رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1 بقلم حبيبة الراوي
رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة حبيبة الراوي رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1
رواية تحت مخالب الغراب ثائر وسيدرا الفصل الاول 1
ثائر عزام الغراب::
هو الموت الذي يرتدي بدلة فاخرة.....وصمته أشد فتكاً من الرصاص
يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما في ريعان قوته وجبروته في عالم الجريمة ليس له اسم بل لقب واحد يـهتز له عـتاة الإجرام الغراب
لم يكن اللقب مجرد صدفة بل لأنه نذير شؤم لا يُخطئ لأعدائه.....وظهوره يعني شيئاً واحداً فقط النهاية.....
صمته ليس صمت العجز بل هو الهدوء الذي يسبق العاصفة والسكينة التي تسبق الموت دائما يمتلك بنياناً رياضياً ضخماً وطولاً فارعاً يلقي بـالرهبة في قلوب الناظرين بمجرد دخوله أي مكان ملامحه حادة حازمة وكأنها نُحتت بقسوة من صخر الجرانيت الصلب.....
جبهته العريضة تخفي خلفها أفكاراً شـيطانية وعيناه السوداوان كليالي الحارة المظلمة لا تـظهران أي رحمة
نظرة واحدة منهما خلف نظارته الشمسية السوداء في الليل أو وهي تـحدق مباشرة في وجه خصمه كفيلة بأن تجمد الدماء في العروق وتوقف نبض القلب رعبا.....
هو زعيم مافيا من الطراز الأول يرى العالم كله يدور حول محوره ساديٌ لا يعرف للرحمة سبيلا بل يستمتع بعمق بمشاهدة كل عنيد وهو يتهاوى تحت قدميه مترجياً في النهاية......
ينظر للنساء.....كل النساء كـوسيلة متعة مؤقتة يُستخدمن بـغرور ثم يُلقى بهن في غياهب النسيان كـسيجارة كوبية فاخرة يـطفئها في منفضة الإهمال
لقد حـصّن مشاعره بأسوار منيعة لا يجرؤ أحد على اقترابها أو حتى مجرد التفكير في اقتحامها باردٌ في انفعالاته كـالموت نفسه يـهمس وهمسه أشد رعباً من صراخ الرصاص.....
يـجد هوايته الكبرى وربما هوايته الوحيدة في كسر النفوس العالية وتـرويض الأرواح المتمردة التي تظن أنها تـستطيع الوقوف في وجه الغراب....
سيدرا عز الدين ::
ملاك بملامحِ الصباح.....ولبوةٌ بقلبٍ لا يعرف الانكسار
ابنة الثالثة وعشرين ربيعا الفتاة التي خرجت من أزقة الفقر لتمتلك جمالا طبيعياً فتاكاً يجمع بين براءة الملامح وشراسة الروح ......
جسدها رشيق كغزال وعيناها الواسعتان تحملان لمعة تحدٍ لا تنطفئ تملك لساناً حاداً كالمبرد وحركاتٍ تتسم بخفة وشراسة القطط..
ورغم أنها ابنة الحارة البسيطة التي تعمل راقصة في أكبر ملهى ليلي إلا أنها تحمل عزة نفسٍ تفوق حياتها تضع للكل خطوطاً حمراء من نار فلا لمس ولا تجاوز ومن يخطئ ينل نصيبه....
هي عنيدة لأبعد الحدود لا تعرف لغة الدموع أو الضعف فكلما زاد الوجع زادت مخالبها حدة لتخربش وتوجع كل من يحاول كسر كبريائها
إلا أنها تحمل داخلها وجعا لا يعلم عنه أحد فهي تعاني من مرض الربو الذي يهاجم أنفاسها كلما اشتد عليها الضغط النفسي أو أرهقها رقص التحدي أنفاسها الملاحقة ليست دائماً من الغضب بل هي صراع رئتيها مع الهواء
مما يجعلها تبدو كعصفور مكسور الجناح في لحظات ضعفها النادرة قبل أن تستعيد قناع القوة من جديد
سليمان الديب::
هو الديب الذي يربض في الظل ويراقب كل شيء بعينين صقريتين لا تخطئان أبداً
يمتلك من العمر ستة وثلاثين عاماً قضاها في صراع مرير مع الحياة حتى صار قلبه كالحجر وصلباً كالفولاذ يتمتع ببنيان جسدي قوي وملامح رجولية خشنة تروي قصص المعارك التي خاضها في صمت وهدوء مخيف فهو الرجل الذي اختار أن يعيش في عتمة الغموض ورغم قسوته الظاهرة وجبروته في عالم الظلام إلا أن نقطة ضعفه الوحيدة والقاتلة سيدرا التي يعتبرها خطاً أحمر من نار يحرق كل من يجرؤ على الاقتراب منه أو لمس شعرة واحدة من رأسها سليمان ليس مجرد رجل.... يمتلك حكمة الشيوخ وشراسة الذئاب الجائعة ورغم ذلك حنين ولكنه متسرع في قراراته
رفعت (الأفعى الحقيقية) ::
وبينما يشتعل الصراع يبرز عم ثائر كالأفعى الحقيقية التي زرعت بذور الحقد في قلب ابن أخيه فهو المحرك الخفي لكل الخيوط ليحمي نفسه ويحقق أطماعه في السلطة والنفوذ لتكتمل دائرة الخيانة التي تحرق الجميع ولا تترك خلفها سوى الرماد
يبلغ من العمر سبع وستون عاما
ممدوح (ذراع الغراب اليمين) ::
هو ممدوح الرجل الذي اختار أن يكون ظلاً لثائر عزام الغراب وصندوق أسراره الأسود ورغم أنه ذراعه اليمين والشخص الوحيد الذي يتحمل نوبات غضبه وجبروته إلا أنه يعيش دائماً تحت وطأة صرخات ثائر التي لا ترحم وتجعله يدرك أن مكانته عنده لا تعني الحصانة من بطشه فثائر لا يهمه أحد ولا يقيم وزناً لمشاعر من حوله وممدوح يتقبل هذا النصيب بصمت مريب يجمع بين الولاء المطلق والخوف الدفين من غضبة الغراب التي قد تحرقه في أي لحظة يبلغ من العمر ثمانية وعشرون
عمار (صديق الديب) ::
وعمار هو الصديق الوفي والذراع اليمين لسليمان الديب الذي لم يتخل عنه يوماً في أصعب الظروف فهو يمتلك قلباً شجاعاً وروحاً مخلصة تجعله يحمل أعباء سليمان وأسراره وكأنه أخوه الذي لم تنجبه أمه لكن القدر يخبئ له اختباراً قاسياً.... يبلغ من العمر تسع وعشرون عاما
الفصل الاول
يا غرابا ظن أن العلو له غاية....
احذر سيدرا..... ففي كبريائها البداية....
في حارة لا تعرف الهدوء ولدت هي......
ملاك أبيض في ثوب محاربة وسيف من كبرياء
هي سيدرا.... التي علمت الغراب أن للأرض أسيادا لا يشترون بالمال.....
انبعثت أنوار الصباح الباهتة لتكشف عن ملامح الحارة العتيقة حين فتحت سيدرا باب شقتها الأرضية القديم و خرجت وهي تعيد ترتيب ياقة قميصها الأبيض الذي يطل بجمال من تحت عباءتها السوداء المطرزة وحملت حقيبة الجراحة الثقيلة بساعد اعتاد الصمود بينما التفت سماعة الطبيب حول عنقها كعقد من الماس يتلألأ
وسط أطلال الفقر........
خطت للأمام....عيونٌ تراقبها من النوافذ
همساتٌ خافتة…وألفة صامتة
كانت جميلة… نعم
لكن جمالها لم يكن أول ما يُري
بل آخر ما يُفهم....
كانت ملامحها آية في الحسن بياض ناصع وعيون واسعة سوداء كحلت برباني... وااااه من ذات الشفاة المرسومة بدقه متناهية ذات جمال خلاااب....
لكن خلف هذا الجمال الفتان سكن قلب لبوة لا يعرف الانكسار........
لم تكد تقطع بضع خطوات نحو المستشفى ..... حتى اعترض طريقها هو عنترة ذلك البلطجي الذي يظن أن شاربه المبروم يمنحه السيادة وأن عضلاته تمنحه القوة وكأن الأرض خُلقت تحت قدميه..... وقف مع شلته يسدون الطريق برذالة معهودة.....
عنترة (بضحكة وقحة ونظرات متفحصة من أعلاها لأسفلها ونظرة شهوة ):
على فين يا دكتووورة
ولا نقول يا رقااصة الحارة ما بلاش تمثيل الرهبنة ده يا سيدرا احنا عارفين اللي فيها ده إنتي الوسط اللي تحت العباية ده ميقولش جراحة ولا مشارط أبدا يعني بلاش شغل راحة المستشفى ده علينا ده الوسط ده .... ده يقول هز يا وززز يا بطل...متيجي..
انفجرت شلته بالضحك والسخرية....توقفت سيدرا
لم ترد فورًا بل ألقت حقيبتها الطبية أرضا ووضعت يدها في خصرها وعيناها تقدحان شررا وغضب....
سدرا (بشرشحة وردح بلدي يهز الحيطان ونظرة غاضبة):
هز يا وز في عينك يا بن الـ***... جرى إيه يا روووح أمك هو النجس لما بينضف بيفتكر نفسه سيد الناس لا فوق ي عنياااا .. أيوة يا روووح أمك.. دكتورة والكل بيحلف بيا بس لساني مبرد يبرد جثتك وجثة اللي
يتشدد لك...والوسط اللي مش عاجبك ده هرقصك
بيه على الشناكل يا نجس انت واشكالك وأخلي
اللي ما يشتري يتفرج عليك.... وحياة خلقة ربنا اللي مش عاجباك دي.....
لو ملميت لسانك الزفر ده وغورت من قدامي لأكون فاتحة لك نغنيشة في وشك أخلي العيال تتمرجح فيها....
ارتبك لثانية… لكنها لم تمهله
خطت نحوه خطوة واحدة
اقتربت منه بجرأة حتى كاد أنفهما يتلامسان ورفعت إصبعها في عينه متحدية:
إنت فاكر عشان بنلبس الأبيض وبنعالج الخلق هننسى أصلنا ده أنا سيدرا يا وااااد.....يعني أشرشحلك وأخليك تمشي ببرقع من كتر الكسوف وسط الحريم....ارمي المطوة الصدية اللي في جيبك دي يالا بدل ما أطهرك بيها النهاردة وأوفر على أهلك تمن الطهارة....اي بتص كده ليه يا عنيااا مش عجبك....غووور من وشي بدل ما أطبق في زمارة رقبتك وأطلع مصارينك أتفرج عليها....
تجمد عنترة في مكانه وجف ريقه أمام تلك اللبوة الثائرة كلما حاول أن يعترض طريقها كانت تصده ولكن اليوم لقد اهانته بشده .....بينما بدأت التهليلات تتعالى من النوافذ:
أدي له يا دكتورة.. عرفيه مقامه يا سيدرا
لكن… قبل أن يتكلم
ساد الصمت ......ليس بصراخ
ولا بتهديد......بل بشيءٍ أثقل
اخترق سكون الحارة صوت محركاتٍ ثقيلة ومنتظمة
تسمرت سيدرا في مكانها ورمقت مدخل
الحارة بذهول...
كان المشهد مهيباً لدرجة أن الأطفال احتموا بظهور أمهاتهم والرجالة على المقهى وضعوا أكوابهم بذهول...
دخلت ثلاث سيارات مرسيدس سوداء ضخمة كأنها توابيت فارهة زحفت ببطء مستفز وهي تخدش جدران البيوت الضيقة....صوت احتكاك الحديد بالحيط أحدث صريرة جعلت القشعريرة تسري في الأبدان... توقفت السيارات ونزل منها رجال كالبنيان المرصوص ملامحهم لا تظهر عليهم الرحمة.....
يرتدون السواد ونظارات تخفي أعينهم القاسية
تقدم أحدهم نحو السيارة الوسطى وفتح الباب بخضوع وبخوف قائلاً بصوت مهزوز:
اتفضل يا غراب باشا..... المخزن اللي فوق ده هو اللي مستخبي فيه إبراهيم الكلب.....نؤمر الرجالة يصفوه
ولا ينزلووه....
ترجل ثائر (الغراب) وبمجرد أن مست قدمه الأرض الملطخة بمياه الصرف انقبضت ملامحه بقرف شديد جعل عروق جبهته تبرز بوضوح فلأول مرة يخطو نحو تلك الأماكن ولكن مجبر...
نظر حوله…
نظرة واحدة فقط
كانت كفيلة بأن تُشعرك أنك أقل
أخرج منديلا مطرزاً بماء الذهب وضعه على أنفه وهو يرمق البيوت المشرخة والغسيل المنشور باحتقار
وقال بصوت بارد كالمقابر وبإحتقار:
اطلعوا هاتوه من قفاه.... مش عاوز أدوس بـجزمتي في العفن ده أكتر من كدة
في ثوانٍ دوى صوت تحطم باب شقة إبراهيم تعالت صرخاته وتوسلاته التي شقت هدوء الحارة...بينما سحلوه من شعره على الدرج الخرساني... وجسده يرتطم بالأرض بقسوة حتى ألقوه في بركة مياه قذرة تحت قدمي ثائر وكانت صراخته تتتعالي وتوسلاته وهو يرتدي تلك المنشفه التي تغطي جزئه السفلي والإحراج
يظهر على وجهه.....
صراخ…
ارتطام…
وسحب قاس لجسد يقاوم
وقف هو… يراقب
بلا استعجال
بلا رحمة
وقف ثائر ببرودٍ سادي وداس بحذائه الفاخر الذي يضاهي ثمنه بيوت الحارة على أصابع إبراهيم ....وبدأ يضغط بكل ثقله وهو يراقب ساعته بملل بينما صرخات إبراهيم تمزق القلوب....بس ثائر كان بيضغط اكتر بساديه وكأنه بيطفي سيجارة في حشرة مقرفة....
بعضهم أشاح بوجهه…
والبعض الآخر تجمّد مكانه
أما هو ....فنظر إلى ساعته
وكأن ما يحدث… لا يعنيه
ارتجفت أمّ نعمات.... كانت أم نعمات بائعة الخضار ترتعد خوفا وحين حاولت جمع حبات الطماطم التي سقطت منها حتى لامست حذاءه
خبطت يدها بطرف حذاء ثائر اللامع عندما حاولت التقاطها....
انتفض ثائر بعنف جنوني وكأنه لمس جثة أو مكروبا وركل القفص بكل قوته حتى تعجنت القوطة في الطين تحت قدميه ونظر للمرأة بعينين تقطران سما:
ابعدي القذارة دي عني ي وسخه..... هو المكان ده ملهوش صاحب يلم الأشكال دي من الشوارع أشكال وسخه صح.....ريحة الفقر تقرف...
هنا.... انفجر بركان سيدرا
تلاشى الخوف من صدرها وحل محله كبرياء جرح عندما نظرت إلي وجهه ووجدت الكبرياء والتعالي والإهانة ونظرة الاحتقار اللي بيبص بيهم الحارة وناسها ....
اندفعت نحوه خطوة…
ثم أخرى....خطوات ..ثابتة مما جعل رجال ثائر يصوبون أسلحتهم نحو صدرها في لمح البصر تسمر الجميع لكن ثائر بإشارة باردة من إصبعه أمرهم بخفض السلاح وهو ينظر بفضول لتلك القطة التي تجرأت عليه والوقوف أمامه....
سيدرا (بصوت جهوري زلزل الحارة ونظرة ثاقبة):
جرى إيه إنت فاكر نفسك في سلخانة أبوك ما تلم رجالتك يا جدع إنت وتغور بالزبالة بتاعتك من هنا بدل ما نقوم معاك بالواجب ونعرفك إن حارة سيدرا ليها أسياد وميدخلهاش أشكال نجـسة زيك إنت فاكر عشان راكب عربية بـملايين وقرفان من ريحتنا هتعمل فتوة علينا وتهين ست قد أمك ده إنت لو فكرت تـهوب ناحية حد هنا تاني هشرط لك الوش الحلو ده وأخليه شوارع يا غراب صنفك... كتكوا القرف رجالة تعررر....
تأملها ثائر ببطء جمد الدماء في العروق.... رفع قدمه عن يد إبراهيم المهشمة والتفت إليها بالكامل وسد بطوله الفارع ضوء الشمس عنها رفع ثائر عينه إليها
نظرة بطيئة…رمقها من الأعلى للأسفل بوقاحة مستفزة....
وتوقفت عيناه عند سماعة الطبيب ثم رسم نصف ابتسامة ساخرة ومرعبة على شفتيه ثم نظر إلي وجهها الفاتن اللي كان يغلي من الغضب وقال بصوت رخيم وهادئ :
عااال دكتورة.. وبتردح مكنتش أعرف إن المقالب بتطلع النوع ده من البشر..... غريبة....بس اقولك عليا النعمة بطل
نظرت له بثبات.. لم ترد
سكون تبادل نظرات…
أطول مما يجب
أخطر مما يبدو
ثم ابتعد ببساطة
كأن شيئًا لم يكن
أدار ظهره ببرود ومسح يده بالمنديل بتقزز وأشار لرجاله بإلقاء إبراهيم في حقيبة السيارة كأنه كيس قمامة
فالتقط رجاله الرجل الملقى أرضًا وسحبوه نحو السيارة
وقبل أن يركب…. التفت مرة أخيرة
نظر إليها نظرة استحقار واستخاف
انسحبت السيارات ببطء كما جاءت وهي تعفر التراب في وجه سيدرا والناس المذهولة من ذالك الرجل المهيب....بينما وقفت سيدرا في منتصف الحارة تنهج وشعرها يلتفتت من تحت طرحتها (هي مش محجبة )من كثرة الغل وصرخت وراءهم بكل قوتها:
غووور يا بن الـ*** والمرة الجاية لو شفت سحنتك هنا لأكون معلماك الأدب من أول وجديد يا غراب البين....الحتة دي ليها أسياد يالاااااا....اشكال وسخة...
أنفاسها… كانت أسرع مما ينبغي
ولأول مرة لم يكن الغضب وحده ما بداخلها
بعد أن غادرت سيارات الغراب وتركت خلفها غبارا من القهر ساد صمتٌ حزين نظرت سيدرا لأم نعمات بائعة الخضار وهي تحاول بيديها المرتجفتين جمع ما تبقى من ثمار الطماطم التي سحقها حذاء ثائر بدم بارد
تلاشت نظرة الغضب من عيني سيدرا تماما وحلّ محلها لمعة دمعة حانية اقتربت من السيدة العجوز ولم تبال بعباءتها السوداء ولا بمكانتها كطبيبة بل جثت على ركبتيها أمامها فوق التراب وأمسكت يديها الخشنتين وقبلتهما بحب......
أم نعمات (بصوت مكسور وهي تمسح عينيها بطرف طرحتها):
يا بنتي ملوش لزوم تتعبي نفسك.. أنا كويسة يا دكتورة بس كسرته لقلبي وحشة.....
سيدرا (بصوت حنون ناعم وهي تضم وجه أم نعمات بين كفيها):
يا أمي.. يا ست الكل إنتي غالية عند ربنا وعندنا.... والتراب اللي بتمشي عليه ده أطهر منهم وانضفهم من أشكالهم ... قلبك ده ميتكسرش وأنا موجودة ده إنتي البركة اللي الحارة دي عايشة بحسها
ثم بل سحبت أم نعمات لحضنها بقوة وضمتها ضمة خافقة كأنها ابنة تخبئ أمها من وجع الدنيا ظلت تمسح على ظهرها بحنان يذيب الصخر ومالت على أذنها تهمس:
حقك عليا أنا يا أمي.. اعتبريها في راسي أنا الطماطم دي فداكي ي حبيبتي نجيب بدالها الف اهم
حاجه متزعليش نفسك
رفعت سيدرا رأسها ونظرت لشباب الحارة الواقفين بذهول وقالت بنبرة هادئة لكنها آمرة بالحب:
يا واد يا شلوفة.. انزل نضف مكان أمك أم نعمات وشيل الأقفاص دي ارفعها لها فوق واللي باظ انزل هاته مكانه من الوكالة فورا.... يلااا بسرعة
ابتسمت أم نعمات وسط دموعها وشعرت وكأن روحها ردت إليها بفضل سيدرا قامت سيدرا من مكانها
سندت العجوز حتى بيتها وهي تزرع في كل شبر من الحارة أمل وحب بلسماً يداوي جروحا لا ترى بالعين ولا يدركها أصحاب القلوب المتحجرة كقلب الغراب
*******
بعد مرور ساعات على صخب النهار ..... كانت القاهرة قد استسلمت لسحر الليل الغامض... أمام فندق الماسه كانت الأجواء تنطق بالثراء الفاحش صفوفا من سيارات المرسيدس تصطف أمام البوابة الذهبية ...ورجال أمن ببدلاتهم الرسمية وسماعات الأذن يراقبون
كل شبر بحذر وقلق....
في الطابق الأخير حيث صالة الـ VIP التي لا يدخلها إلا من يملك السلطة أو المال كان الجو مختلفاً تماما...الإضاءة خافتة تميل للون الذهبي... والموسيقى الهادئة تملأ الأركان برقي مستفز..... هناك في أكثر ركنٍ منعزل يطل على النيل من وراء زجاج عازل للصوت..
هناك… جلس ثائر بهدوءٍ يليق بشخصٍ لا يُسأل عمّا يفعل
كان ثائر الغراب يتربع على عرشه بغروور....كان يجلس بوضعية تنضح بالسيادة ظهره مفرود بقوة قدمه فوق الأخرى بثبات ويده اليمنى تضع سيجارا كوبيا غالي الثمن بين أصابعه بينما يده الأخرى تداعب طرف الساعة الباتيك فيليب التي تزين معصمه....كان يرتدي بدلة سموكن سوداء من أفخم أنواع القماش قميصه ناصع البياض مفتوح منه أول زرارين بإهمال يبرز عضلات صدره الصلبة وملامحه الحادة كالسيف لا تشي بأي تفكير كان ذهنه صافياً وكأن أحداث الصباح لم تكن سوى
غبارٍ نفضه عن ثوبه.....
مال عليه ممدوح.. صديقه ومساعده....
وهمس بصوت خفيض:
الشغلانة كملت يا غراب والرجالة استلموا الأمانة.... السلاح في مخازن الجبل...بس سليمان الديب مش ناوي على خير ده بيوزع فلوس يمين وشمال عشان يسحب العيون من علينا ويوقعنا في وش المدفع...
الكلب ده محتاج قفلة
نفث ثائر الدخان ببرود ووقاحة
ثائر وهو يعدل وضعية جلوسه:
سليمان الديب ده آخره يهوهو بعيد يا ممدوح....اللي يقرب من حدود الغراب يعرف إنه بيحفر قبره بإيده....الكلب ده حسابه عندي...هقطع لسانه اللي طال ده وأخليه يشحته في السوق... الشغل ده ليه أسياد
وهو مجرد ديل...
اقترب أحد الويترز بخطواتٍ هادئة جدا وانحنى باحترام شديد وهو يضع أمامه كأساً من الكريستال يحتوي مشروبه المفضل تصادمت فيه
قطع الثلج برنة موسيقيه...
وإلي جانبة طبق صغير من المكسرات الفاخرة
ثائر بنبرة رخيمة وهو ينظر لساعة يده:
العرض اتأخر خمس دقائق يا ممدوح....الفندق ده محتاج مراجعة في نظام المواعيد دي مش اول مرة...
ممدوح: حقك علينا يا باشا بس الضغط النهاردة مش طبيعي... الكل جاي عشان يشوف....بيقولوا الراقصة دي حاجة تانية خالص ملامحها تشل ورقصها ملوش كتالوج هههه....وليها نظام خاص مابتنزلش من على المسرح لحد مهما دفع ومدير الفندق نفسه مبيقدرش يكسر لها كلمة.. وكمان سمعت إنها دكتورة جراحة....
أخذ ثائر نفساً عميقاً من سيجاره
ونفث الدخان ببرود وقرف:
دكتورة ورقاصة؟؟؟؟.....ااااووف دي خلطة وسخة أوي ....خيال الناس بقى واسع أوي يا ممدوح... تلاقيها واحدة فاشلة في كليتها وبتبيع الوهم ده للناس عشان تغلي سعرها وتبان مختلفة وريني الدكتورة دي هتعمل إيه بالمشرط بتاعها على الطبلة.... كلهم بيلعبوا نفس الدور عشان يغلوا سعرهم يا ممدوح بضاعة
معروضة للي يدفع أكتر....
انطق اسمها إيه الرقاصة دي
ممدوح بابتسامة:
بيقوله اسمها سيدرا
رفع ثائر حاجب واحداً بوقاحة: سيدرا!!!!!!....... اسم يدي على شياكة.... بس أكيد واحدة بيئة وجت معاها بالحظ....وريني اللحمة اللي بيبيعوها باسم
الطب دي ....هنخسر اي هنتفرج وتكشف علينا
بالمرة الواحدة التعبان برده ي حوودة....
فجأة.. ..هدأ كل شيء...
انطفأت الأنوار تماماً إلا من سبوت لايت واحد تسلط على منتصف المسرح بقوة... انطلقت أنغام حزينة بتوزيع وايقاع يهز الأعصاب.. وخرجت هي.. سيدرا تلك الفتاة الفاتنة والعنيدة....
كانت ترتدي بدلة رقص بيضاء ضيقة جداً... مرصعة بأحجار كريمة تلمع مع كل حركة وكانت مكشوفة بشكل جريء يبرز كل تفصيلة في جسدها المنحوت...
ثائر الذي كان مريحاً ظهره بإهمال ولكن.....أول ما رفعت سيدرا وجهها وشاهد الخلخال يرن.... تسمر في مكانه..
اتسعت عيناه بذهول مرعب وظل السيجار معلقاً بين شفتيه وهو لا يشعر.... هل تلك الشرشوحة التي أهانته صباحاً هي نفسها التي تتلوى الآن بجبروت فاتن تكاد السنت الرجال ان تتوقف عند رؤيتها جمالها… صدمة صامتة لكل من يقابله....
بدأ يتفحصها بنظرات وقحة جدا يمسح بجوعٍ صدرها الذي يتحرك بجنون ونزولاً إلى وسطها الذي يعتصر مع كل دقة طبلة همس لنفسه بصوتٍ خافت:
يا نهار أسود.. بقى اللبوة دي هي اللي كانت بتردح الصبح دي عاوزة يتركب لها لجام وتتروض بالغالي.....
اااه ومن تلك السيدرا وهي تتوسط المسرح لقطته عينها في الزاوية المظلمةو تجمعت الدماء في عروقها وقشعر جسدها للصدمة...هو الغراب البين...لكن سيدرا لا تهتز لفت وجهها بدلع مستفز وزادت من قوة رعشة
وسطها بوقاحة..
لدرجة جعلت ثائر يقبض على كأسه بعصبية وعيناه مثبتتان عليها برغبةٍ واضحة.. كأنها تهز وسطها على كبريائه الذي أهانته صباحاً....
بعد انتهاء النمرة والصالة تضج بالتصفيق انسحبت سيدرا للداخل وهي تلهث تعبا فجأة اعترض طريقها أحد الزبائن السكارى ومد يده بوقاحة ليعبث بكتفها ويحاوط وسطها ضاحكاً بقذارة:
إيه يا دكتورة.. البدلة البيضا دي لايقة على لحمك أوي... ما تيجي نكشف في السويت فوق ونشوف المشرط بيعمل إيه الواحد تعبان اووي وهدفع لك اللي
تؤمري بيه وزيادة....
ثائر كان واقفاً بعيداً يسند ظهره على الحائط يراقب بعيون صقرية ويلتقط الكلام من حركة الشفااة منتظرا ليرى ماذا ستفعل تلك اللبوة رغم غضبه
الذي لا يري له سبب.....
في ثانية كانت عين سدرا محتقنة بالدماء وهوت بصفعة مدوية على وجه السكران سمع رنينها في الممر كله..وقبل أن يفيق... لوت يده خلف ظهره بقوة جراح محترف جعلت عظامه تزيق من آلام ثم خبطته بركبتها في الجزء السفلي وأطاحت برأسه في الحائط بكل جبروت وقالت بصوت حاد زلزل المكان:
اللي تمد إيدك عليها دي تقطعها لك يالاااا جرى إيه إنت فاكرها زريبة.... غور من وشي بدل ما أطبق في زمارة رقبتك وأخليك تدور على نفسك في أكياس الزبالة.... إنت فاكر عشان رقاصة هتبقى مستباحة يا بن الكلب ي وسخ ده أنا أدق لسانك ده بمسمار في الحيطة
ثائر وهو يتابع المشهد هز رأسه بابتسامة وقحة وجبروت وهو يتفحصها همس لنفسه بإعجاب مريب:
اخخخخ قطة سيامي وبتخربش بجد.. بس لسانها ده
هو اللي هيجيبها تحت رجلي مكسورة..... أوووف بطل
التفت ثائر لممدوح ونفث دخان السيجارة ببطء وهو يراقب سدرا وهي تختفي وراء الستائر بخطوات ملكية وعيناه تلاحقان أثر عطرها الذي ملأ المكان قال بهدوء يرعب:
✦────────── ✦
مناقشه البارت الاول
✦────────── ✦
قد يمحو الغنى ملامح الفقر عن ثيابك لكنه أبداً لا يمحو أثر الكبرياء الزائف من روحك..
القوة الحقيقية ليست في دهس الضعفاء تحت بريق أحذيتنا بل في الانحناء لتقبيل يد أتعبها الشقاء فالبيوت الفارهة قد تسكنها نفوسٌ خربة
والحارات الضيقة قد تخرج منها قلوبٌ
تتسع للعالم رحمة
لا تجعل رقتك تمنعك من أن تكوني لبوة حين يستدعي الأمر ولا تجعل علمك ينسيك أصلك
المرأة القوية هي التي تعرف متى تستخدم مبضع الجراح لتعالج ومتى تستخدم لسانها المبرد لتردع من يتخطى حدوده
الجمال الحقيقي يبدأ حين تقررين ألا تكوني ضحية لأي شخص مهما كان نفوذه
المظاهر غالبا ما تخدع والعيون التي تحتقر الآخرين لفقرهم هي عيون عمياء عن رؤية الجوهر قد تكون دكتورة ورقاصة وبنت بلد في آن واحد لأن الظروف هي من تلبسنا الثياب لكن معدننا هو من يحدد من نحن إياك أن تحقر من شأن شخص لمجرد أن ثوبه متسخ فربما قلبه أطهر من قصور مشيدة
التحرش ليس خفة دم والتعالي ليس هيبة الاحترام هو العملة الوحيدة التي لا تنتهي صلاحيتها في أي مكان سواء كنت في زقاق ضيق أو في فندق بسبع نجوم دافعي عن حقك بضراوة ولا تسمحي لأي غراب أن يظن أن علوه يمنحه الحق في استباحة أرضك
