتهم باباك. لأن ده شيء مستحيل.. أنا لو شفته بعيني بردو مش هصدق !!
تلوّى وجهه من شدة ما يعانيه مثلها تمامًا و انفجر من بين أسنانه رغمًا عنه :
-مامـا. أنا مش بتهمه. أرجوكي ماتصعّبيهاش عليا أكتر من كده.. اسمعيني كويس يا فريال هانم. بابا اتجوز عليكي قبل ما يموت بسنين طويلة. و خلّف. بنته شرعية. شايلة اسمه زي أنا و صفية. بابا قدر يخبي عليكي و علينا كلنا و كان ممكن سره يفضل زي ما هو سر. لكن شمس قررت تظهر دلوقتي. شمس يحيى صالح البحيري.. أختي !!!
كلماته الآن كانت بمثابة لطماتٍ على وجهها، حتى ينتشلها من حالة الإستنكار تلك، و قد نجح، اتسعت عينيّ “فريال” و هي تنظر إليه و بدت مصدومة، رآها تبتلع الكتلة في حلقها و تهمس كما لو إنها تحت وطأة تعذيبٍ ما :
-مين ؟ .. مين هي إللي اتجوزها.. مين أم بنته التانية ؟
كز على فكّه بشدةٍ و جاوبها بصوتٍ أجش :
-لسا ماعرفهاش. هي أصلًا مش معروفة. مش حد نعرفه.. بس أكيد هاعرف هي مين …
دوى صوت ساخر بداخله يعقّب على إدلائه الأخير، و تحدّاه أن يخبر أمه بحقيقة المرأة التي تزوجها أبيه، كما أخبره المحامي فهي تكون إبنة سائق سابق كان يعمل لدى جده ثم أبيه، توفى الرجل بعد أن تمت زيجة إبنته على أبيه مباشرةً و لم ينتهي هذا الزواج أبدًا، مِمّا يعني بأنه لم يكن بنزوة، و هذا عسير، عسير جدًا على أمه لتتقبّله.. على الأقل الآن …
-البنت دي إللي جات لك هنا إمبارح ؟ .. إنبعث صوت “فريال” جافًا خافتًا
أومأ لها “عثمان” و هو يدرس وجهها، يرى عينيها الخضراوين تتألمان و تتحولان إلى اللون الأحمر، بينما تمضي “فريال” مستطردة بهدوء :
-أنا عايزة أشوفها.
نظر لها صامتًا لهنيهة، ثم قال بصوته العميق و كأنه سيندم على هذا لاحقًا :
-مافيش شك عندي إن بابا عمل غلطة كبيرة أوي في حقنا كلنا. بس مهما كانت غلطته شمس هاتفضل أختي يا فريال هانم. مالهاش ذنب في أي حاجة حصلت.
و بالفعل جاش الندم من أعماقه الآن عندما وجّهت إليه أمه تلك النظرة المنكسرة، قتلته !
بينما تشعر “فريال” بالدموع تهددها، و بالحزن يزحف إلى حلقها و هي تسأله بنبرةٍ اعتصرت قلبه :
-انت خايف عليها مني يا عثمان ؟ .. خايف عليها هي… مني أنا !؟
لم يحاول مجاملتها على حساب واجب الدم، تصلّب فمه و هو يقول بجمودٍ :
-مش خايف عليها منك. لأني عارف انتي مين. عارف أمي مين.. أمي إللي ربّتني على الحب و علّمتني إزاي أكون راجل بجد. مأذيش حد رغم إني قوي. ماخدش أي حاجة بالإجبار رغم إني قادر. و الأهم من ده كله.. علمتيني إزاي أكون انسان بجد. أنا تربيتك انتي يا فريال هانم.. مش تربية يحيى البحيري.
أفلت ضحكة مباغتة من بين شفتيها، ضحكة بسيطة خشى منها “عثمان” على عقل والدته، بينما تصارع “فريال” أفكارها المجنونة، و كأنها تأمل لو كانت هذه المحادثة العبثية مجرد كابوس ستصحو منه قريبًا.. كركر صدرها بضحكاتٍ خفيفة و هي تقول بلهجةٍ منفرجة :
-طيب ممكن تعمل إيه يا عثمان لو أنا قررت آذيها ؟
رد “عثمان” في الحال و دون أدنى ترددٍ :
-مش هاسمح لك يا ماما. و لا هاسمح لأي مخلوق يقرّب من شمس بنيّة الأذى.. قلت لك. شمس أختي. زي صفية ماتفرقش عنها في شيء. حتى لو كانت بعيدة طول السنين دي. حتى و أنا لسا ماعرفش عنها أي حاجة. شمس من لحظة ما عرفت بيها بقت في حمايتي.
على عكس ما سبق و قاله لها الليلة، لم يندم “عثمان” على كلمة واحدة من كلماته الأخيرة، و بقي مترقبًا رد أمه باصغاءٍ متأهب.. لتكرر “فريال” طلبها بعد لحظاتٍ بسلوكٍ اهدأ :
-طيب يا عثمان.. أنا عايزة أشوف شمس أختك. عايزة أشوف بنت يحيى !
رابط “عثمان” على حذره و تمحيصه لحالة أمه و هو يقول بتأنٍ :
-هاتشوفيها قريب يا فريال هانم. أنا ناوي أقدمها للمجتمع بتاعنا كله. معارف و أصدقاء. كل الناس هاتعرف بشمس يحيى صالح البحيري.. شمس هاتيجي تعيش هنا. في بيتها. وسط عيلتها.
تعمّد أن يكون قاسيًا إلى هذا الحد لتعي جديته، و أهمية هذا الأمر بالنسبة له، رغم إن قلبه كان يتمزّق عليها، لكنه ما ليعرّض أخته لشر أمه الذي لم يختبره أبدًا طيلة حياته، لا يمكنه تخيّل كيف سيبدو غضب “فريال المهدي” و هي التي لطالما كانت رمزًا للسلام و الحنان.. هل يمكن أن يتغلّب عليها الحقد و يعميها !؟
-حلو أوي ! .. تمتمت “فريال” بصوتٍ مسالم
مدت يدها لتشد الغطاء على جسمها، و مددت جسمها على الفراش و هي تضيف باقتضابٍ :
-سيبني لوحدي يا عثمان.. أنا هانام !
راقبها “عثمان” و هي تتهيأ بالفعل لكي تنام، راودته رغبة في عدم تركها، على الأقل حتى يطمئن عليها، إلا أنه أذعن لرغبتها و أراد أن يمنحها المساحة الخاصة التي تنشدها
تنهد بعمقٍ، و مال صوبها ليقبّل رأسها مطوّلًا و هو يمسح على شعرها الكستنائي الحريري الذي تخلله شيب طفيف، ثم نهض ملقيًا عليها نظرة أخيرة، و استدار مغادرًا في هدوء، داخله حقد تجاه والده أضعاف الذي تكنّه “فريال” له الآن
لقد نفد من الأمر و تركه هو لينظّف قذارته.. تلك الفوضى “عثمان” من سيتولّى ترتبيها …
______________________________
تركته يقودها أينما يشاء، تبعته مسلوبة الإرادة مبدية له الطاعة التي لا يقبل إلا بها في الوقت الراهن، أعادها “رامز” إلى الفندق الذي تقيم فيه كما وعدها، لكنه حجز غرفة بجوار غرفتها
أوصلها إلى باب الغرفة، و تنفست الصعداء، أخيرًا فلتت من حصاره قليلًا، رغم إنها تعلم بأنه لا يزال يحاصرها، لم تنسى وعيده قبل أن ينطلقا إلى الفندق، كلماته تتردد أصدائها بأذنيها : “المرة دي لو فكرتي بس تهربي مني. أنا هاولّع في الدنيا كلها لحد ما أجبرك تطلعي قدامي بنفسك. و انتي فاهمة قصدي كويس يا شمس. ساعتها لا هايهمني أخت عثمان و لا عيلة البحيري كلها تهزّني!” …
المجنون !
إنه لا ينفك يهددها و هي وعدته بألا تتركه، صحيح ليست واثقة بعد هل ستسمح أمها بعودتها إليه أم لا، و أخيها الذي بقيت ردة فعله على ظهورها معلّقة، لو أنه تقبّلها فردًا من عائلته، أختًا له، هل ستكون بالشجاعة الكافية لإخباره عن علاقتها بـ”رامز” ؟
لا أحد يعرف ملابسات علاقتهما سوى “رحمة”.. أمها هي التي حمتها من تهوّر حبيبها و خطورته… الآن “شمس” تعي بأنها وقعت في قبضته وأنها تطير كالفراشة نحو اللهب.. تعلم بأنها ربما تحترق عن آخرها.. لكن لا يسعها إلا البقاء.. تريده… تحبه !!
أخذت “شمس” حمامًا لتزيل الرطوبة عن جسمها، خرجت مرتدية منامتها البنفسجية القصيرة، وقفت أمام المرآة تمشّط شعرها المندّى، فتحت الحقيبة الصغيرة خاصتها فوق طاولة الزينة و باشرت البدء في روتين العناية بالبشرة، كان أكثر تحبه في اليوم قبل أن تخلد إلى الفراش مباشرةً، رطّبت بشرتها و عطّرت جسمها و حتى شعرها
كانت الابتسامة ملء وجهها، تشعر براحة كبيرة، بامتنانٍ لتلك الجينات التي ورثتها عن أمها، أمها أيقونة الجمال الأنوثة، تعلّمت منها “شمس” كيف تكون أنثى، كيف تعتني بنفسها من الرأس إلى أخمص القدمين، كيف تفخر بكينونتها، منحتها مخزون ثقة بالنفس لا ينفذ أبدًا، و أتت كل دروسها ثمارها، فهي دومًا محطّ أنظار و اهتمام الرجال في كل مكان، و “رامز” لم يكن الوحيد الذي تاق للإرتباط بها، و لكنه هو الوحيد الذي اختاره قلبها
انتفض كتفيّ “شمس” في حركة منتبهة عندما سمعت طرقًا على باب الغرفة، سحبت روب المنامة من فوق الكرسي و ارتدته في طريقها لتفتح الباب و ترى من.. أمسكت المقبض و برمته مجتذبة إيّاه بزاوية بسيطة تظهر منها الرأس فقط …
-رامـز ! .. دمدمت “شمس” عاقدة الحاجبين
كانت تنظر للأعلى حتى تراه جيدًا، بينما دفع هو الباب بحزمٍ ليدخل و هو يقول :
-بصراحة جيت أطمن و اتأكد بنفسي إنك محافظة على وعدك و ماهربتيش !
سمع “رامز” شهقتها و هي ترتد للخلف بينما كان يغلق باب الغرفة ورائه …
استدار نحوها و نظر ليراها تتراجع أكثر و هي تشد طرفيّ الروب حول جسمها هاتفة بغضبٍ :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-ماينفعش كده يا رامز. ماينفعش تتجنن حتى هنا. احنا مش لوحدنا و حتى لو لوحدنا من فضلك لازم تحترمني أكتر من كده. أنا ماليش خصوصية معاك !!
أومأ لها مضيّقًا عينيه و هو يقول :
-بالظبط. مالكيش خصوصية معايا. و بعدين انتي تشكري ربك على نسبة الاحترام إللي بينا دي و مش عجباكي. انتي كان مفروض تبقي مراتي من قبل 3 سنين و أكتر. شوفي أنا ليا عليكي حقوق أد إيه يا شمس !
ألجمتها قتامة كلماته التي تؤكد فداحة ما اقترفته بحقه، لوهلة عجزت عن الرد، بينما ترك عينيه تسقطان على جسدها، و لاحظ ساقيها العارية، و رصد بنظره منحنى وركها.. بحق الجحيم ؟
أهي عارية تمامًا !!؟؟؟
و هناك رائحة جذّابة جدًا تفوح منها أيضًا …
-انتي لابسة كده ليه ؟ .. سألها “رامز” و الشك و الريبة يزحفان على صوته و بشرته
لم ينتظر جوابها و مضى ناحيتها، مد يده و انتزع من عليها الروب عنوةً غير عابئًا بمقاومتها و هتافها المعترض، شاهد “رامز” محبوس الأنفاس جسدها نصف العاري في ذلك القميص الفاضح، بينما تتخلل خدّيها حمرة وردية وحاولت استرداد الروب من قبضته، لكنه دفعها جانبًا و قد استوحشت تعابيره و نظراته، توغّل بالغرفة أكثر متسائلًا من اللعين الذي هنا ؟ فهي حتمًا لن ترتدي ملابس مثيرة كهذه لنفسها !!
و لم يغفل ملاحظة خوفها عندما فتحت الباب و رأته.. هل هي حقًا تركته من قبل لأجل آخر ؟ هل هو معها عنا الآن !؟؟
فتح “رامز” الخزانة وفتّشها جيدًا، لم يجد شيئ فتوّجه ناحية الحمام و هو يغمغم بخشونةٍ خطرة :
-مين معاكي هنا ؟؟
سمع صيحتها المستنكرة ورائه بينما كانت تستر عريها بروب آخر :
-انت مجنون. أنا لوحدي. محدش معايا !!!
عاد إليها ناظرًا حوله، لا توجد أماكن أخرى للإختباء، الشرفة بلا ترّاث، و لكنه لم يبحث هنا …
جثى “رامز” على ركبتيه و رفع ملاءة السرير و حدق أسفله جيدًا، لا شيء، لا أحد مطلقًا !
إذن لماذا ترتدي مثل هذه الأشياء وحدها !؟؟؟
-ممكن أعرف انتي لابسة كده لمين ؟؟؟ .. صاح بغلظةٍ و لم يتخلّص من شكّه تمامًا
تضرج وجهها بحمرة غاضبة و هي ترد عليه :
-انت مش فتشت الأوضة كلها ؟ قولّي لاقيت حد معايا !؟
تمالك أعصابه بصعوبةٍ و هي يتخذ صوبها خطوة تحذيرية مغمغمًا :
-طيب قوليلي لابسة كده ليه ؟؟
لم تخشى منه هذه المرة و هي تجاوب بنزقٍ :
-لنفسي. لابسة كده لنفسي. تصدق و لا ماتصدقش أنا متعوّدة أنام بالطريقة دي. مش برتاح في السرير غير و أنا لابسة كده ! .. أشارت له نحو باب الغرفة هاتفة بصرامة :
-و دلوقتي أطلع برا لو سمحت. أنا مضايقة منك لدرجة مش قادرة أبص لك.. أطلع برا يا رامـز !!!
كما توقعت لم يستجيب لطلبها، و لم تختلج عضلة واحدة من جسده، بقى راسخًا بمكانه يتأملها بنظراتٍ جريئة وترتها أكثر، ثم قال بتجهمٍ :
-انتي كل مرة بثبتيلي إني ماكنتش أعرف عنك أي حاجة فعلًا.. شمس إللي قدامي غير إللي عرفتها. بس تعرفي. كل ده مايهمنيش.. المهم إنك شمس. المهم إنك ليا أنا. و عمرك ما هاتكوني لغيري !
ازدردت غصّة ثقيلة بحلقها، ثم قالت بصوتٍ خفيض و قد بدا عليها الإنهاك :
-رامز أنا بجد تعبت. تعبت لي اعصابي.. أرجوك سيبني أرتاح شوية.. أرجوك …
سحب نفسًا عميقًا و هدأ نسبيًا، قطع المسافة بينهما و ترك خطوة واحدة تفصله عنها، مد يده و رفع ذفنها بسبابته مرددًا بوجومٍ :
-أنا عايز أعرف حاجة واحدة بس. عشان دي لو اكتشفتها بنفسي و ده قريب أوي.. مش هاتتحملي غضبي عليكي يا شمس.
حدقت في عينيه التي تماوجت بين الخضرة و الرمادي و العسلي في آن واحد، سألته من بين أنفاسها :
-عايز تعرف إيه ؟
قست نظراته كذا لهجته و هو يقول قابضًا على فكّها بأنامله الغليظة :
-طول الـ3 سنين إللي عدوا و انت بعيد عني.. عرفتي أي حد من بعدي ؟ حد لمسك ؟؟
هزت رأسها بصعوبة بسبب قبضته التي أعاقتها، ثم قالت بلهجةٍ مهزوزة :
-عمري ما عرفت راجل غيرك.. محدش لمسني طول فترة بعدي عنك و لا حتى قبلها. انت كده بتهينّي.. مش عشان سمحت لك تقرّب مني بالشكل ده تفتكر إن أي حد تاني مسموح له… انت عارف و واثق إني بحبك.
أغمض عينيه على نظرة عينيها و هي تنطق بالكلمات الأخيرة، فتحهما بعد برهةٍ و قال بخفوتٍ أقرب إلى الهمس :
-هحاول أرجع الثقة بيني و بينك تاني يا شمس.. إللي عملتيه فيا صعب أنساه. لكن حبنا يستاهل أدي له فرصة تانية.. يستاهل مادمركيش زي ما دمرتيني.. أنا لسا حياتي كلها واقفة عند اليوم إللي نهيتي كل حاجة بينا بمكالمة.. لسا مش ناسي كل لحظة قضيتها منغيرك و أنا بتخيّل إننا كنا هانتجوز خلاص. قبل ما تسبيني بيوم واحد كنتي معايا.. كنتي بتضحكي في وشي. كنتي في حضني. و بعدها علطول غرستي سكينتك في قلبي و مشيتي.. أنا عمري ما سلّمت قلبي لواحدة غيرك. محدش قدر يوجعني زيك و رغم كل إللي عملتيه لسا بحبك يا شمس !!
ترقرقت الدموع بعينيها و هي ترمقه بنظراتٍ نادمة، و تقول معربة عن جمّ أسفها :
-أنا آسفة.. أنا آسفة جدًا !
و لا تعرف ما الذي دفعها لتضع يديها حول عنقه القوي، أطلق “رامز” نهدة عميقة حين شعر بها هكذا، و كأنها قد فعلت ما أرادها أن تفعله، أسند جبهته إلى جبهتها، و بدا إنه يقاوم كل المشاعر لاتي تجيش بأعماقه لها هي فقط، لا يصدق متى يمحي الحواجز بينهما.. متى يجعلها ملكًا له.. هو يعلم يقينًا بأنه لو أحب أن يفعل ذلك الآن و حالًا لن تقاومه طويلًا… و كم يريد أن يفعل.. كم هو بحاجة أن يفعل
و لكن صورته هو.. صديقه المقرّب و الذي اتضح بأنه أخيها.. “عثمان البحيري” حتى و هو لا يعلم أيّ شيء عنهما يمنعه من المساس بها
تراجع “رامز” قبل أن تلمس شفتاه شفتاها، ضغط على أسنانه و هو يجبر نفسه على تركها و الإبتعاد عنها خطوتين قائلًا بهدوء :
-أنا هاسيبك ترتاحي دلوقتي. الصبح هانفطر سوا.. و بعدين هاخدك لعثمان زي ما اتفقنا… تصبحي على خير !
و توّجه على الفور صوب باب الغرفة، غادر مسرعًا، بينما بقيت “شمس” بمكانها للحظات، تشعر بحرارة متزايدة في الغرفة رغم برودة الجو، مشيت بإعياءً إلى السرير، ارتمت فوقه مطلقة آهة تعب، أغمضت عينيها لا تنفك عن التفكير فيه.. في حبيبها… حتى غلبها النعاس أخيرًا !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل السابع _ في قلبكِ _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
كانت رحلة شهر العسل عسل فعلًا، كانت أجمل حلم، بل واقع عاشته على الإطلاق، لحظات من الحميمية و الرومانسية لا تقدّر بثمنٍ، لم تشعر “رحمة” بهذا الاكتمال من قبل، لقد تزوّجت من “يحيى البحيري” و من المفترض أنه رجلٌ ثلاثيني يكبرها بستة عشر عامًا على الأقل، لكنها لا ترى أيّ عوائق ملموسة تحول بينهما
بل العكس.. إن زوجها رجلٌ مثالي حقًا.. راقي.. لبق.. لطيف.. و لكنه أيضًا نقيض كل هذا تمامًا بالفراش.. أثناء ممارسة الحب هو يصير أبعد ما يكون عن التحضّر الذي يبدو عليه.. و لكنها تحب هذا
شراسته.. طريقته البدائية في التعبير عن مشاعره.. حماسته التي لا تتحمّلها أحيانًا.. باختصارٍ هو لم يكن يمارس الحب.. بل إنه يتّبع غريزته فقط هكذا قولًا واحدًا.. رغم هذا لا يمكن أن تنكر عليه خبرته في إستمالتها و جعلها طوع بنانه بمنتهى السهولة.. كأنه أستاذًا يعرف أسرار جسمها… و هي مجرد تلميذة عديمة الخبرة.. و لكنها تتعلّم بسرعة و تتجاوب معه.. لقد بدأت خيوط غرامه تلف قلبها بالفعل !
و لكنها كانت تعي جيدًا بأن كل ما تشعر به معه بمثابة مخدّر مآله إلى زوال، و سيُسحب قريبًا بساط السعادة من تحت قدميها، فماذا لو ملّ منها !؟
إنه لم يقل قط بأنه يحبّها.. أو أنه يخطط على الأقل لذلك.. و هذا يؤلم جدًا …
عادت “رحمة” إلى أرض الوطن برفقة زوجها، بعد شهر بالتمام و الكمال كما وعدها، و أجبرته بحيلتها الأنثوية المجدية بأن يقضي معها الليلة أيضًا، ثم يذهب غدًا إلى بيته، عند زوجته الأولى و ولديّه
جهزت له عشاءً شهي، أصناف من المأكولات التي يفضّلها، و الأهم.. أعدّت له نفسها كما يحب بالضبط …
-بجد أنا عمري ما دوقت أكل أحلى من اللي بتعمليه. تسلم إيدك ! .. قالها “يحيى” مبديًا إعجابه و هو يلتقم شوكته مجددًا و يتذوّق باستمتاعٍ
تسند “رحمة” مرفقيها فوق المائدة مريحة ذقنها إليهما، ترمقه بنظراتٍ والهة و هي تقول مبتسمة :
-على أساس إنك بتاكل الأكل كله.. انت بتخلّص طبقك بالعافية. أنا كنت بشوف بابا يبفرم السفرة كلها كده !!
رفع “يحيى” رأسه و قهقه بانطلاقٍ، فابتهجت و هي تراقبه يضحك من قلبه بهذا الشكل، بينما يهدأ تدريجيًا لينظر لها قائلًا بذات المرح :
-طيب بذمتك ينفع تقارنيني بجابر ؟ الجسم إللي قدامك ده زي جسم المرحوم !؟
أحمرّ خدّيها و هي ترنو إليه بانجذابٍ مرددة برقةٍ :
-لأ طبعًا.. انت مافيش حد زيك.. أنا عمري ما شفت راجل في وسامتك و أناقتك.. ذوقك كمان حلو في كل حاجة… انت كلّك حلو !
لم تتحمّل اعترافاتها و أخفضت رأسها من شدة الخجل، فتساقط شعرها الحريري فوق وجهها، بينما أُخذ “يحيى” بكلامها، رغم إنه سمع مغازالات كثيرًا و من أجمل النساء خلال سنوات حياته، لكن سماع الإطراء عليه منها هي يختلف تمامًا.. تلك الفتاة الصغيرة لا تملك أدنى فكرة عمّا تفعله به …
يمد “يحيى” يده ليرفع ذقنها و يجعلها تنظر إليه مجددًا، لكنها تأبى، فيقول بخفوتٍ مبتسمًا :
-انتي شايفاني حلو ؟
أومأت له و لا تزال مسبلة عينيها، ليبتسم أكثر قائلًا :
-طيب مخبيّة عنيكي مني ليه ؟ بصيلي !
إمتثلت “رحمة” لأمره، رفعت بصرها إليه، فآسرتها نظرته الملائكية، بينما يستطرد و قد احتضن جانب وجهها بكفّه الدافئ :
-انتي بقى ماتعرفيش أنا شايفك إزاي.. كلمة جميلة مش هاتوصل للوصف إللي أنا عايزه… انتي لسا بتتكسفي مني ؟
لم ترد عليه لأنها كانت كذلك بالفعل في هذه اللحظة، فتابع و هو يتراجع بالكرسي الذي يجلس فوقه بضع بوصات :
-تعالي !
قامت من مكانها مذعنة إليه، بينما يمسك بيدها الآن و لا زال يجلس، يشدّها صوبه و هي تطيع ارشاداته الصامتة، حتى وجدت نفسها تجلس فوق قدمه، هكذا بقميصها الأسود القصير، و هو في بيجامته الناعمة ذات اللون النبيذي محلولة الأزرار …
-قوليلي يا رحمة.. كنتي مرتبطة بحد قبل ما تشوفيني !؟
أجفلت من سؤاله، لكنها جاوبت ببلاهةٍ اتضح الصدق منها على الفور :
-لأ.. أبويا قعدني من المدرسة لما خلصت إعدادي.. مالحقتش أفكر في أي حاجة !!
غادرت الإبتسامة ثغره الآن و هو يستجوبها بجديّة وترتها :
-لو مكانش قعدك. كنتي فكرتي يعني ؟
هزت رأسها ببطء للجانبين و جاوبته بهدوء :
-أنا كنت هاتخطب مرتين قبل كده.. أبويا كان موافق. بس أنا كنت عاندة و مش عايزة. مع إن إللي طلبوني كانوا جاهزين و إللي حواليا غلّطوني و لاموني.. بس بردو ماهمنيش.. مافيش حد قابلته ملا عيني و حسيت إني بجد عايزاه… لحد ما شوفتك انت !!
بمجرد أن قالت هذا يرن جرس الإنذار بداخلها، تغمض عينيها بقوةٍ و تخفي وجهها بيديها، لا تصدق بأنها اعترفت بذلك أمامه بصوتٍ عالٍ !!!
تشعر به في اللحظة التالية و هو يحاول نزع يديها عن وجهها، تفتحهما بصورةٍ عرضية، لتجده يمرر عينيه على وجهه و يبتسم حتى بانت غمّازاته …
-يعني أنا الوحيد إللي مليت عينك ؟ .. يسألها بنعومةٍ
تعض “رحمة” على شفتها بقوة و تحاول الإشاحة عنه بنظرها، لكنه لا يسمح لها، يضحك بقوةٍ و هو يقبض بأصابعه على فكّها، يجبرها على النظر إليه و هو يقول بصوتٍ أجش :
-تعرفي لو كنتي قولتي غير كده.. كان هايبقى لك عقاب. عقاب قاسي أوي !
كان وجهها قريبًا من وجهه كثيرًا، و أحسّت بأنفاسه تلامس شفتيها مثلما تفعل أصابعه أحيانًا
يده الأخرى تلتف حول خاصرتها و تضغط حولها بشدة، تحاول ألا ترتجف من تأثير لمسته، بينما يتواصل معها بالعين و ترى في نظراته شهوة لا يمكن اخطاؤها …
-أخدتي الحبّاية ؟ .. سألها هامسًا بحدة فوق بشرتها
لتنطفئ كل حماستها إليه في طرفة عينٍ …
يشعر بتصلّبها بين يديه، فينظر إلى وجهها نظرةً متسائلة، يمتد الصمت بينهما للحظاتٍ، ثم تقول “رحمة” بجفاءٍ مقتضب :
-آه.. أخدتها !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أخذ يداعب كتفها العاري بلطفٍ و هو يقول :
-طيب و مالك زعلانة ليه ؟ احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده. و إتفقنا على الشروط كلها يا رحمة !؟
زفرت “رحمة” بسأمٍ و قامت بحركة نزقة من حِجره و هي تقول بعصبية :
-خلاص. مش لازم تفكرني بغبائي كل شوية.. خلّيني ناسية أحسن عشان كل ما بفتكر ببقى عايزة أخنق نفسي !!
و استدارت متجهة إلى الرواق المؤدي للغرف، شعرت بخطواته الصمّاء تتبعها، و شهقت فور تخطّيها عتبة باب غرفة النوم، عندما أحاطت قبضته معصمها بقوةٍ، يشدّها مثل دمية ليسند ظهرها إلى الباب و يحاصرها هناك بجسده الضخم
تنظر إليه باضطرابٍ، ترى ذلك التعبير الجاد على وجهه الذي رأته من قبل بأول يوم من شهر العسل، لم يعجبها وقتذاك، و لا يعجبها الآن …
-انتي هاترجعي تنكدي علينا تاني يا رحمة ! .. غمغم بصوتٍ خفيض، و تابع بنفاذ صبر :
-أنا مش كل شوية هاعيد كلامي في الموضوع ده. المفروض إنك واحدة ناضجة و بتفهمي الكلمة من أول مرة. ليه مصممة تضايقيني !؟؟
شعرت بالدموع تنبت في عينيها، بينما تهدجت نبرات صوتها تحت وطأة عاطفة لم تقوى على قمعها و هي تخبره :
-مش قادرة أصدق إني مش هابقى أم.. أنا مش عارفة إزاي طاوعتك.. و انت لحد دلوقتي ماقولتليش سبب مقنع. لو سمحت أنا من حقي أعرف السبب الحقيقي.. ريّحني و قولّي !!
يرمقها لثوانٍ كأنما يفكر في طريقة لإنهاء الجدال، لكنه غيّر رأيه الآن و هو يشيح بوجهه عنها و يتنهد ممررًا أصابعه ببطء خلال خصيلات شعره متوسطة الطول، اختفت قبضته التي أمسكت بمعصمها، بينما يعاود النظر إليها و يفصح لها أخيرًا بهدوء :
-بعد ما اتجوزت مراتي فريال المهدي. و خلّفت منها في العلن إبني و بنتي.. بعد موت ابويا أنا ورثت شغله و أكبر حصة في ممتلكات عيلتي باسمي بعد ما اشتريت أغلبها من أخويا. بقى معروف مين إللي هايورث أصول العيلة إللي أنا كملتها. إبني عثمان هايكمل من بعدي.. مقدرش أجيب له وريث تاني حتى مش هايكون شقيقه يقسم معاه !!
عقدت “رحمة” حاجبيها بشدة معلّقة على كلماته باستنكارٍ شديد :
-انت مفكر إني عايزة أخلّف منك عشان طمعانة فيك ؟ أنا آ …
-الموضوع مش كده ! .. قاطعها بغلظةٍ، و أردف محتدًا و هو يشير بسبابته :
-انتي مش فاهمة الحياة في مجتمعنا ماشية إزاي. الورث ده مش مجرد وسيلة للرفاهية و إننا نعيش حياتنا بنصرف فلوس بس و أي حاجة تخطر على بالنا نعملها.. أيوة ده بيحصل بس مش بيكون الهدف الأساسي.. الورث بيكون واجهة في المقام الأول.. قيمة الفرد عندنا بتتقاس بحجم إللي بيملكه. دي صلاحية أنا مش ناوي أسحبها من عثمان.. مش هكرر غلطة أبويا لما وزّع التركة عليا أنا و أخويا في حياته و النتيجة كانت استهتار رفعت و إهداره لجزء كبير من ثروة العيلة. لو ماكنتش وقفت له في الوقت المناسب و اشتريت منه نصيبه كان اسم عيلة البحيري ده زمانه نزل في الحضيض من بدري أوي.. أنا بربّي إبني على المسؤولية من دلوقتي. لسا في المدرسة و رغم كده بنزله معايا يتعرّف على مكانه في الشركة و بحضره كويس لليوم إللي هايستلم فيه كل حاجة و الأهم.. بعرّفه إن دوره يزوّد على إللي هاياخده مش ينقّص. ف انتي بتطلبي مني أخلف بوعدي لإبني. غير إني هاطلع في نظره أب خاين لأنه مش هايفهم ظروف جوازنا مهما شرحت له.. صورتي هاتتحرق في نظره للأبد !!
-و إيه هي ظروف جوازنا يا يحيى ؟
ارتد وجهه مجفلًا لسؤالها، لتستطرد مقتربة منه بإلحاحٍ :
-أشرح لي أنا على الأقل.. أنا لسا ماعرفش لحد اللحظة دي انت اتجوزتني ليه أصلًا.. ممكن أكون عجبتك مثلًا.. بس خلّيني أسألك السؤال المهم.. مهم بالنسبة لي أكتر… انت حبتني !؟؟
كزّ “يحيى” على أسنانه و رد عليها بتحفظٍ صلب :
-أنا شوفتك مرتين قبل الجواز. و قضيت معاكي شهر بعد الجواز.. شهر واحد.. سؤالك مش منطقي يا رحمة و مالوش إجابة عندي.
إنه مُخطئ.. لقد جاوب بالفعل !
و نفذ سهم الألم إلى قلبها، فكرة أن ما تشعر به تجاهه ليس مهمًا أو حقيقيًا بالنسبة له تؤلمها، تؤلم كل عِرق ينبض بجسدها، في رأسها، في قلبها، في أحشائها، في روحها
كانت تظن بأنها قادرة على الوصول إلى قلبه بأنوثتها، بدهائها، إن لم يكن بخفة ظلّها.. الآن أدركت مدى سذاجتها …
-يعني مش مش بتحبني !؟ .. رددت “رحمة” السؤال و كأنها تقرر افتراضٍ
عبس “يحيى” و ضاق صدره عندما أطلّت الدموع من عينيها و نزلت على خدّيها، فتحت فاها تلقي عليه سؤال آخر يائس :
-و لا حتى في أمل.. إنك تحبني في يوم من الأيام ؟
أطبق فمه بشدة، يرفض الإجابة و في نفس الوقت يجهل الطريقة التي يسكتها بها، لتكمل هي ببؤسٍ متزايد :
-أصل أنا.. بدأت أتعود عليك.. أصلي خايفة التعوّد ده يقلب معايا بحب… أنا خايفة أوي !!!
أفلت نشيجًا حارًا من بين شفتيها، لتجهش بالبكاء و هي تستند إلى الجدار خلفها، تكره ضعفها الذي يتغلّب عليها عندما يكون الأمر متعلّقًا به
أحسّت بيداه تمسكان به فجأة، و أبصرت من خلال دموعها صورته مشوّشة و هو يقترب منها نافثًا أنفاس لاهبة و هو يهمس لها بخشونةٍ :
-أنا جوايا مشاعر ليكي.. مابعرفش أعبّر عنها إلا بطريقة واحدة بس !
و على الأقل لم يكذب في هذه.. و عرفت “رحمة” الليلة ما هي بالنسبة إليه …
حين دنى بفمه من فمها و قبّلها بشدة، أغمضت عينيها و سمحت له أن يفعل ما يريد، الحقيقة إنها كانت بحاجة ماسّة لتشعر بأنه ملكًا لها بأيّ طريقة، لترى كم هي يائسة حقًا، طفت مشاعرها كلها على السطح، هي التي لم تعتاد كبت أيّ شيء تشعر به، و هي تجذبه إليها، و هي تمرر يديها في شعره، و هي تتذوّقه و تشعر بأنفاسه تختلط بأنفاسها، لم يتركها الليلة إلا و قد أخذ كل ما حدث لها من خوفٍ و أذى و ألقاه بعيدًا، و لكن هذا لن يدوم.. صحيح ؟
جرعة الحب هذه وهمية، لحظية، عندما فتحت عينيها في وقتٍ لاحق، كان الغسق بالكاد قد بزغ، فورًا مررت يدها على الناحية الأخرى من السرير، لكنها كانت فارغة !
انتفض قلبها في صدرها، جلست في الحال و هي تنظر حولها، و جمدت للحظة عندما رأته يقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه الناصع، حيث بدا و كأنه يتجهز ليغادر …
-أنا آسف على الدوشة !
نظرت إنعكاسه بالمرآة، و قد كان ينظر إليها بدوره مبتسمًا و هو يستطرد بصوته الهادئ :
-حاولت أتحرّك بهدوء على أد ما أقدر عشان ماصحكيش.. كملي نوم أنا مش مطول.
-رايح فين ؟ .. سألته بشحوبٍ و هي تتشبث بالملاءة حول جسمها
إلتقط “يحيى” ربطة عنقه و موضعها حول ياقته ليعقدها و هو يرد عليها باقتضابٍ :
-في البيت عارفين إني المفروض أرجع إنهاردة بعد الفجر. تحديدًا دلوقتي لازم أكون نزلت من الطيارة.. يدوب مسافة السكة أكون عندهم.
ابتلعت ريقها الجاف بتوترٍ و هي تقول بلا تفكيرٍ :
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-هاتسيبني لوحدي !؟
سحب سترته من المشجب القريب و ارتداها بسهولةٍ و هو يستدير ماضيًا نحوها، جلس قبالتها على طرف السرير، لوهلة أنعشتها رائحته التي هي مزيج من النعناع و مستخلصات خشب الغار و الخزامى، طمأنتها طلّته الآسرة أيضًا و أحبت تصفيفة شعره المعتادة، و بقيت مصغية إليه و هو يقول مادًا يده ليحوي وجهها بلمسةٍ حانية :
-انتي عارفة من إمبارح إني لازم أرجع عشان أشوف عيلتي. و كمان أنا أخدت إجازة كبيرة. في شغل كتير مستني. مش هقدر اتأخر أكتر من كده.
أسندت خدّها الآن إلى كفه تستمد منه الدفء قدر استطاعتها و هي تقول عابسة :
-أنا هاعمل إيه و انت مش موجود ؟ لازم أعمل إيه و أنا لوحدي !!؟
ابتسم بخفةٍ مدركًا مقصدها، و قال برفقٍ :
-أنا مش هاغيب عنك كتير.. يومين تلاتة بالكتير و هاتلاقيني هنا عندك.. و بعدين أنا سايبك هنا و أنا مطمن عليكي. مافيش حاجة ناقصاكي. حارس العمارة موصيه يبعت لك مراته كل يوم الصبح تشوف طلباتك. و كمان معاكي أرقامي. لو احتاجتي أي حاجة. أو لو في حاجة حصلت هاتكلميني و هكون عندك فورًا.. ماتخافيش يا رحمة. أنا جنبك و قريب منك علطول.
و قطع المسافة بينهما مائلًا تجاهها ليمنحها قبلاتٍ سريعة على شفتيها، ثم ينهض على عجالة قائلًا :
-يلا أنا هانزل دلوقتي.. خدي بالك من نفسك.. و ماتخافيش من أي حاجة انتي في آمن و أهدى مكان في الإسكندرية كلها. هنا مش زي كرموز !
و ألقى عليها نظرة لطيفة أخيرة.. ثم استدار جارًا حقيبة السفر خاصتها ورائه و غادر !!
لقد غادر حقًا، وقع خطواته اختفى، صارت بمفردها و قد تركها مع المزيد من الحيرة و القلق، جاهلة ماذا تصنع حقًا في غيابه.. و عاجزة حتى على العودة للنوم …
______________________________
واتته الأخبار أولًا بأول منذ ليلة الأمس، لقد وصل شقيق زوجته و معه إبنة عمه إلى الوطن في ساعة متأخرة من الليل، و رغم إنه قد عرض عليهما النزول في ضيافته هنا بقصر العائلة، إلا إن “فادي” أبدى رفضه و أصر على المكوث بشقته الفاخرة التي جهزها قبيل هجرته للمرة الثانية
لم يعبأ “عثمان” كثيرًا لتعنّت صهره، و أتفقا أن يذهب “فادي” في الصباح لرؤية أخته بالمشفى بينما يبقى “عثمان” بالمنزل ليمنحهما مساحة كافية على إنفرادٍ، و قد كانت فرصة مناسبة لكي يقضي بعض الوقت مع صغاره الذين يفقتدون والأب و الأم معًا
استيقظ “عثمان” باكرًا صبيحة عطلة الصغار، جمعهم بحديقة القصر حول طاولة قام باعطاء أوامره لتجهيزها بأطيب و أزكى أنواع الحلوى المفضلة لكل منهم، جلست الصغيرة “فريدة” في حِجر أبيها، بينما يُطعمها بيده قطعة من كعكة الشوكولاه التي تحبها كثيرًا …
-أنا بقول كفاية سكريات بقى و لا إيه !؟ .. اقترح “عثمان” ممرًا ناظريه على وجوه صغاره الثلاثة
ابتسم و هو يرى الحلوى تلطّخ أفواههم و كأنهم عادوا أطفال …
-لأ يا بابي بليز أنا لسا ماكلتش من الدوناتس ده !! .. صرخت “فريدة” معترضة
نظر إليها “عثمان” متأملًا في لون بؤبيّ عينيها الواسعين، حيث جمعت الطفلة ألوان عيون كلًا من جدها “يحيى البحيري” الرماديتين، و عيون أمها “سمر” الخضراوين مثل حجر العقيق، كانت عينيّ “فريدة” مثل طفرة لم يشهد لا مثيل
مسح “عثمان” على شعر صغيرته العسلي و قال بهدوء :
-سمر مش قاعدة و شايفة إللي بيحصل ده. كانت بدلتنا كلنا.. أنا بس حبيت أرفه عنكوا شوية مش أكتر. لازم نحترم كلام أمكوا حتى و هي مش موجودة. كفاية كده.
-هي ماما هاترجع إمتى ؟
إلتفت “عثمان” إلى سؤال إبنه، رآى حزن عميق يجلل ملامحه، فقال بابتسامة خفيفة :
-قريب يا يحيى.. قريب.
عبس “يحيى” بوهنٍ و هو يقول منفعلًا :
-إمتى ؟ أنا عايز أشوفها. و انت مانع أي حد فينا يروح لها.. ليه يا بابا !؟؟
تنهد “عثمان” و خاطبه برفقٍ :
-هاتشوفها يا يحيى. إهدا بس.. أمك كويسة مافيهاش حاجة.
-طيب ليه مارجعتش معانا ؟ ليه سيبتها في المستشفى ؟؟
-أنا مش قلت لك إن خالك فادي رجع إمبارح.. هو زمانه دلوقتي عند سمر في المستشفى.. هايجيبها و يرجع بيها على هنا. أوعدك إنهاردة هاتشوف أمك.
و لو لا هذا الوعد ما سكن الصبي حقًا، لكن هناك من تململ مضطربًا لتلك التصريحات، لاحظ “عثمان” الوجوم الذي كسا وجه “ملك” و اضطراب جسمها
نظر إليها متسائلًا :
-و انتي كمان يا ملك فيكي إيه !؟
لم تستطع الفتاة إخفاء الرجفة في صوتها و هي تسأله بشحوبٍ :
-فادي خلاص رجع ؟
-أيوة. رجع من إمبارح.
-يعني.. يعني لما يسافر تاني هاياخدني معاه زي ما قال ؟
عثمان بحدة : قلت لك مايقدرش ينقلك من مكانك طول ما أنا عايز كده. و أنا مافيش حاجة تهمني غير راحتك انتي. إللي انتي عايزاه هاعمله يا ملك. عايزة تفضلي هنا معانا محدش هايقدر يلمسك. عايزة تمشي مع فادي مش هامنعك.. فاهماني ؟
أومأت له ببطءٍ
لم يكاد “عثمان” يلتقط أنفاسه بعد، جاءت إحدى مستخددمات القصر تخبره بشكلٍ عاجل :
-عثمان بيه.. الضيفة إللي جت لحضرتك إمبارح واقفة برا عند الأمن. طالبة تشوف حضرتك.
تحفزّت خلاياه مرةً واحدة و هو ينطق اسمها بخفوتٍ :
-شمس !
______________________________
لا تعرف كيف كان الحال ليكون لو لم تكن لديه تلك الإعاقة الجزئية بذراعه المبتورة، إنه يعتمد بدلًا منه على آخر صناعي حديث الطراز، لا يفرق كثيرًا عن الحقيقي، لكنه يبدو اصطناعيًا لمن يدقق النظر في طرفه
إذن كيف يدركن النساء تلك الحقيقة و يواصلن النظر إليه على هذا النحو، إنه حرفيًا محطّ نظرات الإعجاب أينما راح و غدى، لعله لا ينتبه لذلك، لكنها لا تخطئ ملاحظاتها أبدًا، و دائمًا ما تظهر العداء علانيةً لأيّ امرأة تمد عينيها إليه، فورًا تكشر عن أنيابها و تتعلّق بذراعه السليمة بأكثر مبدية ملكيتها له
إنه زوجها هي، لها وحدها، لو كان أخبرها أحد بأنها سوف تقع في حب رجل مثل “فادي حفظي” يومًا ما ما كانت لتصدق، بل كانت لتسخر و تقسم ألا يحدث، لكنه حدث، و الآن هي غارقة في عشقه حتى أذنيها، أجل هي نفسها “هالة البحيري” أعاد زوجها تعرّيفها على الغرام و العشق من جديد على يديه هو …
مشيت “هالة” معه جنبًا إلى جنب، متأبطة ذراعه و هما يبلغا بوابة المشفى الخصوصي، طبقًا لأوامر “عثمان” سمح لهما الطبيب على الفور لرؤية “سمر”.. طرق “فادي” بابها مرتان.. و فتحه في الثالثة مادًا رأسه بحذرٍ
وقعت عيناه عليها في الحال، إذ كانت تجلس أمام النافذة بثوب المشفى، ساهمة، كئيبة، تحيط ضمادة رفيعة بأم رأسها، دلف إليها تتبعه زوجته و هو يهتف بلهفةٍ :
-سمـر …
ارتعدت فرائصها لدى سماع صوت أخيها، وثبت من مكانها و هي تستدير لتراه، لقد جاء أخيرًا، و فجأة لم تعد تتحكم بنفسها و لا تعرف كيف إنهالت مدامعها بلحظةٍ و هي تمد ذراعيها نحوه نائحة :
-فـادي.. أخويا !!
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وصل إليها خلال ثوانٍ معدودة، مد ذراعه السليمة و اجتذبها من رسغها لتستقر بحضنه، ضمّها بشدة و هي تحيط بخصره باكية في طيّات قميصه بحرقةٍ، بقيت “هالة” في الخلف تراقب في صمتٍ، بينما أخذ “فادي” يهدئها و يهدهدها لقرابة النصف ساعةٍ
حتى انتهى بهما المطاف جالسان هناك قرب النافذة حيث كانت تجلس قبل مجيئه، لا تزال “سمر” متعلّقة بأحضانه، يربت على كتفها و يقبّل رأسها متمتمًا بحنوٍ :
-سلامتك يا حبيبتي.. الحمدلله إنك بخير.. الحمدلله إني اطمنت عليكي.. ماتخافيش يا سمر انتي كويسة.
أخيرًا تملّكتها الشجاعة لتبتعد عنه قليلًا، نظرت إليه بعينين دامعتين و قالت بعتابٍ :
-انت كنت فين كل ده يا فادي ؟ إزاي ماتبقاش جنبي في ساعتها. أنا فتحت عيني لاقيت ناس غريبة حواليا …
و قطبت حاجبيها منتبهة لمظهره الأكثر نضجًا، وجهه صار أنحف، ملامحه تتسم بحديّة تنافي طبيعته البشوشة المتسامحة، حتى لحيته نامية بكثافة على صدغيه، و.. رباه !
لقد تناثرت بعد الشعيرات الرمادية الطفيفة جدًا عليها، هذا الشخص يبدو كأخيها فعلًا، و لكن مختلف، ذاك “فادي” أنضج من الآخر الذي تعرفه.. أين “فادي” الذي كان معها بالأمس القريب ؟ أين أخيها الطالب الجامعي اليافع !!؟؟؟
-انتي صحيح مش فاكرة أي حاجة يا سمر !؟ .. سألها “فادي” بلطفٍ مبديًا تعاطفه معها
و أشار خلفه ناحية زوجته و هو يتابع :
-مش فاكرة هالة طيب. مراتي.. تعالي يا هالة.
تطلّعت “سمر” إلى المرأة التي يشير لها أخيها كونها زوجته، كانت جميلة و راقية إلى حد كبير، ذكرتها بالرجل الذي استيقظت و وجدته بوجهها مدعيًا بأنه زوجها !!!!
وقفت “هالة” الآن ملاصقة لزوجها، ابتسمت في وجه “سمر” قائلة برقتها المعهودة :
-إزيك يا سمر. ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. كده تخضّينا عليكي ؟
ازدادت ريبة “سمر”.. اشتد بها الكرب و هي تعاود النظر إلى أخيها.. سحّت الدموع فوق خدّيها و هي تهز رأسها للجانبين مغمغمة :
-فادي.. أنا مش عارفة حاجة.. مش فاكرة أي حاجة.. أنا مـ آ ا …
و صمتت فجأةً، حين امتدت يدها لتمسك بيده، يده الاصطناعية، إنها أكثر صلابة، باردة، غريبة !
أطرقت “سمر” برأسها مدققة النظر في يده التي تقبض عليها بكلتا يديها، و هالها ما رأت، إنها يد، لكنها قطعًا ليست يد أخيها، و تأكدت بالأكثر عندما لم تصنع معها أيّ ردة فعلٍ …
-انت مال إيدك !!؟ .. رددت من بين أنفاسها
تطلّعت إليه من جديد، فرأت الوجوم أبلغ من أيّ إجابة قد يتفوّه بها، كتمت شهقتها مكممة فاها بكفّيها، و انهمرت الدموع أكثر من عينيها و هي تنظر إليه مصدومة، مفجوعة بالحقائق التي أُلقيت بوجهها بهذه القسوة
و يا ليتها حقائق تستطيع تقبّلها.. إنها كوارث …
_____________________________
استقبلها “عثمان” هذه المرة بحجرة مكتبه، و التي كانت لأبيه من قبله، الآن و هي تظهر أمامه ثانيةً، لا يمكنه إلا أن يرى أخته بالفعل، إنها لا تشبه شقيقته “صفيّة”.. “صفيّة” عبارةً عن استنساخٍ مطابق لأمه
و لكن “شمس”.. “شمس” تشبه أبيه، ربما تشبهه هو أيضًا، يشعر بنداء الدم يصرخ بعروقه مع كل خطوة تخطيها نحوه، لعله يحقد على أبيه و على تلك المرأة التي فضّلها على أمه لدرجة زواجه منها، لكنه لا يستطيع أن يحقد على تلك الفتاة
بل إنه يقرّ بانتمائها إليه، مهما حدث، و بغض الطرف عن أيّ افتراضاتٍ حساسة، إنها أخته الآن، شاء من شاء و أبى من أبى …
-عثمان ! .. نطقت اسمه بشكلٍ جميل
كانت تبتسم له بحلاوة، ناعمة و جذّابة، و أنيقة كدأب أفراد عائلتها و إن كان لديه بعض التحفظّات التي حتمًا سيخبرها عنها قريبًا، فهو لا يقبل أن تظهر أخته بمظهر فاضح أمام أعين الجميع، تلك الكنزة المكشوفة الضيّقة تبرز جزء من بطنها، و ذاك السروال القصير بالكاد يغطي فخذيها، إنها حقًا بلا رقابة.. حياتها تخلو من الرجال.. لكنه يعرف كيف يتولّى أمرها جيدًا بدءًا من الساعة …
-اختفيتي فين بقالك يومين ؟
تفاجأت “شمس” بالحدة التي طرح بها سؤاله، كانت تقف قبالته الآن، بمنتصف الغرفة الفسيحة، وحدهما فقط …
رفعت حاجبها و هي تجاوبه بتلعثمٍ :
-آ أنا. حسيت إن الظروف مش مناسبة.. عرفت بحادثة مراتك.. قلت أمشي و أبقى أرجع لك تاني !
صمتت تراقب ردة فعله، لكن لا شيء.. غير الصرامة التي جللت نظراته و تعابيره …
ابتسمت مرةً أخرى و هي تقول بأريحية واضحة :
-باين من لهجتك معايا إنك اتأكدت.. عرفت إني أختك حقيقي.. مش كده ؟
ضيّق عينيه و هو يقول لاويًا ثغره بلمحةٍ تهكمية :
-لو ماكنتش متأكد ماكنتيش هاتقفي قدامي تاني.. و كنتي هاتتحاسبي على كدبتك.
أومأت قائلة بنفس الابتسامة :
-و انت دلوقتي واثق إني مش كدابة.
هز رأسه و قال بثباتٍ :
-لأ.. مش كدابة يا شمس !
اتسعت ابتسامتها أكثر لنطقه لأسمها بهذه الحميمية و كأنه معتاد على مناداتها، و كأنه لا يراها تهديدًا له، ذلك الطابع منحها املًا في التقرّب إليه، فقالت و هي ترمقه بقوةٍ :
-إيه إللي هايحصل يا عثمان ؟ بعد ما عرفت حقيقتي.. أنا مش جاية عشان حاجة. مش بطلب منك أي حاجة !
كان يعرف هذا سلفًا من الوصية التي تركها أبيه، فسألها رغم ذلك ليعرف دوافعها منها هي :
-أومال انتي جاية ليه يا شمس ؟ و اشمعنا دلوقتي بالذات ؟
أجابته على الفور دون ترددٍ :
-جيت عشانك انت يا عثمان.
تغضن جبينه بعبسةٍ أضفت عليه جاذبية، بينما يردد بتعجبٍ :
-عشاني أنا !؟
اقتربت منه خطوةٍ و هي ترد عليه بصدقٍ بائن :
-أيوة عشانك انت.. انت اخويا الوحيد.. أنا عشت طول عمري نفسي يكون لي أخ.. و لما عرفت إنك أخويا كنت هاتجنن و اشوفك بس. لما شوفتك بقى نفسي أقرب منك و أعرفك بيا.. بس كنت واعدة بابا.. مقدرتش أحافظ على الوعد ده كتير.. و أديني واقفة قدامك أهو… أنا جيت عشان أخويا.. أنا محتاجة وجودك جنبي.. مش عايزة أحس إني عايشة لوحدي.. عايزة عيلتي !!
و صمتت لعجزها عن التعبير أكثر، لتقول بعد لحظةٍ و دون تفكيرٍ :
-أنا ممكن أحضنك ؟
ارتد وجهه للخلف متفاجئًا بطلبها، لكنها ألحت بيأسٍ واضح :
-أرجوك.. أنا عارفة إنك لسا شايفني واحدة غريبة. بس أنا شايفاك أخويا.. نفسي أحضنك.. أرجوك يا عثمان !!
أجفل عدة مراتٍ و قد هزّت دفاعته لوهلةٍ، و لا يعرف ما الذي دفعه ليذعن لها بهذه السلاسة مباعدًا ذراعاه بالكاد، بمجرد أن لمست موافقته، ارتمت بين أحضانه مطوّقة عنقه بشدة، لولا عضلاته القوية التي تحمي جسده لأختنق من شدة ضغطها عليه …
في البادئ لم يعرف كيف يرد على تصرفها، لكنه وجد جسده يتفاعل معها غريزيًا، فيرفع يد ليضعها فوق مؤخرة رأسها، و الأخرى يربت بها على كتفها بلطفٍ أخرق بعض الشيء
إنها محقّة.. الأمر برمته لا يزال غريبًا عليه !
ينفتح باب المكتب في هذه اللحظة.. فترصد عينيه من وراء أخته الظهور المباغت لأمه ! …………………………………………………..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الثامن _ أطلال عشق _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
مضى أربعة أشهر على زواجها من “يحيى البحيري”، و بالكاد تعتاد المكوث لأيامٍ طويلة بدونه، إذ إنه كان حريصًا كل الحرص على أن يقضي أكثر الأوقات في منزل عائلته، لم يبيت معها ليلة واحدة بعد شهر العسل، بل كان يأتي لزيارتها مرة أو مرتان بالاسبوع في الصباح الباكر أو في المساء ثم يتركها و يعود لأحضان زوجته الأولى و عائلته.. عائلته الحقيقية !
إنه كريم جدًا، لا يبخل عليها بشيء، و كل طلباتها مجابة و حتى ما لم تطلبه يوفره لها، و لكن ليته يُدرك بأنها لا تهتم للماديات، إنها تتوق لعائلة مثل التي يكافح للحفاظ عليها، تريده هو، تريد أطفالًا منه، ما زالت لم تقطع الأمل في أن يسمح لها قريبًا بالإنجاب، إنها و إن وافقته مستسلمة لسحره الطاغي عليها، إلا إنها لم تقمع صوت غريزتها القوي كما يظنّها، ستعود لتفتتح معه حديثًا في أسرع وقتٍ، و عندما تفعل ذلك فإن قراره سيُحدد مصير هذا الزواج، إذا وافق سيكون من دواعي سرورها أن تبقى في عصمته، و إذا رفض فهي ستتركه مهما كلّفها الأمر.. لن يستطيع أن يرغمها على البقاء …
اليوم أخيرًا قرر أن يبيت معها، اتصل بها قبل أن يحضر في المساء و أبلغها بأنه اختلق كذبة أمام عائلته و أنهم يظنونه مسافرًا لبضعة أيام، و لكنه في الحقيقة باقيًا و سيقضي معها كل هذا الوقت، معها وحدها
لم تستطع “رحمة” إلا أن ترحب به طبعًا، و مثل العادة جعلها حضوره تنسى أيّ وحشة تستشعرها بعيدًا عنه، و ظلّت قدماها لا تلمسان الأرض منذ جاء و بقي بجوارها …
-خلاص مش قادر يا رحمة !
يُعلن “يحيى” للمرة الثانية بصرامةٍ أشد و هو يحاول درء يد زوجته الشابة عن فمه، بينما كانت الأخيرة تجثو أمامه فوق الفراش حاملة صحن من شرائح الفاكهة، أصرت عليه و هي تمد يدها من جديد بقطعةٍ من التفاح :
-عشان خاطري.. انت ماقربتش من الفطار خالص و شربت قهوة بس.. كُل دي من إيدي على الأقل.. عشان خاطري كُلها !!
رمقها بنظرته الصافية مطوّلًا، ثم تنهد و فتح فمه ملتقطًا قطعة التفاح بأسنانه، راقبته مبتسمة و هو يلوّكها ببطءٍ، كان آسرًا لعينيها هذا الصباح، مظهره عفوي و نادر ؛ شعره الناعم المتشابك، ملامحه التي لم تزول عنها آثار النوم بعد، جزعه العاري
لم تسمح بمغادرة السرير و صممت أن تأتي له بالفطور هنا، أرادت أن تدللـه كثيرًا، فقد بدا عليه الإرهاق منذ قدومه عندها، و كما ترى إن جهدوها قد أثمرت، الآن يبدو مشرقًا و وسامته الملائكية عادت تزلزلها من جديد …
-انتي مبتسمة أوي كده ليه ؟ .. سألها “يحيى” مبتسمًا بدوره
لتتحول ابتسامتها لضحكةٍ مجلجلة فتبدو كطفلة بهجة لنظره و هي تقع عرضيًا فوق صدره، فيحاوطها بذراعيه و لا يزال مبتسمًا في انتظار جوابها، تهدأ “رحمة” قليلًا و هي تخبره رافعة رأسها لتلاقي نظراته :
-أصلي لسا بفتكر أسماء عيلتك.. بصراحة حاجة غريبة أوي !
عبس مستوضحًا بصوتٍ أجش :
-إيه الغريب مش فاهم !؟
أسندت ذقنها فوق صدره معلّقة نظراتها بنظراته و قالت :
-انت اسمك يحيى.. تمام اسم حلو و جديد. لكن أسماء عيلتك تحس إنها قديمة أووي.. مثلًا أخوك رفعت. ابنك عثمان. بنتك صفيّة.. حاسة إني بشوف فيلم أبيض و اسود …
و مضت تضحك بانطلاقٍ مجددًا.. لكنها سارعت قائلة :
-أنا بهزر اوعى تزعل مني !
هز رأسه قائلًا بوداعته المعهودة :
-مازعلتش و لا حاجة.. انتي عندك حق. بس الأسماء في عيلتنا مش قديمة.. هي أسماء عريقة.
نظرت له ببلاهةٍ، فابتسم و هو يشرح لها ماسحًا على رأسها بحنو :
-عيلة البحيري مش ولاد إمبارح. جدي الكبير كان متجوز أكتر من واحدة. و خلّف كتير جدًا. اشتغلنا في كل المجالات على مر الأجيال دي.. في السياسة و الطب و المعمار لحد التجارة.. أنا إنهاردة واجهة العيلة دي. طبعًا رفعت أخويا مش فاضي للشغل. بس المهم قصة الأسماء جاية من الناحية دي. أنا اتجوزت بعد رفعت. لكن خلّفت قبله و كنت هاسمي إبني صالح على اسم أبويا. بس حمايا عثمان باشا المهدي اتوفى و كانت فريال في الشهور الأخيرة من الحمل. ف طلبت مني نسمي عثمان بدل صالح. و أنا ماحبتش أكسر بخاطرها لأنها كانت متعلّقة بأبوها و بتحبه جدًا. وافقت.. بس لما خلفنا تاني و جت البنت أنا بقى صممت اسميها على اسم أمي. صفيّة. فريال مقدرتش تفتح بؤها.
و ضحك بمرحٍ و هو يشرد بنظراته و كأنه يفكر في زوجته الغائبة …
شعرت “رحمة” بالغيّرة في الحال و استحالت الابتسامة على وجهها لتكشيرةٍ عميقة، انتبه “يحيى” لتصلّب جسمها، فنظر إليها مستطلعًا و هو يقول :
-مالك ؟
-و لا حاجة ! .. ردت باقتضابٍ ملحوظ
ابتعدت عنه الآن و قالت و هي تنهض واقفة :
-الجرايد إللي طلبتها برا. البواب طلّعها من شوية.. تحب أجبها لك ؟
أومأ لها قائلًا :
-أيوة بس قبل ما تجبيها تعالي.. قربي يا رحمة عايز أقولك حاجة.
أقبلت عليه طائعة، جلست على طرف السرير بجواره، تجنّبت النظر إليه، فلن يجبرها على التواصل بالعين، اكتفى بأن ينظر لها و هو يقول محيطًا خصرها بذراعه :
-يمكن نسيت أحط قواعد نمشي عليها أول ما اتجوزنا. اكتفيت بس إنك فاهمة ظروفي و إن عيلتي مش لازم ابدًا يعرفوا بالجواز ده. انا بقدرك أكتر لأنك احترمتي الشرط ده بالذات.. لكن إذا كنت هقولك كده دلوقتي ف ده عشانك انتي.. آخر حاجة ممكن أعوزها هي إني أضايقك بأي شكل من الأشكال. لو الكلام عن عيلتي و مراتي بالتحديد بيضايقك ماتحاوليش تفتحي معايا أي حوار عنهم. أنا مش ماعنديش مانع أكلمك عنهم لو حبيتي أو سألتي.. بس لما أشوفك اضايقتي كده مقدرش أتجاهل الموقف و أفوّته !
كانت تغرز أظافرها بقوةٍ في راحتيّ كفّها و هي تستمع إليه، حتى صمت الآن، أدرات رأسها تجاهه لتنظر إليه، بدا الحزن في عينيها واضحًا كالشمس، كذا نبرة صوتها و هي ترد عليه :
-أنا مش بضّايق لما بنحكي عن عيلتك.. بس بضّايق لما بسمعك بتتكلم عنها بالطريقة دي. انت مش بتشوف نفسك بتبقى عامل إزاي لو جت سيرتها في أي حاجة حتى لو صغيرة… انت بتحبها ؟
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ما من فائدة معها، أرادت الألم، فليؤلمها مرةً واحدة لكي لا تجرؤ على الإقتراب من هنا مجددًا …
يسحب “يحيى” نفسًا عميقًا و هو يرتفع بجزعه أكثر بالفراش مرتكزًا على مرفقه، وجهه خالٍ من التعابير و هو يجاوبها الآن بهدوء :
-أنا قلت لك اتجوزت و أنا صغير أوي.. لو ماكنتش متأكد من مشاعري ماكنتش مشيت الخطوة دي. أنا بحب مراتي فريال. بحبها جدًا و مقدرش استغنى عنها. وجودها في حياتي ضروري زي الهوا إللي بتنفسه.
كم كان هذا مؤلمًا، حقًا، و كم شعرت بالسخافة، اعترافه كان بمثابة الإنذار الذي تحتاج إليه لتنهي ذلك الزواج المهزلة و فورًا، و لكن عوضًا عن هذا ابتعلت المذلّة و سألته بصوتٍ أبح :
-طيب أتجوزت عليها ليه لما انت بتحبها أوي كده ؟ لا تكون هي مش بتحبك !
ضحك من كلماتها و لا يعرف جديًا ما المضحك فيما قالته، تجلّت المرارة في صوته و هو يخبرها بصراحةٍ :
-فريال بتحبّني زي ما بحبها و يمكن أكتر. أنا واثق من ده زي ثقتي إن النار بتحرق مثلًا أو إن الشمس بتشرق كل يوم.. فريال بتحبني. بس مش بتحب الـIntimacy !
عقدت حاجبيها في دلالةٍ على عدم الفهم، فابتسم بتكلّفٍ قائلًا بوضوح أكثر :
-قصدي الحميمية.. عندها Limts. يعني حدود معيّنة في علاقتنا. بتحب نقرّب من بعض لكن ممنوع أستغل التقارب ده أو أطوّره. يعني باختصار فريال بتحب فيا الحبيب. مش الزوج.
رفعت حاجبيها و قد تلاشى عبوسها فور أن وضحت الصورة أمامها أخيرًا، إذن فهذا هو سبب زواجه منها، زوجته لا تقوم بواجباتها كاملةً تجاهه، لا ترضيه، لكنه يحبها، لا يمكنه الإستغناء عنها كما قال و في نفس الوقت لديه غرائز ليشبعها، فبحث هو عن أخرى تسد تلك الخانة الفارغة في حياته و في الخفاء، و كانت هي تلك الأخرى.. لا تعلم هل من سوء أم حسن حظّها !!؟
-المفروض أعمل إيه بعد إللي انت قلته ده !؟ .. تساءلت “رحمة” بصوتٍ مهزوم و منتهي
يعدل “يحيى” نفسه حتى يصبح في مواجهتها تمامًا، ممسكًا بوجهها بيد، و مقربًا إيّاها إليه من خصرها بيده الأخرى و هو يقول بخفوتٍ :
-إللي بتعمليه من أول يوم يا رحمة. انتي كمان مراتي زيها.. انتي كمان بحترمك و بقدرك.
همست بدموعٍ : بس مابتحبنيش زيها !!
كز على أسنانه بصبرٍ و قال متجاهلًا شكوتها :
-انتي في كل الحالات مسؤوليتي. عمري ما هاتخلّى عنك مهما حصل.. لكن مكانتك في حياتي انتي إللي بتحدديها. أنا برتاح معاكي. بتبسط لما بشوفك لما بكلمك.. انتي لحد دلوقتي كل حاجة كنت بتمناها. بتريّحيني و بتسمعي كلامي. لو ماتعرفيش انتي عندي حاجة قيّمة أوي.. و أنا محظوظ عشان لاقيتك. و اتجوزتك !
و جذبها لفمه ليقبّلها، لم تمنعه، و لكنها لأول مرة لا تستمد منه المشاعر المحببة كما في كل مرة يتقاربا هكذا، قبلته لم تداويها هذه المرة كما كانت تفعل من قبل، الآن قبلته تخلق ندوبًا عميقة بداخلها
الوجع هو كل ما تشعر به “رحمة” و للمرة الأولى بين أحضان “يحيى البحيري” …
______________________________
-ماما !
تلك الكلمة الوحيدة التي تمكن “عثمان” من نطقها، كانت كفيلة لتضع بينه و بين “شمس” مسافة كافية في الحال، أجفلت “شمس” حين أبعدها أخيها بشكلٍ مفاجئ عن حضنه، أدارت جسدها لتواجه سيدة المنزل، بينما غمر “عثمان” توتر شديد و هو يحدق في أمه متململًا
لا يعرف كيف يُبرر ما رأته !!!
في الجهة الأخرى، لا زالت “فريال” تقف عند عتبة باب المكتب، مرفوعة الرأس، يجلل وجهها الجميل كبريائها الأرستقراطي المتوارث، رغم الكارثة التي تلقّتها من إبنها ليلة أمس، لكنه لم يراها أكثر جمالًا و بهاءًا ممّا تبدو عليه الآن …
-اتفضلي يا فريال هانم ! .. قالها “عثمان” بهدوءٍ و قد استطاع أن يحكم سيطرته على إنفعالاته بسرعة
للحظات جالت “فريال” بناظريها بينه و بين أخته المزعومة، ثم أخيرًا حسمت أمرها و تقدّمت بالداخل بخطواتٍ ثابتة، متمهلة …
وقفت قبالة الإثنان، و بقيت تحدق بالأكثر بـ”شمس”.. تتأملها من رأسها لأخمص قدميها.. و لم يخفى على الأخيرة نظرات التقييم التي تحمل مسحة مهينة لشخصها… لكنها لم تهتز و لم يرتد لها طرف و هي تبادلها النظرات بثقةٍ
يستقر بصر “فريال” على وجه “شمس” الآن، ليمضي “عثمان” مبددًا الصمت المربك للأعصاب قائلًا بلهجته الرزينة :
-فريال هانم.. أعرّفك بشمس.. أختي إللي حكيت لك عنها !
و حوّل نظره تجاه أخته مستطردًا :
-شمس …
قاطعته “شمس” و هي ترمق السيدة الراقية باعجابٍ :
-منغير ما تقول يا عثمان.. معقول في حد مايعرفش فريال هانم المهدي. دي واحدة من امنياتي كانت إني أقابلها أو أشوفها من قريب.. أنا مش مصدقة إني واقفة قصادها دلوقتي !!
لم يُطرب “عثمان” لإطراء الفتاة، كان مشغولًا بردة فعل أمه، يتحسس منها أيّ حركة أو فعل، لكنها ثابتة، لتفتح فاها أخيرًا قائلة بلهجةٍ باردةٍ كالجليد :
-إنتي بقى شمس مش كده ؟ .. انتي بنت يحيى ؟
أومأت لها “شمس” و هي تجاوبها بابتسامةٍ رقيقة :
-آها.. مظبوط يا فريال هانم. أنا شمس. أصغر ولاد يحيى البحيري !
تبتسم “فريال” بخيّلاء و هي ترد عليها عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
-كنتي فين طول السنين إللي فاتت دي يا شمس.. ليه ماجتيش تشوفي اخواتك ؟ و فين مامتك يا ترى ؟ ماجتش معاكي ليه عشان نتعرف عليها ؟
رفرفت “شمس” بأهدابها قائلة بأريحية :
-مامي في لندن. أنا نزلت مصر لوحدي. بس أكيد هاتتبسط أوي لو عرفت إن فريال هانم بنفسها بتقدم لها دعوة مخصوصة و هاتيجي تلبيها في أسرع وقت.
رفعت “فريال” حاجبها متسائلة :
-مامتك إنجليزية !؟
شمس بنعومةٍ : لأ يا هانم. مامي مصرية و اسكندرانية كمان. بس احنا حياتنا كلها تقريبًا قضيناها في لندن. بابي نقلنا هناك من زمان أوي أنا كنت لسا طفلة صغيرة ساعتها. و كمان شغل مامي هناك عشان كده ماعندهاش وقت خالص تنزل معايا.
كان “عثمان” يراقب بتأهب مجرى الحديث بينهما، خاصةً حين جاءت “شمس” على ذكر والديها، استشعر النيران التي تأججت بصدر أمه، و تنبأ تحديدًا بردها الذي لم توفر جهدًا للإفصاح عنه على الفور …
-تبقى مين بقى مامتك دي !؟؟ .. احتدت لهجة “فريال” في هذه اللحظة
تحوّلت الوداعة على وجهها إلى قناعٍ من القساوة و الغضب و هي تقول تبصق الكلمات من فمها :
-اسمها إيه و من عيلة مين ؟ ما هي أكيد لو من عيلة معروفة مكانتش سمحت لنفسها تعيش على الهامش كده. باباكي بعتها على منفى. باباكي كان جبان. و مامتك جبانة أكتر منه و أكيد هانتواجه عشان أرميها بحقيقتها في وشها …
-ماما من فضلك ! .. تدخل “عثمان” بحزمٍ
إلتفتت “فريال” نحوه صارخة :
-أخـرس انـت.. تعرف تخرس ؟ أنا بتكلم إيّاك تقاطعني. انت نسيت نفسك يا ولد. نسيت أنا مـين ؟؟؟؟
ألجمت لسانه بهجومها العنيف عليه، لم يجرؤ على فتح فاهه مرةً أخرى، فقط ينظر إليها بصمتٍ تام يرى منها جانب لم يراه أبدًا طوال حياته، بينما تبقى “شمس” على استعدادٍ لسماع أيّما إهانة تعتزم أرملة ابيها المجروحة توجيهها إليها، كانت تعذرها، و لا تلومها أبدًا على أيّ شيء قالته أو ستقوله الآن …
تعاود “فريال” النظر إلى خيانة زوجها المتجسّدة بتلك الفتاة التي و لا ريب تحمل شبه أمها، تغزو حمرةٍ غاضبة بشرتها و هي تغمغم بغلظةٍ :
-بصي يا بنت يحيى.. انتي لو حاطة أمل على أي كلام قاله ليكي عثمان تبقي أكيد واهمة نفسك.. مايهمنيش هو قال لك إيه أو وعدك بإيه. إللي لازم تفهميه كويس إن طول ما أنا عايشة هنا في البيت ده مش ممكن أسمح لا ليكي و لا لأمك تعيشوا فيه يوم واحد. و ولادي تنسي تمامًا إنهم ممكن يكونوا اخواتك. أنا ماخلفتش غير اتنين بس. لو اعتبرت أي حد يجي يقولّي إنه ابن يحيى البحيري ماكنتش هاخلص. زي ما خلّفك بجواز أو منغير جواز ممكن يكون خلّف غيرك !!
الآن لم تستطع “شمس” الحفاظ على ملامحها المتسامحة أكثر، أحسّت بغضبٍ يوازي غضب الأخيرة، لا يمكنها أن تلتزم الصمت و هي تسمع إهانة أمها بأذنيها، عبست قائلة بتجهمٍ :
-أنا بنت شرعية يا فريال هانم. اسمي في شهادة الميلاد شمس يحيى صالح البحيري. و مامي من أول يوم بينها و بين بابي و هي مراته على سنة الله و رسوله. مامي صحيح مش من عيلة معروفة زيك. و يمكن في الأول قبل ما تتجوز بابي حياتها كانت بسيطة. لكن لما تشوفيها دلوقتي هاتتأكدي إنها ماتقلش عنك أي حاجة.. ست شيك. مستقلّة. غنيّة.. و صغيرة. عملت كل ده في عمر صغير !!
لو أن الكلمات تردي، لسقطت “فريال” صريعة الآن بعد ما قالته “شمس”.. لكنها لم تستطع فعل أيّ شيء.. كذا فمها بقى مغلقًا بلا حول و لا قوة
فقط تحدق فيها بقوةٍ و قد تلبّدت عيناها بطبقةٍ من الدموع الساخنة …
لم تشأ “شمس” أن تزيد عليها أكثر من ذلك، فضلت أن تنسحب على الفور، و قبل أن يضيف أيًّا منهم كلمةً أخرى نظرت إلى أخيها و قالت باقتضابٍ :
-عثمان أنا هامشي دلوقتي.. و بحب أطمن فريال هانم قدامك أنا مش مخططة أبدًا إني اتنقل هنا و أعيش في بيتكوا. عندنا شقة في المعمورة كان بابي اشتراها و سجلها باسم مامي قبل ما نسافر. بس أنا Actually مش قاعدة فيها دلوقتي. أنا نازلة في شيراتون هوتل. لو عوزتني هاتلاقيني هناك.. عن اذنكوا !
و لم تنتظر رده حتى، دنت منه لتقبّله على خدّه قبلة سريعة، ثم استدارت مغادرة بخطواتٍ متهادية …
صار “عثمان” بمفرده الآن أمام أمه، لا يزال متحفظًا و قلقًا بشأنها، حاول أن يتقرّب إليها و هو يقول بحذرٍ :
-ماما ..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جمدته بإشارةٍ من يدها، استجاب لها على الفور و بقى بمكانه، بينما تنظر بعيدًا عنه، تستجمع شتات نفسها التي بعثرتها “شمس” بكلماتٍ بسيطة.. لم تمر ثوانٍ أخرى إلا و شدّت قامتها متوجهة إلى الخارج
فور أن صارت بعيدًا عن مرمى ناظريه سمحت لدموعها ببلوغ مآقيها الآن.. لم تستطع أن توقفها حتى بعد أن وصلت إلى غرفتها.. بل انهارت بشدة و هي تطيح بكل ما تمسكه بيدها
إنهالت على كل شيء تكسيرًا و تدميرًا، وصولًا إلى إطار صورته الكبير، التقطت مزهرية و رشقتها تجاهه بعنفٍ صارخة :
-جـبــــــــــان.. خـايــــــن.. جـبــــــــــــــــــان …
و أكملت تحطيم الإطار و تفتيت زجاجه بنعل حذائها ذي الكعب العالِ، تبكي و تسبّه و هي تخرّب صورته قدر ما استطاعت، حتى غلبها التعب و أجبرها على التداعي فوق الأرض، فوق حطامه، فوق أطلالها هي الأخرى.. أطلال عشقها الكاذب
إنها لقسوة مميتة أن تكون حياتها كلها مجرد كذبة لعينة.. كذبة أصعب حتى من الموت.. ليتها لحقت به و لم تعرف ما اقترفه بحقها.. ليتها تموت الآن …
______________________________
نارية الطِباع.. كيف أل بها المطاف إلى هنا !؟
المُدللة، السطحية، و التافهة في أحيان كثيرة… هل يُعقل أن يُغيّر الزمن سجايا الإنسان في ليلةٍ و ضحاها ؟
الجواب هو نعم على ما يبدو، إذ أن هذا ما حصل لها بالفعل.. “مايا عزام”.. الثمرة الصالحة التي سقطت من شجرة معطوبة، إبنة لامرأة تحمل الشر في دمائها، و من جهة أخرى تُنسب لأب قضى حياته كلها مغتربًا بعيدًا عن أسرته، عدم انتمائه لأمها جعله يختار العيش بمفرده، ترك أولاده فقط لأنه اكتشف بأن ما يربط بينه و بين زوجته لم يكن يومًا حبًا، هكذا ورد إليه الاكتشاف الذي قلب حياتهم رأسًا على عقب
أفاق ذات يوم من نومه ناقمًا على كل شيء، أبدى عدائية غير مسبوقة نحو زوجته، و كأنه كان مغيبًا عندما قرر الارتباط بها، و تملّكته صحوة مفاجئة، لم يطيل مكوثه بعدها في بيت الزوجية، و عقد النيّة على السفر للخارج من أجل العمل و لم يعد يراهم إلا خلال زياراتٍ متباعدة و قصيرة جدًا.. لا تنكر “مايا” أن أبيها أحبها و أخويها.. و لكنها واثقة بأنه لم يحبب والدتها قط
و هل يجب أن تلومه على هذا ؟
إنها لم ترى أحدًا يحب والدتها، لقد كرهها الجميع، و لم يبكيها نفرٌ حين ماتت قبل خمس سنوات، حتى هي لم تحزن عليها، كيف تفعل و قد تسببت أمها في تعاستها !؟؟
بسبب أعمالها الشيطانية فرّقت بينها و بين الرجل الذي أحبّته بصدق، خطيبها.. لقد حددت بالفعل موعد الزواج معه.. و لكنه فاجأها ذات يوم بمقر عملها و فسخ الخطبة بأكثر الطرق إهانة إذلالًا و أمام الجميع… كانت فضيحة.. خزي تعاطت معه بجلَد يُحسب لها طوال السنوات الماضية
و رغم إنها تلقّت عروض زواج متعددة من بعد تلك الحادثة، لكنها بقيت على عزوفها عن الإرتباط بأيّ رجل، و قررت أن تبقى عزباء هكذا.. إلى الأبد …
-صباح الخير يا بابا !
تلقي “مايا” تحيّة الصباح بفتورٍ على والدها فور بلوغها حجرة الطعام بالطابق السفلي للفيلا الفخمة التي يمتلكها، قبّلته على خده بموّدة، ثم اتخذت مكانها بجواره
يتطلّع أبيها إليها مبتسمًا باشراقٍ و هو يقول :
-صباح الفل يا ست البنات.. شوفتي بيت أبوكي نوّر إزاي. جيتي مليتي عليا البيت و حياتي كلها.. مش مصدق إنك هنا معايا يا مايا !
تنهدت “مايا” راسمة على ثغرها ابتسامةٍ خفيفة، صبت لنفسها قدحًا من الشاي و هي ترد عليه برزانةٍ كان ليتعجب منها في الماضي :
-كله بوقته يا بابا.. كل حاجة بتيجي في معادها… هو مالك راجع إمتى ؟
ارتشفت القليل من الشاي و هي تصوّب عيناها إليه بانتظار ردّه، جاوبها “حسين” متأملًا في بهائها و ملامحها التي ازدادت نضجًا و جاذبية :
-هايكون هنا بعد بكرة إن شاء الله.. ماتقلقيش. إجراءات خروجه خلصت خلاص. بس لازم يقضي يومين في المفاوضية إللي اترحل منها على السجن.. أنا عارف إنك وافقتي تيجي هنا عشانه. و دي حاجة مش مضايقاني بالمناسبة.. بالعكس أنا مافيش حد الدنيا دي فرحان زيي. ولادي الاتنين هايرجعوا لحضني أخيرًا.
-ربنا يخليك لينا ! .. تمتمت “مايا” بابتسامةٍ متكلّفة
بدأت بتناول فطورها في صمتٍ، يراقبها أبيها مضيّقًا عينيه، يقلقه وضعها و هو يراها عن كثبٍ هكذا، لقد خطط بالفعل لمجرى حياتها هنا معه، و يعرف كيف يصنع معها و يمهد لها طريقها بشكلٍ مدروس
يضع “حسين” غليونه بين أسنانه، و يشعله مستمتعًا بمذاق التبغ الكوبي المفتخر، ينفث غلالة من الدخان أمام وجهه الهرِم و هو يقول مخاطبًا إبنته :
-قوليلي يا مايا قررتي تعملي إيه أول ما تستقري هنا ؟
أجابته “مايا” و هي تضع بفمها قطعةً من الخبز المحلّى :
-لسا ماقررتش.. بس الأكيد إني هاشتغل. أنا مقدرش أقعد منغير شغل.
-لازم تشتغلي في مجالك ؟ في التدريس يعني !؟
-لأ طبعًا مش لازم. أنا هادوّر و على حسب ما تيجي معايا.. المهم ألاقي مكان يريّحني.
-و انتي لسا هادّوري.. مكانك محفوظ يا حبيبتي. معايا في الشركة.
رفعت “مايا” عينيها لترمقه بنظرةٍ فارغة لوهلةٍ، ثم قالت :
-اشتغل معاك !!
حسين مقطبًا : عندك اعتراض ؟
هزت كتفيها بخفةٍ :
-لأ أبدًا. مش معترضة.. بس أنا مش فاهمة ممكن أعمل إيه في شركة استثمارات عقارية !
-يا حبيبتي أنوي انتي بس. احنا عندنا في الشركة أقسام كتير نقّي منها إللي يعجبك. و بعدين أخوكي كمان هايشتغل معانا. أظن مافيش ظروف مناسبة اكتر من كده كلنا هانكون مع بعض و الشركة في الأصل ملكنا مش شغّالين عند حد.. ها قولتي إيه ؟
-طبعًا مافيش مجال للرفض !
إلتفت كلًا من الأب و الإبنة نحو مصدر الصوت، فإذا به “نبيل الألفي” يقبل عليهما مبتسمًا بحلّته الرسمية و هو يستطرد :
-مايا مش هاتلاقي فرصة شغل أحسن من شركة أبوها. أكبر مؤسسة استثمار في الشرق الأوسط كله. و يمكن في العالم كمان.
تهلل وجه “حسين” لحظة رؤيته لـ”نبيل” و دعاه بحفاوةٍ كبيرة :
-أهلًا أهلًا يا نبيل. تعالى.. تعالى أقعد افطر معانا.
لبّى “نبيل” دعوته ساحبًا لنفسه كرسي قبالة “مايا” مباشرةً و هو يقول :
-أنا فعلًا سبقتكوا و فطرت في بيتي. انت عارف مقدرش أنزل منغير فطار. بس ممكن أشرب شاي معاكوا عادي.
و طفق يصب لنفسه فنجانًا من الشاي و هو يلقي نظرة نحو “مايا” مستطردًا بلهجته المرنة :
-عاملة إيه يا مايا ؟ يارب تكوني مبسوطة هنا معانا !
كانت “مايا” تنظر إليه بالفعل منذ قدومه، ليس إعجابًا بوسامته أو مظهره الراقي الجذّاب، و لكن لتتعرّف على الشخص الذي أبدى والدها تعلّقًا واضحًا به، و كأنه إبنًا حقيقيًا له مِمّا جعلها تشك حقًا و لا زالت.. هل يمكن أن يكون “نبيل” ذاك إبن أبيها ؟
لقد وصل إلى أمها طوال سنوات سفر زوجها إلى الخارج و حتى بدون أن يهبط في عطلاتٍ لمدة تصل إلى العام و العامين بأنه ربما، بل حتمًا قد تزوّج بأخرى، فلا يمكن أن يصبر الرجل على العيش دون امرأة لفترةٍ طويلة، لم تصدق والدتها حينها، كذلك هي، و لكن الآن فإنها تشك بالأمر !!
و لكن ما هو عمره يا ترى ؟ .. إنه يبدو رجلًا ناضجًا.. و لكن سنه من الصعب تحديده.. ذلك الأشقر الذي يمتلك مقوّمات عارض أزياء تكفي لجمع ثروةً… من المحتمل أن يكون والده هو نفسه والدها !!!
-أنا لسا ماكملتش هنا يومين يا أستاذ نبيل ! .. ردت “مايا” بلهجتها المتحفظة و هي تترك الطعام الآن و توليه انتباهها كاملًا
سمعت ضحكة أبيها المجلجلة يعقبها تعليقه الساخر :
-أستاذ ! أستاذ إيه يا مايا ده نبيل. أنا قلت لك نبيل ده واحد من العيلة مش مجرد شريك عمل. ناديه بأسمه عادي زي ما هو بينده لك بأسمك.
ركّز “نبيل” ناظريه على عينيها و هو يرد على “حسين” متفكهًا :
-جايز لسا مش واخدة عليا يا حسين.. معلش سيبها تاخد وقتها. بكرة لما تنزل الشركة معانا و نتعامل مع بعض أكتر هانبقى أصحاب أوي.
أومأ “حسين” مؤيدًا و قال :
-ايوة عندك حق.. و مش عايز أقولك بقى مايا إجتماعية جدًا و بتحب الناس.. زيك بالظبط. مش كده يا مايا ؟
حرّكت “مايا” رأسها من غير أن تنظر لأبيها، فقط جاملت “نبيل” بابتسامةٍ باهتة، و بدون أن تنبس بكلمةٍ أخرى، أخذت تكمل تناول الفطور و هي تتحاشى بعد ذلك أيّ نقاش مع الرجلين، جلست تستمع فقط إلى الثرثرة الخاصة بسوق العمل بينهما.. أجواء مملّة
لكنها مجبرة على تحمّلها …
______________________________
في اللحظة التي عادت فيها البيت، بيتها، بيت أبيها الذي ولدت و نشأت فيه، تلك اللحظة لم تفيدها أبدًا، بل أثقلت صدرها بالبؤس و شعرت برغبة في البكاء لدهور كاملة
إن كل شيء مختلف حقًا.. البيت نفسه مختلف.. أثاث، ديكور، والديها كان هنا منذ وقتٍ قريب، إنه لأمر مفجع أن تصدم بحقيقة موتهما معًا، لقد ماتا والديها حقًا، و ماذا أختها الرضيعة !!؟
يقول “فادي” بأنها لم تعد طفلة الآن، بل صارت صبيّة في طور المراهقة.. بحق الله متى حدث كل هذا !؟؟
يقول أيضًا بأن لديها زوج و طفلين.. كيف يمكن أن ينسى المرء أشياء هامّة كهذه ؟
إنها لا تتذكر شيء، لا تتذكر أيّ شيء مِمّا يخبرها به، و لا يسعها سوى الصمت و التعاطي مع الصدمات و هي تذرف الدموع فقط، دموع خالت بأنها لن تنتهي أبدًا
حتى حانت تلك اللحظة، و هي تجلس بالغرفة التي من المفترض إنها غرفتها التي تعرفها جيدًا قبل أن تتغيّر بهذا الشكل، تناهى إلى سمعها صوت، إنه نفس صوته، صوت الرجل الذي يزعم بأنه زوجها
لقد جاء الآن !
تسمعه في هذه اللحظة من وراء باب الغرفة و هو يتجادل مع أخيها في نقاشٍ محتد …
-انت إزاي تخرجها من المستشفى على هنا منغير أذني ؟
-كنت عايزني أعمل إيه. انت ماشوفتش حالتها !؟
-أنا قلت هاترجع البيت. بيتي. هناك مكانها جنبي و جنب ولادها.
-الظاهر انت مافهمتش كويس.. سمر مش فاكراك. و لا فاكرة أي حاجة حصلت بينك و بينها بما فيهم ولادها. سمر محتاجة وقت عشان تستوعب حقيقة إنك جوزها على الأقل.
-بلاش كلام فارغ. مافيش واحدة بتنسى جوزها. ديّتها أقرب منها بس و حتى لو نسيت زي ما هي مفكرة نفسها مش هاتقدر تنكر علاقتي بيها.. هي فين ؟
ارتجفت “سمر” بقوةٍ الآن و هي تسمعه يسأل عنها، عضت على قبضتها بشدة و هي تتلفت حولها عاجزة عن التصرف، بينما تسمع جواب أخيها على سؤاله :
-جوا في أوضتها. أنا مش هقدر أمنعك عنها. بس ياريت تتعامل بالعقل و ماتضطرنيش أقف قصادك لو هي رفضت تمشي معاك. أنا موجود هنا عشان أحمي أختي و أقف في ضهرها ضد أي حد حتى لو كنت انت !!
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لم تسمع كلمةً أخرى، لكنها بعد لحظاتٍ رأت باب غرفتها ينفتح ببطءٍ، ثم يطل من خلفه الرجل الغريب الذي رأته لمرةً واحدة و لم تنساه أو تنسى وجهه قط …
وقفت بمنتصف الغرفة باسدال الصلاة، ترتجف من رأسها لأخمص قدميها و هي تحدق به يغلق باب الغرفة من ورائه، ثم يستدير ناحيتها بطوله الفارع، لاحظت بذلة سوداء مثالية تكسو جسده الضخم، بشرته البرونزية نظيفة و لأول مرة ترى النظافة بهذا الشكل و تستطيع استنشاقها على هذا البُعد أيضًا، هناك وشمًا في الأفق يتتبع فتحة قميصه على صدره
فجأة قطع نظرتها المتفحصة التي تشمله حين خطى تجاهها على مهلٍ، فوجدت نفسها تقفز في الحال متراجعة للخلف مع كل خطوة يخطوها قريبًا منها، حتى اصطدمت بخزانة الملابس و لم يعد هناك أيّ مهرب منه
توقف “عثمان” على بُعد قدمان منها، رأته يمسح جسدها بنظراتٍ عابسة، ثم تفاجأت بحدة لهجته و هو يقول :
-لسا مش عايزة ترجعي لعقلك يا سمر ؟
حاولت فتح فمها لتقول شيئًا، أيّ شيء، لكنه أثناها عن ذلك و هو يطرد زفيرًا حارًا من صدره، ثم يدس يده في جيب سترته ليسحب محفظته الثمينة، يخرج منها ورقة مطويّة بعنايةٍ، يفتح الورقة و يشهرها أمام عينيها، لترى صورتها بجوار صورته بينما يمضي صوته العميق قائلًا بحزمٍ :
-دي قسيمة جوازنا.. جواز رسمي. انتي مراتي يا سمر على ذمتي بقالك اكتر من 13 سنة. في الفترة دي خلفنا ولد و بنت. يحيى 12 سنة. و فريدة 9 سنين.. عايزة إثبات إيه تاني أكتر من كده ؟
هزت رأسها للجانبين مغمغة بنشيجٍ مكتوم :
-أنا مش فاكرة أي حاجة !
سحب نفسًا نزقًا عبر أنفه وهو يعيد الورقة و محفظته إلى جيب سترته، ثم قال فجأة:
-اقلعي الإسدال ده.
إتسعت عيناها على الفور، لم تصدق ما سمعته، فرددت لا إراديًا :
-نعم !!؟
كرر “عثمان” بحدة أكبر و هو يتخذ خطوةً تهديدية نحوها :
-بقولك اقلعي الإسدال ده. دلوقتي حالًا !
و بقى في انتظار أن تنفذ كلمته، لكنها لم تفعل و قد شلّها الخوف منه، فقطع المسافة بينهما قبل أن يرتد لها طرفها، أمسك بتلابيب الثوب الفضفاض و قال يتوعدها بجديّة لا تخضع للشك :
-لو فتحتي بؤك هاتندمي يا سمر.. صدقيني هاتندمي.
و كأنه يعرفها حقًا، و يعرف يقينًا أن وعيده سيقيّدها و يعجزها عن أيّ ردة فعل متهوّرة تقوم بها، بقيت مثل الدمية بين يديه، بينما ينزع الإسدال عنها ساحبًا إيّاه من رأسها، ثم يلقيه بعيدًا بلا اكتراثٍ
يبتعد خطوة للوراء حتى يعطي نفسه رؤية أكثر وضوحًا لجسدها، كانت ترتدي قميصًا قطنيًا بحمالاتٍ عريضة، بالكاد يغطي فخذيها، رآها ترفع ذراعيها كانما تعانق نفسها، تريد أن تستر ما بدى منها عن ناظريه الجائعين، و لكن ذلك التصرّف لم يفعل شيء سوى استفزازه
مال نحوها من جديد، تلاصقا تقريبًا، و صدمتها رائحته الذكية هذه المرة، مزيج من الحمضيّات و الفانيلا المدخّنة، كلما ازداد قربه منها دغدغ حواسها أكثر، و أرعبها أكثر و أكثر …
-انتي مراتي ! .. تمتم بقساوةٍ و هو يقبض على خصرها
ارتعدت فرائصها، لكنها لم تقوى على مقاومته، بقيت مصغية له فقط و هو يكمل على نفس النهج :
-كل حاجة بتقول ده. لو سألتي أي حد هايقولك دي الحقيقة.. ماتتوقعيش مني أعاملك عكس كده.. انتي تخصّيني. من راسك لضفر رجلك ملكي أنا.. فاهمة ؟
امتلأت عيناها بالدموع قائلة و هي ترجف كليًا و تشعر بالحصار أكثر بين يديه :
-أنا ماعرفكش.. يمكن حصل كل إللي سمعته منك و من فادي.. بس دي مش أسباب تخلّيني أقبل الواقع ده.. أنا شايفاك راجل غريب.. مقدرش أسلم لك كده بسهولة !!
بدا على وجه “عثمان” الجهد الذي يبذله ليسيطر على إنفعالاته، لكن كعهده دائمًا، استطاع أن يكون بارد الأعصاب و هو يرفع يده، ليلتقي إصبعه بشفتيها بينما يقول بهدوء :
-سمر. أنا شايف إن مافيش حاجة فيكي اتغيرت غير سذاجتك.. بقت الدُبل !
كادت ترد و تحاول الابتعاد عنه مرةً أخرى، لكنه جمدها زاجرًا و هو يضغط بإصبعه على شفتها :
-هششش !!!
فجأة نسيت “سمر” كل شيء، بقيت متحفزّة باضطرابٍ فقط لأقل حركة يقوم بها تجاهها، علاوةً على إصبعه الذي بدأ ينزلق برفقٍ على ذقنها و حلقها مسببًا لها القشعريرة و باثًا فيها مزيدًا من الخوف، حتى وصل إلى مفرق صدرها لولا زر البيجامة الذي استوقفه …
تنهدت “سمر” مجفلة بتوترٍ أشد و هي تعجز عن مقاومة سلطانه عليها، بينما ترى عيناه قد ركزتا على صدرها، ثم سمعته يهمس :
-مش هانعيده تاني يا سمر.. فكرة إنك تسيبيني و تروحي عند أخوكي دي امسحيها من راسك زي ما مسحتي 13 سنة بيني و بينك. مافيش قوى في الدنيا تقدر تبعدك عني..أنا مش ماشي من هنا إلا و انتي في إيدي …
شعر بصوتها يحاول بلوغ حنجرتها بضعفٍ مزري، فقاطعها للمرة الثانية و هو يرفع عينيه لينظر بعينيها التائهتين :
-تحبي اديكي امارة !؟
نظرت له باستغرابٍ، لم تفهم قصده في البادئ، لكنها ارتعشت و هي تراه يلعق شفته السفلى بشكلٍ مؤذي لمشاعرها، ثم يقول مقربًا وجهه من وجهها لتحس بحرارة أنفاسه على بشرتها :
-أنا حافظ جسمك حتة حتة.. كل شبر فيه متسجل في عقلي.. و أقدر و أنا مغمض عنيا أقولك في كام شامة و علامة مميزة… عندك حسنة بارزة تحت صرّتك.. و وحمة على شكل فراولة في نص ضهرك.. و في وحمة تانية في آ ا …
-اسكت !!! .. صرخت مقاطعة إيّاه هذه المرة و هي تكم فاهه بكفّها
إنبلجت ابتسامة خبيثة فاسقة على محياه و هو ينظر لها بتوقٍ صريح، بينما تردد بهستريا مدفوعة بالاستجابة السريعة لنبض قلبها :
-اسكت.. اسكت.. اسكت !!
شعرت بشفتاه تلثمان كفّها بقوةٍ، فلم تلاحق على الصدمات و سحبت يدها عن فمه، ليضحك و هو ينظر لها بتسلية قائلًا بحماسةٍ :
-انتي هاتمشي معايا دلوقتي.. مابقاش عثمان البحيري لو رجعتلكيش الذاكرة كلها الليلة دي. و هاتشوفي بنفسك.
كلماته الإيحائية مع نظراته كانت تميتها خجلًا و حياءً حرفيًا، لعلها ليست عذراء الجسد، و لكن عقليًا هي لا تزال عذراء بالفعل، لا يجوز أن يتحدث إليها هكذا، لا يمكنه أن يفعل معها مثل هذه الأشياء.. لا يمكن …
-أرجوك ! .. توسلته بضعفٍ واهن متشبثة بلوح الخزانة من خلفها
نظرت إلى عينيه بتضرعٍ و هي تستجديه :
-من فضلك.. انت بتقول إني مراتك. أكيد مهتم بمشاعري.. ماينفعش تعمل معايا كده.. أرجوك أنا مش هقدر أستحمل الوضع ده. أرجوك !!
و سحّت دموعها فوق خدّيها، بكت مقابله بحرارةٍ و هي تكبت صوتها بلا جدوى …
مسّت أوتاره الحسّاسة الآن، فأبدى لها التعاطف على الفور و هو يرفع يده ماسحًا على شعرها الفاحم السواد متمتمًا بلطفٍ :
-إهدي يا سمر.. أنا عمري ما حاولت أعمل حاجة غصب عنك.. انتي نفسك عارفة ده كويس. انتي حبيبتي.. مش ممكن أسمح لشيء يئذيكي في نفسك أو مشاعرك.
أخذ يزيل دمعاتها السائلة بإبهامه، بينما تحدق فيه بعينيها الملوّنة و هي تقول من بين أنفاسها المختلجة :
-انت بتحبني !؟
أومأ لها مجيبًا و قد رقت نظراته كثيرًا :
-بحبك طبعًا.. بحبك و ماحبتش قبلك. و لا ممكن أحب غيرك.. بحبك يا سمر !
ازدردت ريقها قائلة :
-خلاص.. يبقى تديني فرصة أعرفك من تاني.. أنا مش قادرة استوعب لغاية دلوقتي كل إللي حصل.
كزّ على أسنانه بحنقٍ مغمغمًا :
-لسا هاناخد فرصة ؟ ناقص تقوليلي أجي أتقدم لك من أول و جديد !!
شاهدها بعدم تصديقٍ و هي تومئ له بالإيجاب، ثم تقول :
-انت هاتعمل كده فعلًا.. على الأقل بيني و بينك. كل إللي بطلبه منك تديني شوية وقت. لو افتكرت بسرعة زي ما الدكتور قال هانرجع زي الأول.. لو مافتكرتش هكون اتعوّدت عليك. و هانرجع بردو.. بس دلوقتي لو رجعتني غصب عني مش هقدر أستحمل.. و الله صدقني !
تذرّع “عثمان” بالصبر مجاريًا إيّاها، و قال بهدوء :
-أمم.. يعني انتي عايزاني أبدأ معاكي من الأول. نرجع نتعرف على بعض و بعدين نعمل فترة خطوبة و بعدها نتجوز ! .. و انفعل فجأةً :
-ده إللي ناقص أخطبك و احنا معانا عيّلين.. طب الناس تقول إيه !!؟؟
ثبتته و هي تلقي بحجتها في وجهه بثباتٍ :
-لو بتحبني بجد زي ما بتقول هاتعمل كده.. القرار ليك. لو صممت أمشي معاك مش هقولك لأ.. بس حياتي معاك مش هاتبقى بإرادتي.. و فوق ما أنا شايفاك غريب عني هاكرهك. حتى لو رجعت لي الذاكرة مشاعري الجديدة مش هاتتغير من ناحيتك !!
امتد الصمت بينهما، يطالعها هو بنظراتٍ واجمة للحظاتٍ مطوّلة، ثم يرتد عنها خطوتين للخلف، تتنفس الصعداء أخيرًا لحظة خف ضغطه عليها، بينما يودع يديه في جيبي سرواله، بدا متعجرفًا و هو ينظر لها من علوٍ قائلًا ببروده الشهير :
-أوكي يا سمر.. أنا هاعملك إللي انتي عايزاه.. هامشي معاكي السكة دي للآخر. مش عشان قلقت من الكلمتين إللي لسا قايلاهم دول.. إنما عشان أثبت لك حاجة. مسيرك هاتعرفيها في وقتها.
كلماته على قدر غموضها لم تآبه لإيجاد تفسيرًا لها، فقط شعرت بالراحة لأنه أخيرًا نزل عند رغبتها، لكنها لم تكاد تشعر بتمام تلك الراحة إلا و قال لها بصرامةٍ :
-أنا هاسيبك مع أخوكي الفترة دي زي ما طلبتي.. بس الليلة دي أنا وعدت ابني إنه هايشوف أمه… هاتقابلي يحيى دلوقتي.. و هاتعملي إللي هقولك عليه بالظبط ! ………………………………………………………….
الفصل التاسع _ غرامٌ فاخر _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
لقرابة الأسبوع منذ كان عندها آخر مرة و هي لا تترك تلك المجلة من يديها، فقد استرعت انتباهها صورة بإحدى الصفحات، تلك الصورة كانت صورته هو، لم يكن وحده بها، كانت تقف بجواره امرأة حسناء، بل جميلة جدًا، بارعة الجمال، تضحك للكاميرا، بينما هو يحيط خصرها بذراعٍ متملّكة، و لا ينظر إلا لها هائمًا بها كليًا
لا تعرف كيف لم تفسد المجلة المسكينة من كثرة ما ألقت به بعنفٍ كيفما أتفق، و لكنها حافظت عليها لأطول ممكن إلى أن يأتي لها، و بالفعل، اتصل بها صباحًا و أبلغها بأنه آتٍ مساء اليوم، و ها هي بانتظاره
تقف بالمطبخ أمام الموقد و قد فرغت للتو من طهي السالمون كما يحبه زوجها صحيًا، مزيّنًا بالخضروات المتنوعة، لم تسمع قدومه، ولا حتى وقع خطواته، لهذه الدرجة كانت منهمكة في تحضير طبقه المفضل، لم تشعر إلا بيديه حين تسللا على حين غرّة ممسكتان بخصرها، ثم أحسّت بجسده يلتصق بها من الخلف و هو يدنو برأسه مقبّلًا خدّها و هو يقول بصوتٍ خفيض :
-شكلك جميل أوي و انتي واقفة بتطبخي.. لو إللي انا شامّه ده صح يبقى هاتعشى سالمون !
ردت “رحمة” باقتضابٍ و هي ترفع يديها عن الطبق أخيرًا :
-أيوة صح.. انت طلبته مني آخر مرة.
-عشان مابقتش أعرف استطعم أكل إلا من إيديكي.. أكل طباخ القصر مايساويش حاجة جنب أكلك.. مش عارف كنت باكل من إيده إزاي !!
-ما انت لسا بتاكل منه عادي !
لاحظ للتو التغيّر في نبرة صوتها، فابتعد قدر بوصتين ثم أدراها تجاهه، كان يفتقدها بالفعل و رؤيتها هكذا في أكثر ملابسها إثارة أشعلت خياله الذي أرهقه طوال مدة بعده عنها، لكنه لم يتراجع عن سؤالها باهتمامٍ :
-مالك يا رحمة ؟ مكشرة في وشي كده ليه و لهجتك كمان حادة أوي !!؟
تطلّعت إليه محاولة تجاهل الشوق الصارخ إليه من أعماقها، و كأن غيابه لأيامٍ و ليالٍ عنها لا يملأها بعاصفة من المشاعر ؛ الخوف هو أبرز تلك المشاعر
الخوف من خسارته.. الخوف من الوحدة التي تسكنها و هو بعيدًا عنها.. الخوف من عالمٍ يخلو منه …
-مين دي ؟ .. سألته بجفاءٍ
رفع “يحيى” بصره ليحدق بالمجلة التي أظهرتها من ورائها فجأةً، كانت تضع نصب عينيه صفحة كاملة احتوت على صورة تذكارية له برفقة زوجته سليلة الحسب و الأنسب.. السيدة الراقية المشهورة بالطبقة العُلية “فريال المهدي” …
ارتفع حاجبيّ “يحيى” و هو يجاوبها بلهجةٍ فاترة :
-لو ماتعرفيش شكلها أكيد قريتي اسمها.. دي فريال مراتي يا رحمة.
رمقته شزرًا و هي تقول بغيظٍ :
-و فرحان و مرتاح أوي و انت بتقولّي مراتي !؟؟
هز كتفيه و قد سحب يديه من على خاصرتها و قال ببرودٍ :
-دي الحقيقة. عايزاني أتوتر ليه ؟ فريال مراتي و الدنيا كلها عارفة كده. انتي نفسك عارفة كده.. ثم انتي بتحاسبيني على إيه مش فاهم. أنا مش متصوّر مع واحدة غريبة دي مـراتـي !!
صرخت فيه بجماع نفسها :
-و أنا أبقى إيـه ؟ انت تقدر تقول عليا مراتك قدام أي حد ؟ تقدر تبصلي زي ما بتبصلها كده قدام الناس ؟ تقدر تظهر معايا في مكان واحد زي ما بتعمل معاها !!؟؟؟
تفاجأ من حجم الثورة التي اندلعت منها بوجهه، ظل صامتًا لدقيقة كاملة، ثم قال بحدةٍ :
-انتي مافيش فايدة معاكي. مهما اعمل مش كفاية. كل مرة لازم نتخانق على نفس السبب.. انتي اتجوزتيني بالشروط دي.. مش من حقك تحاسبيني أو تلوميني على أي حاجة دلوقتي يا رحمة.
أغرورقت عيناه بسرعة بدموعٍ ساخنة أحرقت جفنيها و هي تنهمر بغزارةٍ، بينما تقول بصعوبةٍ طاردة كل شيء من صدرها مرةً واحدة :
-أومال من حقي أعمل إيه ؟ رد عليا.. أنا بني آدمة. بحس. زيك بالظبط.. و ماكنتش أعرف إنك اتجوزتني عشان جسمي.. عشان أملا فراغ في حياتك.. أنا عشت عمري كله كرها أبويا بسبب قسوته عليا. دلوقتي خايفة أكرهك انت كمان من عمايلك فيا.. انت مش بتحس بيا خالص.. منظري قدام نفسي و أنا عايشة في بيتك ده مسجونة بستناك لما مزاجك يجيبك ليا. أيوة مراتك على سنة الله و رسوله بس محدش يعرف.. و فوق كل ده كل ما تتكلم عنها تتباهى أوي إنها مراتك.. تعترف إنك بتحبها و لما اسألك طيب ممكن تحبني و لو حتى بعدين تسكت. ماتردش.. أنا رخيصة أوي كده في نظرك. بس أنا مش رخيصة في نظر نفسي.. خلاص مابقتش قادرة أستحمل كده. مات إللي كان طول عمره معيّشني في قهر و ظلم. ماكنتش أعرف إنه حتى قبل ما يموت هايدورلي على راجل تاني نسخة منه يكمل عليا !!!
و سكتت “رحمة” عن الكلام …
شهقت !
شهقت فقط عدة مراتٍ تعبئ ما استطاعت من الهواء إلى رئتيها، بينما يجفل “يحيى” و هو ينظر إليها مذهولًا، تلك الفتاة اليافعة، الأنثى المائلة للطفلولة، لقد كبرت الآن، و كأنها تبلغ ألف سنةٍ، كل ما قالته، كل الدمار الذي يفيض منها، و الألم المطل من نظراتها.. كلها أشياء لا تعرب إلا عن حقيقة واحدة …
إنه رجلٌ بلا ضمير، و هذه المسكينة، كان يظنّها بلا مشاعر مثله كما قالت.. لقد دمرها بالفعل !!
-رحمة ! .. بالكاد نطق اسمها
لتقاطعه هذه المرة بصرامةٍ :
-طلّقني يا يحيى !
تمكن منه الغضب في لحظةً بعد أن قالت هذا، و هتف بها :
-تاني.. انتي مابتحرّميش ؟ كام مرة قلت لك مش هاطلقك ؟ و قلت لك إياكِ تجيبي سيرة الطلاق على لسانك بعد كده. إيـه مابتفهميش. مابلحقش أقول عليكي واحدة عاقلة و ناضجة دي تصرفات طفلة و طفلة ماشفتش تربية كمان !!
بقيت هادئة أمامه حتى فرغ، قالت ببرودة أعصاب :
-خلصت ؟ أنا لسا بردو عايزة أطلّق.. العلاقة دي مش جواز اصلًا.. لو مفكرها جواز ف أنا ممكن بعد ما اسيبك أترمي كل شوية في حضن الرجالة إللي هاتدفع أكتر !
خرست بعد ذلك مباشرةً فور أن نالت صفعةٍ مدويّة أطالحت بوجهها، بل بجسدها كله، لولا الطاولة من ورائها التي كسرت سقوطها الحتمي، تشبثت بها بيديها و لم تحاول النظر إليه، كانت الصفعة تؤلمها، دموعها تتساقط بالفعل و الفضل لشعرها الذي تبعثر مغطيًا وجهها عنه …
سمعت أنفاسه العنيفة قريبة منها، و استعدت لردة فعل أخرى منه أشدّ من سابقتها عقابًا على الكلمات البذيئة التي قالتها، لكنه لم يفعل لها شيء آخر، إنما قال من مكانه بلهجةٍ كحد سكينٍ :
-انتي بتتمنيها و أنا ماسك نفسي و مش عايز أعرّفك الفرق بين جوازك مني أنا و العلاقات إللي تقصديها.. إتقي شرّي يا رحمة.
سمعته يتحرّك، أيقنت بأنه مغادرًا، فأدرات رأسها تحدق في ظهره و هي تهتف من بين أنفاسها :
-لو خرجت من هنا دلوقتي هاترجع مش هاتلاقيني.. أنا مابقتش عايزاك و مافيش حاجة تجبرني أفضل معاك بعد إنهاردة.
كان قد توقف بالفعل يستمع إليها، و رأت اهتزازات كتفيه التي تنم عن شر مكتوم حقًا، و لكنها لم تعد تبالي، انتهى صبرها …
ينظر لها “يحيى” من وراء كتفه قائلًا بتعجرفٍ :
-يبقى تتحبسي.. و تتأدبي !
و لم يزد كلمةً أخرى، استأنف طريقه للخارج مخلّفًا إيّاها، تنهار في مكانها باكية، تنعي حظها العاثر و هي تغمغم منتحبة :
-هو أنا أصلًا مش محبوسة !؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
يتوّجه “يحيى” رأسًا إلى قصر “البحيري” بعد الشجار المحتدم الذي نشب بينه و بين زوجته الشابة، كان ممتنًا لعدم وجود “فريال”.. لأول مرة شعر بفائدة أن تكون امرأته مهووسة بالموضة و الأزياء لدرجة لا تفوّت عرض واحد فكيف بأكبر حفل لواحد من أشهر المصممين بالعالم !
أراد فسحة من الوقت بمفرده، ليتمكن من ترتيب أفكاره الني بعثرتها “رحمة” بصور شيطانية بثتها إلى عقله، تلك الفتاة الصغيرة تريد أن تخرجه عن طوره، تريده أن يتجرّد من ثوب التحضّر و الدماثة ليكون معها في أعنف صوره، هو الذي يُقدس العلاقات و خاصةً بينه و بين زوجته، سواء كانت هي أو “فريال”.. يخشى أن تحوّله لنسخة هي نفسها لن تتحمّلها
وما الدافع الذي سيحرّكه ؟ .. لماذا لا يطلقها كما طلبت و يؤمن لها حياة كريمة دون ان تكون في عصمته ؟ .. إنها فرصته الآن و قد أخذ منها ما يريد !
زفر “يحيى” بقوة و هو يحل ربطة عنقه بعصبيةٍ، يتجول بلا هوادة بأنحاء البهو الفسيح، عقله لا يكف عن التفكير، إنها تصر على الطلاق، و هو لا يريده، أجل لا يريد أن يطلّقها، و في نفس الوقت لا يستطيع إجبارها على معاشرته قسرًا عنها، تلك ليست شخصيته، يريدها، و لا يجرؤ على مواجهة المجتمع بها، خاصةً زوجته و أم ولديّه، إن عرفت “فريال” ستكون النهاية بينهما، لن تغفر له أبدًا، يعشق “فريال” و لا يمكنه التفريط بها حتى و هي ترهق رجولته أحيانًا يتحمّلها لأنه يحبّها و لا يريد أن يغيّر شعرة فيها، يحبها كما هي بعيوبها قبل ميزاتها
ماذا عن “رحمة” إذن ؟ .. ما هي مشاعره تجاهه ؟ .. إحتياج، إعجاب، حب !!!؟
السخافة !!
إنه معها منذ اشهر قليلة.. لا يمكن وصف ما بينهما بالحب.. هو لا يحبها على الأقل ليس كما يحب “فريال”… و لكنه يريدها بشدة.. صارت جزء مهم من حياته.. من سعادته.. راحته.. إذا فقدها سيحزن كثيرًا.. و ما من علاج لهذا الحزن سواها
هي وحدها …
-الله ! انت هنا !؟
إنتبه “يحيى” لصوت أخيه المنبعث من ورائه بغتةً، إلتفت نحوه، كان متأنقًا مثل العادة و كأنه على وشك الخروج لولا أن عرج عليه، رمقه “يحيى” بذلك العبوس متمتمًا :
-أهلًا يا رفعت !
رفع “رفعت” حاجبه مرددًا :
-أهلًا يا رفعت.. شكلك مزاجك متعكر أوي. مالك يا يحيى.. إيه المشكلة. قول ماتتكسفش أنا بردو اخوك الكبير !؟
تأفف “يحيى” قائلًا بضيقٍ :
-رفعت. أنا مش فايق لسخافاتك. روح شوف وراك إيه و سبني في حالي.
و أولاه ظهره في الحال، بينما يقول “رفعت” بتهكمٍ واضح :
-أنا مش ورايا غيرك من هنا و رايح.. صحيح قولّي. إيه أخبار شقة المعمورة ؟
جمد “يحيى” كليًا بعد أن ألقى أخيه بالقنبلة فجأةً …
شحب لونه و أستدار ناحيته من جديد، ابتسم له “رفعت” هازئًا، بينما يزدرد “يحيى” ريقه يتوتر و هو يسأله :
-انت عرفت إزاي !!؟؟
تنهد “رفعت” متباردًا و هو يخطو عبر أعتاب البهو ليقترب من شقيقه قائلًا بفتورٍ :
-يمكن من تالت أو رابع مرة سافرت لندن.. لندن هه. بحجة الإشراف على فرعنا الجديد هناك. انت فاكرني نايم على وداني ؟ إللي ربّى خير من إللي اشترى. و أنا مش فريال هاتعرف تضحك عليا أنا كمان.
قطب “يحيى” بشدة و هو يقول بخشونةٍ :
-قصّر و هات من الآخر يا رفعت.. عايز مني إيه و بأي حق تفتش ورايا ؟؟
جاوبه بابتسامةٍ ملتوية :
-مش أنا طول عمري الإبن و الأخ المستهتر ؟ أنا بتاع الستات و بخون مراتي كل يوم و انت الملاك الطاهر.. لسا محدش يعرف حقيقتك. و إنك أخويا و محدش أحسن من حد يا يحيى.
-أنا متجوز يا بني آدم !! .. غمغم “يحيى” من بين أسنانه، و أردف :
-أنا مش بخون فريال.. إللي قاعدة في شقة المعمورة دي تبقى مراتي !
إتسعت عينا “رفعت” بصدمةٍ و هو يقول :
-مراتك ؟ كمان اتجوزت على فريال.. انت اتجننت ؟ إزاي عملت كده !؟؟؟
يحيى بغضبٍ : أنا ماعملتش حاجة حرام. ده جواز شرعي.. محدش يقدر يحاسبني.
رفعت بتهكم : أطمن. محدش هايحاسبك.. خاصةً فريال. لو عرفت أنا بضمن لك إنك مش هاتلحق تبرر حتى. هاتسيبك فورًا.
يحيى منفعلًا : و مين هايقولّها !!؟
و أخفض صوته متلفتًا حوله خشية أن يسمعه أحد، فعلّق “رفعت” بسخريةٍ :
-ماتقلقش.. فريال و رضوى مش راجعين دلوقتي. أنا رايح أخدهم من الديفليه. و الولاد اتعشوا و ناموا عشان المدرسة. حتى الخدم نزلوا أوضهم. خد راحتك محدش سامعنا.
و ضحك …
كز “يحيى” على أسنانه بحنقٍ و رفع سبابته و هو يحذر أخيه :
-رفعت. أنا بحذرك الكلام ده يتقال حتى بينك و بين نفسك.. دي حياتي و أنا حر فيها. أتجوز ماتجوزش دي حاجة تخصني لوحدي محدش واصي عليا. لو فريال عرفت منك بأيّ طريقة كانت ساعتها تنسى إن ليك أخ اسمه يحيى. و هاتبقى عدوي لآخر يوم في عمري.. سامع ؟
لم يهتز “رفعت” لتهديد شقيقه، بل قال ببروده المعهود :
-ماتخافش يا يحيى.. فريال مش هاتعرف مني حاجة عن جوازك.. مش عشان قلقان من تهديدك ده. تؤ.. عشانها هي. الست إللي عمرك ما هاتلاقي ضفرها لو ضاعت من إيدك. و إللي بالمناسبة خسارة فيك.. ماتستاهلش صدمة زي دي تئذي مشاعرها.. ماتستاهلش تتوجع و تتهان كرامتها. انت الظاهر نسيت انت متجوز مين !
يحيى بحدة : لأ مش ناسي.. و متشكر لإهتمام سيادتك بمشاعر مراتي. أنا بعفيك من الذنب. دي مراتي أنا و عارف بتعامل معاها إزاي.. عن إذنك.
و تركه متجهًا للأعلى.. لا يطيق أن يراه الآن لا هو و لا غيره …
______________________________
استيقظت “سمر” في الصباح مع آخر جرس لساعة التنبيه، أفاقت في سرير طفولتها الذي عادةً ما تنام فيه وحدها، مؤخرًا شاركتها به أختها الرضيعة، و هي الآن مراهقة لا تعرف كيف !!
أما اليوم، في هذه اللحظة تمامًا ينام بالقرب منها، بل داخل أحضانها فعليًا إبنها، أجل إبنها هي.. و الذي لا تتذكره مطلقًا، لكنها تعرّفت عليه، وجهه المألوف، به لمحاتٍ من أخيها، منها نفسها ربما.. و لكنه بالأكثر كان يشبه والده.. نفس الدماء.. نفس التعابير و الحركات.. نفس نظرة العين
و تحديدًا تلك النظرة التي اصطدمت بها فور أن فتحت عيناها.. لتجده مستيقظًا بالفعل من قبلها و يحدق بها خلال نومها …
-صباح الخير ! .. تمتمت “سمر” مجفلة
لا زالت متوترة من الوضع، و لم تستطع رفض طلبه بأن يبيت الصبي بحضنها، كل شيء يؤكد بأنه ولدها، و قد اتفقت مع أبيه على ألا تبيّن له بأنها قد نسيته تمامًا، على الأقل هو …
-صباح النور ! .. رد عليها “يحيى” بصوته المتزن
يتواصل معها بالعين، يتشاركا لون العيون نفسه، و كأنها تحدق بعينيها هي، ابتسمت تلقائيًا لإدراك حقيقة أخرى تثبت بنوته لها، و قالت بلطفٍ :
-نمت كويس يا حبيبي ؟ قولّي تحب تفطر إيه.. زمان باباك جاي. نستناه و لا نفطر سوا ؟
لم يرد عليها، فتلاشت ابتسامتها و هي تستوضحه :
-انت ساكت ليه ؟ في حاجة ؟ و لا انت ماعرفتش تنام في السرير ده !؟
تنهد “يحيى” و هو يقول عابسًا :
-أنا ماكنتش بنام من يوم ما كنتي في المستشفى.. أول مرة أنام مستريح عشان في حضنك !
امتلأت نظرتها إليه بالعاطفة، داعبت شعره الكثيف بأناملها و هي تقول بحنوٍ :
-حبيبي.. أنا آسفة.. آسفة على كل اللخبطة دي.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-هاترجعي معانا إنهاردة. لما يجي بابا هانمشي مع بعض صح ؟
-هاروح معاكوا البيت عشان اشوف ملك و فريدة.. لكن لسا مش هرجع دلوقتي يا يحيى !
بدا منزعجًا بشدة و هو يقول بحمائية :
-ليـه ؟ أنا عايزك ترجعي.. عجبك تقعدي هنا منغيرنا يعني ؟ كلنا عايزينك. أنا و بابا و فريدة و ملك و فريال هانم.. ارجعي يا ماما عشان خاطري. بابا قالّي إنك هاتقعدي هنا شوية عشان تريحي أعصابك بعد الحادثة. ارجعي و أنا مش هاخلي حد يضايقك خالص و لا يقرب منك.. بس ارجعي !!
رمقته بتعاطفٍ قائلة :
-ماتستعجلش يا يحيى.. أنا هارجع إن شاء الله.. بس زي ما باباك قالّك. أنا محتاجة أريّح أعصابي.. شوية بس و هارجع.. و أنا علطول جنبك. وقت ما تكون عايزني هاتلاقيني.
تهدّلت ملامحه بحزنٍ بّيّن و قال بجفافٍ :
-يعني مش هاترجعي !؟
لم تكاد ترد عليه، دوى جرس باب الشقة، فوثب الصبي من الفراش في الحال منسلًا من حضنها، راقبته و هو يخرج من الغرفة مهرولًا ليلاقي والده.. هذا حتمًا والده
قامت “سمر” بدورها متئزرة بروبٍ طويل، و كادت تضع الحجاب على رأسها عندما تذكرت كلمات زوجها بالأمس قبل أن يرحل :”هاتتصرفي معايا عادي جدًا قدام يحيى. يحيى بالذات مش لازم يحس إنك متغيرة.. يعني كأنك تعرفيني كويس. لا تتوتري لما أقرب منك أو ألمسك في وجوده. و طبعًا ممنوع تلبسي حجاب و أنا موجود سواء هو كان معانا و لا لأ. مفهوم ؟” …
بالطبع مفهوم.. كانت كلماته واضحة و قد تفهمتها جيدًا
مشّطت شعرها على عجالةٍ و ارتدت خفّيها، ثم خرجت من الغرفة لتلتقي بهما بالخارج، كان الزوج و الإبن بالصالة، يفترشا طاولة مربّعة يضعا فوقها وجبات الإفطار التي جلبها “عثمان” من أجل ثلاثتهم
ما إن أحس بوجودها، حتى رفع رأسه محملقًا فيها، عيناه تجولان على كل مكانٍ في جسمها عدا وجهها، خاصةً فتحة الروب من الأسفل، ما جعلها تضطرب و هي تقبل عليهما متمتمة :
-صباح الخير !
حيّاها “عثمان” و هو ينظر إلى وجهها الآن مبتسمًا بجاذبيته المعهودة :
-صباح الورد.. أنا قلت سمر مش هاتقدر تصحى تفطر يحيى و تجهزه عشان المدرسة في وقت واحد بدري كده. ف عدّيت جبت الفطار في طريقي.. يلا يا بيبي عشان نفطر سوا. بعدين ننزل سوا نوصله و نطلع على البيت.. تعالي.
أطاعته “سمر” و ذهبت لتجلس فوق الكرسي الذي شدّه لها، جلس بجوارها وابنهما قبالتهما، الصبي سعيدٌ لأول مرة منذ أيام و هي ينظر لوالديه، بينما “عثمان” حريصًا على الظهور أمامه كدأبه مع زوجته دائمًا، فأخذ يطعمها بفمها و هي بدورها تسكب له من العصير الطازج الذي أحضره
كانا مثل عهده بهما.. و كما يتمنى دائمًا …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخذ “عثمان” صغيره من يده بعد أن نزلا من السيارة، أوصله حتى بوابة المدرسة التي تضم أبناء النخبة بالمجتمع الراقي، لوّح له مودعًا، ثم عاد ليستقلّ بكرسي القيادة بجوار زوجته
إنطلق من جديد محددًا وجهته، قصر “البحيري”.. و كم كانت “سمر” تشعر بالإمتنان للأجواء الهادئة بينهما.. أمالت رأسها مراقبة الطريق عبر النافذة المجاورة.. تصفّي ذهنها برؤية الساحل الفيروزي و الاستمتاع بالنسيم الذي يغمر وجهها …
ارتعدت فجأة بعنفٍ عندما حطّت قبضته على فخذها معتصرًا إيّاه بقوةٍ من فوق التنورة، أدارت رأسها تجاهه و هي تحاول إبعاد يده بيديها مغمغمة باضطرابٍ لا يخلو من الغضب :
-احنا قولنا إيه ؟ طول فترة التعارف مافيش لمس أو قرب من أيّ نوع. شيل إيدك لو سمحت !!
يزفر “عثمان” بضيقٍ و هو يذعن لمطلبها على مضضٍ و يسحب يده، ليعاود التركيز على القيادة ثانيةً مرددًا بفتور :
-ماشي يا سمر.. إللي انتي شايفاه.. بس خلّيكي فاكرة المواقف دي. عشان ما هاتطوّل كتير.
عبست متسائلة بريبةٍ :
-تقصد إيه مش فاهمة !؟
إلتوى ثغره بابتسامةٍ تهكمية و حانت منه نظرةً خبيثة نحوها و هو يقول بطريقةٍ موحية :
-قصدي خير. كل خير يا بيبي.. دي مسألة قدرات و أنا عارف قدراتي و عارفك. حافظك صم.
أثار دهشتها و دفعها الفضول لتلح :
-يعني إيه بردو مش فاهمة !!
رد بنعومةٍ : المعنى واضح يا بيبي. واضح جدًأ. إللي داق.. مسيره يشتاق !
أحمرّ وجهها بشدة حين أدركت مقصده جيدًا، وجدت نفسها تردد من غير إرادة :
-انت سافل !!!
قهقه “عثمان” ضاحكًا بشدة، كأنما أطربه نعتها، بينما تشيح بوجهها بعيدًا عنه و هي لا تزال منفعلة و لا تجرؤ على مبادلته كلمةً أخرى، و هو لم يشأ الضغط عليها أكثر حتى وصلا في صمتٍ إلى القصر …
لم تخفَ على “عثمان” الجلبة المحيطة به منذ وصوله، اعتمل القلق بداخله و هو يصطف السيارة بالباحة، و فجأةً هرول صوبه مجموعة من الخدم، تتقدمهم وصيفة أمه الخاصة تصيح حتى قبل أن تصل إليه تمامًا :
-عثمـان بيـه.. إلحقنـا.. فريـال هـانــم !!
هوى قلبه بين قدمه و هو بالكاد استطاع الخروج من السيارة ! …………………………………………
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل العاشر _ وجهًا آخر _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
مرّ يومان و قد ساورته مشاعر القلق حيالها بالفعل، إنها محبوسة في شقته السريّة كما توّعدها، معاقبة على سلاطة لسانها و قلّة أدبها، صحيح لا ينقصها شيء هناك و هو متأكدًا من هذا، حتى إنه سبق و تركها لفتراتٍ أطول من ذلك، لكنه لا يستطيع تجاهل مشاعره تجاهه.. مسؤولية.. إهتمام.. و لا زال عقله يرفض الصوت الذي يتردد بشدة بأعماقه بشعور آخر يفزع من الإقرار به
لأن مجرد الإقرار به يعني أن حبه لم يكن بالقوة و من المسلّمات غير القابلة للتغيّير كما كان يظن، و أن بإمكانه أن يحب عليها أخرى.. “فريال” التي أختارها بقلبه في مطلع شبابه… و “رحمة” التي وافق عليها بعقله و هو رجلًا ناضجًا.. ثم ها هي قد تسلّلت لتحتلّ مكانًا بقلبه !!!
هذا و بدون أيّ جهدٍ منها، إنها طبيعية، مثيرة للإهتمام، لا يمل من رفقتها أبدًا، و الحال الآن أنه يفقتدها حقًا !
يزفر “يحيى” بضيقٍ شديد و هو يقف أمام المرآة يضبط من هِندامه المنمق، يريد لو يلغي الحفل اللعين الذي يقيمه لأجل صفقة عمل كبيرة و يذهب إليها هي، يراضيها و يعقد معها صلحًا جديدًا، تظن بأنها زوجة في الخفاء، الآن و قد عرف “رفعت” فهو ينوي أن يعرفها به، لتعلم بأن زواجهما ليس مجرد ورقة من أجل شرعية علاقتهما، إنها زوجته، و هو يريدها أن تكون كذلك طالما هو على قيد الحياة …
وصل كلًا من الأخان “رفعت” و “يحيى البحيري” كلٌ مع زوجته إلى أبرز و أفخم فندق بالمدينة، فور أن دخلوا صالة الإحتفال المفتوحة بقمة البناء الشاهق استقطبوا الأنظار، كانوا محطّ إعجاب الجميع، الأخوين يشبهان بعضهما إلى حد كبير، و لكن “رفعت” وسامته خشنة و أضخم قليلًا، أما “يحيى” الذي يمتاز بطابعٍ ملائكي واضح يجعله يبدو مثل أميرًا من الحكايات الخرافية، و كان وصفًا ملائمًا لأن زوجته “فريال المهدي” بدت و هي تتأبط ذراعه هكذا كملكة، بثوبها الأزرق اللامع الذي احتوى قدّها مبرزًا مفاتنها دون الكشف الصريح عنها، تسريحة شعرها الكلاسيكية و زينتها الرقيقة
استطاع “يحيى” أن يرى نظرات الحسد بأعين الرجال علانيةً، ما جعله ملاصقًا لها منذ بدء السهرة، حتى طلبها منه أخيه للرقص، فلم يمانع “يحيى” و هو يأخذ بيد “رضوى” بدوره ليؤدي معها نفس الرقصة …
-رضوى ! .. هتف “يحيى” للمرة الثانية منتشلًا زوجة أخيه من شرودها
انتبهت الأخيرة إليه، وجهّت نظراتها الحزينة إلى عينيه و هي تقول بابتسامةٍ متكلّفة :
-نعم يا يحيى.. كنت بتقول حاجة ؟
يحيى بتعجبٍ : كنت بقول حاجة ؟ انتي باين مش هنا خالص. إيه يا رضوى مالك ؟ الحفلة مش عجباكي و لا إيه !؟
هزت رأسها نفيًا، ثم نظرت صوب زوجها الذي يراقص زوجة أخيه بمرحٍ لا يخطؤه النظر، تنهدت بثقلٍ مرددة :
-أخوك.. أخوك إللي تاعبني يا يحيى !
حانت منه نظرة نحو “رفعت”.. ثم عاود النظر إلى زوجة أخيه الجميلة.. لم تكن على قدر جمال “فريال” و لكنها جذّابة و مليحة الوجه.. امرأة تليق برجل مثل “رفعت البحيري”.. ثرية ذات أصول عريقة مثلهم
من ضمن حماقات “رفعت” إنه لا يُقدر زواجه حقًا، و يعول كثيرًا على حب زوجته إليه، هذا الحب الذي لا بد و أن ينفذ يومًا ما إذا لم يتوقف عن العبث بمشاعرها …
-عمل إيه تاني ؟ .. سألها “يحيى” مقطبًا بتأسفٍ على وضعها
ردت بمرارةٍ : هو مافيش حاجة جديدة ممكن يعملها. رفعت عمل كل حاجة.. كنت فاكرة لما نخلّف هايبقى كويس.. هايفوق من هو إللي فيه.. بس ولادنا بقوا في المدرسة. و مافيش حاجة اتغيّرت.. بالعكس.. بقى أسوأ.. أنا ماعرفش لو هو مش بيحبني اتجوزني ليه ؟
-إيه الكلام ده يا رضوى.. إوعي تفكري كده تاني أكيد رفعت بيحبك. انتي مراته و أم ولاده.
-لأ يا يحيى.. رفعت ماحبنيش. لو حبني ماكنش هايعرف عليا ستات.. ماكنش هايشمّت الناس فيا لما أعرف منهم إنه بيقابل دي و دي برا و بيظهر مع أي واحدة مش بيهمه.. م بيهمه لا شكله و لا شكلي.. أنا مكسوفة و أنا موجودة هنا معاكوا يا يحيى. عاملة نفسي مش واخدة بالي من نظرات الناس و همساتهم عليا.. و لغاية دلوقتي مش لاقية مبرر قصاد حبي لرفعت يخليني أسيبه عشان كرامتي على الأقل !
احتج “يحيى” على الفور قائلًا :
-تسيبيه يعني إيه ؟ لأ طبعًا مش هايحصل. اسمعي أنا عايزك تهدي خالص. سيبيه ليا و أنا هاتصرف معاه. بس شيلي الأفكار دي من راسك. انتي مراته و مكانك جنبه و جنب ولادك.. إتفقنا ؟
حدق فيها بإلحاحٍ، لتومئ له و هي تقول مغلوبةً على أمرها :
-إتفقنا !
ابتسم لها بموّدةٍ و تقدير لتفانيها و عشقها لشقيقه، و في قرارة نفسه يسخر من ذلك الحظ الغريب، إن “رفعت” قد رزق بزوجة مُحبة و لا تعرف كيف تصنع زيادةً لترضيه و تبقي عليه لها وحدها، بينما هو تزوّج من المرأة التي يحب.. “فريال المهدي” و لا يشك بحبّها إليه.. لكنه يُعاني معها منذ بلغا عشّ الزوجية و يكتم معاناته بداخله حتى لا يُفسد حياتهم.. لو كانت مثل زوجة أخيه و لو قليلًا لما هزّت ثقته بنفسه و دفعته في الأخير للزواج من أخرى
الآن أيقن “يحيى”.. لو لم تكن “رحمة”.. كانت لتكون غيرها.. لقد صبر مع “فريال” سنواتٍ طوال و كان يظن بأنه قادر على هذا لبقيّة حياته.. لكن الأمر ليس بيده.. تلك الغرائز من صنع الخالق.. و هو رجل و إنسان في النهاية.. لا يمكنه تجاهل طبيعته …
-يحيى بيه !
إلتفت “يحيى” إلى نداء أنثوى رقيق، كانت فتاة من طاقم الفندق، حدّثته باحترامٍ فائق :
-عاوزين حضرتك في الـReception يافندم !
يحيى عابسًا : عشان إيه ؟
الفتاة : ماعنديش معلومات. الخبر وصل حالًا و جيت أبلّغ حضرتك.
رفع “يحيى” حاجبه بغرابةٍ، اعتذر من زوجة أخيه و طلب منها أن تُعلم “رفعت” بغيابه المؤقت لبضعة دقائق و كذا “فريال” أن تخبرها بأنه يتابع أمر ما داخل الفندق حتى لا تقلق عليه، و اتّبع إرشادات الموظفة حتى أفضت به قدماه إلى الأسفل، بقاعة الإستقبال الكبيرة …
-رحمة !!!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خرج اسمها همسًا من بين شفتيه بينما يحملق فيها مصدومًا غير مصدقًا …
وقف على بُعد قدمان منها، لا زال لم يتعافى من وقع الصدمة كليًا، بل تزيد و هو يراها أمامه على هذا الشكل، تتأنق بفستانٍ أرجواني مكشوف الصدر، يكاد يتمزّق على جسمها، و زينة وجهها عبارةً مُحدد عينين ثقيل و حمرةً شفاه فاقعة مثل الدم
أين لها بهذا الفستان اللعين !!؟
إنه لا يذكر بأن اشتراه لها، كيف حصلت عليه ؟ بل كيف خرجت من الشقة أصلًا و قد أقفل عليها بالمفتاح بيده هذه !؟؟؟
-يحيى بيه.. المدام جت لحضور الحفلة و مش معاها دعوى !
بالكاد أصغى “يحيى” إلى عبارة موظف الإستقبال، لم يحيد بعينيه عن “رحمة” لحظة واحدة، تلفت حوله ليطئن بأن لا أحد يراهما، ثم قطع المسافة بينهما بخطوتين سريعتين …
-انتي خرجتي من الشقة إزاي !؟؟ .. سألها “يحيى” طاحنًا أضراسه من شدة الغضب :
-عرفتي تيجي هنا إزاي أصلًا ؟؟
رفعت رأسها تنظر إلى عينيه بتحدٍ سافرٍ، و قالت رافعة حاجبها المرسوم بدقة :
-خرجت من الشقة إزاي ؟ كلمت البواب و كدبت عليه كدبة صغننة. قلت له قفلت الباب من جوا و المفتاح ضاع مني. ف جاب حد فتحه.. عرفت أجي هنا إزاي ؟ المجلة إللي حضرتك مواظب عليها كان فيها تفاصيل الحفلة الكبيرة بتاعة الليلة دي. و عرفت إن حرمك المصون هاتكون معاك.. أخدت العنوان و نزلت اشتريت الفستان الشيك ده و جيت على هنا. عشان لما تشوفني هي و ضيوفك أكون واجهة مشرفة ليك.. إيه رأيك ؟
احتقن وجهه بحمرة خطرة و هو يقول و أنفه ينتفخ مثل ثورٍ في طور الهياج :
-انتي اتجننتي !! .. و قبض على ذراعها فجأةً يهصره هصرًا مستطردًا :
-إمشي قدامي.. السواق بتاعي هايوصلك البيت. و حسابنا بعدين !
قاومت قبضته باصرارٍ مغمغمة :
-لو حرّكتني من هنا خطوة كمان هاتبقى فضيحة. سامعني ؟ انت شكلك مافهمتش كلامي آخر مرة. أنا خلاص مابقتش عايزاك. يا تطلقني دلوقتي حالًا يا مش هامشي من غير و مراتك عارفة كل حاجة !!
أدار رأسه رامقًا إيّاها بذهولٍ، ران الصمت بينهما لبرهةٍ هكذا، كلاهما في مواجهة الآخر دون حراكٍ و قد بدت “رحمة” مصممة حقًا …
تركها “يحيى” بغتةً، و شاهدته و هو يتجه نحو موظف الإستقبال، خاض معه حديث قصير، ثم استلم منه مفتاحًا و استدار ناحيتها ثانيةً، أمسك برسغها و سحبها خلفه بعنفٍ فاجأها، أخذها عبر المصعد إلى طابق بعيد عن صخب الإحتفال و الأنظار، لم يخفف حتى قبضته عنها، وصولًا أمام إحدى الغرف، دس المفتاح في القفل، ثم دفعها إلى الداخل بقوةٍ كادت تسقط على إثرها لولا انتبهت إلى خطواتها
إلتفتت ناحيته بعينين متسعتين و هي تقول بحنقٍ :
-انت مفكر لما تحبسني هنا كمان مش هاعرف أعمل حاجة ؟ مابقاش رحمة إللي تعرفها لو ما نفذتش وعدي ليك !!
إلتمعت عيناه و هو يرد عليها بغضبٍ بارد :
-اطمني.. أوعدك من الليلة دي مش هايكون في وجود لرحمة إللي أعرفها !
و انسحب في هدوءٍ مغلقًا باب الغرفة عليها، بالمفتاح، لقد حبسها فعلًا.. مجددًا …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
عاد “يحيى” إلى قاعة الإحتفال من جديد عابس الوجه، في البادئ لم يستطع التخلّص من عبوسه أبدًا، و لكن عندما وقعت عيناه على “فريال” ضغط على نفسه حتى إنفرجت أساريره شيئًا فشيء، نجح في رسم ابتسامة بسيطة على ثغره
شحذ خطواته ناحيتها، حيث كانت تقف ضمن حلقةٍ من السيدات و معها زوجة أخيه، أُخذت “فريال” عندما شعرت بيدٍ تمسك بيدها، و لكنها ابتسمت ما إن أدارت رأسها و اكتشفت بأنه هو …
-كنت فين يا حبيبي ؟
تلقّى “يحيى” سؤالها ذي لهجة العتاب بابتسامة حب واضحة، و قال معتذرًا من رفيقاتها :
-عن إذنكوا لحظة !
و شدّها من بينهن بلطفٍ، مشيت معه طواعية إلى أن بلغا مقصورة نائية قليلًا تطلّ مباشرةً على البحر الممتد بلا نهايةٍ …
-فريال أنا آسف بس هاضطري تاخدي مكاني بقيّة السهرة !
استمعت إليه بعدم فهمٍ، لتستوضحه ثانيةً :
-بتقول إيه يا يحيى مش فاهماك ؟ إيه إللي حصل !؟
تنهد قائلًا بأريحية متقنة :
-إبراهيم ابن أخت توني الجواهرجي جالي هنا و مستني تحت. قال في حرامية دخلوا على خاله و هو في المحل و سرقوا الدهب و رفعوا عليه سلاح. هو دلوقتي في المستشفى بس محتاجني لازم أخد متر سميح و أطلع مع إبراهيم على القسم حالًا !
شهقت “فريال” مغطيّة فاها بكفها و قد إنطلت عليها كذبته، في الحقيقة لم تكن كذبة تمامًا، تلك الحادثة وقعت بالفعل منذ شهران، و قد تدخل “يحيى” مساعدًا صديقه الصائغ و مقدمًا له الدعم الكامل، لو سألت زوجته عن صحة الحادث فيما بعد لن ينكره أحد …
-توني كويس !؟ .. تساءلت “فريال” بحزنٍ بَيّن
مط “يحيى” فمه قائلًا :
-لسا مش عارف.. أكيد هاروح أطمن عليه بعد ما نخلص في القسم. بصي يا حبيبتي أنا عارف إنك أدها و هاتعرفي تسدي مكاني. بعد ما الحفلة تخلص هاتروّحي مع رفعت و رضوى. و أنا هاخلص إللي عندي ده و هارجع على البيت علطول. لو طوّلت نامي ماتستنيش لما أرجع.
أومأت له و قالت ممسكة بيده بكلتا يديها :
-خلي بالك على نفسك.. من فضلك يا يحيى !
يحيى مبتسمًا : حاضر يا حبيبتي.
و دنى منها مقبلًا شفتيها بعمقٍ للحظات، ثم أخذها و عادا وسط الحشد، تركها مع السيدات و سار نحو أخيه الذي بدا منخرطًا في حديثٍ شيّق مع نجم كرة قدم معروف، أمسك بذراعه و مال على أذنه مرددًا بخفوتٍ :
-عايزك دقيقة !
يستجيب له “رفعت” و يعتذر من محدّثه، يلتقت إلى أخيه منصتًا، فيشرح له “يحيى” الأمر بإيجازٍ و يوصيه بتأييده ما إذا سألته “فريال” …
-و انت بقى رايح فين بجد ؟ .. تساءل “رفعت” بابتسامةٍ تهكمية، و خمن قبل أن يجاوبه أخيه :
-رايح للمدام التانية صح ؟ يا أخي ماكنتش أعرف إنها واكلة عقلك للدرجة دي. بقى تعمل الفيلم ده كله عشان تروح لها و تقضي الليلة و لا حد يدرى بيك !!
كز “يحيى” على أسنانه مغمغمًا :
-رفعت.. للمرة المليون بقولك. انت مش واصي عليا. أنا حر في تصرفاتي. و انت بصفتك أخويا واجب عليك …
-أداري عليك مش كده ؟ .. قاطعه “رفعت” بسخريةٍ، و أردف :
-بقولك إيه. أنا قلت لك بؤي مش هايتفتح بكلمة و مش عشانك. أنا لو ساكت ف ساكت عشان مراتك و ولادك.. اتفضل امشي يلا. اعمل إللي يعجبك. أنا شوية كده هاتحرك من هنا بفريال و رضوى. مع السلامة.
و هذا المضمون ما كان بحاجة لسماعه، لم يعبأ “يحيى” بانتقادات شقيقه، في النهاية هو آخر شخص يحق له النصح ناهيك عن التقويم …
غادر “يحيى” الحفل دون أن يلقي نظرةً خلفه، لكنه لم يغادر الفندق، بل عاد أدراجه إلى الغرفة التي قام بحجزها لليلة واحدة، و بمجرد أن فتح الباب و دلف للداخل تلبّسته حالة الغضب مرةً أخرى، رآها فور دخوله تقف أمام زجاج الشرفة المغلقة، ما إن سمعت الباب يغلق بقوةٍ حتى إلتفتت نحوه في الحال
أغاظه أن يرى بعينيها نظرة التحدي و الصلابة ذاتها لم تتغيّر، و كأنها لم تدرك بعد فداحة فعلتها، لم تتحرّك “رحمة” من مكانها و هي لا تزال محدقة فيه بصمتٍ يقول الكثير، عقدت ساعديها أمام صدرها، بينما يخطو “يحيى” صوبها وئيدًا الآن و هو يقول أخيرًا :
-فاجئتيني يا رحمة.. حقيقي.. ما تخيّلتش إنك جريئة للدرجة دي !
ضغطت شفتيها معًا للحظة، ثم قالت بجفافٍ :
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أنا قضيت معاك خمس شهور.. بس حاسة إني كبرت فيهم ألف سنة.. استكفيت منك إهانة و كل مرة كنت بفوق على الحقيقة دي.. مش هاسمح لك تستغلّني تاني.
وصل أمامها الآن و رد بهدوءٍ و هو يهز رأسه :
-انتي لسا ماشوفتيش استغلال !!
و رنّت صفعته المباغتة على خدّها في جنابات الغرفة المترفة، كانت صفعة أعنف من تلك التي نالتها منذ أيام في شقته، أحسّت بقطرة حارة تسيل من شفتها و ذاقت طعم الظماء الصدئة بفمها، كان وجهها مائلًا للجانب الآخر، لم يمهلها لحظة لمعالجة ما جرى، مد يده و اجتذبها من ذراعها بوحشيةٍ …
-هاتندمي ندم عمرك يا رحمة ! .. تمتم “يحيى” بقساوةٍ
عاودت النظر إليه بقوة و هسّت من بين أنفاسها المتسارعة :
-طلّقني !!
لا زالت تتحدّاه …
أومأ لها قائلًا :
-آخر مرة طلبتي الطلب ده قولتي إيه ؟ كرري أسبابك !
اهتاجت أكثر و هي تخبره و الكلمات تخرج من فمها كالقنابل :
-قلت لك طلّقني عشان الأعمى يشوف إن العلاقة دي مش علاقة جواز.. عشان انت شايفني رخيصة لدرجة مستخسر فيا أشيل طفل منك و أخلّف زي كل الستات إللي في الدنيا دي.. عشان لو على الفلوس و المستوى إللي مفكرني طمعانة فيهم ف أنا أقدر أعملهم منغيرك عادي بعد ما أسيبك علطول مافيش أكتر من الرجالة إللي هاتدفع مقابل جسمي …
الحمقاء !!!
لم تتعلّم الدرس، آخر مرة قالت ذلك كان عقابها مجرد صفعة، أما الآن فهو كان بحاجة تمامًا أن تكرر ذلك، لتسلب منه آخر ذرة تعقّل و ضمير فيه …
لم تعدّ صراخاتها بعد ذلك لكثرة الصفعات التي إنهالت من كفوفه على وجهها، كتمت ما استطاعت منها طائعة لا شعوريًا لصوته الزاجر :
-اخرسـي.. صوتك مايطلعش !!
رفع يديه عنها الآن تاركًا إيّاها تنهار أمامه جاثية فوق ركبيتها، بينما يزيح سترته الفاخرة عن كتفيه العريضين لتسقط أمامها، يحلّ ربطة عنقه، يفك أزرار قميصه و ينزعه بحركاتٍ متأنية، كل هذا و بصره لا يرتد عنها طرفة عينٍ
من شدة دموعها لم تستطع النظر إليه جيدًا حتى، لم تكن نادمة على ما قالته، بل أرادته أن يريها أقسى ما لديه حتى لا تحنّ له بعد فراقهما، لقد قررت الإنفصال عنه و هذا ما ستفعله مهما كلّفها الأمر …
-آااااااه ! .. صرخت حين شعرت بقبضته تجتذبها من خلال حفنة خصيلات أسفل رأسها
رأته عبر مدامعها جالسًا على طرف الفراش عاري الجزع، و قد فك طوق خصره أيضًا، صدمتها آوامره التالية، و لوهلة شعرت حقًا بجدية و خطورة ما أقدمت عليه، و أن العاقبة لن تكون بدرجة السوء التي تخيّلتها، بل أشدّ سوءًا على الإطلاق …
-مش عايزة أعمل كده !!! .. تمتمت “رحمة” بصوتٍ متحشرج بالبكاء
ليرد عليها بهدوئه المخيف :
-و أنا مش باخد رأيك.. و بعدين انتي المفروض بنت ليل. يعني فاهمة في شغلك.. يلا !
اعتصرت عينيها من الدموع لكي تنظر إليه جيدًا، وجهه قاتم، ليس وديعًا كما عهدته، مصمم، لكنها كانت أكثر تصميمًا و هي تهز رأسها آبية بشدة، فما كان منه إلا إن كال لها مزيدًا من الصفعات و الإهانات التي دفعتها في الأخير للصراخ بالموافقة لعدم تحمّلها عنفه غير المتوقع البتّة …
و فعلت !
فعلت كل ما أمرها به، نفذت تعليماته بالحرف مجبرة، و قد برّ بوعده حقًا و جعلها كما وصفت نفسها… “عاهرة”!!!
كانت تشعر بالغثيان فعلًا و هو يشدّها لتقف على قدميها الرخوتين منتقلًا للخطوة التالية، مع أقل حركة لا تتحمّل، ليدفع بها نحو الفراش غير عابئًا بحالتها المزرية، لم يلقيها فوقه كما توقّعت، لم يجعلها تنال أيّ مظهر من مظاهر إحترام الذات على الأقل
وضعها في وضع حتى مالت عبر مقدمة الفراش على بطنها بينما قدميها تلمسان الأرض، سمعت قماش فستانها يتمزّق بحركةٍ حادة واحدة من يديه، ثم شعرت بلمساته في كل مكانٍ قبل أن تتحركا يديه إلى خصرها، و قبض عليها مثبتًا إيّاها باحكامٍ، مال ضاغطًا بصدره على ظهرها، أنفاسه تتصادم ببشرتها ثقيلة و ساخنها بينما يجتاحها بشكلٍ غير متوقع لدرجة انتزعت منها صرخة عالية كفيلة لإيقاظ الطابق بأكمله
إحدى يديه تركت خصرها لتغطي فمها الصارخ و هو يهمس محذرًا :
-هشششش !
لكنها لم تستطع، و هو يعرف هذا، ألم يعقد النيّة على إذلالها ؟ ألم يعدها بأنها ستندم ندم عمرها ؟
هذا ما يفعله الآن، و لم يتراجع عنه للحظة، كلّما شعر بتعاطفٍ نحوها، تضج بأسماعه كلماتها منذ قليل، فتزيده وحشية تدمر بقاياها
لم تجد إلا البكاء بلا حول و لا قوة بين يديه و أن تمسك بالملاءات بشدة، و قد ندمت بالفعل، ندمت على كل شيء، زواجها منه، إنجذابها إليه، حتى بوادر الحب الذي تملّك من قلبها، إن وجودها برمّته لا يساوي الألم الذي تعيشه الآن، إنه غليظ، إنه حيواني، هل كان هكذا منذ البداية أم إنه خدعها !؟
عندما تركها أخيرًا، أول شيء حرّكه بعيدًا هي يده عن فمها، لم تعد تصرخ، كما لم تعد تشعر به قريبًا منها، احتاجت دقيقة بمكانها للتعافي مِمّا جرى لها على يديه، دموعها تسقط بلا حسيبٍ من عينيها، تسقط من دون بكاء
أحسّت باللحظة التالية بقماشٍ رقيق ينساب فوق جسمها، اكتشفت بأنه أحد الشراشف قد ألقى به عليها لتستر عريها بينما يتحدث من خلفها ببرودٍ و هو يرتدي ثيابه :
-في مول هنا في الفندق. هانزل أشوف لك حاجة تلبسيها بدل الفستان المقطوع.. و إللي بالمناسبة هانتحاسب عليه كمان. بس مش وقته.
لم يكاد يزيد شيء آخر، أجفل عندما رآها تثب واقفة، تضم طرفيّ الشرشف إلى جسمها و هي تركض صوب الحمام، تبعها على الفور واقفًا عند عتبة الباب، بينما تنحني فوق المرحاض مفرغة ما بمعدتها شبه الفارغة أساسًا
تداعت أخيرًا معانقة نفسها أمام عينيه، تغمض عينيها و هي ترفض بوضوح النظر إليه، ينظر هو لها، في داخله يكره ما فعله بها، يعلم بأنه دمرها للتو، و أن ما جرى لن ينساه كلاهما أبدًا، إذا قدّر لهما العيش معًا مرةً أخرى.. لم يعد واثقًا !
_______________________________________
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ركض.. رغم أنه يشعر بالأرض هويًا تحت قدميه.. ركض بأقصى ما لديه من سرعة.. فصورة أمه الواقفة فوق سور شرفتها الخاصة أمام عينيه لا تتلاشى ابدًا.. إنه أبشع أنواع الخوف.. خوف فقدان أمه !!!
وصل مقطوع الأنفاس، اقتحم الشرفة المفتوحة، ليجدها كما هي، بثوب نومها الأسود الذي يتطاير من حولها بفعل النسيم الصباحي، لا تزال تقف هناك فوق السور الرخامي حافية القدمين، تحدق بالسماء و كانها ترى شيء، أو أحدٍ ما …
-ماما ! .. هتف “عثمان” لاهثًا
أدارت له رأسها، و صدمه تعبير وجهها، لا توجد قوة في العالم و لا حتى إرادة بدافع الكبرياء يمكن أن تخفي الدمار الذي يرا في عينيّ أمه الآن، إنه واضح جدًا، لدرجة يجب أن يتمالك نفسه حتى لا يفقد رباطة جأشه أمامها و يزيد الأمر صعوبةٍ …
-يحيى كان متجوز عليا يا عثمان ! .. قالتها “فريال” مقررة الحقيقة
زم “عثمان” فمه كابحًا شعور بالغضب تجاه أبيه، الواقع مختلف حين تنطق به أمه، حقًا …
مشى ناحيتها ببطء، بينما رفعت “فريال” حاجبيها متمتمة بشرودٍ :
-و من زمان.. من زمان جدًا.. كنا لسا ماكبرناش.. اتجوز و خلّف.. و قدر يخدعني طول السنين دي.. قدر يبص في وشي و يضحك و يعيش حياته معايا عادي و هو بيخونّي من ورا ضهري.. يعني إيه ؟ إللي بينا ده ماكنش حب ؟ جوازنا إللي كل الناس كانت بتحسدنا عليه.. كلامه ليا.. حياتنا كلها كانت كدبة !!؟؟؟
رفع يديه و هو لا يزال يتقرّب صوبها بحذرٍ قائلًا بصوتٍ أجش :
-ماما.. أرجوكي إنزلي من عندك.. إنزلي و هانتكلم.. هاعملك إللي انتي عايزاه بس إنزلي !
رددت “فريال” ساهمة العينين و كأنها لم تصغي لجملته :
-مش لاقية إجابات على أسئلتي يا عثمان.. الأصوات في راسي مش بتسكت… مش عايزة تسكت !!
إنفعل “عثمان” صائحًا بغضبٍ شديد :
-بابا مات.. مات خلاص يا فريال هانم. مستحيل يرجع. و مستحيل يجاوبك على أسئلتك. سمعتيني ؟ يحيى البحيري مات !!!
تلقّت كلماته القاسية بصدماتٍ جعلت الدموع تنهمر من عينيها مدرارًا و هي تقول من بين أنفاسها :
-أيوة.. أيوة صح.. مات و مستحيل يرجع… بس أنا ممكن أروح له !
و إتسعت عيناه بذعر متجرّد عندما مدت قدمها مقدمة و بلا رادعٍ أو ذرة تردد عن إلقاء نفسها من العلو المميت …
-لأاااااااااااااااااااااااااااااا !!! .. دوت من أعماقه صيحة الرعب
بينما يندفع ناحيتها مسابقًا الزمن فعليًا …
إنها لمعجزة
أن لحق بها على آخر لحظةٍ، قبل أن تتبع قدمها الأخرى القدم الممتدة بعد السور، قبض على خصرها بذراعيه بقوةٍ مؤلمة، و كأنه يقبض على الحياة بكل ما أوتي من قوة، كان مفجوعًا، لا يصدق ما كادت تفعله، بينما ينطلق الصراخ من فم “فريال” عندما أحبط ابنها محاولة إنتحارها جاذبًا إيّاها بعيد عن السور نهائيًا
أخذت تقاومه و هو لا يتزحزح عنها قيد شعرة، بالكاد كانت تقف على قدميها بينما يمسك بها بإحكامٍ متحملًا ثورتها و مصغيًا لصراخها الذي أدمى قلبه :
-آااااااااااااااااااااااااااااااااه.. آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه.. آااااااااااااااااااااااااااااااه …
آهاتها الجريحة هزّت المنزل بأكمله، حتى الطير رفرف في السماء فزعًا من الحدث الجلل، سيدة القصر، الأم المثالية، الزوجة المخلصة.. “فريال المهدي”.. إنها تنهار !!!
-مـامـــا !! .. صاح “عثمان” ملتاعًا عندما سكتت فجأة و تراخت بين ذراعيه فاقدة الوعي
حملها على الفور بسهولةٍ و استدار ليجد “سمر” تقف على مقربةٍ منهما، تراقب بوجلٍ ما يجري، خاطبها بخشونةٍ و هو يتجه صوب بأمه صوب الداخل :
-تعالي ورايا يا سمر !
وضع أمه بفراشها و أمر زوجته :
-خليكي جنب أمي إوعي تسبيها لحظة.. أنا راجع علطول.
خرج إلى الردهة أمام غرفة “فريال”.. حمد الله كثيرًا على سلامتها بأقل الخسائر.. لا زالت أعصابه مهزوزة تأثرًا بما حدث.. أحس بشيء من الراحة لغياب الصغار عن المنزل و ارتيادهم المدرسة فما كانوا ليتحملوا رؤية كل هذا
أرسل في طلب طبيب العائلة بشكلٍ عاجل، ثم أجرى إتصالًا آخر، ما إن رد عليه صوت أنثوي يعرفه جيدَا حتى هتف بصرامةٍ :
-صفيّة.. تقومي من مكانك و تجيلي على هنا فورًا.. سامعة ؟ دلوقتي حالًا !!
_________________________________________
استغرقت شقتهما الفخمة يومًا كاملًا في التنظيف، و قد تكفّل هو بإيجاد إحداهن جاءت لتساعد زوجته في تهيئة كل شيء، و في الصباح كانت الأمور بخير
الأسر المكوّنة من ثلاثة أفراد.. “فادي حفظي”.. “هالة البحيري”.. و صغيرهما “سليم” البالغ من العمر عشر سنوات.. يجلسون بتراث الشقة المفتوح إلى طاولة حملت ما لذ و طاب من طعام الفطور
كان “فادي” يوّجه نظراته نحو بحر الإسكندرية بشوقٍ جارف، و في نفس الوقت يتلذذ بإحتساء فنجان قهوته، لتأخذه زوجته من شروده فجأة …
-مش كنت خلّيت سمر تيجي تقعد هنا معانا يا فادي ؟
إلتفت “فادي” إلى سؤال زوجته، رد عليها بلهجةٍ من الصفاء النفسي النادر :
-أنا ماشي معاها واحدة واحدة. طلبت تقعد في البيت القديم.. رغم إن الشقة مابقتش بتاعتنا و كانت مقفولة.. حتى الحجة زينب صاحبة البيت إتوفت بقالها سنين.. بس عملت المستحيل و رجعتها على الأقل مؤقتًا.. هاتقعد هناك شوية يمكن ده يساعدها فعلًا تفتكر أي حاجة.
صبّت “هالة” لصغيرها كأسًا من العصير و هي تقول بلطفٍ :
-أيوة يا حبيبي بس مايصحش كنت تسيبها لوحدها. ممكن تقعد براحتها في البيت القديم. لكن في آخر الليل تيجي هنا وسطنا أو ترجع بيتها !
تنهد “فادي” قائلًا :
-أنا ماسبتهاش لوحدها يا هالة.. ابن عمك جه و أنا نزلت بعد ما أكدلي إنه معاها. و عرفت كمان إنه بعت يجيب يحيى من القصر عشان يبات مع أمه.. شوية كده و هاكلمها أطمن عليها.
أومأت له و قالت بجدية :
-طيب انت لسا ماقولتليش.. هانقعد هنا كتير و لا إيه ؟ عشان مدرسة سليم !
نظر “فادي” نحو إبنه الذي حمل منه تشابهٍ كبير في الملامح مع لمحاتٍ من جمال أمه محصورًا في لون الشعر العسلي و شكل العينين، ابتسم بخفةٍ و هو يقول :
-مش هانطول إن شاء الله.. أطمن بس على سمر.. و كمان دي فرصة مناسبة.. هقدر أقنع ملك تسافر معانا.
هالة بتشككٍ : و لو ماقتنعتش !؟
رمقها “فادي” بنظرةٍ ثعلبية، و قال :
-في كل الأحوال هاخدها معايا.. ملك أختي القاصر. و أنا ولي أمرها. أنا الواصي عليها ! ……………………………………………
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الحادي عشر _ هذا حب _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
تلك الليلة العصيبة ليس لديه أدنى فكرة كيف مرّت عليها، بعد أن أذاقها ويلات القهر و الإذلال و قد نجح في هذا بجدارةٍ مدفوعًا بحمائيته و بغضبه من جرأتها بالخروج من المنزل دون علمه، و من ثم المجيئ إلى مكانٍ تتواجد به زوجته أم ولديّه، لقد خاطرت بكشف كل شيء بالفعل و لوهلةٍ شعر بأنه أسرته و زواجه صار على المحكّ
لم يرى أمامه إنها مجرد فتاة صغيرة و بلا خبرة و هو رجلٌ ناضج، لم يسمع صوت ضميره الذي ظل كامنًا بنقطةٍ ما بداخله يحثه على التراجع عن جرمه بحقّها، كان مثل بركانٍ انفجر ليدمر بحممه كل ما يعترض طريقه، و لقد دمرها بالفعل
لا يستطيع نسيان حالتها أثناء مغادرتهما للفندق بنهاية الليلة، تعبيرها الواجم، سيرها الآلي بجواره و هو يخرج بها خلسةً من بوابة بعيدة عن الأنظار، لم يتبادلا كلمةً واحدة خلال الطريق إلى البيت، بقيت صامتة و هادئة جدًا و هي تجلس في سيارته حيث أرادها بالقرب منه، حتى وصلا و لاحظ تقدّمها عليه فور أن صطف السيارة أمام البناية الراقية، حيث فتحت لنفسها الباب قبل أن يترجل هو من كرسي القيادة، و رآها و هو يغلق السيارة قد سبقته بالفعل نحو المصعد، عندما وصل عندها كانت مطرقة الرأس تتحاشى النظر إليه، فتخطّى ذلك و فتح لها الباب لتتقدمه داخل المصعد و هو ما فعلته فورًا قبل أن تمتد يده ليلمسها، أوصلها أخيرًا عند الشقة، و ما إن صارت بالداخل و أطمئن لهذا حتى أوصد عليها الباب من الخارج مرةً أخرى، لم يجرؤ على الدخول معها.. ليس الليلة على الأقل
و خلال نزوله عرج على الحارس، أيقظه غير مباليًا بتأخر الوقت …
-انت منين يا حامد ؟
-أني من طنطا يا بيه.
-يعني مش من هنا و لا ليك سكن غير الأوضة دي صح ؟
جاوبه الحارس مرتابًا :
-إيوة يا بيه.. كان حدانا قيراط في البلد بيعته عشان أجي هنا بمراتي و عيالي ندوروا على لقمة عيش.
أومأ “يحيى” قائلًا بهدوء لا يخفي الغضب بعمق نظراته :
-عارف القصة دي. و ماعنديش مشكلة معاك من يوم ما سكنت هنا يا حامد. لكن شكلك انت إللي لسا ماتعرفنيش لدرجة إنك خالفت توصياتي و اتصرفت من دماغك إنهاردة مع مدام رحمة !!
اتسعت عينا الحارس و هو يقول :
-جنابك تقصد عشان طفّشت قفل الباب بتاع شقة حضرتك ؟ أني ماعملتش كده إلا لما الهانم كلّمتني و طلبت بنفسها. افتكرت سعاتك إللي آ ا …
أخرسه “يحيى” بإشارة من يده، ثم أنذره بكلماتٍ شديدة اللهجة :
-وفر كلامك. مافيش كلام بعد كلامي يا حامد و أوامري كانت واضحة. أي حاجة تحصل مع مدام رحمة تبلّغني بيها فورًا. إللي حصل إنهاردة لو اتكرر تاني مش بس هاكتفي بقطع عيشك من العمارة. انت مش هاتلاقي شغل في الإسكندرية كلها. إن كنت بواب أو غيره.. فاهمني ؟
هز الأخير رأسه طائعًا و هو يقول باضطرابٍ واضح :
-فاهم يا بيه فاهم.. أني خدامك و تحت أمرك.
غادر “يحيى” هذه الليلة و هو يشعر بالضغط على أعصابه يتفاقم أكثر، لحسن حظه كانت “فريال” تغطّ في النوم فعلًا، فلم يتكبّد عناء اختلاق المزيد من الأكاذيب عليها، بالكاد تمكن من النوم بجوارها سويعاتٍ يتخللها القلق و الأرق …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نفذ صبره كله في الصباح، و قد تخلّف عن الذهاب إلى عمله متذرعًا بضرورة سفره لمتابعة بعض الأعمال الطارئة عن كثب، جهزت له زوجته حقيبة صغيرة تكفيه لعدة أيامٍ كما أوضح لها، و انطلق عائدًا إليها فور حلول المغيب
كانت السماء ملبّدة بالغيوم الكثيفة، و البرودة تزحف على الأجواء الرطبة منذرة بنوّة وشيكة، ولج “يحيى” إلى الشقة متجولًا بناظريه يبحث عنها بتلهفٍ، لا أثر لها في الصالة و الجوار من حوله، فأيقن بأنها في غرفة النوم بالتأكيد
وجدها هناك فعلًا، ممدة فوق الفراش في ثوبها القطني الشفاف، اقترب صوبها و عيناه تمسحانها من رأسها لأخمص قدميها، أنيقة و جميلة حتى و هي مستنزفة و مرهقة كما يراها الآن، جلس على بجوارها على طرف السرير، لم يستطع تحجيم لوعته بها خاصةً و هو يرى وجهها الشاحب كالموتى و انفراجة فمها التي تنم عن تعبٍ حقيقي
مد يديه ممسكًا برسغيها أولًا، أحدهما ملقى بجوار رأسها، تحسس جبينها بكفّه تاليًا، حرارتها طبيعية، تنفس الصعداء عندما إلتمس دفئها، و مسح على شعرها برفقٍ، أيقظتها ملاطفته لها و احساسها بلمسة يده التي تحفظها عن ظهر قلب، لكنها ظنّته حلمًا أو كابوسًا آخر ضمن سلسلة الكوابيس التي تقض مضجعها منذ ليلة الأمس، رغم إن هذا أكثر حسيّة، باعدت بين أجفانها المتثاقلين لتتأكد …
ارتعدت فرائصها حين فتحت عينيها و رأته بالفعل، وجهه مقابل وجهها مباشرةً و تكاد تشعر بأنفاسه، على الفور شدت يدها من قبضته و حاولت بقوتها الضئيلة جدًا إبعاده عنها، فلم يستبقيها رغمًا عنها، ارتدت بجسمه للوراء متمتمًا :
-إهدي ماتخافيش.. ده أنا !
و الكارثة إنها تعرف بأنه هو !!!
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
رؤيته في الصحو الآن لم تسبب لها إلا مزيدًا من الهلع، و كما فعلت البارحة عانقت نفسها أمامه بقصد مداراة عريها عن عينيه، ألمه أن يرى كل هذا الخوف بنظراتها، و بالأكثر النفور منه هو بعد أن كانت لا تنظر إليه إلا بكل اعجابٍ و توق …
-رحمة !
و كأن صوته هو ما كانت بحاجة إليه لتأذن لدموعها بالظهور، انفلتت منها الشهقات عوض البكاء الذي كانت تكتمه و هي تنظر إليه و كأنه وحشًا مفترسًا يتربّص بها، خوفها منه لم يجعلها تلاحظ اصفرار وجهه و الهالات الداكنة المحيطة بعينيه، لم ترى بأنه كان يُعاني مثلها تمامًا …
-رحمة أرجوكي احنا لازم نتكلم ! .. ردد “يحيى” بوهنٍ واضح
أخذت ترتعش و هي تحدق فيه بكراهيةٍ خالصة و غمغمت :
-ابعد عني.. اوعى تلمسني.. امشي.. امشي أنا مش عايزة أشوفك تاني.. امشي !
تجاهل كلماتها و كذا صراخها المكتوم و هو يمد يده مجتذبًا إيّاها بالقوة لتستقر بأحضانه، ما زالت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة، لكنه يرفض إفلاتها و يشدد ذراعيه من حولها أكثر و هو يقول بلهجةٍ معذبة :
-أرجوكي.. إهدي.. أقسم لك إللي حصل ليلة إمبارح عمره ما هايتكرر تاني. أنا آسف. أنا آسف جدًا مش عارف إزاي عملت فيكي كده.. أنا مانمتش طول الليل يا رحمة. من أول ما سيبتك و صورتك مش بتفارقني !!
ابتلعت الورم في حلقها و هي تستمع إليه عاجزة عن إيقاف مدامعها، بينما تشعر بنعومة قميصه أسفل خدّها و تشم رائحته المألوفة، بالأمس كانت مغرمة به حتى أذنيها، فماذا عن اليوم ؟ كيف تشعر تجاهه الآن ؟
لا تستطيع أن تحدد !!!
-ممكن نقعد و نتكلم شوية ؟ .. خاطبها بلطفٍ
أبعدها قليلًا دون أن يتركها، حاول النظر بعينيها، لكنها أشاحت عنه بتصميمٍ فأردف بلهجةٍ مقررة :
-قومي إلبسي.. هانخرج.
نظرت له الآن، و لوهلةٍ ظنّت أنها سمعت ذلك بالخطأ، لكنه أكد لها و قد عادت نظرته الملائكية لعينيه بمسحة حزينة :
-أنا هاطلع برا أعمل تليفون و هاستناكي عشر دقايق تكوني جهزتي.. سامعاني ؟ عشر دقايق. و إلا هاتضطريني أدخل أجهزك بنفسي !
كان تحذيره جادًا و واضحًا بما فيه الكفاية، لم تجرؤ على تجاوزه هذه المرة و قد اختبرت منه أمور لم تتخيّل بأنها ممكنة حتى بأبشع كوابيسها، ما إن تركها حتى تحاملت على نفسها و قامت لتتجهز كما أمرها، كانت تعلم بأن الطقس بارد اليوم لم يخدعها دفء المنزل، فاختارت من الخزانة التي اشتراها لأجلها ثوب من الجلد الأسود الثمين، فوقه معطفٌ قصير من درجات الأزرق الداكن، بالكاد مشطت شعرها كيفما اتفق و انتعلت حذاء لامع برقبةٍ عالية، و ها هي صارت جاهزة
خرجت أمامه الآن، كان يقف بمنتصف الصالة موليًا لها ظهره، حتى شعر بوجودها، إلتفت ناحيتها و شملها بنظرةٍ متفحصة، ثم استقرت عيناه على وجهها، ليعبس متسائلًا :
-انتي مأكلتيش حاجة إنهاردة ؟ وشك بهتان !!
لم ترد عليه، فتنهد بعمقٍ و قال :
-عمومًا أنا عامل حسابي.. هانتعشى برا. و المكان إللي هانروحله هايعجبك أوي.. يلا تعالي !
و مد لها يده في دعوةٍ صريحة …
لكنها أعرضت عن عرضه و مضت متجاوزة إيّاه صوب باب الشقة، سكن “يحيى” بمكانه للحظاتٍ يهز رأسه بيأسٍ، و قد عرف أن عودة الأمور إلى نصابها بينهما سوف تستغرق وقت و مجهود أكبر مِمّا يظن !
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم تتخيّل أن يكون الطقس باردًا إلى هذا الحد، إلا حين صدمتها النسائم القارسة فور بلوغها بوابة البناية معه، يفترض أن تشعرها الملابس الثقيلة بالدفء الكافِ، لكن قلّة الغذاء أضعفتها كثيرًا و هي تعلم ذلك، كم مر عليها بدون أن تضع لقمة بفمها ؟
في الواقع أكثر من أربع و عشرين ساعة !!
استغرق الطريق و هي تجلس هذه المرة بجواره في السيارة كأنه سنواتٍ، قضت الوقت كله مسندة رأسها إلى النافذة المغلقة، تتأمل في المارة و الأحياء الراقية التي ربما تراها للمرة الأولى بسبب تحديد أبيها الراحل لإقامتها منذ نعومة أظافرها، ربما كانت لتبتهج بالجولة العابرة، لكن في وضعها هذا لم يبدو عليها سوى اللا مبالاة الآن، و هي تمضي معه و ليس لديها أيّ فكرة إلى أين هما ذاهبان
بعد بضعة دقائق، أوقف السيارة بمرفأ كبير، و تمكنت “رحمة” من رؤية البحر قريبًا جدًا منها …
-وصلنا !
تسلل صوته الهادئ إلى مسامعها، ثم سمعته ينزل من السيارة أولًا، رأته خلال لحظاتٍ أمامها من جهة الأخرى، فتح لها باب السيارة و مد يده لها مرةً ثانية، و كما فعلت تمامًا أول مرة تجاهلت دعوته و ترجلت وحدها بحذرٍ من أن يتماسّا و لو عرضيًا
سمعته يتنهد ثم يقول بينما رأسها لا يزال مطرق :
-بقالي فترة كنت عايز أجيبك هنا. بس الظروف مكانتش بتسمح لأسباب مختلفة.. بصي كده.. أنا متأكد إنك ماطلعتيش على يخت قبل كده !
كانت لتقول له إنها لم تركب البحر مطلقًا، لكنها أبقت على صمتها، فقط رفعت رأسها لتنظر إلى أسطولٌ من القوارب ذات الأشرعة، و لكن هناك قارب يصطف بمقدمة المرسى هو أكثر ما لفت نظرها من كبر حجمه و تميّزه عن غيره بالحداثة و الفخامة الواضحة للعيّان …
-تعالي يلا.. بيقولوا أول مرة في أي حاجة مش بتتنسي.. و أنا عايز أكون مرتبط بالذكرى دي في عقلك للأبد.
و فوجئت بيده تقبض على رسغها، كان حازمًا و لطيفًا في آنٍ و هو يسحبها معه نحو رصيف المرسى، ساعدها على العدو حتى اعتلت ظهر القارب، قام بحل عقدة الحبل الضخم الواصلة بين الرصيف و اليخت الراسي، ثم قفز برشاقةٍ متبعًا زوجته …
أجلسها بمقصورة الإستقبال، بينما يتجه نحو قمرة القيادة بالأعلى، شعرت بالهلع عندما هدر المحرّك و تماوج القارب مقلعًا من الميناء، أخذت تحدق متسعة العينين في الرصيف الذي يبتعد عن مرمى بصرها شيئًا فشيء، حتى اختفى تمامًا، فلم يبقى حولها سوى البحر و الظلام الدامس، ظلام لا يضيئه إلا ضوء القمر الشحيح و كشّفات اليخت الموّزعة باتقانٍ
توقف اليخت فجأةً، و عاد “يحيى” بعد ثوانٍ ماثلًا أمامها و هو يقول بهدوء :
-قومي معايا يلا.. الجو برد عليكي هنا.
لم ينتظر أن تستجيب لكلمته، أمسك بيدها و شدّها برفقٍ لتقف، صدمته برودة بشرتها و تمتم :
-انتي إيدك متلّجة.. يبقى أنا كنت صح. مأكلتيش حاجة خالص إنهاردة !
هز رأسه متأسفًا عليها و على الحالة التي وصلت لها بفضله، أخذها على مهلٍ إلى الطابق العلوي لليخت، حيث جناح كامل مجهّز بقاعة صغيرة للجلوس و غرفة نوم و دورة مياه، بمجرد أن أزاح “يحيى” الباب المزدوج و تنحى داعيًا زوجته للدخول حتى لفحها دفء مغرٍ دفعها لتنزلق أكثر بالداخل، سمعته يغلق الباب من خلفه، بينما تتأمل بعينين ذابلتين النمط المترف لشيءٍ آخر من ممتلكات “يحيى البحيري”.. مثلها هي أيضًا.. هي إحدى ممتلكاته …
-أنا وصيت على عشا قبل ما نتحرك على هنا !
استدارت سامحة لناظريها أن يستقرا على وجهه أخيرًا، ضايقها أن تراه وسيمًا كعهدها به، و كم أرادت أن تفقأ عينيها لكي لا يتسنّى لها النظر إليه من جديد، لكنها لا تقدر، رغم كل ما فعله بها لا تزال متعلّقةً به، و لعل هذا التعلّق المرضي ليس له إلا علاجٌ واحد …
سقطت عيناه الجميلتان على فمها و هو يقول :
-بصي يا رحمة.. أنا لغاية دلوقتي بحترم سكوتك.. مقدر حالتك. لكن لو ماطاوعتنيش بالذات على الأكل و الشرب هاضطر استخدم معاكي أساليب خاصة.. ماظنش إنها هاتعجبك.. من فضلك أقعدي عشان نتعشا سوا !
و أشار لها بذقنه تجاه طاولة العشاء، لا يمكنها إنكار خوفها من تهديده الصريح، خاصةً عندما ذكرها بأساليبه الخاصة التي اختبرتها للمرة الأولى أمس، مجرّد تصوّر أن تعيش تلك اللحظات مجددًا دفعها للإذعان له فقط إتقاءًا لشرّه الخبيث
زوجها و رجلها الأول، الأمير الوسيم في حكايتها الورديّة، إنه خبيث بقدر ما هو لطيف، و قاسٍ جدًا إلى حد لم تألفه من قبل …
جلست “رحمة” أمامه ناظرة للطعام المنمّق بدون شهيّة، كان العشاء هو طبقه المفضل، سرطان البحر و حساء المحار، لقد جعلها تدمن ذوقه بالفعل، و ليس في الطعام فقط، في كل شيء آخر يقوم به !!
-باين لا آكلك بإيدي ! .. قالها “يحيى” بفتورٍ و هو يدفع بالملعقة إلى فمها
عبست مشيحة بوجهها عن يده و ألتقطت ملعقتها مسرعة قبل أن تتلقّى ردة فعله التالية، بدأت تأكل على مضضٍ و لم يبدو عليها الاستمتاع بالصنف اللذيذ أو حتى استحسانه، بينما اكتفى “يحيى” بمراقبتها في البادئ، و الواقع إنه لم يمد إلى الطعام، بل قام متجهًا نحو البار الصغير و اختار شرابًا بريئًا، لا يمكنه أن يثمل الليلة على أيّ حال و لو قليلًا، عاد إليها حاملًا كأس آخر من أجلها، عرضه عليها بتصميمٍ، فأخذته و تجرّعته كله رغمًا عنها فقط لترى مآل هذه التمثيلية الهزلية …
و الآن فرغت من الطعام أيضًا، تطلعت إليه بشجاعةٍ، و قد سئمت الهدوء و تعبت من الإنتظار، فكان أول ما قالته منذ غادرا البيت هو :
-ممكن أعرف انت جايبني هنا ليه !؟
بدا الأمر كما لو أن صوتها عزّز الدفء من حولهما تمامًا، لأنه زفر مرتاحًا لسماعها و قال مسترخيًا في مقعده و لا يزال يحتسي الشراب :
-قلت لك.. حبيت أفاجئك و أخليكي تقضي وقت حلو.. تعرفي اليخت ده كان آخر هدية ليا من أبويا الله يرحمه.. مافيش واحدة ست دخلته قبلك… و لا حتى فريال مراتي.. انتي أول واحدة !
أجفلت مرددة بعصبيةٍ :
-أنا مش عايزة أسمع حكاياتك.. مابقتش تخصني.. انت عارف أنا عايزة إيه. مش هاتنازل عن قراري.
حبست أنفاسها لحظةٍ حين مد جسمه نحوها و أمسك ذقنها بيدها مجبرًا إيّاها على النظر إلى عينيه الحادتين :
-و أنا مش هاتنازل عنك يا رحمة.. رضيتي أو لأ. مهما حصل مش هاسيبك.
هبّت واقفة فجأةً و هي تصرخ بوجهه بنفاذ صبرٍ :
-مش من حقك تتحكم فيا بالشكل ده.. انت بهدلتني.. كرامتي بقت في الأرض بسببك.. أنا اضربت علق كتير من أبويا و كنت بقبل منه أي حاجة. لكن انت لأ. لما مديت إيدك عليا كانت دي أبشع حاجة حسيتها في حياتي كلها. و إللي عملته فيا بعد كده.. انت خلتني أتمنى الموت إمبارح في الثانية ألف مرة !!
كلماتها و إنفعالاتها جعلت أحداث الليلة الماضية تتراءى له و أصوات صراخها الذي كتمه بيده يتردد بأذنيه، كان أمرًلا بشع كما وصفته، حتى هو لم يحتمله أكثر و وثب واقفًا قبالتها و هو يقول بخضوعٍ واضح :
-أنا اعتذرت لك. و مستعد اعتذر لك لغاية ما تسامحيني.. احنا الاتينين غلطنا يا رحمة.
ردت بدموعٍ : بس غلطتك انت نهت كل حاجة بالنسبة لي.. انا حتى ماصعبتش عليك و ماعملتش حساب لأي حاجة و لا حتى لأبويا إللي وصّاك عليا.. طلّقني انت أصلًا ماحبتنيش و لا هاتحبني. ماتظلمنيش معاك أكتر من كده أرجوك !
شد فكّه بقوةٍ و هو يقول بغضب :
-قلت لك تشيلي الطلاق ده من راسك.. أنا مش هاطلقك يا رحمة. لسا مافهمتيش ؟ أنا مش هارخج من حياتك إلا بموتي !
جاش اليأس من أعماقها و هي تحدق فيه مغمغمة بكلماتٍ فاجأتها هي نفسها :
-أو بموتي أنا !!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
و قبل أن يُعالج عقله ما قالته، باغتته و هي تقلب طاولة الطعام بينهما، لتنجح بإشغاله للحظة مكنتها من الفرار من أمامه تجاه باب المقصورة، كانت بلا معطفها الآن فصدمتها البرودة السحيقة بالخارج حيث الهواء الطلق، و من بعيد رأت عاصفة تلوح بالأفق و السماء على استعدادٍ لقصفٍ رعدي وشيك
بالرغم عن هذا لم يمنعها الخوف من المضي إلى فكرتها الانتحارية المجنونة، فإندفعت و قد أعمتها الرغبة بالهرب منه، خاصةً عندما صدح صوته الهادر مناديًا إيّاها من الوراء، أسرعت بالركض نحو السور المعدني، و لم تفكر مرتين، حتى لم تنظر خلفها، اعتلت السياج و ألقت بنفسها في مياه البحر الثائر …
و فجأة وجدت نفسها بلحظةٍ واحدة أسفل سطح الماء، يكاد قلبها يتوقف من شدة البرودة و قد بدأت تشعر بالغرف فعلًا، المياه تملأ رئتيها و وعيها يتسرّب منها أسرع من خفقات قلبها بينما تلتقط أذنيها عبر مسافةٍ عميقة صوته الملتاع :
-رحـمـــــــــــــــة.. رحـمــــــــــــــــــة.. رحـمــــــــــــــــــــة …
ثم و كأنه كابوسًا و نجت منه، عندما فتحت عينيها مرةً أخرى رأت وجهه الوسيم يطلّ عليها و الذعر يجلله، بينما يضع قوته في كلتا قبضتيه و هو يضغط على صدرها مطبقًا ما تعلّمه بإنعاش القلب الرئوي في الحالات الطارئة و قد أفاده، حقًا أفاده
سعلت “رحمة” بشدة و هي تشهق و تبصق عبر فمها كميّة كبيرة من المياه، بينما يرتجف “يحيى” بقوة و قد تبيّنت بأنه خلع سترته و قميصه و البلل يغمره كليًا، إذن فقد ألقى بنفسه خلفها، أنقذها !!!
-إنتي مجنونة ! .. هتف “يحيى” من بين أنفاسه و هو يساعدها لتطرد ما تبقى من الماء بجوفها
و استطرد و هو يكاد يفقد صوابه مِمّا جعلته يعيشه قبل قليل :
-انتي قلبك وقف بجد.. سامعة ؟ انتي موتّي و رجعتي تاني !!
قام و حملها على الفور عائدًا بها إلى الداخل و هو يقول بصوتٍ مختلج :
-انا عمري ما هاسامحك على إللي عملتيه فيا أبدًا …
وضعها بالفراش مدثرًا إيّاها بالأغطية، بينما أسنانها تصطك بقوة، كانت مغمضة العينين، تشعر برغبة لحوحة بفقدان الوعي و قد بدأت تستسلم لها فعلًا، لكنها شعرت به أولًا، ينضم إليها بالفراش، ذراعيه تحيطان بها، ثم سمعت صوته المرتعش يهمس لها بخشونةٍ :
-أنا بحبك.. بحبك !
و ظنّت بالفعل أن ما سمعته مجرد هلاوس، أو لعلها أمنيتها تتهيأ لها تحت تأثير الحمى، هو بالتأكيد لم يقول لها ذلك.. لا لم يقول.. إنها تتمنى أن يقول !!!
_______________________________
الأحداث الجارية منذ وصولها بيت الزوجية المزعوم أعجزتها بادئ الأمر عن تبيّن كم هو ثري حقًا زوجها، إنه بالفعل قصر مهيب، كل حجر و قطعة أثاث فيه تنطق بالفخامة و الارستقراطية، لا تصدق إنها قضت على حد قول الجميع ما يربو عن ثلاثة عشر عامًا هنا …
هل يُعقل ؟
أين صغارها إذن ؟ و شقيقتها “ملك”.. إنها أكثر من تشتاق لرؤيتها.. تلك الرضيعة الصغيرة و التي كان آخر عهدها بها مرضها الشديد.. تذكر بأنها كادت تموت من الخوف عليها.. حتى والديها لم يخافا على الطفلة حديثة الولادة بنفس قدر خوف “سمر”.. أين هي “ملك” !؟؟
لم ترى أحد هنا غير سيدة القصر “فريال” هانم كما يدعوها الجميع، زوجها و طاقم الخدم، و الآن وصلت الوافدة الجديدة، ألقت عليها تحيّة مقتضبة و سارعت للأطمئنان على والدتها …
-مامي مالها يا عثمان إيه إللي حصل ؟؟ .. هتفت “صفيّة” و هي تجلس بجوار أمها الغافية على الفراش الواسع
كانت عبارة عن نسخة مصغّرة من أمها، جميلة بقدرها، و حتمًا أكثر جمالًا من أخيها الذي ورث ملامح العائلة حادة الوسامة …
كان يقف عند مقدمة السرير، ينظر بصمتٍ إلى أمه، حتى شعر بنظرات شقيقته تحملق فيه بانتظار اجابته، نظر لها الآن و قال واجمًا :
-ماما حاولت تنتحر يا صفيّة.. كانت هاترمي نفسها من هنا و لحقتها في آخر لحظة !
و أشار برأسه نحو الشرفة الموصدة بأقفالٍ الآن، بينما تكتم “صفيّة” شهقة مرتعبة بكفّها، و لم تستوعب بعد ما قاله، سألته بصدمةٍ حقيقية :
-مامي حاولت تنتحر ؟ ليـه ؟ ليــه يا عثمـان !؟؟؟
زفر “عثمان” مطوّلًا و هو يفرك بين عينيه بتعبٍ بيّن، ثم قال بصوتٍ مكتوم :
-ليه دي عايزة نقعد و أشرح لك الموضوع كويس.. المهم دلوقتي أنا مش عايزك تتحرّكي من جنبها. الدكتور لسا ماشي من شوية و إداها مهدئ هايخلّيها تنام.. ضروري لما تصحى تكوني معاها يا صفيّة.. فريال هانم ماتبقاش لوحدها من اللحظة دي.. لحد ما تفوق و أقدر أقيّم حالتها بنفسي.. مفهوم ؟
أومأت له طائعة، فلم يطيل الوقوف و مضى خارجًا من الغرفة، الآن سمح لنفسه بالتداعي، بعد أن استنزفت أمه كل قوته و أذاقته خوف لم يتصوّره طيلة حياته، رمى بنفسه فوق أحد مقاعد صالون الردهة المجاورة لرواق الغرف، وضع رأسه بين يديه و كتفيه لا يكفّان عن الارتعاش من حينٍ لآخر
شعر فجأة بلمستها، تلك اللمسة التي يميّزها جيدًا، أحطّت بيدها فوق كتفه، رفع رأسه متطلّعًا لأعلى، وجدها حقًا، هي بنفسها.. حبيبته.. زوجته …
-سمر ! .. نطق اسمها بطريقةٍ كما لو إنه ترياق لكل أحزانه
كانت تقف أمامه و التردد يبدو عليها، لا تعلم إتباعها له صحيحٌ أم خطأ، لكن ما دفعها للتواجد معه هنا في هذه اللحظة مبهمًا، كان شيء في أعماقها يحثّها على ذلك، و لم تستطع معارضته …
جحظت عيناها باللحظة التالية، عندما أحاط خصرها بذراعيه و شدّها لتجلس على حضنه، ألقى برأسه على صدرها و ضغطه بشدة ليستشعر دفئها، ليستنشق عبيرها الذي يعمل على تهدئته اكثر من أيّ دواءٍ أو وصفة طبيّة
لم تستطع “سمر” فعل أيّ شيء في المقابل، بقيت هادئة فقط، تسمح له بأن يأخذ منها فسحة صغيرة للتنفيس عن مشاعره السلبية التي رأته يُعاني منها خلال الساعات القليلة الماضية، رغم إن ضغطه عليها كان موجعًا، لكنها لم تحاول صدّه أبدًا
لتسمع صوته الآن منبعثًا من أعماقه بهمسٍ مغرٍ رغم نبرة التوسل فيه :
-سمر.. خلّيكي معايا إنهاردة.. عشان خاطري ماتمشيش… أنا محتاج لك أوي !!
رفرفت أجفانها بتوترٍ و قد بدأت تندم على تلك الخطوة التي مشيتها تجاهه بقصد التهوين عليه، إنه الآن يبدو متطلبًا، هذا ما خشيت منه.. كيف تخرج نفسها من هذا المازق ؟
-مامـا !
النداء الجذل جعلها تنتفض بقوة بين ذراعيّ زوجها، لم يتركها “عثمان” فورًا، بينما أدارت رأسها لترى عصبة من الصغار كان إبنها الذي تعرّفت إليه بالأمس بينهم، أنارت الابتسامة المتسعة وجهه البهيّ و هو يركض تجاه والديه هاتفًا :
-كنت خايف أجي و تكوني مشيتي.. و بعدين انتي إزاي بتحضني بابا كده.. أنا بس إللي احضنك !
و بالفعل أمسك بيديّ أبيه ليفك عناقهما، طاوعه “عثمان” بتباطؤٍ، لتقف “سمر” على قدميها ثانيةً و يحلّ الصبي محل أبيه معانقًا خصر أمه، بينما لم تكن “سمر” تنظر لشيء الآن إلا لذات الشعر العسلي أمامها، فور أن رأتها عرفت بأنها هي.. هي شقيقتها “ملك” و كأنها معجزة
أخذت تطالعها بنظراتٍ ذاهلة، و بادلتها الأخيرة النظر بابتسامةٍ رقيقة و هي ترحب بها :
-سمر.. حمدلله على السلامة.. انتي وحشتينا أوي يا سمر !
-ملك ! .. رددت “سمر” اسمها دامعة العينين
كانت المشاعر على اختلافها تتكالب عليها الآن، و تشعر برغبةٍ شديدة في البكاء، لولا إندفاع أصغر أفراد العائلة من المواجهة، انتبهت “سمر” لتلك الصغيرة التي ركضت من أمامها متوجهة نحو رواقٍ جانبي و سرعان ما تلاشت تمامًا عن الأنظار
عرفت فورًا بأنها “فريدة”.. ابنتها الصغيرة.. لكنها لم تعرف لماذا تصرذفت هكذا.. لماذا فرّت منسحبة بهذه السرعة و دون أن يتعرّفا أو حتى تكلّمها !!!
أحسّت “سمر” باقتراب زوجها منها، كان يقف خلفها مباشرةً الآن، و سمعته يتمتم قرب أذنها :
-فريدة متعلّقة بيكي أكتر واحدة بعد يحيى.. و لو انتي سمر إللي كنتيها من أسبوع واحد كنتي هاتعرفي إني غيرانة.. ياريت ماتنسيش الكلام إللي قلتهولك.. انتي عارفة هاتتعاملي مع الولاد كلهم إزاي !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الثاني عشر _ أكلها الذئب _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
لا تزال الخصومة قائمة بينهما، رغم إنه قضى معها بضعة أيام بعد محاولة إنتحارها غرقًا حاول خلالهم إرضائها بشتّى الطرق و التعويض عليها قسوته و اساءته في حقها، جرح مشاعرها الذي لا يُغتفر، أضطر أن يعود إلى منزله في الأخير، لكنه لم يستطع البقاء دون أن يفكر بها !!
لم يهدأ باله لحظةً واحدة، لم يمر يومان إلا و قد اعتزم العودة إليها، و الحجة التي سوف يخرج بها حاضرة في ذهنه بالفعل، ينتظر اللحظة المناسبة فحسب …
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أوشكت ساعة عودة زوجها من العمل، و قد تأخرت حقًا عن موعدها لزيارة منزل آل”الألفي” في محاولة أخيرة منها للسعي من أجل للصلح بين شقيق زوجها و زوجته، صديقتها المقرّبة “رضوى الألفي”.. إنها تعتبرها أختًا لها كما ترى “رفعت” كذلك أيضًا
كانت تتجهز بغرفتها الآن، تضبط حمرة فمها المتقنة، الباب موارب، بينما يمر “رفعت” مصادفةً لتلمحها عيناه و يتوقف رغمًا عنه مأخوذًا بسحرها الذي لا ينضب عليه، بقى بمكانه بلا حراكٍ، يستند إلى باب الغرفة دون إحداث أيّ جلبةٍ …
حتى انتهت و استدارت ممسكة بحقيبة يدها الصغيرة تأهبًا للرحيل، جمدت للحظة حين رأت “رفعت” بالجوار، و لكن سرعان ما ابتسمت له بجاذبيتها المعهودة هاتفة :
-أنا قلت كده بردو.. قلت أكيد رضوى مش هاتهون عليك و هاتيجي معايا نجيبها سوا.. أنا خلاص جهزت يا رفعت !
نظر “رفعت” صوبها مقطبًا و قال بانزعاجٍ واضح :
-أنا مش جاي معاكي عند رضوى يا فريال. مش هقدر أمنعك تروحي لها لو انتي حابة ده.. لكن لازم أقولك إنك بتتعبي نفسك على الفاضي.. قراري نهائي.. أنا و رضوى هانتطلّق.
عبست بشدة و لوهلةٍ عجزت عن الرد عليه لشدة غضبها من كلماته، لكنها تجاوزت مشاعرها السلبية و ندت عنها نهدة عميقة، تركت حقيبتها من يدها و مضت إلى الخارج تجاهه، تبعها “رفعت” بنظراته حتى و هي تتخطّاه قائلة بحزمٍ لا يخلو من الرقة :
-تعالى ورايا يا رفعت !
بدون أن يسأل أو يفه بكلمةٍ، سار خلفها وصولًا للأسفل، اصطحبته إلى الترّاث الرئيسي ذي الإطلالة المتميزة على واجهتيّ القصر و الحديقة الممتدة أمامهما غنّاء و ساحرة
طلبت “فريال” القهوة لكليهما.. ثم ابتدأت حديثًا جادًا مع شقيق زوجها العنيد …
-بص يا رفعت.. أنا من اول ما دخلت البيت ده لاقيت فيه أخ و أخت. انت و رضوى بالنسبة لي اخواتي. و يعز عليا إن أخويا يزعل أختي. خصوصًا لو هي كمان بتحبه و ماتقدرش تزعله.. انت بتظلم رضوى معاك و فوق ظلمك ليها بتظلم صالح و هالة.
رد “رفعت” بصوتٍ أجش بعد أن سحق سيجارته الثالثة :
-من فضلك يا فريال سيبي أسطوانة صالح و هالة دي على جنب. ولادي أنا عارف مصلحتهم كويس. و بالعكس إنفصالي أنا و أمهم هايكون مفيد ليهم اكتر مننا احنا الاتنين.. على الأقل مش هايعيشوا مشاحنات أكتر من كده بين أبوهم و أمهم و انتي شوفتي بنفسك. رضوى مابقتش في حالتها الطبيعية مؤخرًا.. لو القصة دي مانتهتش الولاد هايكرهوها صدقيني من اهمالها و عصبيتها.
-و مين السبب في الإهمال و العصبية يا رفعت ؟ انت ليه مش عايز تصدق انك أهم شخص في حياة رضوى. رضوى بتحبك يا رفعت. بتحبك جدًا. دي وقفت قصاد أهلها عشانك كل ما كانوا بيعرفوا من برا عن علاقاتك بالستات و يحاولوا يردوا كرامتها بأي طريقة كانت بتيجي في صفك انت.. قولّي هاتلاقي واحدة تحبك كده إزاي !؟
تأفف بضيقٍ شديد و قال :
-هي بتحبني.. بس أنا مابحبهاش.. عمري ما حبيتها يا فريال !!
رفعت حاجبيها مرددة بذهولٍ :
-مش معقول.. انت بتهزر صح ؟ إزاي مش بتحبها يعني ؟ أومال بتحب مين !!؟
-“بحبك انتي!” .. قالها في نفسه و هو ينظر مباشرةً إلى سِعّة عينيها الملوّنتين
صمت لبرهةٍ قصيرة.. ثم قال بعد ترددٍ :
-انت اتجوزت رضوى جواز تقليدي جدًا.. يحيى جه في يوم قال لابويا أنا عايز اتجوز.. كان ساعتها لسا عيّل صغير يدوب 19 سنة.. و أنا الأخ الكبير إللي تم 25 سنة و لسا عازب رغم إلحاح الكل عليا من قبل كده بكتير.. لكن و لا حد كان يعرف الحقيقة.. أنا كنت ناوي أتجوز طبعًا.. بس كنت مستنيها !
فريال بفضولٍ : هي مين دي ؟
ابتسم “رفعت” بمرارةٍ و هو يشملها بنظراته المتحسّرة، يصرخ من اعماقه بأنها هي، منشودته، حبيبته الأبدية، لكنها لم تفهم نظراته، كما لم تسمع مناجاته المعذّبة بداخله، بينما يتنهد ناقرًا بأنامله فوق ذراع الكرسي المصنوع من خشب الجص :
-حبيبتي.. البنت الوحيدة إللي حبيتها و سكنت قلبي من أول نظرة.. أرق مخلوقة شوفتها في حياتي.. الأجمل و الأفضل.. أنا لحد دلوقتي مش شايف غيرها.. اوعي تفكري إن طول عمري كنت بتاع ستات زي ما بيتقال عني.. أنا ماحصلّيش كده غير لما اتأكدت إن عمرها ما هاتكون ليا.
ضمّت “فريال” حاجبيها في تأثرٍ لسماع كلماته، و قد أدركت بأنه لن يفصح لها عن هوية معشوقته التي حُرم منها، و كابد نتيجة ذلك عذابًا شديدًا لم يطاله وحده …
-طيب ليه يا رفعت ؟ .. تساءلت بلهجةٍ أكثر تعاطفًا :
-لما انت كنت بتحب.. استنيت ليه على حبك ؟ سبت إللي بتحبها ليه ؟؟
ابتسم بسخريةٍ قائلًا :
-أنا ماسبتهاش.. أنا مالحقتش حتى أقولها.. كانت لسا بنت صغيرة و كنت مستني لما تكبر شوية بس عشان أفاتح أبويا و أروح أتقدم لها.. لكن جه غيري و سبق.. اتخطبت و عرفت إنها بتحب خطيبها حتى من قبل الارتباط.. ف قطعت الأمل نهائي و استسلمت لضغط أمي عليا في موضوع الجواز. عرضت عليا بنات كتير من عائلات المعارف و الأصدقاء.. اخترت رضوى من بينهم و تم الجواز في أقل من شهرين.. جواز عادي.. ماتبناش على حب و لا أي مشاعر.. أكيد صعب يكمل يا فريال… زي حبّي تمام.. صعب !!
إلتمعت عيناها مصحوبة بحديثه الذي لا يرمز لشيء إلا الحزن العميق، حزنت بدورها و هي بالكاد تعرف الآن بمعاناة شقيق زوجها و منذ زمنٍ، كان يُعاني حبًا مستحيلًا و لا أحد يدري به.. المسكين …
-صعب أوي يا رفعت ! .. تمتمت بأسى حقيقي :
-صعب تتحرم من حد بتحبه.. بس رغم كل إللي حكيته دي مش مبررات لتصرفاتك.. رضوى ذنبها إيه ؟
ارتعد بمكانه مغمغمًا بتعاسةٍ :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-و أنا ذنبي إيه ؟ صدقيني حاولت أتقبل حياتي معاها. مقدرتش.. أنا مش بحبها. أنا بحب إنسانة واحدة مش ممكن أحب غيرها. مش قادر. طول ما أنا محروم منها مش هاعرف أكون انسان طبيعي يا فريال. لا مع رضوى و لا مع غيرها. أنا هفضل طول عمري كده. عاجبها تفضل معايا على الوضع ده أهلًا و سهلًا.. مش عاجبها يبقى مافيش في إيدي حل غير الطلاق !!
أرادت أن تجادله حول قراراته المتعسّفة بحق أسرته، لكنها لمحت من بعيد مرور زوجها عبر الباحة متجهًا داخل المنزل، ها قد عاد من العمل أخيرًا …
ضجّ قلبها بسعادةٍ أسرّتها في نفسها أمام “رفعت”.. اعتذرت منه مسرعة بينما لا تحيد بناظريها عن زوجها :
-طيب يا رفعت احنا هانكمل كلامنا بعدين.. بس آخر حاجة هاقولها لك دلوقتي أنا مش راضية عن قراراتك. و لو ليا غلاوة عندك هاتسمع كلامي و ترجع رضوى و بنفسك هاتروح تجيبها.. عن إذنك !
و قامت على الفور لتلحق بزوجها المسرع جدًا …
-يحيى !
بالكاد سمعها بينما كان يجتاز الردهة العلوية ماضيًا إلى جناحه الخاص، توقف بمنتصف الطريق و أدار جسده قليلًا ناظرًا إليها، عبس في البادئ عندما رآها ترتدي ثوبًا أنيقًا من قماش الستان السماوي، ضيّق يبرز تفاصيل جسمها، بأكمام طويلة و مفتوح من أعلى الساق، لقد نهاها في إحدى المرات أن ترتدي مثل تلك الألبسة، و ربما كان ليضايقها هذه المرة و يبدي إنزعاجه، و لكنها فرصته الآن …
وصلت إليه مستقبلة إيّاه بابتسامةٍ حلوة و هي تقول :
-حمدلله على السلامة.. أنا مش مصدقة إنك جاي بدري إنهاردة !
رمقها بنظرةٍ واجمة و لم يرد، فتلاشت ابتسامتها في ثوانٍ و ذهلت حين رأته يلتفت مستأنفًا طريقه متجاهلًا وجودها برمته، انقبض قلبها بجزعٍ من ردة فعله غير المتوقعة، و تبعته في الحال وصولًا إلى غرفة النوم، أغلقت الباب من خلفها و إلفتت نحوه
كان يخلع سترته و يحلّ ربطة عنقه، بينما تلتفت ناحيته قائلة :
-يحيى.. أنا كنت بكلمك على فكرة.. إزاي تسيبني و ماتردش عليا !؟
لم يرد عليها هذه المرة أيضًا، فجن جنونها و هي تجذ الخطى صوبه هاتفة :
-يحيـى انت سامعني ؟ أنا بكلمك !!
و أمسكت بكتفه الصلب تحاول مواجهته، لكنه واجهها برغبته، استدار إليها بتباطؤٍ، وجهه الوسيم تبدو عليه علائم الغضب الآن، و لا تعرف ما مشكلته بالضبط …
-انت مابتردش عليا ليه ؟؟ .. سألته بعتابٍ بَيّن، و أردفت و هي تلامس جانب وجهه بكفها :
-مالك يا حبيبي.. فيك حاجة ؟ إيه إللي حصل يا يحيى كلّمني !!
-كنتي فين يا هانم ؟
أجفلت للهجته الحادة و تفاجأت بسؤاله، لم يتسنّى لها الرد على الفور، فاستطرد بنفس الأسلوب :
-خرجتي روحتي فين بالمنظر ده ؟؟
رمشت بعينيها عدة مراتٍ و هي تقول :
-ماخرجتش خالص إنهاردة.. كنت هاخرج آه مع رفعت انت عارف إن رضوى مشيت و كنت عايزة أصالحهم. بس هو مارضيش يروح ! .. ثم تساءلت بتعجبٍ :
-و بعدين ماله منظري يا يحيى !؟
كست حمرة دامغة محيّاه و هو يقول بغلظةٍ :
-أنا قلت لك الهدوم دي ماتظهريش بيها قصاد أي حد.. قلت و لا ماقولتش !!؟
أجفلت مرةً أخرى و هي تجاوبه باضطرابٍ :
-قلت يا يحيى.. بس.. الفستان ده مش مكشوف. أنا اشتريته و أنا معاك انت مش فاكر ؟
ضحك قائلًا باستهجانٍ :
-و الله أنا لما شوفته كنت فكرك بتشتريه عشان أنا بس إللي اشوفه.. مش إللي يسوى و إللي يسواش يشوف إللي أنا شخصيًا مش بشوفه !!!
قطبت بشدة و قالت و قد أثارت كلماته حفيظتها :
-إيه إللي بتقوله ده ؟ انت أول مرة تتكلم معايا بالأسلوب ده أصلًا !!
يحيى بنفاذ صبرٍ :
-مش يمكن عشان زهقت ؟ عشان مابتحسيش ؟ أنا ساكت. ساكت. ساكـت.. و انتي بتزيدي فيها بس. وضعي معاكي بيبقى أصعب بمرور الوقت. خلاص صبري نفد !!
كانت تستمع إليه مشدوهة، تنظر إلى الأجيج بعينيه الرماديتين و هي تقول مفغرة فاها :
-إيه إللي حصل لكل ده يا يحيى ؟ احنا كنا كويسين. خرجت و رجعت كده. ليه ؟ ليه بتقول كده و أنا عمري ما زعلتك و لا جرحتك بكلمة. انت دلوقتي بتجرحني !
هز رأسه و هو يرد في إثرها بجمودٍ :
-ده الظاهر ليكي عشان أنا إللي دايمًا بحاول أرضيكي. انتي بتعملي عشاني إيه يا فريال ؟ شايفة كلامي بيجرحك أوي ؟ انتي جرحتيني كام مرة و انتي و لا حاسة ؟؟
تحرّك بؤبؤيها في نشاطٍ مع عقلها الذي يعمل الآن بلا هوادة محللًا اتهاماته، لم تهتدي لرد يؤكد أيًّ منها، فعاودت النظر إليه متمتمة :
-انت حبيبي.. عمرك ما تهون عليا.. انت بتظلمني دلوقتي.
ساد الصمت بينهما للحظاتٍ طويلة.. و التوتر يتصاعد بينما تنتظر رده كارهة مآل الحدث الكارثي النادر الذي وقع بينهما فجأةً …
خطا “ريحيى” نحوها الخطوة الفاصلة بينهما، اقترب كثيرًا حتى شعرت بأنفاسه، و أقشعّرت من نظرته التي اخترقتها من بين أهدابه المسبلة بينما يقول بصوتٍ خافت :
-طيب.. مش هاظلمك.. اثبتيلي إنك بتحبيني بجد زي ما بتقولي.
فريال بدموعٍ : انت كمان بتشكك في حبي ليك ؟ عشان إيه كل ده يا يحيى ؟ إيه إللي حصل فجأة !!؟؟
لم يجاوبها بالكلام، إنما دنى برأسه بلا مقدمات آخذًا شفتيها في قبلةٍ جائعة اخترقت معاييرها الخاصة التي أقامتها بينهما منذ مدةٍ طويلة، فضلًا عن شعورها بيديه تتحسانها من فوق القماش الناعم لثوبها، حتى وصلت إحداهما لأكثر الأماكن المحظورة عليه، ما إن أحسّت براحة يده تضغط على توأميها، لم تتحمل ذلك، رفعت يدها و أزاحت يده بعيدًا عن صدرها تمامًا و هي تنسلخ من قبلته بصعوبةٍ …
-يحيى ! .. نطقت اسمه من بين أنفاسها
ألقت برأسها للخلف لتتمكن التحدث إليه بصرامةٍ لا تخلو من العصبية :
-انت عارف إني حسّاسة.. فهمتك قبل كده مابحبش اللمس في الأماكن دي.. أنا مارضعتش ولادي بسبب كده.. مابستحملش !!!
قال “يحيى” من بين لهاثه الخشن :
-بس عادي تبقي مهووسة بالموضة و اللبس إللي يظهر تفاصيل جسمك للناس. عادي تستحملي نظراتهم.. إللي مش عادي لمستي أنا. نظرتي أنا.. صح ؟
أغرورقت عيناها بدموع العجز و هي تنظر إليه فقط لا تقدر على الرد، ليتركها فجأةً قائلًا بهدوءٍ مقتضب :
-انتي عمرك ما حبتيني يا فريال.. لو مفكرة إن ده حب يبقى بتخدعي نفسك طول الوقت.. و للأسف كنتي بتخدعيني !
هزت رأسها للجانبين محاولة العثور على أيّ كلمة تنفي بها ادعاءاته، إنها تحبه، تحبه كثيرًا ربما أكثر من روحها، و لكن الأمر معقد، لا تريده أن يسأل، تخجل من ذكره، لا يمكنها القول، لا يمكنها أن تبوح له هو بالذات …
-انتي طالق !!
حملقت فيه بصدمة كبيرة الآن.. هل قال ذلك حقًا !؟؟
هل طلّقها للتو !!!!
-انت قلت إيـه ؟ .. استوضحته بصوتٍ جريح بينما تجري الدموع على خدّيها
رمقها بنظرةٍ قاسية و لم يزيد حرف آخر، استدار ملتقطًا سترته متأهبًا للرحيل، فإذا بها تعترض طريقه من فورها هاتفة :
-يحيى.. انت.. انت طلّقتني بجد ؟ إزاااي.. إزاي نطقتها.. إزاي هونت عليك ببساطة كده !!!؟
يحيى بحزمٍ : اوعي من قدامي يا فريال !
هزت رأسها بقوةٍ منتحبة بحرارةٍ الآن :
-لأ.. مش هاتخرج من هنا. لو خرجت من هنا مش هانرجع زي الأول تاني.. لو خرجت في حاجة وحشة هاتحصل !!
ابتسم هازئًا : أوحش من الطلاق ؟ ماظنش.. اوعي من قدامي !!
رفضت الإنصياع له و اقتربت منه تريد أن تحطّ بيدها فوق صدره، لكنه أمسك معصمها قبل أن تلمسه و أبعدها عن طريقه بقساوةٍ لم تألفها منه مطلقًا، تأوهت عندما اصطدمت بالجدار، و لكن الدفعة لم تؤلمها بقدر ما آلمها قلبها في هذه اللحظة و هي تراه يهجرها فعلًا …
ركضت وراءه صارخة بكل ما فيها من قهرٍ :
-يـحيـــى.. ارجع عشان خاطري.. ماتسبنيش.. يــحيـــــــى …
و لكن لا حياة لمن تنادي
مضى في طريقه صامًا أذنيه عن ندائها و بكائها الذي يذيب الحجر، و التقى بأخيه بمنتصف الطريق، توقف قبالته للحظاتٍ، الأخير ينظر للأعلى نحو صراخ “فريال” المتواصل، ثم ينظر لشقيقه شذرًا و هو يقول :
-دي أخرتها صح.. ده إللي كان ناقص تعمله في مراتك و ام ولادك إللي المفروض كمان بتحبها. و عشان مين ؟ بنت السواق !
و ابتسم له باتنقاصٍ مستطردًا :
-رايح لها مش كده ؟ روح.. انت ماكنتش محتاج تبهدل مراتك كده عشان تعرف تخلع. ما شاء الله عليك موهوب في الكدب و التمثيل.
يزم “يحيى” شفتيه مسددًا إلى أخيه نظرة محتقنة، و لا يكلف نفسه عناء الرد عليه، يتجاوزه باللحظة التالية مغادرًا دون أن يلقي خلفه نظرةً واحدة …
يتنهد “رفعت” بثقلٍ و لا زال يسمع بكاء “فريال” من مكانه، يرتقي بقيّة الدرج باسراعٍ، إلى أن أفضت خطواته إليها أخيرًا، إذ رآها تجثو على قدميها أمام غرفة نومها، منهارة، مرتجفة، لا تكف عيناها عن ذرف الدموع لحظة
انفطر قلبه لرؤيتها هكذا، فأسرع ناحيتها صائحًا :
-فريـال..إيه إللي مقعدك كده. قومي.. قومي معايا !
و انحنى ممسكًا بكتفيها، شدّها بسهولة لتقوم على قدميها، عبس بشدة و هو ينظر في وجهها الذي كان مشرقًا منذ قليل، الآن هو مجرد نافذة تطل على مشاعر الألم و الخذلان …
ارتجفت بشدة بين يديه و هي تقول بصعوبةٍ :
-يحيى.. يحيى طلّقني يا رفعت !!
بدت الصدمة عليه لوهلةٍ، قبل أن تمزّقه مشاعر الفرحة بالخبر الذي لطالما تمناه، و في نفس الوقت مشاعر الأسف عليها و على الحالة التي ألمّت بها الآن، كزّ على أسنانه و قال محاولًا تهدئتها :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-طيب إهدي.. كل حاجة هاتبقى كويسة.. أكيد هايرجع. هايعرف غلطته.. بس إهدي انتي من فضلك.
بدت و كأنها لم تسمعه، فقط مضت تردد عبر نشيجها :
-ولادي.. عثمان.. صافي.. ولادي …
جاوبها “رفعت” بصلابةٍ لا تخفي قلقه عليها :
-مالك يا فريال.. فوقي كده و امسكي نفسك. ما انتي عارفة ان الولاد كلهم مسافرين من امبارح. بينا و بينهم 7 ساعات سفر !
ازداد تشنجها بين يديه، مِمّا ضاعف خوفه عليها، الخوف الذي استحال إلى فزعٍ خلال لحظاتٍ حين تداعت فاقدة وعيها، كانت لتسقط لولا أن ضمّها إليه بشدة، ثم حملها على ذراعيه و هو يلج بها إلى غرفة نومها، وضعها بالفراش مناديًا إيّاها :
-فريال.. فريال …
لم يحصل منها على أيّ رد، فلم يضيّع ثانية أخرى، رفع سماعة الهاتف القريب و طلب رقم طبيب العائلة، حضر المذكور في أقل من عشرون دقيقة، فحص “فريال” أمام عينيّ “رفعت” المرتابتان، ما إن رآه يجمع أدواته الطبيّة حتى عالجه بالسؤال :
-مالها فريال يا دكتور طارق طمنّي !؟؟
إلتفت الطبيب الأربعيني نحوه قائلًا ببشاشة :
-اطمن يا رفعت بيه. فريال هانم هاتبقى كويسة جدًا. مافيش أي حاجة عضوية زي ما شوفت الأمر كله نفسي. إللي حصلّها ده زي إنهيار عصبي عشان كده فقدت الوعي. انا إدتها مهدئ قوي شوية هايخلّيها تنام بعمق لمدة 8 ساعات متواصلة فترة النوم الطبيعي يعني. بس ضروري لما تصحى تشوفوا إيه إللي ضايقها و تعالجوه. أو انصحكوا بزيارة استشاري نفسية و عصبية هايكون أفضل طبعًا.
زفر “رفعت” بارتياحٍ مغمضًا عينيه، نظر إلى الطبيب قائلًا بامتنانٍ :
-متشكر يا دكتور.. و آسف على الإزعاج.
-لا أبدًا مافيش أي إزعاج. أهم حاجة سلامة الهانم. لو احتاجتوني هاكون موجود في أي وقت.. و سلامي ليحيى بيه أرجوك !
و غادر الطبيب
ليعود “رفعت” عند “فريال” بعد أن أوصل الأخير للأسفل، أغلق باب الغرفة من خلفه و استدار ماضيًا ناحيتها وئيدًا، حتى انتهى به المطاف جالسًا أمامها على طرف السرير، يتأمل فيها، نائمة مثل ملاكٍ، جميلة و نقيّة، لعله لا يناسبها كما كان يظن، و لا حتى أخيه الذي خانها و غدرها من وراء ظهرها.. فهل يحبها حقًا ؟
من منهما حبّه الأقوى من الآخر ؟
من الأسوأ ؟
كلاهما سيئان.. و لكن من كانت لتختار لو عرفت مقدار حبّه لها !؟؟
هذا السؤال طرحه على نفسه مرارًا و لم يجد إجابته، لا يعلم لماذا يلح عليه كثيرًا الآن، في جميع الأحوال سيظل بلا جوابٍ …
-مش حاجة غريبة أوي دي !؟ .. تمتم “رفعت” مخاطبًا إيّاها
يرتاح في هذا الوضع الذي يمكنه من التحدث إليها و البوح بمكنون صدره دون خوفٍ أو حاجزٍ أخلاقي يمنعه.. ابتسم بأسى مستطردًا :
-لسا بحبك زي الأول. و يمكن أكتر.. رغم إنك خلاص روحتي مني.. متخيّلة احساسي بيبقى إزاي كل ما بشوفك معاه.. عمرك ما هاتقدري تستوعبي المشاعر إللي حستها يوم جوازك منه.. لما حملتي منه.. و لما خلّفتي له مرتين.. انا قادر أفهم إنك بتحبيه.. ده إللي خلّاني أبعد من البداية.. لكن هو …
و صمت لهنيهةٍ، يشعر بالغضب يسري بشرايينه، بينما يتابع من بين أسنانه :
-هو ماحبكيش.. خانك.. تصدقي دي.. يحيى اتجوز عليكي يا فريال.. و عارفة مين.. بنت السواق.. حتة بت و لا تسوى.. قدر يحطها في مكانتك و يخلّيها تشيل اسمه زيك.. يساويها بيكي انتي.. بتقولي طلقك.. و ماتعرفيش إنه فيلم عشان يسيبك و يروح لها.. أد كده خدت عقله لدرجة يعمل معاكي كل ده.. يا ترى لو عرفتي هاتفضلي تحبيه ؟ هاتقبلي تكملي معاه ؟؟
حرّكه الغضب ليدنو منها أكثر ممسكًا وجهها بين قبضته، يردد بخفوتٍ مقابل بشرتها الدافئة :
-انتي ماتستهليش كده.. هو مايستهالكيش.. كان لازم تكوني معايا أنا.. آه لو كنتي معايا.. آه لو كنتي ليا !
ثم فجأة غزت الفكرة رأسه، و كأنها وحيٌ من الشيطان، بل هو شيطانه زيّن له الأمر، إنها فرصته، فرصته الوحيدة ها هي أمامه، لا أحد ليشهد، لا هي نفسها، و لا أخيه، حتى “رضوى” و الأبناء كلهم، ليسوا هنا
ما من وقتٍ ليفكر في صحة أو خطأ ما سيقدم عليه، ما من وقتٍ ليفكر مرتين، سيفعلها لأنه سيموت إن لم يفعل، سيفعلها إنتقامًا منها و من أخيه، و على كل هي ليست في عصمته الآن.. صحيح ؟
في جميع الأحوال، هو لا يرى أمامه الآن سوى حبيبته، عشقه المستحيل …
ترقد بلا حول و لا قوة، صدرها يرتفع و ينخفض في تناغمٍ مع معدل تنفسها المنتظم، فخذاها ممدودان أمامه مع ساق واحدة عارية، و الساق الأخرى مباعدة مما جعل عقله يترنّح !
لعله يقاوم شيطانيه كلها الآن، و هو يتفرّس فيها مراقبًا إلتماع العرق.. أو الدموع ليس متأكدًا عبر عنقها الناعم و مفرق صدرها، اللون الوردي يغطي وجنتيها، إنها مثالية، و هو ليس قديسًا.. إنه… ذئب !!!
و هذا ما برهن عنه بالحرف الآن و هو يقوم ليزيح سترته عن كتفيه، ثم يحلّ أزرار قميصه و يدنو من جديد صوبها غير قادرًا على ردع نفسه أكثر، قبّلها فمها بجشعٍ كبير، يتذوّق اللحظات الثمينة لاغيًا عقله على الأخير، بينما يحلّق فوق جسدها بيده غازيًا و مقتحمًا بجرأة و خسّة ممتلكات تعود لغيره
و خلال ثوانٍ كانت أمامه كما كان يتمناها، لا عازل بينهما، سروالها الداخلي في قبضته ممزق فقط، لا يعلم ماذا سيفعل في هذا الخطأ الفادح، لكنه حتمًا سيجد له حلًا ما إن ينتهي …
-كان نفسي تكوني صاحية ! .. دمدم “رفعت” بثمالةٍ بينما يموضع نفسه ساقيها
يمسّد خدّها براحة يده مضيقًا و هو يكاد لا يصدق ما يحدث :
-كان نفسي تحسي بيا.. أنا بحبك.. أنا مجنون بيكي.. بحبك يا فريال.. بحبك …
ثم و كأنها اسطوانةٍ مشروخة، مضى يردد الكلمة و هو يطأ عِرضها بالفعل، عِرض أخيه، محققًا إنتقامه، و أمنيته في آنٍ واحد، يجتاحها، يسحقها أسفله بجنونٍ و كأن ليس هناك غدًا، و كأن هذا آخر شيء سيقوم به أبدًا
تنفسه العنيف يزداد ثقلًا، بالكاد يتنفس و هو يأخذ منها ما يستطع، إنه مغيّب، إنه مفتونٌ للغاية، لا قيمة للوقت ما دام معها أخيرًا، و هكذا قضى وطره بها، ضاجعها بلا هوادة و حقق أمنيته الغالية و وصمها الليلة بصكّ رجولته …
فماذا حدث الآن ؟
بعد أن هدأت جوارحه و فترت شهوته إليها !؟
أهو سعيد ؟
إنه يبكي فعليًا الآن، هل زعم بأنه لن يندم على فعلته قبل ساعة سالفة ؟
إنه نادمٌ.. بل يعض أصابعه ندمًا و حسرة أشدّ من حسرته في بُعدها عنه
لقد نالها كما أراد، ماذا حدث غير أنه دمرها، ليست وحدها، العائلة كلها ستنهار إذا ما اكتشف أحد ما حدث هنا الليلة، الجميع، و هو السبب، هو لا غيره …
تساقطت الدموع من عينيه و هو ينهض منظفًا الفوضى التي صنعها، ارتدى ملابسه و أعاد “فريال” على هيئتها السابقة، أتم كل شيء بيدين مرتعشتين، لقد فقدت يده الثقة التي تعامل بها خلال لحظاته المخزية، لم يعد كما كان، الليلة فقد في نفسه جزء لن يعود أبدًا، مهما حاول العثور عليه او استعادته
التقط سروالها الداخلي الذي مزّقه و دسّه في جيب سترته، رتب لها شعرها المشعث و عدل الوسائد أسفل رأسها، ثم ألقى نظرة أخيرة ليتأكد بأن ما من دليل يشير و لو من بعيد إلى ارتكابه ذلك الإثم و العار الكبير الذي سيحمله على عاتقه إلى قبره
عاد كل شيء كما كان، إلا هو و “فريال”.. هذا ما لن تعلمه أبدًا
لم يجرؤ على النظر إليها مرةً أخرى.. استدار مغادرًا الغرفة بسرعة …
_________________________________
يا له من كابوس
بل كوابيس مروّعة خضعت لها قسريًا، وساوس و شياطين تمثّلت في أشخاص تعرفها، أحدهما جاء في صورة “رفعت”.. كيف تعاطى عقلها مع أفكارٍ بشعة مثل تلك ؟
و الأبشع إنها تخاف.. كما لو إنه حدث بالفعل !!!
-يحيى ! .. صرخت “فريال” و هي تفيق أخيرًا متخلّصة من بقايا الكابوس المرعب
لتشعر بذراعيّ زوجها تحيطان بها و بصوته يطمئنها في الحال :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أنا هنا.. أنا هنا يا حبيبتي.. ماتخافيش أنا جنبك.. ماتخافيش …
فتحت “فريال” جفنيها المتثاقلين على وسعهما لتحدق بوجه “يحيى” المطلّ عليها، رأته يجلس بجوارها على سريرهما، يبتسم لها ببساطةٍ و في عينيه نظرة اعتذار، رمقته بلومٍ شديد و نبتت الدموع من عينيها مجددًا إلى حد فقدت السيطرة و أجهشت في البكاء فورًا
ضمّها إلى صدرها متمتمًا بندمٍ واضح :
-ماتعيطيش.. دموعك دي غالية عليا.. و مش هسامح نفسي على إللي عملته أبدًا.. مش عارف اصلًا إزاي قدرت أنطقها.. أنا مقدرش أسيبك يا فريال.. مقدرش أبعد عنك مهما حصل.. انتي روحي.. أنا رديتك.. انتي مراتي و أم ولادي و فوق منهم حبيبتي.. أنا آسف !
جزء منها استكان لعودتها إلى عصمته، لكنها ابتعدت عنه قليلًا لتتمكن من النظر إليه، أحاطت وجهه بكفيها مغمغمة من بين دموعها :
-أنا إللي آسفة يا يحيى.. أنا عارفة إني تعبتك معايا.. عارفة إني مش طبيعية.. بس أوعدك إني هاتغير عشانك.. مابقتش هامنعك من أي حاجة و لا هاحط شروط بينا.. أنا آسفة يا حبيبي سامحني !!
هز رأسه قائلًا :
-أنا مش عايزك تتغيري.. انتي زي الفل و طبيعية زي ما انتي.. أنا بحبك زي ما انتي.. أنا إللي آسف.. انتي إللي تسامحيني أنا غلطان في حقك.
و طبع قبلة على جبينها، ثم وجنتيها و شفتيها، مسح لها دموعها بيده، و قال و القلق لا يزال يخفق في صوته و نظراته :
-أنا كنت هموت من الخوف عليكي.. لما رفعت كلّمني بعد ما سيبتك بحوالي ساعتين و قالّي إنك وقعتي و جاب لك دكتور طارق.. رجعت علطول و فضلت قاعد هنا جنبك ماتحركتش لحد دلوقتي.
ذكرها قليلًا ببعض لمحات مِمّا تذكر من الليلة الماضية، نظرت له بريبةٍ متسائلة :
-و انت لما خرجت روحت فين ؟
أجاب في الحال :
-رجعت المكتب أخلص شوية شغل متعلّق و قلت هقضي الليلة على اليخت و هابقى أرجع تاني يوم لما اهدى.. بس مالحقتش أروح. رفعت كلّمني قبل ما أنزل من المكتب و بلّغني باللي حصل.. ف رجعت على البيت فورًا.
أومأت له مرة، ازدردت ريقها بصعوبةٍ و قالت بشحوبٍ و كأن الفكرة محتملة فعلًا :
-أصلي.. أصلي شفت كابوس وحش أوي.. حسيت إنه حقيقي !!
قطب بتأثرٍ و سألها :
-طيب احكيلي يا حبيبتي.. احكي عشان تطمني …
سحبت نفسًا مرتعشًا ثم قالت بلهجةٍ مختلجة :
-سمعت حد بيقولّي إنك اتجوزت عليا !!
ترقبت ردة فعله الآن، فلم ترى سوى الصدمة.. و الآن الإستنكار الذي تبعه ضحك ساخر و هو يرد عليها :
-حد قالّك إني اتجوزت عليكي ؟ فعلًا ؟ دي تبقى نكتة بايخة جدًا لو اتقالت في الواقع كويس انك سمعتيها في كابوس يا حبيبتي. معقول انا اتجوز عليكي انتي !؟؟
و قهقه عاليًا، لتنفرج أساريرها أخيرًا و قد بدد مزاجه المرح سوداوية صباحها، تصالحا أخيرًا، و عادت الأمور إلى نصابها، تركته لينال قسطًا من الراحة بعد أن سهر إلى جوارها الليل بطوله
قامت من السرير و هي تشعر بضعفٍ عام و ألالام متفرقة بأنحاء جسمها، لم تلقي بالًا بادئ الأمر، حتى ولجت إلى الحمام الملحق بجناحها، شعرت بحاجةٍ ماسّة للإستحمام، و نزعت ثوبها الذي نامت فيه منذ ليلة أمس، و لكن شئيًا ما استوقفها
أين هو سروالها الداخلي !!!؟
إنها ليست من نوع النساء اللاتي يرتحن لخلع سرواليهن أسفل الملابس و الأثواب عادةً، و لا تذكر إنها خلعته في وقتٍ سلف، فأين هو إذن ؟
__________________________________
الوقت الحاضر …
ينفتح جفنيّ “فريال” على وسعهما مرةً واحدة، و ينطلق من فمها هتاف هستيري مصدوم :
-بنت السواق.. رفعـت ! ……………………………………….
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الثالث عشر _ حب قاسٍ _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
يلتقي الأخوان صباحًا باكرًا بحديقة القصر عند الطاولة المجهزة بطعام الفطور، و قد تعمّد “يحيى” سباق زوجته لكي يتسنّى الإنفراد بأخيه بضعة دقائق، و هو ما فعله فور أن رآه، دعاه للجلوس على الفور و انحنى صوبه ليحدثه بخصوصية مبالغًا بها :
-رفعت.. إيه إللي حصل إمبارح بعد ما مشيت و سيبت البيت ؟
بالكاد تمالك “رفعت” أعصابه لدى سماع كلمات أخيه، حافظ على ثبات يداه و هو يواصل صبّ قدح الشاي خاصته و هو يجاوبه بلهجةٍ محايدة :
-حصل إيه مش فاهم.. أنا كلمتك و قلت لك إللي حصل.. فريال إنهارت بعد ما سيبتها و وقعت من طولها. روحت طلبت لها الدكتور فورًا.
يحيى بنبرةٍ حانقة :
-إيه إللي حصل غير ده ؟ أنا عايز أعرف انت اتكلمت مع فريال قلت لها إيه عني ؟ قلت لها إني متجوز عليها ؟؟
ينظر إليه “رفعت” الآن، لقد قال لها ذلك بالفعل، و لكنها كانت غائبة عن الوعي، أنّى لها أن تسمعه إذن ؟
و في حال سمعته.. هل أحسّت أيضًا بما فعله بها !؟؟
إذا صدق ظنّه فإنها كارثة حقيقية ستخرب هذا البيت و العائلة كلها …
-ماحصلش ! .. نفى “رفعت” بلا ترددٍ :
-أنا مافتحتش بؤي بحاجة زي دي قصاد أي حد.. هي قالت لك إني قلت لها ؟؟
يحيى عابسًا : ما قالتش.. بس رمت كلمة إنها حاسة بوضعي الجديد !
و طرق “يحيى” برأسه معربًا عن ضيقه و كارهًا أن يفقد السيطرة على أموره بسبب إنشغاله الملحوظ بزوجته الثانية بالآونة الأخيرة …
راقبه “رفعت” و عقله لا يكف عن التفكير، ليقول فجأة ما يجول برأسه :
-فريال قالت لي إنك طلّقتها.. صحيح ؟
تطلّع “يحيى” إليه و قال متبرمًا :
-دي كانت زلّة لسان.. أكيد مافكرتش و لا عمري ما هفكر أعمل كده.. فريال مراتي لحد ما أموت !
رفعت بغيظٍ : و لما هو كده روحت اتجوزت عليه ليـه !؟
رفع الأخير حاجبه قائلًا :
-و انت مالك يا رفعت. قلت لك قبل كده حاجة ماتخصكش..لو تكرّمت ماتدخلش في حياتي زي مانا مش بتحشر في حياتك و لا بقولك ماتعرفش دي و لا دي على مراتك. عمرك سمعتني نصحتك حتى ؟
نظر له “رفعت” و لم يرد، ليستطرد :
-ده عشان انت راجل راشد. و حر في تصرفاتك و قراراتك ماينفعش حد يجي يقولك أعمل و ماتعملش. ف من فضلك زي ما بحترمك بالشكل ده احترمني.
طحن “رفعت” فكّاه و هو يحدق بأخيه بعداءٍ واضح، لكنها أومأ له في الأخير و أشاح بوجهه بعيدًا عنه.. ليسمعه بعد دقيقة يقول بصوتٍ خفيض :
-بس هكون مبسوط أوي لو قبلت عزومتي على العشا في بيتي التاني !
عاود “رفعت” النظر إليه و كأنه لم يستمع إلى جملته جيدًا، ليؤكد “يحيى” مبادلًا إيّاه بنظرةٍ غير واثقة :
-رحمة مراتي بعد موت أبوها مالهاش حد غيري فعلًا. و لا حد باقي لها.. ف أنا مش عايز أحسسها إنها وحيدة بالشكل ده.. و بما إنك عرفت بجوازي منها قلت لازم اعرفكوا على بعض. انت أخويا و لما تقابلك هاتحس إنها بقت فرد من العيلة بجد… قلت إيه.. موافق تيجي عندي و لا لأ ؟
استوقفه العرض لبرهةٍ ليفكر فيه جيدًا، ما جعل “يحيى” يبدو و كانه يجلس على صفيحٍ ساخنٍ و هو ينتظر رد أخيه، ليبتسم “رفعت” في الأخير و هو يقول بتكلّفٍ :
-أكيد يا يحيى.. موافق طبعًا. شوف الوقت المناسب و هاجي معاك !
تنهد “يحيى” براحة و هو يومئ له بحركةٍ تنم عن إمتنانٍ …
تظهر “فريال” في هذه اللحظة من بعيد، يلاحظها “رفعت” أولًا، فينتابه التوتر الذي صاحب ليلته الفائتة كلها و إلى أن رآها من جديد الآن، تجدد، صار أكثر وطأةً و حدة و هو يراها لا تقل جمالًا و بهاءًا عمّا كانت عليه دائمًا
معشوقته و معذّبته، تقبل مزدانة بثوبٍ من الكتّان الوردي مؤلّف من قطعتان، و أوحى له الجزء الصغير الظاهر من بطنها بلمحاتٍ من الأمس القريب، عندما كانت بين ذراعيه كما تمنّى دومًا، هل كان نادمًا بعد أن تركها و خرج من عندها ؟
ربما في البادئ فقط.. لكنه الآن يُدرك بأنها كانت لحظاتٍ لا تقدر بثمن.. و إن الزمن لو عاد لكان كررها
عشقه لها و هوسه بها لا يدفعه فقط للجنون، لكنه يجعله على استعدادٍ لفعل أيّ شيء، لتكون قريبة منه إلى هذا الحد الذي ذاق فيه لذّة وصالها حتى و هي لا تدري بنفسها …
-صباح الخير !
سرت قشعريرة بأوصاله لحظة سماع صوتها، رد عليها بتمتمةٍ مقتضبة، بينما ينتبه “يحيى” لمجيئها، يقوم لها خصيصًا و يلتفت نحوها ليعانقها بعفويةٍ محببة و هو يقول بلطفٍ :
-صباح الورد يا روحي.. بردو قومتي من السرير. مش قلت لك الفطار هايجي لحد عندك ؟
أسندت “فريال” كفّها على صدره قائلة بابتسامة رقيقة :
-الفطار جه لحد عندي و رجعته يا يحيى.. الأكل منغيرك مش بيبقى له طعم و انا ما صدقت إنك موجود على الفطار إنهاردة.
ابتسم لها بوداعته المعهودة و دنى مقبلًا شفاهها في بادرة رومانسية أثارت غيّرة “رفعت” و جعلت الدماء تفور بعروقه، تجنّب النظر إليهما في الحال و إنشغل بتناول طعامه …
شد “يحيى” كرسي لزوجته بينه و بين أخيه، ثم جلس بمكانه ثانيةً و أخذ يهتم بها بنفسه و يُدللها فيسكب لها الشاي و يصنع لها سندويشًا بيديه بل و يُطعمها أيضًا، كل هذا يتظاهر “رفعت” بعدم ملاحظته و ينكب على الجريدة التي لا يتصفحها أصلًا
إلى أن انتشله صوتها فجأةً من أفكاره الفتّاكة :
-رفعت عمل فكرة حلوة أوي في شجرة الياسمين. غير إنها مضللة على القاعدين تحتها ريحتها تجنن.. تسلم إيديك يا رفعت بجد !
وجّه “رفعت” ناظريه ناحيتها، لأول مرة منذ البارحة يتواصل معها بالعين، و أجفل مرتبكًا و هو يراها تبتسم له ببساطةٍ، حرى به أن يطمئن و يسترخي الآن، فهي لم تشعر بأيّ شيء فعله …
-متشكر يا فريال !! .. تمتم “رفعت” بتباطؤٍ
استلذ بنظراتها الرائقة له، ابتسم تلقائيًا و قد تبدد كل الضغط و التوتر من حوله، تنفس بعمقٍ، و انبثقت الكلمات من فمه باللحظة التالية و قد خطط لها مسبقًا ليقيس ردة فعلها :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أنا فكرت في كلامك إمبارح يا فريال.. و خلاص قررت.. هارجّع رضوى !
تهللت أساريرها على الفور و هي تقول :
-بجد يا رفعت ؟ بجد فرحتني أوي أوي !!
أومأ لها قائلًا :
-انتي كان عندك حق. مش عشاني أنا و هي و بس.. صالح و هالة مالهمش ذنب في إللي بينا.
-أيوة صح. و كمان انتوا ماينفعش تبعدوا عن بعض. صدقني يا رفعت انت بتحبها بس مش حاسس.. لما ترجع و تدي لعلاقتكوا فرصة تانية هاتحس انت أد إيه بتحب رضوى.
-إن شاء الله ! .. و أضاف بقليل من التردد :
-كنتي عايزة تيجي معايا نصالحها في بيت أهلها !؟
-طبعًا ! .. و نظرت “فريال” صوب زوجها تطلب منه الرخصة :
-يحيى مش هايمانع لو روحت معاك إنهاردة.. مش كده يا حبيبي ؟
نظر “يحيى” إليها متيّمًا و قال ممسكًا بيدها :
-أنا موافق على أي حاجة تعمليها يا عمري.. المهم إن محدش يدوس لك على طرف. لو حسيتي بس بمعاملة مش إللي هي تقومي تمشي فورًا و أنا هايكون لي تصرف تاني.
تدخل “رفعت” في هذه اللحظة قائلًا بحدةٍ :
-و انت مفكرني ممكن اسمح لحد يمسّ فريال بكلمة او نظرة حتى ؟ محدش يقدر و لا يفكر يجي جنبها و أنا معاها.
أومأ له “يحيى” و قال بثقةٍ :
-أيوة طبعًا.. أنا عارف و واثق من ده.. و لو انت مش معاها إستحالة كانت تروح. مأمنش عليها حد غيرك يا رفعت !
هذه الكلمات الأخيرة.. صعقته للحظاتٍ
تجسّدت أمامه فعلته المخزية
خيانة لن يطمسها الزمن مهما كفّر عنها …
_____________________________
الوقت الحاضر …
تهرع “صفيّة” إلى جوار والدتها في الحال، لقد أفاقت أخيرًا، و لوهلةٍ لم تفكر “صفيّة” في أيّ شيء سوى سلامتها و فرحتها برؤية ذلك بعينيها، لفّت ذراعيها حولها و هي تقول بتلهفٍ :
-مامي.. مامي حبيبتي حمدلله على سلامتك.. انتي كويسة يا مامي ماتخافيش.. أنا هنا معاكي.. كلنا جنبك !!
و لكن “فريال” لم تكن تسمعها، كان عقلها مشغولًا بالرؤى التي راودتها، الكلمات تطن بأذنيها، و يرددها لسانها بلا إرادة منها :
-يحيى متجوز.. بنت السواق.. رفعت.. رفعت… رفعت ….
إتسعت عينيّ “صفيّة” بصدمةٍ، تخشى فهم مفاد الكلمات التي نطقتها أمها، لا يمكن أن يكون أبيها كما تقول.. متزوّج !!!
لا
حتمًا هذه هلوسة من أثر الإغماءة، غير معقول، أجل …
تحاول “فريال” النهوض من السرير و هي تردد بما يشبه الهذيان :
-رفعت.. رفعت.. رفعت.. رفعت …
و قد نجحت بالفعل بالقيام و الوقوف على قدميها، بالرغم من محاولات “صفيّة” لإستبقائها، لم تستجيب، و مضت تجاه باب الغرفة تتبعها “صفيّة” هاتفة :
-رايحة فين بس يا مامي.. انتي لسا تعبانة من فضلك ارجعي و خليكي مرتاحة في سريرك.. مامي …
لكن بلا جدوى، و كأن “فريال” لا ترى أمامها سوى هدفٍ واحد، يأست “صفيّة” من محاولاتها غير المجدية مع أمها، صاحت ملء صوتها منادية أخيها :
-عثمـــــــان.. عثمـــــــــان.. عثمـــــــــــــــان …
لم تكن تعلم بأنه هو بالجوار فعلًا، و قد أتى قبل أن تتم النداء الثالث، خرج من غرفة الطفلتين “ملك” و “فريدة” تتبعه “سمر”.. ما إن رآى والدته حتى أسرع مهرولًا إليها و قد انسحبت الدماء من وجهه …
-مامـا !!
و انطلق صوبها من فوره، أمسك بها قبل أن تبلغ الردهة الجانبية المؤدية للجناح الشمالي، جناح كامل خاص بأسرة “رفعت البحيري” و هو مهجورٌ في الوقت الحالي منذ وفاته و رحيل أولاده …
-رايحة فين يا فريال هانم ؟ .. صاح “عثمان” مثبتًا أمه بقبضته :
-من فضلك كفاية إللي عملتيه فيا الصبح. أنا مش مستحمل.. أرجوكي يا ماما اتمالكي اعصابك أكتر من كده.. أنا ماعنديش استعداد أخسرك !!
انتظرته “فريال” حتى صمت و قالت بهدوء لا يخفي اهتياج مشاعرها المكبوتة :
-عثمان.. أنا كويسة.. صدقني !
عثمان بعصبيةٍ : لأ طبعًا مش مصدقك. الدكتور قال جالك إنهيار عصبي. أصدقك و لا أصدق الدكتور يا فريال هانم.. لو سمحتي تعالي معايا لازم ترتاحي في سريرك …
لم تسمح له “فريال” بأن يحرّكها من مكانها قيد أنملة، و صممت قائلة بغلظةٍ :
-لأ.. أنا داخلة أوضة عمك.. مش راجعة أوضتي إلا لما أدخل أوضة رفعت !!
قطي حاجبيه متفاجئًا من طلبها و قال :
-عايزة تدخلي أوضة عمي.. ليه يا ماما !!؟
فريال بحزمٍ : مايخصكش.. لو خايف عليا هاخد صافي بس معايا.. بس هادخل يعني هادخل.
لم يجد “عثمان” بدًا من الإذعان إليها بنهاية المطاف، تركها تمضي نحو غرفة عمه في إثرها “صفيّة”.. لكنه لم يبرح مكانه و قد تراصت أسرته من خلفه
زوجته و أولاده …
_____________________________
اشترى “رامز” شطيرتين من البرجر الغني بمختلف أنواع الجُبن كما تفضله “شمس”.. و جلسا بناءًا على رغبتها ليأكلا في سيارته برصيفٍ نائي قريب من البحر
كان الوقت غروبًا و النسيم المُسكِر يهب عليلًا و يعبث بشعرها، يضايقها و هي تحاول قضم الشطيرة و لا تفلح بسبب خصيلاتها التي تدخل فمها عوضًا عن الطعام، ابتسم “رامز” و هو يراقبها مستمتعًا، مد يده و أخذ يرتب لها شعرها خلف أذنيها قائلًا :
-مابتعرفيش تاكلي.. الظاهر لازم آكلك بإيدي كمان زي الأطفال !
كانت لتشكره على مساعدته التي مكنتها من قضم الشطيرة اللذيذة قضمةً كبيرة، نظرت له من طرف عينها و هي تقول من خلال الطعام الذي يحشو فمها :
-ماتتريقش على شكلي و انا باكل. انت عارف إني بحب الأكل و التشيز برجر أكلتي المفضلة.
-عارف عشان كده عزمتك عليها.
-ماتبوظش عزومتك بقى و خليك ساكت خالص طول ما انا باكل.
كتم “رامز” ضحكة مرحة و اكتفى بالنظر إليها و هو يتبعها بقضمة عملاقة من شطيرته …
-ممكن اسألك سؤال ؟
نظرت “شمس” إليه، كان قد انهى طعامه، بينما لم تنهي النصف الآخر من شطيرتها بعد، ابتلعت لقمة و أومأت له، فطرح سؤاله بجديةٍ :
-انتي ناوية على إيه دلوقتي ؟
عبست بعدم فهمٍ، فتأفف و هو يقول بنفاذ صبرٍ :
-انتي خلاص عملتي إللي كنتي عايزاه من زمان. روحتي لعثمان و عرفتيه إنك أخته.. أمورك كلها تمام.. مستنية إيه تاني ؟ خلّي بالك وقتك معايا مابقاش فيه كتير !!
-مش فاهمة ! .. تمتمت بريبةٍ
قست نظراته و هو يجاوبها بصوتٍ جمد الدماء في عروقها :
-لأ انتي فاهمة كويس.. أنا و انتي مابقناش صغيرين على دور حبايب ثانوي و جامعة ده. أنا قربت أكسر الأربعين و انتي داخلة على التلاتين. هانتجوز و نخلّف امتى يا شمس ؟ أنا مش عارف إيه إللي مصبرني عليكي لحد دلوقتي أصلًا !!؟؟
فقدت شهيتها فجأة، وضعت بقيّة الشطيرة في الكيس الورقي مع سلّة البطاطس و مسحوق الطماطم و الكريمة المخفوقة، تطلّعت إليه و قد عاودتها مشاعر الخوف إزائه من جديد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لطالما كان يتمتّع بمظهرٍ قاسٍ يغلّف وسامته الشديدة، لكنه معها لم يكن أبدًا قاسيًا، إذا أغفلت الفترة الأخيرة حين عادت إليه و كشف لها عن وجهه الآخر، جزء حالك من شخصيته مستعدّ لفعل أيّ شيء في سبيل الحصول عليها و ضمانها إلى جواره إلى الأبد …
-انت ليه محسسني إن مجرد وجودي جنبك مش كفاية ؟ أنا وعدتك إني مش هاسيبك تاني يا رامز.
ضرب النافذة المفتوحة بجواره بقبضته العنيفة و هو يقول بخشونةٍ :
-وعدك فعلًا مش كفاية !!
ارتعدت من حركته الفجائية و تعلّقت أنظارها الشاخصة به و هو يستطرد بنفس الأسلوب :
-انا و انتي بنتنيّل بنحب بعض. و عارفين بعض.. شمس.. انتي أصلًا مراتي. احنا كاتبين عقد من 3 سنين. ف إيه إللي يمنعني عنك دلوقتي غير إنك انتي نفسك إللي مانعاني.. ليـه ؟؟
ردت بصوتٍ أبح :
-أنا قلت لك.. مانقدرش نتجوز إلا بموافقة مامي !
-و أمك مش موافقة عليا ليه !؟ .. تساءل من بين أسنانه :
-يعني الست الهادية الشيك دي قدرت تخدعني ؟ آخر مرة شوفتها كنتوا ضيوفي في القاهرة و اتعاملت معايا بمنتهى الحب و الذوق. كل ده كان تمثيل ؟؟
هزت “شمس” رأسها نفيًا و قالت بلهجةٍ مرتعشة :
-لأ.. مكانتش بتمثل عليك.. إللي حصل بعدها هو إللي غيّر موقفها من ناحيتك 180 درجة.
عقد حاجبيه يستضوحها على الفور :
-إيه إللي حصل ؟
صمتت في ترددٍ لم يدوم إلا ثوانٍ، ثم قالت :
-أنا بطبعي مش بخبي حاجة على مامي.. أي تفصيلة في حياتي مقدرش أخبيها عنها.. أنا قلت لها على العقد العرفي إللي كتبناه سوا.. و أول ما سمعت إنهارت و كانت دي أول مرة من بعد موت بابي أشوفها بالشكل ده… ماهديتش غير لما قلت لها إني هاقطع علاقتي بيك و مش هاشوفك تاني !
و أكمل “رامز” عنها محدقًا فيها بشرود :
-و بعدها كلّمتيني و نهيتي كل حاجة بمكالمة.. مكالمة يا شمس !!
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى، فمد يده قابضًا على رسغها بقوة لتفلت منها آهة متالمة، بينما يغمغم بغيظٍ :
-ليه ماقولتليش في ساعتها ؟ لو أمك فكرت إني بلعب بيكي كنت أنا قادر أثبت لها العكس. كنت هاجي و أكتب عليكي رسمي. مكانتش السنين دي ضاعت علينا !!!
توسلته في صوتها نبرة دموع :
-راامز. إيدي هاتتكسر.. سيب إيدي يا رامز !
لولا أن نبهته بهذه الطريقة ما كان ليتركها دون يؤذها بالفعل …
ترك يدها فجأة و سحب يده بعيدًا، بينما راحت تدلك مكان أصابعه و هي تكتم نشيجًا في صدرها، صوّب “رامز” نظراته للأمام حيث أمواج البحر الثائر، و دمدم بلهجةٍ متوقدة :
-أنا متغاظ من الست دي.. أمك عذّبتني.. هي السبب !!
و حانت منه نظرة تجاهها من جديد و هو يتابع باستنكارٍ فظّ :
-و انتي مفكرة إني هاستني لما تحن عليا و تقبل بجوازك مني ؟ تبقي غلطانة يا شمس. ده أنا عشان أرد لها القهرة و أحسّرها على تخطيطها الجهنمي إللي مافيش مش هاخليّها تشوفك إلا و انتي شايلة عيّل على إيدك و حامل كمان. و تبقى توريني وشها ساعتها.
تقلّصت أمعائها رعبًا من كلماته و قالت فورًا :
-إيه إللي انت بتقوله ده ؟ كل إللي قلته مش هايحصل منغير جواز رسمي و انا مش هاتجوزك منغير موافقة مامي يا رامز !!
لمحت في عينيه نظرة أذابت عظامها خوفًا، فتداركت عبارتها قائلة بارتباكٍ :
-قصدي يعني إني هاعرف أقنعها.. انت عارف إن مالهاش غيري.. عشان خاطري لو فعلًا بتحبني استحمل شوية كمان !
-لحد إمتى !؟؟ .. غمغم بحنقٍ شديد
وعدته بثقةٍ : أنا كلّمتها و هي بتقفّل شغل السنة. الأسبوع الجاي هاتكون هنا. هحاول معاها آخر مرة. لو ماوافقتش هانتجوز بس على الأقل هاتكون عارفة.. اتفقنا ؟
حدق إلى عينيها اللامعتان بوجهٍ خالٍ من التعابير.. و قال باقتضابٍ :
-ماشي يا شمس.. أنا هاسيبك تجيبي أخري انتي و امك… و يارب تنتهي زي ما أنا عايز.. عشان لو ماحصلش انتي أكتر حد هايزعل.. لأنك ماسمعتيش كلامي من الأول.
ازدردت ريقها بصعوبةٍ و هي تحملق فيه مدركة بالفعل بأن هذا لن ينتهي على خير.. مطلقًا …
_____________________________
تبعثرت الغرفة الخاوية من أيّ مظهر من مظاهر السكن بها …
عاثت بها أيدي “فريال” المسعورتين، فتّشت بخزائنه، بأدراجه، حتى أسفل سريره و بين قطع الأثاث، لم تجد شيئًا
و كذا لم تستمع إلى توسلات إبنتها المتواصلة :
-يا مامي أرجوكي.. كفاية كده.. طيب بس قوليلي بتدوري على إيه و أنا أدوّر معاكي !
لم ترد، فقط تبحث بعينيها بجنونٍ، حتى وقع بصرها على حقيبة سفر متوسطة، تلك التي اصطحبها معه في سفرته الخيرة، عادت مع أغراضه حين عاد إلى الوطن ميتًا، و من يومها لم يفتحها أحد
هرعت “فريال” إليها، جثت على ركبتيها فوق الأرض و فتحت السحاب بعنفٍ، بعثرت أغراضه و ثيابه من حولها و هي تبحث عن دليل، أيّ دليل يثبت ما عاشت لسنواتٍ تشعر به، لكفّ عن الحركة فجأةً …
حين استوقفها رؤية ذلك الشيء بارزًا في جيب الحقيبة الداخلي
سروالها الداخلي !!
ذاك السروال الذي ضاع منها في حادث الإغماء الشهير
إنه ممزّق أمامها و هي تجذبه بأناملها لتستعرضه أمام نظراتها الذاهلة، تنظر إليه بصدمةٍ و هي تتأكد مئة بالمئة من شكّها، إذن لم يكن حلمًا !
الإحساس بشقيق زوجها و رؤيته في كوابيسٍ متعددة ينتهكها، يعتدي عليها جسديًا، يضاجعها في فراش الزوجية.. هذا كله لم يكن وهمًا !!!!
انتبهت “فريال” لدفتر صغير سقط من جيب الحقيبة فجأة.. سحبته بيدٍ مرتعشة و قد نبئها حدسها بأنه يحتوي على إجاباتٍ لكل أسئلتها
لكنها لم تجرؤ على فتحه الآن
ما زالت الصدمة تطحن بقاياها.. ما زالت حتى لتفنيها عن آخرها و هي تكتشف في نفس الجيب أغراض أخرى تعود لها
مشبك شعرها.. قلم حمرة الشفاه المفضل لديها.. وشاح أمها الذي كانت تلفه دائمًا حول عنقها …
-مامي !
انتفضت “فريال” بعنفٍ عندما حطّت “صفيّة” بكفها فوق ذراعها، لتهدئها في الحال و هي تجلس إلى جانبها فوق الأرض، تمتلئ عيناها بالدموع الآن، تنظر إليها تارة و إلى ما تحمله بيدها تارةً أخرىظن تخشى فهم ما يدور أمامها
ليؤكده إنهيار والدتها و هي تجهش ببكاءٍ حار مرتمية بين ذراعيّ إبنتها، احتضنتها “صفيّة” بقوةٍ هامسةً لها برفقٍ :
-هششش.. بس.. إهدي.. إهدي يا مامي.. أنا معاكي.. أنا مش هاسيبك لوحدك.. مش هاسيبك أبدًا ! ……………………………………………….
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الرابع عشر _ قل أحبك ! _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
أصاب أعصابه انهيارًا قاسٍ، منذ ورده ذلك الاتصال بمكتب شركته من حارس العقار الذي يضع به زوجته الثانية، و الذي كان مفاده أن زوجته الشابة عثرت عليها امرأة الحارس فاقدة الوعي بشقتها بعد أن تلقّت منها استدعاءًا عاجلًا، لم تستجيب “رحمة” للطرق على باب الشقة، مِمّا اضطر الحارس في الأخير لكسر الباب و السماح لزوجته بالدخول، لتجدها على هذه الحالة الخطيرة
لم يعرف الحارس ماذا يصنع سوى أن يهاتف السيد، و بدوره طلب “يحيى” في ارسال طبيب العائلة إلى شقة الزوجية السريّة، بينما يترك كل شيء من يديه و ينطلق من فوره إلى هناك …
-رحمــة ! .. صاح “يحيى” و هو يلج إلى الشقة عبر الباب ذي القفل المكسور
أخذ يبحث هنا و هناك مثل المجنون، و برزت أمامه زوجة الحارس فجأة هاتفة :
-الست رحمة هنا في أوضتها يا بيه …
و تنحت جانبًا مبتعدة عن رواق الغرف تمامًا، ليتوجه “يحيى” إلى حيث أشارت الأخيرة لمكان زوجته، اقتحم غرفة النوم و المشاعر المتضاربة تعصف به، اختلج قلبه بنبضةٍ زائدة ما إن رآها تجلس فوق السرير، بآخره، تضم ساقيها إلى صدرها و كتفاها يهتزان بينما تدفن وجهها بين مرفقيها
انتفضت لسماع صوته، و ضربته الصدمة حين رفعت وجهها و شاهد تعبير هزّه في الصميم، ذعر خالص لم يسبق له رؤيته قط، و لاحظ جلدها الشاحب و شعرها المتشابك، كانت في حالة من الفوضى …
-رحمة ! .. كرر “يحيى” بصوتٍ اهدأ و هو يخطو للداخل نحوها
لكنها تستوقفه مهاجمة بعدائيةٍ :
-خليك مكانك.. اوعى.. اوعى تقرب مني.. ماتقربش مني !!!
تسمّر “يحيى” بمكانه ملتزمًا بأمرها المرتعب، نظر في عينيها الحمراوين المللتين، و قميص نومها القطني المجعّد، يبدو أنها كانت تعاني لساعاتٍ.. و لكن مِمّا ؟
لماذا !؟؟
-طيب إهدي بس ! .. تمتم برفقٍ رافعًا يداه في بادرة مسالمة
و أخذ يقترب صوبها مستطردًا :
-مالك ؟ إيه إللي حصل ؟ أنا آخر مرة ماشي و كنتي كويسة. آه كنتي لسا رافضة تتلكمي معايا. بس ماشوفتكيش في الحالة دي !!
بات قريبًا جدًا منها الآن، فتوترت أكثر و هي تتطلّع إليه كغزالٍ عالقة في شركٍ و هو الوحش الذي سيفترسها، كتمت شهقتها حين أخفض جسده و جلس قبالتهاعلى طرف السرير، لم يحاول أن يلمسها، حافظ على المسافة بينهما و هو يقول بهدوءٍ :
-قوليلي حاسة بإيه ؟ أنا كلمت الدكتور و جاي في الطريق !
اتسعت عيناها بمزيدٍ من الهلع عندما صرّح بذلك، نبتت الدموع من عينيها في هذه اللحظة و هي تقول من بين نحيبها المرير :
-لأ.. لأ.. أنا مش عايزة حاجة منك.. سيبني أمشي من هنا.. سيبني و أنا بوعدك مش هاتشوفني طول عمرك و لا تسمع عني حتى.. لو حصل غير كده اعمل فيا أي حاجة.. سيبني أمشي أبوس إيدك سيبني أمشي !!
أجفل “يحيى” مرتبكًا من الحالة التي آلت إليها أمام عينيه، حدق فيها متأثرًا بشدة و هو يقول بلطفٍ محاولًا التقرّب إليها :
-رحمة. هدّي نفسك. إيه إللي بتقوليه ده. أنا عملت إيه أساسًا خلاكي توصلي للحالة دي. انتي بقالك فترة بعيدة عني و أنا سايبك براحتك لحد ما تصفي من ناحيتي لوحدك.. ف مالك بجد ؟ مالك !؟؟
-انت هاتقتله ! .. رددت بصوتٍ مكتوم عندما أمسك بوجهها أخيرًا
مضت ترتعش تحت لمسته بينما يسألها عابسًا بقوة :
-إيه ؟ بتقولي إيه أنا مش فاهم حاجة !!
غمرت الدموع وجهها و بللت يداه و هي تعلن بأسى شديد :
-أنا حامل !
جمد “يحيى” من الصدمة.. حقًا… صدمة أعجزته كليًا عن إبداء أيّ ردة فعل.. فقط بقى ينظر إليها ساهمًا بينما تنفعل مجشهة بالبكاء :
-أبوس إيدك ماتقولش أنزله. أنا عايزة ابني. انت كنت بتديني حبوب منع الحمل بإيدك. أنا ماخدعتكش و حملت فيه من وراك. ربنا عايز كده. أحلّفك بإيه عشان تسيبلي ابني. أنا مش عايزة غيره. سيبه ليا و أنا مش هالزمك بأي حاجة هاتطلقني و أنا هاكتبه باسمي. هاخده و هاختفي من حياتك خالص بس ماتحرمنيش منه !!
بدا و كأنه لم يكن يستمع لها جيدًا.. كان عقله مشغولًا بالكارثة التي ألقيت عليه …
حبلى !
زوجته الصغيرة.. رغمًا عن كل الاحتياطات التي إتخذها لعدم وقوع هذا الشيء بالتحديد.. وقع رغم أنفه.. “رحمة” حبلى !!!
-الدكتور وصل يا بيه !
انتزعه صوت زوجة الحارس من أفكاره، رفع يديه عن زوجته و نهض على مهلٍ متحاشيًا النظر إليها، إلتفت نحو زوجة الحارس و قال آمرًا بجمودٍ :
-خمس دقايق و دخليه.. و بعدين ممكن تنزلي لو عوزتك هابعت لك.
حنت الأخيرة رأسها باحترامٍ :
-أمرك يا بيه.
تحرّك “يحيى” على الفور تجاه الخزانة، فتحها و نقّب عن لباسٍ مناسب لأجل زوجته حتى تقابل به الطبيب، ثم عاد إليها و أزاح الغطاء من فوق قدميها …
-ارفعي إيديكي ! .. أمرها باقتضابٍ
أطاعته في الحال و رفعت يديها ليلبسها ثوب أكثر احتشامًا من خلال رأسها، سوّاه فوق جسمها جيدًا، و بسط الغطاء فوقها ثانيةً، ثم ذهب بنفسه ليحضر الطبيب من الخارج
لحظاتٍ و رأته “رحمة” عائدًا برفقة رجلٌ في متوسّط العمر، سمح المحيّا، ألقى عليها التحية في البادئ فلم ترد، ليقول و هو يفتح حقيبته و يشرع بسحب جهاز قياس الضغط أولًا :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
↚
-قوليلي يا مدام في حاجة معيّنة بتشتكي منها في الفترة الأخيرة ؟
رمشت “رحمة” بتوترٍ و هي تمد ذراعها إتباعًا لتعليمات الطبيب و قالت بجفافٍ :
-بقالي كام يوم همدانة.. بنام فجأة في أي وقت أو بيغم عليا.. ماعرفش.. و ماليش نفس للأكل !
و صمتت قبل أن تخبره بأنها أرسلت في شراء اختبارًا للحمل مع زوجة الحارس، و إن الاختبار أسفر عن نتيجة إيجابية حتى في المرة العشرة التي كررته فيها، تطلّعت إلى زوجها فقط بينما يقيس الطبيب ضغط دمها …
-ضغطك واطي جدًا ! .. تمتم الطبيب عابسًا :
-أكيد ده من قلّة الأكل.. ريّحي من فضلك عشان أكشف عليكي.
نظرت “رحمة” إلى “يحيى” و هي لا تعرف كيف تتصرف، ليقبل عليها دون أن يتفوّه معها بكلمةٍ، يدفعها بكتفيها حتى استلقت فوق ظهرها، يرفع لها الثوب حتى صدرها و هو يغطيها من الأسفل بالدِثار، كشف فقط عن المنطقة التي أراد الطبيب أن يفحص من خلالها، وجّه الأخير سماعته الطبيّة إلى أسفل منطقة البطن المكشوفة أمامه ليتأكد من شكّ معيّن …
تذبذبت “رحمة” من برودة القطعة المعدنية و لم تشعر بالراحة أبدًا في هذا الوضع، شعرت بالدموع تفيض من عينيها لا إراديًا فلم تعبأ بمداراتها، إذ علمت مصيرها سلفًا، من سكوته أيقنت بأنها خاسرة لا محالة، و إنه سيجبرها على التضحية بجنينها، بالطبع لن يسمح لها بحمل طفلًا منه
من هي لتنجب له أولاد ؟ إنها مجرد فتاة فقيرة جاهلة.. مهما فعلت لن ترقى لمستواه المادي أو الاجتماعي.. خاسرة بكل المقاييس …
-مبروك يا يحيى بيه المدام حامل ! .. قالها الطبيب بإشراقٍ ما أن قبض على النبض الطفيف للجنين برحم أمه
هال “رحمة” أن تستمع إلى تأكيد الخبر، مِمّا جعل داخلها ينهار أكثر و تبدأ بالبكاء بصوتٍ عالٍ الآن، لم تعد قادرة على كتم بؤسها و معاناتها عند هذا الحد،
ارتبك الطبيب لإستشعاره ذلك التوتر الشديد بالأجواء من حوله، بدأ يجمع أدواته في الحالو غامر بإلقاء تهنئة على “رحمة”.. لكنها أبدًا لم ترد
ليسارع “يحيى” باصطحاب صديقه الطبيب للخارج و هو يتحدث إليه بشأن حالة زوجته الصحية، تركها وحيدة لبضعة دقائق لم تنقطع خلالها عن البكاء و لا لحظة واحدة، شعرت بالمرتبة تنخفض بجوارها حيث كانت تدفن وجهها في الوسادة لتكتم صوت عويلها الطفولي، انتفضت حين شعرت بلمسة يده على ظهرها يعقبها صوته القوي :
-رحمة.. بطلي عياط.. من فضلك بطلي عياط عشان تعرفي تسمعيني !
كلماته لم تفعل شيء سوى أن زادت في بكائها، فتأفف بسأمٍ و مد يداه ليقلبها نحوه، شدّها من رسغيها لتجلس أمامه، ثم لفّ ذراعيه حولها و ضمّها إليه، جعلها ذلك تبكي أكثر،أمضى “يحيى” الدقائق التالية على هذا النحو، صامتًا يحاول تهدئتها بينما تفرغ ما صدرها على صدره هو لدرجة أن قميصه تبلل بشدة من قطرات دموعها …
-خلاص خلصتي ؟ لازم نتكلم يا رحمة ..
كان يضم وجهها في صدره، أحس برغبتها الحثيثة بالابتعاد عنه، فلم يستبقها رغمًا عنها، أفلتها ببطءٍ، لتتراجع عنه و قد كفّت تمامًا عن البكاء، نظرت له بأعين حمراء منتفخة وقالت بلهجةٍ متصلّبة :
-أنا هاعمل إللي انت عايزه.. هانزل الحمل.. بس بعدها كل واحد فينا في طريق.. أنا مستحيل أكمل معاك و انت على إيدك دم إبني لو هاتموتني مش هاعيش معاك ثانية بعدها.. أنا موافقة نعملها و في أسرع وقت.. بعدين مش عايزة أسمع منك غير كلمة الطلاق.. و بس.. مش عايزة منك أي حاجة.. الطلاق و بس !
-هاتقولي حاجة تاني و لا خلاص كده ؟ .. تساءل “يحيى” بفتورٍ
نظرت له بعداء و لم تعلّق، فتنهد قائلًا :
-مين قال إني عايزك تنزلي الحمل يا رحمة ؟ أنا آه ماكنتش عايزك تحملي. بس خلاص حصل.. و أنا إستحالة أفرط في حتة مني.
حدقت فيه مفغرة فاها الآن، اتسمت تعابيره وجهه بالجدية و هو يتابع :
-إللي في بطنك ده مش ابنك لوحدك. ده ابني أنا كمان. و أنا أقدر أتحمل مسؤوليته من و هو لسا في بطنك لحد ما يخرج للدنيا و يكبر كمان.
أجفلت “رحمة” و هي تقول بتلعثمٍ :
-بس.. بس. انت قلت مش عايز ولاد تاني. مش عايز ابن يشارك ابنك و يقسم معاه ورثه !!
-صُلبي ! .. قالها “يحيى” بحزم، و أكمل بنفس اللهجة الشديدة :
-لو جه ولد الاتنين هايبقوا صُلبي.. الاتنين ولادي. خلاص بقى أمر واقع. زي ما قولتي يا رحمة.. ربنا عايز كده.
هزت رأسها مرددة :
-أنا مش مصدقة !!
ابتسم بانهزامٍ واضح و قال :
-لأ صدقي.. أنا مش هافرط في ابني إللي منك مهما حصل.. لو كنت أعرف إن جوازي منك نتيجته حمل ماكنتش اتجوزتك. و كل احتياطاتي فشلت للأسف.. و رغم كل ده أنا متمسك بالطفل ده.. سواء ولد أو بنت. مافيش حاجة وحشة ممكن تمسّهم طول مانا عايش.
ألمتها صراحته بشأن شرط زواجه منها، ما أكد لها أن هذا الزواج يُقام على غرض واحد فقط هي تعرفه جيدًا، و لكن هناك شيء يهمها أكثر الآن، و أحسّت بأن وعده بالإبقاء على الجنين كافيًا لها بل و يفيض
لم تعد تريد شيء بعد الآن.. تريد عائلتها.. عائلتها الخاصة فقط …
__________________________________________
الوقت الحاضر …
لم تتحسن حالته المزاجية حتى بخروج والدته و أخته من غرفة عمه، صحيح هدأت ثورة السيدة “فريال” و تركت “صفيّة” تصطحبها إلى جناحها في هدوءٍ، لكنه حتى اللحظة لم يستطع نسيان وجهها و أثناء مرورها أمامه
إذا لم يكن مخطئًا، و إن كان يعرف أمه و يحفظها كما يظن، فإنها تمر بوقتٍ عصيب، بل هي مكروبة بشدة، و الأمر يتخطّى ما اقترفه أبيه بحقها، أنّى له أن يعرف الحقيقة إذن ؟
يحتاج أن يعرفها بشكلٍ عاجل.. و إلا سيتعثر عليه المضي بحياته و هو يرى أمه تسوء حالتها على هذا النحو يومًا بعد يوم.. لا شيء أهم من أمه.. هي الأولوية بحياته.. و إن كانت تعرف هذا سيتوجب عليها طمأنته أو التحدث إليه
كيف يجعلها تفعل ذلك الآن ؟
هو بحاجة ماسّة لهذا أو سيفقد عقله …
-أنا هامشي !
إلتقطت أذنه صوتها، حيث كان يقف يحدق من خلف زجاج نافذة مكتبه الشفاشة، قطرات الندى تترك آثارًا تدعو للتأمل هناك، ربما شتت عقله قليلًا، حتى إلتمس وجودها
استدار ليواجهها عابس الوجه، رآها تقف عند أعتاب الباب المزدوج، و قد ارتدت معطفها تحضرًا للرحيل …
-هاتخرجي في البرد ده ؟ .. دمدم “عثمان” بلهجةٍ حادة، و تابع :
-خليكي هنا الليلة دي. في نوّة برا و المطرة لسا هاتشد. الطريق مش أمان.
أخذت “سمر” تفرك كفيّها متمتمة بشيء من التوتر :
-ما انت قلت هاتخلّي السواق يوصلني.. أنا هاجي تاني بكرة و هاقضي النهار كله مع الولاد. بكرة اجازتهم و انا وعدت فريدة.
تأفف “عثمان” بنفاذ صبر و قال بعصبيةٍ طفيفة :
-سمر.. أنا آخر حاجة عايزها دلوقتي إني أضايقك. اسمعي الكلام. هنا بيتك بردو. و بصراحة أنا مش هاضم بياتك لوحدك في البيت القديم. الحارة دي سمعتها مابقتش تمام زي الأول أصلًا.
شعرت بالمأزق الذي تعمّد أن يضعها به، و لكنها فكرت بسرعة لتخرج منه، فقالت بلهجة حيادية عساها تخدعه :
-خلاص هاروح عند فادي !
كانت تتجنّب النظر إليه مباشرةً، لكنها لمحت شيئًا بطرف عينها، كان يغلي من الغضب حرفيًا، بدا ذلك على اهتزازات جسده و الاحمرار الذي طفى على سطح بشرته البرونزية
لهثت الآن حين تنبهت لخطواته السريعة نحوها، ليكون أمامها خلال ثوانٍ قليلة، حمدت الله إنه لم يمد يده إليها و لم يحاول لمسها بأيّ شكلٍ، فهذا الرجل الذي بالكاد تعرّفت عليه لديها إنطباع عنه لا يمكن أن تنساه، تهوّره و تصميمه، هذا الرجل يفعل حقًا ما يريد، و لا يلين إلا بارادةً منه فقط …
-يعني بيت فادي و لا بيت جوزك ؟؟ .. سألها “عثمان” من بين أسنانه المطبقة بشدة
يجب أن تمنع نفسها من الرمش الآن حتى يستشف منها خوفًا، و بجهدٍ يحسب لها سيطرت على أعصابها المهزوزة بشدة و نظرت إليه، في عينيه مباشرةً و هي تقول بثباتٍ واهِ :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أكيد انت مش ناسي.. لما جيتلي البيت القديم و اتكلمنا واتفقنا.. ده كان اتفاقنـ آ ا…
-××××× إتفاقنا ! .. قاطعها بسبّةٍ نابية أجحظت عيناها من الصدمة
ليخطو نحوها خطوةً أكبر فلا يبقى بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ثم يقول بحدة :
-انتي مش هاتخرجي من هنا. و تنسي خالص إن ليكي بيت تاني غير البيت ده. أخوكي مهاودك عشان القصة كلها على هواه. الشيء الوحيد إللي يهمه في كل ده إنه يضايقني أنا بالذات مش بيساندك زي ما انتي فاكرة. هو ده أخوكي فادي. أناني مابيفكرش إلا في نفسه. حتى لو انا المقصود من وجهة نظره مش شايف ولادك المحرومين منك. لسا قلبه أسود و شايل و مش هايتغير !!
عبست مستغربة ما يقوله.. لم تفهم على وجه التحديد ماذا يقصد و لماذا قد يكن له أخيها أي بغضاء !؟؟
لكنها ردت عليه متخطيّة المهم لأجل الأهم :
-لازم تقدر إني حقيقي متلخبطة.. أنا مش مستوعبة لسا أي حاجة !
بدا جليًا لها كم المجهود الذي يبذله حتى لا يفقد أعصابه، مسح “عثمان” على وجهه متمتمًا شيء لم تسمعه، ثم عاود النظر إليها و قال بعد برهةٍ بصوتٍ هادئ :
-سمر.. هاتيلي ألف دكتور. بردو مش هاقتنع إنك نسيتيني.. انتي إستحالة تنسيني. كل إللي عيشناه لا يمكن يتنسي. انتي مراتي. خلفتي مني مرتين. قصاد الناس كلها انتي مراتي. كل حاجة تشهد. بصي في وشوش عيالك. بصي في عنيا انا.. بصي على صورنا في كل مكان حواليكي !!!
و أشار لها على طول ذراعه، إلى مجموعة من الصور المؤطرة موزعة بإتقانٍ على جدران غرفة المكتب، و فوق المكتب نفسه إطار يجمعه بعائلته الصغيرة مع زوجته و شقيقتها الصغرى …
حملقت “سمر” في الصور و هي تشعر بمزيد من التخبّط، ثم نظرت إليه عاجزة عن الرد، ليقول بصرامةٍ :
-آخر كلامي.. مافيش خروج من البيت ده. انتي هاتقعدي هنا في بيتك معايا و مع ولادك. و هاتنامي في سريرك. جنبي !!
ليست لديها فكرة كيف لم تحاول الهرب من أمامه حتى الآن، لكنها بقيت راسخة بمكانها و هي ترد عليه بغضبٍ و قد أثار حفيظتها :
-انت ماتقدرش تجبرني على كده.. و لا تقدر تحبسني في بيتك غصب عني أنا مش هاسمحلك !!!
ضحك فجأة فأجفلها، ضحكة قصيرة عدلت مزاجه السوداوي، ثم قال ببروده الشهير :
-مبدئيًا أنا أقدر أجبرك تعملي أي حاجة أنا عايزها. بس ده مش اسلوبي و انتي عارفة. معاكي انتي بالأخص بحس بمتعة ماتتوصفش و انتي بتعملي إللي أنا عايزه بارادتك حتى لو مش على مزاجك.. تاني حاجة بقى أنا مش هاحبسك. إطلاقًا. بس هاخيّرك.
قطبت في تساؤلًا دون أن تتكلم، فأردف متنهدًا :
-قدامك حل من الاتنين تشوفي إيه فيهم هايريحك أكتر. الأول إنك تعقلي كده و توافقي ترجعي لبيتك و ولادك و تعيشي معانا زي ما كنتي معززة مكرمة.. التاني إنك تخرجي و ترجعي للحارة و البيت القديم تاني و تعيشي على راحتك. بس قسمًا عظمًا يا سمر. لو رجليكي خطت برا عتبة البيت ده الليلة دي أو قررتي ترجعي البيت القديم في أي وقت من الأوقات. ساعتها لا هاتبقي مراتي. و لا هايبقى ليكي عندي عيال. حتى ملك أنا ضامنها مليون في المية. هي كمان لو وقفتي على شعر راسك مش هاتعرفي تاخديها مني. لا دلوقتي.. و لا حتى لو رجعت لك الذاكرة… القرار ليكي !
و رماها بنظرةٍ فوقية، ثم مر من جوارها إلى خارج المكتب، لكنه توقف قبل أن يبلغ العتبة تمامًا و ادار نصف جسده فقط ناحيتها قائلًا :
-أنا طالع أريح في أوضتي. أوضتنا.. في حالة قررتي تقعدي و ناسية مكانها اسألي حد من الخدم و هايدلّك.. بالإذن يا بيبي !
و تركها و ذهب
ذهب حقًا.. بهذه البساطة تشعر بأنها مجرّدة من أيّ دفاعاتٍ ضده… مرةً أخرى لا تعرف كيف.. عزلاء ! …………………………………………………………….
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الخامس عشر _ أحلاهما مُرّ _ :
قبل ثماني و عشرون عامًا …
مرّت الأشهر التالية من الحمل سهلة، بالرغم من عدم الوئام التام بينها و بين زوجها، كان يأتي كل يومان ليزورها و يطمئن على أحوالها، لا يظهر لها معاملة سيئة على الإطلاق و يقوم بواجبه تجاهها على أكمل وجه
لكنها ليست متبلّدة الحس، تعلم يقينًا بأنه يكره حقيقة إنها بلغت مرادها و لو بدون قصدٍ و حملت بطفلٍ منه، و تعرف أيضًا بأنه يتمنى لو لم يلتقي بها، و هذا غريب، لأنها بالكاد لمست منه مشاعر تختلف تمامًا عن تلك التي صرّح بطريقة غير مباشرة أنها السبب الوحيد لزواجه منها، هذه المشاعر اختفت فور أن أخبرته عن حملها، بوغت.. و كأنه هُزم بالفعل …
-بس الدكتورة قالت إني أقدر أولد طبيعي ! .. قالتها “رحمة” كأنما تطرح جدالٍ
ضبط “يحيى” الوسائد خلف ظهرها و أطمأن على استقرارها فوق الفراش، ثم جاء ليجلس قبالتها، أخذ يحدق لبرهةٍ في بطنها المرتفع مثل جبلٍ و هو يقول بهدوءٍ :
-تقدري تولدي طبيعي.. بس ليه أخليكي تعاني و تتألمي ؟ أنا مش عايز أغامر بيكي تحت أي ظرف. انتي أمانة في رقبتي. انتي مراتي و هاتبقي أم ابني أو بنتي. يعني في كل الأحوال مهمة جدًا بالنسبة لي.
ابتسمت رغمًا عنها عندما قال ذلك، بينما يمد يده إلى الطاولة المحاذية و يمسك بطبقٍ يحتوي على قطع فاكهة، تقرّب إليها أكثر و هو يدفع بقطعة من التفاح بفمها، طاوعته و راحت تاكل من يده و هي تمسّد على بطنها متمتمة من خلال مضغها :
-أنا حاسة إنها بنت.. ده احساسي من فترة.
رفع حاجبه معلّقًا بابتسامة :
-فعلًا ؟ و إيه يا ترى إللي خلّاكي تحسي الإحساس ده !؟
-عشان شقيّة.. شقيّة و بترفس جامد.
-بس دي كده مواصفات الولد مش البنت !
ابتلعت “رحمة” ما تبقّى بفمها، و قالت و هي تتنهد بأريحية :
-لأ. دي مواصفاتي أنا.. أنا طول عمري كنت شقيّة. حتى لما كنت طفلة. أمي كانت بتعرف تسايسني. بس ياما أخدت علق من أبويا. أنا قلت لك كان قاسي عليا أد إيه.
رمقها بنظرة متعاطفة، مد يده متلمسًا بطنها و هو يقول برفقٍ :
-الولد عندي زي البنت. كل إللي يجيبه ربنا حلو.. و بعدين انا بعتبر نفسي أب لاربعة.. عثمان صفية. و رحمة و البيبي إللي هاتجيبه.
مسّت كلماته فؤادها و ألحت عليها رغبة قوية في البكاء، لكنها تمالكت نفسها و هي تقول دامعة العينين :
-انت بجد فرحان إني هاجيبلك بنت أو ابن تاني !؟؟
جاوبها بلا أدنى ترددٍ :
-طبعًا. مش معنى إني ماكنتش عايز أخلّف تاني بعد ولادي الاتنين يبقى أكره طفل جاي من صلبي حتى لو جه غلطة.. بكرة هاتشوفي هاعمل إيه عشان ابني إللي في بطنك. مهما حصل أبوه يبقى يحيى البحيري. مش هايكون أقل من اخواته في أي حاجة.
نظرت له “رحمة” مبهورة بالرؤى التي منح إليها لمحاتٍ، سحبت نفسًا عميقًا ملء رئتيها و زفرته براحة، الآن طمأنها، زوجها الذي يخلف أيّ وعد يقطعه، ليس هناك مجالًا للشك به بعد الآن
ستنجب طفله، و هو سيحبه، سيكون كل شيء بخير …
__________________________________
اصطحب “يحيى البحيري” زوجته الصغيرة إلى المشفى التخصصي بمدينة القاهرة، بعد أن استراحا يومًا قبل موعد الولادة المُحدد، تجهزت “رحمة” بمساعدة اثنتان من طاقم التمريض، نزعت كل ملابسها و ألبسوها رداء العمليات، وضعوها فوق السرير الجرّار
و لكن قبل أن ينطلقوا بها، ولج إليها “يحيى” و معه الطبيبة الأربعينية ذائعة الصيت، تطلّعت “رحمة” إلى زوجها و هي لا تستطيع إخفاء التوتر الذي يعصف بها …
-إيه الأخبار يا مدام رحمة ؟ يا ترى جاهز ؟
نقلت “رحمة” بصرها إلى الطبيبة ذات الوجه المليح المبتسم، لم تستطع مجاملتها بابتسامة لأنها حقًا كانت خائفة من التجربة الوشيكة، لكنها ردت عليها بثباتٍ :
-أنا تمام يا دكتورة.. و جاهزة !
أومات الأخيرة باستحسانٍ قائلة :
-حلو أوي. أنا عارفة بردو إنك متوترة و قلقانة عشان دي أول مرة. بس بطمنك هي نص ساعة بالكتير و هاتلاقي البيبي في حضنك.
-إن شاء الله ! .. تمتمت “رحمة” مرفرفة بعينيها
اقتربت الطبيبة منها خطوتين و هي تفتح مجلّدًا طبيًا و تناولها قلمًا و هي تقول بلباقةٍ :
-الأول بس قبل ما ننقلك على أوضة العمليات.. ممكن أخد امضتك هنا ؟
و أشارت إلى محل التوقيع أسفل المحرر الطبّي …
عبست “رحمة” متسائلة :
-حضرتك عايزاني أمضي على إيه !؟
حانت من الطبيبة نظرة صوب “يحيى” و انتبهت “رحمة” لذلك، عاودت الأخيرة النظر إليها قائلة كأنما حصلت على الإذن :
-ده إقرار منك بتسمحي من خلاله بالتعديل البسيط إللي هاعمله بعد الولادة.
ارتابت “رحمة” الآن و هي تواصل تساؤلاتها :
-تعديل إيه أنا مش فاهمة !!
تنهدت الطبيبة قبل أن تقدم لها شرحًا موجزًا :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-بعد ما نخرج البيبي هانعمل اجراء بسيط مش هاياخد ثواني. أنابيب فالوب إللي بتربط المبايض بالرحم هانستأصلها من المبيضين بتوعك. و ده يعتبر تحديد نسل دائم معظم السيدات بتلجأ له. غير استئصال الرحم ده آمن و مالوش أي تأثير على الدورة الشهرية. لكن بيضمن لك 100% إنك مش هاتخلفي تاني أبدًا.
انسحبت الدماء تمامًا من وجه “رحمة” و هي تحملق بطبيبتها التي واكبت معها رحلة الحمل من البداية و حتى هذه اللحظة، انفجرت بوجهها بغضبٍ مستطير :
-انتي اتجننتي صح ؟ أنا لا يمكن أسمحلك تلمسيني. عارفة لو مديتي إيدك عليا. أنا هامشي من هنا و مش هاولد في المستشفى دي خالص …
-رحمـة !
جمدت لوهلةٍ بمكانها، أخيرًا خرج “يحيى” عن صمته، رفعت رأسها لتنظر إليه و قالت منفعلة :
-يحيى. مشيني من هنا. أنا لازم امشي من المستشفى دي حالًا.
رد عليها بهدوءٍ مخيف :
-مافيش مشي يا رحمة. انتي هاتولدي هنا !
ارتبكت من المعنى المبطن بكلامه، لكنها تابعت آملة ألا يصدق حدسها :
-انت سمعت هي قالت إيه !؟؟
أومأ لها قائلًا بنفس الهدوء :
-سمعت.. إهدي دلوقتي …
و توّجه إلى الطبيبة مستطردًا بلطفٍ :
-ممكن تنتظرينا برا خمس دقايق يا دكتور. محتاج أتكلم مع رحمة على إنفراد.
ابتسمت الطبيبة منصاعة لطلبه، انسحبت للخارج و معها الممرضتان، ليبقى هو مع زوجته على إنفرادٍ كما أراد، كان يمسك الآن بالوثيقة الطبيّة و القلم، اقترب أكثر نحو “رحمة” التي أخذت تهز رأسها للجانبين متمتمة :
-انت إللي عايز كده صح ؟ انت إللي طلبت من الدكتورة تعمل كده !!
مرةً أخرى يختفي أيّ شكل من أشكال الملائكية في محيّاه أو نظراته، ينظر إليها بتعبيرٍ أجوف و هو يقول ببرودٍ :
-الموضوع ده لازم ينتهي هنا يا رحمة. مش ممكن أرجع عن قراري. ف مافيش داعي تعملي كده في نفسك و انتي داخلة عمليات.
ارتعش فمها و هي ترد عليه بدموعٍ :
-انت كأنك هاتدبحني.. ده إللي انت عايزه بجد !!؟؟
أغمض عينيه ساحبًا نفسًا عميقًا عبر أنفه، ثم نظر لها ثانيةً و قال :
-انتي لما قولتيلي إنك حامل مانطقتش بكلمة واحدة تبين لك إني مش عايز الحمل ده. و لا مسّيتك بشر و فضلت محافظ عليكي و على إللي في بطنك لحد اللحظة دي.. و انتي خلاص هاتولدي دلوقتي.. معقول بعد ده كله شايفاني انسان وحش ؟
رحمة بغضب : لما تطلب مني مخلّفش تاني طول حياتي.. تبقى انسان وحش أيوة. انت حتى ماخدتش رأيي !!
-مش محتاج أخد رأيك في مسألة منتهية بالنسبة لي. انتي حملتي مرة و كنا واخدين بالنا.. مش هاسمح إن إللي حصل يتكرر تاني و الحجة تكون هي هي.
-يبقى الطلاق هو الحل ! .. هتفت بحزمٍ :
-أنا مش هامضي و لا هاوافق إنك تعمل فيا كده. قلتهالك و بكررها. أنا أكبر أحلامي أكون أم. و نفسي أخلّف ولاد كتير. نفسي أعمل عيلة كبيرة و أعوّض إللي اتحرمت منه طول عمري.. مش عايزة أخلّف منك تاني. طلّقني و سيبني أبدأ حياتي منغيرك. دي مش حياة إللي أنا عايشاها معاك أصلًا !!
بقى محدقًا بها في صمتٍ لدقيقة، ثم قال لاويًا ثغره بابتسامةٍ تهكمية :
-عايزة تطلّقي يا رحمة ؟ طلبتيها كتير. أوكي أنا ماعنديش مانع. و هاحقق لك طلبك و العملية دي انسيها خالص. هاطلقك و هاسيبك تشوفي حياتك و تتجوزي و تخلّفي براحتك.. بس …
لم تكاد تصدق ما قاله حتى قطع كلامه باستثناءٍ رافعًا اصبعه، ليكمل و الشر و الجبروت يبدوان عميقًا في نظرته و نبرة صوته :
-ابني إللي هاتدخلي تولديه ده. مش هاتشوفيه و لا ثانية واحدة و لحد آخر يوم في عمرك. أنا اتجوزت على مراتي و في نظرها خونتها و خلّفت من واحدة غيرها. بس إللي هاعمله إني هاخد ابني و أروح أطلب منها السماح. و هاستحمل أي حاجة ممكن تعملها فيا. لأني عارف أد إيه هي بتحبني و ماتقدرش تستغنى عني. هاتغضب شوية بس هاتسامحني في الآخر. و هاتقبل إنها تكون أم لأبني على الورق و قدام الناس كلها.. أما انتي يا رحمة. هاتنسي إنك شوفتيني أصلًا. و مالكيش عيّل مني. و مبروك عليكي حياتك الجديدة.. منغيري !
استمعت إليه مصدومة كلّما تفوّه بكلمة أشدّ قساوةً من سابقتها، هزت رأسها محاولة إقناع نفسها بأنه لم يقول كل هذا، و قالت :
-انت ماتقدرش تعمل كده.. ماتقدرش تحرم أم من ضناها !!!
جاوبها “يحيى” غير متوّرعًا :
-صدقيني يا رحمة.. أنا أقدر أعمل أي حاجة.. جرّبيني !
أطبق الصمت الآن، و لم تعد قادرة على إشاحة بصرها عنه طرفة عين، لقد أوقعها بين خياران.. أحلاهما مُرّ !!
فماذا تختار !؟
هل تقبل ما يفرضه عليها فلا تنجب أبدًا طيلة حياتها و تكتفي به و بطفلها منه ؟
أم تنال حريتها و تذهب لتقترن بغيره و تنجب أولاد كُثر و تؤسس عائلتها الكبيرة كما تمنّت ؟
الخيار الثاني هو الراجح منطقيًا.. بلا شك كانت لتختاره لو ألقاه عليها قبل بضعة أشهر.. قبل أن تحسّ بأول خفقة من جنينها.. بأول ضربة.. بحركاته الأولى و نموّه بأحشائها يومًا بعد يوم.. لقد عاش بداخلها لأشهر.. يأكل و يشرب منها.. إنه بمثابة روحٌ منها.. فكيف تتخلّى عن روحها !؟؟؟
هل تبادل “رحمة” طفل واحد ببقيّة أطفالها ؟؟
ليس منطقيًا على الإطلاق !!
و لكنها فعلت …
عندما شدّت القلم من يده و أخذت الوثيقة لتوقّعها، وقعّتها بالحبر الممتزج بدموعها، دموع من غير بكاء، راقبها “يحيى” مبقيًا على صمته حتى انتهت و سلّمته الوثيقة، أخذها بدون كلمة، و استدار خارجًا في هدوء، بينما تلج الممرضات إليها و يصطحبنها الآن إلى غرفة العمليات
و بعد نصف ساعةٍ كما وعدت الطبيبة، خرجت إحدى الممرضات و هي تحمل المولود الملتف بقماطٍ أبيض سميك، توّجهت به نحو والده الذي قام عن مقعد الاستراحة و هي تقول مبتسمة :
-ألف مبروك يافندم.. مدام حضرتك جابت بنت زي القمر. شوفها !
أجفل “يحيى” مرتبكًا في البادئ عندما وضعت الممرضة الطفلة حديثة الولادة بين ذراعيّ أبيها، إذن كانت “رحمة” محقّة، إنها فتاة …
نظر “يحيى” في وجهها المستدير، حمراء مثل الفراولة، لها شعر بندقي كثيف، أنفها ضئيل للغاية و شفاهها صغيرة لكن ممتلئة
إنها ليست المرة الأولى التي يُرزق بمولودٍ، و لكن ينتابه إحساس غريب، لا يعرف من اين أو كيف، لكنه سعيد، الآن لا يمكنه منع نفسه من التبسّم و هو يرنو إلى طفلته، يحس بنورٍ ساطع يشع منها و هي بين يديه هكذا، فوجد لسانه يُقرر من تلقائه فجأة :
-شمس !
سمع “يحيى” الاسم الذي بدر إليه من حيث لا يدري، و تمسّك به في الحال و كأن لا غيره يليق على الهدية الثمينة التي وهبت إليه، حدق “يحيى” بوجهها النائم و قرّبها إليه أكثر، همس بالقرب من أذنها بينما يضمها إلى صدره برفقٍ شديد كأنما هي قابلة للكسر مثلًا :
-شمس.. انتي اسمك شمس يحيى صالح البحيري.. انتي بنتي.. انتي شمس !!
_________________________________________________
الوقت الحاضر …
التهديد !
لقد أجاد استخدام سلاحه هذه المرة.. لولا أن ساومها على أطفالها لما خضعت له هكذا.. على الرغم من إنها لا تتذكرهم و لا تتذكر أيّ شيء من حياتها معهم.. لكنها اختارتهم …
هكذا ببساطة، لا يمكن ظان تغامر بخسارتهم، خاصةً عندما إلتمست قوته و قدرته حقًا على تنفيذ تهديداته، إنه ذو سلطان، هذا واضحًا و كل شعرة بجسمه تنطق بذلك، من الأفضل ألا تعانده، فهذا حتمًا لن يصبّ في مصلحة أيّ أحد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قرعت “سمر” على باب الجناح الذي أوصلتها إحدى المستخدمات أمامه و ذهبت، كانت متوترة و ساقاها ترتجفان، تواصل القرع بقوة أكبر حين تأخر بالإستجابة، و هي طبعًا لن تجرؤ على فتح الباب من نفسها
حبست أنفاسها فجاة حين إنفتح الباب و برز زوجها المزعوم من خلفه شبه عاريًا، إذ بدا و كانه فرغ للتو من استحمامه، لا يرتدي سوى منشفة عريضة تحيط بخصره، و الماء يقطر من شعره و جسده إلى الأرض، ابتسم بتسليّة و هو يرى الصدمة تجلل وجهها هكذا، ربما لم يقتنع بمسألة فقدان الذاكرة التي تدّعيها، لكنه لا ينكر أن اللعبة بدأت تعجبه الآن، حتى و لو حقيقية …
-أهلًا يا بيبي ! .. تمتم “عثمان” بلهجةٍ مرحة
كرهت “سمر” تعبير الانتصار على وجهه، و لكنها لا زالت عاجزة عن تخطّى ما تراه و لا تدري ماذا تفعل في هذا الموقف، تنظر إلى وجهه و تبذل ما بوسعها حتى لا تنزلق عيناها إلى جسده، ذاك اللعين.. اللئيم !!!
-باين عقلتي و قررتي تفضلي في بيتك.. أيوة كده تعجبيني.. اتفضلي يا قلبي ادخلي …
و تنحى لها جانبًا حتى تلج أمامه، كزّت “سمر” على أسنانها بقوة لتقمع رغبة مُلحة بالفرار، و أجبرت نفسها على المضي للداخل
مدت ساقها و بلغت عتبة الجناح الكبير متطلعة حولها بانبهارٍ، إنه بمثابة شقة مفتوحة، مترف، واسع جدًا، و تفوح منه روائح نظيفة، منعشة، و أبرزهم رائحته هو، صابون الاستحمام خاصته يعبّق الأجواء و يدوّخها، فتقاوم مجددًا رغبتها بالنظر ناحيته، تركز فقط على تأمل المكان عساها تتذكر شيء
يا لهذا الثراء و الترف كله، هل كانت تعيش هنا حقًا ؟
هل هذا الجناح كان بالأمس القريب لها ؟ تتشاركه مع زوج يُدعى “عثمان البحيري” ؟
بل هذا القصر كله.. كانت تسكنه ؟
كيف كانت حياتها يا ترى ؟ كيف تعرّفت إليه ؟ كيف تزوجته ؟ كيف و كيف …
أسئلة كثيرة جدًا بحاجة لإجابات، و هو من سيجاوبها على تساؤلاتها، هو لا غيره !!
-إيه بدأت تندّع !؟
استدارت “سمر” نحوه بعد طرحه هذا القول، قطبت حاجبيها بعدم فهم، فاستطرد بسخريةٍ واضحة :
-قصدي الذاكرة.. مافتكرتيش حاجة لحد دلوقتي ؟ أنا عندي فكرة حلوة أوي هاتخلّيكي تفتكري في ثواني !
و رمى منشفة صغيرة من يده كان يجفف بها شعره، أخذ يقترب منها على مهلٍ، بينما تشهق بذعرٍ و تتراجع بظهرها للخلف و هي تقول بحدة :
-انت ناوي على إيه ؟ يعني بتهددني و بتجبرني أقعد هنا و في أوضتك كمان عشان تستفرد بيا ؟ و الله لو قرّبت مني لـ آ ا …
-هاتعملي إيه يعني ؟ .. قاطعها “عثمان” باستخفافٍ و لا زال يتقرّب إليها
حتى كسرت تراجعها طاولة صغيرة، تعثّرت قدمها و كادت تسقط، لو لا أن لحق بها و قبض على خصرها النحيل بكفّاه، اجتذبها ناحيته مستمتعًا بتلاصقهما ببعض و الدفء الذي تبثه فيه، ليغمغم بنعومة آبيًا إفلاتها رغم مقاومتها :
-حسبي يا بيبي.. إهدي على مهلك. الجسم ده مايستحملش عنف.. اسأليني أنا !!
احمرّ وجهها من شدة الإنفعال، جمعت قبضتيها لتحاول دئه عنها بكل قوتها و لكن بلا جدوى، فهسّت من بين أنفاسها المهتاجة :
-لو ماكنتش مصدقة إنك جوزي ف أنا دلوقتي متأكدة. أنا إستحالة أرتبط بحد زيك.. انت.. انت …
و بترت عبارتها عندما لم تجد المعنى المراد، فأكمل عنها :
-سافل ؟ انتي قولتيلي كده المرة إللي فاتت لما كنت معاكي في البيت القديم !
اغتاظت من بروده الملموس في التعامل معها، و حتى كلامه، و لكن قبل أن تبدي أيّ ردة فعل استبقت يده الأمور كلها حين ارتفعت لتنزع حجاب رأسها بحركة واحدة ماهرة، ندت عنها صرخة قصيرة سرعان ما كتمتها بيديها، بينما يقول بجدية محدقًا بقوة إلى عينيها :
-أنا قلت طول ما انتي معايا لوحدنا مش عايز أشوف حجاب على راسك. مفهوم ؟
غمغمت بحنقٍ : و انا قلت مافيش لمس أو قرب من أي نوع.. انت مش معقول. مابتعرفش توفي بوعودك حتى !؟؟؟
-لأ بعرف ! .. قالها و أفلتها أخيرًا بعد لحظة واحدة
تنفست الصعداء حين صارت حرّة، أخذت ترتب شعرها الذي تناثر حول وجهها للخلف، و في نفس الوقت تتواصل معه بالعين …
تنهد “عثمان” ساندًا يده على خاصرته المنحوتة و هو يقول بفتورٍ :
-أنا وعدتك إني هاديكي وقتك.. لكن ماحددتش الوقت.. ف أحسن لك تساعدي نفسك أو تتأقلمي على وضعك. و أنصحك بالحل التاني لو طوّلتي في النسيان.. عشان زي ما انتي عارفة يا بيبي. أنا بملّ بسرعة !
و أولاها ظهره متجهًا إلى حجرة الملابس، لتهتف من مكانها :
-أنا مش عارفة حاجة.. ماتعاملنيش كأني بستعبط. أنا لو افتكرت هاضرب نفسي 100 قلم على ارتباطي بيك أصلًا !!
سمعت قهقهته العالية من داخل الحجرة، فاستشاطت أكثر و بالكاد كتمت صرخة مقهورة بصدرها.. هذا الرجل قدرها… كيف ستكون أيامها المقبلة معه ! ………………………………………………………………………
الفصل السادس عشر _ لا أنساكِ _ :
قبل ستة و عشرون عامًا …
على مدار عام كامل، يُعاشر زوجة أخيه معاشرة الأزواج دون أن تعي، و قد استولى على مجموعة من الأغراض التذكارية التي تخصها، كلّما تسلّل إليها ليلًا بأوقات غياب “يحيى” عن البيت، لم يشعر بالذنب إلا بالمرة الأولى فقط، ثم بعدها صار مدمنًا على الأمر، و لولا أن ضبطته زوجته ذات ليلة !!!
أجل.. زوجته “هالة الألفي” ضبطته عندما كان بالغرفة مع “فريال” و قد فرغ للتو من اغتصابها، لم تجسر على اقتحام الغرفة و إلا لعلمت بأن “فريال” بريئة، و لما ظنّت فيها السوء لحظة خروج “رفعت”.. رؤيته لها كانت بمثابة كارثة.. و كأنه لقى حتفه بالفعل
لم تنطق معه بكلمة و ولّت هاربة باكية إلى جناحهما، ليلتها تركها “رفعت” تظن به و بـ”فريال” ما تريده، لكنه لم يسمح لها بالبقاء بالبيت، أخذها صباحًا باكرًا إلى منزل عائلتها، و أخبرها بأنهم و ولديّهما راحلين، سيأخذهم و يهاجر بهم خارج البلاد تمامًا.. و إلا فلن يبرح ارتكاب هذا الإثم العظيم …
-انت متأكد من قرارك المفاجئ ده يا رفعت ؟
أدار “رفعت” رأسه عن نافذة السيارة لينظر صوب أخيه، ظل “يحيى” مركزًا على القيادة و هو يتحدث بهدوء في نفس الوقت :
-أنا مع إنك تحسّن علاقتك برضوى و تأمن لولادك إتزان و استقرار. لكن موضوع الهجرة ده.. انت درسته كويس ؟
عمل “رفعت” على مداراة نظرة الحقد التي لا ينفك يبذل مجهودًا خرافيًا حتى لا يلاحظها أخيه، اتسم تعبير وجهه بمسحةٍ ساخرة و هو يقول :
-مافيش خطوة باخدها في حياتي إلا و بكون متاكد منها مية في المية يا يحيى.. ثم انت مش هاتبطل بقى دور المسؤول ده ؟ لحد إمتى هاتعيش شخصية الكبير ؟ و لا انت ناسي إن أنا الكبير أساسًا !؟؟
ندت عن “يحيى” تنهيدة يائسة و هو يهز رأسه محدقًا بالطريق أمامه، لكنه رد عليه بذات اللهجة الهادئة :
-مش ناسي إنك الكبير يا رفعت.. بس الكلام ده تقوله للغريب.. أنا أخوك.. أنا أكتر شخص يهمه مصلحتك حتى لو كنت في نظرك الأخ الصغير. إيه يعني عيب لما أقلق عليك ؟
أشاح “رفعت” عنه بوجه ملتوٍ و غمغم على مضضٍ :
-لأ مش عيب.. عمومًا ماتقلقش. انت عارفني إستحالة أعرّض عيلتي لأي مخاطر. لو شايف إن السفر هايضرهم ماكنتش مشيت خطوة واحدة فيه.. أطمن أنا مأمن كل حاجة.
حانت من “يحيى” نظرة صوب أخيه و هو يقول مبتسمًا :
-أنا أتمنى لك كل الخير يا رفعت.. و أي وقت تحب ترجع بيتك مفتوح و الشركة كمان.. مش معنى إنك خرجت منها يبقى مالكش مكان. أنوي بس تشتغل فيها بجد و أنا هامدلك إيدي و كياني كله.. مأمنش لحد غير أخويا. غيرك انت !
وصلا أخيرًا إلى الوجهة المنشودة، منزل “يحيى” الثاني، حيث تسكن فيه زوجته و صغيرته البالغة من العمر تسعة أشهر فقط
كانت “رحمة” تنتظر قدومهما بالفعل، حضّرت نفسها و الصغيرة جيدًا للقاء فرد العائلة الأبرز لأول مرة، و بالفعل استقبلت “رفعت” بحفاوةٍ جمّة، و بدوره أبدى إنبهارًا بجمالها و لباقتها في الكلام و التعامل، بالإضافة إلى تنسيقها لمائدة الغداء، أثنى كثيرًا على الأصناف التي طبختها و لم يقاوم إغراء الطعام أبدًا …
-بجد تسلم إيديكي يا رحمة ! .. قالها “رفعت” من خلال مضغه لقطعة اللحم المفضلة لديه على المائدة، و تابع :
-أنا عمري ما دوقت صنف زي ده.. اسمها إيه الوصفة ؟
تبسّمت “رحمة” التي لم تشارك بتناول الطعام مكتفية بالجلوس رفقتهم و الاعتناء بصغيرتها فقط، ثم قالت :
-مالهاش اسم. دي وصفة من اختراعي. أصلي بحب المطبخ اوي من صغري ف اتعودت أخترع طبخات كتير.. مبسوطة أوي إن الأكل عجبك يا رفعت بيه !
صوّب “رفعت” ناظريه نحوها، و ازدرد ما تبقّى ما تبقّى بفمه من طعام بجرعة ماء ليقول بجديةٍ :
-مبدئيًا اسمي رفعت بس منغير بيه. انتي بقيتي فرد من العيلة و أم لبنت أخويا يعني زي أختي بالظبط. تاني حاجة بقى الأكل مش بس عاجبني أنا هاواجه صعوبة كبيرة عشان أتقبّل أي صنف يخرج من إيد حد تاني غيرك …
و نقل بصره إلى أخيه مكملًا بدعابةٍ :
-يا بختك يا سي يحيى.. طول عمرك محظوظ في كل حاجة.
وافقه “يحيى” بإيماءة قبل أن يميل نحو زوجته الشابة ليطبع قبلة سطحية على خدّها، ثم يغطي يدها التي فوق المائدة بيده قائلًا :
-أنا بعتبر نفسي محظوظ أكتر برحمة.. إني قابلتها و اتجوزتها.. مابقتش أقدر أستغنى عنها أبدًا !
ابتسمت له برقةٍ مجاملة و لم ترد، و واصلت القيام بواجب الضيافة بعد الغداء إذ صنعت القهوة و قدّمت الحلى الذي سهرت ليلة كاملة تتفنن بتنفذيه، قضى “رفعت” وقت لطيف بالكاد شعر بمرور بضعة ساعاتٍ ما بين التعرّف على زوجة أخيه و تلقّي الترحاب و المرح مع الصغيرة “شمس”.. فجأة نظر بساعة يده و نهض قائلًا :
-ياااه ده انا يدوب أمشي دلوقتي حالًا.
تطلّع “يحيى” إليه معلّقًا بتعجبٍ :
-إيه يا رفعت انت في آخر الدنيا ؟ هي نص ساعة بالكتير و تكون في البيت. أقعد شوية كمان و هاننزل سوا عشان أوصلك انت ناسي احنا جايين بعربيتي !
-لأ خليك انت مش مستاهلة تنزل و حد يشوفك معايا المفروض إنك مسافر يومين ! .. و غمز له
ضحك “يحيى” على التلميح المبطن، بينما يستطر “رفعت” ساحبًا سترته من فوق الآريكة :
-أنا هاخد تاكسي لحد البيت. و مرة تانية متشكر اوي يا رحمة على العزومة و من دلوقتي بطالب بعزومة زيها في أقرب فرصة.
قامت “رحمة” لتصافحه و هي تحمل على ذراعه الأخرى صغيرتها :
-العفو يا رفعت انت نوّرتنا إنهاردة. و طبعًا دي مش آخر مرة نعزمك ده بيتك أخوك يعني بيتك أصلًا تيجي في أي وقت.
انحنى “رفعت” ليقبّل رأس “شمس” الغافية و يداعب وجنتها المكتنزة بإبهامه، ودّعهم مرةً أخرى، ثم رافقه أخيه حتى باب الشقة و أقفل من ورائه
تنفس “يحيى” الصعداء أخيرًا، لقد انتهى اليوم بنتيجة أكثر من ممتازة، و قد علت “رحمة” من شأنه أمام أخيه، حقًا تصرّفت كزوجة تليق بـ”يحيى البحيري” لدرجة أنها أجبرت “رفعت” على إبداء الاحترام التام لها، هو يعرف أخيه جيدًا، و بإمكانه و بسهولة استشفاف ما إن أعجبه شيء أم لم يعجبه، و “رحمة” حازت على إعجابه، بل و ثناؤه و تقديره أيضًا …
-خضتني !! .. صاحت “رحمة” ملتاعة عندما أحست بذراعيه تحيطان بخصرها فجأةً
ما لبثت أن هدأت بل بردت أعصابها من جديد
كانت تقف بالمطبخ الآن، بعد أن وضعت صغيرتها بالمهد في غرفة النوم، استغلّت وقت غفوتها لتجلي الصحون، تنهدت بفتورٍ ردًا على مداعبات زوجها الجريئة، حتى همسه الحميمي بجوار أذنها لم يعد يؤثر فيها مؤخرًا كما كان خلال الأشهر الأولى من زواجهما …
-انتي كنتي هايلة إنهاردة.. رفعتي راسي !
بانت ابتسامتها الساخرة في لهجتها و هي ترد عليه :
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أنا ماعملتش حاجة أبدًا. المستوى إللي انت معيّشني فيه هو إللي نطق بالنيابة عني.. و بعدين ده أخوك.. مش حد غريب.
شعرت بتوتر يديه فوق جسمها للحظة، قبل أن يعاود الحديث مجددًا بهدوء :
-انتي بتعملي إيه ؟
هزت كتفيها ببساطةٍ :
-بغسل الأطباق. بنضف مكان الغدا.
-سيبي كل ده من إيدك ! .. أمرها مناولًا إيّاها منشفة لتجفف يديها :
-أنا هاكلم البواب الصبح يطلع مراته تشوف طلباتك.
أخذت المنشفة منه تحت إصراره و هي تقول :
-دي حاجات بسيطة تخلص في نص ساعة.. مش مستاهلة حد يعملهالي !
أدارها إليه من خصرها و أسندها أمامه إلى السور الرخامي للمطبخ متمتمًا :
-الإيدين دي اتخلقت عشان تتزيّن بدهب و ألماظ. مش تشقى في غسيل و تنضيف.
و ارتفع حاجبيها في ذهولٍ عندما استلّ من جيب سترته علبة صغيرة من المخمل الأسود، فتحها أمام عينيها، ليشع بريق خاتم رفيع من الذهب الأبيض المزيّن بفصّ من الياقوت الأزرق محاطًا بعشرة من فصوص الألماس الحرّ …
-كل سنة و انتي طيبة ! .. قالها “يحيى” مبتسمًا بجاذبيته المعهودة
رفعت عينيها عن الخاتم لتنظر إليه مستغربة، فأردف و هو يمسك بيدها :
-إنهاردة عيد ميلادك العشرين.. و عيد جوازنا التاني. كل سنة و انتي معايا ..
لم تدّعي حقًا جهلًا زائفًا، فهي بالفعل لم تتذكر كلا التاريخين !!
ابتسمت “رحمة” بتكلفٍ قائلة :
-انت افتكرت إزاي.. ده انا كنت ناسية !
يحيى بلطفٍ : أنا عمري ما أنسى اليوم ده. يوم ما بقيتي مراتي و ملكي في نفس الوقت.. فاكرة ؟
فهمت ما يرمي إليه جيدًا، و مبادرتها بأول ليلة لهما في تقديم دعوة صريحةً له ليجعل منها زوجة حقيقية، لو علمت ما تخبئ لها الأيام قبل أن تفعل ذلك لما فعلته مطلقًا.. و لكنه القدر …
نزع الخاتم من العلبة و رفع يدها الآن ليلبسها إيّاها ببنصرها، كان المقاس مضبوطًا، تمامًا كما نبؤه إحساسه، راقبها و هي ترمق يدها المزدانة بقطع ثمينة من المجوهرات و قال :
-عجبك ؟ أنا اخترته على ذوقي. لو مش حباه ممكن ننزل نغيّره بكرة أو تنقي أي حاجة نفسك فيها.
هزت “رحمة” رأسها و هي تقول دون أن تحيد بناظريها عن الخاتم :
-لأ طبعًا مش هاغيّره. ده يجنن.. شكرًا !
ابتسم برضا و أخبرها :
-دي خطوة اتأخرت كتير و أنا آسف طبعًا. كان لازم أقدم لك الخاتم ده يوم ما اتجوزنا. بس حقيقي نسيت خالص.. من كتر ما كنتي مستحوذة على تفكيري. و مش عارف أشوف حد غيرك !!
انشغلت الآن بتفحص الخاتم عن كثب لدرجة إنها لم تسمعه جيدًا، فباغتها بمفاجأة أخرى مظهرًا لها مغلّفًا ورقيًا :
-الخاتم ده هدية عيد ميلادك.. أما العقد ده هدية عيد جوازنا.. انتي دلوقتي مش بس مراتي. انتي أم بنتي كمان. مافيش حاجة ممكن تغلى عليكي. و مهما عملت عشانك مش كفاية.
نظرت “رحمة” بتساؤلٍ إلى اليده الممسكة بالمغلّف، فشرح لها بايجازٍ :
-ده عقد الشقة دي.. أنا كتبتها باسمك يوم ما ولدتي شمس. يعني دلوقتي انتي صاحبة الشقة و أنا إللي ضيف عندك. تخيّلي ؟
فغرت فاها من وقع المفاجآت عليها، و ضحكت و هي تأخذ العقد من يده غير مصدقة، ليقول مسرورًا بسعادتها :
-و الله كان نفسي أقدم لك الهدايا دي في مكان أشيك من المطبخ. في أوضتنا على الأقل. بس مانقدرش نزعج شمس هانم خصوصًا و هي نايمة !
وضعت “رحمة” المغلّف جانبًا عندما فهمت المعنى المراد من وراء كلامه، أبقت على الخاتم باصبعها و هي تفك سحاب فستانها الجانبي و تحيط عنقه بيدها الأخرى متمتمة :
-في الأوضة.. في المطبخ.. في أي مكان.. انت تستاهل أقولك شكرًا على الهدايا دي.. و أنا هاشكرك بطريقتي !!
و هذا بالضبط ما يهفو إليه من البداية …
يتوق بشدة لوصالها و هو يلتمس منها الرضا، خلال الفترة السابقة كلها كان عليه أن يتظاهر بأنه لا يلاحظ نفورها منه، و إنها تجبر نفسها لتمنحه حقوقه بأقل الطرق التي ترضيه
و لكنه لا يرغب بشيء في هذه اللحظة أكثر من رغبته في تقبيلها، يشتاق كثيرًا لمذاق شفتيها، و لكن كما توقّع، ما إن حاول تعرض عن هذا على الفور مشيحة بوجهها بعيدًا، لا تسمح له بنيل قبلة واحدة منها، تمارس الحب معه، و لكن قبلات.. لا
و هو تعهّد لها مسبقًا بألا تفعل له أيّ شيء بالإكراه.. لن يجبرها على شيء مطلقًا …
___________________________________
الوقت الحاضر …
استيقظت “سمر” في الصباح و هي تشعر براحة غامرة عكس ما توقعت، آخر عهدها بالليلة الماضية هو إصرارها على المبيت فوق الأريكة منفصلة عنه ما دام صمم ألا يترك فراشه، لا يمكن أن تنسى هذا
و لكن ما هذا !؟
فرش ناعم.. وسادة طريّة.. مساحة واسعة حيث تمكنت من مدّ ساقيها و يديها بأريحية !!
و هذه الذراع التي تحيط بخصرها.. اللعنة ذراعه هو !!!
-آاااعععععااااااااااه …
انتفض “عثمان”من نومه على إثر صرختها الملتاعة، لكنه لم يزحزح ذراعه الملتفة حول خاصرتها رغم محاولتها بالابتعاد عنه، غمغم بصوته الناعس و هو بالكاد يفيق :
-إيـه. في إيه يا سمر حرام عليكي. أنا لسا صغير على قطع الخلف عايزين نجيب عيال تاني يا بيبي.. إهدي صباحك فل !
سمر بعدائية مفرطة :
-صباحك زفت.. انت إزاي يا حضرة انت تنقلني من مكاني و أنا نايمة و تنيّمني جنبك هنا ؟ لأ و كمان بتستغل غيابي عن وعيي و بتتحرّش بيا.. شيـل إيـدك دي !!!!
و حاولت مرةً أخرى نزع ذراعه عنها و لكن عبثًا …
تنهد “عثمان” بصبر و هو يفرك وجهه بالوسادة أسفل رأسه مغمغمًا شيئًا لم تسمعه، ثم نظر لها من جديد قائلًا بفتور :
-لو كنتي مفكرة إني كنت ممكن أسيبك تنامي بعيد عني و انتي معايا في نفس الأوضة تبقي أكيد غلطانة يا بيبي.. و بعدين إيه بتحرّش بيكي دي ؟ هو انتي ليه مش عايزة تستوعبي إنك مراتي.. مرااااتي !!
اتسعت عيناها بصدمة حين انزلق الغطاء فوق جسمه قليلًا و رأت إلى أيّ حد هو عاريًا بجوارها في الفراش، فرددت بتلعثمٍ و دموع الخوف ملء عينيها :
-انت عملت فيا إيه و أنا نايمة !؟؟
ابتسم “عثمان” و هو يقول بسخرية :
-اللهم طوّلك يا روح.. انتي لو شفتي نفسك من أسبوع واحد بس في السرير ده كنتي عاملة إزاي.. و كنتي بتقوليلي إيه !
و عض على شفته و هو يترك نظراته تنحدر ليحدق بشقّ صدرها عبر فتحة المنامة …
انسحبت الدماء من بشرتها و هي تكرر منكمشة على نفسها :
-انت عملت فيا إيــه !!؟؟؟
زفر بقوة و صاح بنفاذ صبر :
-ماعملتش حاجة. ما انتي لابسة هدومك أهو. لو عملت كنتي صحيتي في حضني منغير هدوم خالص !!
و شهقت حين اعتلاها فجأةً مثبتًا معصميها فوق رأسها بيد، و بيده الطليقة يمسك بذقنها متمتمًا بحزمٍ :
-اسمعيني كويس يا سمر. افهمي كلامي عشان حياتك الوردية في بيتي ماتقلبش جحيم بسببك.. بكررهالك عاشر. انتي مراتي. مش بس من حقي تنامي جنبي. لو حبيت أخاوي يحيى و فريدة بأخ أو أخت دلوقتي حالًا هاعملها. و مافيش حاجة هاتمنعني …
اهتاجت أنفاسها و هي ترد عليه بخوف :
-هاصرّخ و ألم البيت كله !!!
إلتوى ثغره بابتسامةٍ تهكمية و تمتم :
-مش هاخلّيكي تصرّخي.. و انتي عارفة !
هزّت رأسها بقوة هاتفة بعصبيةٍ :
-لأ مش عارفة. و لو مابعدتش عني هـ آ …
-طيب ما نجرّب أحسن ! .. قاطعها متحسسًا تضاريس جسدها بجرأة
نظر إلى عينيها بتحدٍ بينما تتلوى لتتحرر منه بلا هوادة.. و لكن دون جدوى …
و لوهلةٍ نسيت “سمر” كل شيء، أسرها بين ذراعيه، تحرّشه بها بكلماته و يديه، حبست أنفاسها فجأةً، و جمد بصرها فوق صدره العاري، على شقّه الأيسر، مائلًا للمنتصف، تمامًا فوق موضع القلب… رسمة عينين !!!
لم تستطع الإشاحة بناظريها عن الوشم الملوّن، حاجبين أسودان و بؤبؤين خضروان محاطان بجفون و رموش بارزة تكاد لا تفرّقها عن الحقيقة.. كأنها تنظر إلى المرآة فترى.. ترى من !؟
نظرت إلى عينيه في هذه اللحظة، لتجده يبتسم لها بوداعةٍ و قد تلاشى تعبير السخرية عن محيّاه، رقت نظرته و هو يخفض إحدى يديها من فوق رأسها ليجعلها تتوسّد صدره، و تحس بنبضه المنتظم أسفل لمستها …
-دي عينيكي ! .. قالها “عثمان” بهدوءٍ ولّد هالة من الحميمية بينهما
ارتعش فمها و لم تزل نظراتها معلّقةً بعينيه، اختلجت في صدرها الكثير من المشاعر و خشيت أن تبدأ الغرفة بالدروان من حولها إذا لم تفيق من سحر اللحظة و تثوب إلى رشدها، و لكن قبل أن تتخذ أيّ ردة فعل مال نحوها قليلًا و هو يهمس بحنانٍ مسّ النقطة صعبة المنال بداخلها :
-لو بإيدي أشيلك جوا قلبي و أخبيكي و تكوني لنفسي. ليا لوحدي.. عينيكي حفرتها على جسمي.. عينيكي إللي مالهاش زي.. بحبك لدرجة حطيت خِتم ملكيتك على جسمي.. بحبك و مش شايف و لا عايز غيرك يا سمر !
هكذا أخضعها و جعلها تلين و تصبح طوع بنانه باسلوبه الخاص و الذي لطالما أفلح معها مسبقًا، الآن أيضًا استجابت له، هدأت للغاية بين ذراعيه و كانت لتسمح له عندما دنى ببطء ليقبّلها، في الواقع، لقد أرادت بشدة أن يفعل، رغم شعورها بالغرابة و عدم الراحة معه، لا تدري كيف سحب البساط من تحت قدميها و أقعها في حبائله بلحظةٍ …
-بابا !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قاطع نداء “يحيى” الصغير سحر اللحظة، و أفاقت “سمر” من السكرة المؤقتة محاولة دفعه بعيدًا من جديد، بينما يُبقي “عثمان” عليها بسهولةٍ و هو يهتف من مكانه محدقًا بوجهها :
-يحيى.. عايز إيه ؟
-صافي عايزاك. قالت لي أقولك إنها تروحلها على أوضتها قبل ما تنزل في أي حتة.
-أوكي. شوية و رايحلها.
-ممكن أدخل يا بابا ؟ عايز أقول حاجة لماما !
تنهد “عثمان” قالبًا عيناه، تدحرج من فوق زوجته و نهض من السرير صائحًا :
-ادخل يا يحيى !!
ألقى نظرة ضجرة على زوجته، ثم مضى نحو الحمام في نفس اللحظة التي يلج ابنه إلى الغرفة، أطلّ على أمه مبتسمًا بإشراق و انضم لها بالفراش خلال لحظات، أجفلت “سمر” عندما استلقى قربها محتضنًا إيّاها و هو يقول :
-أنا سيبتك تنامي معاه إمبارح.. بس إنهاردة هاتنامي معايا أنا.. و اوعي تضحكي عليا زي كل مرة و تستني لما أنام و بعدين ترجعي له. المرة دي هاتولع يا مورا انتي حرّة هاتتسببي في خناقة !
كانت عالقة مع كلمات ابنها غير مصدقة ما تسمعه، إنه يؤكد لها عمق متانة الرباط بينها و بين زوجها المزعوم، كل شيء يقرّ لها الحقيقة حتى الآن، و هي لا تتخلّى عن مشاعر الإنكار !!!
يرفع “يحيى” رأسه عندما لم ترد عليه، نظر لها عابسًا و قال :
-انتي مش بتردي عليا يا ماما ؟ انتي زعلتي مني و لا إيه !؟
حدقت فيه الآن منصتة إليه و قالت :
-لأ يا حبيبي مازعلتش.. و لا يهمك هاعملك إللي انت عاوزه.
ابتسم لها.. تلك الإبتسامة الموروثة من أبيه و التي رأتها على محيّاه قبل قليل.. إنها عمليًا تحدق في نسخةٍ منه الآن …
-اختك و ملك صحيوا ؟ .. تساءلت “سمر” و هي تمسح على شعره الحريري برفقٍ
-فريدة صحيت و بتجهز عشان درس البيانو. أما ملك الغيبوبة دي لسا طبعًا ماصحيتش و لا هاتصحى دلوقتي عشان عارفة إنهاردة إجازة !
ضحكت “سمر” رغمًا عنها على سلوك صغيرها الفكاهي، يُذكرها هذا الجانب منه بخاله “فادي”.. على الأقل كما عهدته سابقًا قبل أن ترى منه نسخة سوداوية لم تفهم كيف وصل لها …
-طيب تعالى نشوفهم يلا !
و قامت ساحبة إيّاه في يدها …
_________________________________
الأرملة السوداء
نوع من إيناث العنكبوت، تمتاز بلون فريد من الأسود و الأحمر، سُميت بهذا الاسم لأنها عادةً تأكل شريكها بعد الإنجاب.. و لا يستطع فهم لماذا ورد له هذا الخاطر عندما رآها !!
إبنة شريكه، الآنسة الثلاثينية صاحبة المزاج الحاد.. “مايا عزام” …
بناءًا على رغبةً منها، فهي ترافقه هذا الصباح إلى المخفر لإستلام و استقبال شقيقها، و رغم إنها تتقن زينة وجهها الخفيفة بمسحةٍ من البهجة، إلا إن تعابيرها تلائم نمط ثيابها، قدّها الممتلئ بتناسقٍ يلفه ثوب أسود غير محتشم البتّة، قصير و لولا السترة الالسميكة التي تعلوه لظهر منها الجزء الأكثر إثارة بجسدها، ربما لأنه فصل الشتاء هي مقيّدة، فماذا لو حلّ الربيع !!؟
-مايا انتي هاتستني هنا و أنا هانزل أقابل المحامي جوا. شوية و هانطلع بمالك إن شاء الله !
أدارت “مايا” رأسها نحوه لتحدق به لأول مرة منذ إلتقيا من بكرة الصباح، ردت باستنكارٍ واضح :
-انت عايزني أقعد هنا و أنا عارفة إن أخويا الوحيد إللي ماشفتوش من عشر سنين على بُعد كام خطوة مني ؟ بتهزر صح !؟
تفرّس “نبيل” بوجهها الآخذ طابع لبؤةٍ بريّة الآن، و قال بجدية دون أن يضيّع فرصته بالتحديق إلى عينيها الحادتان :
-لأ خالص.. مش بهزر. و أنا مقدّر إللي بتقوليه جدًا. بس آسف يعني احنا مش رايحين نجيبه من المدرسة ده قسم شرطة. و قسم الشرطة هو هو في كل مكان فيه عساكر و مجرمين. و انتي مش مسموح لك تدخلي المكان ده و انتي عاملة في نفسك كده.
قطبت حاجبيها مرددة :
-عاملة في نفسي إيه مش فاهمة !!
أشار بعينيه إلى مفاتن جسمها الواضحة للعيّان قائلًا باقتضابٍ :
-لبسك مش مناسب.
اندهشت أكثر و جاوبته :
-و أظن دي حاجة ماتخصكش. إزاي أصلًا تعلّق على لبسي ؟؟
نبيل بحدة : انتي ماشية معايا. خرجتي معايا من بيت أبوكي قصاد عينه. من الآخر أمانة في رقبتي. يبقى تمشي على مزاجي. و إللي أقوله يتنفذ منغير نقاش لحد ما أرجعك لأبوكي زي ما أخدتك ..
نظرت له مرفرفة بأجفانها و لم تعقّب من شدة ذهولها، بينما يشيح بوجهه عنها منتزعًا حزام الأمان من حوله، ترجل من السيارة و أغلق الباب، ثم رأته يقفل عليها الأبواب و النوافذ بضغطة زر
رفعت حاجبها و هي ترمقه بعدم تصديق ما لبث أن إستحال غضبًا، خاصةً و هي ترى شدقه يلتوي بابتسامةٍ خبيثة قبل أن يستدير ماضيًا صوب بوابة المخفر !!
غلت الدماء بعروقها، لأول مرة منذ مدة طويلة جدًا يتمكن أيّ شخص من إثارة حنقها، لقد ظنّت بأنها صارت بليدة الإحساس، لكن ها هو رجل لم تحسب له أدنى حساب أخرجها عن طورها المتزن
لا بد أن تنأى عنه في القابل من الأيام، و لا مزيد من التعاملات بينهما، هو حتى لن يحظى بتحيتها أو نظرةً منها، الرجال !
جميعهم سواء.. جميعهم سفلة و أنذال !!!
زفرت “مايا” بقوة و هي تعمل على تهدئة نفسها بصعوبةٍ، فتحت حقيبتها الصغيرة و أستلّت علبة السجائر خاصتها، لكنها انتبهت لنظام السيارة محكم الغلق، لن تتمكن من إشعال سيجارة هنا دون أن تختنق …
أغلقت الحقيبة ثانيةً و هي تلعن و تسبّ، و تضحك فجأةً، حين تذكرت متى آخر مرة تلفّظت بالشتائم.. لقد مرّت سنوات.. ربما كانت لا تزال طالبة جامعية في فترة الطيش و الانطلاق
راقت نفسيتها قليلًا و هي تسترجع الذكريات الحسنة فقط، قبل أن يفسد كل شيء بحياتها، أخيها الكبير قبل وفاته، أمها قبل أن يتمكن الشر منها على الأخير، و توأم روحها.. “مالك” قبل أن تسوء أخلاقه و ينحرف عن المسار القويم
و هي نفسها
هي قبل أن تشهد دمار حياتها، انفصالها عن الرجل الوحيد الذي أحبّته من عمق قلبها بأكثر الطرق إهانة و مذلّة، خزيها في مقر عملها و اضطرارها لمواجهة كل ذلك بعزيمة فولاذية، لم تسمح لنفسها بالإنهيار أبدًا، لقد قطعت وعدًا لنفسها، و ها هي توفي به …
ارتعدت “مايا” فجأةً عندما سمعت قفل السيارة ينفتح مرةً أخرى، تطلّعت عبر النافذة أمامها بعد أن سمعت نقرًا عليها، لترى “نبيل” و قد عاد، جسده الضخم يواري خلفه جسد آخر استطاعت رؤيته بسهولةٍ
مدت يدها على الفور و فتحت باب السيارة لتخرج، تشرأب بعنقها و هي تنظر بتهلفٍ، و أخيرًا، رأته
أخيها الصغير.. “مالك”.. و كأنها البارحة فقط منذ ألتقته.. لم تغيّر فيه السنين شيء.. لا زال كما هو.. هادئًا.. وسيمًا.. و.. أين ذهبت ابتسامته ؟
أين لمعة المرح بعينه ؟
هل بدا أكثر نحولًا.. و ماذا عن تلك الندبة الغائرة أسفل عينه اليسرى !؟؟
كيف أصيب بها ؟
كيف ؟؟؟
-مالك ! .. نطقت “مايا” اسمه من تحت وطأة غصّات عديدة بحنجرتها
سالت دموعها و هي تستدير حول السيارة بخطواتٍ متعثّرة، و.. هل وعدت نفسها بألا تنهار !؟؟
إنها تنهار فعليًا الآن، و هي ترتمي بين ذراعيه و تحضتنه باكية بحرقةٍ، تضمه و تجهش في البكاء أكثر و هي لا تنفك تردد من بين دموعها :
-أخويا.. مالك.. مالك.. حبيبي.. أخويا.. مالك ! ………………………………………………………………………
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل السابع عشر _ القيد _ :
قبل ثلاثة و عشرون عامًا …
طال مكوثها بغرفة النوم، بينما يجالس “يحيى” صغيرته البالغة من العمر خمس سموات بالصالة و قد ضجر في غيابها، ترك الصغيرة أمام التلفاز تتابع شغفٍ طفولي مسلسل كرتوني شهير، و قام متجهًا للداخل، مع كل خطوة يخطوها يتسلل صوتها أوضح إلى أذنيه
لقد كانت تغني !
مدفوعًا بفضوله أسرع من سيره حتى وصل إليها، رآها تجلس أمام منضدة الزينة، ترتدي روب الاستحمام و تمشّط شعرها، آسرة و جميلة كما هي دومًا، لكن عبوسه لسماع الكلمات التي راحت تتغنّى بها منعه من تأملها بنظرات الإعجاب :
-من حبي فيك يا جاري يا جاري من زمان.. بخبي الشوق و أداري لا يعرفوا الجيران.. بخبي الشوق و أداري أداري لا يعرفوا الجيران …
و كفّت عن الغناء فجأةً، عندما لمحة إنعكاسه بالمرآة، طالعته بنظراتها الفاترة و هي تقول :
-يحيى.. في حاجة ؟
-إيه إللي كنتي بتقوليه دلوقتي ده !؟
رفعت حاجبيها مدهوشة من الحدة التي يخاطبها بها، لكنها جاوبته بهدوء :
-كنت بغني.. ممنوع أغني و لا إيه !!
كز على أسنانه بغضبٍ و لاحظت توتر جسده لحظيًا قبل أن يقول بغلظةٍ :
-مين جارك ده يا هانم إللي بتغنيله !؟؟
تدلّى فكها من شدة الذهول و قامت واقفة على قدميها فورًا، استدارت ناحيته ملقية بالفرشاة جانبًا، التصق شعرها الرطب بجانبيّ وجهها مضفيًا عليها إثارة و فتنة بينما تردد بلهجةٍ لا تقل حدة عنه :
-جاري إيه و بتاع إيه انت سامع نفسك ؟ هو أي واحدة تغني أغنية عاطفية جوزها يشك فيها.. يعني أنا مثلًا لو غنّيت …
و بدأت تتمايل أمامه بسخرية مؤدية :
-آاااااه يا اسمراني اللون.. حبيبي يا اسمراني …
و عاودت التحدث بازرداءٍ لاذع :
-أكون أنا بحب واحد اسمر !!؟
أقنعته، لم يكن لديه أيّ مبررات للشك بها أصلًا، لكنه لا يزال حانقًا عليها، لا يزال على نفس الحالة المتوترة
اقترب منها بخطى ثابتة، و توقف على بُعد قدم منها، نظر لها مليًا بعينيه الكرستالية ثم قال بخفوتٍ خطر :
-أنا فاهم إللي بتقوليه كويس. و مش معنى إني بسأل أبقى شاكك فيكي.. أنا لو شكّيت مش هقف أتكلم معاكي كده !
رمقته بنظرةٍ مستخفة كادت تطيح بصوابه لو لا أن تمالك أعصابه كي لا يؤذيها، و غمغم من بين أسنانه :
-تفتكري هفضل لحد إمتى مستحمل طريقتك دي يا رحمة ؟
أمالت رأسها قائلة ببرودٍ :
-طريقتي معاك زي ما هي. بتيجي مرة في الأسبوع. ساعات بتنام الليلة معانا و ساعات مش بتيجي خالص بالشهر و الشهرين عادي. إللي بينا مجرد فروض و واجبات. بقالنا سنين بنتعامل كده.. ف إيه إللي إتغيّر عشان تكلمني بالإسلوب ده ؟
لم تجفل حين قطع المسافة القصيرة بينهما بخطوة واحدة، و حتى و هو يمسك ذراعها الآن و يشدد قبضته عليه، تحمّلت الألم الذي يسببه لها و استمعت له و هو يرد منفعلًا :
-سنين. زي ما قولتي سنين و أنا قافل بؤي و ساكت. بقول مسيرها تهدا و تلين. مسيرها تنسى و ترجع زي ما كانت …
ضحكت باستهزاءٍ أغضبه أكثر و قالت مسندة كفّها على صدره العاري من وراء روبه المنزلي :
-أرجع زي ما كنت ؟ قصدك أعيش دور الهبلة يعني ؟ يحيى أنا بحترم ذكائك. من فضك احترم ذكائي أنا كمان.
تشنّج فمه و هو يسألها بجمودٍ :
-قصدك إيه ؟
تلاشت سخريتها كلها و هي تخبره بجدية :
-لو كنت مفكرني نسيت إللي عملته فيا من خمس سنين تبقى غلطان.. هقولهالك تاني. انت دبحتني. أنا عايشة إنهاردة بسبب شمس. و لسا سامحة لك تبقى في حياتي بسببها. شمس بنتي الوحيدة. هي عيلتي كلها. شمس لو جرالها أي حاجة مش هقدر أعوضها. هاروح وراها.. يحيى. انت لسا مش فاهم ؟ انت مجرد علاقة في سرير بالنسبة لي. أنا من زمان ريّحت دماغي و اعتبرتك كده. ريّح نفسك انت كمان و اعتبرني كده !
لم يرل لها جفن و هي ترى لون وجهه البرونزي يستحيل إلى لون الدماء، قدّرت إنه ربما يتهوّر و يمد يده إليها بسوءٍ ما، كانت مستعدة تمامًا و ترفع رأسها بشجاعةٍ، إلا إن ظهور صغيرتها المفاجئ غيّر كل شيء …
-مامي.. أنا جعانة !
لم يبتعد “يحيى” عنها فورًا، بينما نظرت “رحمة” إلى صغيرتها من وراء كتفه و قد تمكنت بسهولةٍ من قلب تعبير الجفاء و اللامبالاة على آخر مفعم بالعطف و الحنان :
-حبيبة مامي. هاعملك أحلى غدا دلوقتي.. بس ممكن تستني برا شوية. خمس دقايق بس !
عبست الصغيرة ضاربة الأرض بقدمها :
-لأ أنا جعانة دلوقتي !!
تنهدت “رحمة” نازلة عند رغبتها :
-حاضر يا عمري. جاية أهو حالًا.
و شدت ذراعها برفقٍ من قبضة زوجها الفولاذية متحاشية النظر إليه، ليتركها بحركةٍ بطيئة ممتنًا لظهور “شمس” الذي أنقذ والدتها، و لو مؤقتًا !
تركها تمضي صوب صغيرتها، راقبها و هي تحملها و تخرج بها، لم يلحق بهما، بل بقي بمكانه مشغولًا بحوارهما، يعيد التفكير بكل كلمة قالتها، و رغم مرور سنوات عديدة من الجفاء و التنافر بينه و بين زوجته الشابة، إلا إنه واقعٌ بحبها
تغافله عن معاملتها له سببها الوحيد هو حبه لها، لم يشاء أن يضغط عليها و يظلمها مرةً أخرى، لكنه الآن يخشى لو أنه بيده صنع هذا الحائل بينهما و إلى الأبد، يرفض هذا، يرفضه بشدة، إنها له، و هو يعرف جيدًا كيف يستعيدها و ينتزع منها خضوعًا كاملًا …
__________________________________
الوقت الحاضر …
ذهب “عثمان” لملاقاة أخته بغرفتها كما أبلغه ولده حيث تتوقع “صفيّة” قدومه، قرع بابها أولًا، ثم دلف بعد أن حصل على إذن الدخول
وجدها تجلس بانتظاره فعلًا بشرفة الغرفة التي لطالما اعتنت بها قبل زواجها و سفرها مع زوجها و ابن عمها، لكنها الآن صارت جرداء، مجرد فسحة بها مقعدين و طاولة حملت فنجان من القهوة الباردة …
-صباح الخير يا صافي !
انتبهت “صفيّة” لمجيئ شقيقها، رفعت رأسها ناظرةً نحوه، لم تفلح طلّته الآخذة بالعقل بابهاجها كالمعتاد، مظهره متكامل ليس به غلطة، يرتدي سروالًا من الموهير الأزرق، و كنزة بيضاء من الصوف، شعره الناعم الذي خالط بعض الشيب منابته مصفف و لامع بعنايةٍ، ينتعل خفّين من الجلد الطبيعي، و رائحة عطره الجذّابة “Legend” المنتقاة من مجموعة “Mont Blank” الشهيرة كان من شأنها تهدئة أعصابها
و لكن لا، لا شيء في الوقت الراهن بقادرٍ على تهدئتها، مطلقًا …
جلس “عثمان” قبالتها دون أن يتلقّى ردًا على تحيّته، بينما تجاوزت هي المقدمات و قالت باقتضابٍ :
-عثمان. من فضلك لو صالح حاول يتصل بيك أو جه على هنا في أي وقت بلّغه إني عملت توكيل لمتر سميح عشان يخلّص معاه إجراءات الطلاق. انا مش عايزة أقابله و لا أكلمه آ ا …
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-إيه إيه إيه !؟؟ .. قاطعها “عثمان” مستنكرًا بشدة
بل يكاد يجزم بأنه لم يسمعها جيدًا :
-سمعيني تاني كده قولتي إيه ؟
تململت بعصبيةٍ مغمغمة :
-سمعتني كويس يا عثمان. أنا و صالح هانطّلق. هو لسا مايعرفش و من إمبارح بيكلمني و مش برد عليه ف أتوقع إنه ممكن يكلمك. بطلب منك تبلّغه بقراري و لو سمحت تتابع مع المتر لأني مش هاكون موجودة هنا الفترة الجاية. هسافر مع مامي على إسطنبول و طبعًا هاخد معايا ديالا.
كانت هذه معلومات كثيرة عليه ليناقشها كلها، لكنه اجتزأ قضية طلاقها المزعوم قائلًا بصلابةٍ :
-إهدي بس كده و كلّميني واحدة واحدة.. إيه إللي حصلّك إنتي كمان ؟ صالح عمل إيه ؟ رجع للشرب تاني ؟
هبّت “صفيّة” واقفة و هي تهتف بانفعالٍ ماضية داخل غرفتها :
-مارجعش و ماحصلش حاجة.. أنا مش طالباك هنا دلوقتي عشان تنصحني أو تحاول تفهم و تصلح بينا. مافيش حاجة بيني و بينه. بس ده قرار نهائي. أنا و صالح هانطّلق.
نهض و تبعها على الفور و صوته يعلو محتدًا :
-و المفروض أنا ماليش لازمة معاكي صح ؟ لما أسمعك بتقوليلي طلاق و عايزة تخربي بيتك و منغير ما تقولي سبب واحد متخيّلاني هقولك أوكي يا حبيبتي طلباتك أوامر. انتي باين عليكي اتجننتي.. أقفي هنا و كلّميـني !!
و مد يده مجتذبًا إيّاها صوبه بعنفٍ.. كتمت صيحة و هي تشيح برأسها بعيدًا رافضة النظر إليه …
-عايزة تطلّقي ليه ؟ إيه إللي حصل ؟
تلقّت سؤاله للمرة الثانية بملامحٍ واجمة، لم تجاوبه هذه المرة أيضًا، فقبض على رسغها الآخر و شدّها صوبه أكثر صائحًا بعنفٍ :
-إيه إللي حصل يا صفيّة !!؟؟؟
رفعت بصرها الآن لتشتبك مع نظراته المتآججة، و إنسكبت دمعة مفاجئة على خدّها الشاحب و هي تجاوبه بلهجةٍ مرتعشة :
-بابي.. أنكل رفعت… الاتنين دمروا مامي يا عثمان.. دمروها !!
حلّ العبوس محل الغضب على وجهه الآن، استغرق منه الأمر لحظاتٍ كي يتمكن من سؤالها مجددًا :
-مش فاهم ! بابا اتجوز و طلع عنده بنت. أخت تانية لينا انا و انتي. ماما لسا مصدومة من الحقيقة دي. إيه دخل عمي رفعت دلوقتي ؟
انهمرت دموعها بغزارة و هي تقول بمرارةٍ هازة رأسها :
-مش هقدر أقولك.. مش هقدر أتكلم.. مامي مش هاتستحمل أكتر من كده يا عثمان.. مش هاتستحمل.
جن جنونه و هو يستمع لها و في نيّتها ألا تخبره شيء يتعلّق بأمه، صاح بنزقٍ و هو يهزّها بقوة غير واعيًا لتصرفاته :
-صفيّـة.. أنا مش باخد اذن منك. أنا بأمرك. قوليلي ماما مالها. إيـه إللي تعرفيه يا صفيّـة انطقـي !!!
انتحبت بحرقةٍ مرددة :
-مش هقدر.. مش هقولك يا عثمان.. مش هقولك …
كاد يفقد عقله و حدسه يؤكد عليه وقوع كارثة تخفيها عنه شقيقته، كاد يمارس عليها ضغطًا لن تتحمله و ينتزع منها الإجابة على اسئلته انتزاعًا، إلا إن ما أنقذها منه دوى نغمة هاتفه
حررها أخيرًا من قضبته، لكنه لم يبتعد عنها، و أبقى ناظريه عليها يراقبها لا تزال تبكي و تنشج بحرارةٍ و قد انهارت تمامًا، استلّ هاتفه من جيب سرواله و رد دون أن ينظر إلى هوية المتصل :
-آلو !
أعقب الصمت صوته الحاد لثوانٍ، قبل أن يستطرد بخشونةٍ استرعت انتباه أخته :
-يعني دخلت و قفلت على نفسها.. يعني إيـه مش عارف تدخل.. خلّيك عندك و ماتتحركش أنا جاي حالًا !!!
و أغلق الخط، لتنظر له “صفيّة” و هي تقول بتوترٍ :
-في إيه يا عثمان !؟؟
غمغم “عثمان” و هو يتأهب للرحيل فورًا :
-فريال هانم خرجت من القصر. موجودة دلوقتي في مقابر العيلة و قافلة على نفسها. حارس المقبرة شافها بتنقل بنزين من عربيتها و دخلت بيه.. لازم ألحقها !!
كتمت “صفيّة” صرخة رعب بكفيّها، بينما ينطلق “عثمان” راكضًا، لا يرى أمام عينيه سوى أمه المجروحة و ما هي بقادرة على فعله بنفسها في لحظة تهوّر …
____________________________________________
جعلته يقطع أروقة الفندق جريًا ورائها، تستمع لنداءاته و لا تتوقف أبدًا و هو يهرول خلفها مباشرةً :
-شمس.. شمس من فضلك استني.. اسمعيني طيب.. شمس …
-قلتلك امشي يا رامز ! .. صاحت بصرامةٍ و لم تتوقف أبدًا
حتى وصلت أمام غرفتها، فتحت بابها و ولجت، جاءت لتغلقه دون أن تحاول النظر خارجًا لكي لا تراه، لكنه دس قدمه ليمنعها من غلق الباب تمامًا
أطلقت صرخة ناقمة و تركته ماضية للداخل، تبعها مغلقًا الباب خلفه و هو يهتف من بين أسنانه :
-هاتفضلي تهري في نفسك كده و في الآخر هاتقفي تسمعيني. فرجتي علينا الناس في المطعم و قلبتي القهوة في وشي.. احنا لسا ماتحاسبناش على قلّة أدبك دي !!
و أمسك بطرف قميصه السماوي الذي لطخته بقع البُن …
استدارت نحوه صارخة :
-انت تشكر ربنا إني ماعملتش فيك أكتر من كده. جاي تحاسبني أول ما شوفتني و كل ثانية تبينلي إنك شاكك فيا و في الآخر أنا إللي ألاقي على موبايلك القذارة دي كلها.. الموضوع ده مانتهاش على كده يا رامز سامعني ؟؟؟
اشتدت عضلات فكيه و هو يوبخ نفسه للمرة العاشرة على غبائه، أن يسلّمها هاتفه مفتوحًا بينما يذهب إلى دورة المياه فتفتش فيه مكتشفة أسراره، و على رأسها علاقته بالمساعدة الخاصة لديه …
-قولتلك دي الـ Assistantبتاعتي ! .. غمغم “رامز” بحنقٍ
عقدت ذراعيها أمام صدرها مرددة بتهكم :
-فعلًا ! الـ Assistantبتاعتك باعتة تقولك وحشتني أوي. صوتك وحشني. حضنك وحشني. و ليها صور عريانة على موبايلك !!؟؟
انفجرت فيه بضراوةٍ أشدّ و هي تتخذ خطوته نحوه :
-قولّي علاقتك بيها بدأت من إمتى ؟ و وصلت لفين ؟ قولّي خونتني معاها كام مرة ؟؟؟؟
كانت جميلة مثل اللعنة و هي تثور في وجهه بهذه الطريقة، كنمِرة جاهزة لافتراس شاهٍ، حدق “رامز” لجزء من الثانية بمفرق صدرها الذي بان عبر الشال الآخذ بالانزلاق عن كتفيها، و قد سقط نهائيًا الآن …
-انتي سبتيني و هربتي ! .. قالها “رامز” بهدوء
نظرت له بوجوم، فتابع كلامه ببرودٍ قاصدًا إثارة جنونها و ليس فقط غيرتها :
-أنا راجل يا شمس.. و مش صغير. لو مش انتي في حياتي هايبقى غيرك. أنا ليا احتياجات و ميلا كانت موجودة و رحبت بتلبية الاحتياجات دي طول مدة غيابك.
-خاين ! .. غمغمت “شمس” بشراسةٍ و قد تصاعدت الدماء إلى وجهها
انتفخت فتحتيّ أنفها و هجمت عليه تريد أن تخمش وجهه بأظافرها الأنيقة ذات الطلاء الزهري و هي تهسّ بأنفاسٍ ملتهبة :
-خاين.. في الوقت إللي كنت مقهورة عليك و بلوم نفسي إني سيبتك. كنت بتخوني مع الحثالة دي.. أنا هاوريك يا رامز.. هاتشوف هاعمل فيك إيه !!!
كان قد أمسك بمعصميها يمنعها من الوصول لوجهه، يعجز عن إخماد نوبة إهتياجها، و في نفس الوقت سعيدًا لرؤية الدليل على حبها له
ابتسم و هو يحكم سيطرته عليها قائلًا :
-إهدي يا حبيبتي.. انتي خلاص رجعتيلي.. ميلا مابقاش ليها لازمة في حياتي. هاعوز منها إيه و انتي معايا. أوعدك إني هقطع علاقتي بيها نهائي.
صرخت باندفاعٍ مجنون :
-مش أنا يا رامز إللي تعمل فيا كده. مش شمس.. لو مادفعتكش تمن خيانتك ليا غالي مابقاش شمس البحيري.. و تمنها إنك مش هاتطول مني شعرة. و لا هاتشوف وشي تاني. غير و أنا جنب راجل تاني غيرك و على اسمه. مابقاش شمس إللي تعرفها لو ماعملتش كده و في أقرب فرصة. هاتشوف !!!
أصابت هدفها تمامًا و مسّت النقطة الحساسة بداخله، تلاشت الفكاهة من وجهه و دفعها بعنفٍ لتسقط فوق كرسي قريب متآوهة، و لكنها منتشية لتحقيق هدفها بإغاظته، رفعت رأسها رامقة إيّاه بتشفٍ
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
يبنما يشرف عليها من علوٍ و هو يقول بغلظةٍ :
-أنا محتاج منك تكرري الكلام تاني.. و ساعتها مافيش حاجة في العالم ده كله هاتمنعني.. و انتي عارفة من إيه بالظبط …
رفع سبابته و هو يقول منذرًا :
-حذاري يا شمس.. إللي ماسكني عنك حبي ليكي.. مش عايزك تكرهيني !
ابتسمت له باستخفافٍ من خلال أنفاسها العنيفة، لم ترد من بعده، فقطع إتصالهما البصري بعد برهةٍ و هو يستدير مغادرًا دون إضافة أيّ كلمة
لتنهض ضاربة قدم الكرسي برأس حذائها و هي تصرخ من شدة الغضب، لا تتصوّر أن تمرر له هذه الخيانة، رغم تهديده الذي لطالما أرعبها، النار التي تشعر بها تدفعها للإنتقام مهما كانت العواقب …
___________________________________________
لأكثر تقف هنا بمفردها، تحدق بوريقات الزهور المتيبّسة التي جلبتها بنفسها و نثرتها على المقبرة مرة بعد مرة، تسمع من وراء الباب الحديدي الموصد صوت الحارس يستجديها أن تفتح له، و حتى سمعته يخابر إبنها و يبلغه بما يحدث هنا، لكن أيّ من هذا لم يثنيها عن تصرفاتها
لقد جاءت للمواجهة.. حتى لو كانا من الأموات.. هي واثقة من إنهما يسمعان …
غشيت الدموع عينيّ “فريال” و الكلمات تخرج من فاها لأول مرة الآن :
-آخر مرة كنت هنا.. من أسبوعين.. جبت ورد و رميته عليكوا انتوا الاتنين.. سقيت التربة ماية و دموع.. دموعي عليكوا.. المرة دي أنا جاية و ناوية أسقيها بدموعي بردو.. و حاجة تانية.. دموعي المرة دي منكوا.. منك يا يحيى.. يا حبيب عمري.. يا كداب.. يا خاين.. قدرت تخدعني و تخليني في لحظة واحدة أهد كل مشاعري ناحيتك.. عمر بحاله عيشته بحبك.. و شككتني إن عمرك ما بادلتني المشاعر دي.. رغم إللي عملته وجعي منك ما يتقارنش بوجعي من رفعت.. فعت الأخ الكبير إللي اعتبرت نفسي محظوظة بيه من يوم ما دخلت بيتكوا.. كنت بكدب نفسي.. كوابيس و علامات.. حاجات كتير كانت بتأكد.. و أنا رافضة حتى الفكرة.. خايفة اتأكد.. بس رميت خوفي ده و فتشت في أسرارك يا رفعت.. طلعت كوابيسي حقيقية.. طلعت كلها حقيقية و حصلـ …
توقفت فجأة عن الكلام بسبب الغصّة المريرة التي خنقتها، أخذت تجهش بالبكاء مطرقة و قد سقط وشاح رأسها أرضًا، ليؤجج الغضب مشاعرها من جديد و هي ترفع رأسها كأنما تراهما حقًا …
-انتوا فاكرين انكوا هربتوا مني !؟؟؟ .. صرخت من بين بكائها
إلتفتت نحو جالون البنزين الذي أحضرته من سيارتها، و حملته لتعاود مواجهة اللحدين و هي تهسّ بغلّ بَيّن :
-انا مش هاسيبكوا ترتاحوا. الموت مش هايرحمكوا مني. سامع يا يحيى ؟ سامع يا رفعت ؟ انا هقضي إللي باقي من عمري بعذب روح كل واحد فيكوا. هاخد حقي منكوا. هاتدقوا ناااااري.. هاتدقوها …
و أزالت غطاء الجالون لتسكب السائل المُركّز فوق المقبرة كلها و من حولها، ثم ابتعدت بضع خطواتٍ و أشعلت عود ثقاب و رمته، لتشب ألسنة النار على الفور متآججة، عالية، و كأنها قطعة من الجحيم !!!!
وقفت تشاهد احتراقهما و النيران التي نفذت إلى المقبرة بعمقٍ، لم تعبأ بأنها ربما انتهكت حرمات، و لا حتى للسخام الذي تصاعد و وصل إليها في الهواء الذي تستنشقه، لم تهتم إلى إنها تكاد تختنق الآن و هي تسعل بحدة
فاجأها صياح إبنها من الخارج و لكنها لم تتزحزح :
-فريـال هـانـم.. افتحـي البـاب.. مامـــا.. من فضلـك.. افتحـي البـاب.. مامـــــا …
لحظات أخرى و سمعت القفل يتحطم من الخارج، ترنحت الآن، مع دخول “عثمان” كانت لتسقط لو لا ذراعيه اللتان لاحقتا بها
ما إن دلف “عثمان” حتى حملق مصدومًا في ما فعلته أمه، يشاهد مقبرة أبيه تحترق، أمه بين يديه، و أبيه الراقد في لحده كومة من التراب أمامه، يحترق فعليًا
حمل أمه على ذراعيه إلى سيارته، و قد فقدت وعيها، وضعها بالمقعد الخلفي و أقفل عليها عائدًا إلى المقبرة، أخذ يساعد الحارس و أولاده الذكور الثلاثة بإخماد الحريق، يطفئ بنفسه أسرع ما أمكنه مرقد والده
الدموع تتساقط من عينيه و هو لا ينفك يردد من بين أنفاسه :
-ليه كده ؟ ليه كده يا ماما ؟ .. ده بابا.. ده بابا.. ده بابا !!!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الثامن عشر _ كانت كذبة ! _ :
اليوم ذكرى ميلادها، خلال السنوات الأخيرة لم تعد تهتم حقًا لهذا التاريخ المميز، في مرحلة طفولتها و صباها كانت تسعد كثيرًا به، حتى لو لم يحتفل بها أحد، كانت ترتدي أجمل ثوب لديها و تتأنق كثيرًا، إذا عجزت عن الخروج تقضي الأمسية بغرفتها و ترقص و تتغونج بجسدها صارخ الأنوثة حتى الصباح
و لكن، منذ صار تاريخ ميلادها هو نفسه تاريخ زواجها إنقلب كل شيء رأسًا على عقب، و لم يعد له ذات البريق و الحماسة، زواجها الذي بدا سعيدًا خلال الأشهر الأولى منه، إستحال إلى مادة خام من التعاسة، لولا وجود صغيرتها لوضعت حدًا لحياتها منذ فترة طويلة، و السخرية إنها بقدر عشقها لزوجها، بقدر مقتها لحياتها معه، إنه عدوها و سيد قلبها في آنٍ
فماذا عساها تفعل ؟
لا مخرج لها، في جميع الأحوال كل الطرق تُفضي إليه، كلها …
تجلس “رحمة” بالجهة الأخرى من الصالون، تستمتع بمذاق قهوتها الساخنة اللذيذة، بينما تراقب صغيرتها أثناء تلقّيها درس اللغات على يد معلمًا شابًا شديد المهارة، و الوسامة أيضًا، كانت تبتسم برضا و هي ترى و تسمع ابنتها الوحيدة التي حتمًا ورثت ذكاء و فطنة والدها و منها هي سرعة البديهة
كانت تتعلم بسرعة، رغم حداثة سنّها، و عدم إرتيادها الروضة حتى الآن، لكنها كانت قابلة للتعلم، و حصّلت معلومات سابقة لعمرها و هذا بشهادة معلمها نفسه
دقت الساعة السادسة مساءً، و أعلن المعلم عن إنتهاء الدرس، فقامت “رحمة” متجهة نحوهما غير منتهبة لتأثيرها الأنثوي على أيّ رجل، و بالأخص ذاك الذي وقف متأهبًا لها، يطالعها بنظرات الإعجاب، بدءًا من حذائها العاري الذي كشف عن قدم ناصعة و كعب أحمر كلون الدماء، و ثوبها الصيفي القصير عاري الكتفين، أسود اللون مزخرف بزنابق حمراء بارزة، وجهها الخالِ من مساحيق التجميل باستثناء طلاء الشفاه فاقع الحُمرة، و تحديد العين الذي أبرز ما تمتلكه من سعّة عينين، و شعرها، شعرها الطويل المجعّد بنعومةٍ مغرية
كانت من وجهة نظره امرأة كما يقول الكتاب، ثروة يطمع كل رجل بامتلاكها، فكيف إنها متزوجة و كلّما أتى إلى هنا يجدها بمفردها ؟
أين زوجها ؟ كيف يترك امرأة بجمالها و أنوثتها المتفجّرة أمام عينيه دون أن ينعم بكل دقيقة بجوارها ؟ لو كان هو نفسه بمكان الأحمق المحظوظ زوجها لما تركها ثانية واحدة قدر استطاعته …
-ها إيه أخبار شمس معاك يا مستر خالد ؟
تلقّى المدعو “خالد” سؤال الأم الفاتنة بابتسامةٍ هادئة و جاوبها على الفور :
-شمس ممتازة يا مدام رحمة. نبيهة جدًا ما شاء الله. و الإنلجش بتاعها هايبقى بيرفكت في وقت قصير.
إلتمعت عينا “رحمة” بدموع الفخر و هي تنظر إلى ابنتها المشغولة بجمع أدواتها الدراسية، ثم نظرت إلى المعلم من جديد و قالت بسعادة حقيقية :
-الحمدلله. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي يا مستر خالد. انت بذلت معاها مجهود من أول يوم.
-ده واجبي يا مدام يا رحمة مافيش داعي للشكر. و الحقيقة أنا إللي نفسي أقدم لك هدية متواضعة و برجوكي تقبليها مني !
عبست “رحمة” مرددة و قد أوجست فجأةً :
-هدية ! ليا أنا !؟؟
لم يرد “خالد” على الفور، إلتفت ليفتح سحاب حقيبة ظهره و يستلّ علبة مستطيلة مغلفة بورق الهدايا تتوسطها عقدة على شكل فراشة زرقاء، عاود النظر إليها و هو يقدّم لها هديته قائلًا بثقة زادته جاذبية :
-كل سنة و انتي طيبة.. إنهاردة عيد ميلادك.
أجفلت “رحمة” مأخوذة من مباغتته و قالت بريبة :
-و انت عرفت منين إن إنهاردة عيد ميلادي ؟
أجابها و هو يشملها بنظراته الوالهة :
-شمس إللي قالتلي.. الحصة إللي فاتت خدت رأيي تجيب لك إيه هدية عيد ميلادك. ف سألتها إمتى و غيّرت معادنا عشان أجي إنهاردة مخصوص و أقدم لك الهدية البسيطة دي.
نظرت له و قد فهمت، صندوق الشوكولاه الذي صممت “شمس” على إبتياعه من متجر الحلوى، هو نفسه نوع الشوكولاه المفضل لدى “رحمة”.. هذه هدية “شمس” إذن !
و حتمًا خططت لتقديمها لأمها مع دقات منتصف الليل، و لكن هل كان من الضروري أن يقدم لها هذا هدية ؟
و هل عليها أن تقبلها !!؟
-من فضلك يا مدام رحمة أقبليها مني.. ماتكسفنيش ..
ترددت “رحمة” رغم استجدائه لها، لم توضع في موقف كهذا من قبل، و لا تعرف كيف تتصرّف !!
من داخلها رفضت، و لكنها لا تعرف كيف امتدت يدها و أخذت منه الهدية، و ليانها يتمتم آليًا :
-متشكرة يا مستر خالد !
-بابــي !!!
ارتعدت فرائصها ما إن سمعت صغيرتها تصيح من خلفها معلنة وصول أباها …
إتجهت نظراتها على الفور نحو عتبة الصالون، لتجده يقف هناك بالفعل، بجسده الضخم البالغ من العمر تسع و ثلاثين عامًا، و المكسو بإحدى بذلاته الفاخرة، بعد نهار حافل في العمل قد تخلّى عن سترته و علّقها على ذراعه، ربطة عنقه محلولة أيضًا و كذا الثلاث أزرار العلوية لقميصه الرمادي الذي ضرب لونه بشدة في عينيه، مع اختلاف بسيط الآن، و هو أن احتراق مستعر يشب ببؤبيه الآن، و هو يحدق بقوة نحو زوجته و الرجل الذي يقف قبالتها على ما يبدو يقدّم لها هدية كما رآى و سمع للتو …
-بابي !!
انحنى “يحيى” قليلًا ليحمل ابنته التي هرولت إليه مسرعة، رفعها على ذراعه دون أن يحيد بناظريه عن كلا من زوجته و ذاك الدخيل، ضمّت “شمس” أبيها و هي تهدل بمرح :
-بابي أنا أخدت Excellent إنهاردة و مستر خالد مبسوط مني. أنا كده حلوة صح ؟
مسح “يحيى” على شعرها الحريري بحنو، أبعدها قليلًا لينظر لها وحدها الآن قائلًا بابتسامة متكلّفة :
-انتي حلوة دايمًا يا روحي.. مافيش بنوتة في العالم ده كله أحلى من شمس قلب أبوها و روحه.. هاتي سكر !
فهمت الصغيرة على أبيها و مالت فورًا لتطبع قبلة على خدّه، قبّلها “يحيى” بدوره ثم همس لها :
-اطلعي كده عند الليفنج و شوفي بابي جابلك إيه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أشرقت “شمس” صارخة بحماسةٍ و هي تسارع للإفلات من ذراعيّ والدها، أنزلها “يحيى” برفقٍ على قدميها، فانطلقت في الحال حيث أشار لها و قد أعد لها مفاجأة تسرّها كالعادة، استقام في وقفته ثانيةً و هو يستمع لصياح صغيرته من الخارج تبتهج بمجموعة جديدة من الألعاب باهظة الثمن
في الجهة الأخرى، لا تزال “رحمة”متسمّرة بمكانها، التوتر يعصف بها و هي ترمق زوجها مجفلة، الكلمات تأبى المرور عبر حنجرتها، لكنها تمكنت أخيرًا النطق بصوت بالكاد خرج منها :
-يحيى.. ده. مستر خالد.. انت سمعت عنه قبل كده.. ده إللي بيدرّس لشمس !
نقل “يحيى” بصره إلى المعلم المذكور، لم يخفى عنه الارتباك الذي حاول اخفاؤه، و الجهد الذي بذله ليظهر أمامه بمظهر الواثق
أومأ “يحيى” و حيّاه باقتضابٍ حاد :
-أهلًا !!
رد الأخير التحيّة باحترامٍ :
-أهلًا بحضرتك.. أنا آسف لو وجودي عامل أي إزعاج. أنا خلصت مع شمس. استأذن لازم أمشي دلوقتي.. و على معادنا الأساسي المرة الجاية يا مدام رحمة.
لم تستطع “رحمة” ردًا، بينما “خالد” يجمع أدواته بأيدي نزقة، كان قد نفذ بروحه حرفيًا خلال دقيقة واحدة و غادر المنزل عارفًا بأنه لن يأتي إلى هذا البيت مجددًا، ما كان “يحيى” ليصبر أكثر حتى يتهجم عليه و يحطّم وجهه بقضبته المشدودة كما هي الآن …
-حمدلله على السلامة ! .. تمتمت “رحمة” محاولة السيطرة على الرجفة بصوتها
كانت نظراته التي تفتك بها ترعبها و تضربها في الصميم
يتحرّك “يحيى” صوبها الآن، فيزداد شعورها بالخطر مع كل خطوة تتقلّص بينهما، يقف أمامها مباشرةً، يلقي بسترته فوق الأريكة القريبة، و على حين غرّة، شد من بين يديها هديتها
كتمت “رحمة” شهقة ثم إلتزمت الصمت، بينما يتفحّص “يحيى” العلبة بنظرات تهكمية، لاحظ بطاقة تتدلّى من عقدتها، فانتزعها و فتحها ليقرأ السطور التالية : “من يوم رؤيتي لكِ ؛ أصبح هدفي الوحيد في الحياة رسم الابتسامة على وجهك، و سأفعل كل ما يلزم لإضفاء الابتسامة على مُحيّاك الجميل، يا أجمل امرأة رأتها عيني.. عيد ميلاد سعيد”
لم يكن لديها فكرة عمّا حوته تلك البطاقة، لكنها أدركت فداحة ما قرأته عيناه عبر اشتداد عضلات فكيّه و مفاصل أصابعه الممسكة بالبطاقة بشدة، حتى سحقها في قبضته معتصرًا إيّاها
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ و هي تراه يدس البطاقة بجيبه، ثم يقطع غلاق العلبة بيده بحركةٍ حادة، إنه بالفعل قطع العلبة أيضًا، ليبرز من داخلها قماش نبيذي من الشيفون الشفاف، سحبه “يحيى” ملقيًا بالكارتون الممزق أرضًا، لترى “رحمة” أمام عينيها لانجيري جريئ للغاية، حتى ما تمتلكه في خزانتها الخاصة لا يُقارن بهذا مطلقًا
اللعنة !!!
-ذوقه حلو أوي المستر ده ! .. تمتم “يحيى” من بين أسنانه و هو ينظر بتفحص إلى الثوب النسائي في يده
رمشت “رحمة” و هي تقول بتلعثمٍ :
-يـ.ـحيى.. أنا. آ …
-شششششششش !! .. أسكتها بهدوءٍ مخيف
فابتلعت كلماتها و بقيت تحدق فيه فقط، مد لها يده بالثوب قائلًا بذات الهدوء :
-ادخلي إلبسي القميص ده دلوقتي حالًا.. متتأخريش. أنا هاعمل تليفون و أقعد استناكي مع شمس… يلا !!!
انتفضت مع نطقه كلمته الأخيرة بزجرة مفاجئة، أذعنت لكلمته على الفور و أخذت الثوب من يده مدركة بأنها سوف تعيش ليلة جهنمية، لا تعلم كيف أو على ماذا سوف تنتهي !!!!
عادت “رحمة” بعد دقائق، ترتدي روب حريري طويل، بدى إنها تخفي شيء تحته، وجدته يجلس بغرفة المعيشة، يلاعب ابنته و يمرح معها و كأن شيئًا لم يكن قبل قليل، خاطبها دون أن ينظر إليها و هو يواصل اللعب مع الصغيرة دانيًا بعقله الناضج لعقلها القاصر :
-رحمة من فضلك حضري العشا عشان شمس تتعشى و تنام.. معاد نومها قرّب.
بقيت “رحمة” بمكانها، تتطلّع إليه عاجزة عن فهمه، و سألته أخيرًا بلهجةٍ مرتجفة :
-هو انت.. هاتقضي معانا الليلة ؟
جاوبها بحيادية و لا يزال معرضًا عن النظر إليها :
-مش الليلة بس.. أنا قاعد هنا شوية.. في مشكلة و لا إيه !؟؟
نفت مسرعة : لأ.. لأ طبعًا ! ثم قالت بخفوت :
-طيب.. أنا هاروح أحضر العشا !
و لاذت من فورها إلى المطبخ، تنفست الصعداء حين ابتعدت عن هالته المقبضة، استغرقت نصف ساعة في تسخين العشاء الذي أعدته سلفًا، رصّت الأطباق على السفرة و نادت صغيرتها، لتحضر بعد لحظاتٍ ممسكة بيد أبيها
ترأس “يحيى” السفرة آخذًا “شمس” على قدمه، أخذ يطعمها بيده و يأكل القليل كعادته، بينما تجلس “رحمة” في الجوار و فمها مغلق طوال الوقت، لم تضع فيه لقمة و لم تنبس حتى ببنت كلمة
أخذ “يحيى” صغيرته بعد العشاء إلى غرفتها، قضى معها بعض الوقت هناك، في حمامها الخاص فرّش لها أسنانها و بدّل ثيابها، ثم وضعها بالفراش و تمدد بجوارها قليلًا، يضمها إلى صدره و يحكي لها قصة خرافية كان قد تعلّمها من أجلها مخصوص
نامت قبل أن يصل إلى منتصفها، فانسحب بهدوء مستبدلًا مكانه بالدب المحشو الذي تفضله عن بقيّة ألعابها، عانقته الصغيرة و استغرقت أكثر في النوم، دثّرها “يحيى” جيدًا، دنى ليقبّل جبينها، أطفأ الضوء مبقيًا مصباح خفيض للغاية ليؤنسها، ثم خرج في هدوء مغلقًا بابها من خلفه …
توجه رأسًا إلى غرفة نومه، إلى حيث واثقًا بأنه سيجدها، و بالفعل، كانت هناك تنتظره
ما إن اغلق الباب حتى استدارت له مرتعدة، نظرت له ملء عينيها و قد بدا حجم التعذيب النفسي الذي جعلها تعاني منه …
-يحيى.. أنا عايزة أتكلم معاك.. عايزة أفهمك حاجة !!
لم يحاول إسكاتها هذه المرة، فقط إلتزم الصمت و هو يقبل عليها و يحل أزرار قميصه في نفس الوقت، يتفاقم توترها، بينما توقف على بُعد قدم واحدة منها، نزع قميصه و ألقاه بعيدًا، ثم مد يده بحركة خاطفة و سحبها من خصرها بقوةٍ، لترتطم بصدره متأوهة
كتمت تأوهات و شهقات عديدة عندما بدأ يجرّدها من الروب دون أن يفلتها، لتظهر أمامه بالثوب المُهدى لها، و قد كانت مثيرة مثل اللعنة، و هذه القطعة تلائم قدّها تمامًا، يبدو إن هذا المعلم لديه معرفة كافية بجسم زوجته و ما يليق بها …
-قوليلي يا رحمة ! .. غمغم “يحيى” و هو يمسح على ظهرها العاري بكفوفه :
-مستر خالد عرف مقاسك بالدقة دي إزاي ؟
عبست بشدة و هي تقول بانفعال طفيف :
-بقولك إيه.. اسمعني الأول قبل ما تتكلم كده.. أنا اتفاجئت إنه يعرف عيد ميلادي. و ماكنتش أعرف إنه جايب هدية أصلـ آاااااااااااااااااااه !!!!
سقطت أرضًا في الحال حين هوت كفّه على صدغها بصفعةٍ مدويّة، سالت دموعها بلحظةٍ، بينما يجثو أمامها آخذًا بشعرها في قبضته العنيفة و هو يهمس محذرًا :
-شششششش.. اكتمي خالص. البنت نايمة. ردي على أد السؤال و بس. لو صوتك طلع برا الأوضة دي هاتندمي طول عمرك.
تصاعدت شهقاتها و هي تنظر إليه عبر دموعها و تقول بصعوبةٍ من بين بكائها :
-شمس.. شمـ..ـس قالتله على. عيد. ميـ..ـلادي.. لو. مش. مصد.قني. اسـ..ـئلها !!
لم تشفي هذه الكلمات غضبه المتآجج، بل أضرمت ناره أكثر و هو يشدد قبضته على شعرها حتى كاد يقتلعه من فروة رأسها :
-و هو لو محدش شجعه من الأول.. كان يجرؤ يهاديكي بقميص نـوووم.. و يكتب لك أشعار. هه.. رررررددددددي ؟؟؟؟
و إنهال عليها صفعًا على كلا الخدّين و ضربًا مبرحًا، و هي تتألم بحرقة و تكتم صرخاتها بيديها، لولا إنه خاف لو يقتلها من شدة غضبه، لما كفّ عنها، غضب أكثر من نفسه لأن خوفه كان عليها هي لا على نفسه …
-علاقتك بيه وصلت لفين ؟ .. سألها ممسكًا بذراعها الذي حمل آثار عنفه عليها
كانت متكوّرة على نفسها فوق الأرض، و لم تكن بقادرة حتى على الرد، لكنه شدّها بالقوة لتقف على قدميها أمامه و أمسك بذراعيها هادرًا من بين أسنانه :
-إنطقـــي.. كان بيخلّي وشك الجميل يبتسم إزاي ؟ نمتي معاه و لا لسا ؟؟؟؟؟؟
اعتراها إنهيارًا تام و هي بالكاد تلمس صدره بضعفٍ مرددة :
-لأ.. لأ ماحصلش.. وحياة بنتي ما حصل. ده ماكملش شهر بيجي هنا. أنا كنت عايزة مِس هي إللي تيجي بس قالولي ده أحسن مدرس في الحضانة.. انت كنت عارف إنه بيجي. و مرات البواب كانت موجودة كل مرة.. المرة دي بس ماجتش عشان ابنها في المستشفى عامل حادثة.. لو مش مصدقني اتأكد بنفسك.. ماحصلش حاجة.. ماعملتش حاجة.. ماعملتش حاجة. انت عارف إني بحبك.. و مقدرش أعمل كده. مقدرش …
نظر إليها مليًا، إلى عينيها الدامعتين، خدّيها الحمروان ببصمات صفعاته، فمها المكدوم في خطٍ نازف، شعرها المبعثر حول وجهها، إنها في أقصى حالات ضعفها، جاهزة كليًا لتطويعه، هذه فرصته ليروّضها، فرصته الوحيدة و المبررة التي ستخضعها لإرادته إلى الأبد، فلا تجرؤ على عصيانه، أو حتى منع أيّ شيء عليه، هو يعلم بأنها بريئة، و إنها تحبه و لا يمكنها خيانته و لا في أحلامها.. و لكن كما هداه عقله.. هذه فرصته …
-بتحبيني ؟ .. قالها بتساؤل
لتومئ برأسها فورًا هامسة :
-بحبك.. بحبك رغم كل حاجة عملتها فيا.. بحبك و انت متأكد من كده …
خفف قبضتيه عنها، و تركها برفقٍ مبتعدًا خطوة واحدة و هو يقول بهدوء مادًا قدمه اليسرى :
-لو فعلًا بتحبيني زي ما بتقولي.. إثبتي… وطي على جزمتي بوسيها !
نظرت له مشدوهة في البادئ، عقلها رفض الفكرة حتى، و لكن الموقف الذي وضعها فيه حتّم عليها الإنصياع لاختباره
نكست رأسها و هي تركع على ركبتيها فوق الأرض، ممتنة لأن شعرها الثائر يغطي وجهها الآن و هي تنحني بجزعها صوب حذائه اللامع الثمين، و بدون ترددٍ قبّلته
لم تقوم من شبه سجودها، و كأنها ستموت خزيًا و ذلًا، و هو بدوره لم تواتيه الشجاعة لمواجهتها فورًا، بعد بضعة لحظات فقط مرّت أمام عينيه صورتها قبل ساعتين عندما كانت تقف مع المعلم و تلك النظرة التي رآه يشمل بها زوجته، عاودته مشاعر الغيّرة المحرقة مجددًا
و دفعته للإمساك بها و رفعها عن الأرض، أطلقت “رحمة” صرخت ألم قصيرة حين امتدت يداه و مزّق الثوب الذي ترتديه من المنتصف بحركةٍ واحدة، و كأنه لا يطيق أن ترتدي شيئًا تخيّلها به آخر غيره
لم تحاول الفرار، أو ستر نفسها، بينما دفعها صوب الفراش، أمسك قطعة من الثوب و كوّرها ليحشرها بفمها حتى لا تصدر صوتًا بالدقائق المقبلة، قيّد معصميها بالقطعة الأخرى و ثبتهما فوق رأسها، تجرّد من بقيّة ملابسه و كرر ما فعله بها مرة قبل ست سنوات، كرر ما أقسم لها ألا يفعله مجددًا، لقد كانت كذبة، كل وعوده كذبة
و لكنه هذه المرة حطّمها.. بحيث صارت غير قابلة حتى للترميم …
_____________________________________________
كانت العائلة بانتظارهما، ما إن وصل “عثمان” إلى القصر حاملًا أمه المغشية على ذراعيه، صعد بها إلى جناحها الخاص تتبعه “صفيّة” و أطفاله و “سمر” التي لا زالت مرتبكة بشدة من سلاسل الأحداث
وقفت “سمر” بعيدًا تراقب ما يجري، يضع “عثمان” أمه في فراشها و جلس بجوارها واضعًا رأسه بين كفيّه، ندت عن “صفيّة” صيحة بكاء و هي تقف على رأس أمها، لا تستطيع تحمل كل هذه الأعباء وحدها
أتى “يحيى” الصغير من الطرف الآخر للفراش و جاور جدته، أمسك بيدها و طبع قبلة رقيقة على بشرتها الناعمة، دمعت عيناه و هو يمسح على شعرها الأملس بكفّه متمتمًا :
-سلامتك يا فريال هانم.. سلامتك !
دقائق أخرى و جاء الطبيب
فحصها على الفور و أعطاها حقنة، ثم جلس ليكتب لها روشتة موجزة و هو يرفع صوته قائلًا :
-يا عثمان بيه احنا قولنا الانفعال من أي نوع خطر على الهانم.. إزاي سمحتولها تخرج ؟؟
ردت “صفيّة” نيابة عن شقيقها الواجم بجوارها :
-خرجت من ورانا يا دكتور.. أرجوك طمنّا مامي كويسة صح !؟؟
تنهد الطبيب المسن منتزعًا نظارته و هو يقول باقتضابٍ :
-أطمني يا صافي. فريال هانم بخير. أنا ادتها مهدئ و هاتنام ساعات متواصلة. بس الوضع ده ماينفعش يستمر بالطريقة دي لازم تتصرفوا و تحلوا المشكلة أيًّا كانت. أنا مش دكتور نفسي بس مقدر خطورة حالتها. فريال هانم نفسيًا مش مستقرة.. من فضلكم سيطروا عليها !!
أخذت “صفيّة” بنصيحة الطبيب عارفة بالتحديد ما عليها فعله لمساعدة والدتها، لم تضيع لحظة أخرى مستغلّة غياب “فريال” عن الوعي، ذهبت إلى غرفتها لتحجز تذاكر السفر، ستأخذ أمها إلى موطنها الأم في أقرب وقتٍ، بحلول ليلة الغد ستكون معها في “إسطنبول” …
أبى الصغير “يحيى” أن يترك جدته وحيدة، فشعر أبيه نحوه بالامتنان لأنه كان في حاجة ماسّة لأخذ قسطًا من الراحة، ترددت “سمر” باللحاق به، ماطلت كثيرًا متحججة بالاهتمام بصغيرتها “فريدة” و أختها “ملك”.. لكنهما ما كانتا بحاجتها فعلًا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لامت نفسها على تفكيرها القاصر، و تضايقت من جُبنها الذي على ما يبدو يدفعها لخسارة زواجها الناجح قبل حادثتها، لا تنكر شعورها بالانجذاب نحو زوجها و والد صغيريها، رغم إنها فعليًا نسيته، لكن هذا الانجذاب الذي تشعر به نحوه فطري، تبيّن له نفورها، تبعده عنها، لكن في قرارة نفسها تحس بالإنتماء كليًا إليه …
حسمت “سمر” قرارها و ذهبت إلى جناحه، جناحهما الخاص، لم تجده عندما دلفت، لكنها رأت الباب الجانبي أقصى الغرفة لقاعة الحمّام مواربًا، و صوت إنهمار المياه منبعثًا من الداخل، فعلمت بأنه يغتسل
بالتأكيد، فهذه الحالة التي عاد عليها كانت رهيبة، ملابسه النظيفة كانت مبللة عن آخرها، ساعديه و كفيّه و حتى وجهه تلطخوا بالسخام
جلست “سمر” بانتظاره، أطال مكوثه هناك لبضعة دقائق أُخر، ثم خرج متئزرًا بروب الاستحمام القصير، لاحظ وجودها، لكنه تصرّف كما لو إنها ليست هنا
فقامت مستديرة ناحيته، غاب لدقيقتين بحجرة الملابس، و عاد مرتديًا بيجامة سوداء و قد ترك سترتها مفتوحة، ليبرز صدره المنحوت و بطنه العضلي، ابتعلت ريقها بتوترٍ محاولة الإشاحة بعيدًا عنه
مرّ من جانبها فاعترتها قشريرة و هي تستنشق رائحته المنعشة، مزيج من خشب العود الثقيل و النعناع، تطلعت إليه لتجده قد ارتمى فوق السرير بانهاكٍ، و كأنه قضى ساعاتٍ طويلة من المشقّة و ليست ساعة واحدة غابها
مضت نحوه على مهلٍ، كان مغمضًا عيناه و يداه مفرودتان مع جسمه، لم تستطع مقاومة الإغراء أكثر، حدقت بجسده و وجهه المسترخِ، تسارعت خفقات قلبها و هي تحس بشعورٍ غامض من الحنين، الحنين للإسئثار بهذا الجسد و التنعم بدفئه
لمَ لا ؟ .. إنه زوجها.. ما الذي يمنعها سوى غبائها الساذج كما وصفها !؟؟
-هاتفضلي تبحلقي فيا كده كتير ؟
أجفلت لسماع صوته فجأةً، نظرت إلى وجهه، عيناه لا زالتا مغمضتان، كيف عرف إنها تقف و تتأمله ؟؟
لم تأتيه برد، ففتح عينيه و رمقها بفتورٍ قائلًا :
-لو عندك فضول أوي كده ماتفضليش واقفة مكانك تبصي و خلاص.. قرّبي.. مش جايز يعجبك ؟
اتسعت عيناها بصدمةٍ مرددة :
-هو إيه ده إللي يعجبني !!؟؟
لوّح بكفه قائلًا ببرود :
-و لا حاجة.. انتي عايزة إيه يا سمر ؟
ردت عليه بشيء من الاضطراب :
-أنا.. أنا كنت جاية أطمن عليك.. و أشوفك. لو محتاج حاجة !
نظر لها مليًا للحظات، ثم قال :
-أنا فعلًا محتاج حاجات مش حاجة.. بس مش حاسس إنك تقدري تجاريني في إللي انا عايزه… تقدري يا سمر ؟
كان الشك يساورها حول نواياه، و لكن حين انحدرت نظراته لتتفرّس بجرأة في أبرز نقاط قوامها تاكدت، رغمًا عنها انتفضت بإباء، فابتسم بتهكمٍ و رفع بصره ثانيةً لينظر لها …
-كنت عارف ! .. تمتم بهدوءٍ، ثم تنهد مكملًا :
-من فضلك يا سمر أنا تعبان جدًا و محتاج أفصل خالص.. أخرجي و سبيني دلوقتي.. خليكي مع الولاد لحد ما أخرج لوحدي. ماتحاوليش تدخلي عليا إلا لو حصل أي حاجة برا.
رفضت الإنصياع له بادئ الأمر، و قالت بترددٍ :
-لو محتاج مني حاجة قول ..
تأفف بضيق و قال :
-سمر. بطلي استعباط بقى. أكيد محتاجلك. أكيد ده أكتر وقت محتاج فيه وجودك جنبي. الأعمى هايشوف كده. بس انتي عاملة نفسك عبيطة.. بصي أنا عمري ما أجبرتك على حاجة. و دايمًا باخد منك بس إللي انتي عايزة تدهولي. انتي مش مستعدة تديني أي حاجة دلوقتي بمعنى أي حاجة. ف ماتمثليش عشان أنا حافظك.. اطلعي برا يا سمر و سبيني لوحدي من فضلك !!
فاجأتها كلماته، و نظرته الثاقبة لها و لأفكارها عرّتها أمامه، شعرت بمزيد من الضغط و الخجل من نفسها، فلم تستطع البقاء أكثر معه
تراجعت بظهرها للوراء بضع خطوات معلّقة نظراته بنظراته، ثم إلتفتت مغادرة بسرعة، دأبها الفرار منه كالمعتاد، عندما تعجز عن مواجهته
إنه الرابح دائمًا.. و هو محق في كل شيء كما يبدو …
_____________________________________
منذ خروجه و عودته إلى بيت أبيه أخيرًا و هو ينأى بنفسه بغرفته
أخذ حمامًا طويلًا كما لو أنه يرى ماء و ينظّف نفسه لأول مرة، ارتدى ثيابًا نظيفة، ثم خرج ليجلس بالشرفة، عادة جديدة اكتسبها بالسنوات الأخيرة، و هي التدخين بشراهة
كاد ينهي علبة سجائره العامرة، حين شعر بانضمام أخته إليه، دون أن يدير رأسه نحوها، دعاها للدخول قائلًا بهدوء :
-تعالي يا مايا.. اقعدي.
ابتسمت “مايا” الواقفة عند عتبة الشرفة و هي تنظر إلى شقيقها بشوق، لقد عاد الآن “مالك” الذي تعرفه، أكثر وسامةً، أكثر لمعانًا.. و أكثر نضوجًا …
-أنا جيت أخدك من إيدك زي الشاطر كده عشان خلاص الغدا جهز !
جاءت لتقف أمامه مادة يدها إليه، لكنه بقى على شروده، لم ينظر لها و لا مرةً، فقط قال :
-3650 يوم.. كل يوم كنت باكل و بشرب و اشتغل جوا السجن.. مافيش يوم واحد قعدت أتكلم فيه مع حد. صوتي ماكنش بيطلع إلا في الخناقات أو لما بجاوب على أسئلة الظباط و العساكر.. أنا خارج و مشتاق أتكلم أوي يا مايا.. و بصراحة بابا آخر شخص أحب أشوفه دلوقتي أو أكلمه.. أقعدي.. أقعدي و كلّميني شوية.
لم تدرك أن دموعها المترقرقة بعينيها قد خانتها و سالت إلا حين تذوّقت ملوحتها من خلال شفاهها المنفرجة، مسحتها مسرعة بظاهر يدها، ثم شدت الكرسي المقابل و جلست أمامه بلا ترددٍ …
-تعرف إنك احلّويت يا واد انت ! .. قالتها “مايا” بصدقٍ و هي تحدق بحبورٍ في ملامحه حادة الوسامة
شعره القصير، ذقنه النامية، بنيته التي ازدادت قوة و صلابة، رغم وجود تلك الندبة أسفل عينه، لكنها لم تنقص أبدًا من جاذبيته الرجولية
ابتسم و هو يمتص العبق الأخير من سيجارته، ثم يسحقها بمنفضة كرستالية بجواره، و أخيرًا يتطلّع إليها قائلًا :
-و لسا بتقوليلي يا واد.. انتي لسا شايفاني العيّل الصغير إللي كان بيتخانق معاكي على تفاهات ؟
مدت يدها مداعبة رأسه و هي تقول ممازحة :
-هاتفضل طول عمرك أخويا الصغنـ آاااااه !!!
تأوّهت فجأة حين قبضت أصابعه على يدها بشدة آلمتها، و ارتعبت لوهلةٍ من نظرة الإجرام التي اعتلت عينيه، ما لبث أن تركها “مالك” مجفلًا و هو يقول بجمودٍ :
-مايا.. ماتلمسنيش.. قصدي ماتهزريش معايا كده تاني.. أنا مابحبش الطريقة دي.
تمالكت مشاعرها بصعوبةٍ لإستشفافها حدث جلل حوّل شقيقها إلى هذا الشخص الذي تراه الآن، ربما أحداث و ليست مجرد حدث منفرد، أغرورقت عينيها بدموع الحزن و أمسكت عليها بصعوبةٍ و هي تقول :
-حاضر يا مالك.. مابقتش هضايقك و أهزر معاك تاني ! .. ثم غيّرت مجرى الحديث لتبدد التوتر المفاجئ بينهما :
-بس عشان خاطري. بابا مستنينا كل ده.. تعالى معايا على تحت. هانتغدى سوا و بعدين هانسيبك تعمل إللي انت عايزه.. أوكي ؟
أومأ لها مشيحًا بوجهه للأمام، فقامت مادة يدها إليه، نهض دون أن يلبّي دعوتها، فسحبت يدها ثانيةً مذعنة لإرادته
مشيت أمامه تاركة لدموعها العنان، تستغل تلك الفسحة القصيرة دون يراها لتفرغ شيء من الضغط على مشاعرها، و إلا كانت لتنفجر ! ………………………………………………………
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل التاسع عشر _ أحبك عشرًا _ :
قبل ثلاثة و عشرون عامًا …
خليط من المشاعر اجتاحه.. دهشة.. اضطراب.. غضب !
فور أن أبلغته سكيرتيرة مكتبه بمكالمة واردة من طفلة تدّعي بأنها ابنته.. طلب إليها تحويلها على خطه في الحال و رد بصوتٍ محايد :
-آلو.. شمس.. بابي معاكي.. انتي اتصلتي إزاي يا حبيبتي !؟
أتاه صوت الصغيرة مهزوزًا بانفعال :
-بابي.. بليز تعالى دلوقتي.. أنا خايفة أوي !!
انقبضت ملامحه و تحفز جسده و هو يرد عليها بصوتٍ أجش لا يخفي قلقه :
-إيه إللي حصل يا شمس ؟ و فين مامتك ؟؟
-مامي قافلة على نفسها الأوضة من ساعة ما مشيت.. مش عاوزة تفتح لي.. مش بترد عليا ..
و رافقت نبرة بكاء كلماتها الأخيرة …
احتدت لهجته رغمًا عنه و هو يقول باقتضابٍ متأهبًا للقيام عن مكتبه :
-طيب إهدي يا حبيبتي.. و ماتخافيش أنا جاي حالًا.. اقعدي استنيني و اشغلي نفسك بألعابك و عرايسك الحلوة.. أنا مش هتأخر عليكي ربع ساعة بالظبط و أكون عندك.. أوكي يا روحي ؟
-أوكي بابي !
و أغلق معها و قام ليرتدي سترته على عجالةً.. ثم غادر مكتبه على الفور …
**
قطع “يحيى” الطريق بين مقر شركته و منزل الزوجية السرّي في أقل من خمسة عشر دقيقة.. ما إن فتح باب الشقة حتى اندفعت صغيرته تجاهه.. إذ بدا إنها كانت تنتظر لحظة وصوله …
-بابي ! .. هتفت “شمس” باكية و هي ترتمي بين أحضانه
تلقّفها “يحيى” حاملًا إيّاها على ذراعه …
-روح بابي ! .. تمتم لها و هو يضمها بحنانٍ إلى صدره :
-أنا هنا يا حبيبتي.. ماتخافيش.. دلوقتي هاشوف مامي و هاخلّيها تجيلك بنفسها.. بس دلوقتي عايز منك إنك تدخلي أوضتك و ماتخرجيش منها إلا لو ندهت لك.. اتفقنا ؟
أومأت له و هي لا تزال بحضنه.. فقّبل رأسها.. ثم أنزلها دافعًا بها بلطفٍ تجاه غرفتها.. بينما يتجه هو نحو غرفة النوم الرئيسية …
قرع على الباب ثلاثًا هاتفًا :
-رحمــة.. افتحي البـاب.. رحمـــة.. افتحي و ماتخلّيش حسابك يتقل معايا رعبتي البنت.. لو مافتحتيش الباب ده خلال 3 ثواني هاكسره و مش هاكتفي بكده لو دخلتلك بالطريقة دي.. أنا حذرتك !!
و منحها أكثر من ثلاث ثوانٍ.. احتقن وجهه بالدماء و هو يتراجع خطوتين للوراء.. ثم يندفع مصطدمًا بكتفه بالباب بقوة …
مرة
مرتان
ثم تحطّم القفل …
خطى “يحيى” داخل الغرفة و الشرر يتطاير من عينيه.. لكنه لم يجدها.. قطب و هو يجول بناظريه أرجاء الغرفة.. لا أثر لها ..
أين هي ؟ .. تساءل و في نفس الوقت وقعت عيناه على باب الحمام الموارب.. و لمح تسرّب مائي آخذًا بالتمدد عبر عتبة الحمام.. انطلق مهرولًا من فوره صوبه.. دفع الباب و دلف لتصدمه رؤية الآتي ؛
زوجته الصغيرة.. “رحمة” الهشّة الجميلة.. و الأقوى و الأنعم في آنٍ واحد.. داخل المغطس _ الذي ينساب فوق صنبور المياه حتى أفاض على حوافه و أغرق الحمام و ماعداه _ لا يرى منها إلا رأسها ذي الشعر الداكن يطفو فوق السطح المائي المحدود …
-رحمــــــة !!! .. صاح “يحيى” مصعوقًا
وثب ناحيتها بلحظةٍ منتزعًا إيّاها من شعرها حتى أخرج رأسها من الماء.. حمل جسدها العاري بين ذراعيه و عاد بها إلى الداخل و هو لا ينفك يصرخ بوجهها الشاحب شحوب الموتى :
-رحمــة.. رررددي عليـا.. عملتـي إيـه ؟ .. ليـه ؟ .. ليــه يا رحمــة ؟؟؟؟
و كأنه لا يعرف أسبابها حقًا !؟؟
و كأنه هو الذي لم يتسبب بدوافعها !؟؟؟
تكفي المواجهة الأخيرة لتجعلها تلقي بروحها إلى التهلكة.. و يكفي إذلاله لها بأن يجعلها تركع و تضع رأسها بالأرض لكي تقبّل حذاؤه.. يكفي إنه و للمرة الثانية خلال سنوات زواجهما يجبرها.. يغتصبها …
-رحمة ! .. ردد اسمها بيأس و هو يضعها بالفراش
استوحشت تعبيرات وجهه و يستكمل من بين أسنانه :
-مش هاتموتي.. انتي سامعة ؟ .. ممنوع تموتي !!
و طفق من فوره يطبّق عليها الإسعاف القلبي الرئوي ضاغطًا بكلتا يداه منتصف قفصها الصدري.. لكن ما من فائدة.. لا تستجيب لضغطه المتواصل.. ما جمّد الدماء بعروقه أكثر و جعله يتصبب عارقًا باردًا لشدة خوفه و ذعره من أن يفقدها.. أو إنه قد فقدها فعلًا !!!
تحسس نبضها واضعًا أنامله فوق شريانها السُباتي.. موجود.. لكنه نوعًا ما ضعيف.. ضعيفٌ جدًا ..
تراجع عنها و دار حول نفسه باحثًا عن أيّ شيء يلبسها إيّاه.. إلتقط منامتها الطويلة الفضفاضة.. ألبسها إيّاها عبر رأسها.. ثم حملها على ذراعيه راكضًا إلى الخارج.. يجتاز بها الشقة.. من ثم المصعد.. وصولًا إلى سيارته أسفل البناية ..
وضعها بالمقعد الخلفي.. و فجأة تذكر ابنته قبل أن يستقل بمكانه خلف المقود ..
سقط بصراعٍ.. ينظر إليها و إلى الأعلى.. صراع لم يدم إلا للحظاتٍ.. ثم حسمه منطلقًا مرةً أخرى إلى الشقة.. ذهب مباشرةً لغرفة “شمس”.. وجدها تجلس بأدبٍ على طرف سريرها.. هادئة كما أمرها ..
مد لها يده آمرًا بصوت أجش :
-يلا يا شمس.. تعالي معايا !
**
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لم ينقطع بكاء الصغيرة منذ هبوطها و رؤية أمها على تلك الحال في سيارة أبيها.. جلست بالخلف إلى دوارها.. تضع رأسها في حجرها ممسدة على شعرها و هي تغمغم من بين نشيجها الطفولي :
-مامي.. مامي بليز افتحي عنيكي.. انتي مش بتردي عليا ليه ؟ .. مامي اوعي تسيبيني و تمشي.. ماااامـي …
في خلال فترةٍ وجيزة.. كان “يحيى” قد صطف سيارته أمام مشفى المدينة التخصصي.. بلا ترددٍ.. مضحيًا بكل شيء في سبيل إنقاذ زوجته.. حملها مرةً أخرى آمرًا ابنته باتباعه دون أن يغفل عنها و لم يهمه ما لو عرفه أحد هنا.. ما لو اكتشف أمره و ذاع سر زواجه و انجابه من أخرى ..
وضعت “رحمة” بقسم الطوارئ على الفور.. و أخذ “يحيى” صغيرته و جلس منقطع الأنفاس يفتك به الانتظار.. لا يملك وسيلة تواسي هلعه الشديد سوى احتواء “شمس” بين ذراعيه.. إنها قطعة منها.. من روحها.. من ريحها.. تحمل بعض ملامحها.. ترث ضحكتها و رقتها.. إنها ثمرة العشق المريض.. الأسود.. الحيواني.. و المُميت.. و رغم ذلك كله هي بهذا الجمال الفريد.. مثل أمها ..
بعد مرور عشرون دقيقة بالداخل.. كانت أعصابه على شفى الإنهيار.. أخيرًا خرج الطبيب المقيّم.. نهض “يحيى” على الفور تاركًا ابنته بمكانه و توجه صوب الطبيب متسائلًا بتلهفٍ عنيف :
-دكتور.. أرجوك طمنّي.. مراتي كويسة صح ؟
رفرف الطبيب بعينيه و هو يرد عليه بفتورٍ :
-أطمن يافندم.. مرات حضرتك هاتبقى بخير.. بس مقدرش أضمن استقرار وضعها.
زوى “يحيى” ما بين حاجبيه قائلًا :
-مش فاهم !!
أوضح الطبيب أكثر :
-المدام حاولت تنتحر.. كانت أخدة أقراص بروزاك بافراط شديد.. يمكن ده إللي ابطأ محاولة الغرق في البانيو لأنها بالكاد كانت بتتنفس.
عقار “بروزاك” ؟ .. إنه مضاد اكتئاب شهير.. و لكن أنّى لها معرفته ؟ .. كيف ؟ .. و منذ متى ؟
كزّ “يحيى” على أسنانه يلعن نفسه سرًا لأنه لم ينفك عن أذيتها نفسيًا بكل الطرق.. و لم يحاول حتى ردع نفسه ظانًا بأنه هكذا يروّضها و يلزمها الامتثال بما يأمرها به و ما ينهاها عنه ..
ماذا جنى في الأخير ؟
حوّلها لإنسانة مريضة.. كادت تقتل نفسها للمرة الثانية.. ألم يتعلم من الأولى !؟؟؟
-انت لحقتها على آخر لحظة ! .. قرر الطبيب ماطًا فمه بأسفٍ
و أردف بصوت أقرب للحدة :
-احنا هانستنى لما تفوق و نستشير اخصائي نفسي يشوفها.. مش هاتخرج من هنا قبل ما هو يقرر.. و إلا هانضطر نلجأ للشرطة لو حضرتك صممت إنها تخرج.
نظر له “يحيى” غير مصدقًا.. طبيب غريب.. يخشى على زوجته أكثر منه !!!
لوى “يحيى” فمه بابتسامةٍ تهكمية و قال بهدوء :
-ماتقلقش يا دكتور.. أنا مش ممكن أقف ضد مصلحة مراتي.. و أكيد أنا شخصيًا مش هاسمح لها تخرج قبل ما اطمن عليها مية في المية.
**
عندما فتحت عيناها من جديد.. لم تكن تتوقع بأن ترى ذات الصور الدنيوية الباهتة.. كانت تأمل كثيرًا برؤية وجه أمها.. و الاعتصام بذراعيها من فكّ الحياة الفانية المُهلكة ..
كانت تمنّي نفسها بأنها راحلة عمّا قريب و ستجد راحتها أخيرًا.. و لكن.. عجبًا !
ما هذه البرودة ؟ .. و الضوضاء الناجمة عن أجهزة غريبة.. أين هي ؟
و لما الرؤية مشوّشة إلى هذا الحد !؟؟
اعتصرت جفنيها علّها تتخلّص من الغشاوة التي تجلل عينيها.. و قبل أن تعاود فتحهما ثانيةً تسلل صوته إلى مسامعها :
-حمدلله على السلامة !
و تعلّق بصرها به.. حيث كان يجلس قبالتها مباشرةً.. فوق كرسي.. مادًا جسمه للأمام و كأنه كان هن امنذ مدة طويلة يحدق فيها فقط …
-أنا فين ؟ .. خرج صوتها ضعيفًا بالكاد يُسمع
جاء جوابه فوريًا بمنتهى البساطة :
-انتي في المستشفى.. بصي حواليكي !
فعلت ما أمرها به و جالت بنظرها أنحاء الغرفة مربّعة التصميم.. جرداء.. إلا من أريكة جانبية استلقت “شمس” فوقها غافية و قد دثّرها أبيها سلفًا ببطانية سميكة.. النافذة الزجاجية معتمة.. ممّا أوحى لها بحلول المساء ..
عاودت النظر إليه من جديد قائلة بصعوبةٍ لا تخلو من الحدة :
-انت وصلت إزاي ؟ و جبتني هنا ليه ؟ لحد امتى هاتفضل تتحكم فيا ؟ لحد امتى هاتفضل رابطني بيك و تذل و تهين فيا !!؟؟
رد “يحيى” بهدوئه المستفز :
-ممكن نأجل الكلام ده لما نطمن عليكي و نرجع بيتنا ان شاء الله.. ارتاحي دلوقتي يا رحمة.. ارتاحي.
-مافيش راحـة !! .. صرخت بوجهه بجماع نفسها
لتنتفض “شمس” في نومها باكية ..
رمقها “يحيى” بنظرةٍ غاضبة.. ثم قام متوجهًا نحو ابنته.. أخذ يهدهدها لبعض الوقت و يتحدث إليها بلطفٍ.. حتى غفت مجددًا ..
تركها على مهلٍ و عاد ليجلس أمام زوجته.. اتسم وجهه بتعبيرٍ جدي و هو يقول بصوتٍ خفيض :
-لو مابقتيش تعمليلي حساب.. لدرجة إنك بايعة حياتك بسببي …
-عشان أخلص منك ! .. قاطعته بغضبٍ
ابتلع كلماتها و أردف :
-هانت عليكي نفسك.. عشان تخلصي مني.. بس مافكرتيش في بنتك.. مافكرتيش هاتعمل إيه منغير أم.. مصيرها هايكون إيه.. هاتتربى إزاي و نفسيتها طول عمرها تبقى إيه شكلها لما تعرف إن أمها انتحرت بسبب أبوها.. انتي للدرجة دي جبانة ؟ و كنتي بتمثلي عليا إنك قوية بقى !!
حرّكت “رحمة” يدها بعنفٍ.. فوخرتها الأنابيب الموصولة بساعِدها و انتزعت منها آهة ألم.. وجدته صار قربها بلحظةٍ.. يمسك بيدها بلطفٍ متمتمًا بقلقٍ :
-انتي كويسة ؟ وريني إيدك !
و أخذ يقلّب يدها أمام عينيه ليطمئن من إنها لم تؤذي تفسها و لم تتسبب بنزفٍ عرضي.. بينما تسحب “رحمة” يدها من قبضته بجهدٍ مغمغمة بقهرٍ من بين دموعها :
-اوعى.. ماتلمسنيش.. أنا بقيت أكره لمستك دي.. بعد ما كنت بحبها و بحب كل حاجة فيك من أول يوم شوفتك.. كرهتني فيك.. خلتني ألعن الساعة إللي جمعتنا.. انت دمرت فيا كل حاجة حلوة.. سوّدت الدنيا في عنيا و خليت نفسي تهون عليا زي ما قلت.. خليتني مابصش ورايا على أي حاجة حتى بنتي إللي حيلتي في حياتي كلها ..
أخذت تغص و تنتحب بحرارةٍ و هي تكمل و الدموع تغرق وجهها و تعميها عن رؤيته بوضوح :
-أنا عمري ما حلمت أعيش في المستوى إللي معيّشني فيه.. عمري ما اتمنيت جاه و مال.. أنا كان نفسي ألاقي انسان يحبني بجد.. يخاف عليا و يراعيني.. يعوضني قسوة الدنيا و أبويا عليا.. انا اكتشفت انك زي ابويا بالظبط ماتفرقش عنه.. و غبائي إني كنت بحكيلك هو كان بيعمل فيا إيه.. كان بيقسى عليا و يضربني و يبهدلني من و انا عيّلة صغيرة.. انت بقى كملت عنه.. و بقيت تعمل زيه و أكتر.. انا استحملت كتير منه.. و منك عشان في الأول كنت بحبك.. و بعدين عشان بنتي.. لكن خلاص.. خلاص مابقتش قادرة استحمل.. تعبت.. أنا تعبت.. تعبت و نفسي أرتـااااح …
طريقتها.. كلماتها.. بكائها.. كلها أشياء جلبت الدموع إلى عينيه هو الآخر ..
لكنها بقيت متحجّرة بمآقيه.. لم يتحمل رؤيتها تبكي بحرقةٍ هكذا.. تحاول كتم فمها بكفها لكي لا توقظ صغيرتها ..
نهض “يحيى” مائلًا صوبها.. أحاطها بذراعيه متجاهلًا زمجرة الاعتراض بصدرها و صدّها إيّاه بقبضتاها في كتفيه.. شدد ذراعاه من حولها يعانقها بقوة صامتًا لبضعة دقائق ..
حتى خارت مقاومتها تمامًا.. و هدأ بكائها إلا من شهقات متفاوتة.. أدار وجهه مقبلًا شعرها و أذنها و عنقها و هو يهمس لها :
-أنا آسف.. أنا هاصلح كل ده.. أوعدك.. هاكسب قلبك تاني يا رحمة.. هاخليكي تحبيني تاني… عشان أنا.. أنا بحبك !
_________________________
الوقت الحاضر …
استنفذ كل محاولاته للتأثير على قرارها.. كل توسلاته و حتى قساوته بإصدار أحكامه على تصرفاتها.. لم يفلح معها أيّ شيء.. و صممت على الذهاب ..
في الصباح الباكر كان كل شيء جاهزًا.. تجمعت العائلة بالبهو السفلي.. و أمرت “صفيّة” بنقل حقيبتيّ السفر الخاصة بها و بأمها إلى السيارة.. بينما تقف “فريال” هانم في متناول أسرتها بمنتهى الاتزان و الهدوء.. تودّعهم فردًا فردًا …
-كان نفسي أسافر معاكي.. و ماكنش ينفع تسافري لوحدك يا فريال هانم !
أبقت “فريال” بصرها منخفضًا في المستوى الذي يأتي منه صوت “يحيى” الإبن.. ابتسمت له ببساطةٍ.. لا تحمل تجاهه أيّ ضغينة أو كراهية.. بل العكس تمامًا.. مدت يدها مداعبة رأسه و هي تقول برقتها المعهودة :
-أنا مش هسافر لوحدي يا حبيبي.. معايا عمتك صافي.. و بعدين انت عندك مدرسة و مزاكرة.. مش هاينفع تسافر معايا المرة دي.
-بس المرة الجاية وعد.. هسافر معاكي !
-المرة الجاية.. وعد يا يحيى.
و انحنت لتقبّله و تعانقه لبضع لحظاتٍ.. أخذ الصغير يدها و طبع قبلة على ظاهر يدها مقلّدًا أبيه ..
إلتفتت نحو بقيّة الصغار.. الثلاث فتيات”ملك” و “فريدة” و “ديالا”.. ضمتهم إلى صدرها معًا متمتمة :
-هاتوحشوني يا بنات.. خدوا بالكوا من بعض و أنا مش موجودة.
بكت “فريدة”.. الأشدّ تعلقًا بجدتها.. لم تود رؤيتها و هي ترحل فولّت راكضة للأعلى ..
تنهدت “فريال” بحرارةٍ و انتقلت أمام “سمر”.. أمسكت بكتفيها و نظرت بعينيها مباشرةً و هي تقول :
-سمر.. حتى لو مش فكراني.. انتي هاتفضلي طول عمرك بنتي التانية مش بس مراتي ابني و أم أحفادي.. أنا عارفة إنك هاتقدري تعدي المحنة دي.. وجودك وسط عيلتك بالدنيا كلها.. صدقيني يا حبيبتي …
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أجفلت “سمر” مضطربة من تأثير حديث السيدة النبيلة عليها.. لقد أثارت بداخلها موجة من المشاعر اتحدت مع الإحساس العميق بالعاطفة الذي أوقظه زوجها في قلبها بالأمس القريب.. لم تستطع ردًا عليها و بقيت ساكنة ..
ابتسمت “فريال” و استكملت و هي تضمها بأمومة :
-مش هاوصيكي على عثمان.. و على ولادك.. حافظي على بيتك كويس يا سمر.
لم يبقى سوى “عثمان” الآن ..
كان يقف منزويًا.. مسندًا كتفه إلى عمودٍ ضخم تزيّنه غصون اللبلاب.. يضع يديه بجيبيّ بنطاله.. مطرقًا برأسه.. لكنه أحسّ بأمه حين جاءت و وقفت قبالته.. رفع رأسه على حين غرّة و استقرت عيناه بعينيها ..
ألمها أن تكره التحديق إلى عينيه الشبيهتان بعينيّ والده.. ينظر إليها كما لو إنه “يحيى البحيري”.. لكنها عمدت و على الفور إلى دحض هذا الشعور و أخذت ترمقه بتعاطفٍ هي أهله قائلة بصوتٍ هشّ :
-مش هاتودعني ؟
هز “عثمان” رأسه و رد عليها باقتضابٍ :
-أنا عمري ما ودّعتك.. و لا عمري هاودّعك يا فريال هانم.. و كنت أقدر أمنعك من السفر بسهولة.
فريال بسماحة : ماعملتش كده ليه ؟
تنهد “عثمان” و هو يعتدل بوقفته قائلًا :
-عشان مقدّر وضعك.. عارف إن جايز جدًا تكوني محتاجة فترة تفصلي بعيد عن البيت و عن كل حاجة حواليكي.. و كمان مطمن لوجود صفية معاكي.. لو مكانتش معاكي ماكنتيش هاتسافري مهما حصل.
أومأت له مرتان.. ثم تقرّبت منه حتى تشبثت بكتفيه.. تجذبه إليها فلم يمانع.. تركها تعانقه و لف حولها ذراع واحدة.. بينما تغمغم “فريال” و هي تدفن بالكاد وجهها في عنقه :
-انت ابني أنا.. صحيح دم عيلة البحيري بيجري في عروقك.. صحيح إنك تشبههم في الشكل و الصفات.. لكن انت تربيتي.. و عمرك ما خذلتني.. أنا ثقتي فيك مالهاش حدود.. و دلوقتي مابثقش في حد غيرك يا عثمان.. أرجوك.. خليك زي ما انت اوعى تتغيّر.. اوعى تخذلني !
كان يعي تمام المغزى من وراء كلماتها.. و فهم جيدًا الرسالة التي أرادت إيصالها إليه.. أمسك بيديها ما إن ابتعدت عنه.. رفعهما إلى فمه ليقبلهما مطوّلًا.. ثم نظر لها من جديد و قال بصوتٍ أجش :
-و أنا أرجوكي.. خدي بالك من نفسك.. لو حبيتي تكسريني هتئذي نفسك يا فريال هانم.
ترقرقت الدموع بعينيها الجميلتان و هي تقول من تحت وطأة غصّتها :
-ما عاش و لا كان إللي يكسرك.. ماتقلقش عليا.. أنا هابقى كويسة.. أوعدك.
إلتمعت عيناه هو الآخر و رد بهدوءٍ :
-لو احتاجتي أي حاجة كلّميني.. هكون عندك فورًا.. لما توصلي طمنيني.
أومأت له موافقة.. و قد كانت تشد على يديه بقوة.. و كأنها تستمد منه قوتها.. استغرقها الأمر بعض الوقت لتعلن جاهزيتها للمغادرة ..
أفلتت يديه أخيرًا و سحبت نفسًا عميقًا و هي تواجه العائلة للمرة الأخيرة.. ثم تركتهم متوجهة نحو الخارج و قد أمهلت ابنتها بضعة دقائق أخرى لتلحق بها ..
ما زالت “صفيّة” تودّع صغيرتها “ديالا” التي تعلّقت بحضنها.. تطلّعت إلى أخيها و قالت موصية إيّاه :
-عثمان.. بليز خلّي بالك من ديالا لحد ما باباها يوصل.. أنا ماكنتش أبدًا هاسيبها بس انت عارف مش هاينفع تسافر معايا منغير موافقة صالح.
عبس “عثمان” و هو يرد عليها بغلظةٍ :
-و سفرك انتي كمان منغير موافقته مش مقبول بالنسبة لي.. لولا أنا عارف إنه هايعذرك لما أفهمه إللي حصل.. لكن اوعك تفكري إني ناسي كلامك ليا يا صافي.. لينا قعدة تانية لما ترجعي ان شاء الله.. و مين عارف.. مش يمكن أبعت لك صالح و ديالا لحد عندك و الماية ترجع لمجاريها !!
رمقته “صفيّة” بضيق و لم ترد.. ضمّت صغيرتها لآخر مرة.. ثم ألقت على الجميع السلام.. و غادرت دون أن تنظر خلفها …
**
ترك له خبرًا ما إن يصل إلى مقر العمل.. بأن يوافيه إلى مكتبه الخاص ..
وضع “نبيل” أغراضه بمكتبه و توجه في الحال إلى مكتب رئيسه.. وجده منكبًا على العمل مثل العادة …
-صباح الخير.. خير يا حسين سايبلي خبر في كل حتة !
أغلق “نبيل” باب المكتب و مشى ناحية شريكه.. بينما يرفع “حسين” رأسه محدقًا فيه :
-تعالى يا نبيل.. تعالى أقعد هنا قصادي.
امتثل “نبيل” لأمره و جلس قبالته.. زوى ما بين حاجبيه قائلًا باهتمام :
-دي أكيد حاجة مهمة إللي خليتك تأكد على كل الموظفين إني أجيلك أول ما أوصل.. ما تتكلم يا حسين قلقتني !!
-تشرب إيه ؟
لاحظ “نبيل” اضطراب شريكه.. فانفعل بغتةً :
-فعلًا ؟ انت طالبني بالإلحاح ده عشان تسألني أشرب إيه !؟؟
ساد الصمت لثوانٍ تهرّب “حسين” خلالهم من نظرات شريكه الأصغر سنًا.. ثم عاود النظر إليه قائلًا بثباتٍ :
-نبيل.. أنا عندي مشكلة كبيرة.. مالحقتش أفوق من مشاكل مالك.. طلعت لي مايا !!
نبيل باهتمام أكبر :
-مالها مايا يا حسين ؟؟
كزّ “حسين” على أسنانه و قد بدا غضبه جليًا.. كذلك تردده قبل أن يتكلم ثانيةً مودعًا “نبيل” ثقته كاملة :
-امبارح زارني واحد في البيت.. جه يوريني عقد جواز عليه توقيع بنتي مايا !!
رمش “نبيل” مأخوذًا بالخبر بادئ الأمر.. لكنه سرعان ما تجاوز الصدمة و تساءل مباشرةً :
-واحد مين ؟ يعني من هنا و لا من مصر ؟
-مصري يا نبيل.. بيقول إنه اتجوز مايا من خمس سنين و انفصلوا من سنتين منغير طلاق.
-الجواز ده رسمي يا حسين ؟
-أيوة.. أنا شفت العقد.. كان رسمي على يد مأذون.
زم “نبيل” شفتيه قائلًا بجمودٍ :
-و ازاي انت ماعندكش خبر بالقصة دي ؟ ازاي بنتك تتجوز منغير ما تقولك ؟؟
بالكاد تمكن “حسين” من الرد بشقّ الأنفس :
-ماقالتليش حاجة زي دي.. عمرها ما قالتلي إنها اتجوزت.. و مش فاهم هي عملت كده ليه.. أنا ماكنتش هاعترض أنا طول عمري نفسي أجوزها و أطمن عليها مع راجل كويس يصونها و يحافظ عليها.
-انت واجهتها بالواد ده ؟
-طبعًا.. أنا ماكنتش مصدق.. جبتها و وقفتها قصاده.. مأنكرتش ! .. و وضع رأسه بين كفيه مرددًا بضيقٍ شديد :
-أنا مش عارف أعمل إيه ؟ حتى مالك مقدرتش أدخله في الموضوع عشان مش ضامن أخلاقه بعد الحبس بقت إزاي.. قولّي يا نبيل أتصرف إزاي.. الواد إللي اتجوزته ده شكله صايع.. ده جاي يساومني على عقد الجواز.. بيقول هي مابقتش عايزاني بس لو عايزة حريتها تدفع تمنها.. و قال كلام تاني صعب اقوله.. أنا حاسس إن هايجرالي حاجة.. مش قادر استحمل إللي سمعته يا نبيل مش قادر !!!
-اهدى يا حسين ! .. هتف “نبيل” بخشونةٍ :
-اهدى و أمسك أعصابك.. ده حتة عيّل صايع زي ما قلت.. ماتقلقش و سيبهولي.. أنا هاتصرف !
رفع “حسين” رأسه لينظر إليه من جديد.. و سأله على الفور :
-هاتعمل إيه !؟
تجهم وجه “نبيل” و هو يرمقه بتلك النظرة الحالكة التي لم تجد طريقها إلى عينيه منذ زمنٍ بعيد.. و قال بهدوءٍ مخيف :
-هاعرفه بنفسي.. هاعرفه مين هو نبيل الألفي !
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل العشرون _ هذا خطأي _ :
قبل ثلاثة و عشرون عامًا …
لم تمكث طويلًا بالمشفى.. و لكنها حالما خرجت أقلّها مصطحبًا معهما طفلتهما التي لم يفارقها لحظة واحدة طوال مدة غياب أمها عن المنزل.. تبيّنت “رحمة” بأنه يأخذهم إلى المطار !
ألا و قد حرصت على عدم تبادل كلمة واحدة معه منذ خروجها برفقته.. لكنها لم تستطع إمساك لسانها أكثر خاصةً و هو يمر بها و بابنته عبر أكشاك التفتيش …
-انت واخدنا على فين ؟
إلتفت “يحيى” ناحيتها نصف إلتفاتة.. و جاوبها و هو يدفع بجوازات السفر إلى المفوّض :
-طالعين على لندن.
و انحنى ليحمل “شمس” و أمسك بيد “رحمة” مارًا بها إلى صالة الانتظار ..
مشت “رحمة” خلفه مشدوهة.. لبرهةٍ لم تجد الكلمات التي تخوّلها الرد عليه.. إلى أن جلسوا و قد غفت الصغيرة بحضن أبيها.. ضمّها “يحيى” إلى صدره بإحكامٍ متطلّعًا بهاتفه.. لم ترمش “رحمة” و هي تنظر إليه بصمتٍ.. ثم قالت عادت لتقول بلهجتها الجافة :
-واخدنا على لندن ليه يا يحيى ؟ قولّي ناوي على إيه تاني و واخدنا حتى منغير شنط هدومنا !!
عبس “يحيى” قبل أن يرفع بصره عن هاتفه لينظر إليها.. أقفل الهاتف تمامًا و وضعه بجيب سترته.. ثم قال محدقًا إلى عينيها مباشرةً :
-هاكون ناوي على إيه يا رحمة ؟ إيه إللي وصلك أول ما قلت إننا مسافرين ؟ احنا أول مرة نسافر !؟
رحمة بغضب : أنا بقيت أتوقع منك أي حاجة.. و ماعنديش ثقة فيك.. واخدني أنا و بنتي على فين يا يحيى ؟ أنا مش هاخطي معك خطوة واحدة قبل ما أفهم و أعرف كل حاجة !!!
رفع حاجبه مرددًا بحدة :
-أنا لحد اللحظة دي مقدّر وضعك.. لكن بحذرك يا رحمة.. إلزمي حدودك و انتي بتكلميني دي أول حاجة.. تاني حاجة أنا لو في دماغي شيء عايز أعمله مش هايفرق معايا المكان سواء هنا أو في لندن.. و انتي عارفاني كويس.
زمت شفتيها و قالت بصوتٍ مكتوم :
-فهمني يا يحيى.. حرام عليك إللي بتعمله فيا ده.. ريّحني و لو مرة واحدة !!
تنهد “يحيى” قائلًا :
-انتي إللي تاعبة نفسك يا رحمة.. و زي ما قواتي مابقاش عندك ثقة فيا.. بس حاضر.. هاريحك.. أنا قررت أخدك انتي و شمس و أنقل اقامتكوا في لندن.
حملقت فيه بصدمة و قالت :
-انت عايز تنفينا ؟
امتقع وجهه و هو يرد عليها باستنكارٍ :
-أنفيكوا إيه بس.. إيه إللي بتقوليه ده.. أنا بنيت ليكوا حياة تانية هناك.. حياة متكاملة.. بيت كبير كتبتوا باسم شمس.. و أحسن مدرسة اخترتها عشان بنتنا تدرس فيها و تعيش طفولتها زيها زي اخواتها و زي أي طفلة في سنها.
أذهلتها كلماته.. بينما تنظر إليه و لا تكف عن التفكير في ما قاله للتو.. لم تتمكن من الرد عليه بعد ذلك ..
ليمد يده و يقبض على يدها بقوة غير مؤلمة.. نظرت إلى قبضته على يدها.. ثم نظرت له و سمعته يخاطبها بهدوء :
-أنا هاديكي الحياة إللي طول عمرك بتحلمي بيها يا رحمة.. هاتعيشي على حريتك.. هناك هاتكوني مراتي في العلن.. هاتمشي جنبي و إيدك في إيدي و معانا بنتنا.. هاثبت لك أد إيه انتي غالية عندي مش زي ما انتي مفكرة إنك على الهامش في حياتي.. هاعوضك عن كل حاجة.. و أي حاجة !
____________________________________
الوقت الحاضر …
آثرت الهرب منه كعادتها مؤخرًا.. استشف شعورها بالتهديد أكثر بعد ذهاب والدته و خلو البيت عليهما كما في ظنّها.. ربما في ظروف أخرى كان ليتودد إليها و يحاول استمالتها منفذًا خطته الصبورة ..
لكنه لم يكن في وارد أيّ محاولات.. بل كان يتمنى لو كانت على سجيتها التي عهدها لكي تخفف عنه القليل من الأعباء.. إلا إن هذا لم يحدث للأسف.. و لا حتى في المدى المنظور ..
إلى متى تظل بعيدةً عنه ؟
فقط لو تعرف كم هو بحاجة إليها.. أكثر من أيّ وقت مضى منذ إلتقاها و حتى هذه اللحظة ..
كيف لا تشعر به ؟
لن يغفر لها هذا.. أبدًا …
-عثمان !
انتشله صوت “ملك” من مستنقع أفكاره.. أضاءت الفتاة مصابيح غرفة المكتب و دلفت على مهلٍ مغلقة الباب من خلفها.. بينما يعتدل “عثمان” من نومته فوق الأريكة الواسعة بصالون المكتب ..
رفع رأسه محدقًا بها بعينين نصف مغمضتين.. و قال بصوتٍ مشوّش :
-ملوكة.. تعالي يا حبيبتي.. خير في حاجة و لا إيه ؟
أقبلت “ملك” عليه متهادية و هي لا تكف عن الإجفال قائلة :
-مافيش حاجة.. أنا قلقت عليك بس.. من ساعة ما فريال هانم مشيت و انت قافل على نفسك هنا.. قلت أجي أطمن عليك.. انت كويس !؟
ابتسم لها بانهاكٍ واضح و قال :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-أنا كويس أوي.. ماتقلقيش.. كنت بشتغل و قلت أريح شوية ف شكلي نعست.. يا ترى الساعة كام دلوقتي !
و رفع معصمه ليلقي نظرة بساعته :
-يااه.. 6 إلا ربع.. أنا نمت هنا ساعتين بحالهم !!
جاءت “ملك” لتقف من خلفه بينما يفرك وجهه بكفّاه.. مدت يديها الرقيقتان لتمسك بكتفيه العريضين و تبدأ وصلة من التدليك و هي تقول بصوتٍ مختلج النبرة :
-لازم تريح نفسك !
تأوّه “عثمان” ما إن بدأت بالضغط اللطيف على عضلاته المتشنجة.. أغمض عيناه بتعبٍ مرددًا بامتنان :
-لوكا.. انتي حقيقي An Angel !
ابتسمت الآن و قد تبدد شيء من اضطرابها.. ردت عليه و الابتسامة تملأ صوتها :
-انا بطبّق عليك دروس اليوجا.. طالما انت رفضت تحضرها معايا.
إلتوى ثغره بابتسامةٍ تهكمية و هو يقول بصوته الأجش :
-يعني انتي متخيّلة عثمان البحيري بجلالة قدره قاعد وسط شلّة ستات و متنح زي الصنم.. ده يبقى شكلي أهبل أوي و عيب في حقي يا لوكا.
قهقت “ملك” بمرح كبير و هي تتخيّل الصورة التي وصفها.. ليستطرد هو مسرورًا لمحاولتها الناجحة بتعديل مزاجه :
-خلينا ماشيين على النظام ده أحسن.. انتي تحضري دروسك و تيجي تطبقيها عليا أنا.
قضت “ملك” بضعة دقائق أُخر تمارس عليه تجارب الاسترخاء هذه و هي لا تكف عن التحدث إليه.. حتى أحسّت بزوال كل طاقته السلبية.. رفعت يديها عنه و استدارت حول الأريكة لتقف أمامه الآن …
-هو إيه إللي بيحصلنا يا عثمان ؟
يفتح “عثمان” عينيه لينظر إليها.. مدركًا ما تقصده بالضبط.. شاهد الحزن عميقًا بعيناها الدامعتين.. مد لها يده و هو لا يزال مسترخيًا بمكانه ..
أودعت “ملك” كفها الصغير بيده على الفور.. و تركته يشدها صوبه حتى انتهى بها المطاف خلال لحظة جالسة فوق قدمه.. كدأبها دومًا منذ كانت طفلة ..
مد “عثمان” جسمه للأمام قليلًا ليكون أقرب إليها.. أحاط كتفيها بذراعٍ و أخذ يمسح على شعرها الذهبي بحنانٍ أبوي و هو يقول :
-إللي بيحصل إننا عيلة.. زينا زي كل الناس إللي حوالينا.. بنمر بفترة صعبة شوية.. بس الأكيد إنها هاتعدي و كل حاجة هاترجع أحسن من الأول.. أنا عارف و فاهم اللخبطة إللي انتي فيها.. مش انتي لوحدك يا ملك.. الصغير و الكبير في البيت ده.. كلنا بنعاني من مشاكل وقعت علينا فجأة و مكناش نتصور حتى إنها تحصل.. لكن أنا عايزك تطمّني.. طول ما أنا موجود مافيش حاجة وحشة ممكن تمس العيلة دي.. و انتي جزء من العيلة.. جزء مني أنا شخصيًا.. ماتفكريش يا ملك.. أنا هنا و كل حاجة تحت سيطرتي.. كل إللي مطلوب منك إنك تعيشي حياتك عادي.. و امسحي القلق باستيكة.
حدقت “ملك” طويلًا إلى عينيه الآسرتان و قالت :
-انت Legend.. عمرك ما خالفت ظنّي فيك.. انت بطلي يا عثمان.. و أهم حد في حياتي كلها !
رقت نظرته و هو يبتسم لها قائلًا :
-و انتي يا روحي أحلى حاجة حصلت لي.. من يوم ما ظهرتي في حياتي نوّرتيها.. و مليتي الدنيا عليا فرح.. انتي سبب سعادتي يا ملك عشان كده مش ممكن أتنازل عنك أبدًا.. و لا أسمح لأي مخلوق ياخدك مني.
كانت اشارته صريحة لموقف شقيقها.. و غمرتها السعادة و هي تسمع التأكيد منه على إنه لن يتخلّى عنها مطلقًا.. اطمأنت حيال رغباتها المكبوتة ..
ازدادت لصوقًا به.. و لا زال يُحسن الظن بها.. لا تمر على خاطره مجرد لمحة من أفكارها العبثية …
-أنا بحبك أوي ! .. اعترفت “ملك” بغتةً
لم تستطع تحجيم مشاعرها أكثر و جرى الاعتراف على لسانها ..
صدمتها جرأتها و بقيت ترمقه بترقبٍ.. لكنه لم يتغيّر.. بل تلقّى عبارتها بتعبيراتٍ هادئة.. و قال بلطفٍ :
-أنا أكتر يا حبيبتي.
كتمت شهقة بدفقة مفاجأة من الأدرنالين.. و ألقت بذراعيها حول عنقه ..
و هنا جمدت ملامح “عثمان”.. بدأ يشعر بخطبٍ ما.. لكنه لم يتخذ أيّ ردة فعل بعد و بقى ساكنًا ليتأكد من الشك الذي طرأ بباله فجأة.. لا يريد أن يصدقه.. هذا جنوني.. و لكن نظرة عينها.. لغة جسدها ..
لفحت أنفاسها الساخنة وجهه و عنقه و تتفرّس بملامحه الوسيمة متمتمة :
-صدقني مش أكتر مني.. و لا أي حد أكتر مني.. حتى سمر.. سمر مابقتش تحبك.. أنا… أنا بحبك !!
و دنت أكثر حتى كادت شفاهها أن تمس شفاهه.. لولا أن دفعها عنه بحركة واحدة بأخر لحظة …
أصدرت “ملك” آهة متألمة و قد صدمها ما قام به.. لقد طرحها أرضًا.. و فعليًا قد تأذت على إثر السقطة.. لكنها لم تشعر بالألم بقدر الخوف الذي غمرها من شكله عندما هب واقفًا و أشرف عليها من علوٍ ..
كيف لتعابير وجهه المسالمة أن تستحيل إلى الوحشية التامة بهذه السرعة !؟
-عـ.. عثـ..ـمـ.ـان أنا !! .. بالكاد نطقت باسمه
ليرد عليها بصوتٍ جمّد الدماء بعروقها :
-انتي أكيد اتجننتي عشان تفكري تعملي حاجة زي دي !!!
اسنتدت على مرفقيها و حاولت القيام عبثًا و هي تقول بتوترٍ بالغ :
-أنا آسفة.. ماكنتش آ ا ..
-بـرا !! .. هتف آمرًا و مقاطعًا أيّ حديث آخر بينهما
تطلّعت إليه و الخزي يحرقها داخليًا.. جرت الدموع على خدّيها بغزارةٍ.. و قامت بصعوبة متكئة على الأثاث ..
حاولت أن تبقى لبرهةٍ.. حاولت أن تستعطفه و تصلح ما فعلته بطيشها و سذاجتها :
-بليز ممكن تسمعني.. عايزة أقولك آ ..
-و لا كلمة ! .. قاطعها للمرة الثانية بصرامة أكبر
و قسا عليها لأول مرة بحياته :
-مش عايز اسمع منك و لا كلمة.. و من اللحظة دي ماتظهريش قدامي و لو صدفة.. انتي سامعة ؟ يلا برا !!
ابتعلت “ملك” غصّة مريرة و هي تنظر إليه غير مصدقة ما حدث.. لقد أفسدت كل شيء.. لقد خسرته على ما يبدو.. خسرت الشخص الوحيد الذي تشعر بالحب و الانتماء الخالص إليه ..
كتمت فمها بكفها باللحظة التالية و هي تجهش ببكاءٍ مرير.. لم تنتظر لحظة أخرى أمامه و ولّت مغادرة غرفة المكتب و هي تركض بعدم اتزانٍ ..
في جهة أخرى كان “عثمان” لا يزال واقفًا بمكانه.. يكاد يفقد صوابه جراء ما فعلته الفتاة التي ربّاها بنفسه.. ابنته التي تكفّل برعايتها منذ كانت رضيعة.. لا يصدق.. لا يريد أن يصدق ..
لماذا ؟
لماذا فعلت ذلك ؟ .. ما هي دوافعها و كيف فكرت به هكذا ؟ .. كيف !؟؟؟
إنها تناديه بكنية الأب كما يفعل ولديّه.. كيف بحق الله !!؟؟؟
لم يفكر “عثمان” مرتين.. بحث عن هاتفه إلى أن وجده خلال لحظاتٍ.. أجرى مكالمة لم يُخيّل إليه أن يجريها بنفسه على الإطلاق ..
ثوانٍ و أتاه صوت صهره الساخر على الدوام :
-مِسا.. أكيد وحشناك يا باشا.. سبحان الله كنا لسا في سيرتك.. القلوب عند بعضها.
تجاهل “عثمان” كلامه برمته و قال بصوتٍ حاد :
-أنا موافق على سفر ملك معاك.. من بكرة هاجهز ورقها.. و على أخر الأسبوع تقدر تاخدها و ترجع دبي تاني !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الحادي و العشرون _ وعدتكِ _ :
قبل أربعة و خمسون عامًا …
إنها ليلة مميزة.. ذكرى ميلادها.. بعد سويعاتٍ قليلة سوف تتم الثانية عشر من عمرها ..
من هي ؟
إنها أكثر الفتيات حظًا.. أكثرهن جمالًا.. أعلاهن شأنًا و مقامًا ..
إنها “فريال عثمان المهدي”.. ابنة “عثمان باشا المهدي”.. رجلٌ في العقد الخامس من عمره.. سياسيًا و دبلوماسيًا تركيًا.. شغل عدة مناصب دبلوماسية في القنصليات و السفارات التركية كما عمل في عدة مناصب وزارية بحكومة الدولة ..
من المعروف أن”فريال” هي الفتاة الوحيدة التي أنجبها الباشا بعد ميلاد أخيها البِكر بخمس سنوات.. و إنها أيضًا المقرّبة لأبيها و مُدللته الوحيدة.. هي فقط من تحظى بعطف و حنان الرجل الصلب القاسٍ مع الجميع.. إلا معها هي.. يتحول من جبارٍ إلى حملٍ وديع.. و لا يرد لها طلبًا مطلقًا ..
فوق هذا كله لم يكن سحر “فريال” حِكرًا على أبيها فقط.. بل إن الجميع قد أغرموا بها.. لا أحد بإمكانه مقاومتها.. لا رجال و لا نساء و لا حتى تلك الحيوانات الأليفة التي ترعاها بالمنزل و قد رضخ والدها لطلبها بتبني أكثر كائناتٍ يبغضها.. و هي الهِررة.. غير ذلك كان الجرو اختيار لا بأس به و لم يمانع إنضمامه إلى المنزل ..
كانت رقيقة كالنسمة.. كانت هِبة و غنيمة لأسرتها.. و كانت تُشكل هوسًا للجميع.. كانت حالة فريدة و خاصة جدًا.. و لم تعلم الصغيرة منذ البداية بأن كل يميّزها ما هو إلا لعنات حاقت بها بمرور السنين.. لعنات قد نالت منها و دمرتها عن آخرها …
-دوم جانن كوتلو أولسن تاتلم ( عيد ميلاد سعيد يا حلوتي ) !
أشرق وجه “فريال” بابتسامةٍ كبيرة و هي ترمق هدية أبيها بسعادةٍ.. و قد كانت عبارة عن مُهرة أصيلة أبدت اعجابًا بها خلال نزهتها الأخيرة بنادي السبق للخيول ..
عاودت النظر إلى الأب الخمسيني ذو الشارب المنبعج.. و ارتمت بين أحضانه مُهللة :
-ساول بابا ( شكرًا بابا ).. سيني جارچـكتان سيفيوروم ( أنا أحبك كثيرًا ).
قهقه “عثمان” بوقاره المعهود و هو يربّت على كتف صغيرته.. و سحبها لتجلس فوق قدمه ساحبًا غليونه من فمه.. ضمها إلى صدره بحنانٍ و هو يقول بصوته القوي بلغته الأم :
-لا يوجد شيء لا أستطيع تقديمه لأميرتي الصغيرة.. هل ترين هذا القصر و من فيه ؟ إنه ملكًا لكِ بالكامل.. و أيّ شيء تريدينه.
رمقت “فريال” أبيها مبتسمة و هي تقول بسجيتها الطفولية :
-ألم تخبرني بأننا سنذهب إلى مصر لأجل تولّيك المنصب الجديد ؟ كيف تهديني القصر و ما هي فائدته عندما أغادر !؟
رفع حاجبه قائلًا :
-هل تظنين بأننا سنذهب إلى الأبد يا عزيزتي.. حتمًا سنعود.. إن هي إلا بضعة سنوات قليلة و نرجع إلى الوطن.. هنا حياتك.. هنا عائلتك.. هنا بيت أبيكِ.. ثم إنكِ لن تفارقينني أبدًا هل فهمتِ ؟
-حقًا يا أبي ؟ أتساءل ماذا ستفعل عندما يأتي رجلًا ما و يطلبها للزواج !
ارتفعت نظرات الأب و الإبنة لتقابل نظرات “إركان”.. الأخ الأكبر لفتاة عيد الميلاد الفاتنة ..
كان صبيًا يافعًا.. يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا.. لكنه كبير الحجم مقارنة بسنّه الصغير.. إذ بدا كشاب مراهق بطوله الفارع و وجهه الوسيم الذي نما على صدغيه لحيةٍ خفيفة شقراء كلون شعره الناعم متوسط الطول.. كان يشبه شقيقته إلى حدٍ ما.. لكنها تفوقه جاذبية مُهلكة …
-فريال لن تتزوج إركان.. لن أسمح لأيّ مخلوق بانتزاعها منّي !
أومأ “إركان” موافقًا على كلمات أبيه و قال بصوتٍ أجش و هو يحدق بأخته :
-إن بدّلت رأيك في المستقبل أو وافقت هي على الاقتران بأيّ رجل فأنا لن أوافق أبدًا.. المجنون الذي سيحاول أن يقترب منها فهو حتمًا ينتحر.. لأنّي سأقتله بيديّ هاتين !!
ضحك “عثمان” بانطلاقٍ مجاريًا مزحة إبنه.. و لكن تلك المزحة لم تلقى الصدى ذاته لدى “فريال”.. بل ساورها الخوف و هي تحدق بعينيّ أخيها و بابتسامته الباردة.. إنها عادةً لا تخاف منه.. بل و تحبه كثيرًا مثل حبها لوالدها.. و لكنه مؤخرًا بات يتصرّف بغرابة.. يُشدد حِصاره عليها و قد تحوّلت حمايته لها إلى خِناقٍ يؤرقها ..
يُلازمها في كل مكانٍ.. رغم إن هذا لم يكن يزعجها بالماضي.. إنها حتى لم تنفصل عنه في المبيت.. منذ نعومة أظافرها و هي تتشارك معه نفس الغرفة.. و بالرغم من وجود سريران إلا إنه يُفضل مشاركتها سريرها معبرًا بهذا عن عمق تعلّقه بأخته ..
لا تُنكر إنها بدأت تنفر من هذا التقارب.. و لكنها لا تستطيع الاعتراض.. أو بمعنى أصح.. لا تعرف كيف !!
-فريال أمي تبحث عنكِ ! .. قالها “إركان” بصوتٍ لطيف موليًا أخته نظراته الدقيقة
رمشت “فريال” بأهدابها الطويلة مرارًا و قالت :
-سأذهب لها حالًا.. و لكن ..
و نظرت إلى أبيها قائلة :
-أريد أن آخذ مُهرتي إلى الحظيرة أولًا.
مسح “عثمان” على شعرها بحنوٍ قائلًا :
-بالطبع يا حبيبتي ! .. و نظر إلى إبنه مكملًا :
-إركان رافق أختك إلى الحظيرة و أحرص على ألا تتأذى.. سأخرج الآن لأنجز عملًا ما و لكنّي لن أغيب.. سأعود بسرعة.. هيا خذها.
أطاع الصبي أمر والده مادًا يده إلى شقيقته.. نزلت “فريال” عن قدم أبيها و أمسك بيد شقيقها الذي رفعها على ذراعها ليجعلها تمتطي السرج فوق ظهر المُهرة الصغيرة ..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أمسك باللجام و قطع الحديقة سيرًا وصولًا إلى الحظيرة القصية خلف المنزل.. أدخل المُهرة إلى مقصورتها الخاصة و أخذ يربّت على رأسها و هو ينظر إلى أخته و يسألها بهدوء :
-هل أخترتِ لها أسمًا بعد ؟
أماءت له “فريال” قائلة :
-أجل.. سمّيتها حرير.
رفع “إركان” حاجبه مرددًا :
-حرير !؟
-لأنها جميلة و ناعمة مثل الحرير.
-صدقيني مهما بلغ الجمال في نظرتك لأيّ شيء فلن يُضاهي جمالك يا قطتي الحلوة.. تعالي إليَّ !
و مد ذراعيه نحوها لينزلها عن صهوة المُهرة.. ألقت “فريال” بنفسها دون ترددٍ بين ذراعيّ أخيها القويتين.. منتظرة أن يوقفها على قدميها خلال ثانيتان.. و لكن هذا لم يحدث ..
و أبقى عليها بين أحضانه لفترةٍ.. لم يُفلتها.. فأدارت وجهها و نظرت له باستغرابٍ …
-إركان ! .. تمتمت الصغيرة بإجفالٍ خاصةً عندما رأت تلك اللمعة الغريبة بعينيه
-لقد كبرتِ يا فريال !! .. قالها “إركان” مبهورًا و هو يزيد من تشديد ذراعيه حولها
و سرعان ما أحسّت “فريال” بخطبٍ ما بأخيها.. حاولت أن تدفع كتفيه لتبعده عنها قليلًا.. لكن هذا كان مستحيلًا إذ كان يتشبث بها بقوة لا قِبل لها بدرئها ..
تسارعت أنفاسها على إثر محاولات الإفلات منه عبثًا و قالت بتوترٍ شديد :
-إركان.. أفلتني.. يجب أن أذهب لماما !!
إركان من بين أسنانه :
-بل يجب أن تكوني معي أنا.. سأعلّمك هذا يا فريال.. سأعلّمك كيف تكوني معي.. لأنكِ ستكونين هكذا لبقيّة حياتك.. معي أنا.. ملكي أنا.. أنا فقط !!!
شهقت الصغيرة بذعرٍ كبير عندما دار بها مقتحمًا مقصورة فارغة.. أغلق الباب و طرحها أرضًا فوق كومة من القشّ.. أصدرت “فريال” آهة متألمة و هي تتطلّع بنظرات مراعبة إلى أخيها.. تستند إلى مرفقيها و هي لا تكف عن الارتجاف ..
بعد كل هذا تأمل لو إنه يلاعبها.. لو أن هذه كلها مجرد دعابة ثقيلة من دعاباته حيث كثيرًا ما يستمتع برؤيتها تُعاني و تبكي.. و من ثم يعمد إلى مصالحتها و كأن شيئًا لم يكن ..
و بل فعل كانت دموعها تجري الآن بدعمٍ منها حتى تحقق له مبتغاه و يتركها.. لكنه لم يفعل.. بقى واقفًا بمكانه.. ينظر إليها بتفرسٍ و قد علقت عيناه على فخذها المكشوف حيث ارتفع ثوبها القطني الرقيق و تهدّل فوق كتفيها أيضًا ..
إلا إنها لم تشعر بأيّ شيء.. كان كل ما يشغلها هو كيف ستخرج من هنا …
-إ.. إر. إركان ! .. تعلثمت “فريال” بنطق اسمه :
-أريد ماما !!
ركز عينيه بعينيها الآن و هو يرد عليها بخشونةٍ :
-و أنا أريدكِ.. و أريدكِ أن تريدينني أنا لا ماما.. و لا أيّ مخلوقًا غيري.. أستطيع منحكِ كل ما تريدين يا فريال.. أستطيع أن أعتني بكِ.. فما أعوزكِ لغيري ؟
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ و قالت بخوفٍ واضح :
-إركان.. أنت تخيفني.. ماذا تريد ؟ دعني أذهب يتعيّن أن أتجهز من أجل حفلتي !
لم يبدو إنه يصغي إليها.. رأته يخلع كنزته من رأسه.. و هذا المنظر رغم إنه مـألوف و كثيرًا ما تراه يفعل ذلك.. لكنها الآن هابته و ذعرت بشدة …
-ماذا تفعل !!؟؟ .. هتفت بهلعٍ و حاولت القيام
لكنه سرعان ما جثم فوقها مكبلًا معصميها الصغيرين بيدٍ.. و بيده الطليقة ثبّتها أسفله جيدًا نازلًا بثقله عليها …
-لن تخبري والدينا بهذا.. هل سمعتِ ؟
شخصت ببصرها محملقة فيه بصدمة قوية.. لا تعرف على ماذا ينوي أو ماذا يقصد.. لكن حدسها يؤكد لها بأنها سيقترف جريمة.. جريمة شنعاء.. نكراء !!!
إنعقد لسانها من هول ما يحدث.. خاصةً حين شعرت بلمسات يده في كل مكانٍ بجسمها.. أخيها.. يلمسها بجرأةٍ.. بوقاحة.. يقحم يده بأماكنٍ حسّاسة و يهمهم منتشيًا بما يفعل :
-اللعنة.. أنتِ كبرتِ حقًا.. صرتِ أنثى حقيقية.. أنثاي أنا.. هل تعرفين كم تمنيتُ هذا ؟ أن تكوني قريبة مني إلى هذا الحد ؟ أتحرّق من نظرات الجميع إليكِ.. أرى لهفتهم عليكِ و طمعهم فيكِ.. أود لو أخبئك عن أنظارهم و آخذك لنفسي.. أنا أحبك.. بل أنا مهووسًا بكِ يا فريال.. يا قرّة عيني و روحي.. أحبك ..
فاضت دموعها و هي تشعر بالعجز و النفور الشديد مِمّا يحدث.. و لكنها غير قادرة على الصد أو المقاومة.. و قد عرّاها و تعرّى بدوره ..
تعالت شهقاتها و هي تغرق بقبلاته التي أعيتها و أثارت غثيانها.. قبلات غريبة.. رطبة.. ساخنة.. أجهشت ببكاءٍ مباغت.. و خرج صوتها متوّسلًا منتحبًا :
-إركااان.. كارديشم ( أخي ).. بيني كوركتّون ( أنت تخيفني ).. يتااار ( يكفي ) …
و فجأة انطلقت صرخة مدوية من فمها.. ما لبث أن قمعها مكممًا فاها بكفه.. غطى صهيل الخيل على صراخها.. بينما تشعر بضغطٍ مميت.. و اقتحامٍ لحصنها الضعيف.. تتخبّط و تصرخ ملء حنجرتها حتى انجرحت أحبالها الصوتية.. الألم لا يُطاق.. ألم متواصل و متزايد أحسّت و كأنها تحتضر معه.. عذابٌ خُيّل إليها بأنه لن ينتهي ..
لكنه انتهى.. بعد دقائق قليلة حسبتها دهرًا.. هدأ أخيرًا بعد أن ثار محققًا رغبته الشاذة و أتم اعتدائه الحيواني عليها ..
هو.. أخيها.. هو نفسه مغتصبها.. قاتل براءتها.. قاتلها …
-فريـال ! .. ناداها بصوتٍ مكتوم
لم تستوعب أيّ شيء في البادئ.. و لم تلاحظه عندما انسحب و تركها ليرتدي ثيابه.. كانت مثبتة ناظريها بالسقيفة الخشبية.. و كأنها قطعة من حجر.. لا حياة فيها ..
ما دبّ بقلبه الرعب و جعله ينتفض ممسكًا بكتفيها.. يهزها بقوة صائحًا :
-فريـاااال.. هل تسمعينني ؟ هيا أنظري إليَّ.. لقد أنتهى.. أعدكِ لن أكرر هذا مرةً أخرى.. حبيبتي.. أفتحي عيناكِ.. فريـاااال !!!!
سحبت شهيقًا عميقًا في هذه اللحظة.. و كأنها بالنزع الأخير.. أدركت الواقع من جديد فجزعت ما أن رأته.. صرخت و هي تحاول الابتعاد عنه باكية :
-دوكونمـااااا ( لا تلمسني ).. دوكونمــااااااا ( لا تلمسني ) …
رفع كفّاه و هو يقول مهدئًا إيّاها :
-تمام ( حسنًا ).. سادچي ساكين أشكم ساكين ( فقط إهدئي يا حبيبتي إهدئي ).. سانا زارار ڤار ميچام ( أنا لن أؤذيكِ ) …
أحقًا يسخر منها هكذا ؟
ألن يؤذيها ؟ .. ماذا فعل للتو إذن ؟ .. إنها حتى لا تعرف ماذا فعل بها …
-تعالي.. سأساعدك على النهوض !
ضربت يده بعصبيةٍ و هي تنتفض في رفضٍ صارخ له.. أذعن لرغبتها و راقبها و هي تعاود ارتداء ثوبها الذي انحسر كله حول خصرها.. ثم تحاملت على نفسها و قامت واقفة ..
ترنّحت قليلًا لثوانٍ.. و بقيت مطرقة الرأس أمامه.. دموعها تتساقط في صمتٍ.. و لا تحرّك ساكنًا حتى يبتعد عن طريقها تمامًا …
**
انتهت السيدة “جهان” من تجهيز نفسها و صارت على استعدادٍ تام.. لم يتبقّى سوى ساعتان على الأقل و يبدأ الضيوف بالتوافد إلى المنزل.. تأنقت كعادتها و بدت شديدة الجمال.. بشقرتها المميزة و رقتها المعهودة ..
توجهت إلى غرفة ابنتها و دلفت دون استئذانٍ هاتفة :
-فريال.. أين أنتِ ؟ لن أتساهل معكِ إذا رأيتكِ كما تركتـ آ ا ..
و بترت عبارتها فجأةً.. لتتسمر بمكانها مصدومة و هي تحملق بابنتها المنسدحة فوق سريرها ترتعش و تكتم صوت بكائها في وسادتها.. و.. ما هذا ؟
ما أين أتت بقعة النزيف هذه على ذيل ثوبها !؟؟؟
-فريـاااااااال !!!! .. صرخت “جهان” ملتاعة
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
و هبّت راكضة نحو فتاتها.. أمسكت بها و قلبتها بين يديها و هي تقول من بين أنفاسها :
-فريال.. صغيرتي.. ما بكِ ؟ تكلّمي.. أنظري إليَّ.. فريال ..
و لم تتمالك نفسها أكثر.. فحصتها بنفسها.. لتفغر فاها بصدمةٍ أشدّ و تتجمّد للحظاتٍ.. قبل أن تمسك بها مرةً أخرى صائحة :
-ماذا حدث ؟ فرياااال.. ما الذي حدث لكِ ؟ من فعل بكِ هذا ؟ فريـااااال !!!
فتحت الفتاة عينيها على وسعهما محدقة بأمها.. و أجابت بصوتٍ مرتعش ملؤه الخوف :
-إ.. إر.. إركـان !
لم تبدي “جهان” ردة فعلٍ.. لم يستطع عقلها معالجة الإجابة التي تلقّاها.. أجفلت و هي تواصل سؤالها مجددًا :
-من.. من فعل بكِ هذا يا صغيرتي ؟؟
كررت “فريال” نفس الإجابة بمرارةٍ باكية :
-آبيم ( أخي ).. إركـان !!
هذا مستحيل.. مستحيل.. و لا تصدقه.. حتمًا غير صحيح.. هناك تفسيرٌ آخر.. هذا مستحيل …
-إركــاااااااااااااااااااااااااان !!!!!!
ملأ صراخ “جهان” باسمه جنابات المنزل …
في غضون دقيقتان كان يقف قبالتها بغرفة أخته.. و غرفته في نفس الوقت.. “فريال” تبكي بالخلفية متكوّمة على نفسها بآخر الفراش.. عينيّ أخيها لا تفارقانها بينما تحرقه نظرات أمه و هي تصيح به :
-ماذا فعلت بأختك ؟ جاوبني.. هل ما قالته صحيح ؟ إركـااان.. ماذا صنعت بهـا تكلّـم !؟؟؟؟
-أنا أحبها ! .. نطق “إركان” أخيرًا و نقل ناظريه لأمه
نظر إلى عينيها المتسعتين من الصدمة و تابع بصوتٍ أجش كلماته المريضة :
-فريال ليست أختي.. إنها حبيبتي.. أقتليني يا أمي.. أحرقيني لا أبدّل كلمة واحدة من كلامي.. أنا أحبها !!
-صـوووووص ( أخرس ) !!! .. صرخت و هي تهوى على صدغه بصفعةٍ عنيفة
ثم هجمت عليه ضاربة إيّاه بجماع قبضتيها و هي لا تنفك عن الصراخ :
-الله بيلاني ڤارسن ( لعنة الله عليك ).. الله بيلاني ڤارسن ( لعنة الله عليك ) …
**
لم تمضي الليلة بعد.. الليلة العصيبة و الأشدّ حزنًا و كربًا بحياتها القصيرة.. و إلى المدى الأبدي أيضًا ..
غابت أمها في الخارج مع أخيها.. تركتها وحدها بالغرفة.. لا تكف عن البكاء.. إلى أن عادت “جهان” بعد نصف ساعة تقريبًا.. هرعت نحو صغيرتها و ضمتها إلى صدرها بشدة ..
أخذت تهدئها لهنيهةٍ.. ثم أبعدتها لتتمكن من النظر إليها جيدًا.. و قالت و قد استحال تعبير وجهها لصارمةٍ مخيفة :
-فريال.. لن تقولي شيئًا.. سمعتِ ؟ أبيكِ لن يعرف بهذا.. لن تقولي له عن الذي فعله بكِ إركان.. إذا عرف سيقتله و يقتلكِ.. هل تسمعينني ؟؟
نظرت لها “فريال” عبر دموعها الساخنة.. و قد نجحت “جهان” بالتأثير عليها.. أومأت لها الصغيرة دون أن تفه بكلمةٍ.. لتفرج “جهان” عن تنهيدة حارة من صدرها.. و تعاود ضم صغيرتها إلى أحضانها من جديد و هي تطمأنها :
-لا تخافي يا حبيبتي.. لا تخافي أنا معك.. إركان لن يطول مكوثه معنا.. سأرسله من هنا.. لن أسمح له بالاقتراب منكِ ما دمتُ حيّة.. أنا أعدكِ يا ابنتي.. أعدكِ !!
____________________________
الوقت الحاضر …
-مامـي !
استجابت “فريال” من أول نداء.. أزاحت جفنيها بتثاقلٍ.. لترى ابنتها تطلّ عليها مبتسمة ..
بالكاد ردت لها الابتسامة.. لتربت “صفيّة” على كتف أمها و هي تقول بلطفٍ مشيرة إلى النافذة البيضاوية بجوارها :
-يلا يا ماما فوّقي كده.. خلاص وصلنا.. عشر دقايق بالظبط و هاننزل مطار إسطنبول !
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الثاني و العشرون _ مليكتي _ :
قبل إثنان و عشرون عامًا …
لندن / المملكة المتحدة
بأرقى أحياء المدينة “بلو مزبري”.. حيث تنتشر المنازل الصغيرة و الأنيقة ذات العمارة الجورجية في ساحتيّ “راسِل” و “بيدفورد” الغنيتين بالأشجار”.. تحديدًا في بيتٍ مميز بحديقة مُزهرة و أسوار آمنة ..
تباشر أمها إعداد العشاء.. أبيها يجلس بغرفة المعيشة أمام التلفاز.. يتجاهل مباراة كرة القدم الحصرية كليًا و يراقبها و هي تلهو بألعابها بالقرب منه.. بابتسامته الملائكية يشعر بمحبة متعاظمة تجاه صغيرته.. و العطف الذي يتوق لإغداقه عليها بكل لحظة يدفعه لملازماتها ..
-شمـس !
رفعت الصغيرة رأسها متطلّعة لأبيها.. ابتسم لها “يحيى” و هو يقول بإيماءة واحدة :
-تعالي لبابي يا حبيبتي.
تركت “شمس” الألعاب من يديها و قامت مهرولة نحو أبيها الذي فتح لها ذراعاه.. استقرّت “شمس” بين أحضانه و أخذ يضمّها بحنانٍ لبرهةٍ.. ثم أجلسها في حِجره و قبّلها على خدّها قائلًا :
-إيه يا روحي.. ماقولتليش عجبك بيتنا الجديد ؟
أومأت “شمس” بقوة و قالت بصوتها الطفولي :
-آها.. عجبني أوووي.. و الجنينة و البول حبيتهم أكتر حاجة.. بس البول صغير !
إلتمعت عيناه و هو يرمقها بنظراتٍ متعطّشة لحفظ ملامحها.. و قال :
-انتي حبيتي البول بس زعلانة عشان صغير ؟
أومأت مرةً أخرى.. ليردف ماسحًا على شعرها بلطفٍ :
-أوعدك لما أجي المرة الجاية هاشيله خالص و أعملّك واحد جديد أكبر منه مرتين.. ها مبسوطة ؟
أومأت للمرة الثالثة و هي تبتسم بإتساعٍ هاتفة :
-مبسوطة أوي.. أوووي ..
و مالت صوبه لتطبع قبلة على ذقنه أقصى نقطة طالتها ..
مد “يحيى” يده لييحضر جزدانه من الطاولة المجاورة.. فتحه و أستلّ من جيبٍ داخلي بضعة من الكروت الصغيرة.. و استقطب إنتباه فتاته و هو يعرض عليها أول كارت قائلًا :
-بصي يا شمس.. أنا عاوز أعرفك على العيلة.. هاعرفك عليهم واحد واحد في الصور دي.. بصي دول أجدادك.. أبويا و أمي صالح البحيري و صفية الشواربي.. دي صورتهم يوم فرحهم ..
نظرت الصغيرة إلى صورة الثنائي بالأبيض و الأسود معقّبة :
-ده جدو و دي تيتة.. حلوين أوي.. هما فين يا بابي أنا مش شوفتهم خالص !
-للأسف يا حبيبتي و لا عمرك تقدري تشوفيهم.. لأنهم ماتوا من زمان أوي.. بس ماتزعليش أنا المرة الجاية هاجيب معايا ألبومات الصور بتاعتهم عشان تشوفيهم و تعرفيهم أكتر.. اتفقنا ؟
أومأت له موافقة.. فعرض عليها الكارت التالي :
-ده أنكل رفعت أخويا.. طبعًا عرفاه و شوفتيه كتير ..
الكارت الثالث : دول بقى اخواتك.. عثمان و صفية.. عثمان يبقى أخوكي الكبير.. و صفية أصغر منه شوية ..
تلك الصورة بالأخص.. استوقفت الصغيرة.. بل و خطفتها من بين أصابع أبيها.. قرّبتها لعينيها أكثر و راحت ترنو إليها عن كثب متأملة في الإثنان بحسب ادعاء “يحيى” هما أخويها.. ذاك شاب وسيم للغاية.. يشبه والدها إلى حد كبير.. لكنه يتفوّق عليه بلمحاتٍ جمالية جذّابة كشعره الكستنائي و تلك الشامة المميزة أسفل عينه اليسرى و شفاهه المكتنزة بوساطةٍ ..
الفتاة التي ظهرت معه بالصورة تحتضن خصره بلكتا ذراعيها لا تقل عنه جمالًا.. بل إنها شديدة الفتنة و جميلة جدًا.. بالتأكيد لديها ملامح أبيها.. و لكن جمالها كان فريدًا من نوعه …
-أنا عندي أخ و أخت !! .. رددت “شمس” و لاتزال ترمق الصورة بقوة
و تخلل صوتها اهتزازٍ و هي تكمل و قد انسكبت دمعتها فوق ظاهر يد “يحيى” :
-انت و مامي عندكوا غيري و مش قلتولي !!!!
اضطرب “يحيى” في الحال عندما إنقلبت حالتها رأسًا على عقب فجأة.. راح يزيل دموعها الجارية عن عينيها و هو يقول :
-لأ.. لأ يا حبيبتي أنا هافهمك.. دول أخواتك.. بس مش شقايق !
نظرت له بعدم فهمٍ.. فواصل يشرح لها أكثر :
-يعني عثمان و صفية و شمس ولاد يحيى البحيري.. عثمان و صفية من أم اسمها فريال.. و شمس من أم تانية.. إللي هي رحمة مامتك ..
لا زالت لم تستوعب ما يقوله.. لكنها تساءلت بصوتٍ به نبرة بكاء :
-أنا ليه مش شوفتهم خالص ؟ أنا عايزة أشوف أخواتي دول ..
بدا الأسف في نظراته و لهجته و هو يمسح على رأسها برفقٍ قائلًا :
-أنا آسف يا شمس.. حقيقي آسف يا حبيبتي.. مش ممكن تشوفيهم ..
شمس ببراءة : ليه ماتوا زي جدو و تيتة !؟
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-بعيد الشر !! .. رد “يحيى” على الفور بقوةٍ أجفلتها
لكنه هدأ على الفور و قال بصوتٍ أكثر لطفًا :
-الله لا يقدر يا حبيبتي.. لأ موجودين و ربنا يحفظهم و يحفظك ليا ..
شمس بتبرمٍ : طيب ليه مش هاشوفهم ؟ أنا نفسي في أخ و أخت يلعبوا معايا أنا علطول بلعب لوحدي !
و طفرت دموع جديدة من عينيها.. ليضعف ذلك من تماسك “يحيى” أمامها و هو يحاول ارضائها بشتّى الطرق :
-يا روحي أخواتك كبار انتي أختهم الصغيرة.. يعني لو كانوا صغيرين زيك كنت خلّيتك تقابليهم و تلعبوا مع بعض.. بس هما كبار دلوقتي.. الاتنين في الجامعة و قربوا يخلصوا كمان.
إنعقدا حاجباها بشدة و هي تقول بحزنٍ جمّ :
-يعني عشان أنا صغيرة ماينفعش أشوفهم ؟
تنهد “يحيى” بحرارةٍ و قد شعر بعبء إعلامها بالحقائق يزيد.. لكنه صمم على المضي في هذا.. و قال بجدية و هو يحتضن وجهها بكفيّه الكبيرين :
-بصي يا شمس.. انتي بتكبري.. و لازم تعرفي أكتر عن حياتك و مستقبلك.. أنا معاكي طبعًا و عمري ما هاسيبك طول ما أنا عايش.. بس الحياة مش مضمونة.. أكيد يا حبيبتي انتي مش فاهمة حاجة من إللي بقولها.. بس لما تكبري شوية كمان هاتفهمي.. أنا عايزك تفتكري كلامي ده كويس و ماتنسيهوش أبدًا.. انتي بنتي.. شمس يحيى البحيري.. أنا أبوكي و بحبك و مستعد أفديكي بروحي.. ف مش عايزك تشكّي أبدًا في كلمة واحدة قولتهالك.. لو عليا أخدك انتي و مامتك و نرجع مصر و أعيّشكوا معايا وسط العيلة.. بس القرار ده لو نفذته هاخسر قصاده كتير أوي.. مش خسارة لنفسي بس و لو على نفسي مش مهم.. بس اخواتك مالهمش ذنب.. و انتي كمان مالكيش ذنب أنا عارف ..
قطع حديثه ناظرًا إليها بيأسٍ لم تفهمه.. ليكمل متجاوزًا كلماتٍ كثيرة تاق لقولها :
-أوعدك إني طول ما أنا موجود مش هاخليكي تحتاجي لحد.. و لا حتى اخواتك.. هأمنلك حياتك بيا و منغيري.. هاتاخدي مني أكتر بكتير من أي حد غيرك و لو ينفع أديكي عمري مش هتأخر… بس يا شمس.. أنا محتاج إنك توعديني بحاجة.. و مش هابطل أفكرك بوعدك ده طول ما أنا عايش ..
رمشت بأهدابها مصغية إليه بخضوعٍ تام.. فقال بصرامةٍ :
-انتي تعرفي أخواتك.. بس عمرك ما هاتفكري تقربي منهم.. عمرك ما هاتحاولي تشوفيهم و لا تخليهم هما يعرفوكي.. فاهماني يا شمس ؟ انتي تعرفيهم.. لكن هما ماينفعش يعرفوكي.. فاهمة ؟
هزت رأسها أن نعم.. ليؤكد عليها مرةً أخرى بصورة قاسية الوضوح :
-لو جرالي أي حاجة في أي وقت.. لو اختفيت من حياتك فجأة غصب عني.. لو مت يا شمس مش هاتروحي لاخواتك.. أوعديني !
هذا كثير.. كثيرٌ جدًا عليها ..
فما الذي يحاول فعله بها بحق الله !؟
إنها مجرد فتاة قاصرة الإدراك.. طفلة صغير بالكاد تبلغ التاسعة من عمرها.. كيف يحدّثها عن الموت ؟
و موته هو !!!!
-حـ.. حاضر ! .. قالتها “شمس” طائعة
و لم يعد بوسعها حبس دموعها أكثر.. انفجرت باكية بين ذراعيه.. أخذها في عناقٍ طويلٌ و مُحكم و هو يعتذر منها و يراضيها بعباراتٍ مُلطّفة ..
كان بكاء الصغيرة مُعلنًا.. أما بكاء “رحمة” التي اختبأت بزاويةٍ قريبة كان سرًا.. بعد أن استمعت لحديث زوجها مع صغيرتها من بدايته.. أدركت بأن مصير “شمس” لن يختلف كثيرًا عن مصيرها هي.. “رحمة” عاشت وحيدة.. و “شمس” ستكمل حياتها على هذا النهج ..
و كأنها لعنة مُقدرة على الأم و ابنتها …
**
الوقت الحاضر ..
لم يهدأ لحظةٍ واحدة.. منذ قام بطردها بعد فعلتها المخزية.. صدمته.. بل أثارت جنونه ..
لولا المكالمة التي وردته من شقيقته.. تخبره فيها بأنها و والدتهما قد وصلتا في أمنٍ و سلام إلى العاصمة “إسطنبول”.. عبثت بتفكيره قليلًا.. و لكنه لا يزال عالقًا مع كلماتها.. لم يتقبّلها.. و لا يمكن أن يتقبّلها ..
في خلال دقيقة واحدة.. صعد “عثمان” إلى الأعلى.. لأول مرة يقتحم غرفتها الخاصة التي خصصها لأجلها منذ فترة قصيرة اعتبارًا بأنها صارت فتاة يافعة يجب أن يكون لها عالمها الخاص ..
انتفضت “ملك” حيث كانت منكبّة فوق فراشها الوثير على شكل فراشةٍ ورديّة.. مثل لون الغرفة كلها.. ورديًّا ..
وثبت واقفة في الحال و استدارت نحوه.. ليلاحظ بيدها صورتهما المؤطرة بهيكلٍ صدفي.. يعرف تلك الصورة.. أُخذت لهما العام الماضي بليلة عيد ميلادها.. في لقطةٍ عفوية إذ قفزت على ظهره فجأةً و طوّقت عنقه بذراعيها بينما يضحكا بانطلاقٍ ..
كانت “ملك” ترتعش أمامه مثل ورقة شجر خريفية.. دموعها تسيل بلا توقفٍ على خدّيها.. لكنه لم يتأثر البتّة.. و أطلّت القسوة من عينيه و هو يرمقها مطوّلًا بوجه مكفهرّ.. ثم يقول بغتةً :
-ليـه ؟ .. محتاج أعرف حقيقي.. ليـه !؟
نظرت له عاجزة عن النطق.. فقط تبكي في صمتٍ.. وجهها يتلّوى من نظراته التي تعذّبها ..
ليفقد هو أعصابه و يهب صوبها كإعصارٍ.. تسارعت أنفاسها تحت تأثير خوفها من رؤية وجهه الآخر.. رغم ثقتها في أنه لن يؤذيها.. لكنها بقيت متسمّرة حين توقف قبالتها مباشرةً.. تفصل بينهما خطوةً واحدة.. و قد أُجبرت على رفع وجهها لأعلى لتستطع النظر إليه ..
-أنا عملت إيه ؟ .. سألها “عثمان” عاقدًا حاجبيه بشدة
و لم يتمكن من تمالك أعصابه أكثر.. امتدت يده و قبض على رسغها بقوة مؤلمة و هو يهتف بها غاضبًا :
-قوليلي عملت إيه صوّرلك التخاريف إللي في دماغك ؟ طول السنين إللي فاتت.. فهمتي إيه من معاملتي ليكي ؟ إيه الجديد خلاكي تفكري بالطريقة دي ؟ ردي عليـا يا مـلك أنا عملت معاكي إيـه وصلّك لكده !!؟؟؟
-ماعملتش حاجة !! .. قالتها بصعوبةٍ من بين دموعها
و تحمّلت الألم الذي يسببه لها تشديده على رسغها.. و أردفت باكية :
-انت ماعملتش حاجة.. أنا إللي مقدرتش أخبي مشاعري أكتر من كده.. أنا مش عارفة ده صح و لا غلط.. بس أنا قلتلك إللي أنا حاسة بيه.. أنا بحبـك !
نطقها بنفس الكلمة مرةً أخرى أثار جنونه أكثر ليدفعها بعنفٍ فوق سريرها هاتفًا :
-مشاعـر و حب إيـه إللي بتتكلمي فيهم يا بت ؟ ده انتي لسا ماقلعتيش المريلة.. جاية تقوليلي أنا مشاعر و حب ؟ انتي ناسية أنا مين ؟ أنا جوز أختك.. أنا الراجل إللي خدك و انتي لسا في اللفة و ربّاكي و كبرك لحد ما بقيتي تقوليله يا بابي.. انتي متخيّلة أنا شايفك إزاي دلوقتي ؟؟؟
و صمت لثوانٍ.. ثم قال بصوتٍ أهدأ لكنه يحمل الكثير من الخيبات و الخذلان :
-كأني كنت ببني في عمارة بملايين.. و فجأة وقعت على الأرض.. يا خسارة يا ملك !
راحت تستند على مرفقيها فوق السرير و هي تنتحب بمرارةٍ ناظرة إليه.. ليعاود وجهه تعبير القساوة من جديد و هو يستطرد بصرامةٍ :
-انتي مابقاش ليكي مكان في بيتي من بعد إنهاردة.. و من بعد ما كنت مستعد أحارب و أقف قصاد أخوكي عشان أخليكي هنا جنبي.. خلاص.. مابقتش عايزك.
توقفت عن البكاء الآن لتحدق فيه بصدمة مرددة :
-يعني إيه !؟؟
عثمان بصلابةٍ : يعني من دلوقتي تحضري شنطة هدومك.. عشان كمان يومين بالكتير و هاتسافري مع أخوكي على دبي.. هو فعلًا أولى بيكي.. و أكيد هايعرف يربيكي من أول و جديد و يعمل إللي فشلت فيه أنا.. لسا الأوان مافتش.
كانت تهز رأسها في رفضٍ قوي حتى قبل أن ينهي كلماته.. و قامت واقفة على قدميها مجددًا و هي تقول بخوفٍ هستيري :
-لأ.. لأ انت مش قصدك كده.. مش هاتخلي فادي ياخدني صح ؟ انت وعدتني !!
رمقها بنظرة مزدرية قائلًا :
-وعدت ملك.. بنتي إللي ربيتها لدرجة حسيت إنها من دمي فعلًا.. إنما انتي أنا ماعرفكيش.. و مش عايزك.
و أولاها ظهره ليغادر.. إلا إنها ارتمت عليه محيطة خصره العريض بذراعيها.. ضغطت جانب وجهها على ظهره الصلب و هي تصرخ بانهيارٍ :
-لأااا.. عشان خاطري لأ.. ماتخليش فادي ياخدني من هنا.. أنا مقدرش أبعد عنك.. أنا بحبك انت أكتر حد في الدنيا.. لو سيبته ياخدني أنا ممكن أموت.. انسى الكلام إللي أنا قلته.. و الله مش هقوله تاني خالص بس ماتبعدنيش.. ماتسبنيش أنا ماعرفش غيرك و مش عايزة حد غيرك.. عشان خاطري يا بـ.. بابـ..ـي !!!
ازداد تصلّب “عثمان” تحت لمستها.. لا يمكنه تحمل دموعها و انهيارها بهذا الشكل.. لكنه وضع حجرًا على قلبه و إلتفت ناحيتها ..
نظر لها باستحقارٍ متعمّد و أمسك بكلتا يديها مبعدًا إيّاها عنه.. ثم قال بهدوءٍ يعادل ألف طعنة :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-كان ممكن أفكر.. لو كنتي تقصديها بجد.. كلمة بابي دي خلاص أنا مش حاسسها منك.. و مهما قولتي يا ملك إللي قررته هايتنفذ.. هاتمشي من البيت ده و مش هاترجعيله تاني غير ضيفة.
و دفعها للمرة الثانية بعيدًا عنه.. لكنها لم تتأذى هذه المرة.. إنما أدركت و هو يبتعد عنها و يغادر بأنها بخسارته قد خسرت كل شيء ..
لأنها لم تكن تكذب عليه حين قالت.. هو يمثل كل شيء بحياتها.. كل شيء …
**
في غرفة صغيرها.. تنوي أن تبيت إلى جواره الليلة بعد أن نجحت بالتواصل من طفلتها و البقاء برفقتها في سريرها حتى حانت ساعة نومها.. كانت لتقضي الليل معها هي.. إلا إن “يحيى” الصغير كان له رأيًا آخر ..
-أقولك على سر يا ماما ! .. قالها “يحيى” و هو يرفع وجهه قليلًا على صدر أمه ليحدق بعينيها
أماءت “سمر” له قائلة :
-قول يا قلبي ..
-أنا بحب حضنك أكتر من حضن فريال هانم.. أكتر من حضن بابا نفسه.. أنا بحبك أوي.
ابتسمت “سمر” لسماع اعترافه.. تملّكتها محبته بكثرة على الفور.. فضمّته إليها أشدّ متمتمة :
-حبيبي.. أنا كمان بحبك أوي أوي.. و أقولك أنا كمان على سر ؟
حثها بنظرته دون أن يتكلم.. فأخبرته بصوتٍ أقرب للهمس :
-بحبك أكتر حد في الدنيا.. أكتر من باباك نفسه !
تألقت عينيّ الصبي بابتسامةٍ محببة و شدد ذراعيه حول أمه أكثر.. غلل رأسه بحضنها مغمغمًا :
-اوعي تمشي و تسبيني تاني.. أنا عارف إنك زعلانة مع بابا الفترة دي.. بس عشان خاطري أنا.. ماتفكريش تسيبي البيت.
تنهدت “سمر” بحرارةٍ و قالت داعبة شعره الناعم بأناملها :
-أوعدك إن عمري ما هاسيبك.. دي الحاجة الوحيدة إللي أقدر أوعدك بيها يا حبيبي !
إنفتح باب الغرفة عقب جملتها مباشرةً ..
ليظهر زوجها من ورائه.. تعلّقت نظراتها و نظرات الصغير به في ترقبٍ.. بينما يهتف “عثمان” بحزمٍ عبر الغرفة :
-انت لسا مانمتش يا يحيى ؟ مش عندك مدرسة الصبح ؟
يرد “يحيى” على أبيه بثباتٍ واثق :
-كنت لسا هاطفي النور و أنام قبل ما تدخل يا بابا.
عثمان آمرًا : طيب يلا قول لمامتك تصبحي على خير.. و انتي يا سمر دقيقة واحدة و ألاقيكي قدامي في أوضتنا.
و انسحب في هدوءٍ أثار ريبتها ..
لكنها و صغيرها فعلا ما أمرهما به.. قبّلت “سمر” ابنها على جبهته و شدت الغطاء عليه جيدًا.. أطفأت الضوء و تمنّت له ليلة سعيدة.. ثم لحقت بزوجها على جناحهما الخاص …
**
-احـم !
كان يقف بالنافذة.. منتبهًا لوجودها بالفعل قبل أن يسمع نحنحتها ..
استدار لها ببطءٍ.. ليراها تقف قرب باب الغرفة الموارب ترمقه بنظراتٍ غير واثقة و هي تشد طرفيّ الروب الحريري حولها بدفاعية ..
شملها “عثمان” بنظرةٍ مستخفة و أمرها :
-اقفلي الباب ده و تعاليلي.
نفذت ما قاله رغم ترددها و قلقها من نواياه التي لا تعرفها حتى اللحظة ..
أغلقت باب الغرفة.. ثم إلتفتت ماشية صوبه بتوأدة.. توقفت على بُعد خطوتين منه غير قادرة على الهرب من عينيه.. إذ كانت تأسرها نظراته القوية آبية إفلاتها طرفة عين …
-وقتك خلص يا سمر !
عبست بغرابةٍ تعقيبًا على كلماته.. فاستطرد بتسلّطٍ واضح :
-الليلة دي هاديكي آخر فرصة.. يا تعقلي و تطيعي أوامري و تأدي واجباتك كزوجة طبيعية.. يا كل واحد فينا من طريق يا بنت الناس و هاسيبك تسافري مع أخواتك و ورقتك سابقاكي كمان !!
أجفلت محملقة فيه بذهولٍ و قالت بتوتر :
-انت بتقول إيه ؟ إيه ورقتي و إيه حكاية سفري مع اخواتي دي !؟؟
-فادي عايز ياخد ملك و هو راجع دبي.. أنا وافقت على طلبه.. و في حالة رفضك ليا دلوقتي مش هاتقعدي على ذمتي يوم تاني.. و تنسيني بقى و تنسي ولادك و مع ألف سلامة مع أخواتك.
تجاهل تعابير الصدمة التي جللت محيّاها.. إلتزم بخطته في الضغط و التضييق عليها لترضخ له.. يعلم بأنها لن تقاومه هذه المرة و إن جُبنها سوف يجبرها على الإذعان لأوامره ..
يحفظها جيدًا و لا يشك بأنه سينال مراده الليلة.. لا يشك مقدار ذرةٍ …
-انت إيه إللي بتقوله ده بس ؟ .. تمتمت “سمر” بارتباكٍ بَيّن :
-و إيه إللي قالبك فجأة كده ؟ احنا كنا متفقين إنك هاتديني وقـ آ ..
-قلت وقتك خلص ! .. قاطعها بصرامةٍ :
-انتي مراتي مش لسا بتعرف عليكي.. و أنا مش هافضل أتحايل و تحسسيني إني بشحتك.. كفاية أوي عليكي كده.. انتي عارفة كام واحدة غيرك تتمنى تكون مكانك ؟ أنا إيه إللي يجبرني أصبر كل ده !!!
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ.. أعيتها الحيلة و شعرت بأنها تسقط لا محالة.. و قالت بيأسٍ :
-معلش إديني كام يوم كمان بس ..
أصر بعنادٍ : الليلة دي.. مش هاسيبك الليلة دي.
هزت رأسها مرددة بلا حسابٍ :
-الليلة دي مش هاينفع عشان.. عـ عشان.. أنا عندي عذر !
-عذر !؟ .. علّق رافعًا حاجبه
فأومأت : أيوة.. عندي عذر قهري.. مش هاينفع تقربلي.. انت أكيد عارف !!
نظر في عينيها بطريقة أفهمتها بأنه يعلم بكذبها.. و اضطربت أكثر بينما يقول بهدوئه الشهير :
-طيب مش مشكلة.. هي أول مرة ؟ ما ياما كان بيبقى عندك عذر و بنقرب عادي.
اتسعت عيناها بصدمة و قالت :
-إيه ! مستحيل.. أنا مش ممكن أعمل حاجة حرام أبدًا أنا عارفة نفسي كويس.
عثمان بسأمٍ : و مين قال إنك كنتي بتعملي حاجة حرام ؟ أنا قلت كده ؟
ردت بلهجةٍ هجومية :
-انت لسا قايل بلسانك.. بنقرب ..
-بنقرب منغير أي أضرار يا بيبي ! .. قاطعها للمرة الثانية بذات الهدوء
و قطع المسافة القصيرة بينهما مطوقًا خصرها بذراعيه.. كتمت شهقتها بينما يتلمس جسمها بجرأة هامسًا بشهوانية فجّة :
-انتي دلوقتي ناسية إللي كان بيحصل طبعًا.. بس و لا يهمك.. سيبيلي نفسك و أنا هفكرك.
لم تكف عن التملّص منه و هي تمضي مرددة بتلعثمٍ :
-لأ.. لأ.. بص أنا و الله ما جاهزة أصلًا.. أرجوك.. أصبر عليا بس شوية كمان.. يومين بس.. من فضلك !!!!
شد على فكيّه و تجهمت ملامحه.. و بعد صمتٍ قصير.. رفع يده عن مؤخرتها و أرخى ذراعه عن خصرها فتنفست الصعداء ..
أجفلت قليلًا عندما جاست أصابعه بشعرها و سمعته يتمتم بقتامةٍ :
-شعرك طول.. أنا مش بحبه طويل !
لم تجد كلماتٍ ترد بها.. فرمقها بنظرةٍ تقييمة أوحت إليها بامتهانه لها.. و سمعته يضيف قبل أن يبتعد عنها تمامًا :
-قدامك يومين.. يومين بالعدد يا سمر.. و افتكري إني عملت معاكي إللي ما يُعمل كل ده عشان مازعلكيش.. و عشان لما أقلب بجد تعرفي إنه بحق !!
تلقّت منه نظرة قوية نافذة أخيرة.. ثم راقبته و هو يسير رأسًا تجاه الحمام الملحق بالغرفة.. ارتمت فوق الأريكة القريبة منقطعة الأنفاس.. تكاد لا تصدق بأنها نجت من قبضته الليلة ..
و لكن ماذا ستفعل بعد يومين ؟
إنها مُلة محددة.. كيف تفلت منه بعد أن أبدى هذا التصميم.. بل و هدد أيضًا ..
كيف !؟
الفصل الثالث و العشرون _ لأجلكِ _ :
قبل عشرون عامًا …
تركا الصغيرة في المنزل برفقة المربية الأسيوية التي اختارها “يحيى” من أجل ابنته بعد تدقيق و تمحيص.. أحسّت “رحمة” بأن تلك الأمسية مميزة.. إذ قام زوجها بشراء ثوبًا أنيق و ثمين لترتديه.. و لم يكن مجرد شراء بل إنه انتقى لونه و تصميمه بعد رحلة بحثٍ طويلة بمجلات الموضة و الأزياء.. ليقع اختياره بالنهاية على أكثر أثوابها روعةً.. جميل.. أبيض و رقيق بقصّة أنثوية أبرزت قدّها المنحوت و رشاقتها التي لطالما حافظت عليها بكل ما تملك من قوة إرادة و إمكانات أمددها زوجها بها ..
حرص “يحيى” على أن يخرجا في ساعةٍ مُحددة من المساء ..
أخذها في سيارته الخاصة.. و كان متأنقًا بدوره في حلّةٍ سوداء رسمية.. بدا أكثر شبابًا و حيوية رغم بلوغه الخامسة و الأربعين.. و رغم الشيب الخفيف الذي خطّ منابت شعره المثالي شديد النعومة ..
جلست إلى جواره متحاشية النظر إليه.. و تشعر بنظراته من حينٍ لأخر.. الصمت بينهما لم يبدده شيء.. حتى وصلا أخيرًا إلى الوجهة المنشودة ..
ترجل “يحيى” من خلف المقود أولًا.. دار حول السيارة ليفتح لها الباب.. ثم مد يده نحوها ..
تطلّعت “رحمة” إليه أخيرًا.. و لوهلةٍ حبست أنفاسها و هي تراه يبتسم لها بملائكيته المعهودة.. و هي تراه يرمقها بهذه الطريقة التي تتدغدغ أنوثتها.. لا تصدق.. ما زالت مشاعرها تجاهه بِكر كما كانت بأول علاقتهما.. لم تتغيّر أبدًا.. مطلقًا …
-مش عايزة تديني إيدك ؟
رمشت بأهدابها المطلية بطبقةٍ ثقيلة من المسكارا.. بقيت ساكنة لبضع لحظاتٍ.. لكنها نفضت رأسها بغتةً منتشلة نفسها من حالة الركود تلك.. منحته يدها و تركته يسحبها صوبه حتى وقفت على قدميها قبالته ..
و من جديد راح يشملها بنظرات الإعجاب.. زوجته الشابة الجميلة.. لا تزال في ريّعان شبابها.. في أواسط العشرينيات.. يانعة مثل زهرةٍ ربيعية.. و يخاف.. يخاف عليها من كل شيء.. باتت إدمانًا و هوسًا لا علاج له منها …
-هو احنا فين ؟ .. تمتمت “رحمة” متسائلة و هي تتلفت حولها
كانا يقفان بباحةٍ على شكل هلال.. أمام صرحٍ معماري مهيب.. مضاء بالكامل بواجهات زجاجية برّاقة ..
أمسك “يحيى” بيدها الأخرى و تريّث حتى عاودت النظر إليه.. علّق نظراتها بنظراته و قال بصوته الهادئ الجذّاب :
-انتي واقفة قدام أكبر و أشهر مول تجاري في لندن كلها.. و إللي بقيتي مُساهمة فيه بشكل رسمي من إنهاردة !
نظرت له ببلاهةٍ غير مستوعبة كلمة واحدة من كلماته.. ابتسم “يحيى” حتى بانت نواجذه و قال باسهابٍ أكثر :
-انا كنت مستني لما تتعلمي لغة أهل البلد كويس و تعرفي تتكلمي بلسانهم.. بصراحة لينا بذلت معاكي مجهود في وقت قياسي و لازم أبقى أشكرها إنها ساعدتك لحد ما وصلتي للنتيجة دي ..
شريكة العمل.. و ألمع سيدات المجتمع خاصةً هنا بالدولة الأجنبية.. صديقته المفضلة “لينا الشقيري”.. و التي اكتسبت “رحمة” صداقتها مؤخرًا خلال تعلمها الإنجليزية على يدها.. ملأت شيئًا من فراغها.. و عوضتها فترات غيابه عندما يضطر لتركها و العودة إلى الوطن.. إلى زوجته و عائلته ..
استكمل “يحيى” حديثه بخفوتٍ مجتذبًا إيّاها أقرب إليه :
-إنهاردة عيد ميلادك.. و عيد جوازنا العاشر.. كل سنة كنت بجيب لك jewelry أو بغيّر لك العربية.. لكن السنة دي أخيرًا هاعمل الحاجة إللي كنت بفكر فيها عشانك من فترة طويلة جدًا ..
لا زالت على صمتها.. تستمع إليه و تراقبه فقط ..
لم تنتبه لإشارته إلى مسؤول الجراج.. ليأتيه شاب بزيّ رسمي.. أعطاه مفتاح سيارته و أمسك بيدها يحثها بلطفٍ :
-تعالي.. هديتك مش هنا.. و على فكرة.. مش هدية واحدة !
**
يوفر المول التجاري تشكيلة من أكبر مطاعم الوجبات السريعة و الفلكلورية.. بالطابق السفلي.. كان هناك افتتاحًا جديدًا بالواجهة لوحدةٍ كبيرة و حديثة العهد.. لكنها تكاد تكون منافسة لأبرز العلامات الشهيرة ..
لم تصدق “رحمة” عينيها و هي تحملق بالعارضة التي حملت كُنيتها المُحببة لدى زوجها بأضواء ملوّنة و شعارٍ مميّز.. “RaRa Resturant” …
-كل سنة و انتي معايا ! .. همس “يحيى” بأذنها محيطًا بخصرها من الخلف
بالكاد نزعت ناظريها عن العارضة.. لتلتفت ناحيته.. ترمقه بنظراتٍ مشدوهة ..
يرفع “يحيى” كفّها ليلثم باطنه مطوّلًا دون أن يحيد بعينيه عن عيناها.. ثم يقول بهدوءٍ :
-كل سنة و انتي و الجزء الأحلى في حياتي.. كل سنة و انتي حبيبتي الوحيدة !!
تنفست “رحمة” بصعوبة.. كل هذا كثير.. كثيرٌ جدًا عليها لتستوعبه.. لتصدقه ..
لم تكن ترى أحدًا غيره الآن.. رغم حركة السير بالجوار.. و الزوّار الذين بدأ توافدهم على المطعم الجديد.. لم تستطع إشاحة بصرها عنه ..
ذاب الجليد.. هكذا بلحظة.. و ليس لأنه أغدق عليها من فيض كرمه و يحقق لها أحلامها ..
و لكن لأنه قال ذلك تحديدًا.. لأنه أفصح لها عن مشاعره تجاهه بهذه الطريقة.. لأنه اعترف بأنها هي.. هي وحدها حبيبته …
-ياخواتي على عصافير الحب.. كده قدام الناس أنا ربيتكوا على كده !؟
بدد ظهور “لينا” المفاجئ سحر اللحظات الثمينة بين الزوجين.. اضطربت “رحمة” مخبئة وجهها في صدر زوجه.. بينما يضحك “يحيى” بمرحٍ قائلًا :
-لينـا.. كسفتي مراتي.. دي فيها صمت تام طول الليل ..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ردت الأخيرة ممسكة بذراع “رحمة” محاولة اجبارها على النظر إليها :
-مين دي إللي بتتكسف ؟ و مني أنا ؟ ده أنا بير أسرارها أكتر منك يا يحيى باشا.. ردي عليه يا رحمة ..
لم تجد “رحمة” بدًا من الهرب و الاحتماء بزوجها من صديقتها أكثر ذلك.. أذعنت لها و رفعت رأسها ملتفتة صوبها ..
مثل العادة.. “لينا الشقيري” الهجينة نصف المصرية و نصف اللبنانية لا تدّخر جهدًا لتنشر جمالها.. صاحبة الوجه الفاتن و الملامح الشقراء الناعمة.. لا تحب البذخ رغم ثراءها الفاحش بحكم وظيفتها كسيدة أعمالٍ ناجحة.. إلا إنها حتى بأمسية الاحتفال لا ترتدي سوى ثوبًا كلاسيكيًا ورديّ اللون.. يعلوه شالًا أزرق يتماشى مع لون عينيها.. و تركت شعرها الذهبي ينساب بحرية حول وجهها و كتفيها …
-هاي لينـا ! .. ألقت “رحمة” عليها تحيّةً مقتضبة
ابتسمت “لينا” لاستشفاف توترها الفطري.. و قالت برقتها المعهودة :
-أنا مش عايزاكي تكوني مضايقة مني.. أنا آه كنت عارفة بكل إللي حصل الليلة دي.. بس دي كانت سوربرايز عشانك.. ماينفعش تعرفيها قبل معادها.
هزت “رحمة” رأسها قائلة بصوتٍ خفيض :
-أنا مش زعلانة.. مش زعلانة أبدًا !
لينا بحماسةٍ : قوليلي طيب إيه رأيك في الريسترانت ؟ كل حاجة هنا من اختياري أنا بما إنك كنتي بتغششيني ذوقك و خططك و كل تفاصيل حلمك بيه.. يحيى كان مجرد سبونسر بس. و لسا لما تشوفيه من جوا.
خصّت “رحمة” زوجها بنظرةٍ ملتمعة خاطفة.. ثم نظرت إلى صديقتها و قالت :
-الريسترانت تحفة.. و قبل ما أشوفه من جوا ده أحلى من ما كنت بتخيّل.. شكرًا ليكي يا لينا.. شكرًا يا يحيى !
تنهدت “لينا” بعمقٍ و أومأت متطلعة إلى “يحيى”.. ثم قالت و هي تسلّمه البطاقات :
-اتفضل.. أنا جبتلك التيتكز.. يدوب وصلتني من شوية.. و يدوب كمان تلحقوا ..
و غمزت له ..
نقلت “رحمة” ناظريها بينهما جاهلة بما يحدث.. لكنها لم تفه بكلمة.. لم يتسنّى لها إذ أمسك “يحيى” بيدها على الفور و شدّها معه برفقٍ حازم و هو يخاطب “لينا” للحظة من وراء كتفه :
-أوكي يا لينا.. أنا متشكر أوي.. حقيقي.. باي ..
لوّحت “لينا” لهما هاتفة بسعادةٍ واضحة :
-باااي.. Have a nice night ..
**
The Shard / جسر برج لندن
هذا الهيكل الرائع.. يُعد أكثر المعالم شهرة و زيارة في لندن.. يسيطر على الأفق حتى اليوم.. بفضل تصميمه الجذاب.. لا يبدو على الإطلاق في غير محله عند رؤيته بجوار المعالم الأخرى مثل جسر البرج.. يبلغ ارتفاعه ألفًا و ستة عشر قدمًا و يضم حوالي خمس و تسعون طابقًا ..
من خلال اتصالاته و علاقاته بل و نفوذه التي يدعمها مركزه المالي العملاق.. أتيحت له الفرصة ليحتل أعلى قمة بالبرج مصطحبًا زوجته.. إنها حرفيًا ترى المدينة كلها من خلال النوافذ المحيطة بها.. نوافذ فقط …
-احنا بنعمل إيه هنا ؟ .. تساءلت “رحمة” مبهورة
كانت تقف بمنتصف القاعة خافتة الضوء.. يتقرّب “يحيى” صوبها على مهلٍ و هو يقول :
-أول مرة شوفتك.. كنتي واقفة قصادي كده.. أنا لسا فاكر اللحظة كأنها حصلت حالًا.. لسا فاكر كنتي لابسة إيه.. كنتي عاملة شعرك إزاي.. و الأهم… كنتي بتبصيلي إزاي !!
توقف الآن أمامها.. ليس عليه إلا أن يقترب شبرًا واحدًا ليأخذها بين ذراعيه.. لكنه انتظر.. و ما أصعب الانتظار بالنسبة إليه عندما يتعلّق الأمر بها …
-مافيش حاجة فيكي اتغيّرت ! .. تمتم و أنفاسه تلامس بشرتها مباشرةً :
-غير إن جمالك بيزيد.. و حبّي ليكي بيكبر كل يوم طول ما بتنفس.. أنا كنت فاكر إني حبيت و خلاص.. بس لما شوفتك.. لما اتجوزنا.. لما عشت معاكي أجمل لحظات حياتي ..
و صمت فجأةً.. و هي تصغي إليه مفغرة الفاه.. تنصت بكل ذرة من كيانها.. بينما يغمض عيناه و يزفر مطرقًا برأسه قليلًا ..
يشعر بوجعٍ حاد يشق طريقه عبر صدره و هو يقول بندمٍ :
-أنا ظلمتك.. أنا أذيتك و وجعتك كتير أوي.. عارف انتي طول الوقت شايفاني إزاي.. حاسس بيكي.. و مهما قلت مش هقدر أعوضك بكلامي أو حتى اعتذاراتي ..
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرفع رأسه ليحدق فيها من جديد.. و تابع اعترافاته خاضع النظرات و النبرات :
-أنا بحبك يا رحمة.. بحبك.. و برغم أنانيتي و كل الصفات البشعة إللي فيا.. حبك كان و هايفضل أحلى حاجة حصلتلي في حياتي.. قلبي مابقاش ملكي زي ما طول الوقت كنت فاكر.. أنا أبان قوي للكل.. و ممكن أكون قدامك كده.. لكن أنا من ساعة ما شوفتك و أنا ضعيف.. انتي نقطة ضعفي.. و احفظي الكلام ده كويس و صدقيه عشان مش هقوله تاني.. أنا بحبك… و ماحبتش غيرك !
ما إن فرغ حتى تنفست.. تنفست بصعوبة… ماذا قال للتو بحق الله !؟
لم يعطها الفرصة لتفكر كثيرًا.. فرقع باصبعيه.. فإذا بأضواءٍ متماوجة تبدأ بالسطوع شيئًا فشيء.. و بموسيقى هادئة تنبعث من الأفق الذي استحال في لحظاتٍ إلى قطعة من السماء مرصّعة بعشرات النجوم ..
إنهار كل شيء بداخلها.. تشعر بأنه يضع الدنيا بين يديها الآن.. تدمع عيناها في نفس اللحظة التي يلف ذراعيه من حولها.. و يأخذها في شبه عناقٍ بينما تدوي كلماتٍ الغنوة.. و يحرّك هو شفتيه مرددًا معها فكأنه هو الذي يشدو إليها بتلك العذوبة …
أجمل نساء الدنيا جوا عيوني انتي
أجمل نساء الدنيا انتي يا حبيبتي
خدني الغرام خدني لحكاية حب حلوة
عشت ليها شفت فيها أجمل حياة
أنا مش مصدق نفسي إنك بين إيديّا
من يوم ما حبك خدني مش بتنام عينيّا
جوايا شوق أد الحنان اللي في عينيكي
روحي فيكي نظرة ليكي هي الحياة
أجمل نساء الدنيا في عينيّا أنا
قدرت تخدني في ثانية من روحي أنا
وعد مني ما حب غيرك في الوجود
إحساس جميل جوايا أكبر من الغرام
واللي ما بيني وبينك أكبر من الكلام
إحساس جديد خدنا لبعيد مالوش حدود
يا أجمل من كل النساء …
____________________________________
الوقت الحاضر …
أخذ منها الأمر كل ما لديها لتظل متماسكة و هي تستمع إلى صوته الجهوري الغاضب عبر الهاتف :
-انتـي عـارفة لـو مـارجعتيـش فورًا انا هـاعمل فيكـي إيـه ؟ قسمـًا عظمًـا يا شمـس لا هانـدّمك علـى اليـوم إللـي اتولدتـي فيـه.. انتـي سـامعـة ؟؟؟
الغريب إنها استجابت لهذه الكلمة شفهيًا.. و قد نجح بدب مشاعر الخوف فيها.. هذا التناقض مثير للشفقة ..
إنها تحبه و تخاف منه في آنٍ.. كيف !؟
-رامز.. ممكن تهدا ؟ أنا ماهربتش ..
هكذا تحدّثت “شمس” إليه بهدوءٍ محاولة تهدئته عبثًا.. لأنه قاطعها صائحًا باهتياجٍ :
-سيبتي الفندق و استغفلتيني تـااني.. خونتي ثقتي فيكي تـاني و المرة دي تمنها غالي.. غالي أوي يا شمس.. انتي مفكرة إن حد ممكن يحميكي مني ؟ ده و لا حتى عثمان البحيري نفسه.. و هاتشوفي إللي هاعمله فيكي و في أمك أول حد.. هاتشوفي يا شمس …
لم تحتمل سماع تعنيفه و وعيده أكثر من ذلك.. أغلقت الخط بوجهه ممسكة رأسها بكلتا يداها.. تشعر بضغط رهيب على اعصابها و لا يمكنها تلافيه.. مهما حاولت ..
هذا العشق حتمًا سيقضي عليها.. إنها تحبه كثيرًا.. و هو مجنونٌ بها.. مجنونٌ حقًا و ليس مجازًا.. و لا تشك أبدًا بقدرته على تدميرها ما لو دفعه التهور لارتكاب أيّ حماقة …
-شمـس !
تنبهت على الفور إلى صوته المميز.. استدارت “شمس” في الحال.. لترى أخيها ينزل الدرج في أبهى صوره.. متأنقًا ببذلةً رسمية من اللونين الأزرق و الرمادي.. يعلّق حقيبةٍ جلدية على كتفه.. تصفيفة شعره متهادية و لحيته الخفيفة تبدو ناعمة و لامعة.. رائحة عطره النفّاذة تسبقه بأمتارٍ لتنشر حضوره المتميّز ..
أقبل “عثمان” عليها مبتسمًا باشراقٍ.. و أجفلت فجأة بارتباكٍ حين أحاط خصرها بذراعه و شدّها إلى صدره يعانقها بأخوية.. لكنها ما لبثت أن ابتسمت و قد أنساها حضنه الدافئ كل مخاوفها.. رفعت ذراعيها و ضمته بدورها للحظاتٍ طويلة ..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
تباعدا أخيرًا.. لكنه أمسك بيدها و هو يقول محافظًا على أساريره منفرجة :
-كويس إني شوفتك قبل ما أخرج.. نوّرتي بيتك.
عبأت “شمس” نفسًا عميقًا إلى رئتيها و قالت بشيء من التوتر :
-أنا جيت أول كلمتني.. مقدرش أرفض أي طلب تطلبه مني ..
و صمتت لهنيهةٍ مشيرة لحقيبة ملابسها.. و قالت :
-جيت و جبت شنطة هدومي زي ما طلبت.. بس.. انت متأكد يا عثمان ؟
قطب “عثمان” حاجبيه قائلًا بصوته العميق :
-يعني إيه متأكد ؟ أنا مابقولش كلمة مش واثق إني هانفذها يا شمس.. ثم إن دي مسألة مافيهاش نقاش أصلًا.. ده بيت أبوكي يعني بيتك.. و أنا مستحيل أسمحلك تنزلي في أوتيل و بيت عيلتك موجود.
شدت قبضتها على يده لا شعوريًا و هي تقول :
-أنا قلت لك قبل كده إن بابي إداني نصيبي من زمان أوي.. قبل ما يموت حطلي فلوس كتير أوي باسمي في البنك و كتبلي بيت في لندن.. ده غير شقة المعمورة إللي باسم مامي و دي بردو كأنها بتاعتي ..
عثمان بصرامةٍ : أنا ماليش علاقة بأي حاجة عملها معاكي بابا قبل ما يموت.. حتى لو كان إداكي أكتر مني شخصيًا ده ماينفيش بالنسبة لي إن ليكي حق في كل حاجة هنا.. في القصر ده و في الشركة و في كل أصول عيلة البحيري.. انتي شمس البحيري.. مستوعبة ده كويس و لا لسا !؟
تألقت عيناها بلمعةٍ متأثرة.. و قالت :
-مش عارفة أقولك إيه يا عثمان.. بجد مش عارفة أقول إيه !
عثمان بحزم : ماتقوليش حاجة.. انتي خلاص هاتستقري هنا معانا و هاتنقلي حياتك كلها هنا.. أوضتك جاهزة و من بكرة هاتنزلي تنقّي العربية إللي تعجبك عشان تقدري تتحركي بيها براحتك.. و نصيبك من أرباح الشركة هاتاخديه مني أول كل شهر زي ما بعمل مع صافي و صالح و هالة و فريال هانم.. و فوق كل ده أي حاجة تحتاجيها تيجي و تطلبيها مني فورًا مفهوم ؟
ازدردت “شمس” لعابها و قالت بعدم راحة مباغتة :
-عثمان.. انت نسيت فريال هانم.. هي وافقت إني آ ا ..
-فريال هانم سافرت ! .. قاطعها بلهجةٍ قوية :
-سافرت مع صافي على تركيا عشان تغيّر جو.. لسا قدامها شوية على ما ترجع.. و بعدين حتى لما ترجع بالسلامة ان شاء الله.. مافيش حاجة هاتتغير.. أطمني يا شمس.
-طيب حاجة أخيرة !
أومأ لها بصبر : قولي ..
عضت على شفتها مرتابة لثوانٍ.. ثم قالت :
-مامي راجعة كمان كام يوم.. و عايزة أقولك إن حبك و ارتباطك بفريال هانم مايقلّش خالص عن حبي و ارتباطي بمامي.. أنا مقدرش أسيبها لما تيجي هي تقعد في مكان و أنا في مكان !!
تجهم وجهه الآن.. فندمت على الفور على مجيئها من الأساس.. ما كانت لتضعه بهذا المأزق …
-أنا آسف يا شمس ! .. ردد “عثمان” بصوتٍ حاد :
-ده الطلب الوحيد إللي مش ممكن أحققهولك.. مامتك مالهاش مكان في بيت ده.. شرعًا ليها و أنا مستعد أكتب لها شيك بحقها فيه و زيادة عشان خاطرك.. لكن طول ما أنا عايش مش هاسمحلها تدخل البيت و تعيش فيه ..
هزت رأسها و هي تقول بتفهمٍ :
-أنا مقدرة إللي بتقوله.. عارفة إن الوضع حسّاس و إنك بتفكر ترضي فريال هانم.. أنا مش بلومك على فكرة.. بس ..
قاطعها للمرة الثانية :
-مابسش.. انتي كبرتي بعيد عننا.. كفاية أوي السنين إللي عدت دي كلها و انتي لوحدك منغير أهلك.. مامتك على عيني و راسي مش بمنعك عنها.. تقدري تزوريها يوميًا طول مدة وجودها هنا و حتى تقضي معاها الـWeekend براحتك.. لكن أهم حاجة عندي تفضلي هنا تحت عنيا.. جنبي.. انتي الوحيدة إللي تهميني.. فاهمة ؟
أومأت له أن نعم.. فمنحها ابتسامة راضية.. لكنها سرعان ما تلاشت و هو يبتعد عنها خطوةً و لا زال يمسك بيدها …
-و صحيح حابب ألفت نظرك لحاجة ! .. غمغم عابسًا و هو يميل رأسه للجانب قليلًا
نظرت له بتساؤل.. بينما يعاين جسمها الذي لا يكسوه سوى فستانًا ربيعي خفيفي بالكاد يغطي الفخذين.. و قال بنبرة جديّة لا تخلو من الحمائية :
-اللبس ده مش عايز أشوفه عليكي From now and on.. ستايلك المتحرر ده يتغيّر.. انتي هنا في مصر مش في لندن.
رفعت “شمس” حاجبيها معقّبة :
-عثمان أنا شايفة إن مابقاش في فرق في الثقافات بين مصر و أي دولة أوروبية At least في مجتمع الـElite ( نخبة المجتمع ).. و بعدين ده ستايلي من زمان و بابي عمره ما قال أي Comments عليه !!
عقد “عثمان” حاجبيه بشدة و هو يرد عليها بغلظةٍ :
-أنا مش بابا.. و أنا إللي موجود مكانه دلوقتي.. و الكلام ده كله مش بفهمه و لا يخش دماغي.. قلت ستايلك يتغيّر.. انتي بنت ناس و مش أي ناس.. أظنك عارفة انتي شايلة اسم مين.. كلامي واضح يا شمس ؟
لم يغضبها تسلّطه.. و لا تحكّمه الواضح بها و هي البالغة الراشدة التي بإمكانها ببساطة أن تضرب بكلماته عرض الحائط.. بل الحقيقة إنها سُعدت كثيرًا و شعرت كم أنه يهتم لأمرها و يبالغ في حميته تجاهها ليحميها.. و لا يدري كما لا يدري أيّ أحد حجم حاجتها للشعور بالحماية …
-حاضر يا عثمان ! .. قالتها بطاعة خالصة :
-هاغيّر ستايلي من بكرة.. هاعمل كل إللي تقول عليه.
تنهد و قال بإيماءة صغيرة :
-دلوقتي و قبل ما أمشي الخدم هايطلّعوا شنطتك على أوضتك.. و انتي كمان تطلعي و ترتاحي أو تعملي أي حاجة انتي عايزاها.. مش محتاج أقولك يعني ده بيتك.. و أنا هاشوفك بالليل لما أرجع ان شاء الله.. هانتعشى سوا كلنا.. أنا و انتي و سمر و الولاد.
أشعلت الحماسة نظراتها و هي تقول بحنينٍ جارف :
-انت هاتسيبني دلوقتي و أنا هافضل قاعدة مستنية ساعة العشا على نار.. بجد يا عثمان نفسي أتعرف على مراتك و ولادك أوي.. أووي !!
**
تقف على مقدمة الصالة الواسعة للمطعم الشهير.. ترمق الزحام بنظراتٍ تائهة.. و بالكاد تسمع صوت ابنتها مشوّشًا في أذنها :
-مامي.. مامي انتي سامعاني ؟ .. مامي !!
في اللحظة التي وقعت عيناها عليه أخيرًا.. حبست أنفاسها فورًا خوفًا من إنه قد يكتشف وجودها.. تمسك ابنتها بكتفيها و تأتي لتقف قبالتها مباشرةً ..
حدقت “فريال” بقوة إلى عينيّ “صفيّة”.. بينما تقول الأخيرة بقلق :
-مامي.. أنا ماشية وراكي و مش فاهمة حاجة.. أنكل إركان أخوكي ده.. أنا عمري ما سمعتك بتتكلمي عنه.. و إنهاردة خلتيني أكلمه و أخد لك منه معاد هنا.. هو بيكلمني دلوقتي و أكيد وصل.. انتي بس إللي ممكن تعرفيه.. فهميني يا مامي في إيه ؟ بليز ماتقلقنيش عليكي أكتر من كده !!!
-أنا كويسة يا صافي !
صوتها أهدأ بكثير عمَّا توقعته.. رغم ما يعتمل بداخلها من خرابٍ.. هي بالفعل لا تريد لأبنتها أن تشعر بالسوء.. إنها لم تفعل أيّ شيء حتى الآن سوى مساندتها.. و آخر شيء تريده الآن أن تطلعها على فجيعة أخرى بماضيها ..
اغتصبت “فريال” ابتسامة و أردفت و هي تبذل جهدًا لطمأنة ابنتها :
-ماتقلقيش يا حبيبتي.. هو.. هو هنا فعلًا.. أنا شفته !
قطبت “صفيّة” و هي تلتفت خلفها مستطلعة :
-بجد ؟ هو فين !؟
مدت “فريال” يدها ممسكة بذقن ابنتها.. أدارت لها وجهها لتنظر إليها مرةً أخرى.. و قالت بجدية :
-صافي.. صافي اسمعيني.. انتي هاتقعدي هنا و هاتستني.. أنا هاروح أقابله و أقعد معاه قصادك.. اوعي تفكري تقربي مننا.. مهما حصل ؟ فاهمة ؟
نظرت “صفية” لها بعدم ثقة.. فرجتها “فريال” بشدة :
-صفيّة.. أرجوكي.. لو حقيقي عايزة تساعديني.. لو عايزاني أرجع من هنا كويسة.. اسمعي كلامي.. أرجوكي !!
اضطرت “صفيّة” للرضوخ لها أخيرًا.. لم تستطع معارضتها بعد أن أبدت كل هذا التوسل و الاستجداء ..
أومأت لها مذعنة.. فافرجت “فريال” عن ابتسامة أخيرة تبعتها بتنهيدة حارة تنم عن توتر شديد ..
ركّزت ناظريها على الرجل الجالس هناك على بُعد خمس طاولات.. يحتسي قهوته و هو لا ينفك يرمق ساعة معصمه.. تنحت “صفيّة” جانبًا.. لتتخذ “فريال” أولى خطواتها تجاهه ..
أولى خطواتها تجاه ماضيها !!!!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل ثماني عشر عامًا …
-مبروك يا لينا.. ألف ألف مبروك !
توجهت “رحمة” نحو صديقتها المقرّبة.. تهنئها بحرارةٍ و تقبلّها على خدّيها ..
تمسكت “لينا” بيدي “رحمة” بشدة و هي ترد عليها بابتسامة واسعة :
-رارا حبيبتي.. Thank You يا روحي.
انتقلت “رحمة” إلى خطيب صديقتها الواقف إلى جانبها مباشرةً.. مدت يدها لتصافحه و تهنئه بدوره :
-مبروك يا حازم.
صافحها المدعو “حازم” قائلًا بامتنانٍ :
-الله يبارك فيكي يا مدام رحمة.. وحقيقي احنا إللي بنشكرك على الحفلة الجميلة دي في الريسترانت.. ماكنتش متخيّل انها تطلع بالروعة دي.. مش عارفين نشكرك إزاي !
رحمة برقتها المعهودة :
-ماتقولش كده يا حازم انت ماتعرفش لينا دي تبقى إيه عندي.. لينا أكتر من أختي و دي أقل هدية ممكن أقدمهالها في يوم زي ده.
هتفت “لينا” على الفور مجتذبة ناظريّ صديقتها :
-لأ يا قلبي مافيناش من الزوغان.. انتي وعدتيني بهدية تانية خالص و من زمان أوي.. ناسية و لا أفكرك ؟
انبلجت ابتسامة عريضة على وجه “رحمة”.. و قد تذكرت ذلك الوعد الذي قطعته منذ مدة طويلة.. بالطبع لن تتركها “لينا” تفلت الليلة قبل أن تبر بوعدها.. و لكنها ليست واثقة …
-لينا كان نفسي بجد ! .. رددت “رحمة” و هي تهز كتفيها
سارعت “لينا” بلهجةٍ قاطعة :
-بقولك إيه مش هاقبل بأي رفض و حجج.. انتي وعدتيني يا رحمة !!
عبست “رحمة” حائرة و هي تقول :
-يحيى مش موجود.. لو كان هنا كنت نفذت وعدي ليكي.
لينا باصرارٍ : ماليش دعوة.. يحيى بيه مش هايبوظ يوم خطوبتي مش كفاية ماحضرش.. بجد يا رحمة هازعل منك و الليلة هاتبوظ انتي حرة !
حاصرتها “لينا” هكذا.. لم تجد “رحمة” مهربًا منها.. و لبرهةٍ حانت منها إلتفاتة إلى الجمع الغفير من حولهم.. مجموعة من أصدقاء “لينا” و رواد المطعم على مختلف الأجناس.. عرب و أجانب ..
اقترب أحدهم من حلقة العروسين و صديقتهما المقرّبة.. و قد كان رجلًا انجليزيًا يعمل بمجال الإعلانات.. يُعد صديقًا لخطيب “لينا”.. لكنه فور أن وصل ليحضر الحفل شعر بانجذابٍ رهيب لوجه “رحمة”.. ثم لها كلها …
-ألا تعرفني بعروسك الجميلة يا حازم ؟
التفت ثلاثتهم إلى الضيف المهم.. تهللت أسارير “حازم” و هو يقدّم عروسه متحدثًا بالانجليزية :
-مارك.. ألا أفعل يا صديقي ؟ أقدم لك لينا الشقيري.. خطيبتي و عربية مثلي ..
و قدّمه كذلك لخطيبته : لينا هذا مارك والاس.. تعرفينه بالطبع !
أومأت “لينا” مبتسمة :
-بالتأكيد أعرفه.. سررتُ بلقائك يا مارك.
و صافحته.. بينما عينيّ الأخير لا تحيدان عن “رحمة” و هو يرد :
-بل إنه لمن دواعي سروري أنا حضور حفلٍ مميز و ساحر كهذا.. و لكنّي الآن أرى وجهًا أشدّ سحرًا أمامي.. أحب كثيرًا أن أنال شرف التعرّف بكِ سيدتي !
الآن.. يبدو جليًا بأنه يُخاطب “رحمة”.. “رحمة” التي رفعت حاجبها مستغربة نظراته إليها.. لكنها تخطتها و قالت بابتسامةٍ مغرورة تعلّمتها على يديّ زوجها :
-أشكرك على المجاملة اللطيفة.. و يسعدني أن يعجبك الحفل لقد بذلت مجهودًا خرافيًا ليخرج كما تراه ..
و رفعت رأسها بشموخٍ معرّفة نفسها دون أن تمد يدها لتصافحه :
-أعرّفك بنفسي.. أُدعى رحمة جابر.. أنا أدير هذا المطعم و أملكه في آنٍ.
رمقها “مارك” باعجابٍ هازًا رأسه الأشقر و هو يقول :
-حقًا ؟ تبدين صغيرة للغاية على أن تكوني سيدة أعمال.. كم عمرك ؟
رحمة بثقة : عمري تسع و عشرون عامًا.. و لست صغيرة مطلقًا بل أنا زوجة و أم لطفلة في العاشرة من عمرها ..
و تجاهلته كليًا بعد ذلك موجهة كلماتها إلى صديقتها :
-أوكي يا لينا.. عشان خاطرك بس هانفذ وعدي حالًا.. و يارب يحيى مايزعلش لما يعرف أحسن ده زعله وحش أوي زي ما انتي عارفة !
و ضحكا معًا قبل أن تنسحب “رحمة” متجهة صوب منسّق الموسيقى.. وقفت لدقيقةٍ تفكر في الغنوة المناسبة.. و لكن كل تفكيرها مقترنٌ به هو.. و النتيجة إنها لم ترهق عقلها طويلًا.. طلبت من المنسّق وضع غنوة عربية قديمة الإصدار بعض الشيء ..
ثم مشيت صوب منصّة الرقص التي خلت لأجلها الآن مع تصاعد الأنغام الشرقية المميزة.. ثوانٍ و صدح صوت المطربة عبر مكبرات الصوت الموزعة باتقانٍ.. و بدأت “رحمة” بالتمايل مع الكلمات التي لامست قلبها بل و اعتصرته و هي تتخيّله ماثلًا أمامها بعد طول غياب …
بدمـــــوعي سألتك
لو في قلبك حزن قد اللي في قلبي
كنت تسيبني.. تسيبني.. تسيبني
بدموعي في حضنك سيبني
أحكيلك.. أشكيلك
وهقولك على اللي تعابني
كنت تسيبني.. آه تسيبني.. تسيبني
وفي قلبك كلام بياخدني
من ناري.. لمراري
للشوق اللي بيدوبني
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
يا هاجرني.. إرحمني وإسمعني وإفهمني
يا حبيبي.. ريحني.. على قلبي طمني
وسيبني.. سيبني
بدموعي في حضنك سيبني
كنت تسيبني
تستقطب “رحمة” أنظار الحضور.. بينما هي في إندماجٍ تام مع الموسيقى و الكلمات.. خصرها يتلوّى ببراعةٍ منقطعة النظير.. كل قطعة بجسدها تتحرك بتناغمٍ و لا تفكر في أيّ شيء الآن سواه.. زوجها.. و مع عميق أسفها الرجل الذي تحب..غائبٌ عنها لخمس أشهر حتى الآن.. لأول مرة يبتعد عنها مدةً كهذه.. كل ذكرياتها مع تلك الغنوة ترتبط به وحده.. إذ لطالما قامت بأداء رقصها عليها أمامه كلّما أرادت أن تعاتبه و تسترحمه.. أين هو الآن !؟
تواصل “رحمة” التمايل شمالًا و يمينًا بدلال متحكمة باحترافية في حركات الصدر و الذراعين.. رابطة أحزانها و آلامها على خصرها و هي تنسجم بكل حواسها مع المقطع التالي للغنوة …
يا ناسيني.. نسيني وفحضنك خبيني
من البعد اللي بيعذبني.. يا هاجرني إرحمني
وإسمعني وإفهمني.. يا حبيبي ريحني
على حبي ليك طمني
كنت تسيبني.. تسيبني.. تسيبني
ده في قلبك كلام بياخدني
من ناري.. لمراري
والشوق اللي بيدوبني
وكنت تسيبني.. ما تسيبني.. سيبني
بدموعي في حضنك سيبني
أحكيلك.. أشكيلك
وهقولك على اللي تاعبني
كنت تسيبني
و انتهت الغنوة.. لينفجر هتاف الحشد و التصفيق الحار.. و لتفيق “رحمة” من رؤى هواجسها بزوجها على واقع لا وجود له فيه بجوارها ..
ابتسمت و هي تتلقّى الثناء من الجميع و تستمع إلى المجاملات ..
أتى فجأة المدعو “مارك” مقدمًا لها كأسًا من الشراب و قال و هو يكاد يلتهمها بنظراته المنبهرة :
-لا شك إنكِ بحاجة إليه بعد الأداء المذهل الذي قمتِ به !
اعتلى الضيق نظرات “رحمة” و تعمّدت إظهار كم إنها مجبرة على التعاطي معه كرمى لصديقتها و ليلتها المميزة فقط …
-أنا لا أشرب ! .. قالتها “رحمة” بضجرٍ واضح
رفع الأخير حاجبه مناولًا الكأس لأقرب ساقي بالجوار.. و فاجأها ممسكًا برسغها و هو يطالبها بوقاحةٍ :
-لنرقص سويًا !!
غضبت “رحمة” الآن.. و لكنها قبل أن تتخذ أيّ ردة فعل بوغتت بصوته :
-هـايل.. الناس طبعًا من حقها تشوف مواهبك حرام تفضل مدفونة.. و لا إيه ؟
-يحيى ! .. تمتمت “رحمة” بعينين متسعتين
لم يصدمها ظهوره بقدر ما أخذت الفرحة عقلها لدرجة أنستها أن هناك رجلًا آخر لا يزال يقبض على رسغها …
-يحيى !!!
هتفت هذه المرة بسعادةٍ و شوق و هي تدير رأسها لتراه يقف قريبًا جدًا منها.. متأنقًا ببذلةٍ رسمية.. وسيمًا كعادته.. و.. غاضبًا …
-مش تعرفينا ؟
الآن أفاقت “رحمة” من غفلتها.. و انتبهت لليد التي تمسكها بإحكامٍ.. انتفضت مذعورة و هي تشد معصمها بعنفٍ من يد الغريب.. تناقلت ببصرها بينه و بين زوجها و هي تقول بارتباكٍ واضح :
-آ أنا ماعرفوش.. ده صاحب حازم خطيب لينا.. ممكن تسأله بنفسك أهو عندك هناك !!
و أشارت له نحو صديقتها و خطيبها المنهمكان بتلقّي تهنئات وفدًا جديدًا من الأصدقاء ..
تجاهلت ذاك المتطفل كليًا في هذه اللحظات.. و لكن “يحيى” لم يتجاهله البتّة.. على الأقل بنظراته.. حيث كان يرمقه بقوة و تفحص و الغضب يغلي تحت جلده ..
ثم فجأة تولّى متوجهًا نحو العروسين دون أن يفه بكلمة ..
لحقت “رحمة” به على الفور و هي لا تعرف كيف تتصرّف.. أو كيف تبرر له …
-مبروك للعرسان !
إلتفتا الإثنان و قالا في وقتٍ واحد :
-يحيى البحيري !!
و أضافت “لينا” بعدم تصديق :
-مش معقول إللي أنا شايفاه ده بجد ؟ يحيى بنفسه جاي يحضر خطوبتي !!؟
ضحك “يحيى” لأول مرة منذ حضوره.. و أقبل يصافح صديقته و خطيبها مهنئًا :
-يوم زي ده إستحالة كنت أفوّته حتى لو كنت في أخر الدنيا لازم أجي طبعًا.. ألف مبروك يا لينا.. و مبروك يا حازم.
حازم مبتسمًا : الله يبارك فيك يا يحيى.. و بجد وجودك فرق معانا شكرًا إنك قدرت تحضر.
زجرته “لينا” في الحال :
-و هو كان يقدر مايجيش ده أنا كنت طلّعت عينه.. أقل حاجة كنت هاقطع علاقتي بيه للأبد.
ابتسم “يحيى” قائلًا بثقة :
-ماتقدريش.. شمس تبقى بنتي و بتعتبرك زي خالتها عمتها حاجة في الرينج ده.. يعني أنا و انتي علاقتنا ببعض أبدية يا لينا.
أومأت “لينا” موافقة بلمحة أسف زائفة :
-أيوة صحيح.. نسيت إنك قدري انت و عيلتك ..
و قهقها معًا بشدة ..
لوهلةٍ.. كاد مزاجه الطيب أن يخدع “رحمة” التي وقفت إلى جواره صامتة.. بل و قضيت ما يربو عن ساعةٍ أخرى تراقبه فقط.. تجاهله إيّاها جليًا للقاصي و الداني كأنها و الهواء واحد ..
حتى حانت لحظة معيّنة.. وجدته يقبض على رسغها _ نفس الموضع الذي كان يقبض عليه الغريب _ بعد أن أعتذر من صديقته و خطيبها للذهاب متذرعًا بشوقه لرؤية ابنته ..
سحبها خلفه بحزمٍ غير عابئًا بمظهر كليهما العام ..
لم تجرؤ على التحدث أو حتى أن تستوقفه بأيّ كلمة.. تعلم تلك الحالة جيدًا.. و توقن بأن ليلتها لن تمر على خيرٍ أبدًا ..
كما توقعت لم يأخذها إلى المنزل.. إنما أحاد عن الطريق قاصدًا وجهة بيت أخيه الذي اتخذه منذ سنوات للنزول به مع أسرته.. الآن المنزل خالي تمامًا و هو يملك نسخة احتياطية بحوزته …
-إنزلي !
كان يقف أمامها الآن.. و قد فتح لها باب السيارة من جهتها.. تعلّقت عيناها بعينيه.. ينظر لها بوعيدٍ و تنظر له بثباتٍ.. ثباتٍ عجيب تملّكها في هذه الأثناء ..
انصاعت لكلمته و ترجلت من السيارة.. ليغلقها و يلتفت لها ثانيةً.. يجرّها خلفه مجددًا و يتجه بها نحو البيت ذي الطابقين.. تجد نفسها خلال دقيقة ملقاة بعنفٍ فوق الأرض ذات الرخام الصلد ..
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كتمت تأوّهًا متألمًا و رفعت رأسها صوبه.. تطلّعت إليه من خلال خصيلات شعرها المبعثرة على وجهها …
-يا ترى هاتعمل فيا إيه المرة دي ؟ .. سألته “رحمة” مباشرةً و لم يبدو عليها الخوف مثل كل مرةٍ
حرّك فكه و هو يرمقها بنظرةٍ مستخفة.. و قال بهدوئه المعهود :
-سيبك دلوقتي من إللي هاعمله.. ماتستعجليش.. أنا شايفك مرتاحة كده و باردة.. إيه ؟ الحلوة مابقتش بتخاف زي زمان !؟
توكأت “رحمة” على طاولة محاذية و قامت واقفة في مواجهته.. ثم قالت بشجاعةٍ تُحسد عليها :
-البركة فيك.. و في أبويا من قبلك.. و في الدنيا.. القسوة إللي شوفتها منكوا قوّتني يا يحيى.. عشان كده مهما تعمل فيا تاني خلاص.. مش فارقة ..
يحيى بغضبٍ بارد :
-بس إللي هاعمله فيكي المرة دي مش هاتتخيّليه يا رحمة !!!
كان الأمر سريعًا بعد ذلك.. و دفعها بصدرها على حين غرّة فأحست بجسمها يطير للخلف.. و سقطت فورًا فوق أريكة الصالون المغطاة بشرشفٍ أبيض يعلوه التراب …
-هو ده إللي بتعمليه في غيابي ؟ .. تمتم و هو يخلع سترته و يلقيها أرضًا
نظرت إليه باضطرابٍ و لم تستعيد أنفاسها بعد.. بينما يحلّ ربطة عنقه و يفتح زر ياقته و زر كلا المعصمين ليشمر عن ساعديه و هو يستطرد و الشر يعتلي نظراته :
-رقص و ضحك و هزار مع الرجالة ؟ يعني مستخسرة تحتفظي بموهبتك في الرقص قدام جوزك ف قولتي لازم الكل ينبسط صح ؟ و يا ترى بقى بتبسطي أي حد بالرقص بس ؟ الراجل إللي كنتي واقفة معاه ده كان عجبك مش كده ؟
لم تتحمل إهانته أكثر و ردت عليه محتدة :
-أنا ماسمحلكش يا يحيى.. فوق و أسمع انت بتقول إيه !!
غدا صوته أقسى قليلًا و هو يسحب طوق خصره الثمين و يلف بنصفه على يده :
-أنا لسا ماقولتش حاجة ..
و لم تكاد تستوعب الذي ينوي فعله …
-آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه ..
هبطت أول جَلدة من حِزامه على كتفها العاري منتزعة منها صرخة مدويّة و مصدومة في آنٍ ..
تلاشت شجاعتها كلها الآن.. لأنه كان مثل السيل الجارف.. ما إن نالت منه أول ضربة بحِزامه حتى إنهال عليها بمزيدٍ من الضربات التي أسالت دمائها و شوّهت جلدها ..
طغى الألم على الصدمة الآن.. خاصةً عندما ازدادت ضرباته حدة ممزقة جسمها.. لم تستطع منع نفسها من الصراخ ألمًا.. و قد كان صراخها يصمّ الآذان و هي تتقلّب شمالًا و يمينًا محاولة الإفلات من أداة التعذيب ..
رغم هذا سمعت صوته الهادر بوحشية بعيدًا كل البُعد عن شخصه اللبق الراقي :
-أغيب عنك كام شهر أرجع ألاقيكي مدوّراها.. و أنا بإيدي إللي فاتح لك باب تخرجي منه براحتك و تعملي إللي على كيفك.. إيه لسا حاسة بنفسك ؟ المقطف إللي اسمه جوزك مابقاش مكفيكي ؟ كام شهر يعملوا فيكي كل ده ؟ عرفتي كام راجل في غيابي ؟؟؟؟
كان يعلم يقينًا بأنه يقذفها جزافًا و زورًا.. لأنه غير تكليفه بحارسٍ شخصي ليتعقّبها في الخفاء و يزوده بكل تحركاتها.. هو يعرفها و يعرف بأنها لا تجرؤ على خيانته.. لا يمكنها …
-حـ..ـرام علـ..ـيك ! .. جاهدت لتلقط أنفاسها
تلطّخ فستانها الأبيض بحمرة دفقات الدماء السائلة الحارة من أنسجتها المفتوحة ..
لكنه لم يتوقف.. بل ازداد عنفًا و هو يتعمّد إيذاء جسدها قدر ما يسمح له و هو يصيح بضراوةٍ :
-مش ده جسمك إللي دايمًا فرحانة بيه ؟ مش ده جسمك إللي يخلي أي راجل يجيلك راكع ؟ مش هاخلّي فيكي حاجة تتشاف يا رحمة.. هاخلّيكي نفسك ماتطيقيش تبصي حتى في المرايا ..
لم تستطع منع نفسها من الهرب.. على الرغم من آلامها الجسيمة.. كانت تعرف أن لا جدوى من محاولتها و أن ركبتاها أضعف من حملها.. لكن الرعب من كلماته استولى عليها فوثبت بصعوبة للجهة الأخرى من الأريكة.. و منها حاولت القيام ..
إلا إن يده لحقت بها.. قبض على شعرها و جذبها بقوة لتقف أمامه بينما فمها يطلق صراخًا رهيبًا ..
سالت دموعها بغزارةٍ و صار الألم أكثر حسيّة الآن.. و كأن نارًا تلتهم جسمها.. ألمٌ لا يُطاق …
-كل حاجة ادتهالك هارجع أخدها منك تاني ! .. تمتم مقربًا وجهه بشدة لوجهها
كان بإمكانها استنشاق أنفاسه مع الهوء و هو يمضي متابعًا بتجبرٍ لم تصادفه بحياتها سوى معه :
-مش أنا عملتك هانم محترمة ؟ و انتي روحتي تعملي كرامتي و رجولتي ممسحة.. من الليلة دي مافيش شغل.. المطعم هايتقفل.. مافيش خروج من البيت.. و اعتبري إن مالكيش بنت كمان.. شمس هاحطها في مدرسة داخلي و مش هاتشوي وشها طول عمرك يا رحمة !!
صرخت فيه على الفور :
-لاااااااااااا.. لأ يا يحيى أبوس إيدك.. بنتي.. بنتي لأ ..
كانت تتكلم بصعوبة شديدة.. بالكاد كانت تتشبث بوعيها.. بينما يُخفف قبضته على شعرها.. انحنت بالفعل لتقبّل يده نائحة :
-أعمل فيا أنا أي حاجة.. خد مني كل حاجة.. بس بنتي لأ.. أنا و الله ما عملت حاجة تعيبك في غيابك.. مقدرش أعمل حاجة أصلًا.. انت عارف إني بحبك انت.. رغم كل عمايلك فيا لسا بحبك.. الله يخليك.. ماتحرمنيش من شمس.. أنا ماليش في الدنيا دي غيرها و انت عارف.. الموت أهونلي من فراقها.. مقدرش أعيش منغيرها يا يحيى.. خد كل حاجة و سيبلي شمس.. بنتي ..
غصّت بالبكاء و هي تشعر بالغثيان يهدد تماسكها لرائحة الدماء النفّاذة.. أمسك بها قبل أن تنهار فوق ركبتيها.. طوّقها بذراعيه فهو كان يحملها فعليًا.. رفعت وجهها متواصلة معه بالعين ..
عينيها دامعتان.. عينيه حادتان.. لكنه لم يخفي هوسه بها و هو يحثها و الغيرة تنهش صدره :
-بتحبيني ؟ .. انتي بجد بتحبيني يا رحمة ؟
أومأت برأسها مغمغمة :
-بحبك.. بحبك يا يحيى ..
كان حقًا بحاجة لسماعها تقول ذلك.. بالأخص بعد كل ما حاق بها على يديه.. بعد أن جعلها فداءً لنوبات غضبه و غيرته العمياء على زوجته الصغيرة الجميلة.. و التي نجحت و بدون مجهودٍ منها بإيقاعه بحبائلها فصار يعشقها.. لا يتخيّلها لغيره و لا يحلم بغيرها.. تلك الصغيرة قدرة على سلبه عقله و بعثرة كيانه بأقل تصرفٍ كما حدث الليلة ..
لا يريدها أن تنضج.. كلّما نضجت ازدادت وعيًا و بُعدًا عنه و لا يُشترط أن يكون البُعد جسديًا.. هو لا يريدها أن تبتعد بأيّ شكلٍ من الأشكال.. يريدها معه دائمًا جسدًا و روحًا.. يريدها فقط …
-أنا كمان بحبك يا رحمة ! .. همس أمام شفتيها
و فقد قدرته على مقاومتها أكثر.. دنى ليقبّلها بقوة.. بكل شوقه و صبوته.. بمنتهى الجنون و التملّك.. أخذها إلى الغرفة الرئيسية.. و قد حرص هذه المرة على أن يعبّر لها عن مدى أسفه… و حبّه !!!
**
الوقت الحاضر …
-فريـال !
تسمع أسمها للمرة العاشرة حتى الآن بصوته.. صوته الذي لم يتغير أبدًا.. و كأن أسمها أبجدية متفرّدة.. يختصر كل المعاني و الكلمات ..
هي لم تكن بالجرأة الكافية بعد لتتمكن من النظر في وجهه.. اكتفت فقط بالجلوس أمامه.. لا تنفك عن تقليب فنجان قهوتها ..
بدا لها إنه لا يملّ من وضعهما.. حتى انبعث صوته مجددًا أقرب :
-ألا تكلمينني ؟ ألا تنظرين إليَّ على الأقل ؟ .. لقد مرّ زمنٍ طويل يا حلوتي !
رفعت بصرها المتجمّد إليه في هذه اللحظة.. حدقتاها الخضراوين تحيطان بهما هالةٍ حمراء تنم عن عمق غضبها ..
ابتسم لها بوداعةٍ.. يتشربها بنظراته كما لو إنها الشيء الوحيد الذي يعنيه بحياته …
-عندما تلقّيت اتصالًا من ابنتك.. تخبرني بأن أختي الحبيبة باسطنبول.. و قد جاءت لتراني أنا بالأخص.. لم اصدق نفسي.. ظننتُ بأنّي لن أراكِ ما حييت يا فريال.. آه كم أفقتدك.. كم أتوق لضمّك بين ذراعيّ !!
-Arsiz ( وقح ) !!! .. قالتها “فريال” بهسيسٍ غليظ
اختفت ابتسامته للحظاتٍ.. و أومأ لها قائلًا :
-أتقبّل منكِ شيء.. و أطلب منكِ أن تزيديني من الإهانة أكثر إذا كنت من خلالها سأسمع صوتكِ !
قبضت “فريال” على حافة الطاولة الفاصلة بينهما بشدة و هي ترد عليه من بين أسنانها :
-لم آتِ لأراك.. لم آتِ لنتكلم.. أنا جئتُ فقط لأسألك سؤالًا و بعدها سأغادرك ثانيةً و بلا رجعة.. إركان !!
ظل “إركان” محافظًا على ابتسامته و هو يقول بهدوء :
-سليني ما شئتِ يا حبيبتي.. هذا أقل ما أدين لكِ به.. يكفي أنني تركتكِ لعقود دون أن أظهر بحياتك و أكون لكِ العائلة التي فقدتيها ..
كزّت على أسنانها مانعة نفسها بشدة من الصراخ بوجهه.. أو قتله بتلك السكين التي أمامها.. استنشقت نفسًا عميقًا و هدأت قليلًا.. ثم سألته بصوتٍ مكتوم :
-هل أنت أخي ؟
عقد حاجبيه غير مستوعبًا سؤالها.. فأردفت :
-هل حقًا أنت أخي ؟ هل أنت من دمي ؟ .. قل لي الحقيقة إركان.. هل أنا متبناة ؟ أم إنك أنت كذلك ؟ .. أرجوك أخبرني.. أرجوك إركان !!
هز رأسه و قال بجدية تامة :
-أنتِ فريال عثمان المهدي.. و أنا إركان عثمان المهدي.. والدتي جهان شاهينك.. هي نفسها والدتك.. أنتِ أختي فريال.. أنتِ شقيقتي مع الأسف !
أغرورقت عيناها بالدموع الآن.. و استرسلت في سؤاله بلهجةٍ متهدجة :
-إذن كيف ؟ .. كيف فعلت بي هذا ؟ .. كيف طاوعتك نفسك على أختك ؟ شقيقتك !؟؟؟
لم يرد عليها.. فانفعلت عليه بطريقةٍ جذبت انتباه بعض رواد المطعم و حفزّت “صفيّة” التي جلست بالجهة المقابلة تراقب ما يجري :
-رد عليَّ.. اللعنة عليك.. أنت دمرت حياتي.. أنت أخي.. أنت دمرتني إركان.. أنت سبب الخراب الذي لحق بحياتي كلها حتى و أنا بعيدةً عنك.
عبس قائلًا بهدوء :
-كيف هذا ؟ .. أخبريني يا فريال ؟ .. كيف أكون قد خربت حياتك و أنا بعيدًا عنكِ ؟ لقد ظننتُ بأن ابتعادي عنكِ طوال تلك السنوات لمصلحتك.. هكذا قالا لي !
بوغتت الآن.. انعقد لسانها للحظاتٍ.. ثم سألته :
-من ؟ .. من هما !؟
تنهد “إركان” مطوّلًا.. مال صوبها عبر الطاولة و أفصح أخيرًا :
-أمي.. و زوجك !!
حملقت فيه ملء عينيها.. ليومئ مؤكدًا جوابه :
-زوجك كان يعلم بقصتنا معًا يا أختي.. أمي أخبرته بكل شيء قبل زواجكما.. و هو الذي وقف بوجهي و هددني إن حاولت الاقتراب منكِ لن يتردد في قتلي و أشياء من هذا القبيل.. حتى إنه منعني من حضور زفافك ..
تحوّلت إلى صنم و هي تستمع إلى تلك الحقائق لأول مرة.. بينما كان يراعي حالتها جيدًا.. و قال بأقصى ما أمكنه من لطفٍ :
-لا أرى سببًا يمنعني من إخبارك الحقيقة الآن و بعد كل هذا الوقت يا فريال.. يحيى البحيري.. زوجك.. كان يعلم بقصتنا معًا !!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفصل الخامس و العشرون _ أعزّ من روحي _ :
قبل أربعة عشر عامًا ..
-مش هاتحكيلي بردو إيه إللي بتشوفه في الكابوس ده ؟
كان يتصبب عرقًا حارًا بين ذراعيها.. بالكاد ناولته كأسًا من الماء البارد أنهاه كله و أعاده فارغًا إليها و هو يجاوبها بصوتٍ أجش مضطرب :
-بشوفه كل ما بغمض عيني.. بحلم إني سايق على طريق سفر.. و جنبي حد أعرفه.. و فجأة العربية بتعمل حادثة كبيرة.. و.. و بس!
أخذته في عناقٍ حنونٍ.. ضمته “رحمة” إلى صدرها و راحت تربت عليه ليهدأ و هو تردد على مسامعه بصوتها الرقيق :
-ششش.. خلاص.. ده مجرد كابوس.. إهدى.. إهدى يا حبيبي !
هذه الكلمة فقط التي ساهمت بتهدئة أعصابه المشدودة.. عانق خصرها بشدة و أراح رأسه على صدرها.. أغمض عيناه مطمئنًا و هانئًا بوجودها إلى جواره.. صوتها يلف حواسه كأنه مرهمًا لآلامه ..
حتى غفى مجددًا …
**
ذات الكابوس الذي راوده لمراتٍ لا يُحصيها العدد.. تكرر اليوم أيضًا.. و استيقظ “يحيى البحيري” على كارثة من شأنها أن تخرّب عمله لسنوات ..
شقيقه الأكبر كالعادة يتوق لتدمير حياته !!!
ترك “يحيى” زوجته و أم ولديّه تجهز له حقيبة سفره.. لينفرد بنفسه بضع دقائق بغرفة مكتبه بالأسفل.. أغلق الباب عليه جيدًا.. أخرج الهاتف الخلوي الخاص بالعمل.. ثم باشر بالاتصال بها.. ثوانٍ و أتاه صوتها :
-يحيى !
تنفس الصعداء ما إن سمعها.. و كأن حجرًا كان يجثم فوق صدره :
-رحمة.. صباح الخير ..
-صباح النور.. مش عادتك تكلمني الصبح بدري.. في حاجة و لا إيه ؟
تخلل بعض التوتر صوته و هو يرد عليها عابثًا بمجموعة من الأوراق فوق مكتبه :
-مافيش.. أنا كنت بكلمك بس عشان أقولك إني جاي إنهاردة ..
-جاي ؟ .. طيب ليه ماقولتليش إمبارح لما كلمتني ؟
تأفف بضيقٍ قائلًا :
-أنا ماكنتش أعرف بسفري غير من ساعتين بس ..
أحست بخطبٍ ما به.. فسألته باهتمامٍ :
-مالك يا يحيى ؟ صوتك مش عاجبني انت كويس !؟
كان يشعر بالسوء حقًا.. و كأن هناك مكروهًا أكبر يتربّص به و يتحيّن اللحظة المواتية لإيقاعه …
-أنا كويس يا رحمة ! .. كذب عليها
و أضاف باقتضابٍ : في مشكلة كبيرة بس في الشغل.. لازم أجي أحلها بنفسي و إلا هاتبقى خسارة كبيرة ..
-طيب.. طيب خلاص هدي نفسك.. كله هايتحل.. هاتوصل امتى ؟
-طيارتي بعد ساعة و نص.. يدوب ..
-أوكي.. تعالى بالسلامة.. أنا مستنياك.. تحب أجي أنا و شمس نستناك في المطار ؟
-لأ مافيش داعي.. في عربية هاتنسناني أول ما أنزل.. خليكوا.. انتي فين صحيح في البيت و لا في الريسترانت ؟
كان يعلم سلفًا أين هي من الحارس الشخصي المتخفّي الذي أرسل له منذ قليل تقريرًا مرفق ببضعة صور لها …
-أنا في الريسترانت ! .. منحته الجواب الذي يعرفه فعلًا :
-و شمس في المدرسة.. بس طالما انت جاي إنهاردة هارجع على البيت دلوقتي عشان أطبخ لك بإيدي ..
ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه و قال بحنينٍ غريب :
-ياريت.. وحشني آكل من إيدك !
سمع ابتسامة في صوتها و هي تقول :
-خلاص.. أوعدك هاتاكل إنهاردة أكل ماحصلش.. هاعمل كل الأصناف إللي بتحبها ..
صمت “يحيى” في المقابل للحظاتٍ.. ثم قال فجأةً بمنتهى الهدوء و الثقة :
-بحبك يا رحمة !
بدا إنها ارتبكت قليلًا.. لكنها ردت عليه بالمثل :
-و أنا كمان يا يحيى.. بحبك !
**
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لضيق الوقت.. لم ينتظر “يحيى” حضور السائق و انطلق في طريقه متوجهًا إلى مطار “برج العرب” ليلحق برحلته الوشيكة ..
كان متوترًا كفايةً قبل أن يرده اتصالًا من أخيه.. تجاهله مرة و إثنان.. لكنه كان مصممًا..
زفر “يحيى” بقوة و هو يصطف سيارته على جانب الطريق ليرد على المكالمة …
-أفندم يا رفعت ! .. رد “يحيى” محتدًا بشدة
تريث الأخير بالإجابة عليه للحظاتٍ.. ثم قال بصوتٍ هادئ :
-وصلت المطار و لا لسا يا يحيى ؟
يحيى بصلابةٍ : إشمعنا ؟ بتسأل ليه سيادتك ؟
طال صمت “رفعت” هذه المرة.. فانفعل “يحيى” بغتةً :
-بقولك إيه يا رفعت ماتخلّنيش أعمل معاك تصرفات أندم عليها. انت بتكلمني عشان تسمعني سكاتك ؟ عايز تعطّلني أكتر من كده ؟ أنا مش فاهم إيه كميّة الكره و الحقد إللي جواك ليا دي كلها ؟ عايز تخسّرني إيه تاني ؟ تحب أموت عشان ترتاح خالص ؟؟؟
سمع تنهيدته عبر الخط.. ثم صوته يقول بنفس الهدوء :
-بص يا يحيى.. انت عندك حق.. أنا فعلًا بحقد عليك.. لكن مش بكرهك.. انت أخويا ..
يحيى بسخرية : أخوك آه.. أصلك عملت حساب للأخوّة أوي ..
رفعت بجدية : اسمعني يا يحيى.. ماتسافرش.. ماتسافرش و تعالى ننهي الخلاف إللي بينّا ده إنهاردة ..
-فعلًا يا رفعت ؟ عدم سفري هو إللي هاينهي الخلاف ؟ لما تشوفني بخسر كل حاجة قدامك هاترتاح و تنتهي العداوة ؟ ده إللي هايريحك صح ؟؟
-يحيى.. اسمعني و افهمني.. و اسأل نفسك سؤال واحد.. أنا من إمتى بالظبط اتغيّرت عليك ؟ من إمتى بالظبط علاقتي بيك اتهزّت و لسا مارجعتش زي الأول ؟ .. فكر يا يحيى !
قطب “يحيى” جبينه متفكرًا بكلمات أخيه ذات المعنى المبهم.. و قال بجمودٍ :
-مش فاهم.. تقصد إيه !؟
انبعث صوت “رفعت” قويًا و هو يصارحه بجرأة الآن :
-يمكن كنت أعمى للدرجة دي.. يمكن كنت واثق فيا.. أو حتى يمكن مكانتش تخطر على بالك حاجة زي دي.. بس يا يحيى جه الوقت إنك تسمعها مني.. مش معقول هانفضل طول عمرنا عايشين بالشكل ده.. انت لازم تعرف حقيقة مشاعري ناحية فريال.. فريال هي نقطة الخلاف بيني و بينك.. انا بحب فريال يا يحيى !!!
لم يستوعب “يحيى” الكلمات التي مرّت على أذنيه.. و ظن بأنه لم يفهم جيدًا.. فردد ببلاهةٍ :
-إيـه !؟
كرر “رفعت” مفصحًا عن أسرار ستحرق و تهدم العائلة بأكملها :
-أيوة زي ما سمعت.. فريال مراتك.. مرات أخويا بس أنا عمري ما شوفتها غير الست إللي بحبها و انت خطفتها مني.. أنا إللي شوفتها الأول.. و حبيتها الأول.. و كنت لسا هاخد الخطوة سبقتني حضرتك.. حاولت أنساها.. حاولت أشيلها من قلبي و من عقلي و أصدق خلاص إنها بقت مرات أخويا.. بس مقدرتش.. و لا يوم.. اتجوزت و خلفت و فضلت فريال الحسرة الوحيدة في قلبي و الحاجز إللي بيني و بينك.. لحد ما عرفت إنك اتجوزت عليها.. كانت دي فرصتي معاها.. انت ماحبتهاش.. بس أنا ماحبتش غيرها ..
الصدمة.. بل بضعة من الصدمات عقدت لسان “يحيى” على الأخير.. ما أتاح الفرصة لـ”رفعت” حتى يكمل ما بدأه بصوتٍ أجش مزوّرًا حقيقة ما حدث ليضمن النتائج في صالحه :
-أنا و هي حبينا بعض.. لو سألتها يمكن تنكر.. بس أنا عندي الأدلة.. أنا و فريال بينّا علاقة و من زمان يا يحيى.. من بعد جوازك من التانية علطول.. و مش علاقة سطحية.. أنا وصلتلها.. و دخلت أوضة نومك.. نمت معاها.. على سريرك.. و مش مرة واحدة ..
-هـاقــــــــــتلك ! .. صاح “يحيى” بضراوةٍ مخيفة مقاطعًا كلمات أخيه التي نفت عقله و دمرت أيّ ذرة تفاهمٍ و تحضّر فيه
ارتفعت دماؤه كلها إلى وجهه و هو يصرخ بعنفٍ عبر الهاتف المسكين :
-هاقـــتلك و هاقــتلها يا رفـعت.. مش هايطلع عليكوا صبح جديد !!!!
داهمه “رفعت” ببرود قائلًا :
-طلّقها.. طلّقها و سيبهالي يا يحيى.. و روح انت لمراتك و بنتك.. هاتهم هنا و أعلنهم بدل ما انت مخبيهم و عايزهم يفضلوا مستخبيين طول العمر.. طلّق فريال و سيبها تعيش مع إللي يستاهلها و بيقدّرها ..
لم تفعل كلمات “رفعت” شيئًا سوى أن أججت بصدر “يحيى” نيران لا ينطفئ لهيبها إلا بالانتقام.. الانتقام لرجولته المطعونة …
-أنا جـاي !! .. نطق “يحيى” بغلظةٍ تنم عن وحشية سيؤذن لها بالانطلاق قريبًا :
-أنا جايلك يا رفعت.. لو راجل بجد.. لو ابن أبوك.. لو صالح البحيري خلّف راجل حقيقي ماتهربش.. عشان أقسم بالله ما هاسيبك إلا ميت إنهاردة.. يا أنا انت يا رفعت.. يا أنا يا انت !!!
رفعت بثقة : مستنيك.. تعالى يا يحيى !!
أغلق “يحيى” الخط على الفور.. ألقى بالهاتف على الكرسي المجاور.. تفقّد ذلك المسدس الاحتياطي بدرج جانبي في سيارته و الذي يحمله معه دائمًا ..
ثم شغّل المحرك و همّ بالانطلاق عائدًا إلى المنزل.. و تحرّك بالسيارة فعلًا ..
لكنه توقف بشكلٍ عرضي ما إن دق الهاتف من جديد.. و لمح اسم “فريال”.. أوقف السيارة ثانيةً و التقط الهاتف ليرد ..
لم يكاد يفعل ..
صوت بوق مصمّ ..
يقترب بسرعة ..
يرفع رأسه و يحملق بقوة ..
مادة حديدية عملاقة.. تصطدم به بلحظة ..
ثم ساد الظلام فجأة ..
تحقق الكابوس …
**
كانت تطهو الآن.. مبتدئة بتقطيع الخضروات و تحضير أنواع السمك المفضلة لدى زوجها.. لتصنع له حسائه المخصوص إلى جانب مجموعة أخرى شهيّة من الأطباق ..
بعد قليل ستعود ابنتها.. و تتوقّع وصوله هو بعد ساعتان أو ساعتان و نصف من الآن.. لذا الوقت بالكاد يكفي لتصعد بعد أن تنتهي من إعداد الطعام و تهيئ نفسها للقائه ..
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
يدق هاتفها في هذه اللحظة مقاطعًا إيّاها عن عملها.. فتترك كل شيء و تجفف يديها بمريولها.. ثم تتجه نحو الطاولة حيث تركت الهاتف ..
يشرق وجهها ما أن ترى اسمه يتوّسط الشاشة المضاءة.. إلا إن عبوسًا مستغربًا يتسيّد قسماتها فجأةً عندما تدرك بأنه من المفترض أن يكون على متن الطائرة الآن.. كيف إذن يتصل بها !؟؟
فتحت “رحمة” الخط في الحال :
-يحيى !
اضطربت كثيرًا.. و هي تستمع إلى تردد أنفاسه يبدو و كأنه ضحلًا.. تعرف أنفاسه.. تشعر به.. و ينقبض قلبها …
-رحمة ! .. يرد عليها بصعوبةٍ
لتزداد هلعًا و هي تهتف :
-يحيى.. انت بتتكلم منين ؟ و مال صوتك ؟ يحيى في إيه !!؟
جاء صوته ضعيفًا للغاية :
-رحمة.. أنا.. أنا بموت !
صرخت في نفس اللحظة تلقائيًا.. صرخت و بكت و هي تسأله :
-في إيه ؟ انت فيـن ؟ قولّي انت فين ؟ رد عليا يا يحيى ؟ إيه إللي حصل !؟؟؟
-مافيش وقت.. اسمعيني.. هاتاخدي شمس.. و ترجعي مصر.. خلّيها تروح لعثمان.. خلّيها تروح لأخوها.. ماتثقيش في حد غيره.. سمعاني ؟ عثمان و بس يا رحمة.. عثمان و بس ..
ما يقوله يجعلها تنهار أكثر.. و يسيل الدمع من عينيها مدرارًا بينما يعلو نشيجها بحرارةٍ :
-يحيى أبوس إيدك ماتعملش فيا كده.. قول إنك بتهزر.. قول إنك كويس.. انت جاي.. أنا مستنياك.. يحيى أنا ماليش غيرك.. أنا و شمس مالناش في الدنيا غيرك.. عشان خاطري كفاية كده.. قول إنك كويس الله يخليك.. الله يخليك ..
واصلت بكائها المرير متوقعة أن تكون مزحة منه.. لكن صمته يطول قليلًا.. قبل أن يخبرها بشقّ الأنفس.. و يودّعها في آنٍ :
-سامحيني.. سامحيني على.. على كل حاجة.. أنا حبيتك بجد.. قولي لشمس تسامحني ..
و صمت ..
للأبد ..
أدركت “رحمة” ذلك.. فانهارت فوق ركبتاها و انفجرت في عويلٍ شديد و هي تستصرخه عبر الهاتف و لا حياة لمن تنادي ..
حتى ظهرت ابنتها و جثت أمامها مرعوبة ممّا ترى أمها عليه.. تمسك “شمس” البالغة من العمر خمسة عشر عامًا بكتفيّ أمها.. و تسألها مذعورة :
-مامـي.. مامـي مالك في إيـه ؟ مامـي ردي عليـا فـي إيـه ؟؟؟؟
رفعت “رحمة” نظراتها المتخمة بالدموع متطلّعة إلى ابنتها.. إلى قطعةً منها و منه.. و بلّغتها بعميق أسفها و صدمتها و استنكارها :
-يحيى..أبوكي.. أبوكي مـات يا شمس.. يحيـى مـااات !!!
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خاتمة _ هذه نهاية _ :
المكان : الإسكندرية / مقابر آل”البحيري”
الزمان : 13 مارس 2018 / نهار الجنازة
الجميع يتّشح بالسواد.. و غالبًا لا يوجد هنا نساءٌ غيرها.. و إذا حرى بها تعداد صغيرتها معها ..
لا شيء يشغل رأسها الآن سواه.. بينما تقف على مقربة من الحشد الغفير.. ترى أجساد الرجال تتدافع بالنعش المصقول من السيارة الخاصّة بتشيّيع الجثمان.. مرورًا بقسم من المقابر.. وصولًا إلى النُزُل الموعود ..
لم تتمالك نفسها حين بدأ يتلاشى عن ناظريها.. هرولت في إثره متوقّفة على أعتاب بوابة المقبرة العائلية.. تسترق النظر من وراء أكتاف الرجال ..
الآن النعش و قد استقر فوق الأرض الخرسانية.. بينما عامل المقبرة و مساعده يبقرا الحفرة على وسعها.. وسط هدوء المشيعين.. لمحت إبنه الكبير و وريثه.. يمضي ببذلةٍ سوداء و قد خلع سترته و شمر عن ساعديه ..
مظهره المنمق يناقض حالته الفوضوية.. نظراته الغائرة.. إدعائه القوة و التماسك و هو يزيح غطاء النعش.. لينتفض قلبها بعنفٍ ما إن يكشف عنه.. فتراه.. أو ترى جسده المغلّف بالكفن ..
لا تعرف أنّى لها بكل هذه الدموع التي انهمرت من عينيها لحظة رؤيته هكذا.. تكاد لا تصدق.. لم تمر ساعات قليلة منذ أخر مكالمة أجرتها معه.. صوته ما زال يرنّ بأذنيها :”سامحيني.. سامحيني على.. على كل حاجة.. أنا حبيتك بجد.. قولي لشمس تسامحني!” …
غصّت “رحمة” بالبكاء و هي ترى جسده الميت يُحمل على سواعِد كلًا من إبنه.. شقيقه.. و شابًا آخر تبيّن لها من طريقة الثقة و الأريحية المتبادلة بأنه صديقًا مقرّبًا للعائلة ..
أخذوه مباشرةً إلى أسفل.. هبطوا عبر درجٍ و غابوا لبضع دقائق.. و عندما صعدوا من جديد كان “عثمان البحيري” من الوهن و الإعياء ما أجبره على التأنّي بخطواته.. و قد بدا رافضًا كليّةً للمساعدة من أيّ شخص.. عمه أو صديقه ردّهم بحزمٍ ..
كان تعبيره يبث صدمته و ذهوله للعيّان.. و من ذا يلومه ؟
لقد أورد والده مسعاه الأخير للتو ..
و بيديه وضعه بمقبرته مودّعًا إيّاه إلى الأبد ..
***
حتى لو لم يسمح لها بالعودة.. حتى لو لم يخابرها قبيل وفاته و يدعوها للمجيئ إلى هنا و أخذ إبنتهما برفقتها.. كانت لتأتي رغم كل شيء ..
إنها المرة الأخيرة ..
الوداع ..
نهاية قصتهما ..
نهايتهما …
-رحمة !
انتبهت “رحمة” لصوتٍ مألوف يناديها.. لولا الظروف لكانت ميّزته جيدًا في الحال ..
لكنها استدارت قليلًا لتستطلع.. و كان “رفعت البحيري”.. قاطع طريقها في العودة إلى إبنتها التي تقف بانتظارها على الجهة الأخرى متخفّية عن الأنظار ..
تطلّعت “رحمة” نحو “رفعت”.. ملامحه لا تقلّ صدمةً عن الجميع.. و الحزن يبدون عميقًا بنظرته و نبرة صوته :
-انتي جيتي إزاي ؟ قصدي الخبر لحق يوصل عندك ؟
كان يقف على بُعد خطوتين منها الآن.. سحبت “رحمة” منديلًا جديدًا من حقيبتها و كفكفت دموعها المنداحة و هي ترد عليه بصوتٍ أبح :
-الخبر انتشر على الانترنت من بدري.. بس أنا ماعرفتش كده !
-أومال عرفتي إزاي !؟
-يحيى كلّمني.. و هو بيموت يا رفعت !!
قالت ذلك و انخرطت في نوبة أخرى من البكاء المرير.. بينما تضرب الصدمة “رفعت”.. صدمة من نوع آخر ..
أجلى حنجرته و هو يقول محاولًا ألا يبدو مرتبكًا :
-كلّمك و هو بيموت.. قال حاجة ؟
بدا عليها الحذر الآن.. كفّت عن البكاء تدريجيًا و هي ترفع إليه نظراتٍ دامعة.. و قالت بشيء من الصلابة :
-آه قال.. قال لي آخد شمس و أرجع على مصر.. قال لي آخدها لعثمان أخوها.. إيه يا رفعت !
انت مش مصدقني !؟؟
عبس “رفعت” مجفلًا و قال على الفور :
-لأ طبعًا مصدقك.. مصدقك يا رحمة
مش هاصدقك ليه ؟ انتي مراته و شمس بنته.. أكيد كانت رغبته الأخيرة إنه يطّمن عليها
عشان كده طلب منك ترجعي و توديها عند أخوها ..
و أردف بريبةٍ مشككة :
-بس الغريب إنه وصّاكي تروحي لعثمان.. ماجبش سيرتي ؟
ده أنا حتى عارف القصة كلها !
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بدأ عقلها يعمل في الأثناء.. شردت “رحمة” فجأةً و تذكرت عبارته المحفورة بذهنها بوضوح.. لم تفتأ حقيقة كلماته أن تجلّت أمامها الآن ..
هذا بالتحديد ما أراده “يحيى” إذن.. لم يذكر أخاه قط.. بل و أوصاها بأن تذهب مباشرةً إلى “عثمان” و ألا تضع ثقتها إلا به هو فقط.. لقد شدد على هذا فعليًا ..
عاودت “رحمة” التحديق بـ”رفعت” مرةً أخرى.. و بلحظةٍ قررت ألا تثق به.. بل و قررت أن تنأى بنفسها و صغيرتها عن كل هذا.. فقد رحل “يحيى”.. رحل لكنه ترك لهم ما يكفي لعيش حياة رغيدة و هذا ما يهم.. لم تعد تريد أيّ شيء آخر …
-أكيد لو كان عنده وقت كان هايوصّيني أروح لك يا رفعت !
لم تتردد أو تهتز للحظة و هي تقول ذلك.. ليومئ لها “رفعت” دون التخلّي عن نظرة خبيثة بعينيه :
-طيب الوضع زي ما انتي شايفة لسا مش سامح عشان نكشف عن مفاجأة زي دي.. ممكن نستنى لـ آ ..
-أنا مش جاية عشان كده ! .. قاطعته بصرامةٍ :
-مش هانفذ وصية يحيى يا رفعت.. و مش هاخد بنتي و أروح القصر بتاعكوا
هانفضل زي ما كنا.. و محدش هايعرف عننا حاجة.
رفعت حائرًا : بس دي كانت رغبته زي ما قولتي.. أنا متأكد زي ما هو أكيد كان واثق إن عثمان لما يعرف بأخته مش هايسيبها.. و هايرحب بيها كمان
و بعدين انتي خايفة من إيه ؟ أنا هاقف جنبك و شمس دي بنت أخويا يعني بنتي !
رحمة بحزم : الموضوع ده أنا قررته خلاص يا رفعت
شمس مكانها جنبي.. يحيى خلاص مات و احنا عمرنا ما عرفنا غيره.. مافيش داعي ندمر حياة أقرب الناس له بخبر زي ده.. احنا مش محتاجين حاجة أصلًا عشان نعمل كده يا رفعت.. أنا مصممة إن كل حاجة تفضل زي ما هي.
صمت “رفعت” متفكرًا بكلماتها.. و بطريقةٍ ما أيّدها و قال في الأخير :
-جايز معاكي حق.. و أنا في جميع الحالات لازم أقف جنبك.. مايكونش عندك شك في كده يا رحمة !
أومأت له شاكرةً.. فسألها :
-طيب انتي قررتي هاتعملي إيه دلوقتي ؟ هاترجعي لندن ؟
تنهدت “رحمة” بحرارةٍ و قالت :
-شمس طول عمرها بتحلم باليوم إللي هانرجع فيه.. هانقعد هنا شوية
ممكن شهر أو أقل.. و بعدين هاخدها و نرجع لندن تاني.. شغلي هناك و دراستها هناك.. حياتنا كلها بقت هناك !
***
صطف سيارته و هو يطلق سبابًا لنفسه.. فقد تأخر كثيرًا و بإمكانه رؤية المشيعين يغادرون ..
و لكن ماذا كان بإمكانه أن يفعل ؟
فلم يعرف بالخبر إلا قبل ساعتان و نصف من صديقه المقرّب “مراد”.. و لأن “عثمان” يُعد صدبقه المقرّب أيضًا فهو قد تجهّز و قطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية في سرعةٍ قياسية ..
رغم كل هذا فها هو هنا ..
صفق “رامز الأمير” باب سيارته بعنفٍ متأهبًا للحاق بصديقيه.. لولا ان استوقفه صوت بكاء أقرب للطفولي في الجوار ..
ألقى نظرة نحو مصدر الصوت.. ليرى فتاة مراهقة.. تجلس بسيارة “جيب” وحدها ..
تبكي بشكلٍ مزري و جذّاب في آنٍ.. ربما صوتها يشي بالطفولة.. و لكن هيئتها و خاصةً شعرها الذي ينتشر من حولها بنعومةٍ كثّة ..
لم يسعه إلا أن يتساءل عن هويتها !
ترى من هي ؟ .. لم يرى أثرًا للنساء هنا ..
و قد أخبره “مراد” بأن “عثمان” قرر ألا تحضر النسوة جنازة أبيه ..
فمن تكون تلك ؟
هل يمكن أن جاءت في جنازة أخرى ؟
هذا إحتمالٌ وارد جدًا …
قلبه امتلأ بالتعاطف فجأة نحوها.. و دفعته مشاعر خفيّة لأن يقترب منها ليراها عن كثب.. ربما يواسيها.. أو يسأل عن حاجتها ..
لكنه و قبل أن يهمّ بذلك.. شاهد سيدة لا تقل جاذبية و أنوثة.. تفتح باب السائق لتستقلّ إلى جوار الفتاة ..
بقى واقفًا بمكانه يحدق.. على أمل أن تلتفت قليلًا فيرى وجهها كله على الأقل ..
ثم و كأنها سمعت أفكاره.. أدارت الفتاة رأسها و تواصلت معه بالعين تمامًا.. لمدة دقيقة كاملة كلاهما يرنو للآخر.. ثم انحرفت السيارة مبتعدة عن مرمى نظره.. خارجة عن طريق المقابر بأكمله …
-رامز !
أفاق “رامز” من شروده على صوت “مراد” ..
إلتفت ورائه ليراه ماثلًا أمامه و في عينه نظرة عتاب.. أقبل “رامز” عليه مبررًا من فوره :
-و الله لسا واصل.. أنا كنت هاعمل عشرين حادثة بسبب السرعة إللي كنت سايق بيها.. بذمتك في حد يوصل من القاهرة للاسكندرية في المدة دي ؟ ده أنا عملت معجزة يا راجل.
مراد بضجرٍ : خلاص.. المهم إنك جيت.. حمدلله على السلامة.
و تعانقا بأخوّة ..
تباعدا بسرعة ليتساءل “رامز” باهتمامٍ :
-فين عثمان ؟
-جاتله مكالمة من القصر.. فريال هانم تعبت تاني و نقلوها المستشفى ف ساب كل حاجة و جري على هناك.
-طيب مستني إيه يلا بينا وراه.
-يلا !
و عادا معًا إلى سيارة “رامز” …
***
الوقت الحاضر …
-شمس !!!
ردد “رامز” اسمها من بين شفاهه المطبقة.. بينما يحدق غاضبًا من حيث يجلس بسيارته أمام قصر آل “البحيري” ..
علمه إنها بالداخل.. و أنها تظن بأن أخيها بقادرٍ على حمايتها منه.. هي حتمًا مخطئة ..
إن كانت والدتها قد نجحت بأخذها منه مرة.. فلا هي و لا أمها و لا حتى “عثمان” صديق عمره.. لا أحد سيحول بينه و بينها مرةً أخرى ..
و هو يقسم على ذلك.. حتى لو أضطر لإقتراف الشنائع !
