رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الرابع 4

بعد أن نجح عبد الرحمن بمكره في إبعاد الجميع، لم يمر وقت طويل حتى عاد جمال وحده، مستغلاً انشغال سما في انتظاره في مقهى المشفى" وتأخر الأب والأم في إنهاء إجراءات الخروج.
فتحت ياسمين عينيها بعد غفوة قصيرة، لتجده امامها واقفاً فوق رأسها مباشرة، يحدق في وجهها بنظرات مركزة ومخيفة. انتفضت ياسمين وكأنها رأت شيطاناً، وسألته بغضب مكتوم:
ـ "إنت إيه اللي جابك هنا؟ وفين بابا وماما؟"
ابتسامة مقيتة ظهرت على شفتيه وهو يقترب خطوة، وقال بنبرة لزجة:
ـ "مالك يا ياسمين؟ خفتي ليه؟ أنا مش غريب على فكرة.. ده أنا خطيب أختك يعني في حكم أخوكي، وجيت بس أطمن إن المحلول جاب مفعول وفوقتي عشان "تفتحي" عينيكي كويس للي حواليكي."
ردت عليه باحتقار وصوت يرتجف من الغيظ:
ـ "اخرس.. بلا أخويا بلا زفت، اطلع بره واستنى الكل بره، مفيش راجل يدخل على واحدة لوحدها وهي تعبانة كدة!"
رد ببرود وهو يربع يديه، وعينه تتفحص الغرفة وكأنه يبحث عن أثر للمدير:
ـ "براحة شوية يا أختي.. هو إنتي شوفتيني اتهجمت عليكي؟ وبعدين هو "المدير" بتاعك كان محرم ليكي يعني عشان يقعد جنبك ويوشوشك؟ اشمعنى هو حلال وأنا حرام يا ست ياسمين؟"
شعرت  بضيقٍ لا يوصف، وكأن الهواء في الغرفة قد نفد فجأة. هذا الإنسان "عديم الإحساس" لا يكتفي باختراق خصوصيتها، بل يضيق عليها الخناق بصفة لا يملكها، فهو ليس خطيبها، ولا شقيقها، ولا حتى من أقارب الدرجة العاشرة؛ مجرد غريب هبط على حياتهم كـ "غراب البين"، ومنذ دخل بيتهم وهي لم تذق طعم الراحة. كانت تظن أن عملها هو ملاذها الوحيد، وأن "عبد الرحمن" بوقاره وشهامته هو الحصن الذي يحميها من قذارة هذا الواقع، لكن جمال أبى إلا أن يلوث هذا المتنفس الجميل بمقارنةٍ وقحة لا تجوز أصلاً.
بعصبية حادة هزت جسدها الهزيل، ردت عليه وهي تحاول كبت صرخة مكتومة:
ـ "بغض النظر عن أسلوبك الواطي في رمي الكلام.. إنت مالك أصلاً؟ علاقتي بالمستر تخصني أنا وأهلي، وحضرتك تحترم نفسك وتعرف حدودك، وإلا قسماً بالله هصرخ وألمّ عليك الناس والتمريض كله، والكل هيعرف حقيقتك!"
قهقه جمال بسماجة مستفزة، فقال وهو يرمقها بنظرة باردة:
ـ "شوف يا أخويا البلاوي اللي بتتحدف علينا! طب لو جدعة يا ياسمين صرخي ولمّي الناس.. عشان يعرفوا إنك اتجننتي وعايزة تتبلي على خطيب أختك الغلبان اللي واقف بعيد عنك أصلاً وداخل بس يطمن عليكي!"
اقترب خطوة إضافية، وهبط بصوته لنبرة فحيح الأفاعي:
ـ "ولا يكونش الكلام جه على الوجيعة؟ والمستر الحلو مش متحملة حد يجيب سيرته خالص؟ ده إنتِ اتكهربتي أول ما اسمه جه على لساني.. باينة قوي يا ياسمين، بس بلاش تعيشي الدور، عشان المقام عالي عليكي قوي يا قطة!"
ارتجفت يد ياسمين وهي تمسك بحافة الفراش، وشعرت برغبة عارمة في البكاء ليس ضعفاً، بل من فرط الغيظ وقهر "قلة الحيلة" أمام إنسان يجيد التلاعب بالكلمات ويقلب الحقائق ببراعة شيطانية. في تلك اللحظة، لم تكن تفكر إلا في شيء واحد، ليتها تملك الوسيلة لفضحه، ولكن كيف تفعل؟ وعاىلتها هم أول من يكذبها.
فصاحت به بازدراء؛
- عالي في عينك! إنت إنسان مستفز وقليل الأدب، وقسماً بالله..."
قاطعها جمال بنبرة هادئة، هدوءاً يسبق العاصفة، وهو يرفع يديه وكأنه يتبرأ من اتهاماتها:
ـ "بلاش تحلفي يا ياسمين عشان أنا مغلطتش فيكي يا غالية، أنا بس بوعّيكي.. وفاتح إيديا الاتنين أهو. أنا ذكي وإنتِ برضه ذكية، ومش هوضح أكتر من كدة، وافهمي لوحدك بقى!"
ألقى كلماته المسمومة ذات المغزى الذي وصل لقلبها فوراً، وغادر الغرفة بخطى سريعة قبل أن تدركه أعين والديها، الذان كان في طريقهم إلى غرفتها
دخلت "اعتدال" و"رشدي" بعد لحظات قليلة، يحثانها على النهوض لأن سيارة الأجرة (التاكسي) بانتظارهم تحت، بينما أخبرها والدها أن سما وجمال سيستقلان سيارة الأخير، ويفضل أن تركب معهما "لترتاح" في السيارة الخاصة.
في تلك اللحظة، انتفضت ياسمين وكأن لدغتها أفعى؛ فالركوب في مساحة ضيقة مع هذا الكائن كان بالنسبة لها انتحاراً. صاحت بحدة غير معهودة فاجأت والديها:
ـ "لا.. مش هركب مع حد! أنا كويسة وقادرة أمشي على رجلي، ولو لزم الأمر هاخد مواصلات لوحدي كمان!"
أمام إصرارها المتشنج وعينيها اللتين تفيضان بالتحدي والنفور، لم يجدوا بداً من الرضوخ لرغبتها. استسلم رشدي للأمر الواقع، لتركب ياسمين في "التاكسي" بجوار والدتها، بينما اضطر هو للركوب مع سما وجمال.
في السيارة الخاصة، كان جمال يضغط على المقود بقوة كادت تحطمه، والغضب ينهش أحشاءه. لم تكن مجرد "عناد" من ياسمين في نظره، بل كانت صرخة تحدٍ واضحة، وإعلاناً صريحاً بأنها ترفض حتى استنشاق الهواء الذي يجمعهما في مكان واحد. كان يغلي بصمت، وعقله الشيطاني يبحث عن وسيلة يكسر بها هذا الكبرياء الذي استمدته فجأة.. ربما من ذاك "المدير" الذي وكأنه قد جاء خصيصا ليفسد عليه كل شيء
...............................
في الصباح التالي، وبرغم الوهن الذي كان لا يزال يطوق جسدها، حزمت ياسمين أمرها وقررت الذهاب إلى العمل؛ فلم يعد البيت بالنسبة لها مكاناً للاستشفاء، بل صار سجنًا يضيق عليها بجدرانه وذكريات الأمس الثقيلة. كانت بحاجة إلى استنشاق هواء "الشركة"، ذاك المكان الذي تشعر فيه بكيانها بعيدًا عن منغصات حياتها الخاصة.
كان دخولها مفاجأة سارة لـ "عبد الرحمن". وحين لمح وجهها الجميل يطالع الأوراق بهدوء، لم يستطع منع تلك الابتسامة التي أضاءت ملامحه. اقترب منها بخطوات واثقة، ووقف أمام مكتبها كأنه يفتح باباً للفرح في وجهها، ثم قال بنبرة مشاكسة وودودة تعمد أن يسمعها الزملاء المحيطون بها:
ـ "ياسمين هانم حاضرة معانا مرة واحدة؟ وأنا أقول الشركة منورة النهاردة ليه.. بصراحة إمبارح كانت مطفية خالص!"
كان تواضعه في المزاح معها، وكسره لتلك الحواجز الرسمية أمام الجميع، بمثابة طوق نجاة لروحها المجهدة. غزا الخجل وجنتيها فصبغهما بحمرة رقيقة، لكن الابتسامة لم تستطع أن تختبئ خلف خجلها، فأنارت وجهها بشكلٍ سحر عبد الرحمن أكثر.
تفاعل الزملاء مع مزاح المدير بروحٍ طيبة، واندمجوا في الترحيب بها، مما أشعر ياسمين بدفءٍ افتقدته طويلاً. في تلك اللحظة، لم تكن ترى في عبد الرحمن "مديراً" فحسب، بل رأت فيه الأمان الذي يرمم شروخ روحها، والرجل الذي يعرف متى يمزح ومتى يحمي، ليجعل من مكتبها المتواضع أجمل بقعة في العالم
........؟...............
كان هذا "الدفع" النفسي الذي يحيط بها الآن هو ما جعل روحها ترفرف من جديد؛ فالمفارقة كانت موجعة، جفاءٌ تعانيه في البيت الذي تربت فيه ومن أهلٍ هم "من لحمها ودمها"، مقابل مودةٍ خالصة وجدتها هنا بين جدران الشركة.
لم يفعل أهلها ربع ما فعله زملاؤها منذ أن وطئت قدماها المكتب؛ فهذه تضع أمامها كوباً من "الينسون" الدافئ وتراقبها بحنان، وتلك تضع أمامها شطيرة وتجبرها بلهجةٍ آمرة محببة: *"لازم تفطري يا ياسمين.. مش عايزين نقع تاني"*، بينما لم تبخل زميلة أخرى بقطعة "شوكولاتة" لترفع من معنوياتها.
أما في البيت، فقد تبخر خوفهم المزعوم الذي ظهر في المستشفى بمجرد أن حلّ المساء. كأن تعبها وانهيارها كان "حالة مؤقتة" وانتهت، ولم يراعِ أحد جسدها الذي مازال به اثر التوعك في الصباح. كانت غاية اهتمام والدتها جملة فاترة:
ـ "يا بت اقعدي النهاردة ارتاحي بدل ما تتعبي وتدوخينا تاني."
وحين رأت الأم إصرار ياسمين على الذهاب، جاء رد "رشدي" مغلفاً بتهكمه المعتاد:
ـ "خلاص يا ستي.. هي عارفة مصلحتها، لو تعبت أكيد هتتصل بينا وتعرفنا.. صح يا بت؟"
ـ "صح يا بابا."
خرجت الكلمة من صدر ياسمين مثقلة باليأس والمرارة، قبل أن تنسحب بصمت وتأتي إلى هنا، حيث وجدت "الاستقبال الحافل" الذي رمّم كسر خاطرها.
كانت تتابع عبد الرحمن وهو يبتعد نحو مكتبه بعد مزاحه اللطيف، وشعرت لأول مرة أن هذا المكان هو "بيتها الحقيقي"، وأن هؤلاء الغرباء هم أهلها الذين اختارهم لها القدر ليعوضوها عن يتم المشاعر الذي تعيشه في دارها. نظرت إلى زميلاتها بامتنان، وقررت أن تستمتع بهذا الدفء، متناسيةً لوقتٍ قصير أن خلف هذا الصفو يتربص "جمال" كظلٍّ أسود لا يملّ من التدبير.
............. ............
كان يجلس في المطعم بعنجهيةٍ واضحة، ظهره مسند إلى الكرسي وعيناه مسمرتان في شاشة هاتفه، يقلب فيها بمللٍ وغضب مكتوم بينما ينتظر النادل. أما سما، فكانت في عالمها الخاص، غارقة في "هوس" الكاميرا؛ تارةً تميل برأسها لترسم "بوز البطة" الشهير، وتارةً تضبط زاوية الإضاءة لتلتقط صورةً مثالية تنزلها "ستوري" على إنستجرام، مذيلةً إياها بكابشن يفيض تملقاً: "أحلى غدوة في أجمل مكان مع عوض العمر وحبيب قلبي"
لم يكن "عوض العمر" منتبهاً لوجودها أصلاً، بل كان غارقاً في أفكاره السوداء. التقطت سما عدة صور للمكان، متبوعةً بفيديوهات قصيرة تستعرض فيها فخامة المطعم، قبل أن تضع هاتفها أخيراً على الطاولة وتنفخ بضيق:
ـ "وبعدين بقى؟ أنا جوعت قوي.. هو الأكل كل ده بيجهز؟ ما تنده على الجرسون يا جمال!"
قالتها بدلعٍ مصطنع وهي تتمايل أمامه، لكن جمال الذي كان واصلاً لقمة الخنق منها ومن حركاتها، رد بنبرة جافة لا تحمل أي مودة:
ـ "جرى إيه يا سما؟ ما إنتي شايفة المكان زحمة والناس كلها مستنية، الجرسون مش هيطير يعني عشان سواد عيوننا! وبعدين إنتي مش كنتي لسه بتصوري؟ مالحقتيش تجوعي في دقيقتين يعني؟"
تغيرت ملامح سما قليلاً من رده الجاف، لكنها سرعان ما عادت لابتسامتها المصطنعة وهي تحاول تلطيف الجو، غير مدركة أن جمال في تلك اللحظة لم يكن يرى فيها إلا عبئاً ثقيلاً، بينما كان عقله يقارن بين "تفاهتها" وبين "رزانة" أختها التي تزداد استعصاءً عليه يوماً بعد يوم.
في لحظةٍ مباغتة، ترك النظر بهاتفه وسألها بنبرةٍ حاول أن تبدو عادية ومحايدة عن صحة شقيقتها ا:
ـ "أختك عاملة إيه النهاردة؟"
ردت "سما" دون أن ترفع عينها عن الشاشة، وهي غارقة في محادثات صديقاتها:
ـ "كويسة.. كويسة، هي أصلاً راحت الشغل من بدري."
ـ "راحت الشغل وهي تعبانة؟!"
قالها وهو يلقي بهاتفه على الطاولة بعصبيةٍ جعلتها تنتبه وتفزع، ثم استطرد والشرر يتطاير من عينيه:
ـ "امبارح كانت في المستشفى والنهاردة تكون في الشغل؟ طب حتى تقعد يومين على الأقل نعرف الناس إنها تعبت بجد!"
حاولت سما بارتباكٍ أن تبرر الموقف، فأخبرته أن ياسمين هي من أصرت، رغم أن والديها بذلا معها المستحيل لتعدل عن قرارها، وهي أيضاً حاولت منعها، لكن ياسمين "نشفت رأسها" كالعادة واضطروا لتركها تفعل ما تريد.
أشعل هذا الخبر نيران الغيظ في صدر جمال؛ ففكرة وجودها الآن بجانب "عبد الرحمن" جعلت عقله يصور له آلاف السيناريوهات، خاصةً بعدما رأى بعينه في المستشفى مدى تأثرها بوجوده واستجابتها له. اشتعلت النيران في رأسه، ومن غير مقدمات نهض فجأة وصاح بـ "سما":
ـ "بقولك إيه.. لمي حاجتك دي، إحنا لازم نروح لها الشركة ونطمن عليها هناك."
تذمرت سما في البداية واستغربت هذا الحماس المفاجئ، ولكن قبل أن ترفض، اشتعل داخلها الشغف، وبذات الحماقة التي تسكنها، تركت  هاتفها فجأة وارتسمت على وجهها ابتسامة غريبة، ليس اهتماماً بأختها، بل لأن خيالها "المريض" استرجع فوراً صورة عبد الرحمن بهيبته ووسامته التي خطفت أنفاسها في المستشفى.
سألت جمال وهي تلملم حقيبتها بسرعة، واللمعة في عينيها فضحتها:
ـ "طب مش هنستنى الأكل الأول؟ ده زمانه على وصول!"
رد جمال وهو يدفع الكرسي للخلف بعنف، وعيناه تقدحان شرراً:
ـ "أكل إيه وزفت إيه دلوقتي؟ بقولك قومي.. ميبقاش أختك تعبانة ونازلة شغلها وإحنا قاعدين نتمطّع هنا، دي أصول دي؟ على الاقل تطمن عليها ونحسسها انها في اهتمامنا  ياللا يا سما!،"
كان جمال يغلي؛ فكرة أن ياسمين الآن في "حِمى" عبد الرحمن، يستفرد بها في مكتبه، يواسيها بكلماتٍ معسولة أو يحيطها باهتمامٍ رآه بعينه في المستشفى، كانت كافية لتجعله يفقد صوابه. لم يكن ذهابه للشركة بدافع الاطمئنان، بل كان "غزوة" يخطط لها ليقطع الطريق على أي تقارب، وليثبت لعبد الرحمن قبل ياسمين أنه واقفا لهما بالمرصاد.
أما سما، فكانت في عالمٍ آخر، بدأت تعدل من هيئتها وتنظر في مرآة حقيبتها وهي تهمس لنفسها:
ـ "أحسن برضه.. أهو الواحد يغير جو الكآبة ده، ونشوف الشركة الشيك دي والمستر اللي يفتح النفس."
خرجا من المطعم بخطواتٍ واسعة، جمال يسبقها بخطواتٍ كأنه يسابق الزمن، بينما كانت هي تحاول ملاحقته بكعبها العالي.
.........................
في وقت الاستراحة، لم ترغب ياسمين في الانخراط في ضجيج "الكافيه" أو البقاء في مكتبها لتلوك الأحاديث المكررة مع زميلاتها، بل سحبتها قدماها نحو الفناء الخارجي للشركة؛ حيث تقبع بضع شجيراتٍ وارفة داخل السور، تنسجُ بظلالها ملاذاً آمناً من صخب العمل. كان الهواء المنعش يمرُّ كبلسمٍ يداوي جراح الروح، فاستسلمت له، وأغمضت عينيها لتستشعر تلك النسمات وهي تلامس وجهها وتداعب خصلات شعرها في "لحظة صفاء" كانت تفتقدها بشدة.
غابت ياسمين عن العالم لثوانٍ، حتى شعرت بظلٍ يقطعُ تسلل الشمس إلى جفونها، ففتحت عينيها فجأة لتجد أمامها "عبد الرحمن". كانت الابتسامة تملأ وجهه، ونظراته تحمل مزيجاً من الإعجاب والسكينة؛ فانتفضت بداخلها وظهر الارتباك جلياً على حركاتها، وكادت أن تعتدل في جلستها بوجل، لكنه تدارك الموقف بلباقته المعهودة وهمس بنبرةٍ هادئة:
ـ "أنا أسف.. شكلي قطعت عليكي لحظة صفاء كنتِ محتاجة لها."
استجمعت ياسمين أنفاسها، وحاولت مداراة خجلها وهي ترد عليه بصوتٍ مرتعش قليلاً:
ـ "لا أبداً يا مستر، حضرتك مش قاطع حاجة.. أنا بس كنت بشم شوية هوا، المكان هنا بجد مريح للأعصاب."
ابتسم عبد الرحمن وهو يتأمل هدوء المكان، ثم قال بمشاكسة رقيقة:
ـ "معاكي حق، الشجر والضل هنا يخلوا الواحد ينسى ضغط الشغل.. بس قولي لي، صحتك دلوقتي أحسن؟ مش عايزك تضغطي على نفسك، لو لسه تعبانة ممكن تروحي وتكملي راحة."
نظرت إليه ياسمين بامتنان، وشعرت أن الهواء الذي كانت تستنشقه صار أكثر عذوبة بوجوده، وردت بعفوية:
ـ "والله يا مستر، أنا بقيت أحسن أول ما دخلت الشركة النهاردة.. وجودي وسطكم بيريحني أكتر من القعدة في البيت."
كانت الكلمات تخرج من قلبها بصدقٍ لم تستطع إخفاءه، بينما كان عبد الرحمن يراقب ملامحها الرقيقة تحت ظلال الشجر، شاعراً برغبةٍ عارمة في أن يطيل هذا الوقت، بعيداً عن أعين الموظفين.. 
ـ طيب ممكن اقعد انا كمان؟
كان الطلب مفاجئاً، بل وصادماً لياسمين؛ أن يطلب مدير بهيبته ومكانته مشاركتها الجلوس في هذا الركن المتواضع! شعرت بضربات قلبها تتسارع، ورغم أن الموقف قد يثير همسات الزملاء، إلا أنها لم تقو على كسر خاطره أو رفض طلبه الذي قدمه بمنتهى الرقي.
ردت بارتباك وهي تهم بالنهوض:
ـ "اتفضل طبعاً يا فندم.. بس المكان هنا مفيش فيه غير كرسي واحد، اقعد حضرتك مكاني وأنا ثواني هروح أجيب كرسي تاني من جوه."
ـ "لا.. مفيش داعي لكل ده، خليكي مكانك."
قالها عبد الرحمن بهدوء وهو يحسم الأمر، وقبل أن تستوعب ياسمين ما ينوي فعله، اقترب من "جزع شجرة" ضخم كان ملقى بالقرب من مقعدها، ونظفه بيده بخفة ثم جلس عليه. أصبح الآن في مستوى جلستها تماماً، يواجهها بابتسامة واثقة بينما كانت هي تنظر إليه بذهول لم تستطع إخفاءه.
كانت جلسته على جزع الشجرة، بتلك البساطة والترفّع عن "البرستيج"، حركة جعلت ياسمين تشعر أن هذا الرجل لا يشبه أحداً؛ فهو يمتلك القدرة على جعل أكثر الأماكن عادية تبدو وكأنها جناح ملكي بفضل حضوره.
ساد صمت قصير، قطعه عبد الرحمن وهو ينظر إلى الأفق خلف السور:
ـ "عارفة يا ياسمين.. أوقات الواحد بيحتاج يبعد عن المكاتب والتكييفات، ويقعد القعدة البسيطة دي عشان يفتكر إنه إنسان قبل ما يكون مدير وموظف. شكراً إنك سمحتي لي أشاركك اللحظة دي."
ابتلعت ياسمين ريقها، وشعرت بحرارة تخترق برودة الجو وتستقر في وجنتيها، ولم تجد كلمات تسعفها للرد على ذوقه الذي يتجاوز كل التوقعات. 
خيم الصمت بينهما للحظات، كانت ياسمين تشعر فيها بنظراته التي اخترقت حصونها، قبل أن يكسر هو هذا السكون بسؤالٍ مباغت:
ـ "أنا مش حابب أكون حشري.. بس تسمحي لي يا ياسمين أسألك عن حياتك العاطفية؟"
تصلبت ملامحها، واعتلت وجهها نظرة استهجان لم تستطع مداراتها، وردت بنبرة حادة شابها عدم الارتياح:
ـ "حياة عاطفية إزاي يعني؟ حضرتك إيه السؤال ده؟"
شعرت برغبة عارمة في النهوض والفرار من هذا الحوار، لكنه تدارك الأمر ببراعة وطمأنها بصوته الرخيم:
ـ "ياسمين أرجوكي بلاش تسرع.. أظن الفترة اللي قضيتيها معانا في الشركة وضحت جانب من شخصيتي، على الأقل في أخلاقي.. ولا إنتي شايفة إن أخلاقي تسمح لي أتجاوز معاكي؟"
ردت بحرج وقد تراجعت حدتها قليلاً:
ـ "لا سمح الله يا فندم، طبعاً مقصدش.. بس السؤال غريب شوية."
ـ "وماله السؤال؟ أنا بسأل لغرض، ويا ريت يكون عندك ولو قدر بسيط من الثقة أو الجرأة وتصارحيني.. فيه حد في حياتك؟"
قاطعته بلهجة قاطعة وهي تشيح بنظرها عنه:
ـ "حضرتك أنا محبش الكلام في المواضيع دي أصلاً."
ابتسم عبد الرحمن بمكر، وحاول تلطيف الأجواء وهو يمازحها:
ـ "والحكاية دي فيها أحب ومحبش؟ دي مشاعر يا ياسمين، وكلنا بشر.. يعني أنا مثلاً خضت تجارب وعلاقات كنت فاكرها حب حقيقي وطلع العكس، عشان كدة بسأل.. مش عايز أقع على دماغي المرة دي كمان."
قطبت حاجبيها بشكٍ بعد جملته الأخيرة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة، لكنها حاولت التماسك وأجابت بلجلجة لتنهي النقاش:
ـ "أنا فاهمة حضرتك.. وإن كان على التجارب فأنا عمري ما جربت، أما مشاعر الإعجاب فهي حاجات بتعدي وتروح لحالها."
لمعت عينا عبد الرحمن ببريقٍ خاص، وقال وهو يقترب منها بنظرةٍ ذات مغزى:
ـ "رغم إنك مجاوبتيش على سؤالي بصراحة، بس هجاوبك أنا عن نفسي.. مشاعر الإعجاب عدت عليا كتير، بس دلوقتي شكلي قربت من الإحساس اللي كنت بحلم بيه من زمان، وده كان سبب سؤالي ليكي."
سكنت ياسمين مكانها، وتاهت الكلمات على لسانها أمام صراحة نظراته التي كانت تقول الكثير، وأوشكت أن تنطق وتسأله عن مقصده، لولا ذاك الصوت الذي دوى فجأة ليقطع سحر اللحظة
مساء الخير....... عليكم!"
اقتحم هذا الصوت المزعج أسماعها، فالتفتت برأسها نحو المصدر لتجده هو؛ ذاك الشخص الكريه بذاته، واقفاً أمامها بنظراتٍ ماكرة ومستفزة، يوزع بصره بينها وبين عبد الرحمن بشكٍ فاضح.
ظهرت من خلفه سما التي تقدمت نحوهم بلهفةٍ مصطنعة وقالت:
ـ "إيه ده! إنتِ هنا يا ياسمين؟ ده إحنا كنا داخلين المبنى عشان نطمن عليكي، نقوم نلاقيكي هنا مع الأستاذ عبد الرحمن.. إزيك يا أستاذ؟"
كان عبد الرحمن على وشك رد تحيتها رغم استهجانه للميوعة الواضحة في نطقها، إلا أن جمال قاطعه ليصبَّ سمَّ كلامه:
ـ "أيوه فعلاً، كنا جايين وقلقانين عليكي عشان خرجتي من المستشفى وإنتِ تعبانة، بس واضح إن الجو هنا حلو قوي ويشفي العليل! هو إنتوا دايماً كدة شغلكم بيبقى بره في "الطل" بعيد عن المكاتب ولوحدكم؟"
أوشكت ياسمين أن تنفجر فيه وتلقنه درساً في الأدب، ردا على. تلميحه السافر، لكن عبد الرحمن كان الأسبق؛ رد بهدوءٍ وثباتٍ عجيبين:
ـ "لا يا أستاذ جمال.. مفيش شغل بره المكتب أكيد، ياسمين كانت في فترة استراحة، وأنا استغليت الفرصة عشان أقتحم خلوتها وأتكلم معاها."
كان جمال على وشك الجنون من بساطة عبد الرحمن في الرد، ينوي التمادي في تلميحاته القذرة، لكن سما سبقته بحماقتها المعهودة قائلة:
ـ "تتكلم معاها؟ لدرجة دي حضرتك متواضع!"
ـ "متواضع؟"
رددها عبد الرحمن بنبرة ساخرة، قبل أن يلقي بقنبلته التي ألجمت الجميع:
ـ "الحكاية مالهاش دعوة بالتواضع.. الحكاية إني كنت بفتح معاها موضوع مهم جداً، موضوع جواز.. أصل أنا ناوي أتقدم لها!"
توقف الزمن لثوانٍ في ذلك الفناء الصغير. وقعت كلمات عبد الرحمن على مسامع الجميع كالصاعقة، فتبدلت ملامح كل واحد منهم في تلك اللحظة؛ ياسمين التي اتسعت عيناها بذهول ودهشة لم تكن تتخيلهما في أحلامها، سما التي تجمدت ابتسامتها المبتذلة على وجهها، وأخيراً "جمال" الذي تحول وجهه من السخرية الماكرة إلى حمرة الغضب المكتوم، فقد تحول "الاستفزاز" الذي جاء به إلى رصاصة أصابت كبرياءه في مقتل.
أكمل عبد الرحمن كلماته وهو ينهض بوقار عن جزع الشجرة، ماسحاً عن ملابسه بهدوء، ثم ثبت نظره مباشرة في عيني جمال، متجاهلاً تماماً صدمة سما وذهول ياسمين، وقال بنبرة واثقة:
ـ "زي ما سمعت يا أستاذ جمال.. الموضوع مهم، ويخصني ويخص ياسمين. مش محتاج أقولك إن وقت العمل للعمل، ووقت المشاعر والارتباط ده موضوع تاني خالص، وأنا بفضل أكون واضح من البداية."
كان جمال يضغط على يديه بقوة حتى ابيضت مفاصله، يهم أن ينفجر بهما، لكن يلجمه حضور عبد الرحمن القوي وكلماته المباشرة 
سما، التي لم تستوعب الصدمة بعد، سألت بحماقة:
ـ "تتقدم لها؟! قصدك إنك.. إنك معجب بها يعني؟!"
لم يلتفت لها عبد الرحمن، بل ظل ينظر لياسمين التي كانت تحاول استعادة أنفاسها، ثم التفت لجمال وقال بابتسامة باردة:
ـ "مش مجرد إعجاب يا آنسة سما.. أنا جيت هنا النهاردة عشان أطمن على ياسمين، ولما لقيتها، قولت إن ده الوقت المناسب عشان أعلن عن نيتي بشكل رسمي..... انا عايز اتجوز ياسمين 
....يتبع بباقي الاجزاء
تفتكروا جمال هيسكت
ولا سما......؟

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا