رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثاني 2

بينما كانت ياسمين غارقة في نشوة نجاحها الأخير، والمكافأة التي تسلمتها للتو عن تصميمها المبدع، شعرت بظل يقطع عليها حبل أفكارها. رفعت بصرها لتجد "جمال"من كان خطيب اختها، يقف أمام مكتبها في الشركة. تجمدت ملامحها، واكتسى وجهها بغضب لم تستطع مواراته، وقبل أن ينطق بكلمة، هبت فيه بصوت خفيض وناقم:
ـ "أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبأي عين جاي بعد ما فسخت خطوبتك من أختي وخرّبت اللي بينكم؟"
رسم جمال قناع العقل والهدوء، وتحدث بنبرة حاول أن يجعلها "مسالمة" لتجاري ثورتها:
ـ "ياسمين، ارجوكِ.. أنا مش جاي أعمل مشاكل. أنا بس عايز أتكلم معاكي كلمتين، مش هينفع هنا وسط زمايلك.. ممكن نقعد في مكان هادي؟"
انتفضت ياسمين بعصبية، ورفضت بشدة أي حديث جانبي معه، فجرح أختها "سما" لا يزال ينزف، والبيت الذي تحول إلى مأتم دائم بسببه. لكن جمال لم يستسلم، وألحّ بحجة بدت لياسمين كأنها طوق نجاة:
ـ "اسمعيني بس، الكلام اللي هقوله يخص علاقتي بسما، وفي حاجات لازم تعرفيها عشان تفهمي ليه الأمور وصلت لكدة.. يمكن ده يكون في مصلحتها."
رغم نفورها الشديد منه، إلا أن صورة والدها ووالدتها وهما حزينان على "سما" التي جعلت حياتهم "مناحة" مستمرة، جعلت ياسمين تتردد. فكرت أن ربما يكون كلامه بداية لرجوعه إليها وإنهاء هذه الأزمة. وبدوافع بريئة ممزوجة بالقهر، وافقت أن تخرج معه للحظات لتسمع ما عنده.
وفي تلك اللحظة الفارقة، وبينما كانت ياسمين تهمّ بالخروج من الباب الخارجي للشركة بصحبة جمال، كان "عبد الرحمن" يصف سيارته للدخول. وقعت عيناه عليهما وهما يسيران معاً، وتسمرت نظراته على ياسمين التي بدت مرتبكة، وعلى هذا الغريب الذي يسير بجوارها ويبدو عليه الإصرار.
اشتعلت في صدر عبد الرحمن تساؤلات لم يعرف لها جواباً: "مين ده؟ وإيه علاقته بـ ياسمين؟ وهي اللي دايماً رافضة أي كلام بره حدود الشغل، إيه اللي يخليها تخرج مع واحد غريب في وقت العمل؟"
لم تكن ياسمين تدري أن غلطة "الاستجابة" لجمال، لم تكن مجرد جلسة عادية، بل كانت الشرارة التي هزت صورة "الجوهرة المتحفظة" في عين الرجل الوحيد الذي بدأ قلبه يميل إليها بصدق.
.......................
كانت ياسمين تجلس على طرف الكرسي وكأنها فوق صفيح ساخن، عيناها تلمعان بشرار الغضب وهي تراقب حركات "جمال" البطيئة والمستفزة. في هذا الكازينو الهادئ، بدا صخبه الداخلي أعلى من أي صوت حولها. حين بدأ يتحدث بنعومة مصطنعة، ويسألها بلطافة تثير الغثيان عما تحب أن تشربه، لم تتمالك نفسها:
ـ "أنا مش جاية هنا عشان أضيفك ولا تضايفني يا أستاذ جمال! اخلص وقول اللي عندك، إيه الكلام المهم اللي يخص أختي وخلاك تجرجرني وراك لحد هنا؟"
لم يهتز له جفن، بل أشار للنادل بسماجة وبرود وهو يقول: "واحد ليمون للأنسة.. هدي أعصابك يا ياسمين، الكلام محتاج رواقة."
حبست ياسمين أنفاسها، وقررت أن تمنحه دقيقة واحدة أخيرة لتعرف أين يصل به المطاف. بدأ ينسج كلماتٍ مطاطة عن النصيب والاختيار والاسباب التي أدت لتطور الخلافات الدائمة بينه وبين سما وهي تسمع على مضض في انتظار انتهاءه حتى تدلي برأيها الصريح بوجهه، ذلك الذي يرمي على شقيقتها كل الأخطاء وكأنه هو المنزه المستقيم، إلا أن القي بقنبلته التي جمدت الدماء في عروقها:
ـ "أنا ندمان يا ياسمين.. ندمان أشد الندم. كنت مغمى العين لما خطبت سما، البنت التافهة اللي عقلها على قدها وما بتفكرش غير في المظاهر. مخدتش بالي إن الكنز الحقيقي والشخصية اللي بجد كانت قدامي من الأول.. كان المفروض إنتِ اللي تكوني من نصيبي، مش عارف دماغي كانت فين وقتها؟."
انتفضت ياسمين من مكانها كأنها لُدغت، لكنه لم يترك لها فرصة للرد، بل استرسل بوقاحة وهو يحاول تثبيتها بنظراته:
ـ "أنا انبهرت بجمال سما المزيف، وعميت عن جمالك الحقيقي، جمال الروح والعقل والنجاح اللي بتعمليه.
انفرجت شفتيها وكادت أن تصعقه بردها الا إنه استرسل بخبثه ضاغطا على احرف الكلمات:
ـ قبل ما تتعصبي افتكري ان سما داست على مشاعرك وما فكرتش فيكي لحظة لما وافقت عليا وهي عارفة إني كنت جايلك.. يبقى ليه إنتِ اللي تعملي حساب للعواطف اللي محدش قدرها؟ بصي لنفسك يا ياسمين، إحنا نستاهل بعض."
في تلك اللحظة، لم تعد ياسمين ترى أمامها إلا سواداً. انفجرت فيه وصوتها تردد في أرجاء المكان، ضاربةً بكل تحفظاتها عرض الحائط:
ـ "يعني إنت جاي دلوقتي، بكل بجاحة، عايزني أدخل حرب مع أهلي وأخسر أختي وأكسر قلبها تاني عشان خاطرك؟ على أساس إيه؟ إنك أنت الغنيمة اللي تستاهل الواحد يحارب الدنيا عشانها؟" 
وتابعت وهي تلملم حقيبتها بيد ترتجف من فرط القهر:
ـ "أنت بني آدم معندكش ريحة الدم ولا الأصول! لو كنت فاكر إن خيانة أختي هي الطريق لقلبي، تبقى متعرفش مين هي ياسمين. أنا فعلاً غلطت لما جيت أسمع لواحد زيك، مش فاهمة انا جايب الثقة والغرور دا على ايه؟ بص لنفسك في المراية يا استاذ الاول حضرتك صورة وبس، صورة تتعلق على الحيط، او تتحط فوق الكمودينو، انما راجل الواحدة تتمناه ويبقى سند.... لأ، يتزعل عليك لو سيبتني وروحت لغيري برضو..... لا، عشان انت مش.... 
توقفت الكلمة بحلقها، منعتها أخلاقها الكريمة انت تبصقها بوجهه الكريه، ولكنها وصلت لتشعل جذوة الحقد بداخله، يرمقها بنظرات نارية ومتوعدة وهي تتحرك لتذهب 
فتركت الطاولة وخرجت تجري من امامه. فتسيل على خديها دموع تحرق عينيها، لم تكن دموع ضعف، بل دموع صدمة من بشر يبيعون ويشترون في المشاعر وكأنها بضاعة رخيصة. لم تكن تدري أن "عبد الرحمن"، الذي كان يراقب خروجها من الشركة بقلق، قد تملكته الظنون، وأن مواجهتها القادمة معه ستكون اختباراً آخر لكرامتها.
.........................
عادت ياسمين إلى المنزل، تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف، وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة.
"كيف؟" سألت نفسها بقهر، "كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى، أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟" لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه، وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان، وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل "جمال" هذا الإحساس البغيض بأنه "الغنيمة" التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء.
حانت ساعة الغداء، وارتفع صوت والدتها "اعتدال" من الصالة تناديها بآلية مفرطة، دون حتى أن تقترب من باب غرفتها:
ـ "ياسمين.. يلا الغدا جاهز، اطلعي كلي لقمة معانا"
ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق، محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية:
ـ "مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي."
لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل: "ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟" بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما، "المكتئبة" التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب "شغلة" من ياسمين، ولم يدخل الأب ليطمئن.
استلقت ياسمين على سريرها، ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت، يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها "الصغيرة المدللة"، ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين، فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر، لا لثقتهم في "عقلها وحكمتها" كما يدّعون، بل لأنهم استسهلوا صمتها، واعتبروا صمودها فرضاً واجباً.
"إحساسي فليذهب إلى الجحيم"؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين "عاقلة"، والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت، بينما "المجنون" والأناني هو من يحصد كل الاهتمام.
وسط هذا القهر، قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة "عبد الرحمن".. نظرته الطويلة لها أمام الشركة، وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً، هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها، حتى وإن كان ذلك بطريقة "مستفزة" تثير أعصابها.
.........................
دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة، عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق، كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات "جمال" المسمومة أو مشهد خذلان أهلها.
ومع ذلك، لم يكن من السهل تجاهل وجود "عبد الرحمن". كان يمر من أمام مكتبها كغريب، معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد، وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج، مما جعل الحيرة تنهشها. "أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس"، هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.
حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد، ودار النقاش جافاً، تقنياً، وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل، جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة، لكن صوته استوقفها عند الباب، كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر:
ـ "آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات 'المفاجئة' بدأت تأثر على المواعيد، يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر."
تسمرت ياسمين مكانها، واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة:
ـ "حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها، ومفيش لقاءات أثرت على شغلي."
بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف، ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة:
ـ "أنا مقلتش أثرت على الجودة، أنا بتكلم عن 'الجو العام'. الشركة هنا مكان للشغل، مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل."
شعرت ياسمين بالإهانة، وقررت مراوغته ببرود مستفز:
ـ "والله دي أمور شخصية، وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان، متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده."
هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن، وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية:
ـ "لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة، تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟"
فقدت ياسمين أعصابها هي الأخرى، واشتعلت عيناها بالدموع والغضب، وصرخت فيه دون وعي:
ـ "عشان ده كان خطيب أختي يا أستاذ عبد الرحمن! 'جمال' اللي كان جاي بخصوص أختي بعد ما حصل مشكلة كبيرة ما بينهم أدت لفسخ خطوبته منها.. ارتحت دلوقتي؟ ارتحت لما عرفت اني أجبرت على الخروج معاه عشان أوفق ما بينهم رغم أني ما بطيقهوش من الأساس.
ساد صمت مفاجئ وصادم في الغرفة. تراجع عبد الرحمن خطوة، وانطفأت نيران غضبه ليحل محلها ذهول وندم شديد. أما ياسمين، فقد كانت أنفاسها ملاحقة، وندمت في داخلها أنها كشفت ستر بيتها أمام رجل غريب، لكن قهرها كان أكبر من قدرتها على الكتمان.
...............................
عادت ياسمين إلى البيت وروحها كأنها ورقة شجر جافة تعصف بها الرياح؛ فمعركتها مع عبد الرحمن لم تستنزف أعصابها فحسب، بل أجبرتها على تعرية جرحها العائلي أمام رجل كان بالنسبة لها الملاذ الأخير للاحترام. كانت تمني النفس بساعة من الهدوء خلف باب غرفتها، لكن القدر كان يخبئ لها طعنة أخرى خلف باب الصالة.
بمجرد أن فتحت الباب، تجمدت الدماء في عروقها.وهي ترى ذلك الوقح يجلس في وسط المنزل بزهو وكأنه فاتحٌ عظيم، وبجواره والدته التي ترتسم على وجهها ابتسامة "النصر" والمكر. أما المفاجأة التي شقت قلب ياسمين، فهي وجه والدها ووالدتها اللذين أشرقا بفرحة غامرة، وكأن غمة وانزاحت عن صدورهما.
ـ "تعالي يا ياسمين.. تعالي يا حبيبتي شوفي الفرحة! جمال ووالدته جم وصالحونا، وكان سوء تفاهم راح لحاله. الميه رجعت لمجاريها بين جمال وأختك سما.
هكذا استقبلتها اعتدال بنبرة راقصة، بينما أومأ لها والداها "رشدي" بابتسامة نادرة تشير إليها بالجلوس ومشاركتهم هذه "الوليمة" من النفاق. نظرت ياسمين حولها بذهول؛ أيعقل أن ينسوا بكل هذه البساطة إهانته لابنتهم؟ أيعقل أن تمحى "المناحة" والدموع بجلسة صلح كاذبة؟
لكن الصدمة الحقيقية كانت حين التقت عيناها بعيني "جمال". لم تكن نظرة خطيب عائد لنصيبه، بل كانت نظرة "خبيثة" لا يفهم شفرتها أحد سواها. كانت عيناه تقولان بوضوح: "شفتي؟ رجعت البيت من أوسع أبوابه، وبكرة هخليكي تشوفي الويل وتوافقي غصب عنك.. أنا اللي مسيطر هنا."
حاول جمال أن يرسم دور الوقار أمام والدها، وقال بصوتٍ هادئ يستفز كل ذرة كرامة في ياسمين:
ـ "نورتي يا ياسمين.. كنا لسة بنقول إن البيت ميكملش من غيرك، وإنك كنتِ واحشانا في قعدة الصلح دي. اقعدي يا أختي، ده إحنا أهل."
شعرت ياسمين بغثيان يكتسح كيانها. وقفت مسمرة في مكانها، بينما والدتها تلح عليها:
ـ "اقعدي يا بنتي سلمي على طنط وعلى جمال.. بلاش وش الخشب ده في ليلة زي دي."
كانت ياسمين تنظر إلى والديها اللذين اشتريا "راحة البال" الزائفة على حساب كرامتها، وإلى جمال الذي يمارس لعبته القذرة تحت سمعهم وبصرهم. شعرت أنها غريبة في هذا البيت، وأن الغدر لم يأتِ من الغرباء فحسب، بل نبت في قلب صالتهم القديمة.
...........................
عادت ياسمين إلى غرفتها، لكن جدرانها لم تعد تمنحها السكينة. كانت أصوات الضحكات والهزار المتصاعد من الصالة تخترق الباب كأنها إهانات شخصية موجهة إليها. "هل يعقل أن يكونوا بهذه السذاجة؟ أم هو العمى الاختياري من أجل سترة بنية وراحة بال زائفة؟" تساءلت بمرارة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من التفكير.
كانت تعلم أن كشف حقيقة هذا "الفاسد" مغامرة غير مأمونة العواقب. فمن صدقوه حين ترك ياسمين واختار سما في جلسة التعارف الأولى، ومن استقبلوه بالأحضان بعدما كسر قلب سما وفسخ الخطبة، هل سيصدقون الآن أنه يطارد ياسمين في الخفاء؟ سيقولون "غيرة"، أو "أوهام"، أو ربما يتهمونها بأنها تريد تخريب فرحة أختها للمرة الثانية.
لكن الكرامة كانت تصرخ بداخلها، ولم تعد تحتمل الصمت. نهضت فجأة، وبخطواتٍ يملؤها التصميم، توجهت نحو المطبخ حيث كانت والدتها "اعتدال" تنهمك في إعداد "واجب الضيافة" لهذا الضيف الثقيل.
وقفت ياسمين خلف أمها، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم العاصفة التي تسكنها:
ـ "ماما.. إنتوا إزاي توافقوا على رجوع البني آدم ده تاني؟ إزاي قدرتوا تفتحوا له الباب بعد كل اللي عمله؟"
توقفت اعتدال عن تقليب الطعام، والتفتت إليها بضيق وهي تمسح يدها في المريلة:
ـ "ونرفض ليه يا ياسمين؟ ده إحنا ما صدقنا إنه رضي يرجع لأختك ويلم الدور. عايزانا نرفض الرزق ونقعد نندب حظنا؟"
هنا، قررت ياسمين أن تلقي بالقنبلة الأخيرة، لعلها توقظ هذا الضمير النائم:
ـ "رزق؟ ده جالي الشركة يا ماما! طلب يقابلني، وقعد معايا في كازينو، وقالها لي في وشي.. إنه ندمان إنه خطب سما، وعايزني أنا! البني آدم ده مش جاي عشان سما، ده جاي عشان يكسرنا كلنا ويشوف نفسه علينا."
ساد صمتٌ قاتل في المطبخ، صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتلاحقة. رمقتها والدتها بنظرة لن تنساها ياسمين ما حييت؛ نظرة مزيجاً من عدم التصديق، والإنكار الجاحد، وإشفاقاً مهيناً وكأنها تنظر لمريضة تهذي. لم يكن في عيني الأم غضب على "جمال"، بل كان فيهما لومٌ مبطن لياسمين لأنها تجرأت وعكرت صفو هذه "الفرحة" المستوردة.
شعرت ياسمين بنظرة أمها تجرح كرامتها أكثر من كلمات جمال نفسه. لم تلمس في أمها غيرة الأم على ابنتها، بل لمست رغبةً في "إخراس" الحقيقة حتى لا ينهار سقف البيت الهش.
لملمت ياسمين ما تبقى من عزة نفسها، ووقفت بصلابة وهي تتراجع نحو الباب، قائلةً كلمتها الأخيرة والجارحة:
ـ "على العموم.. أنا عملت اللي عليا، وبلغتك بالحقيقة عشان ذمتي قدام ربنا. إنتوا حرين، بس افتكروا كويس إني حذرتكم من التعبان اللي قاعد معاكم بره ده."
خرجت ياسمين من المطبخ وهي تشعر أنها غريبة تماماً عن هذه العائلة، وأن معركتها الحقيقية لن تكون مع جمال وحده، بل مع "الخوف" الذي يسكن قلوب أهلها ويجعلهم يفضلون "الخيانة" على المواجهة.
.....................
وسط هذا السكون المخيف الذي أعقب مغادرة جمال ووالدته، تحول جدار غرفتها إلى مرايا تعكس عجزها. كانت ياسمين تشعر وكأن هناك جبلًا جاثمًا على صدرها، وصوت ضحكات سما في الصالة وهي تتباهى بهدايا "عريس الهنا" ينساب من تحت عقب الباب كأنه سمّ بطيء.
لكن تلك الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر صبرها. قرأتها مرة واثنتين، وعيناها تتسعان من فرط البجاحة: "كدة برضو يا ياسمين.. دا أنا اتصورت إني أشوف الفرحة لأختك في عينك بعد رجوعي ليها، حبيبتي الغالية، الاقي زيها فين بس!".. كلمات تقطر مكرًا، كأنه يغرز خنجره في جرحها ويطلب منها أن تبتسم.
انهارت ياسمين على سجادة صلاتها، ورفعت بصرها نحو السماء بدموع محبوسة، ولسان حالها يصرخ بمرارة: "يا رب.. أنت الحليم وأنا الضعيفة، أنت الحق وأنا المظلومة.. ماليش غيرك يشوف لي حل في الكابوس ده."
بينما كانت ياسمين في خلوتها مع الله، رنّ هاتفها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن رسالة من جمال، بل كانت إشعارًا من العمل.. رسالة من عبد الرحمن.
كانت الرسالة قصيرة وجادة، لكنها حملت في طياتها نبرة مختلفة تمامًا عما حدث في الشركة:
"آنسة ياسمين، أنا بعتذر لو كنت انفعلت بزيادة الصبح. الحقيقة إني كنت خايف على مصلحة الشغل.. وعلى كرامة بنت شاطرة ومجتهدة زيك من أي استغلال. أتمنى بكره نبدأ يوم جديد بعيد عن أي توتر."
لم تدرِ ياسمين لماذا شعرت بغصة في حلقها حين قرأت كلمات عبد الرحمن. هل هو القدر الذي يرسل لها بصيص نور وسط هذا الظلام؟ أم أن اعتذار عبد الرحمن جاء ليذكرها بأن هناك من "يخاف" عليها حقًا، بينما أهلها يبيعون راحتها من أجل "سترة" مزيفة لأختها؟
نامت ياسمين ليلتها وهي تشعر أن الصراع لم يعد بينها وبين جمال وحده، بل أصبح صراعًا بين "ماضٍ" يحاول كسرها، و"مستقبل" بدأ يطرق بابها من خلال شخص لم تكن تتوقع منه الحنان أبدًا.
توقعاتكم في اللي جاي 
يا ترى جمال هيسيب ياسمين في حالها؛
ولا اخر قصة عبد الرحمن معاها ايه؟
ولا سما دورها ايه في اللي جاي؟
انتظروا الجزء التالت
الجزء الثالث 
في اليوم التالي، كان الرواق المؤدي إلى مكتب ياسمين شاهداً على اضطرابٍ لم يعهده الموظفون في شخصية "عبد الرحمن"؛ ذاك الرجل الذي فارقه وقاره المعتاد، وأخذ يقطع غرفته ذهاباً وإياباً، بينما لم تكف عيناه عن اختلاس النظر نحو مكتبها القابع في سكونٍ مريب. كانت تلك المرة الأولى التي تتأخر فيها ياسمين عن موعدها ولو لدقيقة واحدة، وحين دقت الساعة العاشرة، نفد صبره تماماً؛ فتخلى عن كبريائه وجذب هاتفه ليتصل بها، لكن الرنين لم يلقهُ إلا بصمتٍ مطبق بعد محاولتين باءتا بالفشل.
استوقفته "هناء" وهي تمر أمام مكتبه، فاستغل الفرصة وسألها بنبرة حاول جاهداً أن يكسوها بالرسمية، لكن بحة القلق فضحت أمره:
ـ "آنسة هناء.. هي ياسمين فين؟ دي أول مرة تتأخر للوقت ده، حد منكم يعرف عنها حاجة؟"
نظرت إليه هناء بأسف وقالت:
ـ "للأسف يا مستر عبد الرحمن، ياسمين مش هتيجي النهاردة خالص، عرفنا إنها تعبانة جداً."
شحب وجهه، واهتز صوته وهو يسأل بلهفة مكتومة:
ـ "تعبانة إزاي يعني؟ ومنين عرفتي بالتحديد؟ هي بلغت حد فيكم؟"
أجابت هناء ببراءة وهي تخرج هاتفها لتريه الشاشة:
ـ "من 'حالة' الواتساب يا مستر.. أختها سما هي اللي منزلة الخبر، وبتقول 'ادعوا لياسمين أختي'، دي اتنقلت المستشفى فجأة من كام ساعة."
وقع الخبر على مسامعه كوقع الصاعقة؛ جمدت الدماء في عروقه وتسمرت قدماه في مكانهما، توقف به الزمن للحظة، وشعر وكأن الأرض تميد به. الكلمة وقعت على أذنيه كدويّ انفجار: "المستشفى!". لم يعد يرى أمامه هناء ولا المكاتب ولا الأوراق، بل قفزت إلى ذهنه صورة ياسمين بملامحها الشاحبة وانكسارها الذي حاولت مداراته بالأمس. استجمع أنفاسه بصعوبة، وسأل هناء بصوتٍ مخنوق حاول قدر الإمكان أن يبدو رسمياً لكنه فشل:
ـ "مستشفى إيه يا هناء؟ متعرفيش مالها؟ واشمعنى أختها اللي منزلة الخبر؟"
ردت هناء بقلبٍ وجل:
ـ "والله يا مستر، سما كاتبة إن ياسمين تعبت فجأة بليل، والضغط وطي وشكلها جالها هبوط حاد. بس هي مكاتبتش اسم المستشفى، اكتفت بطلب الدعاء وصورة لإيد ياسمين وهي متركب لها محاليل."
لم ينتظر عبد الرحمن سماع المزيد؛ اندفع نحو مكتبه، التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج بخطواتٍ شبه راكضة. كان عقله يغلي بالتفكير: "ياسمين القوية، الصبورة، المتحفظة حتى والحزن يسكن عينيها.. تلك التي لا تفصح عما يؤلمها، بل تخرج صرخاتها في إبداعٍ ينطق بالجمال؛ جمالٌ لا يدركه إلا من يملك حساً مرهفاً يرى الوجع خلف كل غرزة خيط."
في السيارة، ظل يضرب المقود بيده من فرط القلق. لم يكن يملك عنوان منزلها، ولا يعرف أحداً من ذويها، لكن عاطفته الجارفة وخوفه عليها أنسياه كل التفاصيل. فجأة، لاحت له ذكريات ملفات الموظفين؛ استرجع بجهدٍ جهيد كل حرف قرأه في ملفها الشخصي، حتى استطاع تذكر المنطقة التي تسكن فيها.
بدأ رحلة البحث كالمجنون، يتصل بهناء كل خمس دقائق: "اسألي سما على المستشفى.. قولي لها إن الشركة عايزة تطمن عشان التأمين.. اختلقي أي حجة يا هناء!"
وبينما كان عبد الرحمن يحترق قلقاً، كانت ياسمين ترقد بالفعل في غرف المستشفى الباردة؛ جسدها استسلم أخيراً بعدما عجزت روحها عن الاحتمال. كانت "سما" تجلس بجوارها، لا لدافع الحب الخالص، بل لتمارس دور "الأخت المخلصة" أمام العامة، وتنشر صور مرض أختها استدراراً لعطف "جمال" وجذباً لانتباهه، غير مدركة أن هذه الصور ذاتها هي التي كانت تقود الرجل الذي يحب ياسمين بصدق إلى بابها.
.
.......................
كانت "اعتدال" تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الملازم لسرير ياسمين في المستشفى، وعيناها لا تفارقان وجه ابنتها الشاحب، بينما ينهش الندم والحزن قلبها. استرجعت بمرارة مشهد الصباح الذي زلزل كيانها؛ حين دخلت غرفتها بضيقٍ مصطنع لتوقظها، وهي تردد كلماتها المعتادة: 
ـ قومي يا ياسمين.. الشغل اتأخرتي عليه، والناس هتقول إيه!"
لكن الكلمات تجمدت في حلقها حين وقع بصرها على الفاجعة. لم تكن ياسمين على سريرها، بل كانت جثة هامدة مرتمية على الأرض في مشهدٍ يمزق الروح؛ نصف جسدها الضئيل مستلقٍ على سجادة الصلاة، والنصف الآخر افترش الرخام البارد الذي امتص ما تبقى من دفء أطرافها.
ساعتها، شعرَت اعتدال وكأن قلبها قد هوى في سحيقٍ مظلم. هرعت نحوها، هزتها بجنون وهي تنادي باسمها: "ياسمين! ردي عليا يا بنتي.. ياسمين!" لكن لا مجيب، سوى صمتٍ مخيف وبرودةٍ بدأت تسري في ملامح ابنتها التي كانت بالأمس القريب تحذرها من "الغدر" تحت سقف بيتهما.
لم تجد الأم المكلومة وسيلةً إلا الصراخ، صرخةٌ شقت سكون البيت واستدعت "رشدي" و"سما" بهلع، صرخة كانت تحمل في طياتها اعترافاً متأخراً بأن "العاقلة" التي لم تكن تشتكي، قد انكسر داخلها شيءٌ لا تبرئه المحاليل ولا الأدوية.
انهمرت دموع اعتدال وهي تنظر إلى المحلول المعلق، وتهمس لنفسها: "يا ريتني سمعتلك يا بنتي.. يا ريتني ما كذبت عيني عشان أرضي الناس." بينما كانت سما في الزاوية الأخرى، مشغولة بهاتفها، تقتنص من وجع أختها "كادراً" جديداً تنشره للعامة، غير مدركة أن الصرخة التي أطلقتها أمها في الصباح، قد وصلت أصداؤها بالفعل إلى قلب رجلٍ يقود سيارته الآن كالمجنون في شوارع المدينة، يبحث عن "ياسمين".
,قطع سكون العنبر الرتيب إلا دويّ صوت "جمال" القادم من الممر الخارجي، صوته الذي كان يسبق خطواته المتعجرفة، حاملاً نبرة عصبية مبالغ فيها، وكأنه يمارس سلطةً مطلقة على الجميع. انتفضت "اعتدال" في مقعدها، ورمقت باب العنبر بنظرة قلقة وهي تراه يقتحم المكان بوجه محتقن، صائحاً بلهجة تقطر لوماً:
ـ "إزاي يعني محدش يرفع سماعة التليفون يبلغني؟ ياسمين تتعب وتتنقل المستشفى كدة وأنا زيي زي الغريب أعرف بالصدفة؟ دي أصول دي يا عم رشدي؟"
ارتبك "رشدي توفيق" وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن:
ـ "يا ابني اعذرنا، إحنا كنا في عالم تاني.. المنظر كان يرعب وخضتنا على البنت خلتنا منشوفش قدامنا ولا نفتكر حد، يدوب شلناها وجرينا."
في تلك اللحظة، انتفضت "سما" بلهفة غريبة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتثبت له تفانيها، فاقتربت منه تحاول استرضاءه وهي تذكره:
ـ "أنا اتصلت بيك يا جمال والله كذا مرة عشان أبلغك، بإمارة ما رديت عليا وصوتك كان نعسان خالص وقفت السكة في وشي!"
بدلاً من أن يهدأ روعه، انفجر فيها جمال بغضبٍ أشد، ونهرها بقسوة أمام الجميع:
ـ "أديكي قلتيها يا غبية! كنت نعسان.. يعني مكنتش مركز ولا واعي للي بتقوليه! كان لازم تكرري المحاولة وتفضلي ورايا لحد ما أفوق وأفهم، مش تسيبيني نايم وتقولي بلغت!"
وقعت كلمة "غبية" على مسامع سما كالصفعة، فتراجعت بحرج وأطبقت شفتيها بصمتٍ مخزٍ. رمقته "اعتدال" بنظرة غضبٍ نارية؛ فقد آلمها أن يُهان كبرياء ابنتها بهذه الغلظة في حضرة مرض أختها. أما رشدي، فقد استمر في دور "المسترضي"، وأخذ يسرد لجمال بتفصيلٍ ممل كل لحظات المعاناة والإجراءات الطبية التي مروا بها، وكأنه يقدم كشف حسابٍ لـ "سيد البيت"، بينما كانت ياسمين ترقد هناك.. جثةً خامدة لا تسمع ضجيج النفوس التي تتاجر بوجعها.
.......................
بينما كان جمال يملأ المكان ضجيجاً بصياحه المصطنع الأجوف، انشق باب العنبر فجأة عن حضورٍ لم يعهده هذا الرواق البائس. دخل عبد الرحمن بخطى ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلته الأنيقة التي بدت كأنها من عالم آخر غير عالم المستشفيات الكئيب. كانت رائحة عطره النفاذة والراقية تسبقه، لتطغى في ثوانٍ على رائحة المعقمات واليود، وتلفت أنظار الجميع؛ مريضات على أسرتهن رفعن رؤوسهن بذهول، ومرافقون توقفوا عن الحديث ليتأملوا هذا الزائر "الغريب" عن بيئتهم.
ظن الجميع للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أنه يزور شخصية هامة في غرفة خاصة، حتى توقفت قدماه تماماً أمام سرير ياسمين (التي كاد يخطيء اسمها في تلك اللحظة من فرط ارتباكه وتأثره برؤيتها هكذا). تسمرت عيناه على وجهها الشاحب، وسأل بنبرة هادئة وعميقة قطعت خيط صراخ جمال:
ـ "هي عاملة إيه دلوقتي؟"
ساد صمتٌ مطبق. تنحى رشدي واعتدال جانباً بذهول، وصمت جمال فجأة وهو ينظر لهذا "العملاق" الذي اقتحم ساحته بهيبة أطفأت بريقه المصطنع. لم يصدقوا أنه يقصدهم، حتى ظنوا أنه أخطأ في المريضة.
شعر عبد الرحمن بوطأة نظراتهم المستغربة، وتنحنح ليلملم شتات ارتباكه ويصحح خطأه العفوي، ثم قدم نفسه بوقار أخرس الألسنة:
ـ "أنا عبد الرحمن.. مدير الآنسة ياسمين في الشركة."
كانت سما تنظر إليه بعينين متسعتين، منبهرة بهذا الرقي الذي لم تره في جمال قط، بينما اعتصر الغل قلب جمال وهو يرى هيبة عبد الرحمن تأكل الجو من تحته. أما اعتدال، فقد شعرت لأول مرة منذ الصباح أن هناك اتى بعاطفة صادقة يسأل بقلبٍ موجوع عن حال ابنتها خلف قناع الرسمية.
انتفض "رشدي" من مكانه، وبحفاوة مبالغ فيها مد يده ليسلم على عبد الرحمن سلاماً حاراً، وكأنه وجد في هيبته طوق نجاة من ضجيج خطيب ابنته المتحذلق، بدأ يعرفه بالعائلة بصوت يملؤه الفخر الممزوج بالارتباك:
ـ "أهلاً يا باشا، نورتنا.. أنا والد ياسمين، ودي والدتها، ودي أختها سما.. وده الأستاذ جمال خطيب أختها."
عند الاسم الأخير، تجمدت نظرات عبد الرحمن. تبادل مع جمال نظرة حادة؛ كانت مزيجاً من الدهشة والارتياب من جانب عبد الرحمن، الذي استرجع فوراً مشهد الأمس. "هذا هو الرجل الذي جاء لياسمين في الشركة!"، تذكر مبررها المرتجف وقتها بأنه كان خطيب أختها، لكنه الآن يقف بجوار الأخت ذاتها وكأن شيئاً لم يكن. تعجب عبد الرحمن من سرعة عودته، ومن تلك الفتاة "سما" التي كانت ترمقه بنظرات جريئة، تخلو من أي حياء، بل تقترب من الوقاحة رغم وجود خطيبها بجانبها.
قارن عبد الرحمن في سره بين الأختين؛ شتان بين "سما" وبين ياسمينه الرقيقة، التي تخجل من أقل همسة، وتغلّف رقتها بجفاء مصطنع يصل إلى "الغشم" في بعض الاحيان في تعاملها معه، ومع ذلك كان يتقبل كل ذلك بصدر رحب، لأنه يدرك أن خلف تلك الحدة قلباً أبيض يحاول حماية نفسه.
أما جمال، فقد استعرت النيران في صدره. كانت نظراته لعبد الرحمن تقطر كرهاً أسود؛ ليس فقط لوسامته الطاغية أو لكونه سحب البساط من تحت قدميه وأطفأ حضوره تماماً، بل لأن هناك سؤالاً ينهش عقله: "كيف عرف هذا الرجل بمرضها بهذه السرعة؟ ولماذا يتكبد مدير شركة عناء المجيء إلى مستشفى حكومي بسيط لأجل موظفة لديه؟"
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عبد الرحمن الرخيم وهو يوجه كلامه لرشدي، متجاهلاً وجود جمال تماماً:
ـ "ألف سلامة عليها يا حاج رشدي.. ياسمين من أكفأ الناس عندنا في الشركة، ومكانش ينفع أعرف إنها تعبانة ومجيش أطمن عليها بنفسي."
التفتت اعتدال إليه بامتنان حقيقي، بينما كانت سما تبتسم برقة مصطنعة وهي تحاول لفت انتباهه بشتى الطرق، في حين وقف جمال يغلي بصمت، شاعراً بأن هذا الغريب يعرف عن ياسمين أكثر مما ينبغي، وأن وجوده هنا ليس مجرد "واجب وظيفي" كما يدعي.
"يا أهلاً يا أهلاً.. نورت المستشفى والله يا أستاذ."
قطع جمال الصمت بصوتٍ لزج وهو يمد يده بسلامٍ فاتر، والابتسامة الكاذبة ترتسم على وجهه وكأنه يلقي بكلمات مسمومة في ثوب الترحيب:
ـ "واضح إنك صاحب واجب قوي، ومبتضيعش وقت.. كدة أول ما تسمع تيجي جري على المستشفى! ده إحنا لسة واصلين من مفيش."
ضيق عبد الرحمن عينيه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة جعلت يد جمال الممدودة تبدو وكأنها معلقة في الهواء بمهانة، قبل أن يصافحه ببرودٍ شديد وابتسامة صفراء لا تخلو من الاستحقار، وسكت تماماً كأن الرد عليه مضيعة للوقت.
في تلك اللحظة، قامت اعتدال بلهفة وحاولت سحب عبد الرحمن من يده ليجلس مكانها، وهي تقول بامتنان:
ـ "اتفضل يا ابني، اقعد ريح مكان ملهاش لازمة الوقفة دي، كتر خيرك إنك جيت."
رفض عبد الرحمن بذوقٍ حاسم، لكن سما لم تترك الفرصة تمر، فاقتربت منه برقة مصطنعة وابتسامة واسعة لم يرتَح لها عبد الرحمن أبداً، وقالت بدلالٍ فج:
ـ "حضرتك محترم وذوق جداً، بس ماما من الصبح قاعدة مكانها وما صدقت قامت، مفيهاش حاجة لو قعدت مكانها.. وبعدين ياسمين كان لازم تعرفنا عليك في ظروف أحسن من كدة بكتير."
رمقها عبد الرحمن بطرف عينه بنظرة باردة لم يعطِها فيها أي اعتبار، وكأنها غير موجودة. وكي يتخلص من الحاحها وتملقها، وافق أخيراً وجلس على الكرسي، لكنه قام بشد الكرسي بخفة ليقترب أكثر من رأس ياسمين، مبتعداً عن الدائرة التي يحيطون بها السرير.
في تلك اللحظة بالذات، وكأن لروحه مغناطيساً جذب وعيها، بدأت رموش ياسمين ترفرف ببطء. سكنت الضوضاء في أذنها، وانفتحت عيناها الثقيلتان لتستقر مباشرة على وجه عبد الرحمن القابع بجوارها. غابت وجوه أهلها، واختفى صياح جمال، ولم ترَ سوى ملامحه القلقة التي كانت أول ما تطل عليه عيناها، وكأنها كانت تأبى الإفاقة إلا في حضرة وجوده، لتجد في نظراته الأمان الذي افتقدته
كانت عينا ياسمين تسبحان في سديمٍ من الأحلام، وصورة "عبد الرحمن" الجالس قبالتها بدت وكأنها طيفٌ من وحي خيالها المتعب. لم تكن تصدق أن تلك الابتسامة الهادئة التي تسكن ملامحه، والنظرة التي تفيض حناناً وقلقاً، حقيقية وليست مجرد تهيؤات انسحب إليها عقلها هرباً من الواقع.
همس عبد الرحمن بصوتٍ رخيم، اخترق مسامعها بوقارٍ سحرها:
ـ "حمد لله على سلامتك يا ياسمين."
كان صوته بالنسبة لها كشاطئ أمانٍ ترسو عليه سفينتها المحطمة، حتى ظنت أن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة. لكن السحر لم يدم؛ فقد انشق الفراغ فجأة عن وجهٍ مقيت، وصوتٍ حاد اقتحم خلوتها الروحية كخنجرٍ مسموم. ظهر "جمال" وهو يدفع برأسه أمامها بوقاحة، قائلاً بتمثيلٍ فج:
ـ "أخيراً فوقتي يا ياسمين؟ حمد لله على سلامتك.. ده إحنا قلوبنا كانت مولعة نار عليكي!"
انكمشت ملامح ياسمين فوراً، وتلاشت لمعة عينيها ليحل محلها نفورٌ و"تكشيرة" عفوية؛ فقد تحول الحلم الجميل إلى كابوسٍ مفزع بمجرد رؤية وجهه. بدأت تستوعب وجود البقية؛ رأت والدها "رشدي" وهو يمسح على رأسها، وأمها "اعتدال" التي انكبت تقبل وجنتها بنبرة صوتٍ مختنقة، خالطها ندمٌ خفي لم تستطع مواراته، وكأنها تعتذر لها عما حدث في المطبخ بالأمس.
أما "سما"، فقد كان حضورها "درامياً" كالعادة؛ إذ ألقت بثقل جسدها فوق صدر أختها المنهك، وأخذت تولول بمبالغةٍ مستفزة:
ـ "يا حبيبتي يا أختي! ألف سلامة عليكي.. يا ريتني كنت أنا بدالك ولا إن يمس شعرة منك سوء!"
تأوهت ياسمين بألمٍ مكتوم من ضغطة سما على جسدها الضعيف، بينما كانت عيناها تتركان الجميع لتعود وتستقر بضعفٍ وانكسار على "عبد الرحمن"، وكأنها استغاثة صامتة منها اليه، تلك العائلة بأكملها لا تعجبه 
تحدث فجأة، وقد فاض بها من مبالغة تلك الفتاة شقيقتها، وبرود هذا المدعو جمال عن رد.فعل المسمى خطيبها تلك التي كانت مائلة بجسدها بالقرب منه هو الرجل الغريب لدرجة أن جيبتها من الخلف كانت مرتفعة إلى اعلى ركبتها مشهد اثار تقززه رغم انفتاحه على حرية المرأة في ارتداء ما يعجبها من الملابس، لكن هذا الأسلوب يشبه الأداء الرخيص.
تجنبا للمزيد، تنحنح بحدةٍ أخرست الجميع، وقال بنبرةٍ آمرة مغلفة بالذوق:
"معلش يا جماعة نراعي الظروف شوية، الآنسة ياسمين لسه فايقة وضغطها واطي.. متهيألي محتاجة هدوء ونَفَس، مش كدة؟"
انسحبت سما تتراجع بحرج وهي تلملم شتات نفسها، بينما وقف جمال يرمق عبد الرحمن بحقدٍ دفين، وهو يشاهد التأييد المطلق من "اعتدال" التي صاحت بانسجام مع كلام المدير:
ـ "أيوه صحيح والله عندك حق.. ابعدي لورا شوية يا سما، وإنت يا رشدي لازق في حلق البت كدة ليه؟ خليها تاخد نفسها! جمال.. ما تروح يا بني تجيب لها علبة عصير تخليها تفتح عيونها وتفوق."
من شدة الغيظ، ضغط جمال على فكيه بقوة حتى كادت أسنانه تتهشم، وكان يود الانفجار فيها والاعتراض بأي حجة، إلا أن الرفض القاطع جاء من ياسمين التي رمقته بنظرة كره لم تخفَ على عبد الرحمن الجالس بجوارها، وقالت بصوتٍ واهن يكاد يخرج من صدرها:
ـ "محدش يجيب حاجة.. أنا نفسي مش قابلة أصلاً."
هنا تصنع جمال الشهامة والحرص الزائد قائلاً:
ـ "لا إزاي بس يا ياسمين؟ ده إنتِ لازم تاكلي لقمة خفيفة على الأقل.. أنا هقوم حالاً أجيب لك سندوتشات."
همت ياسمين أن توقفه معترضة، ولكن عبد الرحمن كان الأسبق ليقطع عليها الطريق ويوجه الضربة القاضية لجمال:
ـ "يا ريت يا أستاذ جمال.. فيه كشك قريب هنا من المستشفى حاجته نضيفة وتفتح النفس، وأكيد ياسمين مش هترفض لو الحاجة جت من إيدك."
انفرجت شفتا ياسمين قليلاً تهم بالاعتراض على "توريط" عبد الرحمن لها، إلا أنه زجرها بنظرة محذرة خاطفة أسكتتها فوراً. انعكس هذا المشهد غضباً مشتعلاً في عيني جمال المنتبه لحوار النظرات الصامت بينهما، ولانصياع ياسمين المفاجئ لرغبة عبد الرحمن وكأن هناك لغة تفاهم سرية تجمع بينهما؛ ليجد نفسه مجبراً بفعل هذا "المراوغ" على الخروج من الغرفة.
حاول جمال التلكع والمماطلة فسأل بنبرة خبيثة:
ـ "ماشي.. أنا رايح أهو، تحبي أجيب لك إيه بالظبط يا ياسمين؟"
لكن عبد الرحمن اليقظ بفطنته، تكفل بالرد ليغلق الدائرة تماماً:
ـ "يا أخ جمال، جيب لها أي حاجة.. هي فيها نَفَس تشتهي أصلاً؟ وبعدين خطيبتك أدرى باللي بيعجب أختها.. ولا إيه يا آنسة سما؟"
تلقت سما مخاطبته لها بلهفة وانبهار بهذا الاهتمام:
ـ "طبعاً أكيد يا أستاذ عبد الرحمن! دي أختي وأغلى حاجة عندي كمان.. هجيب لك حاجة تفتح نفسك يا ياسمين. ياللا بينا يا جمال أنا رايحة معاك."
سمع جمال كلماتها، وكم ودّ في تلك اللحظة أن يصفعها ويجبرها على الجلوس؛ لتوقف حماقتها التي لا تفهم من ألاعيب الرجال شيئاً، لكنه اضطر للانسحاب جاراً أذيال الخيبة خلفه.
......................
غادر جمال الغرفة وعلى وجهه علامات الضيق التي حاول إخفاءها تحت قناع من الوجوم، تتبعه سما التي لم تتوقف عن الثرثرة حول أنواع العصير والسندوتشات التي "ستفتح نفس" ياسمين. وبمجرد خروجهما، ساد هدوء نسبي في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ياسمين المتلاحقة، ونظرات رشدي الحائرة بين المدير "الشهم" وبين ابنته.
تنفس عبد الرحمن الصعداء، وكأن جبلًا من الزيف قد انزاح عن صدره برحيل جمال وسما. التفت إلى اعتدال ورشدي، وبنبرة هادئة لا تخلو من المزاح قال:
ـ "يا حاج رشدي، يا ست اعتدال... مش هوصيكم على ياسمين , دي شعلة نشاط عندنا في الشركة، وإحنا مش مستغنيين عنها أبدًا."
جاء السريع الرد من اعتدال:
ـ يوه , انت هتوصيني على بنتي يا استاذ عبد الرحمن, دي في عنيا الجوز، هو انا عندي اغلى منها
أضاف عليها رشدي هو الاخر:
وعندي انا كمان، دي البكرية ، واول فرحتي، والله ولا تعبتني ابدا في تربيتها يا استاذ عبد الرحمن، زي النسمة من ساعة ما اتولدت
لطالما اشمأزت ياسمين داخلها من أفعالهم

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا