رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14 هى رواية من كتابة ايه العربي رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14

رواية صياد النايا ال حانا بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع عشر 14

حررها يابني؛ أطلق سراحها، حُل وثاق أجنحتها
فالأقفاص لدينا صُنعت لراحتهن، شيدنا أعوادها لحمايتهن، وأوصدنا أبوابها لندللهن
حررها لأن الرجال في بلادنا يعاقبون الأسرى ويكافؤون السجان.
ومعشر نساء بلدتنا أيضًا تنثرن العداء والغيرة فوق رؤوس الغزلان.
ونادرًا ما يمر علينا قطارًا يحمل على متنه حاكمًا عادلًا يساوي كفتي الميزان.
ولأنني أحبك وأحبها وأخشى على نفسي المظالم؛ أفصل بينكما لأخمد مئة ألف بركان.
بقلم آية العربي

❈-❈-❈

غادر وتركها تتلظى بنيرانها ، وعمها يحاول احتواءها عبثًا ، التفتت تواجهه بنظرات اللوم والعتاب ، وبدأت توزع نظرها عليهم لتراهم كما لو أنهم يسخرون منها ، ها هي البائسة التي تزوج زوجها عليها، هذه ستكون نظرة الجميع لها ، سيحط عليها الظلم أضعافًا من الآن فصاعدا .

نطقت صابحة بتخبط مما حدث تحاول تهدئتها :

- اجعدي يابتي وكل حاچة ليها حل ، اللي اتچوزها دي هيطلجها وحيرجع غصب عنيه ، عمك ماحيسكتلوش على عملته دي .

كانت فرحة تقف أعلى الدرج تتابع ما يحدث بغضبٍ حاد بعدما خرجت على صوت نهاد ، فها هي أخرى تظلم في هذا القصر الملعون ، إنهم يتلذذون بظلم النساء هنا ، لذا التفتت عائدة إلى غرفتها فلم تحتمل البقاء ولم تستطع نظرًا للدوار الذي لم يتركها بعد .

بينما استيقظ حمزة الذي كان ينام في غرفة جده ، ليتحرك عمار ليحضره ، ويحاول عبد الوهاب أن يحركها بعد تصلبها هذا ، حزينًا عليها وعلى حالتها ينطق داعمًا :

- تعالي يا بتي اجعدي وماحيحصلش غير كل اللي إنتِ رايداه .

توقفت تطالعه تارة وتطالع صابحة تارة ثم نطقت بانكسار :

- أني رايدة ابجى لحالي دلوك .

تحركت صوب غرفتها لتعاود صابحة إيقافها قائلة بقلبٍ منفطر :

- يابنتي اجعدي وسطينا واسمعي كلامي .

أشارت لهما بيدها بتصميم دون التفوه ببنت شفة ، وصعدت الدرجات تنزف مرارة الوجع التي تتقطر منها على مرآى من عبد الوهاب الذي وجد نفسه عاجزًا للمرة الأولى .

دلفت غرفتها وأوصدت الباب خلفها، ووقفت تطوف بمقلتيها على تفاصيل كل شيءٍ بها، وبدأت تراها بنظرة جديدة .

غرفة واسعة، باهتة، حزينة، تفتقر للحب، والاحتواء ، قاسية كقلبه ، وظالمة كعقله ، ومدانة كأفعاله .

وقعت عيناها على الفراش وهجمت عليها ملامح علاقتهما سويًا، رأت مشاعره، أحاسيسه، حواسه، وحالته التي جعلتها تتساءل بأي ذنبٍ ذُبحت؟ أعدوًا هذا أم زوجًا ؟ أقدمت له حبًا أم حربًا ؟ بأي ذنب؟

تزوج بأخرى، اختار بنفسه زوجة؟ سيعاشرها؟ سيشعر معها مشاعر أقوى؟ سيحبها كما لم يفعل معها؟

أغمضت عيناها ونطقت بحرقة :

- آاااااااه.

آهٍ مطولة حادة جرحت حنجرتها، ولكنها عبرت بها عما يعتليها، لتتحرك بعدها نحو غرفة الملابس، بدأت تتلمس قمصان نومها وأغراضها الشخصية وتبتسم، ثم بهدوءٍ تام بدأت تنتشلها وتكومها حتى جمعتهم وتحركت بها نحو الأريكة، جلست عليها وألقتهم أرضًا أمامها، ثم انحنت تفتح درج الطاولة الجانبية وأخرجت منه المقص تقبض عليه لتبدأ في قصهم كلٍ على حدة حتى باتوا خُرقات متناثرة لا ملامح لها ....

فردت ظهرها على الأريكة وظلت تحدق بهم وتستعيد ذكرياتهم، ربما هذه هي الأوقات الضئيلة التي ظنت أنه يحبها فيها، وكانت تتعلق بأملهم في اعترافه لنفسه بأنه يحبها، لتسقط سقطة مدوية على خبر زواجه .

إذًا هو لم يكن يعاقبها على غلطتها آنذاك، بل كان ينتظر بفارغ الصبر سببًا ليفعل، وأتت به له على كفوفِ الراحة.

إذًا ما الفرق بينه وبين والدها؟ إنه أكثرهم شبهًا له وهي لم تكن تعلم، فوالدها كان يعنفها جسديًا ولفظيًا، وذلك لم يرحم مشاعرها ونفسيتها ، كلاهما حطماها.

هل العيب فيها؟ هل هي المخطئة؟ ماذا كان يريد ولم تفعله؟ ولمن ستشكو ما فعلاه بها؟ أم أن العيب في الشكوى ؟ أم أنها يجب أن تقوى؟ أم تنهار ليجد كل من حولها راحته؟

غرقت في بحرٍ من الأفكار ولكنها بدأت البحث عن الأسباب، خاصةً وأنها لا تمتلك خيار الانهيار ، فلا إرث لديها ولا مال تستند عليه ولا عائلة، وعمها ليس في يده الكثير ليقدمه، فهو في نهاية المطاف شقيق من ظلمها وأكل حقها ووالد من ذبحها واستحل تهشيم فؤادها .

صدمتها هذه أزاحت الستار عن مفتاحين لم تكن تراهما،فقط عليها أن تسحب أحدهما للأسفل فيصمت صوت القلب ، وترفع الآخر للأعلى فيعلو صوت العقل.

التفتت عيناها نحو الفراش مجددًا، تحدق به لثوانٍ قبل أن تتعهد داخل نفسها ألا تنام فوقه مرةً أخرى، من الآن وصاعدا هو محرمٌ عليها، مثله كمثل صاحبه .

لقد أغرقته طيلة عامين من حنان وحب واحتواء المرأة الصعيدية، فلتريه قليلًا من قسوتها وقوتها ولتبتعد بعد ذلك دون الالتفات خلفها، ستأخذ طفلها وتغادر الصعيد برمته، عن أنظار الناس ونميمتهم، وتبحث عن عملٍ يناسبها بعيدًا عن جبروت عائلة آل حانا ، هذا ما ستفعله .
1

❈-❈-❈

استيقظت تتحس الفراش فلم تجده، ارتفعت قليلًا تبحث عنه وتنادي بنبرة خافتة :

- مهران؟

حينما شعرت بعدم وجوده انتفضت تنظر نحو ساقيها عند نقطة ما على الفراش، وحينما رأت بقعة الدماء زفرت بارتياح واعتدلت تجلس وتجمع خصلاتها وتعصجهم بإهمال، ثم ارتخت تبتسم وتستعيد ما حدث بينهما.

ضحكت بسعادة وترجلت تفرد ذراعيها وتتنفس كما لو كانت مقيدة وأخيرًا تحررت، تحركت نحو الخارج لتراه، ولكنها بعد ثوانٍ من البحث ارتدت على الأريكة بملامح مشدوهة ومتعجبة تتساءل أين ذهب؟

استلت هاتفها وحاولت الاتصال به، ليجيبها بعد ثوانٍ فتساءلت :

- إنت فين يا مهران؟ ينفع كدة اصحى من النوم مالقكش جنبي؟

نطق بنبرة مرهقة بائسة :

- چاي يا تيا، چـــــــاي .

أغلق بعدها فجلست تستشف سبب نبرته ومغادرته؟ ولكن لا يهم الآن، ما يهم أنها أصبحت زوجته قولًا وفعلًا وانتهت مخاوفها إلى الأبد،وستبدأ في تحقيق أهدافها .

❈-❈-❈

أما هو فكان يجلس في سيارته، في منتصف الطريق، كأنه فقد قبلته، المواجهة كانت صعبة، ولكنه فعل ما يريد، ستهدأ الأوضاع وسيتقبل الجميع ما فعله، ليصبر قليلًا بعد، هو على يقين أن القادم أجمل .

سيعترف والده أنه أخطأ في حقه ، وسيرى عمه أنه ليس مغفلًا بل صاحب قرارات، وستكف نهاد عن شكواها وعن استعطافه وتدرك أنه كان محقًا حينما نصحها بألا تفعل ، الجميع سيتقبلون الأمر الواقع .

ولكن كلماتها لا ترحم عقله، تعود وترتد في زواياه كالكرة المطاطية، لقد آلمها، من المؤكد أنها تتألم بالفعل فهي تحبه كثيرًا، ولكن هذا ليس ذنبه، كان عليه أن يحب نفسه قليلًا، وإلا لن يستطيع أن يكمل حياته هكذا؟ هو لم يخالف شرعًا أو قانونًا .

زفر حينما عادت حالتها تؤرقه لذا قرر أن يتحدث إلى شقيقه ويسأل عنها ...

❈-❈-❈

ترك الصغير مع والدته وصعد للأعلى ليرى زوجته ويطمئن على حالتها برغم يقينه بأنها لا ترغب برؤيته .

طرق الباب ودلف ليجدها تؤدي فرضها وتبدو في حالة أفضل ، لذا ابتسم والتفت ليرى صينية الطعام فوجدها تناولته بالفعل .

حمد ربه وتحرك قاصدًا حملها ولكنه توقف حينما رن هاتفه ، فالتقطه ليجده شقيقه لذا تحرك صوب الشرفة ودلفها وهو يجيبه قائلًا :

- ها يا مهران؟ مبسوط دلوك؟

انزعج مهران وتساءل متجاهلًا سؤاله :

- نهاد عاملة إيه دلوك؟

شرد عمار لبرهة يتخيل فيها حالة نهاد وما تشعر به ، ليجيبه بملامح حزينة :

- الله يكون في عونها ، الراچل اللي شافت فيه الدنيا كلياتها چه وجال أنه اتچوز ، وياريته على إكدة وبس ، لاء كمان جال إنها مش اختياره ، إنت ظلمتها يا مهران ، وماعرفش كيف حتعرف ترد المظالم دي .

- وأني ماتظلمتش ياخوي؟

أسرع ينطقها لكي لا يعيش مقدار ذرةٍ من ندم ، ليجيبه عمار بشرود يفكر فيما أصابه لسنوات :

- لو كل مظلوم ظلم غيره يبجى الچنة اتعملت ليه يامهران ؟ ماحدش فينا ماداجش الظلم بس يابخت اللي ياخد بالأسباب ويفوض أمره لله .

لم يكن مهران وحده من يسمعه ، بل تسمعه فرحة بعدما سلمت وجلست على سجادتها تتنصت عليه بحيرة وتخبط يتضخمان داخلها يومًا بعد يوم .

هل يريد التوبة ؟ هل يشعر بالندم ؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟

لم يجِبه مهران ، كأن الإجابات جميعها ضلت الوصول إليه ، ليزفر عمار بقوة ويستطرد لينهي الحوار :

- هملها دلوك يا مهران ، وشوف حالك إنت ، وهي بجى ربنا يطيب خاطرها ويعينها ع اللي چاي .

نطق قبل أن يغلق حيث أن هذه المكالمة لم تضِف له سوى الضيق :

- ماشي يا عمار، خد بالك من حمزة، حبجى اجولك تچبهولي اشوفه لأني ماحعرفش اچي الجصر دلوك.

- إن شاء الله .

نطقها عمار مستنكرًا أفعال شقيقه ليغلق معه ويقف يتطلع نحو الأفق بشرود ، عن أي ظلمٍ يا مهران ؟ هل الزواج من امرأة تحبك وتفعل كل ما تريده وتتمنى منك شبح ابتسامة أو قبول يعد ظلمًا ؟ ليتني أُظلم يا أخي ، ليت ذلك الظلم يصيبني بدلًا عن مستنقع الظلم الذي اتقلب فيه لسنوات .

تنفس مطولًا ثم التفت يدلف ليجدها تجلس على الأريكة الصغيرة ، تعبث بهاتفها متجاهلة وجوده .

تطلع عليها وابتسم فها هي تبدأ في الاندماج ، وهذا ما يريده ، لذا قرر ألا يستفزها الليلة ، واتخذ خطواته نحو الكومود يحمل الصينية ويتجه بها لخارج الغرفة قاصدًا إرجاعها ثم العودة ليخلد إلى النوم .

غادر وأغلق خلفه فأغلقت هاتفها ورطمته جانبًا وجلست تفكر فيه وتستعيد كلماته ، ماذا يقصد هذا ؟

❈-❈-❈

في قصر آل حامد..

جلس يستمع إليها وهي تخبره بتفاصيل يومها وتدلك جبينها في محاولة منها لتفادي هذا الصداع .

يتفحصها جيدًا ويستمع إلى كلماتها المبعثرة لذا تساءل :

- طب معلش احكيلي إكدة اكلتي إيه بالضبط ، وركزي يا نوارة الله يرضى عليكي .

انكمشت ملامحها انزعاجًا وأجابته وهي مغمضة العينين :

- من نفس وكلكم يا يونس ، بس عمتي حلفت عليا اكل حتة رُجاج من اللي عملاه بيدها .

تساءل مجددًا :

- طيب شربتي مية منين ؟ يعني مافيش أي حاچة غريبة أكلتيها ؟ طب خرچتي برا الجصر ؟ خطيتي على حاچة إكده ولا إكده .

تعاركت أسئلته مع صداع رأسها مع شعورها بالضيق وعدم القدرة على التنفس لذا نطقت بحدة دون إرادة :

- بجولك إيه حل عن نفوخي ، جولتلك كل اللي حُصل ، بعد عني بجى .

يدرك أن أسئلته استفزت شيئًا داخلها ، لذا لم يحزن منها بل حزن عليها ، وعلى عودة حالتها لنقطة الصفر ، لذا نكس رأسه واستغفر ربه ثم عاد يطالعها فوجدها تعاود تدليك جبهتها ولكن هذه المرة بيدها اليسرى ، ليلاحظ هذا الخاتم ذو اللمعان الملفت ، و شعر بطاقة سلبية نحوه لذا أسرع يتناول كفها فانتزعته تستطرد بنظراتٍ عنيفة حادة لا تشبه عيناها :

- جولتلك بعد احسنلك .

حدق بها لبرهة قبل أن تتملكه العزيمة بعدما تأكد أن هذا الخاتم هو السبب ، لذا هب واقفًا يعلوها ويحدق بها قبل أن يرنو منها ويقيد حركتها بقوة ليجدها كما توقع ، تقاومه بقوة دخيلة ، وتئن بنبرة غليظة ، بينما هو هدفه نزع الخاتم منها .

كلما حاول القبض على يدها أفلتتها ليجد صعوبة بالغة في نزعه كأنه التصق بها ، ولكنه لم ييأس بل قيدها في مقعدها بكلتا ساقيه وجسده ، وهي تحدجه بنظرات متوعدة وتحاول دفعه عنها حتى نجح في القبض على يدها فتحركت يده الأخرى لتساعده في نزعه من إصبعها ، ولكنه فقد تحكمه حينما أزاحته بيدها المحررة وعادت تفلت يدها منه وتباغته بلمعان مخيف .
1

كاد أن يقع ولكن لسانه بات يردد آيات من سورة الصافات والبقرة والمعوذتين وهذا ما جعله أقوى حيث عاد يمسك بكفها وبالأخرى يحاول ، حتى نجح أخيرًا في نزع الخاتم منها ليجدها تصرخ بصوتٍ حاد وتدفعه عنها فسقط أرضًا قابضًا على الخاتم ، يلتقط أنفاسه بتسارع ويتطلع عليها ليجدها بدأت تفقد وعيها .

ظل يحدق بها والحزن يصاحبه ، انتزع الخاتم ولكنه يخشى بقايا أثار ذلك المس الملعون ، يجب أن يحذر جيدًا ، ويضع خطة أخرى للعلاج .

سمع صوت طرقات على بابه لذا نهض يتجه ويفتحه ليجدها منصورة تطالعه بذعرٍ مستفهمة :

- فيه إيه يا ولدي ؟ أني سمعت صرخة نوارة وجلبي اتخلع ؟ مالها يا يونس ؟

ازدرد ريقه والتقط كفها يضع به الخاتم قائلًا بتأكيد :

- اخفي الخاتم ده بعيد ياما ، أوعاكي حد يعرف مكانه لحد ما النهار يطلع ، واطمني نوارة حتبجى زينة ، فيه حد تانى سمع ؟

قبضت على الخاتم بقبضة مرتعشة ونظرت له بخوف تنطق :

- كله نايم ، أني بس اللي سمعت وأني بصلي القيام ، إيه اللي حُصل .

ربت على كتفها واستطرد :

- ماتجلجيش ، روحي انتِ نامي وابجي ادعيلها .

أومأت له بملامح حزينة وتحركت تغادر، أغلق الباب وعاد إليها ليجدها كما هي ، لذا اتجه يحملها بهدوء ويخطو بها نحو الفراش ، وضعها بتهمل وحاوطها يتفحص ملامحها ويتلمسها بكفه ببطء ثم مال يطبع قبلة رقيقة على شفتيها واعتدل يزفر بقوة وأسف ، ثم تحرك نحو الحمام ليبدل ثيابه ويغتسل ويعود إليها ولكن عقله منشغلٌ في صاحب هذا الخاتم ، وهل تعرفه نوارة ؟ يجب أن يصل إليه بأي وسيلة ...

❈-❈-❈

طرق عبد الوهاب بابها وانتظرها لتفتح..

وبالفعل فتحت له تطالعه بمقلتين منتفختين ، ثم تركت الباب ودلفت فتبعها، جلست فتبعها، يطالعها ولأول مرة يخونه لسانه .

تجلس متكتفة تنظر أرضًا، وتعلم ما يدور في خلده لذا التزمت الصمت ليتنهد بقوة ثم نطق بحذرٍ :

- إيه اللي يريحك يابتي ؟

بهدوء مؤلم أجابته مستفسرة :

- حتجدر تجف جاري يا عمي؟ حتجدر تجف في وش أخوك وولدك لاجل ما تنصفني؟

ازدرد ريقه ونطق شاعرًا بمدى فداحة قراره :

- أني ماملاجيش حاچة اجولها تخفف عنك يابتي، أني طالع ع السلم دلوك رجل تجدم ورجل تأخر وماعرفش حطيب خاطرك ده إزاي، حاسس إني ظالم جوي، بس ربنا يعلم إني عملت إكدة علشان رايد الخير ليكي ولولدي .

وجدها تستمع دون النظر إليه فتألم ونطق يوضح وهو يمد يده ويربت على ذراعها :

- أني كنت عارف إنك بتحبي ولدي ومتعلجة بيه ، خوفت اسيبك لابوكي يچوزك لواحد ماريداهوش ويظلمك تاني، وبردك فكرت في مصلحة ولدي الكبير اللي اكتشفت دلوك اني جصرت في تربيته أني وأمه، أني كنت عارف إن ولدي مهران دماغه ممكن تسوحه وحسبتها غلط، جولت لما يكون وياه وحدة بتحبه بجد وبتخاف عليه حيقدرها ويصونها، جولت زيي وزي أمه إكده ، بس كنت غلطان جوي، لا ولدي طلع شبهي ولا بت أخوي تشبه مرتي، علشان إكدة إنتِ ليكي عندي حج كبير، واللي إنتِ رايداه مهما كان هو إيه حعملهولك ، وعارف إني ماحعرفش أرمم اللي اتكسر ولا ارچع ابني عن طريجه لإنه كبير وواعي والعند راكبه ، وللأسف لازم يتحاسب على أفعاله .

مازالت تستمع دون أن تحرك ساكنًا فنهض يستطرد بثبات :

- أني في ضهرك يابتي، شوفي اللي يريحك وعرفيني جرارك .

تحرك خطوتين فنطقت دون رجعة :

- اللي يريحني إنه يطلجني يا عمي، يطلجي وبعدها يحلها ربنا .

التوى قلبه لقرارها، لم يكن يريد هذا مطلقًا، من يجب أن تُطلق تلك الدخيلة وليست ابنة شقيقه، ولكن هل يكفي تطليقها لتغفر له ما فعله بها وما قاله اليوم؟

التقط تنهيدة مطولة ثم التفت يحدق بها وينطق مجبرًا على تنفيذ وعده :

- فكرتي زين ؟ ماتخديش جرار دلوك، فكري وبعدين نتحدت .

هزت رأسها مرارًا ونطقت مؤكدة دون رجعة :

- مهواش جرار في ساعة غضب يا عمي، ده اللي كان لازم يحصل من زمان لاجل مالاجي نفسي وافوج واعرف اربي ولدي صُح ، ربنا شرع الطلاج رحمة للي زيي، وعارفة إن الجيامة هتجوم عليا بس هو طريج خدته واللي يحصل يحصل ..

تركها وترجل وجلس يحمل همومًا فوق عاتقه، جاءت صابحةة تحمل الصغير المندمج مع لهايته، جلست جواره تسأله بترقب :

- جالتلك إيه يا عبده؟

نظر لها يشتكي همه ويخبرها بحزن :

- عايزة تطلج يا صابحة .

شهقت تضرب صدرها ناطقة :

-يا مري؟ بيت ولدك حيتخرب يا عبده؟ لازمًا نلاجي حل .

زفر يستغفر ورفع نفسه يستند بظهره قليلًا ثم هز رأسه ونطق :

- ماحجدرش اچي عليها تاني يا صابحة، بزيادة عذاب ليها لحد إهنة، أني جولتلها أني حعملها اللي هي رايداه .

نطقت مستنكرة بعتاب :

- كيف يعني يا عبده؟ حتطلج بت اخوك من ابنك؟ طب وحمزة ؟

قالتها وهي تشدد من ضمها للصغير بملامح حزينة فنظر لحفيده قليلًا وعاد إليها ينطق بنبرة عادلة :

- حمزة ويانا وحيتربى وسطينا وماحيتجصرش في حجه، بس دلوك لازما نرحم أمه ونفكر فيها، مهران مافكرش في ولده ولا في مرته ولا حتى في أهله، مهياش مطلوب منها تفكر دلوك غير في اللي يبرد نارها، اللي هي رايداه حعملهولها وحجف جنبيها كانها بتي ، إنتِ خابرة زين اللي ممكن يحصلها من حسنين لما يعرف إنها طالبة الطلاج .

عبست صابحة وغيم الحزن ملامحها وهي ترى بيت ابنها يُهدم ولا تصدق أن زوجها سيشارك في ذلك، تدرك جيدًا أن ابنها ظلم زوجته ولكنها تتمنى لو أن هناك حلًا آخرًا لذا نطقت :

- يمكن لما يلاجينا كلنا زعلانين منيه يطلجها ويرچع لمرته يا عبده، ونهاد بتحبه وهتسامحه ؟

دقق النظر فيها، يدرك أمومتها التي أحيانًا تصيبها بالأنانية ، لذا نطق كي يوقظها :

- لو لا سمح الله أني مكان مهران، حتسامحيني يا صابحة؟

حدجته بنظرة ثاقبة طالعته وتخيلت وحينما لم تحتمل لفت وجهها عنه تدعي انشغالها بتعديل وضعية لهاية الصغير لذا نطق في محاولة أخيرة منه :

- خدي حمزة وروحيله الصبح واتحدتي وياه لآخر مرة، وشوفي حيجولك إيه، وبعد إكدة ربنا هو اللي يدبرها من عنده..

قطع حديثهما دخول جابر من باب القصر يبتسم ويقلب ميدالية مفاتيحه بين أصابعه بمزاجٍ صافٍ، يطلق صفيرًا مدندنًا حتى توقف أمام والديه يحدق بهما لثوانٍ قبل أن ينطق :

- دي إيه الملامح اللي تشرح الجلب دي، الحاچ والحاچة مالهم كفا الله الشر؟

رفعت صابحة نظرها تحدجه بغيظ بينما تساءل عبد الوهاب بنبرته الحزينة :

- إنت كنت فين كل ده؟

نظف حلقه واتجه يرتد بجوار والدته وينحني مقبلًا الصغير ثم اعتدل ينفش نفسه بتباهٍ وينطق :

- فيه حد يسأل راچل أعمال زيي السؤال ده بردك يا حاچ؟ كنت في شركتي طبعًا، ماتجلجش ولدك سكته دوغري، من الجصر للشركة ومن الشركة للجصر، ماحدش يجدر يمسك عليا غلطة واحدة ، ولا إيه ياض يا حمزة ياولا ؟

نطق الأخيرة وهو يعاود الانحناء نحو الصغير ويقضم وجنته فتململ حمزة ضاحكًا بينما التفتت صابحة تطالعه بحزن ونطقت تخبره متخلية عن حدتها :

- أخوك اتجوز على مرته .

جحظ وفرغ فاهه لبرهة ثم نطق باستنكار جعله يتخبط :

- عمار؟

- مهران .

نطقها عبد الوهاب بنظرة محذرة فاسترسل جابر مصدومًا :

- وه وه وه وه، الكبير؟ ، طب تصدج بجى أني جلبي كان حاسس، طلع نمس بصحيح .

انزعج عبد الوهاب من طريقته فنطق يوبخه :

- اتكلم عدل يا چابر، الدنيا جايمة وبنت عمك حالتها حالة ، اتأدب شوية .

تحمحم جابر ونطق يسترسل بحيرة في أمر شقيقه :

- يابوي مهو بردك الغلطة غلطتك من لاول، مين دلوك بيتچوز غصب عنيه، بس بردك ماهو في الآخر وافج واتجوز وخلف كمان، تصدج ولدك ده حياخد على دماغه وبكرة تجولو چابر جال .

صمت قليلًا ثم تساءل :

- اتچوز مين بجى؟ لتكون السكرتيرة اللي عينها كانت منيه؟

نظرا لبعضهما وتساءلا بصمت، فهما لا يعرفان من تلك التي تزوجها بالفعل، ليستطرد جابر ساخرًا على حالتهما :

- كمان ماعرفينش اتچوز مين؟ ليلتكو فل، الواد عمار تلاجيه هو اللي عارف .

نهض يقف عند أول الدرج وينادي بعلو ولا مبالاة :

- عمــــــــــــــــار ، خد يا عمار اما اجولك، سايب ابوك وأمك حالتهم كرب وجاعد فوج بتعمل إيه؟ أومال لو ماكنتش چوازة بتار كنت عملت إيــــه فينا ؟

خرج عمار من غرفته حيث كان على وشك الخلود إلى النوم، خطا نحو الدرج يطالعه بانزعاج فابتسم جابر ولم يبالِ بل استرسل وهو يرى شقيقه يقترب منه :

- اخوك اتجوز مين؟ أوعى تجول بوز الأخص اللي معاه في الشركة !

نظر عمار لوالديه فوجدهما ينظران نحوه فهما أيضًا يريدان معرفة هوية تلك الزوجة لذا زفر ونطق وهو يتحرك نحوهما :

- بت غريبة ، أبوها من نجع العوارفة اسمه بدران، بس امها امريكانية وكانت عايشة هناك طول عمرها، حصلها ظروف إكده وچت إهنة تدور على أهلها بعد موت ابوها وامها، ولما رفضوها مهران وظفها جريب في الشركة ،أصله اتعرف عليها في رحلة لأسوان .

تجلى الغضب على ملامح عبد الوهاب، فهو يعرف كل صغيره وكبيرة تحدث في نجعه ولكنه نسى أن يتحرى عن أولاده، بينما شهقت صابحة في صدمة وشرود ، أما جابر نطق متعجبًا :

- أمريكانية وأبوها صعيدي؟ طب تصدج بجى أخوك ده عبيط .

- چــــــــابر..

نطقها عبد الوهاب مستاءً من لا مبالاته، بينما طالعته رابحة تردف بقلق :

- إحنا لازم نعرف جرار البت دي يا عبده، لترچع تأذيه بعد الشر .

نظر لابنه ونطق بملامح حازمة :

- اسأل عن البت دي زين يا عمار، وخلي عينك عليها .

أومأ عمار وعاد ينظر إلى شقيقه الذي اقترب منه وهمس بخفوت واستفسار فضولي :

- سيبك من مهران وجولي، كنت بتعمل إيه فوج؟ فرطت الرمان ولا لساتك حزين .

باغته عمار بنظرة تحذيرية ونطق بنبرة غاضبة :

- خليك في حالك وحوارتك دي بعيد عني .

❈-❈-❈

فتح الباب ودلف يغلقه فسمعته لذا أتت مهرولة من غرفتها تعانقه فبادلها سريعًا قبل أن تبتعد قليلًا وتطالعه بتفحص ثم تساءلت :

- مالك زعلان ليه؟ حصل حاجة ضايقتك؟

ظن أنها ستستجوبه أين كان؟ ولمَ تركها وذهب؟ وتضعه في خانة التبرير وهذا مالا يريده، ولكنها فاجأته باستقبالها واهتمامها به لذا ابتسم لها ونطق بترقب :

- داني جولت حتبجي زعلانة إني نزلت الليلة من غير ما اجولك .

نطقت بتأكيد:

- طبعًا زعلانة، بس أهم حاجة عندي إنك رجعت، قولي بقى مالك، حصل حاچة؟

أمسك بكفها وسحبها خلفه نحو الأريكة ثم جلسا سويًا يحتوي كفيها وينطق :

- أني بلغت عيلتي إننا اتچوزنا يا تيا، ماكانش حينفع أخبي واتعامل كني عامل عملة ومداري، ده غير من حجك إن چوازنا يتشهر والكل يعرف بيه .

أسرعت تلف ذراعيها حول رقبته وتعانقه معربة عن سعادتها فيما فعل حيث قالت :

- فرحتني أوي يا مهران، طبعًا عملت الصح .

ربت على ظهرها فابتعدت تستطرد :

- بس واضح من ملامحك إنهم زعلوا !

لف وجهه يومئ لها ثم نطق بشرود :

- ونهاد طلبت الطلاج .

شهقت بصدمة ونطقت باستنكار ظاهري :

- ياخبر ابيض، طلاق إيه بس، معقول؟ مش قولت إنها بتحبك جدًا؟ لاء يا مهران اوعى توافق تطلقها .

ظل ناكسًا رأسه يفكر، والأخرى تنظر له بسعادة جعلت رئتيها تتضخمان، لم تعد تبالي بالتخبط الذي يواجهه، بل تتمنى أن ينفصلا في أقرب وقت، لذا تابعت وهي ترنو وتستند بيدها على كتفه :

- معلش يا مهران أكيد اتفاجئت، بس أنا متأكدة إنها هتقعد مع نفسها وتفكر كويس لإنها بتحبك وأكيد أهم حاجة عندها إنك تبقى مرتاح ، وانت طبعًا مش هتقصر مع أي واحدة فينا، وحتى هي ليها الأولوية عني كمان، بس ماينفعش تطلقها خالص، أنا مش هتحمل ذنب زي ده .

شتتته أكثر بكلماتها ليلتفت لها وينطق موضحًا :

- إنتِ مالكيش علاجة يا تيا باللي حُصل، وماتجلجيش ماحطلجهاش مهما يُحصل، أني بس جولت أهمّلها كام يوم إكده لحد ما تهدى ونبجى نتحدت .

اشتعلت غيظًا ونشب حريق في رئتيها المتضخمتين ، ولكنها حاولت التظاهر بالدعم، إلا أنها لن تهدأ حتى يعلنا انفصالهما ويصبح مهران لها وحدها، لذا ابتسمت ونطقت تخفي نظرات الغيظ عنه :

- بالضبط كده .

❈-❈-❈


صباحًا

في طريقها إلى شركة معتز لتقدم استقالتها ..

تتمنى ألا يقبلها ، لا تتخيل أن تنفصل عن الشركة التي عاشت نجاحها وصعودها تدريجيًا، بل وساهمت فيه بطريقة مباشرة والجميع يشهد بذلك ، من المؤكد أنه لن يقبل بانفصالها عن الشركة ، فهي بالإضافة إلى كونها مهندسة يُشهد لها لم تمانع كذلك أن تصبح مديرة مكتبه كما طلب منها .

ربما ينتظرها ليصلحا سوء التفاهم هذا وتعود للعمل من جديد ، وحينئذٍ سترفض عرض جابر .

ها هو عاد ليحتل عقلها ، لقد قدم لها عرضًا لا يفوّت ، ومكانة مرموقة في شركته ، ولكنها كمهندسة برمجيات لا تحب أن تعود لنقطة الصفر بعدما قطعت شوطًا طويلًا مع معتز ، لذا ستستمر في تقديم الدعم له إن احتاجه ، وستحاول بعدها إصلاح العلاقة بينه وبين معتز، ربما حلّا ذلك الخلاف وتعاملا كلاهما تعاملًا رسميًا شريفًا دون مشاحنات .

توقفت بعدما ركنت سيارتها أمام الشركة ، ترجلت تستل حقيبتها وتحركت نحو الداخل .

رآها الحارس فرحب بها فابتسمت له تردف :

- أزيك يا عم محمد .

- الله يسلمك يا آنسة ريم ، اتفضلي .

دلفت واتجهت تستقل المصعد لتصل للطابق المنشود، ثوانٍ حتى توقفت وخطت خطواتها نحو مكتبه ولكنها تجمدت حينما وجدت إحداهن تجلس مكانها، ظلت تحدق بها بعدم تصديق ، مديرة مكتب أخرى ؟ بهذه السرعة ؟

شعرت بخيبة كبيرة بعد أن نما الأمل داخلها ، لتراها الموظفة لذا ابتسمت تتساءل :

- اتفضلي !

تلعثم لسانها ولم تجب سريعًا بل ازدردت ريقها ونطقت بتخبط :

- كنت جاية اقابل مستر معتز، بلغيه لو سمحتي، قوليله ريم البسيوني .

أومأت ورفعت سماعة الهاتف لتخبره أمامها، حتى هذه السماعة كانت تظنها ملكية خاصة وها هي تقطن في يد أخرى .

ابتسمت ساخرة والضيق يعتليها وهي تراها تغلق ثم تشير لها نحو الباب قائلة :

- اتفضلي .

أومأت لها وتحركت نحو الباب تطرقه، ثم فتحت ودلفت لتجده في انتظارها، يشبك كفيه فوق مكتبه ويطالعها بتجهم وينطق حينما أغلقت الباب :

- كنت متوقع تيچي بدري عن كده ، بس كل مرة بتفاجئيني يا ريم .

تقدمت منه ونظرت له بخيبة وكادت أن تفتح عتابًا، ولكنها تذكرت سريعًا كلمات نوح لذا دست يدها في حقيبتها تخرج استقالتها ، ومالت قليلًا تضعها أمامه وتنطق بهدوء ظاهري دون النظر إليه بينما داخلها يعج بالصراعات :

- چبتلك استقالتي يا مستر معتز، وچيت اسلم عهدتي واخد أوراقي .

عادت ترفع نظرها و تطالعه و استطردت بثبات ومغزى :

- قولت اتأخر شوية لحد ما تلاقي مهندسة چديد علشان اعرفها نظام السيستم اللي كنت شغالة عليه .

ابتسم يستشف ضيقها ونطق بتشفٍ :

- لا أنا لسة مالقتش مهندسة ، بس دورت على سكرتيرة من تاني يوم والحمد لله لقيت واحدة عندها خبرة مش بطالة ، هي اللي قابلتيها برا .

أومأت ليسترسل بمغزى :

- بس طبعًا بفضلك اتعلمت الدرس كويس، حتى لو لقيت مهندسة كفاية عليها السوفت وير، ملهاش علاقة بالمنظومة التقنية اللي انا بالمناسبة غيرتها كلها وماحدش في الشركة كلها يعرفها غيري ، مافيش اي حد يستحق ثقتي .

أومأت مرارًا تمط شفتيها بادعاء التفهم ، فأسرع يلتقط قلمه ويوقع على استقالتها ثم ناولها إياها يتابع بثقب :

- اتفضلي ، واتمنى تلاقي مكان تاني مناسب لامكانياتك الممتازة ، بس خدي بالك كويس لإن بكرة الأيام تثبتلك إنك خنتي ثقتي علشان واحد عرف كويس يستغلك ويوقع بينا .

التقطتها منه وتفحصتها ثم عادت تطالعه وتردف بهدوء وابتسامة رسمية :

- ونفس الأيام حتثبت لحضرتك إنك خسرت مهندسة كان كل ولاءها ليك ولشركتك اللي شاركت في نچاحها كإنها شركتها ، وانت عارف كويس كم المغريات اللي اتعرضت عليا علشان اسيب مكاني وبردو ماقبلتش ، تعاملي مع چابر آل حانا كان بهدف المساعدة ومد يد العون مش أكتر ، بس على العموم أنا كمان اتعلمت درس مهم ومش حكرر غلطتي ، عن اذنك .

التفتت تغادر بخيبة وانكسار يمكثان داخلها فقط ، لا يظهران على ملامحها البتة ، لذا فتحت الباب وخرجت تنظر إلى الموظفة وتبتسم قائلة :

- ممكن تسمحيلي آخد حاچتي من المكتب واسلمك العهدة .

أومأت لها بابتسامة عملية ونهضت تفسح لها المجال فتحركت ريم نحو المكتب واستلت مفاتيحها تفتح أدراجه وتخرج الأغراض منها تحت أنظار الفتاة وأنظار معتز الذي يتابعها من خلال الكاميرة .

الغضب الذي أخفاه تجلى وسكن ملامحه بشكلٍ مفاجئ ، يتحسر على رحيلها ولكنه أيضًا لا يمكنه الوثوق بها بعد الآن ، خاصةً وأن العدو هذه المرة هو جابر آل حانا .

❈-❈-❈

فتحت عيناها، تشعر كما لو أنّ سندان حداد يضرب رأسها مرة تلو الأخرى ، صداعًا حادًا جعلها تئن بصوتٍ مسموع ، لذا استيقظ يونس واعتدل يطالعها ويتساءل باهتمام بالغ :

- مالك يا نوارة ، حاسة بإيه ؟ احكيلي .

التفتت تطالعه بضيق ، تشعر بأنها لا تريده في محيطها ، لذا تململت تبتعد عنه لآخر الفراش ثم عادت تنظر حولها ، هذه الجدران تخنقها، لم تعد تطيق المكوث هنا ، ما هذه الحالة الكئيبة ؟ ألم تصبح بخير ؟ ما الذي يحدث معها ؟

ترجلت فابتلع ريقه يشعر بها لذا ترجل للجهة الأخرى وكاد أن يقترب فنطقت تحذره بصوت واهن :

- ماتجربش ، أني عايزة امشي من اهنه ، وديني عند أبوي ، ماطيجاش أجعد اهنه واصل .

اهدي يا نوارة واستعيذي بالله من الشيطان الرچيم ، السحر اتچدد تاني عن طريق الخاتم اللي لبستيه امبارح ، اجعدي علشان راسك وحاولي تفتكري مين ادهولك .

نظرت له بصدمة وعادت تتذكر ليلة أمس وكيف كانت حالتها وكيف حاول هو أن ينزعه لذا حدجته بحزنٍ سافر ورق قلبها له ولكن شيئًا ما يمنعها عنه .

ازدردت ريقها وتحركت تجلس حيث أنّ رأسها يكاد ينفجر ، لتنطق بعدم معرفة :

- ماعرفاش ، كان فيه حريم كتير وكل واحدة حطت هديتها وجعدت ، مافكراش مين حط إيه ، أني تعبانة جوي ، وديني عند أبوي .

نطقتها وهي تحيط رأسها بكلا كفيها ، ولكن وجودها بجواره أفضل لها ، سيبدأ معالجتها على الفور ولكن يجب أن تقبل لذا نطق بتريث :

- طيب يا نوارة روجي دلوك ولو عايزة تطلعي برا الأوضة دي تمام ، حجول لأسماء تچهز أوضة فرحة تجعدي فيها اليومين دول لحد ما ربك يصلح الحال ونفسد الأذى ده ، بس ماينفعش تطلعي من الدار واصل ، إكدة حتتعبي أكتر .

رفعت رأسها تطالعه لبرهة ثم أومأت وعادت تطرقها وتنطق بخفوت ونفور :

- ماشي ، حجعد في أوضة فرحة ، بس طلعني من إهنه .

أومأ والتفت يغادر الغرفة ليخبر أسماء بتجهيز غرفة فرحة لها، ويأخذ الخاتم ليرى كيف سيتخلص منه ...

❈-❈-❈

أيقظها هاتفها حينما رن برقم شقيقها ، تململت تلتقطه ونظرت له بثقل ثم فتحت تجيب بنبرة متحشرجة من أثر النوم ، وهي تظن أن عمار قد غادر مبكرًا كعادته :

- أيوة يا أيوب ، عامل إيه ؟

كان يضع الهاتف فوق الكومود ويعلق سماعة الأذن حيث يقف يرتدي جلبابه ليغادر إلى عمله حينما نطق بوجوم :

- صباح الخير يا فرحة ، عاملة إيه ؟

تنفست بحرارة وأجابته وهي تتململ في فراشها :

- هكون عاملة إيه يا ايوب ، أديني مجضية أيامي اللي بنام فيه بصبح فيه لحد ما اخلص بجى من السچن ده .

تحرك يقف أمام مرآة الزينة يضع عطره ويهندم نفسه ثم تساءل بحقده المخصص لعمار :

- ماكنش في يدنا حل تاني يا فرحة ، المهم دلوك جوليلي بتتعاملي مع الكلب ده كيف ؟

زفرت تلفظ ضيقها ، وشيئًا داخلها أجبرها أن تجاري شقيقها كأنها تخفي عنه ما تخشى أن ينكشف لذا نطقت :

- لا طايجة نفَسه ولا ريحته ولا شكله ، بس بجول معلش اتحمل لاجل ما الدنيا تهدى خالص واعرف اخلص عليه واهرب من إهنه ، لو اجولك كيف أمه مرعوبة عليه مني ، كل ما بشوفها في الحالة دي بشفي غليلي بيها .

انتعش وهو ينظر لهيئته برضا ونطق مشجعًا وداعمًا :

- متخافيش ، أني معاكي وحهربك عند جرايبنا في اسكندرية ، بس لما تنوي عرفيني .

شردت قليلًا ، هل تستطيع فعلها حقًا ، هل يمكنها غرز ذلك الخنجر في قلبه وهي تنظر في عينيه ليلًا ثم تركض هربًا ، ليستيقظوا على فاجعة مقتله كما استيقظت هي من 5 سنوات ؟؟؟

شعرت بالاختناق لذا ارتفعت قليلًا لتجلس وتنفض عنها الغطاء وكادت أن تنطق ولكنها تجمدت حينما وجدته يجلس على الأريكة يطرق رأسه ويستند مُشبكًا كفيه على ساقيه بعدما سمع حديثها وخطتها .

ألجمتها الصدمة فعاد أيوب يردد :

- فرحة ؟ روحتي فين ؟

ازدرد ريقها بصعوبة ونطقت :

- حجفل دلوك يا أيوب .

أغلقت معه ووضعت الهاتف جانبًا ، ثم حاولت أن تتحلى بالقوة ، فهي لا تنكر هدفها منذ أن جاءت ، لذا ليس عليها أن تخشاه ، من هو لكي تخشاه ؟ من هو لكي تراعي مشاعره ؟ ليحدث ما يحدث لن تبالي به .

ترجلت وارتدت خفها تتحرك نحو الحمام ولكنه نطق :

- وجفي يا فرحة .

توقفت لبرهة ثم التفتت له تحدجه كأنها لا تبصر إلا كرهًا ، تخفي نظرة ترقب حديثة ، لتجده ينهض ويقترب منها حتى وقف أمامها يحدق في عينيها التي أودت به إلى هنا ، لذا نطق بثبات برغم حزنه :

- كنت مراهن على ضميرك وعجلك ، بس للأسف طلعتي زي اخواتك لاتنين ، لا ضمير ولا عَجل ، من إهنه ورايح حتجعدي في الأوضة دي لحالك ، وده مهواش خوف لاجل ماتجتليني وتهربي كيف ما مخططة مع اخوكي لااا ، ده علشان أني ماحجبلش إنك تشفي غليلك في أمي وتحرجي جلبها ، ومن إهنه ورايح دمي حيبجى غالي عليا ، أني دفعت تمن جتل أخوكي غصب عني ، دفعت تمنه خمس سنين من عمري لا عارف افرح ولا اعيش كيف الخلج ماعيشين ، ماحجبلش إني اتجتل جصاد واحد لو ماكنتش ضربت طلجتي كان زمانه جاتلني بدم بارد .

تحرك بخطوتين من أمامها وتركها تقف تحترق بنيران كلماته ، إنه كاذب ، يكذب وهو ينظر في عينيها ، يحاول أن يزرع الشك في قلبها تجاه شقيقها الغالي ، عن أي ضمير وعن أي عقل ؟ وهل هو من يمتلك الضمير ؟

التفتت ونطقت بحدة وغضب قبل أن يغادر :

- إنت واحد كداب ولا عندك ضمير ولا جلب ، إنت جتلته من غيرتك منيه ، خليك راجل وجول إنك كنت رايد تاخد حبيبته منه ، ماتحاولش تضلل الحجيجة لإني عرفاها زين .

ابتسم والتفت يطالعها وعاد يتقدم منها ونطق بقناعة وقوة :

- وماخدتهاش ليه ؟ اللي تخليني اجتل واحد علشانها فكرك حسيبها بعد إكده ؟ أني لو حبيت واحدة صُح مافيش جوة حتبعدني عنيها ، حعمل المستحيل لاجل ما اخليها تحبني ، وماحسبهاش لو واچهني چيش بحاله ، جوليلي بجى أني ماخدتش حبيبة أخوكي اللي عيني منيها ليه ؟

لم تجبه ، بل تقلب مقلتيها بين مقلتيه ، لذا عاد يلتفت ويتحرك وقبل أن يفتح الباب ويغادر مال قليلًا برأسه يستطرد بمغزى :

- لو عايزة تفتحي في الدفاتر الجديمة ارچعي لحبيبة أخوكي ، ده لو مصدجة حديتي .

- ممصدجــــــاش .

نطقتها بحرقة قبل أن يغادر واتجهت ترتد على الأريكة وتبكي بتخبط وصراع عنيف دخلته بسبب كلماته لها...

❈-❈-❈

انتهى أيوب وتحرك يغادر الغرفة ويتجه نحو الخارج ، ولكن أوقفته منصورة حينما رأته من المطبخ تنطق :

- استنى يا أيوب لما تفطر يا ولدي .

التفت ينطق ويده تمتد ليفتح الباب :

- مارايدش يا مرت عمي .

نطقها والتفت ليخطو خارجه ولكنه كاد أن يصطدم بهذه التي أتت لرؤية نوارة ، نطق بشكلٍ مفاجئ جعلها تتورد خجلًا وتشهق :

- هوب هوب هوب .

ابتعدت خطوة وهو كذلك وحدق بها ، فتاة في العشرينات ، جميلة ، خجولة ، محتشمة ترتدي تنورة واسعة ، وبلوزة وحجابًا مهندم بشكلٍ رائع ، تحمل في يدها كيسين وعلى محياها يتجلى الخجل والتوتر ، اعتقد أنه رآها من قبل لذا تساءل :

- إنتِ مين ؟

نطقت بعدما استجمعت نفسها ورفعت رأسها في شموخٍ تجيبه بثبات :

- أني مروة ، أبويا عبد الوهاب باعتني أطمن على نوارة واديها الحاچات دي ، ممكن اعدي ؟

افسح لها المجال لتمر فمرت ودلفت تلقي السلام وتنادي على منصورة التي خرجت تستقبلها بترحاب وابتسامة ناطقة :

- يا ماشاء الله ، كبرتي يا مروة وبجيتي كيف الجمر ، تعالي اجعدي يابتي تعالي .

أجلستها وجلست قبالتها ترحب بها تحت أنظاره حيث ظل واقفًا يتابع بثقب ، لتنتبه له منصورة لذا تساءلت :

- عايز حاچة يا أيوب ؟

تلعثم ونطق قبل أن يندفع :

- لااا ، أني ماشي .

❈-❈-❈

نهضت وخطت ترتدي مئزرها فوق القميص ثم تحركت نحو الخارج لتفتح الباب .

حينما فتحته وجدت أمامها سيدة خمسينية تحدجها بتحفز ، وتحمل فوق يدها طفلًا صغيرًا ..

دققت النظر إليه فوجدته حمزة ، لذا أسرعت تبتسم وتنطق بتفاجؤ :

- حمزة ؟أهلًا وسهلًا يا طنط ، حضرتك والدة مهران صح ؟ اتفضلي .

أفسحت لها المجال فدلفت صابحة والغضب يعتليها مما تراه سواءً كان من ملابسها أو شعرها المنسدل لتنطق بهجوم :

- وانت بجى چوزك ماجلكيش مايصحش تفتحي الباب بخلجاتك دي ؟ هو فيــــــــن ؟

قلبت تيا عيناها حينما اتضحت ملامح معاملة صابحة لها ، وتكتفت تنطق بهدوء وابتسامة باردة :

- معلش اصل حضرتك جاية بدري أوي وإحنا لسة يعتبر عرسان وكنا نايمين ، ولما رنيتي الجرس بالشكل ده مالحقتش اجهز .

اتجهت تجلس على الأريكة وتحتضن الصغير قائلة بتجهم بعدما اتضحت لها شخصيتها أيضًا :

- وراچل البيت مايجومش يفتح ليه ، خشي صحيه وخليكي چوة لما اتحدت وياه .

كادت أن تخطو ولكنها وجدته يخرج من غرفته ، يرتدي بيجامة حريرية ويتطلع عليها بتعجب ولكنه نطق بسرور حينما لمح ابنه يجلس في حضن والدته :

- حمزة !

طالعه الصغير وردد وهو يشير بيده نحوه :

- بابابابابا .

بينما طالعته والدته بضيقٍ وعتاب ، أما تيا فاتجهت تلتصق به وتقبل وجنته قائلة ببجاحة :

- صباح الخير يا راني .

- رانـــــــــي .

صاحت بها صابحة مستنكرة واسترسلت بحدة :

- هي دي اللي اتچوزتها على مرتك يا راني يا ولدي ؟ ياخسارة الرچالة..

ابتعد مهران عنها ونطق بانزعاج من توبيخ والدته له ومن تصرفات تيا الغير مناسبة الآن :

- ادخلي چوة دلوك يا تيا .

أومأت ثم التفتت تنظر نحو صابحة ونطقت باستفزاز :

- عن اذنك يا طنط .

- اذنك معاكِ ياختي .

نطقتها صابحة بتهكم ، وغادرت تيا ، فتقدم مهران يلتقط صغيره ويقبله باشتياق ثم جلس قبالة والدته واحتضن الصغير وعاد يقبله مرارًا تحت نظرها حيث كانت مستاءة منه ولكنها تركته يحتوي صغيره إلى أن رفع نظره إليها يتساءل :

- جولي اللي چاية علشانه يا حاچة صابحة،أكيد ماجياش لاجل ما تطمني عليا وتچبيلي حمزة .

مالت قليلًا نحوه ونطقت موبخة :

- وهو كان حد جالك تطلع من حضن عيلتك وتتچوز الغريبة دي يا ولدي ؟ عملت إكدة ليه يا مهران ؟ كان ناجصك إيه ولا مرتك ناجصها إيه؟ مهياش مجصرة معاك في أي حاچة ، وچيبالك الواد وجيدالك العشرة شمع ، يبجى تتچوز ليه إلا إذا كان فراغة عين يا ابن بطني .

نظر لها بحزنٍ فهي كالجميع تلقي باللوم عليه ، ألا يوجد شخصًا رشيدًا يفهمه ؟

هذا ما كان يفكر به قبل أن يجيبها :

- كلكوا عاتلين هم نهاد ووچعها وماحدش شايف اللي فيا من سنين ، نهاد كانت اختياركم ليا يا اما مش اختياري، أني اتچوزت اللي رايدها واللي شايفها مناسبة ليا، واطمني ماحجصرش مع بنت عمي بردك، بس كان لازمن تحسوا باللي أني فيه .

هزت رأسها بحسرة ونطقت بخيبة أمل :

- يا خسارة يا ولد بطني، ياللي كنت بجول عليك كبير وجد المسؤولية ، الراچل الصوح هو اللي يجلع توب المظلومية ويعرف زين يعالچ همومه ووچعه من غير شكوى ولا هوان ، كنت مفكراك كيف أبوك بس لاااا، إنت فين وأبوك فين، وياريت اخترت واحدة عليها الجيمة ، طلعت نفسك من چنة ووجعت في دحديرة وبكرة تجول ياريت اللي جرا ماكان .

غلف العناد عقله فابتسم ونطق بتأكيد :

- معلش يا حاچة صابحة، بردك هي اللي اخترتها بكيفي ، وخلي الأيام تثبت اللي هي رايداه .

طالعته لبرهة ثم أومأت مرارًا ونهضت تردف بترقب :

- ومالو يا ولدي ، بس بت عمك اللي إنت انغصبت عليها طالبة الطلاج ، شوف بجى حتعمل إيه .

مالت تلتقط منه الصغير فأعطاه لها ونهض يردف ببرود :

- يومين إكدة ولا حاچة لما النفوس تهدى وحبجى اچي اتحدت وياها ، وماتجلجيش عليها حتهدى وحتفكر زين .

حزت لأنها ترى أمامها رجلًا ظالمًا لا يبالِ بعواقب أفعاله لذا أومأت وتحركت تغادر دون إضافة حرف بعدما أيقنت أن حديثها معه لن يزيده إلا عنادًا .

أغلق الباب خلفها ووقف يستعيد كلماتها التي تطرق عقله دون هوادة ، ليبرر لنفسه مرددًا داخله ..

ما الذنب الذي اقترفه حينما تزوج ؟ حتى أنه لم يخفِ الأمر وصارحهم ؟ لم يقبل أن يظلم الثانية ولن يظلم الأولى بكل تأكيد ، سيكون زوجًا عادلًا برغم انجذاب مشاعره نحو ــــــــــــ.

توقف لحظة حينما لم يستطع أن يضع تيا في هذه الخانة ، لتصيبه رهبة من فكرة أن مشاعره تمتلكها نهاد ، وكذلك رغبته كرجل تمتلكها أيضًا ؟ إذًا فماذا تمتلك تيا ؟؟؟

رحب بها حينما ظهرت أمامه لتنتشله من أفكاره ، فاستقبلها مبتسمًا لتبادله بابتسامة باهتة فقطب جبينه يتساءل :

- مدايجة ليه ؟

ربتت على صدره ونطقت بخبثٍ يرتدي ثوب البراءة :

- أنا بس مش عايزة اكون سبب في مشاكل بينك وبين عيلتك ، مش مهم يتقبلوني أو لاء المهم عندي انت .

مال يقبل رأسها ثم ابتعد يردف :

- ماتشليش هم عيلتي ، أني حعرف اتعامل وياهم ، وماتزعليش من حديت أمي ، هي لسة ماتعرفكيش بردك ، وبعدين هي بتحب نهاد جوي وحالتها مخلياها جايمة علينا زي ما شوفتي إكده .

أومأت بتفهم هادئ ليستطرد :

- يالا تعالي نغير خلجاتنا واخدك وننزل نفطر في المطعم اللي فاتح جديد چنبينا إهنه .

صفقت بسعادة كالأطفال ثم تعلقت به تردف بدلال واستغلال مفرط :

- وحنروح نشتري خواتم جوازنا ، وكمان هتجيبلي هدية على ذوقك .

أومأ بقبول يردد :

- حچبلك كل اللي نفسك فيه ..

❈-❈-❈

بعد مرور يومين

عاد معها إلى الشركة بعدما قضيا وقتًا ممتعًا بمفردهما ، يعترف أنها تمتلك حضورًا طاغيًا أنساه انزعاج عائلته منه ، فعلت الكثير واصطحبته إلى أماكن تجارية وشغلته بدلالها وشغفها والتبضع ليومين حتى حصلت على كل ما تريد وسلبت عقله كما يريد .

وها هو يجلس في مكتبه ، بينما هي تجلس فوق المكتب على مقربة شديدة منه ، تشتكي له معاملة عمار الصلدة لها منذ قليل .

تعلم أنه لا يحب الشكوى ، لذا تبخ سمومها بحديث ممتع مغلف بالمزاح ، تضحك تارة وتتلمس صدره من أسفل القميص تارة أخرى ، حتى نجحت في جعله يغضب من شقيقه .

طرقت السكرتيرة الباب فزفرت تيا بضيق بينما أمرها مهران أن تتجه وتجلس أمام المكتب ففعلت ليسمح لها بالدخول .

دلفت تطالعهما بنظرات حانقة تخفيها بطريقة رسمية :

- نهاد هانم برا يا مهران بيه ؟

توترت كل خلية داخله ، حتى أن الصدمة جعلته لا ينطق ، هل هو مستعدٌ لمواجهتها الآن ؟ وتيا هنا ؟

رأته في هذه الحالة لذا اغتاظت ونطقت بدلًا عنه وهي تلتفت للموظفة :

- خليها تتفضل طبعًا .

نظرت إلى مهران الذي أومأ لها فتحركت للخارج تناديها .

نظر لها يدعي الثبات فابتسمت ابتسامة صفراء ولكنها لا تنكر رغبتها القاتلة في رؤيتها ، لذا عادت تسلط نظرها نحو الباب لتتفحصها من البداية .

ثانية حتى ظهرت نهاد تخطو بقدمٍ قبل الأخرى حتى دلفت وأغلقت السكرتيرة الباب ، وقفت أمامهما تطالعهما وتنعتهما داخلها بكل مفردات الخيانة ، بثبات ظلت تتدرب عليه لأيام .

ترتدي تنورة باللون الأزرق الغامق و سترةً نسائيةً أنيقة بنفس اللون ، حجابًا اوف وايت وبلوزة أسفل السترة من نفس لون الحجاب ، حذاء نسائيًا لونه بيج و حقيبة يد بنفس اللون .

لا ينكر جمالها وأناقتها المحتشمة إلا أعمى القلب و البصيرة ، أو مجنون فقد معالم عقله ، أو مغفلًا تملك منه وحش العناد ، مثل هذا الذي نهض وتحرك خطوات ينظر لها نظرة متفحصة ، وخانه لسانه عن الحديت في حضرة وجودها بينهما .

لتظل تيا تحدق بها ولا تصدق أن هذه هي نهاد زوجته ، لقد ظنتها بائسة المظهر والملامح ، لم تكن تتوقع أن ترى أمامها سيدة في كامل أناقتها و تتمتع بجمالٍ أخاذ ، لذا أيقظتها النيران التي اشتعلت داخلها وجعلتها تنهض وترسم ابتسامة زائفة وهي تتقدم منها وتمد يدها بالسلام قائلة :

- أهلًا يا نهاد ، أنا تيا .

نظرت ليدها الممدودة لها بالسلام ولم تبادلها على الفور ، بل دققت النظر في عينيها ثم ابتسمت وبادلتها تنطق بثبات دعت ربها أن تتقنه :

- ألف مبروك ، يارب تكوني لجيتي اللي بتدوري عليه ، واطمني أني چاية النهاردة لاجل ما يبجالك لحالك ، ماريداهوش .

قطبت جبينها باستفهام ظاهري وكادت أن ترد عليها بعدما سحبت يدها وقبل أن تفعل نطق مهران :

- اطلعي دلوك يا تيا .

التفتت تطالعه بغيرة عدائية تختفي وراء نظرة طاعة قبل أن تتحرك نحو الخارج ، ليتقدم مهران متخذًا خطواته نحوها حتى توقف قبالتها ، يحدق بها لثوانٍ ، يبحث عن نظرة الحب التي عهدها منها ولكن تملكه شيئًا من الخيبة حينما لم يجد سوى نظرة تعهد قاسية ، لينطق مستفسرًا :

- خير يا نهاد ؟

- چاية اخدك ونطلع على أجرب مأذون لاجل ماتطلجني .

ذهولًا حط فوق رأسه يبحث عن مصدر هذه القوة المفاجأة ، ألم تفكر في عواقب ما تريده ؟ أم أنها تختبر صموده على قراره ؟ من المؤكد أنها تختبره لذا هز رأسه والتفت يتجه ويجلس على الأريكة ناطقًا بتحدٍ :

- مافيش طلاج ، اعجلي إكده وفكري زين .

شيطانها يخبرها أن تنهال عليه بالصفعات واللكمات حتى تفقده وعيه هذا إن كان يمتلك وعيًا ، ولكنه لا يستحق مقدار ذرة عناءٍ منها لذا تحاملت على نفسها وهي التي تحمل ثقلاً لا تستطيع الجبال أن تحمله حينما ابتسمت تردف :

- يبجى حطلع من اهنه على المحامية ، أني كلمتها جبل ما اجي علشان في حال رفضت ارفع جضية خلع .

التفتت تنوي المغادرة لتؤكد له أنها لا تمزح ، ولكنه نهض وبلع خطواته نحوها يمسك بذراعها قبل أن تمتد يدها لتفتح الباب ، لفها إليه فباتت تواجهه بملامح ثلجية ونطقت وهي تشير بطرف عينيها نحو يده :

- بعد يدك عني .

لم يستجب بل قربها منه وقبض بحدة على ذراعها ؛ فحاولت نزعها منه ولكنها لم تستطع لتجده يكشر عن أنيابه ويؤكد لها أنه ينصهر حينما نطق :

- ماتتحدنيش يا نهاد وماتحطيش راسك براسي علشان أني خابرك زين ، لا فيه خلع ولا طلاج ، حتروحي دلوك ع الجصر وبليل نبجى نتحدت ونحط النجط ع الحروف ، فهمتي ؟

ابتسمت ترفع حاجبيها وتنطق مستنكرة وهي تسحب يدها بتملق :

- بليل ؟ ونجط إيه اللي حنحطها على الحروف يا ابو حمزة ؟ مانت حطيتها خلاص واخترت اللي تناسبك واللي شبهك ، إنما أني خلاص ، جطعت الدفاتر وكسرت الاجلام ، وأني بجولك بكل هدوء اهو ، كيف ما دخلنا بالمعروف نخرچ بالمعروف ، تعالى دلوك نطلع ع المأذون ونطلج ، لإن مافيش جوة ع الأرض حتخليني اتنازل عن جراري .

سافرت عيناه عبر ملامحها ، واستقر عند عينيها ليرى بهما نظرة باردة لم تهتز ، ليسأل عقله ، هل يحررها ؟ هل يستطيع تطليقها ؟

حينما لم يجِبه عقله الجبان ، ابتعد عنها خطوة ثم التفت يتحرك نحو المكتب يستل المفاتيح والهاتف من فوقه ثم عاد إليها يردف وهو يشير نحو الخارج :

- اتفضلي ..

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا