رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12 هى رواية من كتابة ايه العربي رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12

رواية صياد النايا ال حانا بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثاني عشر 12

يا أخي؛ أقلبك هذا أم حجر؟ أنسيَ من علمك القسوة أن يعلمك ذرةً من حنان ؟ 
أتفتخر بانكساري وتخجل من دلالي؟
 أتراقبني عيناك فقط لتصطاد أخطائي؟ 
يا أخي؛ أتملُ من عتابي؟ وإن التزمت الصمت تعلن غيابي؟ 
أنا هنا، أتسمعني؟ أتفهمني؟ أتشعر بي؟
 أم أنك اعتدت العبور فوق روحي لاستسلم، وأتنازل عن حقي، وأعلن انسحابي؟ 
يا أخي؛  هل أنت ابن أبي وأمي حقًا ؟ أم أنني خُلقت كندبة ظهرت في حياتك فقررت شطبي؟ 
أم ظننت أنك أحق بالحياة مني، فاستكثرت أنفاسي وحاولت سلبها وسحقي وحرقي؟ 
أنا هنا، سأبقى، سأنتظر، سأراقب الطرقات، إما أن تعود بِحُبك لي غدًا ، أو ترحل للأبد  .

بقلم آية العربي

❈-❈-❈

جالسًا بين والدته وشقيقته في صالة منزلهم يتناولون العصير بعد الطعام ، يتحدثون عن مودّة، ولأنه اعتاد حمل الهم عنهما، فهو يفكر فيها بنفس المنطق، بالاضافة إلى عشقه الذي يضاعف قلقه عليها  .

كان منشغلًا بكيفية الاطمئنان عليها حينما نطقت نجلاء بعاطفة  :

- صعبانة عليا أوي يا نوح، البنت يا حبيبتي كانت قاعدة امبارح في العزا منطوية في ركن وعمالة تبكي، مابقلهاش حد واخوها باين جدًا إنه قاسي في حقها.

وخزه قلبه عليها وازدرد ريقه يردف وهو ينحني مستندًا بساعديه على ساقيه  :

- عارف، وللأسف أنا مجبر استنى لما الظروف دي تعدي واحدد معاه معاد الفرح، ماينفعش تفضل عايشة معاه طول الفترة دي لوحدهم.

لتضيف ريم بانفعال انكب على ملامحها  :

- أنا بكرة الاخ اللي كدة، مفكر نفسه ليه الحق يعنفها ويتحكم فيها وهو أصلًا ناسي يربي نفسه، أصلًا شكله سمچ ومستفز الله يكون في عون مودّة إنها مستحملة أخ زي ده.

نظرت لشقيقها الشارد قلقًا على حبيبته، واسترسلت مبتسمة بإطراء  :

- ييجي يشوف الأخ الكبير وحلاوته وجماله وحنيته، ربنا يخليه ليا يا ناس.

أجبرته على التبسم فنطق وهو يوميء ويعتدل مستندًا بظهره على المقعد شاكرًا بحرج :

- ده حقكو عليا يا ريم، أنا راجل بيكو مش عليكو.

نطقت نجلاء بعدما مالت قليلًا تربت على ساقه  :

- ربنا يخليك لينا يا بني ويفرح قلبك يا حبيبي .

ربت كذلك على يد والدته يطالعها بحنو، ثم طرأ على عقله أمرًا ما فتساءل بترقب وهو يتفحص ملامح شقيقته  :

- أومال إنتِ مروحتيش الشركة النهاردة ليه يا ريم ؟

قبضت على كوب العصير في يدها وتسلطت أنظارها على شقيقها، حيث تمنت لو لم يتذكر ، ولكنها نوت أن تخبرهما بما حدث معها ، لتكون واضحة ولا تخفي عنهما الأمر أكثر من ذلك ..

وهذا ما يحدث حينما تكون العلاقة بين العائلة علاقة مشيدة على المحبة والاحترام والتفاهم والاهتمام بآراء الجميع حتى الصغير منهم ، دون تشدد يزرع داخل تربة الفرد فينمو على الكذب والخوف ، ودون تحرر مفرط تجني منه ولدًا فاسدًا .

نطقت بعد حمحمة :

- أنا سبت الشغل يا نوح .

قطب جبينه لبرهة بينما صُدمت نجلاء تنطق باستنكار  :

- سبتيه ازاي ؟ مش قولتي مصدعة ومش قادرة تروحي ؟

نظرت لها بخجلٍ وأسف فتساءل نوح بتروٍ  :

- و إيه السبب ياريم ؟

أجابته بعد تنهيدة وهي تميل لتضع الكوب على الطاولة أمامها :

- بسبب مساعدتي لچابر آل حانا ، معتز عرف بيها وقال إنه مبقاش يقدر يثق فيا تاني  .

كان يستشعر هذا السبب، وكان يتوقع أيضًا ردة فعل معتز، لذا أومأ يذكرها:

- انتِ عارفة كدة من الأول إن هما يعرفوا بعض من زمان وبينهم خلاف ، وطبيعي معتز يتضايق ، المساعدة لو حتسبب لنا أذى تبقى تهور ، وانتِ مش متهورة ياريم بالعكس إنتِ ذكية وواعية كويس جدًا،كان الأفضل تبعدي عن سكة جابر تمامًا ..

هكذا نطق بتريث لتتساءل نجلاء بعدما استمعت لكلماته  :

- چابر آل حانا ؟ ابن مين ده في عيلة آل حانا ؟

- ابن الحاچ عبد الوهاب  .

أجابها نوح بترقب وكما توقع وجدها تنطق متنبهة  :

- الحاچ عبد الوهاب ؟ ده راچل سمعته كويسة چدًا ، مافيش حد في الصعيد يختلف على حبه وأخلاقه العالية ، وده ساعدتيه ازاي يا ريم ؟

شعرت ريم بالارتياح من كلمات والدتها التي تؤكد لها أنها لم تخطئ حينما قررت مساعدته ، فهو من المؤكد يشبه والده ، ولكن نوح نطق بتعقل  :

- الحاچ عبد الوهاب كدة فعلًا بس احنا بنتكلم عن ابنه ، ماحدش فينا عارف نوع الخلاف اللي بينه وبين معتز ، إحنا نعرف معتز كويس بس مانعرفش چابر ، إنتِ فاهمة كويس إن مجال الأمن السيبراني بيبقى سري واقل معلومة ممكن توقع سيستم الشركة كله .

نطقت مدافعة توزع نظراتها بينهما  :

- بس انا مستحيل اطلع أي معلومة عن الشركة برا ، أنا مش غبية يا نوح علشان اعمل كده .

- عارف طبعًا ، وبردو متفهم حذر معتز برغم اعتراضي على موقفه منك عند أول غلطة كدة .

- طب اعمل إيه ؟

تساءلت بحيرة فنظر لها مستنكرًا ثم هذه منكبيه وتساءل  :

- احكيلي هو عرف إزاي  .

قضمت شفتيها في توترٍ ثم بدأت تخبرهم بمجيء جابر إليها أسفل الشركة كي يدعوها إلى حنة شقيقته، ليستاء نوح من تودد جابر لها، إن كان يكن لها مشاعرًا فلمَ لا يسلك طريقًا واضحًا؟ أم أن له نوايا أخرى؟ يجب أن يسأل عنه قبل أن يحكم، ليأخذ تنهيدة ثم ينطق حذرًا:

- حتستني وتشوفي ايه اللي حيحصل ، ماينفعش تاخدي أي خطوة دلوقتي .

زفرت بضيق وعبوس تنظر لوالدتها التي تطالعها بعتابٍ صامت لأنها أخفت عنها أمر جابر آل حانا ، بينما نوح يطالعها بشك ويخشى ألا يكون الأمر مقتصرًا على المساعدة فقط بالنسبة لها..

❈-❈-❈

القوة التي دفعته بها أرضًا لا تمتلكها نوارة قط ، حيث ظل مكانه لبرهة ، وطرأ على عقله معالجته لبعض الشباب ، وما يراه وما يحدث معه ، ليوقن أن مفعول السحر على البنات أشد بؤسًا ، يرفضون علاجها ويرفضونه كذلك  .

ليعود لما قبل شهر حينما جاءت إليهم صابحة تلقي بطلبها عليه وعلى والدته آنذاك  ...

عودة إلى الماضي...

بعد أن ألقت صابحة طلبها الصادم والمفاجئ بالنسبة لهما ، نظرا لبعضهما نظرة خاطفة ثم طالعتها منصورة تتساءل باستفهام وجنود التعجب ترتص فوق ملامحها  :

- جلجتيني يا صابحة ، نوارة فيها إيه ؟

تلجمت بعد طلبها هذا ، وباتت توزع نظراتها عليهما بتوترٍ وثقل ، لا تصدق أنها فعلت وعرضت وحيدتها عليه للزواج ، ليتفشى الخجل على وجهها ، خاصةً مع ردة فعليهما .

كان هذا يحدث تحت نظر يونس الذي لم يصدق أن صابحة جاءت إليه وأهدته أمنيته على طبقٍ من ذهب ، لينطق بانتعاش مصرحًا لهما كي يخفف من وطأة خجلها :

- لو كنتِ استنيني بعد فرح عمار وفرحة كنت حاچي واطلبها بنفسي يا خالة صابحة ، أني محلاچيش أحسن من نوارة بنت خالي تبجى زوچة ليا .

انفرجت أساريرها وابتسمت تتنفس بارتياحٍ ، ثم نظرت له تنطق باستفاضة  :

- وهو ده يا ولدي اللي خلاني اجي واطلب طلبي دي منيكم ، أني ماصدقت الصلح تم ، وعارفة إنك ميال لبتي من زمان ، وأني كمان محلاچيش أحسن منك ولا من منصورة تحافظوا ع بتي وتحموها  .

عادت منصورة تكرر سؤالها وهي تضم أصابعها في استفهام  :

- مالها نوارة يا صابحة ؟ فيها إيه طمنيني ، أني خبراكي زين ، ماتچيش بنفسك وتطلبي الطلب ده غير للشديد الجوي ..

فركت كفيها واستعدت لتبوح  :

- حجولكم يا منصورة ، بس أمانة الحديت ده كلياته مايخرچش برانا احنا التلاتة واصل  .

- اطمني  .

قالتها منصورة متأهبة لتعرف أسبابها وكذلك تأهب يونس لسماعها فنطقت بملامح حزينة  :

- بتي حالتها لا تسر عدو ولا حبيب ، ولاد الحرام أذيينها ، لفينا ع الدكاترة كله جال ماعندهاش أي حاچة ، بس نوارة ماكنتش إكده ، دلوك علطول مصدعة وراسها تجيلة وبتنام كتير ، لدرجة لما بحط يدي على راسها علشان أرجيها مابتتحملهاش ، وبجت تجطع في الصلاة وتحلم بكوابيس وتجوم تصرخ وعلطول تايهة وأهملت حتى في دراستها ؛ واخر حاجة لما وچعت جدامك يا يونس ، أني مامتحملاش اشوفها اكده ، خايفة عليها جوي  .

نظرت إلى منصورة وتابعت  :

- مهواش سهل عليا واصل إني اچي اطلب يونس لبتي ، بس أني عجلي حيجف من التفكير بجالي كام يوم ، وفي الآخر ربنا هداني للحل ده ، أني خابرة زين إنك رايدها يا ولدي ، وبردك جلبي بيجول لي إن شفاها بأمر الله حيبجى على يدك ، علشان إكده چيت دلوك  .

استند يونس على كفيه يفكر ، هل حبيبة قلبه مسحورة ؟ هل أحد فقد ضميره وفعل لها هذا الكفر ؟

زفر بضيق فهذه الأفعال كثرت في محيطه ، وهو بالفعل كان ينوي التقدم لطلبها بعد زفاف عمار وفرحة حتى لا يبدو مستغلًا ، ولكن بعد الآن لا يمكنه أن ينتظر ..

رفع رأسه يطالعها بثقب وتساءل  :

- ونوارة عارفة ؟

هزت صابحة رأسها بلا تجيبه  :

- مهياش مصدجة ، بتجول إن ماحدش مهتم ولا شاغل باله يعملها سحر والحديت الفارغ ده ، هي مفكرة إن فيها تعب ماحدش فاهمه ، وأني حاسة إن اللي فيها ده حد عمله

- حد زي مين يا صابحة ؟

تساءلت بها منصورة بنبرة يكسوها الحزن على حالة نوارة، ليقاطعها يونس بعتاب  :

-  مش سكتنا دي يا أمي ، ماحندخلش في علم الغيب لا سمح الله   .

أومأت مؤيدة فقد خانها حزنها لتسأل، لتطالعهما صابحة بتوترٍ وتقرر أن تخفي شكوكها ، لن تفعل ، يجب أن تمتلك دليلًا قبل أن تتهم نجوى .

نظر لها يونس واسترسل بهدوء :

- خليها على الله ثم عليا يا خالة صابحة وربك كريم ، بإذن الله حعمل كل اللي ربنا يجدرني عليه ، وماتخافيش كله بأمر الله، بس لازمًا اطلب يدها من خالي الأول .

نطقها مبتسمًا أومأت تبادله بارتياح، ثمجلسوا يتحدثون بعد ذلك عن أمورٍ أخرى خاصةً حينما عاد أيوب إلى المنزل  ..

عودة إلى الحاضر...

تنفس مطولًا واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم وقبل أن ينهض وجدها تنتفض وتترجل وترنو منه باكيةً ومعتذرةً وهي تتحسسه  :

- يونس أني أسفة ، ماعرفاش عملت إكده كيف .

كانت تبالغ في أسفها فحاول تهدأتها ونهض بها يعود للفراش، يحتويها وينطق بحنانٍ مفرط ويده تسبح على خصلاتها  :

- هششش اهدي يا جلبي ، عارف إن ماجصدكيش ، حجك عليا أني .

كانت تتنفس بشكلٍ مفرط فظل يمسد عليها ويهدهدها ويشدد من احتوائها مرددًا كلمات معينة بصوتٍ خافت إلى أن سمع صوت أنفاسها تتباطأ فنظر لوجهها ليتأكد من نومها ، نامت على صدره بشكلٍ سريع وعميق .

نزل بنظره نحو ساقيها ليجدهما ملتفان حول بعضهما بشكلٍ متصلب ويفترض أن يكونا مرتخيان ولكنه يعلم السبب جيدًا،من فعل هذا السوء لا يريد لليلتهما أن تكتمل ، أطلق زفرة مطولة وقرر أن يتحدث إلى صابحة غدًا  ..

❈-❈-❈

كانت تجاور زوجها على سريريهما في غرفتهما ، يحاول أن يمتص قلقها البالغ على عمار ، إلا أنها كانت مصابة بفرط الحركة نسبةً للسيناريوهات المخيفة التي ينسجها عقلها  .

نطق بلسانٍ حكيم  :

- يا صابحة استهدي بالله ونامي ، بجولك إني مأمنه زين ، تفتكري ولدك ماحيجدرش يحمي نفسه من حرمة ؟

التفتت تباغته باستنكار موضحة سبب خوفها  :

- بيحبها يا عبده ، ولدك بيحبها وجلبه معاها ، ممكن بسهولة تغدر بيه وهو هيمان في عيونها اللي كيف الزمرد ، سحرته بعيونها واللي كان كان  .

إنها تمدحها دون رغبة،ولكن هذه حقيقة، عيون فرحة هي من جعلته يخرج من ثُقب الثأر إلى نفق الحب المظلم هذا ، ليمد كفه يمسك بكفها ويربت عليه مطمئنًا بنبرة رصينة  :

- همليه يحبها ، إحنا كنا مصدجين إن عمار ولدنا يحب ويعيش حياته كيف الخلج! خليه يحبها وحبه ده هو اللي هيلين جلبها ، وحييچي وجت وتفهم إن أخوها مهواش بريء و إن عمار ماجتلوش غدر  .

سمعت صوته يأتي من الخارج وهو يردد بنبرة مزاجية مبهجة  :

- عشايا فين يا خالة رتيبة ؟ ينفع إكده عرسان ينامو على لحم بطنهم بردك  .

قفزت من فوق الفراش تنطق وهي ترتدي مئزرها السميك  :

- حطمن عليه وچاية .

زفر عبد الوهاب يضرب كفًا بكفٍ باستسلام، بينما تحركت هي نحو الخارج لتراه ، وجدته يقف على عتبة المطبخ ويتحدث إلى رتيبة ممازحًا حيث تبادله الضحك وتجهز الطعام قائلة بحنان  :

- يا ولدي وكلك چاهز أهو وكنت حچبهولك دلوك  .

تقدمت نحوهما ونطقت وهي تتفحص الأطباق المرصوصة فوق الصينية  :

- ماتنسيش اللي جولتلك عليه يا رتيبة  .

أومأت لها، بينما التفت عمار يطالعها فوجدها تتفحصه بعيني الخوف فأمسك برأسها وانحنى يقبل جبينها وينطق باطمئنان واستفزاز في آن  :

- يا ست الكل لاجل خاطر حبيبك النبي تهدي وتريحي بالك ، ولدك مسيطر سيطرة كاملة ماتجلجيش واصل .

باغتته بحدة ونطقت تعنفه بقلبٍ منفطر  :

- عليه الصلاة والسلام ، شيفاها زين يابن بطني ، سيطرتك مجوية جلبها ، يطلع بس النهار وربك يحلها .

ابتسم ثم مال على أذنها يهمس  :

- ماحدش يصحينا بدري ، هملوني نايم في حضن عروستي لحد مافوج براحتي .

التقطت كلماته بابتسامة تهكمية وهي تجيبه وتربت على صدره  :

- جصدك حضن الحية  .

- الصينية چاهزة يا ولدي  .

نطقتها رتيبة فالتفتت صابحة تتفحصها بعناية لتجد طبق الفاكهة موضوعًا دون سكين فأومأت وتنفست بارتياح ليطالعهما عمار باستنكار قائلًا  :

- وه ؟ حنجطع الفاكهة دي بإيه ؟ خدي الطبج ده يا خالة بلاها منه ، أني معايا رمانتي فوج  .

غمز لوالدته التي زفرت ونطقت بنفاذ صبر  :

- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ابتسم وحمل الصينية وتحرك نحو الأعلى ووقفت تطالعه بقلقٍ وتدعو ربها أن تمر ليلته بسلام  .

دلف غرفته فوجدها تنام وتتلحف بالغطاء ، تقدم من الطاولة يضع عليها الطعام ثم تحرك خطوتين باتجاهها ونطق مترقبًا  :

- ماتناميش من غير وكل يا فرحة ، أكيد ميتة من الچوع ، يالا جومي كلي لجمة  .

كانت مستيقظة ولكنها لم تعِره أي اهتمام ، كأنه غير مرئي أو مسموع، ليعاود التحدث بنبرته الحنونة التي تثير استفزازها أكثر  :

- طب احطلك صابع كفتة في لجمة عيش وكليها وانتي مطرحك اكده ، ماشي ؟

تسمعه ، وقلبها يفور ويغلي ، وبرغم هذه المشاعر المتقدة إلا أن عقلها لا يستوعب أمره وكلماته ، ظنته سيتحداها، ويتشفى فيها بالزواج منها ، ولكنه يتعامل كما لو كان رجلًا نبيلًا عاشقًا ، هل يفعل لينجو بنفسه ؟ وهل هذه الطريقة إحدى حيله للإيقاع بها ؟ من المؤكد لديه خطة وهدفًا ، يظن أنه بهذه الأفعال سيجعلها تعلن استسلامها وتنسى ما فعله ، ولكن هيهات يا ابن الحنانوة  .

في زخم أفكارها شعرت بقربه منها فانتفضت ترفع عنها الغطاء ، تباغته بعداءٍ وتحذره بعينيها بألا يقترب ، ولكنه فعل واقترب منها ، بغير تحكمٍ في نفسه ، عيناها تجذبه بقوة خفية ، وقلبه المتعطش لحبها يُستقطب نحوها كفراشة تهفو نحو النيران  .

أطلقت عيناها شرارات تحذير عدة ، بألا يقترب ، بألا يفعل وإلا ستكون العواقب وخيمة ، ولكنه ظل يتابع ، حتى إن يده امتدت لترفع عنها الغطاء قاصدًا جعلها تنهض لتأكل لأنه يوقن أنها لم تتناول الطعام طوال اليوم .

ولكنها كانت تدس يدها ببطءٍ أسفل وسادتها لأنه لم يبالِ بتحذراتها، لذا ما إن وصلت يده إلى الغطاء حتى وجد خنجرها يظهر فجأة ويجرح أصابعه جرحًا يبدو سطحيًا ولكنه تسبب في انهمار الدماء منه، فسحب كفه في الحال، و قبض عليه يجز على أسنانه ، بينما هي أسرعت ترفع الغطاء عليها وتخفي نفسها بالكامل أسفله ، قلبها ينبض بصخب ، جرحت أصابعه الأربعة ..

هو من اقترب ، هو الباديء ، اهدئي فرحة ، هو من جعلكِ تفعلين ..

وعت إلى نفسها فجأة ، تستنكر أفكارها وتبريراتها الداخلية ، لتغضب من حالتها هذه ، لمَ كل هذه التبريرات ؟ فلتجرحي يداه ولتقطيعها أيضًا دون أن يرف لكِ جفن ، وإلا فكيف ستقتلينه ؟

هكذا حاولت أن تهدئ من روعها ، وتحفز نفسها ، لتتباطأ نبضاتها تدريجيًا وتحاول مجبرةً أن تغفو قليلًا ويدها تقبض على الخنجر بحماية  .

أما هو فتحرك إلى الكومود يخرج من أحد أدراجه قطعة قماشٍ قطنية ويلفها حول أصابعه ليوقف النزيف ثم اتجه يجلس على الأريكة أمام الطعام، ولكن عيناه تسافر فوقها ، شبح ابتسامة مر على ثغره ، إن كانت تمتلك الشجاعة لقتله كما تدعي لكانت نظرت في عينيه بعدما جرحته ، ولكنها أسرعت تهرب تحت الغطاء ، إذًا فهي كما ظنها ، تتسلح بقوة خاوية ، تحاوط بها حزنها الكبير على شقيقها ، وهذا أكبر الأسباب التي تجعله يتحمل كل ماتفعله به  .

تنفس مطولًا وعاد بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤووم لتتبدل ملامحه ويغزو الحزن مدينته ، كيف بإمكانه إن يدوس على الجروح التي لم تندمل لكليهما بعد ؟ ...

❈-❈-❈

صباحا

في جزيرة فيلة ، تلك اليابسة الجميلة التي تقع في منتصف نهر النيل ، وتعد مقصدًا سياحيًا ممتازًا ، حتى أنها من أهم المعالم المصرية ، تقع في أسوان ، موقعها مميز بين السد العالي وخزان أسوان مما يجعلها محط أنظار للسياح  ..

وقفت تيا مبتهجة تلتقط عدّة صور للمكان ، من حولها السياح يفعلون مثلها ، البعض يزور المكان للمرة الأولى لذا يبدو الانبهار على ملامحهم ، والبعض ترتسم البهجة التي توحي بأنه قد جاء من قبل وأحب تكرار الزيارة  .

تبتسم بسعادة استحوذت على ظاهرها وباطنها ، فقد ذهب مهران ليتمم إجراءات كتب الكتاب ويعود إليها ، أصبحت على شفا خطوة من الزواج به، وتحقيق هدفها ، ستمتلك القوة والنفوذ والمال لتخرج من هذه الدائرة الهشة إلى تلك الدائرة الصلبة التي لا يمكن لأحدهم كسرها والمرور إليها .

ستعاقب كل من آذاها، وتنتقم منهم بطريقتها ، وتزيح كل من يقف في طريقها ، وتسطو على قلب وعقل مهران فلا يرى سواها ،تعرف جيدًا كيف تفعل ذلك، فهو بالنسبة لها رجل الأحلام وهو أيضًا ذلك الطفل المطيع  .

- تيا  .

ناداها فالتفتت تطالعه بعيون لامعة وابتسامة ناصعة ، ثم ركضت نحوه ووضعت ذراعها على كتفه لترفع الكاميرا بيدها الأخرى وتبدأ في التقاط صورٍ لهما  .

ابتسم وسمح لها لتفعل ، ولكنه لم يرُق له تصرفها خاصةً أمام الناس لذا تحمحم وأنزل يدها بتروٍ يتابع  :

- أني چهزت كل حاچة ، المأذون والشهود هيجابلونا كمان ساعتين في الفندج ، إنتِ چاهزة ؟

أومأت مرارًا تردف بنبرة حماسية ولمعان عينيها كنجوم سماءٍ ليلية   :

- جاهزة طبعًا ، ومستنية اللحظة دي بفارغ الصبر ، يالا بينا علشان نلحق  .

حدق بها لبرهة، هي اختياره، برغبته، من المؤكد سيجد الراحة والسعادة معها، من المؤكد سيشعر بأنه طيرًا حرًا معها  .

تنفس مطولًا يزيح ذلك الثقلٍ الذي يقع على صدره ، والذي يفسره توترًا لطريقة زواجه السرية ، لذا عاد يبتسم ويردف بحماس قراراته  :

- يالا  .

❈-❈-❈

في تمام الحادية عشر

ترجل من سيارته أمام منزلها ، قرر أن يزورها ويطمئن عليها بعدما استمع إلى نبرتها الحزينة ليلة أمس  .

خطا نحو المدخل وصعد الدرجات حتى توقف أمام شقتها ، طرق الباب وانتظر ثوانٍ حتى فتحت له ترتدي نقابها مجبرة ، تطالعه لبرهة فطالعها مبتسمًا يردف بحنان  :

- أزيك يا مودّة ، عاملة إيه ؟

بنبرة متحشرجة علقت أنظارها عليه وأجابته :

- الحمدلله بخير ، اتفضل ، مسعود نايم ، ثواني حصحيه .

أوقفها قبل أن تلتفت :

- أنا چاي اطمن عليكي إنتِ ، خليه نايم .

توترت تفرك كفيها أمامه ونطقت بتلعثم تطالعه  :

- مايصحش بردك ، لازمًا يستجبلك  ، اتفضل چوة لحد ما اصحيه .

أفسحت له فدلف يتجه نحو الصالة ويجلس بحذرٍ ، بينما تحركت هي تختفي في الردهة المؤدية للغرف لتوقظ شقيقها ، ولكنه لاحظ خطواتها العرجاء بعض الشيء فانكمشت ملامحه في تعجب عن سبب ذلك، وانتظرها لتأتي وتفسر له ما حدث معها .

ولكنه انتظر لبضع دقائق ولم تأتِ ، تعجب ونهض يناديها بقلقٍ فخرج مسعود يتجه إليه ويمد يده للسلام مرحبًا  :

- أهلًا يا دكتور ، نورت ، اتفضل اجعد .

جلس متجهمًا لعدم عودتها ليستطرد مسعود بغلظة  :

- خير يا دكتور ؟ ماكلمتنيش ليه جبل ما تيچي علشان نچهز .

باغته نوح ناطقًا :

- رنيت عليك فعلًا بس إنتِ ماردتش ، قولت اچي اطمن على مودّة واشوفكم لو محتاچين حاچة .

مد مسعود يده يصفع ساقه بطريقة فظة ينطق :

- تسلم يا دكترة ، كلك ذوق ، حضري الفطار يابت  .

- بت ؟

نطقها نوح مستنكرًا ليضحك مسعود موضحًا بسماجة وهو يفرد منكبيه بتعالٍ :

- أيوة بت ، اختي الصغيرة واناديها كيف ماني رايد .

اعترض نوح بضيق ونطق  :

- اختك الصغيرة تناديها باسمها ، ماتقولهاش يابت دي تاني .

ضحك ينطق بحدة  :

- چرا إيه يا دكتور ؟ هو علشان كتبت عليها حتتشرط ولا إيه ؟ لا احنا ماعندناش إكده ، أني ليا حج فيها اكتر منيك .

وقف نوح ينطق بجدية  :

- حق إيه ؟ هي قطعة أرض ؟ دي اختك ووصية أبوك وامك ليك ، عاملها بأسلوب كويس عن كدة .

نهض مسعود يجابهه ويستطرد بأعصابٍ مشدودة  :

- وحضرتك حتعلمني اعامل اختي كيف ؟ لتكون عايزني أدلعها دلع ماسخ وعيارها يفلت بعد إكده وتتنمرد عليا ؟ الحديت ده مهواش عندي  .

وصلها صوته الحاد فتهاوى قلبها خوفًا من شجار يحدث بينهما، ولا إراديًا تحركت نحو الخارج بعدما تخلت عن نقابها ، توجهت نحوهما تحاول تهدأتهما فنطقت بخوفٍ ووهن  :

- بالله عليكم ماتتعاركو ، الناس حتاچي تعزي بعد شوية ، بلاش حد يسمع لنا حس .

التفت يطالعها ، ولكنه تجمد حينما رأى إحمرار خدها وتورم شفتيها ، أصابته صاعقة فامتدت يده تتحسس وجهها لترتعش وتبتعد قليلًا لذا ينطق بصدمة  :

- هو ضربك ؟

باغتها مسعود بنظرة مخيفة برغم توتره،يريدها أن تنكر ، لذا قيدتها سلاسل الخوف،وهزت رأسها بلا كاذبة، ولكن نوح لم ينتظر أن تؤكد أو تنفي بل التفت يباغته بغضبٍ مرددًا  :

- إنت مچنون ؟ بتمد إيدك عليها ليــــــــــه ؟

نطق مسعود بجسارة زائفة حينما لمح غضب نوح  :

- واكسر راسها كمان ، أني كلمتي لازمًا تتسمع  .

تصارع عقله سريعًا وانتابته حزمة جديدة من الغضب لينظر إليها وينطق بنبرة صارمة  :

- روحي لمي هدومك وتعالي ، مش حتقعدي مع البني آدم ده تاني .

هزت رأسها بلا مرتعشة،حتى أنها كادت أن تسقط، بينما صاح مسعود مستنكرًا  :

- بأمارة ايه إن شاء الله ؟

نطق بحزمٍ وثبات وهو يلوح بيده :

- بأمارة إنها مراتي شرعًا وقانونًا ولو كترت حبلغ الشرطة تيچي وتشوف عمايلك ، مودّة حتقعد مع أمي واختي لحد مانتمم الفرح .

أسرعت مودة تستجديه قائلة باعتراض واهن برغم تمنيها ذلك داخليًا  :

- مايصحش يا دكتور نوح ، مايصحش اطلع من إهنة على بيتك دلوك ، النهاردة التالت والناس چاية تعزي ، امشي انت دلوك وماتجلجش عليا ، مسعود ماحيئذنيش .

مد يده يسحبها إليه فخطت تعرج و تتألم من ساقها فطالعها مستنكرًا يردد بهياج نتج عن حالتها  :

- ماحيئذكيش إيه ؟ ده ناقص يموتك ، أنا مش حسيبك هنا لحظة واللي يحصل يحصل .

توتر مسعود حينما أخبره نوح بإبلاغ الشرطة ، وشعر بأنه محاصر ، ولكنه لن يتقبل فكرة ذهابها معه ، فكيف سيواجه الناس بعدها ، ومن سيتولى أمره وخدمته ؟

لذا انخفضت نبرته وهو ينطق معللًا، يلقي باللوم عليها  :

- مبسوطة إكده دلوك ؟ يعني تخرچيني بليل عن شعوري وتخليني أتچنن عليكي ودلوك اطلع أني الغلطان في حجج ؟ ماتجوليله عملتي إيه ؟

كلماته لم تزِد نوح إلا غضبًا فالتفت يصيح بتصميم  :

- بردو حاخدها ، وإلا بجد حبلغ الشرطة فعلًا ..

استرسل ملتفتًا إليها يحدجها بنظرة ثاقبة ونبرة آمرة   :

- روحي غيري هدومك وهاتي شنطتك وتعالي لو مش عايزة أخوكي ينام في القسم النهاردة ، يالا يا مودّة .

التفتت تطالعه فوجدته يومئ لها بعينيه يكظم غيظه مجبرًا ويتوعد نوح داخله ، بينما هي نطقت مستنكرة بضعف  :

- والناس اللي چاية تعزي دلوك حيجولو عني إيه ؟ ع الأجل اصبر عليا لآخر النهار .

أمام عينيها وترجيها له وجد نفسه مجبرًا على ألا يرفض، لذا زفر مستغفرًا ونطق  :

- تمام يا مودّة ، بس انا مش متحرك من هنا من غيرك .

عاد يجلس على الأريكة فجلس مسعود يتنفس ويبتلع خوفه ثم نطق بنبرة هادئة ظاهريًا :

-  روحي اعملي فطار بجى ، دلوك الدكتور بيجول عني راچل عفش .

أومأت وتحركت عائدة نحو المطبخ لتجهز لهما الفطور وهي تحمد ربها أن الأوضاع قد هدأت ، بينما التفت نوح يطالعه ويرفع سبابته متوعدًا بغضب مما أصابها  :

- لو حاولت مرة تانية تمد إيدك عليها صدقني حتندم .

ازدرد ريقه ثم صاح بنبرة فظة  :

- بزيداك بجى يا دكتور داحنا نسب بردك ، أني أعصابي بتفور بسرعة وهي اللي استفزتني امبارح وخلتني مديت يدي عليها ، طب عليا النعمة أني اتأنبت بعديها .

- بردو مش حتقعد معاك تاني .

قالها نوح حينما لاحظ أنه يحاول أن يجعله يتراجع عن قراره ، ولكنه لن يفعل ، إن فعلها سيندم بعد ذلك ، لأن ذلك الأخ لا يؤتمن بمقدار ذرة على شقيقته  ..

❈-❈-❈

استيقظت على صوت تمتمته فالتفتت لتجده يرتدي جلبابه ويقف يؤدي فرضه ، تململت ببطء وضمت الغطاء لصدرها واستكانت تطالعه بحبٍ وخجل ، تتابع حركاته وصوته الخافت ، ركوعه وسجوده ودعاءه وتسليمه ،كل حركة منه تجعلها تنبض عشقًا له ..

انتهى ونهض يطبق سجادته ويتمتم بأدعية وأذكار قبل أن يلتفت تلقائيًا لتقع عينيه عليها وعلى ابتسامتها المشعة .

بادلها الابتسام ووضع السجادة على المخدع وتحرك نحوها ، يجلس قبالتها وينحني مقبلًا خصلاتها ثم اعتدل يردف بحب  :

- صباح الخير .

ابتسمت وارتفعت قليلًا تحافظ على ضم الغطاء لصدرها خجلًا، ثم طالعته بنظراتٍ نادمة تردف بتحشرج  :

- يونس أني مدايجة من نفسي جوي بسبب اللي حُصل بليل ، ماعرفاش أني اتصرفت اكده كيف ، ماتزعلش مني .

امتدت يده تملس على خصلاتها لينطق بلطف ومراعاة  :

- ماعيزكيش تفكري في اللي عدى ، من إهنة ورايح حنفكر في اللحظة ، وفي مستجبلنا مع بعض بإذن الله ، بس أني رايد اتحدت وياكي في حاچة مهمة .

تأهبت تنصت له فتابع بتريث وحذر  :

- إنتِ خابرة زين إن فيه احتمال يكون في حد عاملك سحر ، العلامات اللي بتحصل معاكي كلها بتأكد إكده ، ماعيزكيش تشيلي هم واصل ، أني جارك وحعمل كل اللي اجدر عليه بأمر الله علشان أبعد عنينا الأذى ده ، ورايد منك تحطي ثجتك الكاملة في إن أمر ربك نافذ لا محالة ، السحر مابيغيرش الجدر ، بس أحيانًا ولحكمة هو وحده اللي يعلمها السحر بيتوافج مع الجدر فبيجع ع المسحور، ووجتها بتبجى محنة وابتلاء ليه ولأهله، بس بالصبر والإيمان حيخرج منيها سليم ومعافى بإذن الله ، أما بجى لو السحر ماتوافجش مع القدر فلو عملوا الاللي عمرهم ماحيعرفوا يئذوه فيه شعرة واحدة .

وجدها مشدوهة تمط شفتيها بحزن وتستمع له وتستعيد كل ما مرت به، وما حدث ويحدث معها وآخرهما دفعها له أمس بقوة تفوق قدرتها .

ليسترسل مطمئنًا  :

- لاء بلاش التكشيرة دي ، عايز اشوف الابتسامة اللي جابلتيني بيها أول ما صحيتي ، وكيف ما جولتلك ثقتك في ربنا ثم فيا لإنه بأمره حيديني الجوة والطريجة اللي حعرف اتعامل بيها مع الأذى ده وابعده ، ماعرفاش جُدرات چوزك ولا إيه ؟

أهدته ابتسامتها ونطقت بحبٍ يغزو مقلتيها  :

- عارفة طبعًا ، كفاية إن الناس كلياتها بيحبوك وبيدعولك وإنك سبب في علاچ أولادهم ، وأني واثجة فيك ثجة كبيرة جوي ، ومتأكدة إن ربنا حينصرنا .

بادلها الابتسامة وتلهف لتقبيلها، فتحصينه لنفسه لا يكفيه لمقاومة حُسنها ونعومة ملامحها،خاصةً وهي حلاله وتمكث بين يديه وتبتسم بطريقة مغرية ، ولكنه يخشى ألا تتقبل الأمر ، ليطلبها بعينيه فلم تقرأها جيدًا حيث استرسلت متسائلة بشرود  :

- بس مين ممكن يعمل لي أذى زي ده وليه ؟ أني لا بجيت اروح ولا اچي وجاعدة في البيت ، حتى الچامعة مابجتش اروحها واصل  .

تنفس مطولًا ثم أجابها موضحًا يصف متطلباته الجريئة في ركنٍ مؤقت :

- خلينا نتفج إن مش لازم تروحي أو تاچي لاجل ما المؤذي يأذيكي ، ممكن ماتطلعيش من الدار واصل وبردك يصيبك أذاه ، بوسايل كتير كلها تعدي على حدود الله ، وأني ماعيزكيش تشغلي بالك بمين وليه ، إحنا حنعمل اللي علينا وربك عليه التدبير وكشف الحجايج .

نطقها بغموض حيث سافر عقله يفكر بشكوكٍ متعددة ، هل يمكن أن يكون الفاعل على مقربةٍ منها لهذه الدرجة ؟

في خضم تفكيره تفاجأ بها ترتفع قليلًا وتطبع قبلة على صدغه تشكره بها ثم أسرعت تضع رأسها على صدره وتعانقه لتختفي خجلًا ، ليبتسم وينتشل متطلباته من ركنها، مشددًا من احتوائها ثم نطق بمكر  :

- ولوني كنت رايدها ع الشفايف ، ماينفعش تعيديها تاني ؟

ابتسمت ونطقت بوجنتين متوردتين  :

- لا ماينفعش ، الدور عليك إنت  .

انتعش قلبه فرحًا حينما أعطته موافقتها و جلس ليقابلها ثم ظل يحدق بها ليتأكد من حالتها ، كانت وديعة ، مسالمة ، خجولة ، حورية فائقة الجمال ، فابتسم ونطق بمزاح  :

- بس مالجيش نفسي مطوح عند الباب ؟

ابتسمت تجيبه بلا فتنفس بحرارة ثم اقترب بحذرٍ يغمض عينيه ويقطف ثمرتيها الناضجتين ، يلتهمهما على مهلٍ وتلذذ كأنهما من ثمار جنة السعادة .

فقد سبيله في متاهتها الممتعة وتعاظمت مشاعره خاصةً مع استسلامها،حتى كاد أن يغرق،ولكنه ابتعد ببطءٍ منتبهًا لشيءٍ ما ، حدق بها فوجدها تسترخي باستمتاعٍ، مغمضة العينين تنتظر المزيد منه برغم التفاف ساقيها حول بعضهما كما حدث أمس ، ليزفر قبل أن يهمس لها  :

- نوارة .

فتحت جفنيها ببطءٍ شديد تطالعه بمقلتين مشعتين فتابع بخفوت وهو يتلمس ذراعها مطولًا  :

- تجدري تجومي معايا نصلي ركعتين ؟

تجلى التوتر في عينيها بشكلٍ مفاجئ ولكنها نطقت تومئ بثقل استهدف صدرها ورأسها   :

- تمام  ...

مرت بضعة دقائق أنهيا فيهما صلاتهما  .

أدتها بصعوبة ، كادت أن تنهض مرتين خلال الركعتين ولكنها تحاملت على نفسها .

التفت يطالعها ليجدها تتثاءب وعينيها مرهقتين ، مد يده يتحسس وجنتها فابتسمت تعبر عما تشعر به  :

- عايزة انام  .

قالتها وهي بالفعل تغفو أمامه، فتنفس بحرارة ونهض يرنو منها ويحملها بين يديه بخفة ، تعلقت به فخطا بها نحو الفراش ومددها ثم حاوطها بجسده وهمس هائمًا أمام ملامحها  :

- بصيلي يا نوارة  .

فتحت عيناها بصعوبة تطالعه وتبتسم له هامسة  :

- معاك يا حبيبي  .

لم تكن معه ولكنها تحاول ، إلا أن كلمة حبيبي التي نطقتها سحبته إليها سحبًا ، ليجد نفسه مستمتعًا بالغوص في بحرها الغامض ، حتى لو دفعته ألف مرة وآلمته مئة ألف هو الآن في حضرة مشاعر لا يمكن التنازل عنها،ليرى ها ستتفوق قوة السحر على قوة عشقه ورغبته بها،ولينتصر من له الحق بها  .

ساعدته يداه في سرقة النوم من عقلها بوسائل ممتعة شرّعها له دينه فأحسن استخدامها، لينجح في السطو على أعصابها التي ارتخت فباتت تعيش متعة جديدة عليها، لتهبه رغبة بما يقدمه برغم خجلها القائم، لذا همس معبرًا عما يشعر  :

- بحبك جوي، بعشجك يا روح جلب يونس  .

تعلقت به تلف يديها حول رقبته لتختفي منه فيه، فمال فمه في ابتسامة واستثمر مشاعره في تقبيلها مرارًا، برغم حذره في التعامل مع التفاف ساقيها كي لا يتصلبان بفعل السحر ويفقد بوصلته في الوصول إليها .

جاهد ليخلط وصفته العلاجية مع مشاعره المتقدة ، وبرغم صعوبة ذلك إلا أنه نجح بامتياز حينما باتا جسدين بروحٍ واحدة، ولم تتوقف شفتيه عن إلقاء الكلمات التي جعلتها تنتصر على حربها الداخلية مع تلك الأصوات التي تلاشت تدريجيًا حتى اختفت حينما ابتسم ومال يستطرد عند أذنها ببحة رجولية متحشرجة ومعبأة بالمشاعر المكتملة :

- مبروك يا نوارتي  .

ارتخت يديها من حول رقبته وضمتها إليها بخجل تحاول استيعاب ماحدث بالقليل من الألم والكثير من السعادة التي تعبر عنها بابتسامتها وتورد ملامحها وإغلاق جفنيها أمام عينيه البراقة، ليميل جانبًا ويحتويها إليه وتضمها يده إلى قلبه ووجدانه وهو يقبل جبهتها مرارًا،حامدًا ربه أنه أتم زواجه بسلام،وشاكرًا إياها على هذه الحالة الرائعة  ..

❈-❈-❈

في مطبخ قصر آل حانا

وقفت السيدات تجهزن الأغراض وتضعنها في العلب الكرتونية والصناديق التي سيأخذونها إلى قصر آل حامد لزيارة ابنتهم نوارة .

كانت صابحة تعمل معهن وتباشر تحضير الأغراض والأطعمة ، تجاورها نهاد تعمل بشرودٍ وحزن .

لكزتها صابحة ومالت عليها تنطق لتنتشلها من التفكير  :

- بزيادة اكده ولا نزود كمان يا نهاد ؟

انتبهت لها فنطقت  :

- بزيادة يا مرت عمي ، ماتنسيش إن عمي شاري حاچات كتير بردك  .

أومأت تردف باقتناع  :

- صوح يابتي ، خلاص يالا نجفل الكراتين دي ونطلعها  .

- سلام عليكم  .

نطقتها نجوى التي دلفت لتوها من باب القصر تحمل على رأسها سلة من السعف وضعت بها الفطير المشلتت والعسل الأسود و الأبيض  .

كان عبد الوهاب يجلس مع حفيده في الفناء حينما رآها فابتسم بهدوء حيث تقدمت منه تضع السلة على الطاولة وتجلس مبتسمة  :

- كويس إني لحجتكو جبل ما تروحو لنوارة ، عملتلها فطير من اللي بتحبو ، حنمشي إمتى ياخوي ؟

كاد أن يجيبها برغم ضيقه من تصرفها الدخيل ولكن سبقته صابحة التي خرجت من المطبخ تطالعها بتجهم ونطقت  :

- عملنا الفطير يا نجوى ، مالوش عازة اللي إنتِ چيباه  .

اظهرت استياءها أمام شقيقها فأردفت بعبوس  :

- وه ؟ مالك يا صابحة حديتك عفش إكده ؟ مهي نوارة بت أخوي بردك وإنتِ خابرة زين معزتها في جلبي جد إيه .

نطقت صابحة بمغزى مبطن  :

- خابرة يا نچوى ، خابرة زين إنك بتعزيها ، بس بردك مالوش عازة اللي إنتِ چيباه ، إحنا جفلنا الحاچة اللي حتروحلها  .

انزعج عبد الوهاب من أسلوب زوجته مع شقيقته ، لذا نادى على نهاد فأتت فناولها صغيرها ونظر إلى زوجته يردف وهو ينهض  :

- تعالي ويايا يا أم مهران ، عايزك في كلمتين .

تحرك نحو غرفته فتحركت خلفه ودلفا وأغلقت الباب تطالعه فالتفت يتساءل بهدوء مبهم  :

- مدايجة من نچوى ليه يا صابحة ؟

تنفست مطولًا تطالعه ووقفت حائرة بين رغبتها في إخباره بشكوكها وخوفها من إثارة فتنة لربما تكون مخطئة بشكوكها، فهي في نهاية المطاف شقيقته وتعلم جيدًا كيف يحب عبد الوهاب أشقاءه بالرغم من مساوئهم ، وكيف حمل على عاتقه مسؤولية احتوائهم كما أوصاه والده .

تخشى أن تكون لأول مرة سببًا في خلافٍ كبير بين الأخوة ويظل ما يعتليها من تفكير مجرد شكٍ لا يقين ، إن تأكدت أنها الفاعلة ستخبره بكل تأكيد ولكن ماذا تفعل الآن ؟

انتفضت حينما عاد يكرر سؤاله بنبرة أقل هدوءًا  :

- ماتجولي يا صابحة في إيه ؟

نطقت بتوتر تخفي نظراتها عنه  :

- مافيش يا عبده ، بس جلبي مهواش مرتاح ، إنت خابر زين إن اختك كانت رايدة بتي لابنها ولسة من جريب مجومة الدنيا أول ماسمعت إن يونس طلب البنتة ، حجي أخاف بردك .

استمع لها وحكم عقله ، هو يعلم أن شقيقته تحمل طباعًا سيئة ، وربما تحمل أيضًا نظرة حسودة ، ولديها استحقاقية لما لا تمتلكه ، ولكنها تظل شقيقته ، ويراها تحب ابنته بالفعل ، لذا نطق بهدوء  :

- أني بيعچبني فيكي عجلك اللي يوزن بلد يا أم مهران ، ياستي حتى لو جلبك مش مرتاح سايريها وبعد إكده اعملي اللي إنتِ رايداه ، بس بلاش تكسري بخاطرها اكده كل مرة جدامي ، لو فيها كل السيئات هي اختي بردك ، وأني عارف زين إنها بتحب نوارة  .

حدقت في عينيه تخبره بنظراتها أن شقيقته لا تحب أحد مطلقًا ، ولكنها نطقت بإيماءة هادئة  :

- حاضر يا عبده ، لاجل خاطرك أبلعلها الزلط  .

ابتسم بارتياح ورفع كفيه يحتوي رأسها ويقبلها ثم ابتعد يردف  :

- يسلم خاطرك يا زينة ، يالا تعالي نطلع  .

خرجا سويًا ليتقدم عبد الوهاب من شقيقته ويجلس يربت على كتفها مراضيًا لخاطرها حيث ظنه قد كُسر ، ابتسمت له والتفتت تنظر إلى صابحة التي تقدمت وجلست تتنفس ثم نطقت مجبرة  :

- كتر خيرك يا نچوى تعبناكي ويانا ، تسلم يدك  .

ابتسمت وتعاظم حقدها داخلها لتتأكد أنها نجحت في استعطاف عبد الوهاب لها ، لتنطق بنفاق  :

- الله يسلمك يا صابحة ، كله يهون لاجل عيون نوارة  .

❈-❈-❈

في الأعلى

استيقظت فرحة تعنف نفسها على نومها إلى الآن،أهي في نزهة ممتعة لتفعل؟إنها تمكث مع أشد الناس عداءً لها، لقد نوت ألا تنام نومًا عميقًا إلا حينما تنهي أمره .

شردت تستعيد ما حدث حينما غفت فجرًا لعشر دقائق قبل أن تستيقظ وتجده يصلي في ركن الغرفة ، ويتلو عددًا من الآيات القرآنية بحنجرة مميزة ، لولا أنه عدوّها لكانت أحبت قراءته ، ولولا أنها آيات قرآنية لكانت بغضتها منه ، لذا فهي وقفت حائرة تسمعه قبل أن تنهض لتؤدي فرضها مع تجنبه بشكلٍ تام . 
ولكنها حينما مرت نحو الحمام لا إراديًا التفتت عيناها تنظر نحو يده لترى الجرح ، وجدته يلف حول أصابعه شاشًا طبيًا فابتسمت بتشفي تحاول اكتسابه عنوةً قبل أن تكمل خطاها  .

أفاقت من شرودها ونهضت تترجل من الفراش ثم وقفت تطالعه وهو يغط في نومه ، لا تعلم من أين يكتسب هذا الأمان، ربما لأنها وافقت على شرطه ، ولكن من أوحى له بأنها لن تخالف هعدها وتفعلها وهو نائم دون النظر في عينيه ؟

زفرت بقوة ونظرت نحو الطعام المغطى ، ازدردت ريقها لأنها بالفعل جائعة فلم تأكل شيئًا منذ ليلة الحناء .

بحثت بعينيها عن زجاجة مياه لتشرب منها وتسد ذلك الجوع، ولكنها لم تجد لذا قررت أن تنزل وتجلبها بنفسها .

تحركت تعدّل حجابها وفتحت باب الغرفة تغادر بهدوء  .

تعلقت عينا صابحة على الدرج وهي تراها تترجله بردائها الأسود فنهضت تتجه نحوها حتى نزلت إليها فسألتها بقلبٍ متلهف ونظرات ثاقبة  :

- ولدي فين ؟

ابتسمت فرحة باستفزاز وأشارت بعينيها نحو الأعلى تردف بفحيح  :

- اطلعي شوفيه  .

أسرعت صابحة تأكل الدرج ، بينما تقدمت فرحة من عبد الوهاب ونجوى وألقت السلام وخطت نحو المطبخ لتشهق نجوى وتنظر لشقيقها باستنكار قائلة :

- وه ؟ ودي صباحية ولا چنازة ؟ متلفحة في الاسود اكدة ليه ؟ جولتلك ياخوي دي چوازة الندامة ، البت دي سرحانة يتخاف منيها .

لم يرحب بتدخلها لذا نطق يهز برأسه   :

- همليها يا نچوى ، ملناش صالح  .

لوت فمها وعادت تجلس بصمتٍ ، بينما في الأعلى اقتحمت صابحة الغرفة لتجد عمار ينام ممتدًا على الأريكة لذا أسرعت نحوه توقظه بلهفة  :

- عمـــــــار  ؟

استيقظ منتفضًا يطالعها بنصف عين وحينما رآها أسرع يخفي كفه أسفل الغطاء ويعتدل مستفهمًا  :

- في إيه ياما ؟ فزعتيني .

زفرت بارتياح وجلست تجاوره وتنظر له تارةً وللطعام الذي لم يؤكل منه تارةً أخرى ، ثم عادت لتردف بترقب  :

- ماكلتش ليه يا ولدي ؟

التفت ينظر نحو الفراش ليجده خاليًا فتحركت عيناه نحو باب الحمام ليجده مفتوحًا لذا عاد لوالدته وتساءل  :

- أومال فرحة فين ؟

لوت فمها بحنق ونطقت  :

- فرحة فين ؟ تحت يا جلب أمك  .

صفعت ساقيها وهي تنهض وتتحرك لتغادر الغرفة مسترسلة بنبرة لائمة  :

- عليه العوض ومنه العوض في ابنك عمار يا صابحة .

غادرت الغرفة لتقابل عند بابها فرحة العائدة ،تقبض على زجاجة مياه وكوب،وتبتسم لها بتحدٍ واستفزاز لتنطق صابحة بحدة  :

- عيني عليكي يا بنت الحوامدية ، ماتفكريش إن عمايلك دي كلها حتعدي إكده .

اندفعت تغادر وتركتها تدخل الغرفة ، نظرت نحوه لتجده قد نهض يتحرك نحو الحمام ويمر من أمامها بصمت ، أغلق الباب فوقفت تنظر لأثره ونطقت بغل  :

- لساتكو شوفتوا عمايل ؟ لازمًا تدوجوا حرجة الجلوب كيف ما دوجتوهالي سنين  .

اتجهت تجلس على طرف فراشها وتنظر حولها باختناق ، هل ستقضي وقتها بين هذه الجدران الأربعة ، دون فعل أي شيء ؟ والأسوء أنها ستكون مجبرة على رؤيته باستمرار  .

عادت تلتفت وتنظر نحو الطعام وعقلها يؤنبها على ما تفعله في حق نفسها ، ولكن كيف ستبتلع طعام هذا المنزل ، خاصةً وأنه من أحضره؟.

خرج بعد دقائق يرتدي مئزر العريس القطني الخاص به،في تعمدٍ واضحٍ أمامها ، بخصلاتٍ رطبة ، وفتحة تظهر عضلات صدره ورقبته ، وحمحمة رجولية تصدر منه وهو يتجه نحو خزانته لينتقي منها ملابس مناسبة  .

لم تبدِ تأثرًا ولكنها تأثرت لا إراديًا لذا اعتصرت عيناها تلفهما غضبًا من نفسها ومنه ، ثم نهضت تبتعد وتتجه نحو شرفة الغرفة لتقف بها وتستنشق الهواء قليلًا  .

مرت دقيقتان ارتدى فيهما جلبابًا ذو أكمام طويلة وواسعة كي يخفي جرح يده عن والدته ، وتحرك يقف بالقرب من الشرفة ويناديها بترقب وحنان :

- ادخلي يا فرحة هتبردي اكده ، ولازمًا تاكلي لجمة ، اللي بتعمليه ده مهواش صُح ، لو جضتيها إكده ماحيبجاش فيكي حيل تجتليني .

استمعت إليه وأغلقت عينيها، وبالفعل بدأت تشعر بالدوار لذا تنفست مطولًا ثم التفتت تحدجه بكرهٍ فنطق يقابلها بمرح  :

- لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فيه واحدة تزغر لچوزها إكده يوم صباحيتهم ؟

باغتته بنظرة أشد حدة فاسترسل  :

- يا بنتي وحدي الله وبطلي عناد ، اجعدي سمي الله وكلي  .

لم تعد تحتمل نبرته وطريقته،صوته وشكله ، كأن ينقصه جناحان ليصبح ملاكًا ، بالفعل استطاع إثارة جنونها لتتقدم وتقف أمامه محدقةً به بثقب لثوانٍ لمح فيهما شدة حزنها وألمها، لتنطق بنبرة معذبة  :

- جول إن يدك دي ماتمدتش على أخوي ، جول إنك ماجتلتوش .

تبدلت ملامحه للعبوس سريعًا ونكس رأسه عنها ، ولم يعد يستطيع النظر إليها ليس خجلًا بل احترامًا لألمها ، لينطق بعد ثوانٍ  :

- أني كنت بدافع عن نفسي يا فرحة .

ضحكت بألم فهذا التبرير يصلح ليفلته من العقاب ، ولكنها تعلم جيدًا ما حدث وكيف حدث ، رفعت كفيها في وجهه لكي لا يكمل وقاطعته تصده :

- ماعيزاش اسمع صوتك ولا اشوفك ، امشي من جدامي .

تحرك بالفعل يغادر الغرفة وتركها ترتد على الأريكة وتبكي بحرقة وغصة مريرة لا تفارق حلقها ، أي دفاعٍ عن النفس وقد قتله بسلاحه !

❈-❈-❈

أعلن المأذون عن انتهاء كتب الكتاب ، فنظرا لبعضهما يبتسمان ، ثم وقف مهران يودع الشاهدين والمأذون  .

لتنتظر تيا رحيلهم بفارغ الصبر حيث تقدمت منه والتصقت به بجرأة تعانقه وتلف يديها حوله ناطقة بسعادة  :

- مش مصدقة نفسي ، أنا رسميًا بقيت زوجة مهران آل حانا ، أنا محظوظة اوي بيك يا مهران .

بادلها بهدوء ، وعينيه دارت حول المكان يراقب النظرات ، ثم أبعدها بخفة وابتسم يجيبها وهو يحاول الاستحواذ على نصرٍ جديد،فها هو قد حقق رغبته واختار لنفسه من يرى فيها الأمل للحصول على راحته  :

- ألف مبروك يا تيا .

ابتعدت تطالعه بسعادة فحاوط وجهها بكفه يتفحص ملامحها، لتتساءل بترقب تدعي الخجل  :

- طيب هنعمل إيه دلوقتي ؟ إنت حجزت لينا هنا ولا عندك خطة ؟

نظر في ساعة يده ثم عاد يطالعها ويردف معتذرًا  :

- للأسف لازمًا نرچع المركب دلوك  ..

طالعته بتعجب وأخفت ابتسامتها فتمسك بكفيها يستطرد بتأكيد  :

-  أني خابر إنك رايدة تحتفلي بالمناسبة دي ، وأني كمان زيك ، بس إنتِ أكيد مجدرة الظروف اللي اتچوزنا فيها ، اتحمليني بس لما نرچع الأجصر وأني حعوضك  .

أومأت تبتسم بخفوت فتحرك بها نحو الخارج ليستقلا السيارة ثم يتجها إلى المركب قبل أن يُبحر لاستئناف رحلته  ..

❈-❈-❈

بعد مرور ثلاثة أيام  .

عائدة معه في سيارته، لم تعتاد عليه بعد، تجلس بتحفظ وصمت، يفترض أن تفرح باحتوائه، بنظراته الجريئة لها في قاعة الچامعة وبين الحضور بعدما انتشر خبر كتب كتابهما، يفترض أن تعيش معه الحب الذي تشعر به تجاهه، أو أن تظهر امتنانًا وشكرًا لما يفعله معها، ولكنها لا تستطيع تجاوز ما حدث معها من شقيقها والتفكير في أمره  .

انتشلها من صمتها يتساءل بهدوء  :

- هو إنتِ لبستي النقاب ده عن اقتناع يا مودة؟

التفتت تنظر له فبادلها، ومرت سحابة إجبارها لارتدائه على عقلها، لتهز رأسها بلا صامتة فأومأ ونطق  :

- لو عايزة تخلعيه مافيش أي مشكلة، لازم تكوني مقتنعة بأي حاجة تعمليها.

ألا يكفيه هذا القدر من الحب الذي تحمله له؟ لما هو مستمرًا في ضخ المزيد من المحبة واللطف والتقدير لها؟ إن استمر على هذا المنوال ستفقد بوصلتها وتتوه في متاهته  .

أومأت بقلبٍ متضخم ثم عادت تفكر في أمر شقيقها، لطفها ورحمتها جعلاها تتساءل  :

- هو ينفع نعدي على المحل يا نوح؟ كنت رايدة اطمن على مسعود .

لا يعلم أيفرح لأنها بعد عناءٍ نادته دون ألقاب كما ترجاها صباحًا، أم يعبس لأنها تهتم بأخٍ لا يهتم بها ولم يهاتفها منذ أن غادرت، لذا زفر بقوة ونطق يوميء وهو ينعطف يسارًا  :

- ماشي يا مودة حاضر، علشان خاطرك إنتِ بس، أصلًا كلها شهر والشقة تچهز واحدد معاه معاد الفرح.

تفشت السعادة بداخلها ولكنها لن تنسى والدها بالتأكيد لذا نطقت بترقب  :

- بس خليه ع الضيج يا نوح، لاجل خاطر أبوي بردك  .

أومأ ومد يده يربت على كفها فتوترت وارتعش كفها أسفل لمسته ولكنه لم يفلته بل قبض عليه وقربه منه يقبله ليؤكد لها أنها زوجته ولا داعي لتحفظها هذا  .

بعد قليل توقفا أمام محل الفاكهة، ولكن التعجب كان باديًا على ملامحهما حينما وجداه خاليًا من بضاعته تمامًا وأحدهم يقف على لوحٍ خشبي يرمم جدرانه  .

ناداه نوح فترجل الشاب يتجه إليه بملابسه الملطخة بالطلاء، ووقف عند نافذة السيارة يتساءل  :

- أؤمر يا باشا؟

سأله نوح بترقب  :

- أوما مسعود فين؟ هو بيچدد المحل ولا إيه؟

هز رأسه بلا ونطق يسرد ما يعلمه  :

- لاء يا باشا مسعود باع المحل امبارح، بيجول حيشتري في المدينة  .

قطب جبينه والتفت ينظر إلى مودة التي ألجمتها الصدمة، ليعود إلى الشاب ويشكره ويتحرك بسيارته وهو يستل هاتفه ليحاول الوصول إليه، ولكن أعطاه مغلقًا  .

❈-❈-❈

عادت المركب إلى ميناء الأقصر حيث انتهت الرحلة النيلية .

ترجل مهران وتجاوره تيا العابسة بدلال ، حتى أنها قررت ألا تتحدث إليه ، فقد حاولت باستماتة أن تنتقل إلى غرفته على المركب ولكنه صمم على رفضه بأسلوبه العنيد الذي اكتشفته لتوها ، هو رجلٌ لا يرضخ لشيءٍ لا يريده .

مد يده ليمسك بكفها ولكنها أبعدت يدها عنه تطالعه بنظرة طفولية معاتبة، ثم تحركت نحو السيارة التي تصطف في الموقف  .

ابتسم عليها وعلى طريقتها، واتجه يسحب الحقائب ويرفعها ليضعها في السيارة، ثم التفت يستقل مكانه ويطالعها ليجدها متكتفة تنظر أمامها بصمت،لذا نطق موضحًا  :

- يابنت الحلال ، مش إحنا اتفجنا لما نرچع الأجصر حعملك اللي إنتِ رايداه ؟ جالبة وشك ليه دلوك ؟

نطقت بنبرة حزينة مؤثرة  :

- علشان إنت أكدت لي إنك اتسرعت فعلًا يا مهران ، مافيش عندي تفسير تاني غير كدة ، روحني لو سمحت حالًا  .

زفر يستغفر ونطق يبرر ويقنع نفسه قبلها  :

- حديتك كله غلط يا تيا ، وقرار چوازنا أني جَده ، إنتِ اللي مستعجلة على رزجك ، جولتلك حفرحك لما نوصل الأجصر ، وادينا وصلنا أهو ياستي ، فكي بجى ماتجفليش يومنا عاد .

تنفست مطولًا ثم التفتت تحدق به كأنها تتأكد من صدق حديثه ، لذا ابتسمت بخفة ونطقت  :

- ماشي يا مهران ، مصدقاك .

ابتسم و تساءل  :

- تحبي نروح فين دلوك ؟

أمامها خيارات عدة لتحصل على الاستمتاع معه ولكنها اختارت الأصعب بالنسبة له حينما نطقت بترقب  :

- على شقتنا يا مهران  .

نظر أمامه ليجد طريقًا لا نهاية له ولا تتضح معالمه ، هكذا كان يرى بعين قلبه ، ولكنه أومأ يقيد بصيرته ببصره، ويقنع نفسه بأنه على طريق الصواب، وأنها تستحق أن تفرح، ليلتفت لها ويبتسم قائلًا  :

- يالا بينا  .

❈-❈-❈

في غرفة عمار  .

دلف يحمل في يده حقائب عدة ، جمع بداخلها عددًا من الروايات بأنواعها وكتب عن علم النفس ودفاتر رسمٍ وألوان .

أغراض أتى بها إليها لتقضي بها على الملل الذي تشعر به ، ولكن يؤرقه عدم تناولها للطعام ، تعيش على المياه والقليل من الأطعمة التي أحضرتها عائلتها في اليوم التالي للزفاف  .

لتدرك بعدها أن العيب ليس في طعام القصر بل في شهيتها التي انسدت حينما تزوجته  .

- فرحة ؟

ناداها بهدوء فخرجت من الحمام تطالعه بتجهمها المعتاد، وعيونها الزمردية الحادة، برغم شحوب وجهها الملحوظ ، ولكنه ذُهل بإعجاب وتجلى بريق عينيه حينما وجدها ترتدي عباءة بيضاء مطرزة، وتعصج خصلاتها في كعكة فوضوية مهملة ، ازدرد ريقه وتاه بها وتحركت عيناه مع حركتها إلى أن توقفت تنتشل حجابها لترتديه كي تترجل إلى الحديقة قليلًا .

وضعته على رأسها أمامه فنطق وهو يضع الأكياس أمامها على مرآة الزينة  :

- چبتلك شوية حاچات إكدة تتسلي فيهم وانتِ جاعدة .

نظرت للأكياس باشمئزاز، ثم دفعتها بظهر يدها فسقطت أرضًا، فالتفتت تطالعه محذرة بكره  :

- جولتلك معايزاش حاچة منيك ، بعد عني وأنا حبجى زينة  .

هاجمها الدوار فجأة ، هجومًا مباغتًا وحادًا فترنحت أمامه فأسرع يقترب منها ويلف يده حولها بلهفة ولكنها نزعت نفسها من بين كفيه، وانتفضت تتخد خطوة للوراء وكادت أن تعنفه لكنها لم تشعر بنفسها ولم تستطع أن تقاوم أكثر من ذلك، لذا استسلمت تغلق عينيها وتسقط بين يديه اللتان لحقتا بها بقلبٍ منتفض على هيأتها وفقدانها للوعي  .

❈-❈-❈

توجه نحو عنوان منزلها ، فمنذ أيام لم يستطع الوصول لها ، وعقله لا يتقبل فكرة ابتعادها عنه،حاول مرارًا مراسلتها،حاول مهاتفتها،ولكن دون جدوى، تأخذ منه موقفًا ويخشى أن يكون قد خسرها لذا قرر أن يأتي متحملًا عواقب فعلته  .

استقل المصعد وصعد للطابق المنشود ، وتوقف يبحث عن رقم الشقة ليتوجه نحوها ويطرق الباب بترقب  .

ثوانٍ حتى فتحت له نجلاء ،تطالعه بترقب قبل أن تتساءل  :

- اتفضل ، مين حضرتك ؟

ابتسم بتحفظ وتحمحم يبادلها بسؤال  :

- مساء الخير يافندم، آنسة ريم موچودة ؟

قطبت جبينها تستفسر  :

- نقولها مين ؟

على صوته خرج نوح من شقته التي يمكث بها منذ أن جاءت مودّة ، وتقدم حتى وقف أمامه يمد يده للسلام ويتساءل بشكٍ بعدما استشف هويته  :

- أهلًا وسهلًا ، معاك دكتور نوح البسيوني أخو ريم ، مين حضرتك ؟

أسرع جابر يبادله السلام ونطق مبتسمًا بترحاب  :

- أهلًا بيك يا دكتور نوح ، أني چابر آل حانا ، وآسف إني چيت إكده فچأة، بس جولت لازمًا أطمن ع الآنسة ريم واتحدت وياها بعد اذنك في مسألة عمل .

صدق ظنه ، إذًا هذا هو جابر آل حانا ، ولكن بدا له مجيئه إلى هنا غريبًا ومريبًا،لذا نظر لوالدته يردف بهدوء   :

- بلغي ريم يا ماما لو سمحتي  .

عاد اليه يسترسل وهو يشير نحو شقته ليستقبله بها  :

- اتفضل يا أستاذ چابر   .

تحرك جابر معه نحو شقته ودلف يتجه إلى الصالة ويجلس بها ليطالعه نوح متسائلًا  :

- قهوتك إيه يا أستاذ چابر؟

-سادة.

أومأ واستأذنه يتحرك إلى شقة والدته، ينادي على شقيقته التي خرجت من غرفتها بملامح مشدوهة بعدما أخبرتها والدتها بوجود جابر ، لتتساءل بشكٍ عن سبب زيارته :

- بيعمل إيه هنا يا نوح  ؟

لاحظ حيرتها ليعطيها جواب قبل أن تبحر بالتوقعات :

- بيقول چاي يتكلم معاكي في مسألة عمل ، اچهزي وتعالي .

أومأت له بشيءٍ من الاحباط، فتحرك يعود إلى جابر ويجلس معه ليبصر نواياه  .

مرت الدقائق وجهزت نجلاء القهوة وجلس يرتشفها ويتحدثا سويًا عن مجالات عملهما إلى أن جاءت ريم تلقي السلام واتجهت تجلس قبالته فشرد بها لبرهة وراوده شعورًا بالاشتياق لذا ابتسم ونطق  :

- عاملة إيه يا آنسة ريم ، حاولت اتواصل معاكي كتير بس واضح إنك مزعوچة مني على اللي حُصل آخر مرة ، دكتور نوح بلغني بإنك سيبتي الشغل .

كان في كامل أناقته ، يرتدي بدلة سوداء ، وساعة فاخرة ، وحذاء فحمي أنيق .

خصلاته كذلك فحمية تعكس ملامحه الوسيمة وبشرته التي تنافي سمار أهل الصعيد .

تنفست بهدوء أسفل نظرات نوح المتفحصة لكليهما ، فهي بالفعل منزعجة منه لأنها تراه السبب في ما وصلت إليه حتى لو عن دون قصد،خاصةً وأن معتز خالف توقعاتها ولم يحاول التواصل معها ، ولكنها نطقت تجيبه بهدوء مبهم  :

- لا أبدًا مش مزعوچة ولا حاچة ، حصل خير .

زفر ثم نظر إلى نوح الذي يطالعه بثقب نطق بترقب يرسم الجدية على ملامحه:

- أني من وجتها ومضايج من نفسي چوي...

التفت لها يسترسل  :

-ماكانش لازم أحطك في موجف زي ده، وصدجيني ماحبتش اچي بعديها وازيد الطين بلة،بس أني فكرت زين، إنتِ ليكي مكان فوج راسنا يا آنسة ريم ، ويشرفنا كلنا تبجي معانا في شركتنا.

وزع أنظاره بينهما يتابع  :

-صحيح إحنا لسة بنبتدي بس أوعدك لو جبلتي تبجي ويانا حتكون ليكي مكانة مميزة فيها لإني عارف جيمتك زين ، وعارف إن مهندسة زييكي ماتتعوضش واصل ، ولو مارتحتيش حعملك اللي إنتِ رايداه ، يكفي إنك تكوني وسطينا ، وأني بتعهد جدام دكتور نوح أهو إني جد كل كلمة جولتها. وده مش لأني حاسس بالذنب من اللي حصل بسببي لااا، إنتِ أي شركة في مجالنا تتمناكي، فكري زين واني معاكي في أي جرار تاخديه

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا