رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والثلاثون 32
بعد مرور شهر
هولندا…
رغم أن وجودها هنا لم يمر عليه وقت طويل،
إلا أن الملل بدأ يتسلل إلى تفاصيل أيامها بهدوءٍ ثقيل… يتوغل داخلها، مستفيدًا من غياب نديم لساعات طويلة،حتى أصبحت تلك المدينة التي يُطلق عليها "مدينة الزهور" رغم جمالها، باردة كأنها بلا روح…
مجرد شوارع أنيقة… مرتبة… صامتة أكثر مما ينبغي،تتأملها من نافذتها بشرود، وجوه عابرة لا تعرفها… والوقت يمر ببطءٍ مؤرق نفسيًا،
كأنه يذكرها في كل لحظة بأنها أصبحت وحدها…لم تكن تفتقد المكان…
بل كانت تفتقده هو… نديم..
وكذلك تفتقد ذلك الصخب القديم… في مصر،
تفتقد الضحكات العفوية، الزحام، الأصوات المتداخلة التي كانت تملأ يومها حيوية
أما هنا… فخروجها أصبح قليلًا، بل نادرًا،
ولا يكون إلا من أجل شراء احتياجاتهم الشخصية...
لم تتعود على هذا الأسلوب الرتيب من الحياة،
فهي التي كان الوقت يركض معها… لا يكفيها،
تتنقل بين مهامها، وأحاديثها، وضحكاتها،
قبل أن تنتهي من كل ما تريده…
أما الآن…
فالوقت فائض… سئيم... يمر ببطءٍ يرهق روحها،ويجعلها تشعر… وكأنها عالقة داخل يوم لا ينتهي... رفعت عينيها عن النافذة ببطء،
كأنها تحاول الهروب من ذلك الفراغ الممتد أمامها…لكنها اصطدمت به داخلها...
تنهدت بعمق، ثم تحركت في الشقة بخطوات هادئة،تلمس الأشياء من حولها بلا هدف…
الأثاث مرتب أكثر مما ينبغي،
كل شيء في مكانه… بلا فوضى،وبلا حياة.
توقفت عند هاتفها،ترددت لثواني قبل أن تفتحه…لا رسائل جديدة... كالعادة.
ضغطت على اسمه… نديم،
تأملت صورته قليلًا،
ثم أغلقت الهاتف دون أن تتصل... تعلم أنه مشغول… دائمًا مشغول،لكن هذا لا يمنع ذلك الشعور الثقيل الذي يجثم على صدرها كلما طال غيابه... جلست على آريكة،
تضم ساقيها إليها كطفلة تبحث عن دفءٍ مفقود،وعيناها تائهتان في نقطةٍ لا تُرى…
همست بصوتٍ خافت، بالكاد سمعته هي نفسها:
هو أنا بقيت غريبة كده… ولا دي مش أنا أصلاً.
لم يكن السؤال انتظارًا لإجابة…بل اعترافًا خافتًا،بأنها بدأت تفقد شيئًا منها هنا…
شيئًا لم تكن تدرك قيمته، الا حين ابتعدت عنه...
لا تعلم كيف غفت، ولا كم مضي من الوقت، حين شعرت بشفاه تتلمس وجنتيها..اتسعت عيناها ببطء،
لا تزال آثار النعاس تُثقل جفونها،
لكن إحساس الدفء الذي لامس وجنتها أيقظ شيئًا أعمق بداخلها…رفعت نظرها نحوه،
تأملته لثوانى وكأنها مازالت بغفوة.
ثم همست بصوتٍ مبحوح:
نديم.
ابتسم ابتسامة مُشرقة ويده ما زالت تستقر برفق على جانب وجهها،
يمرر إبهامه بخفة كأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها... تفوه ببسمه:
نِمتي هنا ليه.
لم تُجبه فورًا…كانت فقط تنظر إليه،
بعينين ممتلئتين بشيءٍ لم تستطع أن تخفيه…
اشتياق... أم عتاب... ام كِلاهما معًا.
اعتدلت ببطء،لكنها لم تبتعد…
بل ظلت قريبة، قريبة أكثر مما ينبغي،
كأنها تخشى أن يختفي إن ابتعدت.. همس ببسمه وهو يضع قببة على وجنتها:
وحشتني يا يارا.
خرجت الكلمة منه بسيطة،
لكنها كانت أخف من كل ما كتمته طوال الأيام الماضية...
تغيرت ملامحها قليلًا،
تلك الغشاوة إنقشعت امام مشاعره الذي يحملها دائمًا.. تراجعت قليلًا...
وظهر شيء أكثر لينًا… أكثر صدقًا.
اقترب منها أكثر،جبينه يكاد يلامس جبينها،
وقال بصوتٍ منخفض:
وحشتيني … بس انتي عارفة شغلي... بياخد وقت كتير.
أغمضت عينيها لثانية،
كأنها تحاول أن تتقبل الجملة التي حفظتها عن ظهر قلب…
لكن هذه المرة، لم تكن كالسابق.
همست، بنبرة هادئة لكنها تحمل وجعًا واضحًا:
عارفة… بس يمكن عشام مش متعودة أكون لوحدي كده..
ساد صمت قصير…
صمت ممتلئ بمشاعر هادئه.. قبل أن يزفر هو ببطء،يضمها إليه دون كلمات.
ولأول مرة منذ وصولها…شعرت أن هذا المكان
قد يحمل بعض الدفء…
طالما هو هنا.
لكن الدفء لم يدم طويلًا…
فبينما كانت مستكينة بين ذراعيه،
شعرت به يبتعد قليلًا…مجرد مسافة صغيرة، لكنها كانت كافية لتعيد ذلك الفراغ من جديد.
مرر يده على شعرها بهدوء، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
قومي غيري هدومك إيه رأيك نخرج...
قطع الحديث رتين هاتفه.. غصب قام بالرد … لبغلق بعد لحظات وهو بنظر إليها بإعتذار قائلًا:
أنا لازم أنزل تاني، شغل مفاجئ.
تجمدت للحظة.لم ترفع عينيها إليه هذه المرة…
فقط ظلت كما هي، كأنها لم تسمع لثواني ثم تحدثت بخفوت:
دلوقتي.
خرج سؤالها خافتًا… هشًا.
مضطر.
قالها ببساطة… بواقعية باردة.
ابتعدت عنه ببطء،
نظرت إليه أخيرًا… لكن ليس بنفس النظرة السابقة،كان هناك شعور بالضيق…لكن تفوهت بهدوء:
طيب هتتأخر.
كلمة مصحوبة بسؤال حملت استسلامًا أكثر مما حملت اعتراضًا...
وقف أمامها للحظات،
كأنه ينتظر منها شيئًا… أي رد فعل،
لكنها لم تمنحه شيئًا هذه المرة...
فقط نهضت، واتجهت نحو غرفة دون أن تنظر خلفها... راقبها حتى اختفت،
ثم تنهد بضيق، مرر يده على وجهه بإرهاق،
وغادر الشقة بعد دقائق…
ليترك خلفه صمتًا أثقل من السابق.
في الداخل…
أغلقت الباب خلفها،استندت إليه لثواني كانها تنتظر أن يأتي خلفها لكن سمعت صوت إغلاق باب الشقه أغمضت عينيها بقوة…
لم تبكي رغم أن كل شيء بداخلها كان يدفعها لذلك.
اقتربت من المرآة،نظرت إلى انعكاسها طويلًا…
كأنها تحاول التعرف على تلك الفتاة التي تقف أمامها وهي تهمس.:
أنا مش ضعيفة…بس الوحدة صعبة.
همست بها، كأنها تذكّر نفسها.
لكن صوتها… لم يكن مقنعًا... جلست على طرف السرير،أمسكت هاتفها مرة أخرى،
فتحت صورًا قديمة…
ضحكات، وجوه مألوفة، شوارع مزدحمة،
حياة… كانت تخصها... ومع كل صورة…
كان شعور واحد يتضخم بداخلها
أنها لم تترك مكانًا فقط…بل تركت نفسها هناك... لتتفاجئ هنا بالوحدة التي تُخلف سئمً... وشعور بالملل قد يتفحش ويتوغل رغم قصر المدة، ماذا لو طال ذلك.
❈-❈-❈
بالقاهرة
أمام أحد محلات الأثاث الفخمة
ترجل كنان من السيارة، أخرج هاتفه قام بإتصال
سرعان ما ردت عليه إجلال سائلة:
إنت فين، مش مأكدة عليك من الصبح إننا هنروح النهاردة نختار العفش بتاع الشقة، أوعي تقولى مش جاي.
إبتسم قائلًا:
لاء أنا قدام المول أهو قوليلي فين مكانكم.
أخبرته بمكانهم، أغلق الهاتف وتوجه للمكان الذي أخبرته به..
بينما إجلال كانت تجنبت للرد على الهاتف كذاللك كي تترك لـ غزال حرية إختيار ما تريد... لكن يبدوا أنها ينطبق عليها مقولة
"غزال شارد"
كانت تقف صامته تستمع لحديث البائع ومدحه فى الأذواق ومتانة الخامات، وهي بعقلها
لم تكن هنا حقًا…
ولا حتى قريبة مما يُقال أمامها...
كانت تقف بعينين ثابتتين على قطع الأثاث، تُومئ برأسها بين الحين والآخر مجاملة، بينما عقلها غارق في مكانٍ آخر… بعيد، مزدحم بأسئلةٍ لا تجد لها إجابة...
كان صوت البائع يتردد حولها كضجيجٍ مبهم:
خشب زان مستورد… ضمان لعشر سنوات… تصميم إيطالي مودرن.
لكن أياً من كلماته لم يصل لعقلها...
لاحظت إجلال ذلك الشرود، فاقتربت منها بهدوء، ولمست ذراعها قائلة بصوتٍ خافت:
غزال… إيه رأيك عاجبك تصميم الأوضة.. ولا نشوف غيرها.
انتبهت غزال فجأة، كأنها انتُشلت من عمق أفكارها، رمشت سريعًا وقالت بتردد:
آه… حلو.
ضيّقت إجلال عينيها قليلًا، غير مقتنعة، لكنها لم تُلحّ، فالأمر يفترض أن يكون اختيارها هي...
في تلك اللحظة، وصل كنان...
كانت خطواته واثقة، لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه بشكل خفي.
توقف لوهلة يراقبها…
كانت حاضرة بجسدها، غائبة بذهنها...
تقدم نحوهما، ألقى التحية، ثم نظر إلى غزال مباشرة وسأل بنبرة هادئة تحمل شيئًا من التدقيق:
اخترتي حاجة.
رفعت عينيها نحوه، نظرة قصيرة باهتة، وقالت:
لسه.
صمت لحظة، ثم قال بهدوءٍ محسوب:
طب اختاري اللي يريحك… مش اللي الناس بتقول عليه حلو.
كانت كلماته بسيطة… لكنها أصابت موضعًا حساسًا في داخلها...
توترت ملامحها قليلًا، وشعرت كأنه قرأ ما بداخلها دون استئذان...
أشاحت بنظرها سريعًا، بينما أخذ قلبها يخفق باضطرابٍ خافت…ليس بسبب الأثاث،ولا بسبب الاختيار،
بل لأنها، وللمرة الأولي تقف أمام مفترق طريق..طريقٍ لا تعرف ملامحه جيدًا، مرسوم بعناية، مزيج من المفاجآت… لكنه لا يُشبهها.
وآخر غامض، مُقلق، لا تملك منه سوى إحساسٍ مبهم… لكنه يشبهها حد الوجع...
ترددت أنفاسها قليلًا، وأحكمت قبضتها على حقيبتها، كأنها تتشبث بشيءٍ ثابت وسط هذا الاضطراب.
اقتربت إجلال منهما، ونظرت إلى غزال قائلة بنبرةٍ خفيفة:
ها يا بنتي، قررتي.. ولا لسه هتفضلي واقفة كده؟
ابتسمت غزال ابتسامة باهتة، وقالت محاولة التماسك:
هختار…حاضر.
لكن داخلها…كانت تعرف أنها لا تؤجل اختيار قطعة أثاث،بل تؤجل قرارًا أكبر بكثير…
قرار قد يُغير مسار حياتها بالكامل.
بعد وقت وقفت إجلال تربت على كتفها قائلة:
ذوقك حلو يا غزال، ربنا يهنيكِ إنتِ وكنان.
أومأت رأسها بصمت بينما عاد كنان لهن قائلًا:
خلاص دفعت الحساب والشحن هيتم فورًا.
_ فورًا..
تلك الكلمة ترددت برأسها ومعها كلمات راندا قبل فترة
"الجوازة دي مستحيل هتم مجرد نزوة هيفوق منها "
ها هي خطوة الزواج تقترب، كذالك هنالك وجع آخر...
تشعر أنها رخيصة فوالدها لم يتكفل بأي شئ من جهازها... كل ذلك تكفل به الحج محسن، بل بالحقيقة كنان مازالت مقولة الحج محي تتردد برأسها
"غزال زي بنت وجهازها هدية من أب لبنته.
ورد والدها الذي إستغل ذلك،بفرحة عارمة،كأنها عبئ وإنزاح عن كاهله التى لم تكن يومًا محسوبة عليه ماذا فكرت أن يُعززها مثل بقية الاباء.. كيف وهو لم يتحملها ليومين كضيفة. ولا كلمات زوجة والدها التي حسدتها على تلك الزيجة لدي عائلة ذات ثراء فاحش وإسم عريق.
بعد لحظاتٍ أمام ذلك المتجر، توقفت إجلال فجأة، ثم قالت بنبرة حاسمة:
كنان خد معاك غزال، وأنا هروح مع السواق… عشان عندي مشوار مهم.
كادت غزال، كعادتها، أن تعترض، لكن الكلمات توقفت على حافة شفتيها… خجلًا من إجلال، أو ربما هروبًا من لفت الانتباه لم تُعلق...
اكتفت بهزةٍ خفيفة، ثم تحركت معه نحو السيارة... صعدت وجلست إلى جواره بصمت عيناها معلقتان بالنافذة، وكأنها تراقب شيئًا لا يراه سواها.
مرت لحظات…
طال فيها الصمت أكثر مما ينبغي.
حتى قطعه كنان أخيرًا، بنبرةٍ تحمل مسحة استهزاء:
هتفضلي على الوضع الصامت ده كتير
لم تلتفت إليه في البداية، فقط زفرت ببطء، وكأنها تُخرج شيئًا ثقيل من صدرها ليس مجرد هواء، ثم قالت بهدوءٍ متحفظ:
مش شايفة إن في حاجة تتقال.
ابتسم ابتسامة جانبية، لم تصل إلى عينيه، وتحدث :
ولا أنا… بس برضه السكوت المبالغ فيه بيبقى له معنى.
التفتت إليه هذه المرة، نظرة قصيرة لكنها حادة، وقالت:
ولو له معنى… يهمك تعرفه.
رفع حاجبه قليلًا، وكأن السؤال لفت انتباهه حقًا، ثم أجاب بنبرةٍ أخف:
يمكن.
عادت تنظر أمامها، وقالت بصوتٍ خافت:
يبقى سيبه زي ما هو… أريح.
ساد الصمت من جديد…
لكن هذه المرة، لم يكن صمتًا فارغًا،
بل كان ممتلئًا بشيء غير مُعلن…
شيء يزداد وضوحًا كلما حاولا تجاهله..
هو يحتار في صمتها…
لا يدري إن كان تجاهلًا متعمدًا، أم هروبًا، أم شيئًا أعمق لا تستطيع البوح به.
نظراتها المقتضبة، ردودها المقتصدة، ذلك الحاجز غير المرئي الذي تضعه بينهما… كلها أمور أربكته على غير عادته، وجعلته يتساءل، للمرة الأولى، إن كان يجهل ما يدور داخلها تمامًا.
أما هي…
فكانت تخشى شيئًا آخر تمامًا... تخشى أن تكون مجرد اختيار مناسب…أو بالأصح
ترتيبٍ عائلي مُتقن، لا أكثر...
تخشى أن لا تكون "الأنسب" في نظر الجميع،
تود لو كانت "الأقرب" إلى قلبه.
شدت أصابعها فوق حقيبتها، كأنها تحاول كبح فكرة مؤلمة، ثم أغمضت عينيها لثواني، تستجمع ما تبقى من هدوئها.
في تلك اللحظة، تحدث كنان فجأة، بنبرة أقل حدة من قبل:
انتي ساكتة عشان مش عايزة تتكلمي… ولا عشان مش عارفة تقولي إيه.
فتحت عينيها ببطء، وأجابت دون أن تنظر إليه:
يمكن الاتنين.
تأملها لثوانٍ، ثم قال بهدوءٍ غريب علي غير عادته معها :
طب ما تجربي… يمكن أسمع.
ارتجف شيءٌ خفي داخلها عند كلماته، لكنها لم تُظهره…فقط قالت بصوتٍ خافت:
مش كل حاجة ينفع تتقال
التفت إليها هذه المرة، بنظرةٍ أطول، أعمق… وكأنه يحاول أن يرى ما وراء كلماتها.
بينما هي…
كانت تخشى أكثر من أي شيء،
أن تنطق بما في داخلها…من هيام به،
فيتغير كل شيء...
لكن فجأة شهقت حين توقف بالسيارة بشكل مفاجئ.
التفتت إليه باضطراب، بينما كان هو قد فقد هدوءه الحذر، ونظرته تشتعل بغضب مكبوت من ذلك الصمت الذي حاصره طيلة الطريق...
توترت أكثر حين أزاح حزام الأمان عن صدره بعصبية، ثم مال نحوها فجأة، وأمسكها من عضديها بقوة لم يُخفى حدتها، وقال بصوت خافت يضغط على فكيه:
هسألك سؤال وتجاوبي… إنتِ في حياتك حد تاني بتحبيه.
شهقت، وتألمت من قبضة يديه على ذراعيها، انعقدت أنفاسها للحظة، بينما اتسعت عيناها بصدمة لم تستطع إخفاءها...
لم يكن السؤال وحده ما أربكها…بل طريقته،
وذلك الاضطراب الواضح خلف غضبه.
حاولت أن تُحرر ذراعها قليلًا، وقالت بصوت مهتز:
إيدك… وجعتني.
تجمد لثانية، وكأن كلماتها أعادته إلى وعيه، لكن قبضته لم ترتخي تمامًا، فقط خفت حدتها، بينما ظل ينظر إليها بإصرارٍ قاسي قائلًا:
جاوبي على سؤالي.
.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن قلبها يخفق بعنفٍ داخل صدرها، ثم هزت رأسها سريعًا:
لأ… مفيش.
ظل ينظر في عينيها، يحاول أن ينتزع الحقيقة من بين حروفها، لا يكتفي بإجابتها.
أما هي…
فلم تكن خائفة من سؤاله بقدر ما كانت خائفة من شيءٍ آخر…
أن يكون هذا السؤال،دليلًا على أنه…لا يثق بها.
أو ربما…لا يفهمها أصلًا.
آه… وآه.. لو كان يعلم أنه هو ذاتُه عشقها الخفي، التي أخفته لسنوات، ودفنته خلف صمت طويل وابتسامات عابرة...
لو كان يدرك أن قلبها لم يعرف سواه،
وأن كل ذلك البرود الذي يراه…
لم يكن إلا خوفًا من أن تُفضح مشاعرها قبل أوانها.. فتجني الندم...
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، تخشى أن تفضحها عيناها، وقالت بنبرةٍ حاولت أن تبدو ثابتة:
خلصت سؤالك.
تصلبت ملامحه عند ردها، وكأن إجابتها لم تُرضي فضوله، بل زادته ارتباكًا، وقال بحدّةٍ أخف:
إنتِ بتتهربي.
أغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتها وهي تقول بهدوءٍ مُرهق:
وبتهرب من إيه وليه.
لم يُجب فورًا…
لأنه، وللمرة الأولى، لم يكن يملك إجابة واضحة.
بينما هي…
كانت تهرب من حقيقة واحدة فقط
أنها، رغم كل شيء،ما زالت تحبه… بصمت يقتلها.
بعد وقتٍ، وصلا... ترجلت سريعًا، ودون أن تنتظر، اندفعت إلى داخل منزل عمتها، كأنها تهرب… لا من المكان، بل منه.
أما هو، فأكمل طريقه حتى وصل إلى منزله...
صعد مباشرةً إلى غرفته، يشعر بضيق يضغط على صدره دون سبب واضح، أو ربما بسبب لا يريد الاعتراف به...
ألقى مفاتيحه بإهمال، وجلس على طرف الفراش، يمرر يده في شعره بعصبية، محاولًا استعادة هدوئه...
مرت لحظات… حتى بدأ ذلك الاضطراب يخفت تدريجيًا... وفجأة، تذكر...تلك الرسالة...
نهض سريعًا، واتجه إلى أحد الأدراج، فتحه، وأخرج الورقة بعنايةٍ اعتادها… وكأنها تحمل شيئًا أثمن من مجرد كلمات...
عاد يقرأها من جديد، سطرًا سطرًا…
حتى توقفت عيناه عند عبارة لم ينتبه لها من قبل:
"ليته يُحبني… ليته فقط يراني."
انعقد حاجباه، وشعر بشيءٍ غريب يتسلل إلى داخله…
ارتباك... غِيرة... أم انقباض فى قلبه لا يفهمه
ظل يحدق في السطر طويلًا، وكأنه يحاول أن ينتزع منه اسمًا، أو ملامح، أو دليلًا يقوده.
همس لنفسه، بنبرةٍ يغلبها الشك:
يعني في حد.
اشتدت قبضته على الورقة، وتصلب فكه، بينما بدأت فكرةٌ واحدة تفرض نفسها على عقله:
أيعقل أن يكون في حياتها شخصٌ آخر
هل هذا هو السبب وراء صمتها المقيت
ذلك البُعد الذي لا يستطيع كسره… مهما حاول
لكن ما لم يخطر بباله،هذا أبعد أبعد ما يكون عن توقعه…ان تلك الكلمات،
لم تُكتب يومًا إلا من أجله هو.
ظل واقفًا في منتصف الغرفة، والورقة بين يديه، كأنها تحمل سرًا يرفض أن يُفصح عنه...
عاد يقرأ السطر مرةً أخرى… وأخرى…
كأن التكرار قد يُبدل المعنى، أو يكشف ما خفي بين الكلمات.
"ليته يُحبني… ليته فقط يراني."
زفر بضيق، وألقى بجسده على المقعد خلفه، وعيناه لا تفارقان الورقة.
همس بحدّةٍ خافتة:
ومين بقي اللي مش شايفك يا خيال المآتة
ساد الصمت…
لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ممتلئًا بشيءٍ يشتعل داخله دون أن يفهمه.
مرّ شريطٌ سريع من المواقف أمام عينيه…
صمتها، تجنبها لنظراته، ردودها المقتضبة، ارتباكها كلما اقترب…تصلب جسده فجأة.
توقف عند فكرةٍ… بدت في البداية مستحيلة.
ثم عادت… بإلحاح.
_ لا… مستحيل.
قالها بصوتٍ مسموع هذه المرة، وكأنه يرفض مجرد التفكير.
لكن عقله لم يتوقف...
_ ماذا لو… كان هناك "آخر" في حياتها
لو كان هذا الصمت… ليس بُعدًا، بل خوفًا..
قبض على الورقة بقوة، واعتدل في جلسته، وعيناه تضيقان تدريجيًا…
_ولو…
توقف، وكأن الكلمة نفسها ثقيلة على صدره..
ثم أكمل بنبرةٍ منخفضة:
ولو كنت أنا.
سقطت الجملة في الفراغ من حوله… ثقيلة، غير مألوفة... لأول مرة، لم يشعر بالغضب
بل بشيءٍ آخر…أقرب للدهشة.
وكأن الاحتمال، رغم بساطته، قلب كل ما ظنه سابقًا... نهض فجأة، يدور في الغرفة بخطوات غير منتظمة، يحاول جمع أفكاره:
بس هي قالت مفيش حد، طب ليه كتبت الرسالة دي.
تمتم بها، ثم سكت لحظة، قبل أن يضيف ببطء:
يمكن بتكتب خواطر عندها.
توقف فجأة، تذكّر نظرتها.تلك النظرة الباهتة…
والارتجاف الخفي في صوتها...
لم تكن نظرة شخص يُخفي حبًا لآخر...
بل…
نظرة شخصٍ يخشى أن يُفضح...
توقف مكانه، واتسعت عيناه قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتضح أخيرًا.
وفي تلك اللحظة…
لم يعد السؤال:
هل تُحب
بل اصبح الجواب متملكً منه وبدون أن يشعر،
بدأ شيءٌ داخله يتغير…ببطء،لكن بشكل لا رجعة فيه.
... ــــــــــ
بينما هي، ما إن دخلت إلى منزل عمتها، حتى وصل إلى سمعها صوت دندنتها الخافتة في المطبخ… لحنٌ دافئ، لا يشبه ما بداخلها بشيء.
لم تتفوه بحرف... اكتفت بأن أسرعت نحو غرفتها، أغلقتها خلفها، وكأنها تُغلق على نفسها عالمًا كاملًا...
جلست على الفراش، لثوانٍ حاولت فيها التماسك…
لكنها لم تستطع.
انفرطت دموعها دفعةً واحدة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة فقط... كم هو مؤلمٌ ذلك العشق…
ذاك الذي لا يُقال، ولا يُفهم، ولا يُرى..
ذاك الذي عاشت تخشى يومًا أن يكون لغيرها…
ثم وجدته الآن…ليس بعيدًا تمامًا،
ولا قريبًا بما يكفي.
قريبٌ حد الألم،بعيد حد العجز...
وضعت كفها على فمها تكتم شهقاتها، بينما صدرها يعلو ويهبط بعنف، وكأنها تختنق بما تشعر به.
همست بصوتٍ مكسور:
ليه العذاب ده فى قلبي.
لكنها لم تكن تسأل أحدًا…
بل كانت تُفرغ وجعًا لا تملك له تفسيرًا...
تساقطت دموعها أكثر، ومع كل دمعة كانت تشعر أن الحيرة تلتهمها ببطء…
حيرة بين قلبٍ يُصر عليه،وعقلٍ يخشى عاقبته،
وواقع لا يمنحها إجابة...
أغلقت عينيها بقوة، وكأنها تحاول الهروب من فكرة واحدة لا تكف عن مطاردتها:
ماذا لو كان قريبًا…لكنه ليس لها.
ارتجف قلبها عند تلك الفكرة،شعرت أن هذا الاحتمال وحده…كفيلٌ بأن يُحطمها.
ترددت الكلمات في رأسها كصدى لا يهدأ…
سمعته يومًا…
وهو يرفضها.
لم تكن تتجسس، ولا تقصد أن تسمع،
لكن صوته وصلها واضحًا… قاطعًا… لا يحتمل التأويل...
رفضها.
أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول محو تلك اللحظة، لكنها انغرست بداخلها كندبة لا تُرى...
ثم عاد وقَبِل عنادًا، بل غرورًا منه
ليس لأنه أرادها…
لأنه، ببساطة، لا يُحب أن يُقال إنه يُرفض.
شهقت بخفوت، وشدت قبضتها على طرف الغطاء، بينما تساقطت دموعها مجددًا، أكثر قسوة هذه المرة:
يعني أنا… مجرد عِند منه.
همست بها لنفسها، بصوتٍ مكسور.
كل شيء أصبح منطقيًا الآن…
بروده السابق معها ، نظراته التي كانت لا تستقر عليها طويلًا.لم يكن حائرًا بها…
بل لم يكن يريدها من الأساس.
وضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تهدئة ألمه، لكن الوجع كان أعمق من أن يُهدّأ...
كم هو قاسي أن تُحب شخصًا…
وترى نفسك في عينيه…مجرد قرارٍ أخذه بعناد.
رفعت رأسها قليلًا، وعيناها تلمعان بدموع مختلطة بشيءٍ آخر…
شيءٍ يشبه الانكسار، لكنه يحمل في طياته بداية إدراك.
خلاااص…
قالتها بصوت خافت، لكنه لم يكن ضعيفًا تمامًا.. ثم اكملت:
أنا مش هفضل كده..
لكن رغم الكلمات…رغم محاولتها التماسك…
ظل قلبها، في الداخل،يناديه…بصمت موجع.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
بشقة رابيا…
كان لديها شعور بالسعادة يغمرها بالكامل،
وهي تحدق في تلك الصور الشُعاعية لذلك الجنين الذي يسكن رحمها…
ابتسامة ناعمة ارتسمت على شفتيها،
وعيناها تلمعان بفرحةٍ صافية،
فأخيرًا… أكدت لها الطبيبة أنها تحمل بأحشائها ذكرًا، كما تمنت...
مررت أصابعها برفق فوق الصورة،
كأنها تلامس ملامحه الغائبة،
وهمست بحنانٍ أمومي بدأ يتشكل داخلها:
"ابني…"
كلمة صغيرة…
لكنها جعلت قلبها يخفق بطريقة مختلفة،
وكأن شيئًا جديدًا يولد بداخلها مع هذا الجنين... رغم حملها السابق لمرتين لكن هذه المرة مختلف، أخيرًا الصبي التي تتمناه...
رفعت يدها الأخرى إلى بطنها،
تحتضنه بحذر… بخوفٍ جميل،
وكأنها تخشى أن يؤذيه حتى مجرد شعور عابر.
لأول مرة منذ فترة طويلة…شعرت بالامتلاء لم تعد فارغة… لم تعد وحيدة.
لكن…
تسلل خاطر مفاجئ إلى ذهنها،فخفتت ابتسامتها تدريجيًا...
نظرت إلى الهاتف بجانبها،ترددت للحظة…
ثم التقطته.. عقلها يحثها:
هل تتصل على محسن وتخبره...
كي يشاركها هذه اللحظة كما تخيلت دائمًا
عضت على شفتيها بتوتر،وقلبها يخفق بترقبٍ ممزوج بشيءٍ من الخوف…
ثم ضغطت على اسمه... وضعت الهاتف على أذنها،
وكل نبضة بداخلها تهمس:
قولي له… دي لحظة مينفعش تكون لوحدك فيها…
رن الهاتف…
مرة…
مرتين… إنفنح الخط ثم إنقطع مباشرةً
تحير عقلها، لكن سرعان ما تبسمت قائلة:
أكيد مشغول، مش مشكلة استني للمسا لما يرجع أعملها له مفاجأة.
.... ـــــــــــــ
بينما على الجانب الآخر كان محسن يقود سيارته على إحد الطُرقات... سمع رنين هاتفه، قبل ان يحذبه تفاجئ بسيارة تقبل عليه، تفادها، كان إنتهي الرنين الأول، وعاد الثاني، جذب الهاتف بالفعل فتح الإتصال، لكن سرعان ما أغلقه حين سمع صوت فرقعة عالي...تيقن من سبب تلك الفرقعة إنها إحد إطارات السيارة،والطريق مزدوج والسيارات تتقاطع من الجانبين، ما يعني أن أي فقدان للسيطرة قد يتحول في لحظة إلى كارثة...
حاول محسن السيطرة على المقود بكل ما يملك من قوة، وقد شد على أسنانه بينما السيارة بدأت تنحرف قسرًا نحو حافة الطريق مع اهتزاز الإطار التالف...
ضغط على المكابح تدريجيًا، محاولًا ألا يفقد توازنه أو يزداد الانحراف سوءًا، لكن السيارة كانت قد خرجت عن استجابتها الطبيعية تمامًا.. ارتجت بعنف، وانزلقت لعدة أمتار قبل أن ترتطم بقوة بأحد الدُشم الخرسانية على جانب الطريق.
توقفت السيارة أخيرًا بعد الصدمة، وصوت احتكاك الحديد بالأسفلت ما زال يرن في أذنيه...
ساد صمت ثقيل داخل المقصورة، لم يكسره سوى أنفاسه المتسارعة ونبضه الذي كان يكاد يخرج من صدره... ظل ممسكًا بالمقود لثواني كأنه يتأكد أنه ما زال على قيد الحياة بالفعل...
ثم أرخى قبضته ببطء، وأدار رأسه نحو الزجاج الأمامي المتصدع، قبل أن يتمتم بصوت خافت متحشرج رغم إصابته :
كان ممكن تخلص بشكل أسوأ بكتير.
❈-❈-❈
بشقة عهد
إستغربت عودة فاروق بهذا الوقت، على غير عادته... تبسم لـ ياسين الذي قابله بسعادة قائلًا:
بابا... أنا خلصت الهوم ورك... وبلعب أنا وعهد عالايباد.
تبسم له بحنان.. لكن
خفتت بسمته حين تلاقت عيناه مع عينيها.. كذالك تهرب، أو تعمد ذلك، فى الفترة الأخيرة، عاد الفتور، أو بالأصح عادا الى بداية، زواجهما، لكن بالعكس، فى البداية هي من كانت تتجنبه، الآن هو، مجرد أحاديث عابرة، معظمها أمام العائلة، لكن بينهما فتور...
لم يقف كثيرًا ذهب الى غرفته لم يُغلق الباب كاملًا كعادته موارب...
نظرت عهد الى ياسين قائلة:
خليك هنا إلعب على الايباد، دقايق ورجعالك.
توقفت للحظه جوار باب الغرفة.. تتردد فى الدخول، صراع غريب موجع تعيشه شيء داخلها يدفعها خطوة للأمام، وشيء آخر يشدها للخلف كأن الغرفة ليست مجرد مساحة، بل عتبة لما بعده لا عودة منه.
كادت تحسم التردُد، وتدخل، لكن بنفس الوقت صدح رنين هاتف فاروق
صدفة تسمعت قوله:
_ إن شاء الله نتقابل فى المطار
_ الأوراق كلها كامله.
وبعض الكلمات مفادها أنه مُسافر.
توقفت لدقائق مترددة، حتى أنها عادت نحو ياسين لكن مازال يتردد برأسها حديث فاروق...
دقائق حتى حسمت ترددها
قررت الحديث معه لأنها لم تعد قادرة على البقاء في المنتصف...ذهبت نحو
دلفت مباشرةً لم تنتبه أنه شبه عاري يستر خصره منشفة صغيرة، توقفت لحظات قبل لان تتنحنح ثم تفوهت مباشرةً بنبرة سؤال بخفوت:
فاروق إنت مسافر.
خفق قلبه وهو يظر لها باستغراب سائلًا:
وعرفتي منين.
تنحنحت قائلة بتبرير:
صدفة سمعتك وإنت بتتكلم من شوية عالموبايل.. باب الأوضة كان موارب وأنا كنت معديه صدفة.
اقترب منها ببرود وهو يُسلط نظره عليها قائلًا:
معديه صدفة، وبعدين هيفرق معاكِ مسافر أو لاء.
ارتبكت ملامحها للحظة، لكنها تماسكت سريعًا، رافعة ذقنها بكبرياء خافت:
مايهمنيش.
تبسم عن قصد قالًا:
أيوه مسافر أنا وجُمانة إيطاليا، صفقة هناك.
بلا وعي لا تعرف سبب ذلك الشعور وتفوهت بتسرع:
غريبة وجُمانة ايه لازمتها معاك.
توقف أمامها مباشرة، مسافة قصيرة جدًا تفصل بينهما، حتى كادت تشعر بحرارة أنفاسه، وتحدث بنبرة أخفض، لكنها واضحة :
غريبة… ولا مضايقك.
تعثرت الكلمات على طرف لسانها، وتراجعت خطوة للخلف دون وعي:
لا… مش مضايقني، بس بسأل.
مال برأسه قليلًا، كأنه يقرأ ما خلف عينيها، ثم تمتم بنبرة شبه ساخرة:
أصل واضح إن الموضوع شاغلك.
شدّت على طرف ملابسها بتوتر، وقالت بتسرُع:
أنا كنت بس بسأل عادي… مش أكتر.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل لعينيه، ثم قال:
آه… عادي.
صمت لحظة، ثم أضاف وهو لا يزال ينظر لها بثبات:
أكيد هترتاحي فى فترة سفري،حتى تشتغلي براحتك،وترحعي لهنا بمزاجك.
.
رفعت عينيها له يخفق قلبها، قائلة:
أنا أخدت أجازة من الشُغل.
تهكم بابحاء قائلًا:
خسارة.
شعرت بتبرة تهكم فى حديثه فتعلثمت قائلة:
فاروق بلاش طريقتك دي معايا.. أنا مكنش فى غرضي أخفي موضوع شغلى، بس مجاش فرصة أقولك.
تهكم قائلًا:
أنا مش فاضي لتبريرات ملهاش لازمه، إنتِ قولتي إني براحتي لو عاوز أتجوز اللى الاقي معاها راحتي.
اصابت كلماته قلبها، تعلثمت سائلة:
قصدك إيه.
اجابها بمراوغة:
يعني أنا مسافر بعد ساعتين.
تجمدت للحظة… وكأن الإجابة أصابتها في مكان لم تكن مستعدة له...
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت محاولة إخفاء ارتباكها:
رحلة شغل.
أومأ برأسه بإيجاز...
صمتت… لكنه لم يبتعد...
ظل واقفًا أمامها، يراقب ذلك الصراع الصامت داخلها، قبل أن يراوغ ويقول بهدوء أبطأ:
عاوزه تعرفي حاجه تانيه.
رفعت عينيها له، وهذه المرة لم تهرب بنظرها سريعًا… لكن الكلمات خانتها.
فقط همست:
لا.
حدق بها لحظة أطول… ثم تنهد بخفوت، وكأنه لم يقتنع، لكنه قرر ألا يضغط أكثر...
ابتعد خطوة للخلف أخيرًا، وهو يقول بنبرة عبث:
طيب… أنا عندي شوية تجهيزات كمان عاوز ألبس هدومي،عادي لو عاوزه توقفي مش أول مره ألبس هدومي قدامك.
توترت وإنتبهت أنه شبة عاري.. لوهلة خجلت من ذلك وكادت تغادر الغرفة، لكن سبقها يد فاروق الذي جذبها من معصم يدها بقوة، لعدم حذرها طاوع جسدها وإصتطدمت بصدره، سريعًا حاصرها بيديه... رفعت عينيها نحوه بنفس اللحظة إنفرجت شفتيها من الشهقة... تبسم فاروق، وبلحظة كان ينقض على شفتيها بالقُبلات الحادة.
«يتبع»
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
