رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4

رواية صاحب الجلالة سديم وجلال بقلم سعاد محمد سلامة

رواية صاحب الجلالة سديم وجلال الفصل الرابع 4

بعد مرور شهر ونصف تقريبًا 
صباحّ 
شقة والدة سديم دلفت والدتها الى الغرفة، توقفت لحظة عند الباب تتأمل سكون المكان، تعجبت من بقاء سديم غافية لهذا الوقت على غير عادتها… اقتربت بخطوات هادئة، جلست على طرف الفراش، وأزاحت برفق خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، ثم ربتت على خدها بحنان أمومي....
كادت أن توقظها، لكن صوت جرس الباب قطع سكون اللحظة… تنهدت بخفوت، ثم نهضت وغادرت الغرفة، تاركة إياها سابحة في عالمٍ لا تدري إن حقيقيًا أم خيال عقلها الباطن 
 عالقة بين وعي وكابوس وهى تقف شبو عارية أمام ذلك المُستغل يقترب منها بخطوات بطيئة عيناه تخترق جسدها، رغم الضوء الخافت،تشعر بإختناق كأن والهواء ينسحب من المكان،تشعر بأنفاسه  يلتصق…
تشعر بضعفٍ غريب، وكأن الأرض تسحبها إليه كلما ... تراجعت خطوة للخلف… تجد نفسها أقرب إليه... 
اتسعت عيناها بذعر، تراقب ذلك  الذي يقترب منها ببطءٍ مريب... 
همست بصوتٍ مرتجف: 
إبعد… لو سمحت إبعد…ابعد أرجوك. 
لكن صوتها خرج واهنًا، بالكاد يُسمع... 
ازداد اقترابه… وخفق قلبها بعنف، كأنه يطرق ضلوعها طلبًا للهرب…
حاولت أن تتحرك، أن تصرخ، أن تفعل أي شيء… لكن جسدها خانها.
وفجأة
انقطعت الصورة…
شهقت بقوة وهي تنتفض من نومها، جسدها مغطى بطبقة من العرق الخفيف، وأنفاسها متلاحقة، وعيناها تبحثان بجنون حولها... 
وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة دقات قلبها تهمي: 
كان… كان حلم…لا كان كابوس. 
لكن الشعور التي تشعر به داخلها… لم يكن مجرد حلم..هو بقايا واقع عاشته بالفعل....تسمرت لثواني  مكانها، تحاول استيعاب ما حدث…
أنفاسها لا تزال مضطربة، وصدى ذلك الكابوس يطرق رأسها بعنف، كأنه لم ينتهي بعد... 
مررت يدها على وجهها بارتباك، ثم نظرت حولها ببطء… غرفتها كما هي، كل شيء في مكانه…
لكن الإحساس لم يغادرها… ذلك الخوف اللزج الذي تسلل إلى أعماقها... 
همست لنفسها بصوتٍ خافت: 
ليه حاسة إنه حقيقي. 
_ طب ما حصل حقيقي
هكذا ذكرت نفسها.. 
حتى وإن أرادت النسيان، هنالك هاجس يسيطر عليها.. 
ابتلعت ريقها بصعوبة، وسحبت الغطاء تلتف به حول جسدها، كأنها تحتمي به من شيءٍ غير مرئي... اغمضت عينيها للحظة، لكن الصورة عادت… اقترابه… نظراته… ذلك الإحساس بالعجز... والضعف.. 
فتحت عينيها سريعًا،كأنها تهرب.
في الخارج…
كانت والدتها تفتح الباب، تتبادل حديثًا عابرًا مع الطارق، بينما داخل الغرفة كانت سديم تعيش صراعًا آخر تمامًا... 
نهضت من الفراش بتردد، قدماها بالكاد تحملانها…
اتجهت نحو المرآة، توقفت أمامها، تحدق في انعكاسها بوجوم.
رفعت يدها تتحسس وجهها، رقبتها… كتفيها…
كأنها تتأكد أنها بخير… أنها ما زالت هنا… لم يمسها شيء... لكن فجأة…تجمدت... عيناها اتسعتا وهي تلاحظ أثرًا خفيفًا على بشرتها… كأنه ضغط أصابع… أو ربما مجرد وهم.. 
اقتربت أكثر من المرآة، قلبها يعود للركض تتحسس عنقها بجنون: 
لا… لا… العلامات دي ليه مش عاوزه تروح. 
تراجعت خطوة للخلف، رأسها يدور بالأفكار، بين إنكار وتصديق.
وفي نفس اللحظة انفتح باب الغرفة 
التفتت سديم بفزع، لتجد والدتها تقف عند الباب، ملامحها تغيرت حين رأت حالة ابنتها.
قالت بقلق واضح: 
علامات إيه يا سديم؟ مالك يا حبيبتي… شكلك مرعوب كده ليه. 
لم تُجب فورًا… فقط ظلت تحدق بها، وكأنها تحاول التمسك بشيءٍ حقيقي في هذا العالم.. 
ثم اندفعت نحوها فجأة، وارتمت في حضنها بقوة... تشبثت بها كطفلة خائفة، وهمست بصوتٍ مرتجف: 
ماما... 
ضمتها والدتها سريعًا، تربت على ظهرها بحنان وتفوهت باستغراب: 
مالك يا سديم، أحوالك فى الفترة الأخيرة متغيرة.
أغمضت سديم عينيها داخل أحضانها…
لكن داخلها… لم يكن هناك أي شعور بالأمان.
كان هناك شيءٌ غامض…شيء بدأ يُثير الخول في قلبها... وصورة واحدة أصبحت مرافقة لذلك المُستغل. 
❈-❈-❈
بتلك الشقة الخاصة بـ جلال...
انزعج حين تكرر رنين الهاتف، زفر بضيق وهو ما يزال غارقًا بين بقايا النعاس، مد يده بتثاقل يلتقط الهاتف من جوار الوسادة، وضعه إلى أذنه دون أن يفتح عينيه، وتمتم بصوتٍ أجش:
ألو...
جاءه الصوت من الطرف الآخر متوترًا، متلاحق الأنفاس: 
جلال بيه... لازم تصحى حالًا، في مشكلة كبيرة.
فتح عينيه دفعة واحدة، واختفى أثر النعاس كأن لم يكن، اعتدل في جلسته واضعًا قدمه على الأرض، ونبرته تحولت للجدية الحادة:  اتكلم... إيه اللي حصل. 
ساد صمت لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد: 
 ملف المناقصة بتاع وزارة الاسكان إتسرب. 
تجمدت ملامحه، وضاق بؤبؤاه بخطرٍ يتشكل، مرر يده في شعره للخلف وهو ينهض واقفًا:  إزاي ومين اللي سرب الملف. 
أجابه: 
لسه مش واضح... بس في شكوك.
قبض على الهاتف بقوة حتى ابيضت مفاصله، وصوته خرج منخفضًا لكنه يحمل تهديدًا صريحًا: 
 اقفل كل حاجة... ومحدش يتحرك غير لما أوصل. 
أغلق الخط دون انتظار رد، ظل واقفًا للحظة يحدق في الفراغ، ثم اندفع نحو حمام غرفته...
وقف أسفل المياه، تركها تنهمر فوق رأسه حتى بدأت تميل للبرودة، لكنه لم يتحرك. أغمض عينيه، وأسند كفيه على الجدار أمامه، وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا... 
لم يكن الغضب بسبب ضياع الملف وحده... ولا حتى بسبب الاتصال المزعج الذي انتزعه من نومه بعنف...
بل كان هناك شيء آخر... شيء أعمق، 
ذلك الحلم..وتلك الضبابية التي أصبحت ساكنة مضجعة منذ تلك الليلة،يشعر كأن جسده الذي كان يلتصق بإمرأة مختلفة كل ليلة،أصبح يرفض إقترابهن..بل يشمئز منهن...ماذا فعلت به منذ تلك الليلة هل ألقت عليه سحرًا... 
زفر بحدة، ومرر يده على وجهه المبلل، كأنه يحاول محو أثرها... لكن دون جدوى.
ما زالت صورتها عالقة... بل حاضرة بقوة غريبة...
تمتم بصوتٍ منخفض، يحمل ضيقًا حقيقيًا:  إيه اللي حصل لي...ليه شاغلة بالي.
زفر نفسه بحِيرة يلوم نفسه
هو الذي اعتاد أن يبدل فى النساء كما يبدل ملابسه، أصبح فجأة ينفر... يبتعد... بل ويشمئز..
حتى لمسة عابرة أصبحت تثير بداخله ضيقًا غير مبرر... فتح عينيه ببطء، ورفع وجهه نحو اندفاع الماء، كأنه يعاقب نفسه أو يحاول أن يستفيق من شيءٍ لا يفهمه... همس بسؤال: 
مش معقول... ده ولا كأنها سحرت لك. 
تردد صوته هذه المرة، ممتزجًا بحيرة حقيقية:
 عملت فيا إيه بس من ليلة واحدة. 
توقفت يده في الهواء لثواني قبل أن يقبضها بقوة، وملامحه تشددت:
ولا سحر إيه... أنا مش عيل.
لكن رغم إنكاره...
كان يشعر أن الأمر أكبر من مجرد صدفة.
أغلق المياه فجأة، وبقي واقفًا للحظة، الماء يتساقط من جسده، وعيناه شاردتان في الفراغ... كأنه يحاول استرجاع كل تفصيلة... كل إحساس.
ذم نفسه وإستوعب قائلًا: 
أكيد الشعور ده عشان لأول مرة في حياتي...اقابل شخص ومقدرش أسيطر عليه. 
مد يده وأغلق الصنبور بعنف، فعمّ الصمت فجأة، ولم يبقى سوى صوت أنفاسه المتقطعة. وقف لثوانٍ ثابتًا، الماء ينساب من جسده، ونظراته معلقة في نقطة وهمية كأنه يحاول الإمساك بتفصيلة هاربة... من تلك الليلة...كل لحظة حاول استرجاعها، ضغط على ذاكرته بعناد،  ظلها وهي تبتعد، دفء لمسهـا، ورائحتها التي مازالت عالقة لا يعرف لها اسمًا... كأنها مزيج ضبابي صُنع خاص بها لكن لم يتلاشي من فؤاده.. 
وسؤال بعقله: 
لماذا ذهبت ذلك اليوم الى الجامعة... لماذا شعرت بالضيق حين إقترب ذلك السمج منها.. لما ترجلت من السيارة وناديت عليها... 
لكن هنالك سؤال أهم: 
أين أختفت مع ذلك السمج وقتها. 
ضغط على فكه بضيق، وحاول نفضها عن تفكيره قائلًا : 
كفاية، كفاية تفكير فيها إنت لو فضلت عالحاله دي هتدخل فى مرحلة الهوس.. إنت بس عشان أول ست تعارض رغبتك. 
هكذا اقنع ذاته ... جذب المنشفة بعصبية، جفف شعره بسرعة، ثم ارتدى ملابسه على مهل،ينثر عطره ببرود   يهرب من أفكاره قبل أن تبتلعه... لكنه ما إن وقف أمام المرآة، حتى توقف.
نظر لنفسه مطولًا... عينيه تحملان شيئًا غريبًا لم يعتده.. بالتأكيد ليس ضعفًا... لكن إحساس مجهول...
التقط مفاتيحه وهاتفه، واتجه نحو الباب، فتحه بهدوء وكأنه يقرر الهروب للأمام بدل الوقوف مكانه.
ومع أول خطوة خارج الشقة، عاد الى ذلك القاسي ...زفر نفسه بقوة، يسير هالة معه 
توقف في الممر، قبض على الهاتف بين يده، ثم ضغط رقمًا سريعًا.
 أيوه... عايز تسجيل كل كاميرات اللي فى الشركة  تتراجع... أي تفصيلة، أي وش غريب... يتجاب.
جاءه الرد من الطرف الآخر: 
حاضر يا جلال بيه.
أنهى المكالمة، وعيناه اشتعلتا بإصرار تمرُد،فهو ليس شخص  عاطفي لتتحكم به ليلة.
 بعد ودقائق.. دلف فريد إلى غرفة مجلس الإدارة، شعر بحقد حين رأي جلال يترآس طاولة الإجتماعات... نظر جلال له بشموخ وغرور... لكن لوهلة تهكم فريد وهو يتوجه نحوه قائلًا  بنبرة شماتة مُبطنة: 
هتعمل إيه دلوقتي  فى المصيبة اللى حصلت دي...  راشد مكنش لازم يسافر فى الوقت ده، 
لم يلتفت له جلال... لكن تحدث بنبرة باردة: 
مصيبة إيه يا فريد بيه أنا مش فاهم بتتكلم عن إيه بالظبط. 
يعلم أنه يكسب لقب رجل الثلج فى ردود افعاله لكن اليوم لن يُفيده ذلك البرود... وأخطأ حين قال: 
وفي مصيبة أكبر من ضياع ملف مناقصة وزارة الإسكان،مكنش لازم تحفظة على اللابتوب..بتاع الشركة...حتى النسخة الورقي اللى كانت هتتسلم فى الوزارة كمان ضاعت هنعمل ايه،النهاردة آخر يوم فى تقديم العروض،كلها كام ساعة والتقديم يقفل. 
ببرود تبسم جلال بسمة رتيبه: 
متقلقيش قدامنا وقت... 
قاطعة فريد بغضب: 
وقت قد إيه بقولك مصيبة... وبعدين مين اللى قدر يعمل كده، ويحذف الملف من على الابتوب بتاع الشركة، اللى قدر يعمل  كده النعاردة سعل بكره يخترق كل ملفات وحسابات الشركة. 
غباء... غباء مفضوح، دون أن يبحث عن من فعل ذلك أمامه الدليل القاطع... تبسم بسخرية، وبدأ يراوغة، والأحمق يسقط سريعًا  ينكشف... 
فى أثناء جدالهم دلف مهند الى الغرفة مُبتسمً يقول بإعتذار: 
بعتذر عالتأخر، الطريق زحمة.
ابتسم جلال، بينما نظر مهند نجو فريد قائلًا: 
إزي حضرتك يا فريد بيه. 
أجابه بنزق: 
حالي هيكون ايه بعد حذف وضياع ملف المناقصة. 
-مناقصة ايه. 
هكذا تسأل مهند وهو بنظر لـ جلال... الذي تبسم، بينما تفوه فريد بغضب يخبره، إندهش مهند قائلًا: 
ملف ايه اللى اتحذف ولا ضاع، الملف متقدم لوزارة الاسكان من يومين، وأنا مسلم جلال فلاشة عليها الملف كامل، يعني ملف المناقصة مكنش مثبوت عالابتوب هنا. 
صدمة، ما بعدها صدمة، لو انسكب سطل مياة مثلجة عليه الآن لكن يشعر به أبرد من ذلك الشعور الذي يُجمد جسده. 
نظر له جلال بتعالٍ خفيف، وابتسامة واثقة ارتسمت على شفتيه، ثم قال بنبرة ثابتة:
متقلقش يا عمي... أكيد أنا مكنتش هسيب ملف مهم زي ده على لابتوب سهل اختراقه.
صمت لحظة، متعمد ثم عاد يقول
 وهو بيشبك يداه ببعضهما: 
الملفات المهمة... لها مكان تاني.
ارتسمت ملامح الدهشة على وجه فريد بصعوبة نطق بسؤال: 
 يعني إيه. 
مال جلال برأسه قليلًا، وعينه لمعت بدهاء مفسرًا:
 يعني اللي اتاخد... مش غير قشرة فاضية.
اتسعت عينيةفريد وقبل ان يتحدث
قاطعه جلال بابتسامة أوسع، فيها قدر من الغرور: 
النسخة اللي كانت على اللابتوب منقوصة... ومقصوص منها أهم البنود. 
نهض وأقترب منه وتحدث بصوت أخفض:
وحتى الورق اللي ضاع... متسابش كده عبث.
ابتلع فريد ريقه متسألًا: 
طب والنسخة الكاملة. 
 لف جلال المفتاح  بين أصابعه بثقة
سادت لحظة صمت، قطعه جلال قائلًا: 
الإجتماع إنتهي كل اللى إتناقشنا فيه فى الاجتماع يتنفذ مش عاوز كسل... ولا تقاعص. 
نهض الجميع، بينما  وقف جلال  لحظة نظر له  قبل أن يخرج، قائلّا بنبرة تحذيرية:
هنشوف مين كان بيلعب... على أساس إنه أذكى. 
غادر جلال ومعه مهند بينما ظل فريد واقفً كمن على رأسه الطير والجميع يغادر من جواره... حماته كشفت خباثته. 
❈-❈-❈
بعد قليل 
بمكتب جلال، ارتفع صوت ضحكاته هو ومهند، ضحكٌ قصير لكنه ممتلئ بثقة ساخرة، قبل أن يقول مهند وهو يهز رأسه باندهاش:
— عمّك ده ياخد جايزة أفضل مغفّل… مش فاهم ليه بيحاول يفتعل أخطاء مش مدرك إن أي ضرر للمجموعة ضرر ليه هو نفسه، باعتباره شريك بنسبة أسهم... 
انحنى جلال قليلًا على مكتبه، وابتسامة جانبية باردة ارتسمت على شفتيه، ثم رد بهدوء محسوب:
 غباء منه… هو فاكر إن اللعبة كلها في الأرقام.
توقف للحظة، ثم رفع نظره ببطئ قائلًا:
 بس الحقيقة إن غرضه أنا.
توقف مهند عن الضحك تدريجيًا، ونظر له بتركيز سائلًا: 
إنت تقصد إنه بيستهدفك شخصيًا. 
أمال جلال رأسه قليلًا، وعينيه ضاقت بنظرة فهم أعمق قائلًا:
 طول عمره شايف إن وجودي تهديد ليه… مش بس في الشركة، في كل حاجة.
ثم أضاف بنبرة أخفض لكنها أكثر حدة: 
وهو فاكر إن أي خطأ يوقعني، حتى لو كلفه خسارة له  نفسه... مش مهم. 
اعتدل في جلسته، وأغلق الملف أمامه بحركة بطيئة: 
 بس اللي مش واخده في حسابه…
 إن اللي بيحفر لي حفرة… لازم يكون عارف إنه ممكن يقع فيها الأول.
ساد صمت قصير، قبل أن يقطع جلال الهدوء بنبرة حاسمة: 
خلينا نركز في المناقصة… الباقي يتساب لوقته.
بنفس الوقت تفاجئ الإثنين بفتح باب المكتب، وقبل أن تدخل سبقتها رائحة عطرها الفواحة... نظر الإثنين نحو الباب.. لم يتأثر جلال لكن تأثر مهند ينظر بإعجاب واضح. 
❈-❈-❈
اسبانيا
ما إن انتهي  من تمرينه الروتيني، حتى جذب حقيبته الرياضية واتجه نحو بوابة ساحة التدريب.. كان جسده متعبًا، لكن عقله ظل يقظًا، مثقلًا بشيء لا يعرف له اسمًا... فجأة هو يسير، توقفت قدميه... كأن قوة خفية جعلته للحظات يلتصق فى مكانه وهو ينظر  هناك… على بُعد خطوات، وقعت عيناه على مشهدٍ أشعل داخله نارًا دفينة... زوجته… تقف قريبة بشكل أكثر مما ينبغي من أحد مسؤولي النادي، تتغنج بخفة وهي تتحدث، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيها... لم يكن المشهد عابرًا، ولا بريئًا كما حاول أن يقنع نفسه في لحظةٍ خاطفة... 
اجتاح عقله غضب عارم، تداخل مع وخز قاسي من الندم، وكأن شيئًا بداخله يُسحب بعنف... اشتعلت نخوته، وتقدم طبع الرجل الشرقي في داخله ليتحكم بكل ذرة من كيانه... ألقى الحقيبة أرضًا دون وعي، وانطلق نحوهما بخطوات حادة، تكاد تطرق الأرض طرقًا... 
توقف أمامهما فجأة، حضوره كان صادمًا بما يكفي ليقطع حديثهما... التفتت إليه زوجته، واتسعت عيناها لوهلة،يرتجف قلبها.. بينما اعتدل الرجل الآخر في وقفته محاولًا الحفاظ على هدوئه.
نظر لها بغضب واضح قائلًا بالاسبانية بصوت خشن، مكبوت الغضب: 
إنتِِ بتعملي إيه هنا فى النادي، واقفة هنا ليه. 
تلعثمت قليلًا، ثم قالت محاولة التماسك: 
لا شيء كنت واقفة فقط. 
تدخل المسؤول بابتسامة سمجة : 
أهلًا بك كابتن حسين كنت أنا وزوجتك نتحدث أنك مكسبً للنادي. 
قاطعه بنظرةٍ حادة، وصوتٍ أكثر صرامة: 
لما تتدخل فى الحديث بيننا أنا أتحدث مع زوجتي... لا شآن لك بذلك. 
سادت لحظة صمت ثقيل، قبل أن ترفع رأسها نحوه، بنبرةٍ لم تخلو من التحدي: 
وماذا فعلت خطأ، أنا فقط أتحدث معه فى عمل خاص. 
انفرجت شفتاه عن ضحكةٍ ساخرة، خالية من أي دفء: 
عمل...عمل بتلك الوقفة وذلك الالتصاق. 
اقترب خطوة، حتى صار صوته أقرب للهمس، لكنه أشد وقعًا: 
لا تختبري صبري. 
اشتدت ملامحها، وقالت بعناد: 
وأنا لا أقبل أن تتكلم معي بهذا الشكل الفج. 
نظر إليها طويلًا، بنظرةٍ اختلط فيها الغضب بشيءٍ أعمق… خذلان ربما، أو جرحٍ لم يُفصح عنه. ثم تراجع خطوة، التقط حقيبته من الأرض بعنف، واستدار مغادرًا دون كلمةٍ أخرى.
خلفه، بقي الهواء مثقلًا بالتوتر، وصدى المواجهة عالقًا في المكان… كأن شيئًا انكسر، ولن يعود كما كان... بكل خطوة يلوم نفسه من أجل ماذا خسر جزء من نخوته، لكن لن يدعها هكذا يكفي... 
خرج من بوابة النادي بخطواتٍ متسارعة، كأن الهواء نفسه صار خانقًا لدرجة لا تُحتمل. لم يكن الغضب وحده ما ينهش صدره، بل ذلك الشعور المربك الذي يتسلل خلفه دائمًا… الخذلان... 
ضغط على مقبض حقيبته بقوة حتى ابيضت مفاصله، ثم أوقف السيارة بعنف كاد يلفت أنظار المارة... جلس خلف المقود لثوانٍ طويلة، يحدق في الفراغ، قبل أن يضرب عجلة القيادة بكفّه ضربة مكتومة.
_ ليه 
 همسها لنفسه أكثر مما هو سؤال.
لم يكن غريبًا عليه أن يغضب… لكن الغريب أن صورتها وهي تقف هناك، بثباتٍ لم يفهمه، كانت أكثر إزعاجًا من المشهد ذاته. كأنها لم تعد تبالي.
في المقابل…
داخل النادي، بقيت واقفة في مكانها بعد أن اختفى من أمامها... صدرها يعلو ويهبط ببطء، تحاول أن تُعيد ترتيب أنفاسها قبل أن يفضحها ارتجافها. لم تكن خائفة منه… بقدر ما كانت غاضبة من طريقته... 
التفت إليها المسؤول محاولًا كسر التوتر بابتسامة خفيفة: 
يبدو أنه شديد التملُك. 
رمقته بنظرة باردة، قاطعة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم: 
لا تتدخل فيما لا يعنيك.
ثم استدارت وغادرت دون أن تضيف حرفًا... 
في السيارة ، كان يقود دون وجهة واضحة... المدينة تمر بجانبه كظلال باهتة، وكل ما في رأسه يعيد المشهد نفسه بلا توقف. قربها منه… حديثها… تلك النظرة التي لم يعرف كيف يفسرها... 
لكن ما لم يعترف به، حتى لنفسه، أن الغضب لم يكن وحده ما يشتعل داخله.
كان هناك صورة خذلان قديم، يعود كلما شعر أن شيئًا يقترب من أن يُنتزع منه مرة أخرى... 
ضغط على مكابح السيارة  فجأة عند إشارة حمراء، وأغمض عينيه لحظة طويلة، كأنه يحاول إسكات الضجيج داخله... ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، خافتًا:
مش هسمح الماضي يتكرر… مش تاني.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عنها وحدها… بل عن كل ما ترك فيه أثرًا سابقًا ولم يلتئم بعد.
لكن ما لم يكن يعلمه، أن المواجهة لم تنتهِ بعد… وأن الخطوة القادمة ستكسر صمتهما معًا، بطريقة لن يستطيع أي منهما تجاهلها.
❈-❈-❈
بـ ڤيلا راقية 
بغرفة جانبية بالحديقة تُشبة ورشة صغيرة، 
إنتهت من صب تلك القطعة النُحاسية، اصبحت شكلًا مُبهر، من يراها لو لم يكن لدية خبرة لقال أنها قطعة ذهبية أثرية، 
لكن سُرعان ما شعرت بالضجر من تكرار رنيين الهاتف.. 
مسحت كفيها بقطعة قماش خشنة وهي تتأمل انعكاس الضوء على السطح النحاسي المصقول حديثًا، كأنها تحاول أن تلتقط منه شيئًا من الرضا… لكن الشعور كان أبعد ما يكون عن ذلك.
أطلقت زفرة قصيرة، ثم خلعت قفازي العمل بإهمال، قبل أن يمتد صوت الهاتف من جديد، هذه المرة بإصرارٍ أكثر حدة..
رمقته بنفاد صبر، ترددت لثواني، ثم التقطته أخيرًا.
أيوه.
 خرج صوتها جافًا.
على الطرف الآخر، جاء صوت مألوف، رغم غضبه من تجاهلها الرد،لكن ابتلع ذلك قليلًا قبل: 
 مش بتردي ليه... اتصلت عليكِ اكثر من مرة. 
مسحت جبينها الملوث ببقايا الغبار المعدني. قائلة بغرور: 
كنت شغالة… في إيه. 
تضايق الآخر قائلًا: 
فى ان تصميم  بطاقات دعوات الفرح بتاعنا تقريبًا جهزت .. يعني المفروض إننا فى التجهيزات النهائية. 
تباطئت أنفاسها للحظة، وكأن الكلمات لم تدخل أذنها من الأساس... 
خفضت عينيها نحو الطاولة أمامها، حيث تتناثر أدواتها المعدنية، ثم ردّت بصوت أهدأ لكنه مشدود:
فرحنا. 
على الطرف الآخر، جاء صوته أكثر ثباتًا، كأنه يحاول تثبيت شيء يتفلت منه:
أيوه… فرحنا. إنتِ كنتِ موافقة من الأول، إيه اللي اتغير دلوقتي. 
ابتسمت بسخرية خفيفة، غير مرئية له لكنها واضحة في نبرة صوتها:
ولا حاجة اتغيرت… بس واضح إنك مستعجل. 
ساد صمت قصير، قبل أن يرد بنفاد صبر مكتوم:
أنا مش مستعجل، أنا بحاول نخلص كل حاجة بشكل محترم. الناس بدأت تسأل، وأهلي كمان. 
رفعت رأسها قليلًا، امتلأت عينيها بنظرة باردة ارتسمت في عينيها وهي تحدق في الفراغ قائلة بنبرة غرور:
والناس وأهلك أهم من رأيي أنا. 
توقف للحظة، وكأن السؤال أصابه في موضع غير مريح.
ثم قال بهدوء أقل حدة:
مش قصدي كده… بس إنتِ عارفة إن الموضوع مش بسيط.
أغمضت عينيها لثانية، ثم اعتدلت واقفة، ومسحت على الطاولة بكفها ببطء، كأنها تمحو الفكرة نفسها.. قائلة ببرود محسوب.: 
تمام… خلينا نمشي في التجهيزات. 
بس متستناش مني أكون نسخة من الصورة اللي في دماغك.. 
ابتلع غرورها، بينما هي أغلقت الاتصال... كادت تُغلق الهاتف، لكن وقع بصرها على خبر منشور على أحد المواقع الشهيرة، وجملة العنوان لفتت نظرها
"نجاح جديد لأحد لاعبين كُرة اليد المحترف بأكبر نوادي أسبانيا، فوزه بلاعب الموسم، جاء ذلك بعد فترة وجيزة من زواجه من أسبانية.. يبدوا أنها تميمة حظه. 
إنتهت من قراءة ذلك العنوان الطويل.. تهكمت بسخرية قائلة جملة واحدة: 
إنتهازي وبيعرف يستغل الفرص. 
نظرت نحو الخارج، كانت الشمس تميل نحو الغروب، لكن داخلها كان هناك شيء أبرد بكثير من ضوء النهار الأخير.
❈-❈-❈
بشقة والدة سديم
أغلقت سديم الهاتف، ثم عادت تتمدد على الفراش تتثائب، نظرت لها سنا قائلة: 
غريبة إن اتصال مدحت خلص بسرعة كدة، ده رغاي وبياع كلام. 
تثائبت سديم قائلة: 
مش عارفة سبب لعدم راحتك لـ مدحت، رغم أنه شخص محترم. 
تهكمت سنا قائلة  بتكرار: 
محترم... بمكن، معرفش انا مش برتاح له بحسه شخص وصولى، والدليل انه بيرغي كتير، بس سيبك، سمعت كلمةحفلة، حفلة ايه. 
أجابتها: 
حفلة فى نقابة المحامين، تقريبًا زي عيد سنوي، قالي إن هيبقى فيه صاحب المكتب اللى بيشتغل فيه، وقالى ممكن تكون فرصة أتعرف عليه، كمان يمكن يختارني من اللى بيدربوا عنده، تبقى فرصة كبيرة ليا، ده كان أستاذ فى الجامعة، كمان شارك فى صياغة قوانين كتير فى البلد... قالي إنه كل سنه بيختار مجموعة من المتفوقين ويضمهم لمكتبه، وهو مدحت إنضم كده. 
تهكمت سنا  بسخرية قائلة: 
طب هتروحي معاه لوحدكم. 
نظرت سديم لها قائلة: 
هحاول أقنع ماما، الحفلة بتخلص بدري. 
أومأت سنا ببسمه قائلة: 
إحذري من مدحت حساه بيعمل كده لهدف فى راسه، مش عشان جيران. 
ضيقت سديم عينيها باستفسار سائلة: 
وايه الهدف ده. 
أجابتها بتوضيح: 
إنتِ، شكله معجب ويمكن بيرسم على خطوبة ولا... 
قاطعتها سديم: 
أكيد لاء، الفكرة مش فى دماغي
- بس يمكن في دماغه هو. 
هكذا قالت سنا، شعرت سديم بوخزات قوية فى قلبها سهمت قليلًا، هزت راسها برفض قاطع، ففكرة الزواج أبعد ما تكون عن رأسها، كيف ستواجه أنها لم تعُد عذراء. 
تثائبت وهي تهز رأسها تسحب الدثار ، ضحكت سنا بلا قصد بمزح قائلة: 
من شوية كنت بترجعي،وقولتي قرفانه من الأكل،ودلوقتي  عاوزه تنامي...حتي بقيتي بتنامي كتير  كدة زي.... الحوامل.
"زي الحوامل" 
جملة اخترقت قلبها كرصاصة إنفجرت فى صدرها، تشعر كأن قلبها توقف، هو توقف بالفعل، يديها إرتعشت وتذكرت موعد عادتها الشهرية لقد مضي على ميعادها الدوري أكثر من شهر 
أيعقل... أن تكون حقًا حامل.. 
لو كان ذلك صحيح ستكون كارثة ساحقة لها. 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا