رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثالث 3

في اليوم التالي، كان الرواق المؤدي إلى مكتب ياسمين شاهداً على اضطرابٍ لم يعهده الموظفون في شخصية عبد الرحمن؛ ذاك الرجل الذي فارقه وقاره المعتاد، وأخذ يقطع غرفته ذهاباً وإياباً، بينما لم تكف عيناه عن اختلاس النظر نحو مكتبها القابع في سكونٍ مريب. كانت تلك المرة الأولى التي تتأخر فيها ياسمين عن موعدها ولو لدقيقة واحدة، وحين دقت الساعة العاشرة، نفد صبره تماماً؛ فتخلى عن كبريائه وجذب هاتفه ليتصل بها، لكن الرنين لم يلقهُ إلا بصمتٍ مطبق بعد محاولتين باءتا بالفشل.
استوقفته هناء وهي تمر أمام مكتبه، فاستغل الفرصة وسألها بنبرة حاول جاهداً أن يكسوها بالرسمية، لكن بحة القلق فضحت أمره
آنسة هناء.. هي ياسمين فين؟ دي أول مرة تتأخر للوقت ده، حد منكم يعرف عنها حاجة؟
نظرت إليه هناء بأسف وقالت
للأسف يا مستر عبد الرحمن، ياسمين مش هتيجي النهاردة خالص، عرفنا إنها تعبانة جداً.
شحب وجهه، واهتز صوته وهو يسأل بلهفة مكتومة
تعبانة إزاي يعني؟ ومنين عرفتي بالتحديد؟ هي بلغت حد فيكم؟
أجابت هناء ببراءة وهي تخرج هاتفها لتريه الشاشة
من حالة الواتساب يا مستر.. أختها سما هي اللي منزلة الخبر، وبتقول ادعوا لياسمين أختي، دي اتنقلت المستشفى فجأة من كام ساعة.
وقع الخبر على مسامعه كوقع الصاعقة؛ جمدت الدماء
في عروقه وتسمرت قدماه في مكانهما، توقف به الزمن للحظة، وشعر وكأن الأرض تميد به. الكلمة وقعت على أذنيه كدويّ انفجار المستشفى!. لم يعد يرى أمامه هناء ولا المكاتب ولا الأوراق، بل قفزت إلى ذهنه صورة ياسمين بملامحها الشاحبة وانكسارها الذي حاولت مداراته بالأمس. استجمع أنفاسه بصعوبة، وسأل هناء بصوتٍ مخنوق حاول قدر الإمكان أن يبدو رسمياً لكنه فشل
مستشفى إيه يا هناء؟ متعرفيش مالها؟ واشمعنى أختها اللي منزلة الخبر؟
ردت هناء بقلبٍ وجل
والله يا مستر، سما كاتبة إن ياسمين تعبت فجأة بليل، والضغط وطي وشكلها جالها هبوط حاد. بس هي مكاتبتش اسم المستشفى، اكتفت بطلب الدعاء وصورة لإيد ياسمين وهي متركب لها محاليل.
لم ينتظر عبد الرحمن سماع المزيد؛ اندفع نحو مكتبه، التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج بخطواتٍ شبه راكضة. كان عقله يغلي بالتفكير ياسمين القوية، الصبورة، المتحفظة حتى والحزن يسكن عينيها.. تلك التي لا تفصح عما يؤلمها، بل تخرج صرخاتها في إبداعٍ ينطق بالجمال؛ جمالٌ لا يدركه إلا من يملك حساً مرهفاً يرى الوجع خلف كل غرزة خيط.
في السيارة، ظل يضرب المقود بيده من فرط القلق. لم يكن يملك عنوان منزلها، ولا يعرف أحداً من ذويها، لكن عاطفته الجارفة وخوفه عليها أنسياه كل التفاصيل. فجأة، لاحت له ذكريات ملفات الموظفين؛
استرجع بجهدٍ جهيد كل حرف قرأه في ملفها الشخصي، حتى استطاع تذكر المنطقة التي تسكن فيها.
بدأ رحلة البحث كالمجنون، يتصل بهناء كل خمس دقائق اسألي سما على المستشفى.. قولي لها إن الشركة عايزة تطمن عشان التأمين.. اختلقي أي حجة يا هناء!
وبينما كان عبد الرحمن يحترق قلقاً، كانت ياسمين ترقد بالفعل في غرف المستشفى الباردة؛ جسدها استسلم أخيراً بعدما عجزت روحها عن الاحتمال. كانت سما تجلس بجوارها، لا لدافع الحب الخالص، بل لتمارس دور الأخت المخلصة أمام العامة، وتنشر صور مرض أختها استدراراً لعطف جمال وجذباً لانتباهه، غير مدركة أن هذه الصور ذاتها هي التي كانت تقود الرجل الذي يحب ياسمين بصدق إلى بابها.
.
.......................
كانت اعتدال تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الملازم لسرير ياسمين في المستشفى، وعيناها لا تفارقان وجه ابنتها الشاحب، بينما ينهش الندم والحزن قلبها. استرجعت بمرارة مشهد الصباح الذي زلزل كيانها؛ حين دخلت غرفتها بضيقٍ مصطنع لتوقظها، وهي تردد كلماتها المعتادة
قومي يا ياسمين.. الشغل اتأخرتي عليه، والناس هتقول إيه!
لكن الكلمات تجمدت في حلقها حين وقع بصرها على الفاجعة. لم تكن ياسمين على سريرها، بل كانت جثة هامدة مرتمية على الأرض في مشهدٍ يمزق الروح؛ نصف جسدها الضئيل مستلقٍ على سجادة
الصلاة، والنصف الآخر افترش الرخام البارد الذي امتص ما تبقى من دفء أطرافها.
ساعتها، شعرَت اعتدال وكأن قلبها قد هوى في سحيقٍ مظلم. هرعت نحوها، هزتها بجنون وهي تنادي باسمها ياسمين! ردي عليا يا بنتي.. ياسمين! لكن لا مجيب، سوى صمتٍ مخيف وبرودةٍ بدأت تسري في ملامح ابنتها التي كانت بالأمس القريب تحذرها من الغدر تحت سقف بيتهما.
لم تجد الأم المكلومة وسيلةً إلا الصراخ، صرخةٌ شقت سكون البيت واستدعت رشدي وسما بهلع، صرخة كانت تحمل في طياتها اعترافاً متأخراً بأن العاقلة التي لم تكن تشتكي، قد انكسر داخلها شيءٌ لا تبرئه المحاليل ولا الأدوية.
انهمرت دموع اعتدال وهي تنظر إلى المحلول المعلق، وتهمس لنفسها يا ريتني سمعتلك يا بنتي.. يا ريتني ما كذبت عيني عشان أرضي الناس. بينما كانت سما في الزاوية الأخرى، مشغولة بهاتفها، تقتنص من وجع أختها كادراً جديداً تنشره للعامة، غير مدركة أن الصرخة التي أطلقتها أمها في الصباح، قد وصلت أصداؤها بالفعل إلى قلب رجلٍ يقود سيارته الآن كالمجنون في شوارع المدينة، يبحث عن ياسمين.
قطع سكون العنبر الرتيب إلا دويّ صوت جمال القادم من الممر الخارجي، صوته الذي كان يسبق خطواته المتعجرفة، حاملاً نبرة عصبية مبالغ فيها، وكأنه يمارس سلطةً مطلقة على الجميع. انتفضت اعتدال في مقعدها،
ورمقت باب العنبر بنظرة قلقة وهي تراه يقتحم المكان بوجه محتقن، صائحاً بلهجة تقطر لوماً
إزاي يعني محدش يرفع سماعة التليفون يبلغني؟ ياسمين تتعب وتتنقل المستشفى كدة وأنا زيي زي الغريب أعرف بالصدفة؟ دي أصول دي يا عم رشدي؟
ارتبك رشدي توفيق وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن
يا ابني اعذرنا، إحنا كنا في عالم تاني.. المنظر كان يرعب وخضتنا على البنت خلتنا منشوفش قدامنا ولا نفتكر حد، يدوب شلناها وجرينا.
في تلك اللحظة، انتفضت سما بلهفة غريبة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتثبت له تفانيها، فاقتربت منه تحاول استرضاءه وهي تذكره
أنا اتصلت بيك يا جمال والله كذا مرة عشان أبلغك، بإمارة ما رديت عليا وصوتك كان نعسان خالص وقفت السكة في وشي!
بدلاً من أن يهدأ روعه، انفجر فيها جمال بغضبٍ أشد، ونهرها بقسوة أمام الجميع
أديكي قلتيها يا غبية! كنت نعسان.. يعني مكنتش مركز ولا واعي للي بتقوليه! كان لازم تكرري المحاولة وتفضلي ورايا لحد ما أفوق وأفهم، مش تسيبيني نايم وتقولي بلغت!
وقعت كلمة غبية على مسامع سما كالصفعة، فتراجعت بحرج وأطبقت شفتيها بصمتٍ مخزٍ. رمقته اعتدال بنظرة غضبٍ نارية؛ فقد آلمها أن يُهان كبرياء ابنتها بهذه الغلظة في حضرة
مرض أختها. أما رشدي، فقد استمر في دور المسترضي، وأخذ يسرد لجمال بتفصيلٍ ممل كل لحظات المعاناة والإجراءات الطبية التي مروا بها، وكأنه يقدم كشف حسابٍ ل سيد البيت، بينما كانت ياسمين ترقد هناك.. جثةً خامدة لا تسمع ضجيج النفوس التي تتاجر بوجعها.
.......................
بينما كان جمال يملأ المكان ضجيجاً بصياحه المصطنع الأجوف، انشق باب العنبر فجأة عن حضورٍ لم يعهده هذا الرواق البائس. دخل عبد الرحمن بخطى ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلته الأنيقة التي بدت كأنها من عالم آخر غير عالم المستشفيات الكئيب. كانت رائحة عطره النفاذة والراقية تسبقه، لتطغى في ثوانٍ على رائحة المعقمات واليود، وتلفت أنظار الجميع؛ مريضات على أسرتهن رفعن رؤوسهن بذهول، ومرافقون توقفوا عن الحديث ليتأملوا هذا الزائر الغريب عن بيئتهم.
ظن الجميع للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أنه يزور شخصية هامة في غرفة خاصة، حتى توقفت قدماه تماماً أمام سرير ياسمين التي كاد يخطيء اسمها في تلك اللحظة من فرط ارتباكه وتأثره برؤيتها هكذا. تسمرت عيناه على وجهها الشاحب، وسأل بنبرة هادئة وعميقة قطعت خيط صراخ جمال
هي عاملة إيه دلوقتي؟
ساد صمتٌ مطبق. تنحى رشدي واعتدال جانباً بذهول، وصمت جمال فجأة وهو ينظر لهذا العملاق الذي
اقتحم ساحته بهيبة أطفأت بريقه المصطنع. لم يصدقوا أنه يقصدهم، حتى ظنوا أنه أخطأ في المريضة.
شعر عبد الرحمن بوطأة نظراتهم المستغربة، وتنحنح ليلملم شتات ارتباكه ويصحح خطأه العفوي، ثم قدم نفسه بوقار أخرس الألسنة
أنا عبد الرحمن.. مدير الآنسة ياسمين في الشركة.
كانت سما تنظر إليه بعينين متسعتين، منبهرة بهذا الرقي الذي لم تره في جمال قط، بينما اعتصر الغل قلب جمال وهو يرى هيبة عبد الرحمن تأكل الجو من تحته. أما اعتدال، فقد شعرت لأول مرة منذ الصباح أن هناك اتى بعاطفة صادقة يسأل بقلبٍ موجوع عن حال ابنتها خلف قناع الرسمية.
انتفض رشدي من مكانه، وبحفاوة مبالغ فيها مد يده ليسلم على عبد الرحمن سلاماً حاراً، وكأنه وجد في هيبته طوق نجاة من ضجيج خطيب ابنته المتحذلق، بدأ يعرفه بالعائلة بصوت يملؤه الفخر الممزوج بالارتباك
أهلاً يا باشا، نورتنا.. أنا والد ياسمين، ودي والدتها، ودي أختها سما.. وده الأستاذ جمال خطيب أختها.
عند الاسم الأخير، تجمدت نظرات عبد الرحمن. تبادل مع جمال نظرة حادة؛ كانت مزيجاً من الدهشة والارتياب من جانب عبد الرحمن، الذي استرجع فوراً مشهد الأمس. هذا هو الرجل الذي جاء لياسمين في الشركة!، تذكر مبررها المرتجف وقتها بأنه كان خطيب أختها، لكنه الآن يقف
بجوار الأخت ذاتها وكأن شيئاً لم يكن. تعجب عبد الرحمن من سرعة عودته، ومن تلك الفتاة سما التي كانت ترمقه بنظرات جريئة، تخلو من أي حياء، بل تقترب من الوقاحة رغم وجود خطيبها بجانبها.
قارن عبد الرحمن في سره بين الأختين؛ شتان بين سما وبين ياسمينه الرقيقة، التي تخجل من أقل همسة، وتغلّف رقتها بجفاء مصطنع يصل إلى الغشم في بعض الاحيان في تعاملها معه، ومع ذلك كان يتقبل كل ذلك بصدر رحب، لأنه يدرك أن خلف تلك الحدة قلباً أبيض يحاول حماية نفسه.
أما جمال، فقد استعرت النيران في صدره. كانت نظراته لعبد الرحمن تقطر كرهاً أسود؛ ليس فقط لوسامته الطاغية أو لكونه سحب البساط من تحت قدميه وأطفأ حضوره تماماً، بل لأن هناك سؤالاً ينهش عقله كيف عرف هذا الرجل بمرضها بهذه السرعة؟ ولماذا يتكبد مدير شركة عناء المجيء إلى مستشفى حكومي بسيط لأجل موظفة لديه؟
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عبد الرحمن الرخيم وهو يوجه كلامه لرشدي، متجاهلاً وجود جمال تماماً
ألف سلامة عليها يا حاج رشدي.. ياسمين من أكفأ الناس عندنا في الشركة، ومكانش ينفع أعرف إنها تعبانة ومجيش أطمن عليها بنفسي.
التفتت اعتدال إليه بامتنان حقيقي، بينما كانت سما تبتسم برقة مصطنعة وهي تحاول لفت انتباهه بشتى الطرق، في حين وقف جمال يغلي
بصمت، شاعراً بأن هذا الغريب يعرف عن ياسمين أكثر مما ينبغي، وأن وجوده هنا ليس مجرد واجب وظيفي كما يدعي.
يا أهلاً يا أهلاً.. نورت المستشفى والله يا أستاذ.
قطع جمال الصمت بصوتٍ لزج وهو يمد يده بسلامٍ فاتر، والابتسامة الكاذبة ترتسم على وجهه وكأنه يلقي بكلمات مسمومة في ثوب الترحيب
واضح إنك صاحب واجب قوي، ومبتضيعش وقت.. كدة أول ما تسمع تيجي جري على المستشفى! ده إحنا لسة واصلين من مفيش.
ضيق عبد الرحمن عينيه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة جعلت يد جمال الممدودة تبدو وكأنها معلقة في الهواء بمهانة، قبل أن يصافحه ببرودٍ شديد وابتسامة صفراء لا تخلو من الاستحقار، وسكت تماماً كأن الرد عليه مضيعة للوقت.
في تلك اللحظة، قامت اعتدال بلهفة وحاولت سحب عبد الرحمن من يده ليجلس مكانها، وهي تقول بامتنان
اتفضل يا ابني، اقعد ريح مكان ملهاش لازمة الوقفة دي، كتر خيرك إنك جيت.
رفض عبد الرحمن بذوقٍ حاسم، لكن سما لم تترك الفرصة تمر، فاقتربت منه برقة مصطنعة وابتسامة واسعة لم يرتَح لها عبد الرحمن أبداً، وقالت بدلالٍ فج
حضرتك محترم وذوق جداً، بس ماما من الصبح قاعدة مكانها وما صدقت قامت، مفيهاش حاجة لو قعدت مكانها.. وبعدين ياسمين كان لازم تعرفنا عليك في ظروف أحسن من كدة بكتير.
رمقها عبد الرحمن بطرف عينه
بنظرة باردة لم يعطِها فيها أي اعتبار، وكأنها غير موجودة. وعشان يتخلص من الحاحها وتملقها، وافق أخيراً وجلس على الكرسي، لكنه قام بشد الكرسي بخفة ليقترب أكثر من رأس ياسمين، مبتعداً عن الدائرة التي يحيطون بها السرير.
في تلك اللحظة بالذات، وكأن لروحه مغناطيساً جذب وعيها، بدأت رموش ياسمين ترفرف ببطء. سكنت الضوضاء في أذنها، وانفتحت عيناها الثقيلتان لتستقر مباشرة على وجه عبد الرحمن القابع بجوارها. غابت وجوه أهلها، واختفى صياح جمال، ولم ترَ سوى ملامحه القلقة التي كانت أول ما تطل عليه عيناها، وكأنها كانت تأبى الإفاقة إلا في حضرة وجوده، لتجد في نظراته الأمان الذي افتقدته
كانت عينا ياسمين تسبحان في سديمٍ من الأحلام، وصورة عبد الرحمن الجالس قبالتها بدت وكأنها طيفٌ من وحي خيالها المتعب. لم تكن تصدق أن تلك الابتسامة الهادئة التي تسكن ملامحه، والنظرة التي تفيض حناناً وقلقاً، حقيقية وليست مجرد تهيؤات انسحب إليها عقلها هرباً من الواقع.
همس عبد الرحمن بصوتٍ رخيم، اخترق مسامعها بوقارٍ سحرها
حمد لله على سلامتك يا ياسمين.
كان صوته بالنسبة لها كشاطئ أمانٍ ترسو عليه سفينتها المحطمة، حتى ظنت أن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة. لكن السحر لم يدم؛ فقد انشق الفراغ فجأة عن وجهٍ
مقيت، وصوتٍ حاد اقتحم خلوتها الروحية كخنجرٍ مسموم. ظهر جمال وهو يدفع برأسه أمامها بوقاحة، قائلاً بتمثيلٍ فج
أخيراً فوقتي يا ياسمين؟ حمد لله على سلامتك.. ده إحنا قلوبنا كانت مولعة نار عليكي!
انكمشت ملامح ياسمين فوراً، وتلاشت لمعة عينيها ليحل محلها نفورٌ وتكشيرة عفوية؛ فقد تحول الحلم الجميل إلى كابوسٍ مفزع بمجرد رؤية وجهه. بدأت تستوعب وجود البقية؛ رأت والدها رشدي وهو يمسح على رأسها، وأمها اعتدال التي انكبت تقبل وجنتها بنبرة صوتٍ مختنقة، خالطها ندمٌ خفي لم تستطع مواراته، وكأنها تعتذر لها عما حدث في المطبخ بالأمس.
أما سما، فقد كان حضورها درامياً كالعادة؛ إذ ألقت بثقل جسدها فوق صدر أختها المنهك، وأخذت تولول بمبالغةٍ مستفزة
يا حبيبتي يا أختي! ألف سلامة عليكي.. يا ريتني كنت أنا بدالك ولا إن يمس شعرة منك سوء!
تأوهت ياسمين بألمٍ مكتوم من ضغطة سما على جسدها الضعيف، بينما كانت عيناها تتركان الجميع لتعود وتستقر بضعفٍ وانكسار على عبد الرحمن، وكأنها استغاثة صامتة منها اليه، تلك العائلة بأكملها لا تعجبه
تحدث فجأة، وقد فاض بها من مبالغة تلك الفتاة شقيقتها، وبرود هذا المدعو جمال عن رد فعل المسمى خطيبها تلك التي كانت مائلة بجسدها بالقرب منه هو الرجل الغريب لدرجة
أن جيبتها من الخلف كانت مرتفعة إلى اعلى ركبتها مشهد اثار تقززه رغم انفتاحه على حرية المرأة في ارتداء ما يعجبها من الملابس، لكن هذا الأسلوب يشبه الأداء الرخيص.
تجنبا للمزيد، تنحنح بحدةٍ أخرست الجميع، وقال بنبرةٍ آمرة مغلفة بالذوق
معلش يا جماعة نراعي الظروف شوية، الآنسة ياسمين لسه فايقة وضغطها واطي.. متهيألي محتاجة هدوء ونَفَس، مش كدة؟
انسحبت سما تتراجع بحرج وهي تلملم شتات نفسها، بينما وقف جمال يرمق عبد الرحمن بحقدٍ دفين، وهو يشاهد التأييد المطلق من اعتدال التي صاحت بانسجام مع كلام المدير
أيوه صحيح والله عندك حق.. ابعدي لورا شوية يا سما، وإنت يا رشدي لازق في حلق البت كدة ليه؟ خليها تاخد نفسها! جمال.. ما تروح يا بني تجيب لها علبة عصير تخليها تفتح عيونها وتفوق.
من شدة الغيظ، ضغط جمال على فكيه بقوة حتى كادت أسنانه تتهشم، وكان يود الانفجار فيها والاعتراض بأي حجة، إلا أن الرفض القاطع جاء من ياسمين التي رمقته بنظرة كره لم تخفَ على عبد الرحمن الجالس بجوارها، وقالت بصوتٍ واهن يكاد يخرج من صدرها
محدش يجيب حاجة.. أنا نفسي مش قابلة أصلاً.
هنا تصنع جمال الشهامة والحرص الزائد قائلاً
لا إزاي بس يا ياسمين؟ ده إنتِ لازم تاكلي لقمة خفيفة على الأقل.. أنا هقوم حالاً
أجيب لك سندوتشات.
همت ياسمين أن توقفه معترضة، ولكن عبد الرحمن كان الأسبق ليقطع عليها الطريق ويوجه الضربة القاضية لجمال
يا ريت يا أستاذ جمال.. فيه كشك قريب هنا من المستشفى حاجته نضيفة وتفتح النفس، وأكيد ياسمين مش هترفض لو الحاجة جت من إيدك.
انفرجت شفتا ياسمين قليلاً تهم بالاعتراض على توريط عبد الرحمن لها، إلا أنه زجرها بنظرة محذرة خاطفة أسكتتها فوراً. انعكس هذا المشهد غضباً مشتعلاً في عيني جمال المنتبه لحوار النظرات الصامت بينهما، ولانصياع ياسمين المفاجئ لرغبة عبد الرحمن وكأن هناك لغة تفاهم سرية تجمع بينهما؛ ليجد نفسه مجبراً بفعل هذا المراوغ على الخروج من الغرفة.
حاول جمال التلكع والمماطلة فسأل بنبرة خبيثة
ماشي.. أنا رايح أهو، تحبي أجيب لك إيه بالظبط يا ياسمين؟
لكن عبد الرحمن اليقظ بفطنته، تكفل بالرد ليغلق الدائرة تماماً
يا أخ جمال، جيب لها أي حاجة.. هي فيها نَفَس تشتهي أصلاً؟ وبعدين خطيبتك أدرى باللي بيعجب أختها.. ولا إيه يا آنسة سما؟
تلقت سما مخاطبته لها بلهفة وانبهار بهذا الاهتمام
طبعاً
أكيد يا أستاذ عبد الرحمن! دي أختي وأغلى حاجة عندي كمان.. هجيب لك حاجة تفتح نفسك يا ياسمين. ياللا بينا يا جمال أنا رايحة معاك.
سمع جمال كلماتها، وكم ودّ في تلك اللحظة أن يصفعها ويجبرها على الجلوس؛ لتوقف حماقتها التي لا تفهم من ألاعيب الرجال شيئاً، لكنه اضطر للانسحاب جاراً أذيال الخيبة خلفه.
......................
غادر جمال الغرفة وعلى وجهه علامات الضيق التي حاول إخفاءها تحت قناع من الوجوم، تتبعه سما التي لم تتوقف عن الثرثرة حول أنواع العصير والسندوتشات التي ستفتح نفس ياسمين. وبمجرد خروجهما، ساد هدوء نسبي في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس ياسمين المتلاحقة، ونظرات رشدي الحائرة بين المدير الشهم وبين ابنته.
تنفس عبد الرحمن الصعداء، وكأن جبلًا من الزيف قد انزاح عن صدره برحيل جمال وسما. التفت إلى اعتدال ورشدي، وبنبرة هادئة لا تخلو من المزاح قال
يا حاج رشدي، يا ست اعتدال... مش هوصيكم على ياسمين دي شعلة نشاط عندنا في الشركة، وإحنا مش مستغنيين عنها أبدًا.
جاء السريع الرد من
اعتدال
يوه انت هتوصيني على بنتي يا استاذ عبد الرحمن دي في عنيا الجوز، هو انا عندي اغلى منها
أضاف عليها رشدي هو الاخر
وعندي انا كمان، دي البكرية ، واول فرحتي، والله ولا تعبتني ابدا في تربيتها يا استاذ عبد الرحمن، زي النسمة من ساعة ما اتولدت
لطالما اشمأزت ياسمين داخلها من أفعالهما المكشوفة، لكن في تلك اللحظة كانت تركيزها مع عبد الرحمن ، تنظر اليه
بامتنان لا تستطع بالكلمات وصفه، عيناها تلمعان بدموع محبوسة وهي ترى كيف استطاع بذكائه أن يُبعد عنها ذاك الكابوس ولو لبعض الوقت.
وبمزيد من التملق مالت اعتدال على ابنتها تمسح على جبينها، وقالت بصوت خفيض
شوفتي يا ياسمين؟ الأستاذ عبد الرحمن كتر ألف خيره، جيه لحد هنا عشان يطمن، لا وبيوصينا كمان عليكي.. صحيح الناس المحترمة بتبان في الشدائد يا بنتي.
أطرق رشدي برأسه موافقًا، بينما كان عبد الرحمن يراقب ياسمين بتركيز، وكأنه يقرأ في صمتها كل ما عجزت عن قوله بالأمس، وقهر داخلها لا يعرف أسبابه 
. اقترب منها قليلًا، وبالكاد سمعت همسه
الذي خصها به وحده
ارتاحي دلوقتي.. مفيش حاجة تستاهل إنك تتعبي نفسك عشانها بالشكل ده. كل حاجة هتتحل، صدقيني.
كلماته كانت بمثابة البلسم على جرحها النازف. شعرت ياسمين لأول مرة منذ سنوات أن هناك من يفهم لغة صمتها، ومن يقدّر قيمتها بعيدًا عن حسابات المصالح أو المظاهر،.
خارج الغرفة، وأثناء سيرهما للخروج، كان جمال يستشيط غضبًا، وقد بدأ يشك أن علاقة ياسمين بمديرها تتجاوز حدود العمل بكثير. وقف في ممر المستشفى يلتفت يمينًا ويسارًا، ثم سحب سما من يدها بعنف قائلًا بصوت مكتوم
إنتي غبية؟ مش شايفة نظراتهم لبعض؟ في مدير بيجري جري عشان يزور موظفة عنده؟ ولا يقعد براحته كدة على الكرسي جمبها، الراجل ده اكيد نيته مش كويسة، وإنتي زي الهبلة بتساعديه يمشيني من الأوضة، عشان انا الوحيد اللي افهم النوعية اللي زيه!
صدمت سما من رد فعله، وتلعثمت وهي تحاول الدفاع عن نفسها، لكن جمال لم يعطها فرصة، فقد اتخذ قراره بأن يفسد هذا الانسجام بأي ثمن، حتى لو اضطر لحرق المعبد على من فيه
تفتكروا هيعمل ايه

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا