رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11 بقلم ميفو السلطان
رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11 هى رواية من كتابة ميفو السلطان رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11
رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الحادي عشر 11
. ما إن قال لها أن الكفل ابن حرام... تجمدت لاحظه ثم اقتربت منه ورفعت يدها وهوت بها على وجهه بصفعة مدوية صمتت بعدها كل الأصوات إلا رنين الضربة.
تجمد عامر مكانه يده ارتفعت لتلمس مكان الصفعة ببطء وعيناه تحولتا إلى جمر مشتعل. لم يجرؤ أحد في حياته على لمسه فكيف بامرأة تصفعه وتهينه لثاني مره في عقر داره وتتهمه في رجولته؟
صرخت وهي ترتجف من الغضب وصوتها يخرج كالقذائف في وجهه...
ابن الحرام ده هو أنت وصنفك. ابن الحرام اللي يقتل أخوه وينهش لحمه.. ابن الحرام اللي مايصونش حرمة أخوه.. ده ابن الحرام ده هو إنت يا ابن الراوي.
هنا لم يحتمل عامر قبضته انغرزت في عنقها وصدره يعلو ويهبط بينما كانت عيناه جحيما لا يرحم. في تلك اللحظة لم تكن مجرد امرأة صفعته بل كانت تحديا لرجولته وجبروت عائلته.. تحديا قرر أن يدفنه حيا بين كفيه.
اندفع وشدها اليه بعنف وعيونه كالجمر ..
أنا هموتك عشان تآني مره لو مديتي يدك هجطعهالك.انا اللي هوجف الرامح انت مفكراني هفأ .دانا عامر الراوي. هبلعك لسانك وألم طايحتك..
كان يعلم انها تتألم وتان من قبضته.. إلا أنها رغم اعتصاره رقبتها اندفعت بلا خوف تنظر اليه في عيونه بغل...
تجمدت الحياة بينهم لم يعد الا الراوي الهاشمي يبرزان أنيابهما..
الا ان هشيم الملوك لا يهدأ رغم جبروت ابن الراوي.. فمدت يدها بحركة سريعه نفضت يده ومسكته من ملابسه وشدتها عن اخرها صارخة....
ابعد عني لافرج عليك خلقه يا عره الرجاله ياللي بتتجبر علي ست ... أنا هكتبه راوي أبا عن جد. وعقد الشقة والقسيمه اللي باسم زوج وزوجة إقرار اعتراف. وأنا مابطلبش منك تكتبه. الواد خلاص اتكتب في سجلات ربنا وجاية بس أقولك استعد عشان الراوي الصغير جاي ياخد حقه من نن عينك إنت ناسي إن القسيمة اللي في إيدي رسمية والنيابة هتقر بصحتها بمجرد ما أرفع قضية (إثبات نسب)
عامر اتنفض من الكلمه.. لكن ملوك كملت بـغل ممتع.... ايه فاكرني هخاف منك.. كنت خفت من الأول... مش بس كدة.. العالم هتعرف إن المستشار بتاع الحق مرفوع عليه قضايا نسب.
شدت علي قميصه بغل.... دانا هجرسكو في كل حته ماهسيبش عيب الا وافضحكو بيه. يا ناكرين العهد والدين.
.
كانت ملوك تنظر لعامر وتتفرس في ملامحه بتحد فما كان منه إلا أن قبض على يدها بقوة وكأنه سيطحن عظامها بين أصابعه فهي ليس لها رادع وهو يهمس بفحيح مرعب... لمّي نفسك ولمّي لسانك.. أنتِ قد المسكة دي؟ ما تخلينيش أمد يدي عليكي. وترجعي تولولي كيف الحريم.
هتفت ملوك بشراسة وهي لا تبالي بالألم طب جرب كدة.. وأقوم شقاك نصين أعملك ربع راجل.
اشتعلت عيناه بجنون وهتف.. لو مفكرانا هنسمع ليكي وتاجي تضحكي علينا.. غايبة سنة وجاية تجري ليه فاكرانا بنريّل يبقى ده آخر يوم في عمرك.
ردت عليه بصرخة هزت كيانه... وإنت برضه آخر يوم في عمرك لو وقفت قصادي.. أنا مابسيبش حقي يا ابن الراوي
هتف بعنف وهو يشدها إليه أكثر... ابن الراوي ده اللي هيربيكي ويعرفك يعني إيه حرمة.
هتفت باحتقار أحرقه.. لما تبقى تعرف يعني إيه راجل الأول.
فقد عامر صوابه وشدها بقوة لتصطدم بصدره صائحا... أنا راجل كفاية ليكي.. وأعرف أخليكي قدامي قطة.
صرخت في وجهه وهي تحاول التملص منه:... قطة تقطع وشك يا بعيد أنت مالك متفرعن كدة ليه .كل إما اقول هبقي بني ادمه والاقي حد أكلمه ألاقي دود قلبك طالع في وشي يقلبني شيطان يقف شيطانك الجاحد .
صرخ بهياج.. عشان إنت وآحده جادره مالكيش لا حاكم ولا رابط.
صرخت.. مانتو موتوه اللي كان حاكمني مات يا ظالم.. أنت بتقعد على المنصة تعمل إيه أنت بتحكم بعدل مين ياللي ما تعرفش ربنا.
صرخ بجنون وقد بلغت ثورته ذروتها... أنا بجعد أحوش أمثالك.. واللي بيتبلوا على الناس.
مسكت يده بعنف وشدته رقبتها.. لما تيجي توجع وعايز تبقي دكر وتخليني اكتم يدك تبقي هنا اخنق يابن الراوي عشان طول ما نفسي شغال ماهتراجعش. موتني هترتاااح موتني وبعد ماتموتني موت الواد والا اقولك الخنقه زي خنقت أبوه.
وبدأت تضغط بيديه تخنق نفسها ووجعها يحمر... وتطبق بيدها علي يديه وهو ينظر اليها برهبه.. وهو ينظر اليها برهبه وهيا تخنق نفسها بيديه بلا خوف..
.
*****
على الجانب الآخر من الباب الصامت..
كان عمار ينهش الممر بخطواته القلقة بعد أن هرب من الداخل يضرب الجدار بقبضة دامية وكأنه يحاول إفاقة نفسه من غيبوبة سحرها. يدور حول نفسه وهو يضرب جدران الممر بقبضته...
أنت جرالك إيه يا زفت بتبص علي إيه ربنا ياخدك دي من ريحه إللي جتل أخوك .. دي عدوتك كيف تسرح في وشها إكدة.. اتهبلت اهدي... هجعد انا ماهدخلش..
لكنه لم يحتمل البقاء بعيدا.... فهب... ايه الهبل ده.. مادخلش ليه مين دي في بلدها تخرجني من داري جوم بلاش جرف.
فدخل مرة أخرى كالإعصار يقتحم الغرفة حاول جاهدا أن يشيح بنظره بعيدا أن ينظر لعامر وهو يتشاجر مع ملوك لكنه كان مسلوب الإرادة تماما. تلك الملاك كانت تمارس عليه جذبا خفيا لا قبل له به شدت خيوط قلبه إليها رغما عنه.
لم يعد يشعر بأحد في القصر غرق في وقفته وبدأ يقترب منها مسحورا بهدوئها . كانت هي تحني رأسها بخجل وانكسار ترتدي ذلك الإيشارب الحريري الصغير الذي حاولت به ملوك إخفاء فتنتها لكن القدر كان له رأي آخر. وهو يفرك حولها بلا هدف يقف علي أحد المناضد يحرك الأواني بجوارها ولكنها كانت في عالمها.
مع انحناءة رأسها انسلت خصلة شعر صفراء متمردة ناعمة كالحرير المصبوب بماء الذهب وتدلت من تحت الإيشارب لتلامس وجهها الرقيق.
في تلك اللحظة التهبت عينا عمار تمنى من أعماق جنونه أن يمد يده ليمسح على تلك الخصلة ليخفيها عن عيون الدنيا ويحتكرها لنفسه. مد يده فعلا في الهواء لسنتمترات قليلة لكنه فجأة انتفض كالملسوع وتراجع للخلف بذعر وكأنه لمس جمرة من نار.
خرج عمار والغل بياكل في قلبه الغل من ملوك ومن الملاك اللي سحرته وهو مش فاهم ليه. انحنى بجسده وهو بيكلم نفسه زي المجنون....
أني انجنيت أني اتلبست فيه إيه؟
التفت للحارس الواقف ينظر إليه بإستغراب وبرق له بغضب....
بتبص على إيه يا زفت أنت...
ثم رفس أحد الكراسي بقوة وهو بيبرطم... دي باينها مهبولة ولا متخلفه معاقه أكيد .. مكموشة وموطية أكيد خرسا.الحيامه حايمه ودي مابتبصش علينا . هتكون إيه غير كده يعني عيله ما بترفعش وشها ليه حد يدخل على حد موطي إكدة؟مش تبص تشوف اللي حواليها تشوفنا مش جايالنا دي .. البت التانيه واجفه حدايه ودي موطيه أكيد خرسا..
كان بيغلي من جوا نار بتاكل في أعصابه وفجأة بص لنفسه باحتقار وهو لابس التيشرت والبنطلون ...
وإنت يا طين إنت.. واجف لابس إيه.. ايه الجرف ده. ماتطلع تتهبب تلبس الميري.
صعد السلم زي الإعصار دخل أوضته وبدأ يلبس بدلته الميري بكل هيبتها وقف قدام المراية يظبط النجوم اللي على كتفه بفخر ورش من عطره الغالي كأنه رايح سيقابل وفدا دبلوماسيا.
. وفجأة وقف مذهول من نفسه بص لخيالُه في المراية بذهول...
إنت مخبول بتلبس الميري ليه إنت أهبل مين دي اللي تلبس لها وتتشيك إكدة ربنا ياخدك.. اخلع انخلعت روحك..
بدأ يفك زراير الجاكيت بعصبية عشان يخلعه بس فجأة إيده اتسمرت مكانها ولمعت عينه بتحدي مريض...
لاه.. ماهخلعش عشان يعرفوا إحنا مين.. آيوه عشان لما ترفع وشها وتشوفني تعرف إننا أعلى منهم ومن اللي جابوهم ويخافو..
ورجع يلبس تآني... توقف مره أخره تخيلها خائفه منه.
قطب جبينه . ... ايه يخافو دي... لاه عيب اكده إنت ضابط محترم لاه مايخافوش يحترموك ويهابوك ايوه .. إنت تلبس بدله آيوه كنك خارج تبان هيبه.. دانت ماحدش يطولك. تبصلك تشوفك مرسوم آيوه أنا لازم اترسم قدامها..
وخلع الميري وانتقي اغلي بدله عنده وبدأ يلبسها ويعدل فيها.
مسك زجاجة البرفان وأفرغ نصفها على نفسه ونزل السلم بخطوات عسكرية بتهز الأرض وهو يقنع نفسه إنه نازل يريهم هيبته لكن الحقيقة إنه نازل يبحث على نظرة واحدة من عيون مليكة تطفئ النار اللي أشعلت النار في قلبه.
عاد عمار ووقف خلف مليكة وقد رأى أخاه تمسكه ملوك من بعنف. اشتعلت النيران في عروقه فصرخ بصوت زلزل أركان القصر... والله عاد.. عاد بتمدي يدك على أسيادك..
في تلك اللحظة دخل الرعب لمليكة في ذلك الصوت الجهوري الذي دوى خلفها. شعرت بانهيار تام فهي التي يقتلها الصوت العالي فكيف بزمجرة ذلك الوحش؟ كانت تسمع صراخ أختها ترتعش.. ظنت أن اختها قد هلكت لا محالة وسط تلك العائلة المتوحشة. لم يتحمل قلبها الرقيق مشهد الصراع فترنحت وفقدت السيطرة على حواسها.
وفجأة أحس عمار بوهن جسدها قبل أن ترتطم بالأرض فاندفع كالسهم ليتلقفها بين أحضانه. سكنت الدنيا من حوله وهو يتأمل وجهها عن قرب. كانت مستكينة بلا حراك كأنها ملاك غلبه النعاس وسط معركة. لم يدرِ ما أصابه وما سر تلك الرجفة التي ضربت كيانه وهو يحملها فورا ويظل واقفا وهي عالقة بين ذراعيه لا يريد تركها.
القاعة كانت عبارة عن لوحة من الوجع والذهول. الجد واقف دموعه نازلة بصمت مش قادر ينطق من وجع قلبه ودموعه تسيل في صمت يحتضن الصغير وكأنه انفصل عن الواقع من فرط القهر ولا يحس باللي حواليه.
وعامر ملوك ماسكة في خناقه وبتصرخ فيه بكل قهرها وعمار شايل مليكة وقلبه بيدق طبول عنيفة دقات مسموعة وكأنها بتعلن استسلامه لشيء مجهول.
الا ان عمار كان في عالم آخر يسمع دقات قلبه تخفق بعنف لم يعهده من قبل. ودون أن ينبس بشفة أو ينظر خلفه التفت وخرج بها بعيدا عن صخب الموت والدمار وكأنه يختطف أغلى ما يملك.
هرب بيها بعيد عن الدوشة والصريخ كأنه بيحميها من عيلته ومن نفسه.
هنا رأي الجد قبضه عامر علي رقبه ملوك فقام الجد فجأة بصوت زلزل الأركان وهو يشير لعامر بتحذير صاعق.. بعد يدك.. بعد يدك بجولك.. اصحك تجرب منها..
وقف الجد وعيونه غارقة في الدموع والوجع وأكمل بصرامة لم يعهدها عامر من قبل.... يدك لو اتمدت على مرت أخوك هجيب الفرد وافرغها فيك يابن فضل.
بهت عامر وتراجع مذهولا من كلمات جده بينما دفعته ملوك بغل بعيدا عنها وهي تلملم شتات كرامتها.
هتف الجد بلهفة وهو يمد يده لملوك: تعالي. شوف ابن أخوك.. ابن الغالي اللي راح تعالي. اسمه إيه يا بتي؟ عمر؟ سمتيه عمر؟
نظرت إليه ملوك بحنان وقد رق قلبها لهذا الشيخ الذي ينهشه الوجع. اقتربت منه وهتفت بصوت خفيض حنون ... أيوه يا حاج.. عمر. عمر ابن حفيدك يا حاج.
في هذه اللحظة اخترق الهدوء صوت نسائي غاضب صرخ باحتقار.. نعم ياختي؟ هو مين اللي ابن ابنه.. أنت جاية تلزجيلنا عيل.. إيه الفجر ده والله مرت عمي فؤادة لما تاجي هتخلص عليكي وتنهش جلبك.
استدارت ملوك ببطء ونظرت لتلك الفتاة التي تقف مشتعلة بالغضب. كانت مها . لم تكلف ملوك نفسها عناء الرد عليها بل أعادت نظرها للرجل الكبير.
جن جنون مها فاندفعت كالمجنونة وأمسكت ملوك من شعرها وهي تصرخ بغل أعمى... ماعتش إلا المصراوية اللي جاية تلزجلنا عيال.. عايزة تورثي فينا يا خطافة الرجالة.
سقطت ملوك أرضا من أثر الهجوم المباغت ولم تكد تفيق حتى وجدت سعدات ومها تندفعان نحوها كذئاب جائعة انهالتا عليها بضربات عشوائية وهما تصرخان بينما ملوك تحاول فقط حماية رأسها وقبل أن تهب وتنقذ نفسها .
هنا انشق سكون المكان بصرخة عامر الذي اندفع كالطلقة وسط الزحام وبقوة دفع مها وسعدات بعيدا حتى تراجعتا للخلف بذهول. وبحركة خاطفة انحنى عامر وجذب ملوك من وسطهم محيطا خصرها بذراعه القوية ليحبسها داخل صدره رافعا إياها عن الأرض تماما.
انتفض عامر وهو يصرخ بصوت بغضب.. بعدي يدك منك ليها انخبلتوا عاد اللي هيمد يده علىها يمين الله لكون جاطع رجبتها.
نظرت مها وسعات بغل فهذه المصراوية باتت الآن تحت حمايته ومن أرادها بسوء فعليه مواجهة عامر الراوي أولا.
كانت ملوك بين ذراعيه كتلة من الارتجاف شعرها المبعثر وثيابها التي تمزقت أطرافها ووجهها الشاحب كانت في حالة ذهول تام. لم تكن ترتجف من الضرب فحسب بل من الغل الذي يأكل أحشاءها ومن تلك الرهبة الغريبة التي اجتاحتها وهي تشعر بأنفاس عامر فوق رأسها وبقبضته التي تحاصرها ليس بقسوة هذه المرة بل بحماية مستميتة.
نظرت إليه ملوك بدهشة استمرت لثوان قبل أن تستعيد شراستها. ابتعدت عنه وقفت غاضبة ونفضت ثيابها ثم وجهت نظراتها لمها باحتقار وقالت...
ودي مين السحلية دي كمان إيه بيت العقارب ده.. روحي يا شاطرة لما الكبار يتكلموا العيال يخرسوا.. وغوري من قدامي عشان ممكن أحطك تحت رجلي أهرسك.
صرخت مها بمرارة وحقد.. إيه مش أنتِ اللي خطفتي عمر وهو مكتوب لبت عمه؟
هتفت ملوك بسخرية لاذعة وهي تنظر لندى من أعلى لأسفل.. والله لو كان شايفها عدلة كان عبرها..
جن جنون مها وصرخت.. دي ندي الراوي.. انما إنت إيه كيف ما جال عامر عليكي لما مشيتي جربوعه بتاعه فلوس.
ارتد عامر وجحظت عيناه فهو لم يقل ذلك وهمت أن تهجم عليها مرة أخرى ولكن عامر تصدى لها ودفعها بعيدا وهو ينهرها بصرامة... لمي نفسك بقه.. عشان إني مش هسكت.
في تلك اللحظة صرخت سعدات والدتها والشر يتطاير من عينيها وهتفت بصوت حاد.. .. مين دي اللي جاية تبجح وتجول كدة أنتو مفكرانا إيه.
انفجر عامر فيهم صائحا بجبروت... ماعايز حرمة تنطج في الدار ولا تجرب منها فاهمين.
وسط هذا الصخب اتجهت ملوك للجد ومدت يدها لتأخذ صغيرها وقالت بمرارة... هاته يا حاج.. الظاهر إني غلطت لما فكرت آجي هنا.
لكن الرجل العجوز شدد قبضته على الطفل وكأنه يمسك بروح عمر العائدة وصرخ بصوت عالي هز أركان السرايا...
اللي هيفتح خاشمه هكون راميه برات الدار ويبقي يوريني نفسه.. إني سعفان الراوي ماهعرفش أمشي كلمتي على داري.. يبقى اجفلها أحسن لموا نفسكم.. وأنتِ يا سعدات لمي بناتك فاهمة.
استدار الجد ونادى بقوة.. فين نجوان؟ حد يجيب نجوان.
نزلت نجوان مسرعة والدهشة ترتسم على وجهها.. جدي.. طلبتني يا جدي؟
هتف سعفان بلهفة وأعطاها الطفل... تعالي يا بتي.. خديه. ابن أخوكي عمر.. خديه شيليه وسمي. أمانة أخوكي يا بتي.
ترقرقت الدموع في عيون نجوان وهي تتسلم الصغير بذهول.. إيه؟ أمانة أخويا عمر.. عمر عنده عيال عمر حبيبي ونور عيني عنده عيال.
قاطع اللحظة صوت عامر الجامد وهو يراقب المشهد بريبة... لسه هنتوكد.. ماضامنينش جابته منين دي..
نظرت إليه نجوان بأسى ثم نقلت بصرها لملوك واقتربت منها بخطوات مهتزة وهي تهمس برجاء.. ابن أخويا صوح بالله عليكي ابنه.. مش كدة؟
أحست ملوك بالعطف على تلك الفتاة فهي حانية بشكل غير متوقع في هذا البيت القاسي. همست بلين... أيوه ابن عمر.
احتضنته نجوان وشعرت بحنين جارف فهي كانت الأقرب إلى أخيها وكانت بقلب كالذهب تحس بنقص حنان بعد فراقه فقد أحبته حبا جما ولم توافق أبدا أن تكون لغيره. إنه الحب والوفاء الذي يسكن روحها.
استدارت لأخيها عامر ونظرت إليه بعتاب مرير... إيه عايز إيه يا عامر؟ عايز تنكر ابن أخوك للدرجادي مابتحسش؟ أنتو جاحدين ليه كدة؟
هتف الجد بحزم قاطع صوته بوقار يفرض الصمت على الجميع.. ومين جال إننا هننكر؟ عمر يبقى ابن عمر وهيتربى اهنه وسط أهله وناسه واللي ينطج بحرف ملوش مكان في الدار دي واصل.
رجف قلب ملوك من كلمات الجد وشعرت ببرودة تسري في أوصالها وخطر يهدد وجودها. أيعقل أن يحرموها من قطعة من روحها... هو بيقول إيه؟ يتربى فين؟
صرخت تلك التساؤلات داخل عقلها قبل أن تنطق بذعر وهي تحاول استيعاب الموقف.... إيه يا حاج يتربى هنا إزاي أنا كل غرضي من الزيارة إني أعرفكم إن ليكم ابن تيجوا تزوروه وتشوفوه وأشيلكم على راسي من فوق، لكن يتربى هنا دي مستحيلة.. مستحيلة يا حاج.
خطا عامر نحوها تسبقه هيبته الطاغية وجبروت لا يلين وهتف مقاطعا بحدة.. هنجرر يا جدي.. يتربى فين بس لما نتوكد الأول.
نظرت إليه ملوك ببعض الرهبة وهتفت محاولة استجماع شتات نفسها.. واللي هو إزاي ماتديني فكرة كدة هتتأكد إزاي يا حضرة المستشار؟
أجابها عامر ببرود وجفاء وعيونه تخترق عينيها كأنها نصل بارد.. الواد لازمن نعمله تحليل DNA نتوكد إنه ابننا ومن دمنا.. وبعديها يحلها حلال.
بهتت ملوك وتراجعت للخلف وهي تشعر بغثيان يكتسح روحها. كيف تضع ابن أختها في موقف الشك المهين هذا؟ كيف تفعل بنفسها ذلك؟ ألهذه الدرجة قلوبهم لا تحس ولا ترحم؟ اندفعت نحو نجوان وهتفت بصوت كالرعد... .
... هاتي الولد.
انكمشت نجوان في مكانها وضمته بخوف... . أجيبه فين ليه عايزاه. ده ابن أخوي سيبيه.
هتفت ملوك بقوة وقهر وهيا تشد عمر من نجوان... . لا مش ابن أخوكي أنا غلطت إني جيت.. غلطت لما فكرت أجيبه يتحط في موقف إنه يتقال عليه إنه ابن حرام وفوق ده كله يتحلله.. عشان لما يكبر ويسألني أهلي دول إزاي أقوله دول كانوا رافضينك ومادخلوش حياتك إلا لما حللولك وفتشوا في دمك؟
صرخ عامر في وجهها بجبروت وعيونه تمتليء بالغضب... أمال عايزانا نجبلكو من الباب للطاج إحنا عيلة الراوي يا مصراويه ومايدخلش وسطنا حد إلا وإحنا خابرين أصله وفصله زين.
هنا تدخل الجد سعفان وضرب بعصاه الأرض بقوة ليلجم ثورة حفيده وهتف بصوت جهوري... أيوه نجبلهم ونحطهم على راسنا ومافيش كلام تآني. مش عاجبك يا عامر خد بعضك وخد أي حد إن كان وهملوا داري... دي داري وإني اللي أجول مين يجعد ومين يمشي.
التفتت ملوك للجد وهتفت بحرقة ومرارة... ومين قالك يا حاج إني عايزاه يبقى عم ابني مين قال.. عارف يا حاج.. لو حفي كدة على وشه لو ركع قدام الواد ولو مسك سلوك الكهرباء ماهخليهوش يبقاله عم.. العم سند وكبير وده مش سند.. ده يخوف ماعرفش الإحساس بيقولوا نعمة ابني للي حس بيه وبوجعه يا حاج.
ثم استدارت نحو عامر بنظرة تحد كاسرة واندفعت نحوه جذبت شعرة من رأس الصغير واتجهت إليه.. وأمسكت يده بعنف فارتجف من لمستها التي بدت كلسعة نار وقالت بصوت يملؤه الاحتقار..
خد يا بيه.. خد وحلل واشبع تحليل. ماهي الجثة لما بتتحلل ماعادش ليها لازمة. وأنتو جثثكم اتحللت من زمان.. يوم ما موتم جوزي كل ذنبه إنه حب كل ذنبه إن قلبه كان بيدق.
خد وروح اعمل واقلب الدنيا ويا ريته ما كان ابنكم والله يمين الله ما كنت هعتبها ولا أدوس ليكم طرف.
تابعت ملوك بصرخة قهر هزت كيانه وهي تشير إلى الصغير... حلل للواد يا بعيد.. بس يمين تلاتة لما يكبر لاقوله بالحقيقة كاملة.. هقوله عمك قتل أبوك.. ولما جيت ليهم عشان يعرفوك شككوا في عرض أمك وحللولك دمك عشان مش قابلين بيك.. دفعته كتفه بعنف.. أنت ليه يا جدع جبروت كدة.. قلبك ده إيه حجر أسود؟
صرخت بألم شق قلبها... هكون جايباه منين يا بيه قول ليك قلب تقول.. ايه للدرجادي شرف أخوك بتمرمغ فيه.. ايه نمت مع حد تآني وجتلك بعيل يا جاحد .
اقتربت من وجهه أكثر وعيناها تلمعان بتحدٍ مرعب... حلل يا سيادة المستشار.. دأنت لو حللت لنفسك هتلاقي جوه عروقك قسوة الدنيا كلها.. بس عارف.. لما تحلل وتتأكد وتلاقيه ابنكم ومن صلبكم يحرم عليك لمسته.. يحرم عليك تبقاله سند أو ضهر ابني هيفضل من غير سند وهعلمه إزاي يبقى سند نفسه. هطلعه راجل شريف وعهد عليا قدام ربنا اخليه حقاني وشريف مابيدوسش على الغلابة ولا بيشكك في الأعراض.
أنهت كلامها وهي تنفض يدها من يده باشمئزاز وقالت... ولما يكبر ويشد حيله ماهخليش لسانه ينطق بكلمة عمي دي .. هخليه ينسى إن ليك وجود ويوم ما تلمحه في طريقك هتشوف في عينه النظرة اللي تكسر قلبك النظرة اللي تقولك إنك ولا حاجة في دنيته.. روح حلل يا ابن الراوي روح ضيّع وقتك في الورق وأنا هضيّع عمري في إني أمحي أثركم من حياة ابني للأبدِ.
تسمر عامر في مكانه وكأن صرخاتها كانت سكينا اخترقت دروعه . ولأول مرة في حياته شعر هذا المستشار الصلب بـ هزة عنيفة تضرب ثباته لم تكن الكلمات مجرد توبيخ بل كانت مرآة قبيحة وضعتها ملوك أمام وجهه ليرى فيها قسوة قلبه.
شعر عامر ببرودة غريبة . تطلع إلى خصلة الشعر في يده ثم نظر إلى وجه الصغير فشعر بغصة مريرة في حلقه فكرة أن هذا الطفل سيكبر وهو يحمل له هذا الكم من الكره وأن لقب القاتل سيسبق لقب العم جعلت الأرض تهتز تحت قدميه.
داخله صراع عنيف كبرياؤه يمنعه من التراجع لكن إحساسا دفينا بالذنب بدأ ينخر في صدره. ظل واقفا صامتا وعيناه تلاحقانها بذهول عاجزا عن الرد أو حتى عن إغلاق قبضته على تلك الشعرة التي أصبحت فجأة أثقل من جبال الصعيد كلها.
هتف سعفان محاولا تطييب خاطرها بوجع.. بطلي يا بتي.. تحليل إيه اللي هنعمله عمر ابن ابني وهيتشال أهنه عالراس تقعدوا معززين أهنه ليكم كيفهم بالضبط.
نظرت ملوك إلى الجد بامتنان حقيقي لكنه امتنان ممزوج بالإصرار على الرحيل وقالت:... بس أنا مش جاية أقعد يا حاج.. أنا ليا حياتي ودنيتي أنا مش جاية يبقالي حاجة ولا عايزة حاجة.
اقتربت منه أكثر وهتفت بصوت يملؤه الصدق والوفاء...
كفاية عليا مشاعرك يا حاج فعلا عمر قالي جدي غيرهم. هيفرح بيكي وهيفرح بإني لقيت نصي التاني. أنا عملت اللي عليا يا حاج وجيت أعرفكم إن فيه أمانة وبقولهالك تاني.. أنا مش عايزة منكم حاجة ورحمة الي تحت التراب ماحد منكم مليم ولا لابني. هشتغل واصرف عليه بقرش مش مسموم مبصوص فيه لابني يربي في عروقه القسوه. انا عاهدت عهد مشكلتي مابعرفش اخون عهدي ..ولما تحب تشوف ابن ابنك هديك عنوانه تيجي في أي وقت وتملى عينك منه. ولو ماقدرش هجبهولك كل شويه لحد عندك.
في هذه اللحظة انفجرت نجوان في بكاء مرير ودموعها تسيل بغزارة وهتفت... نيجي فين إنتِ عايزة تاخدي روحنا. عمر كان روح البيت عمر كان أخويا وابني وعمر ابنه حتة منه عايزة تشدي روحنا وتمشي؟ أبوس يدك يا خيتي اجعدي والله هنبقي كويسين والله هنعملك إللي تطلبيه مش كده يا جدي. والله اخوي مش اكده والله هو مش فاهم دا أخويا سند وضهر مابيسيبوش إللي يخصه.
ردت ملوك بمرارة ... نظرت إليه نظرة نهشت قلبه.. نصيب ابني ابوه مات وما عاد يخص حد.... وغصب عني أنا ماهقعدش مع دول في حتة واحدة أخاف على ابني منهم ومش عايزة منهم حاجة ولو حابة تنوريني في بيتي تنوريني.
اقتربت ملوك وسحبت عمر من بين يدي نجوان فتعالى صوت بكاء نجوان ونحيبها الذي قطع نياط القلوب، ليهتف الجد سعفان بصوت متهدج ومستنجد... لا يا بتي ماتاخديهوش ماتاخديش روحي مني يا بتي الدار مالهاش حس من غير ريحة الغالي. هشيلك علي راسي. ابننا ماترباش بعيد.
نظرت ملوك إلى الجد بعينين يملؤهما الأسى وهتفت.. معلش يا حاج أنتو ليكم ابن عندي تبقوا تيجوا تشوفوه غير كدة مالكوش حاجة عندي أنا راجعة بلدي واللي عايز يبقى يتفضل أنا كدة همشي وعملت اللي عليا.
هاج عامر واندفع نحوها كأن بركانا قد انفجر في صدره لم يكن غضبه وحده هو المحرك بل كان هناك شعور خفي بالذعر من فكرة خروجها من ذلك الباب واختفائها للأبد. صرخ بجنون زلزل أركان القاعة... رايحة فين أنتِ؟
ردت ملوك بصرخة لتبين قهرها وضيقها منه... ابعد من وشي بقولك أنا جبت أخري منك.
وقبل أن تبتعد كانت قبضة عامر قد انغرزت في ذراعها بامتلاك عنيف وصاح بصوت يرتجف بغير قصد... أنتِ مفكرة إنك هتمشي أنتِ ماهتمشيش من اهنه واصل.
دفعت ملوك صدره بكل قوتها وهي تصرخ في وجهه... ماتوسع يا جدع أنت أقعد فين يا مخبول أنت.. فاكرني هحبس نفسي في بيت غيلان؟
كان عامر يقيد حركتها بقوة تجعلها تلتصق به فهتف وهو يكتم أنفاسه. تجعدي.. ماتمشيش وتكتمي لحد ما نشوف صرفة في اللي إحنا فيه.
ردت عليه بلسانها السليط الذي لا يخشى جبروته.. كتمة تقطع وشك وتشوف إيه؟ ماتشوف يا رب تعمى اوعى ايدي.. أنا غلطت إني جيت دأنتم عالم مسعورة مابتعرفش الرحمة.
شدها عامر بعنف أكبر حتى أصبح الصغير بينهما يكاد يختنق من تلاحم أجسادهما ملامحه كانت مزيجا من الغضب والتمسك المستميت وهتف بنبرة بدت كوعيد..... جولت ماهتمشيش.. بروحك تطلعي من اهنه.. رجلك ماهتخطيش بره الدار دي طول ما فيا نفس.
كانت يده ترتعش فوق ذراعها وكأنه يخشى لو أرخى قبضته لثانية واحدة ستتبخر هي وابن أخيه ولن يراها مره اخري.
دفعت ملوك صدره بكل قوتها وهي تصرخ احتقار.. ابعد يا مخبول مش لسه قايل عليا نصابة؟.. أيوه أنا نصابة أوعى يدك منك لله سيبني أغور من وشك.
كانت قبضة عامر على ذراعها كالقيد الحديدي لم يتزحزح إنشا واحدا واقترب بوجهه منها بأنفاسه الغاضبة وهو يهتف بمرارة...
لما أنتِ خابرة نفسك نصابة جاية اهنه ليه وجايبة الواد ليه؟
صرخت فيه وهي تحاول التملص من حصاره... أنا غلطت وأديني هغور بكرامتي.
لكن عامر شدد قبضته أكثر وعيونه تلمع بجنون وغيرة مستترة وقال بنبرة آمرة لا تقبل الجدل... لأه.. مش بكيفك بقة عشان أنا اللي أجول تمشي ميته وتجعدي ميته وأنا جولت ماهتمشيش.
في تلك اللحظة كانت مها تشتعل غيظا وهي ترى تمسكه بها فصرخت هستيرية... ما تسيبها تغور في داهية يا عامر أنت ماسك فيها كدة ليه.
بينما تدخلت سعدات والدتها لتصب الزيت على النار ووجهت كلامها لعامر بسخرية...سايب نفسك يلين ليها ليه يا واد فضل.. مش دي اللي جولت عليها نصابة وحرامية وبتاعة نوم وجلة أدب...
تسمرت ملوك مكانها ونظرت لعامر بنظر مزيج من الهياج والصدمة.... وتجمد عامر لينتفص عندما....
*****
