رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الخامس 5

في غرفتها، كانت ياسمين تقف أمام المرآة، لكنها لم تكن ترى انعكاس صورتها المعتادة، بل كانت ترى امرأة جديدة ولدت من رحم تلك اللحظة الفارقة في الشركة. كانت نبضات قلبها تعزف لحناً من الفرح والترقب؛ فهذه هي المرة الأولى التي تنتظر فيها "عريساً" جاء باختياره الكامل، وبإرادةٍ حطمت كل القيود. لم تكن "جلسة تعارف" باردة كالتي اعتادت عليها في زواج الصالونات، حيث تضطر لتمثيل دور الفتاة الخجولة وهي تحمل همَّ إعجاب الطرف الآخر بها، أو قلقها من رفضه والبحث عن مبررات لا تُغضب "الخُطّابة" أو الأهل. اليوم، العريس هو عبد الرحمن، الرجل الذي انصرف من ساحة الشركة بطريقةٍ تفوق الخيال، محولاً محاولة "جمال" لتشويه سمعتها إلى أكبر انتصارٍ في حياتها. تذكرت بابتسامةٍ حالمة ما حدث بعد ذلك اليوم؛ حين حاولت في اليوم التالي أن تعاتبه بلومٍ رقيق، ظناً منها أنه قال ذلك فقط ليُخرس لسان جمال وينقذ موقفها، لكنها صُدمت برد فعله. يومها، لم يبتسم أو يجامل، بل انفعل عليها بصدقٍ زلزل كيانها، مؤكداً لها أن كلماته لم تكن "تمثيلية" أو مجرد شهامة عابرة، بل كانت إعلاناً عما يجيش في صدره منذ مدة.
"ياسمين، أنا مش بطل سينما عشان أمثل دور المنقذ.. أنا قولت اللي قولتُه لأني فعلاً عايزك، وعايزك بكل جوارحي!"
هكذا قالها، ولم يكتفِ بالقول؛ ففي نفس اليوم، اتصل بوالدها "رشدي" بصوتٍ يملؤه الوقار والثبات، ليحدد موعداً رسمياً للمجيء مع أهله، وكأنه يسابق الزمن ليثبت لها وللعالم أن حبه لها "فعلٌ" قبل أن يكون "قولاً". وضعت ياسمين اللمسات الأخيرة في زينتها، وهي تشعر بخفةٍ غير معهودة. كانت تتخيل وجه "جمال" الآن وهو يغلي من القهر، ووجه "سما" التي لم تستوعب بعد كيف تحولت أختها "المنطوية" إلى زوجةٍ لرجلٍ تمنته هي لنفسها. قطع تفكيرها صوت جرس الباب الذي دوى في أرجاء الشقة.. تجمدت يدها للحظة، ثم ارتسمت على ثغرها أجمل ابتسامة؛ فقد وصل الرجل الذي حوّل أحلامها إلى حقيقة، وجاء ليأخذها من شتات نفسها إلى رحاب أمانه
ولكن خاب املها وتحولت لهفتها إلى طعنة في صدرها؛ بعدما وقفت خلف باب غرفتها، مواربةً إياه بفتحة صغيرة تكفي لمرور نظراتها المشتاقة، تتلهف لرؤية طلعة عبد الرحمن وهو يدخل بيتهم كفارسٍ جاء ليخلصها. لكن الصدمة جمدت الدماء في عروقها حين رأت "الوجه القبيح" لجمال وهو يخطو داخل الصالة بخيلاء مستفز، وكأنه صاحب البيت، يستقبله والدها "رشدي" بترحيب حار وحفاوة مبالغ فيها..
ف تراجعت للخلف وهي تضرب الأرض بقدميها من فرط الغيظ والقهر، شعرت أن جمال كالظل الأسود الذي يصر على تلويث كل لحظة جميلة في حياتها. وفي تلك اللحظة، اندفعت والدتها "اعتدال" إلى الغرفة، والضيق يرتسم على وجهها هي الأخرى، لتسألها بنبرة حادة ممزوجة بالتعجب: 
ـ "جرى إيه يا ياسمين؟ بتخبطي رجلك في الأرض كدة ليه؟
ردت ياسمين بجدة مدفوعة بغضبها:
ـ إيه اللي جاب البني آدم ده هنا النهاردة؟ هو خلاص اتكتب من عيلتنا، كل حاجة حاجة حاشر نفسه فيها؟"
ـ وفيها ايه يا بنتي مش خطيب اختك . 
قالتها اعتدال بسهولة ضاعفت على ياسمين التي عارضتها بصوت  مخنوق:
ـ وافرضي خطيب الزفتة اختي. برضو يجي ليه ؟ انا متأكدة أن  غراب البين ده مش هيسكت غير لما يبوظ الليلة. 
ـ ليه بس يا بنتي الفال الوحش ده
تمتمت بها اعتدال بيأس، ثم حاولت تهدئتها رغم أنها كانت تشاركها نفس الشعور:
ـ "أبوكي اللي صمم يا ياسمين ، قال ده خطيب أختها وكبيرها ولازم يحضر، وأنا مقدرتش أفتح بوقي قدام سما وفرحتها بوجوده. اهدئي بقى وامسحي دموعك، مش عايزين عبد الرحمن وأهله يشوفوكي كدة."
في الخارج، كان صوت ضحكات جمال السمجة يصل إلى مسمع ياسمين، وهو يتبادل أطراف الحديث مع رشدي، وكأنه يستعد لجولة جديدة من الخبث. وفي تلك الأثناء، دوي جرس الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت الرنة مختلفة، رنة تحمل وقاراً وهيبة؛ لقد وصل عبد الرحمن وعائلته.
.............................
اقتحمت سما الغرفة بلهفةٍ طائشة، لم تلمح دموع الغيظ في عيني ياسمين ولا نظرات الأم القلقة، بل كان كل همها "المنظر العام" الذي أبهرها، فصاحت وهي تلوح بيديها: ـ "يا ياسمين.. يا ماما! قوموا بسرعة، عبد الرحمن وأهله وصلوا.. يا خبر على الشياكة! ناس لابسين بدل وفساتين حاجة آخر حلاوة، والبرستيج إيه.. ملوكي!" 
التفتت اعتدال لابنتها ياسمين بلهفة الأم التي تريد لليلة أن تمر بسلام، وقالت وهي تدفعها برفق نحو المرآة: ـ "سمعتي يا ياسمين؟ قومي يا بنتي بسرعة، رجعي الروح لوشك وظبطي نفسك.. وأنتِ يا سما، ياللا يا حبيبتي روحي حضري صينية العصير والحلويات اللي جهزناها، مفيش وقت."
لكن سما، وبمنتهى عدم المسؤولية، ردت وهي تتجه نحو خزانة ملابسها ببرود: 
ـ "أحضر إيه يا ماما؟ أنا لسه هغير هدومي وألبس حاجة تليق بالناس الشيك اللي بره دي.. مش هطلع كدة أكيد!" خرجت سما من الغرفة تاركةً خلفها نظرات استغراب حارقة من أمها وياسمين؛ ففي الوقت الذي كان يجب أن تسند فيه أختها، لم تفكر إلا في مظهرها الشخصي. تنهدت اعتدال بيأس وخرجت هي الأخرى لتدارك الموقف وتجهيز الضيافة، تاركةً ياسمين وحيدة أمام مرآتها. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين ببرودة تسري في أطرافها، ورجلاها بدأت تضربان بعضهما بعضاً من فرط التوتر والقلق. تلاشت صورة جمال القبيحة من خيالها ليحل محلها رهبة الموقف؛ فهي الآن أمام عائلة الرجل الذي أحبته، عائلة "عبد الرحمن" الذي رسمت له في خيالها صورة المثالية. أمسكت ياسمين بفرشاة الزينة بيدٍ مرتجفة، وأخذت تنظر لانعكاسها وهي تهمس بدعاءٍ نابع من أعماق قلبها: 
"يا رب.. يا رب اجعل لي في قلوبهم قبولاً، ولا تكسر خاطري قدام الناس دي، ولا تشمت فيّ جمال ولا غيره." استجمعت شتات نفسها، وحاولت أن تستمد القوة من وجود عبد الرحمن خلف هذا الباب، فهو الحصن الذي اختارها أمام الجميع، ولن يخذلها اليوم وسط أهله بأذن الله 
............................
خرجت ياسمين من المطبخ بخطواتٍ متعثرة، تحمل صينية العصير بيدين ترتجفان كغصنٍ في مهب الريح. كانت عيناها معلقتين بالكؤوس، تخشى أن تخونها قدماها أو تخذلها أعصابها فتسقط الصينية وتتحول ليلة عمرها إلى مأساة. لكن، وبمجرد أن رفعت بصرها نحو الصالون، تجمدت في مكانها؛ فقد خُطفت الأضواء منها قبل أن تبدأ.
رأت أختها سما تتمايل ببراعة أمام عائلة عبد الرحمن، بعد أن استبدلت ملابسها بفستانٍ باهر يفوق فستان ياسمين رقةً وتفصيلاً، ووضعت من مساحيق التجميل ما جعلها تبدو وكأنها هي "نجمة الليلة". كانت الصدمة الأكبر في رد فعل والدة عبد الرحمن، التي نهضت بلهفة وانبهار، والابتسامة تملأ وجهها وهي تظن أن هذه الجميلة المندفعة هي العروس، بينما استسلمت سما للدور ببراعة شيطانية، فأطرقت رأسها بتصنعٍ للكسوف دون أن تنطق بكلمة تصحح بها سوء الفهم، تاركةً السيدة تسبغ عليها عبارات المديح والإعجاب. شعرت ياسمين بغصةٍ مريرة شقت حلقها، وببرودة الموت تسري في عروقها. كانت في تلك اللحظة تتمنى لو تبتلعها الأرض أو تعود أدراجها وتختبئ في غرفتها للأبد، لولا ذلك الصوت القوي، الرزين، والحاسم الذي شق ضجيج المجاملات. نطق عبد الرحمن بلهجةٍ واضحة، فيها من الفخر ما جعل الجميع ينتبه، ومن الحزم ما وضع كل شخص في حجمه الحقيقي: 
ـ دي أختها المخطوبة يا ماما.. أما أنا عروستي القمر اللي جاية هناك أهي.
أشار بيده نحو ياسمين الواقفة بذهول، واتجهت الأنظار كلها إليها. كانت كلماته بمثابة "صفعة" رقيقة أعادت لسما صوابها، و"طوق نجاة" انتشل ياسمين من بحر انكسارها. نظر إليها عبد الرحمن بعينين تلمعان بالإعجاب والتشجيع، وكأنه يثبت لها أمام أهله وأمام "جمال" المتربص، أنها هي الوحيدة التي تملأ عينه وقلبه، مهما حاولت الأخريات سرقة الضوء. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين أن الصينية لم تعد ثقيلة، وأن قدميها ثبتتا على الأرض؛ فقد أنصفها الرجل الذي اختارته، ووضع حداً لتجاوزات أختها بكلمة واحدة جعلت دماء الخجل والانتصار تتدفق في وجنتيها من جديد ................................... 
كانت الجلسة تموج بتناقضات غريبة؛ فمن جهة، انطلق "رشدي" في ترحيبٍ مبالغ فيه، يتحدث عن نفسه وأمجاده الوهمية بزهوٍ مفرط، فاتحاً مواضيع جانبية لا طائل منها مع والد عبد الرحمن، ذلك الرجل الوقور الذي كان يشغل منصب مدير مصلحة سابق، والذي لم يجد هو وزوجته "ست البيت" الأصيلة بداً من الرد بابتساماتٍ مهذبة وقصيرة، رغبةً منهما في تجاوز هذه الشكليات والدخول في صلب الموضوع.
أما الصراع الصامت، فكان يدور في زوايا الغرفة: عبد الرحمن كان في عالم آخر، عيناه لا تفارقان ياسمين، يحيطها بنظراتٍ مطمئنة كأنه يعتذر لها عما تسببت فيه أختها. وفي المقابل، كانت ياسمين تكاد تذوب خجلاً وقلقاً؛ فنظرات والدة عبد الرحمن إليها لم تعد تحمل ذات اللهفة التي استقبلت بها سما في البداية، ربما بسبب الحرج الذي شعرت به السيدة من ذلك الموقف السخيف، أو لأن سما -بفعلتها- وضعت غشاوة مؤقتة على اللقاء.
وعلى الجانب الآخر، كانت سما تجلس كالجمر المشتعل، تأكل في نفسها من تجاهل عبد الرحمن التام لها بعد إحراجه العلني لشخصها. أما جمال، "السمج" كما تصفه ياسمين دائماً، فلم يكن مع خطيبته قلباً ولا قالباً؛ كان كل تركيزه منصباً على عبد الرحمن، يراقبه بعينين تملؤهما الغيرة والغل، محاولاً فهم سر تلك الثقة التي يتمتع بها هذا الرجل الذي جاء ليخطف الأضواء والأنظار في بيتٍ كان جمال يظن أنه السيد المطاع فيه
تنحنح والد عبد الرحمن ليقطع استرسال رشدي في الكلام، وقال بوقار وثبات:
ـ "يا حاج رشدي، إحنا يشرفنا ويسعدنا نطلب إيد الآنسة ياسمين لابننا عبد الرحمن، وأظن الشباب متفاهمين، وإحنا جينا النهاردة عشان نبارك التفاهم ده ونبقى أهل." هنا، التفت جمال فجأة، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها تبدو كـ "ناصح عائلي" لكنها كانت تقطر سماً، قال: ـ
"أكيد طبعاً يا فندم، بس يا ريت برضه نعرف نظام شغل الأستاذ عبد الرحمن إيه؟ أصلنا سمعنا إن نظام المكاتب عندكم فيه "انفتاح" شوية؛ ستات داخلة وستات خارجة.. هو شغل الهاند ميد ده تخصص ستات بس؟ مفيش رجالة؟ معلش يعني أنا بسأل بصفتي خطيب سما، ويعني ياسمين دي زي أختي.. ولا إيه يا عم رشدي؟"
ساد صمت مفاجئ وثقيل، وتعلقت الأنظار بعبد الرحمن الذي لم تهتز منه شعرة، بينما شعرت ياسمين أن الأرض تميد بها من وقاحة جمال الذي قرر ضرب الليلة في مقتلها. صمت رشدي ولم يعرف بما يرد، أما اعتدال فقد اشتعلت عيناها وهي تراقب الغضب والدهشة التي احتلت ملامح الضيوف، عكس ابنهم "عبد الرحمن" الذي تبسم بثقة، وقرر قصف جبهة المذكور بقوله:
ـ "بغض النظر عن تعميمك اللي مش مظبوط، لأن الشركة عندنا فيها رجالة طبعاً، بس أكيد مش قد عدد الستات لأن معظم تخصصات الهاند ميد في إيدهم.. لكن برضه أنا هجيب لك من الآخر: أنا لو شركتي فيها مية ست وأنا الراجل الوحيد وسطهم، ده شيء ميفرقش معايا لأني عارف أخلاقي كويس، وأظن إن ياسمين كمان عارفاها.. ولا إيه يا ياسمين؟" 
التقطت ياسمين السؤال لتخرج إجابتها مشحونة بالتحدي والقوة والغيظ، وهي تنظر لجمال باحتقار قبل أن تستقر نظرتها على عبد الرحمن بفخر: 
ـ "مش محتاج تسألني يا عبد الرحمن.. أنا في حياتي ما شوفت، ولا أظن هشوف، حد في أخلاقك العالية دي!"
أثلج رد ياسمين الحاسم قلب عبد الرحمن، الذي استند بظهره إلى الكرسي وهو ينظر لجمال بثقة مضاعفة، نظرة كانت بمثابة رصاصة رحمة لغروره الجريح. حتى والدة عبد الرحمن، التي كانت متحفظة قليلاً، بدأت ملامحها تلين وابتسمت لياسمين بإعجاب؛ فهذه الفتاة ليست رقيقة فحسب، بل هي "لبؤة" تدافع عن اختيارها بشراسة. أما جمال، فقد صار حرفياً "يخرج الدخان من أذنيه" من فرط الحريق الذي نشب في جوفه؛ فكلما حاول حفر حفرة لياسمين، ردمها عبد الرحمن وحولها إلى منصة تكريم لها. ضحك رشدي بارتباك وهو يحاول تلطيف الأجواء المشحونة: ـ
ـ "أكيد يا جماعة.. الجواب باين من عنوانه، والله بنتنا بتحلف بأخلاقك يا بني، وإحنا بصراحة ما نلاقيش أحسن منك." فتح جمال فمه، وعروق رقبته بارزة، ليلقي بسؤال مستفز آخر يفرغ فيه غله: ـ
ـ"أيوه بس يا عمي.. أنا كان قصدي يعني إن..." 
"اعتدال" لم تمنحه فرصة لنفث سمه مجدداً؛ فقاطعته بحزم وكأنها لا تراه أصلاً، موجهة حديثها لوالد عبد الرحمن:
ـ "أنا بقول ندخل في تفاصيل الخطوبة على طول.. الواد والبت شاربين بعض، وإحنا العيلتين موافقين ومباركين، يبقى هنستنى إيه تاني؟ ما تسمعونا صلاة النبي يا جماعة!" ارتفع صوت الجميع بالصلاة على النبي، وضاعت جملة جمال المبتورة في زحمة التأمين على كلام اعتدال. شعر جمال بمهانة لم يذقها من قبل؛ فقد أصبح "خيال مآتة" في الجلسة، بينما كانت سما تجلس بجانبه شاردة، تراقب هذا الاحتفاء بـ "ياسمين" التي كانت بالأمس القريب "المركونة" في البيت، واليوم هي ملكة الحفل.
كانت تلك الليلة بالنسبة لياسمين أشبه بحلمٍ وردي لم تستيقظ منه بعد، ليلةٌ فاقت بجمالها وتفاصيلها أبعد حدود خيالها. مرت الساعات بسلامٍ عجيب، وكأن القدر قرر أن يعوضها عن كل لحظة انكسار؛ فإعجاب أهل عبد الرحمن بها لم يعد مجرد "مجاملة"، بل صار حقيقةً ملموسة بعد موقفها القوي في الدفاع عن اختيارها، ذلك الرد الذي ألجم جمال وجعل والدة عبد الرحمن ترى فيها الزوجة الأصيلة والمناسبة لابنها. حتى طلبات والدها "رشدي"، التي كانت تخشى أن تكون تعجيزية، قُبلت بترحاب وكرم شديد من جانب عائلة عبد الرحمن، مما جعل الأمور تسير بيسرٍ لم تحسب له حساباً. والآن، وهي ممددة على فراشها، والهدوء يلف غرفتها، تحتضن هاتفها بابتسامةٍ لا تفارق ثغرها، تستمع إلى صوت عبد الرحمن الدافئ وهو يهمس لها بأعذب كلمات الحب والتقدير قبل أن تنام. قال لها بنبرةٍ تملؤها الثقة والمودة
ـ "عارفة يا ياسمين.. النهاردة أنا كنت فخور بيكي أكتر من أي وقت فات. وقفتك وردك خلوني ناقش ريشي كدة فى القعدة ولا سلطان زماني.
ما اعذب كلماته 
كان صوته يأتي اليها عبر الهاتف بمثابة الترياق الذي يرمم روحها، وهو يهمس لها بكلمات تقوي ثقتها بنفسها:
ـ "ياسمين، ماما وبابا من ساعة ما رجعنا البيت وهما مابطلوش كلام عنك.. عن أخلاقك وشجاعتك وجمالك الهادي، لدرجة إني بدأت أغير من كلام بابا عليكي يا ياسمين!"
ردت بنبرة ممزوجة بالخجل والقلق، تحاول التأكد من حقيقة ما تسمعه:
ـ "بجد يا عبد الرحمن؟ هما فعلاً عجبتهم ولا أنت بتقول كدة بس عشان تراضيني وتجبر بخاطري؟"
أجابها بيقينٍ يملؤه الحب:
ـ "بجد يا قلب عبد الرحمن.. ده كفاية إني اخترتك، ودي عندهم حاجة كبيرة قوي، أصل أنا كنت مطلع عينهم! كل ما يعرضوا عليا واحدة أطلع فيها عيب وأرفض، مفيش واحدة فيهم ملت عيني ولا لمست قلبي غير 'ياسمينتي'."
ضحكت ياسمين بامتنان، وشعرت بلهفة تغمرها لدلاله الذي لم تعهده من قبل:
ـ "كلمة 'ياسمينتي' دي منك لوحدها حكاية، وباقي كلامك بيخليني طايرة في السما.. أنت إزاي جميل كدة؟"
ـ "أنتِ اللي جميلة وقمر يا ياسمين، أنا مابجيبش حاجة من عندي، أنا بوصف اللي شايفه قدامي."
رغم فرحتها الشديدة، إلا أن غصةً في حلقها جعلتها تسترجع موقف "سما" المستفز وفستانها الباهر، فسألته بحذر عن انطباع والدته، فهي تظن أن الكفة مالت نحو "سما" بجمالها المبهر، لكن عبد الرحمن لم يغلب، بل أعطاها رداً أعاد لها قيمتها الحقيقية بعيداً عن المظاهر الفارغة كأختها:
ـ "يا ياسمين، الجمال اللي بيلفت العين في ثانية ده جمال وقتي، وماما ست واعية وتعرف تفرق. أنتِ بهرتيهم بكلمتك، وبأصلك، وبثباتك قدام جمال، وده أغلى بكتير من أي منظرة فاضية. أنتِ اللي مريحة للعين والقلب، أما اللي بيحبوا الاستعراض دول فآخرهم صورة 'ستوري' وتخلص، لكن أنتِ اللي هتبني معايا بيت وعمر." وهي بتدور على اللي تشيل اسم ابنها وتصون بيته. ماما انبهرت بيكي لأنك كنتِ 'حقيقية'، 
سكت لحظة وتابع بصوت أعمق وأكثر جدية:
ـ "سما أختك حلوة، محدش أنكر، لكنها جمال 'للعرض' فقط.. أما أنتِ يا ياسمين، فجمالك 'للحياة'. الفرق بينكم زي الفرق بين وردة بلاستيك شكلها مبهر بس مالهاش ريحة، وبين وردة بلدي ريحتها بتملا المكان وتعيش العمر كله. ماما شافت فيكي الزوجة، وشافت فيكي السند.. وبقولها لك بجد، هي لو خيروها بين ألف واحدة شبه سما، مش هتختار غير 'ياسمينتي' اللي رفعت راسي النهاردة."
انهمرت دموع الفرح من عيني ياسمين، لكن هذه المرة كانت دموعاً تطهر روحها من سنوات المقارنة الظالمة، وردت بصوت يرتجف:
ـ "أنا أول مرة أحس إني غالية كدة يا عبد الرحمن.. شكراً إنك شوفتني بجد."
رد عليها بحنان يذيب كل همومها:
ـ "أنتِ مش غالية بس، أنتِ أغلى ما أملك. ياللا بقى نامي عشان تحلمي بمستقبلنا، وأنا هفضل صاحي أفكر في اليوم اللي هتكوني فيه في بيتي وباسمي
..........................
في الغرفة المجاورة، كان المشهد مختلفاً تماماً؛ حيث القلق والغل ينهشان الصدور. كانت سما لا تتوقف عن "الثرثرة" والحديث في تفاهاتٍ لا تنتهي، بينما كان هو يسمع منها عبر الهاتف بصمت ، ساهماً، وكأنه يغزل خيوط مؤامرةٍ جديدة.
  يقطع ثرثرتها بسؤالٍ مباغت عن تفاصيل ما دار في الجلسة بعد انصراف عبد الرحمن وأهله، فكانت سما "تُخر" بكل كلمة قيلت في البيت، وهو يلتقط المعلومات ويخزنها في ذاكرته المريضة، مدبراً في خفائه ما لا تظهره ملامحه الجامدة.
كان جمال يغلي حرفياً؛ فصورة "اعتدال" وهي تكسفه وتلجمه أمام الجميع لا تفارق خياله، وفرحة ياسمين التي كانت "تنير" وجهها كأنها لم تكن يوماً تلك الفتاة المنكسرة، كانت تطعن كبرياءه. 
قارن نفسه بعبد الرحمن وعائلته؛ أولئك الذين يفخر بحضورهم اي بيت بمستواهم التعليمي الراقي،
عكس عائلته التجار و هو الذي لم يكمل تعليمه الجامعي وخرج مطروداً بسبب رسوبه المتكرر وفشله، بينما عبد الرحمن يقف شامخاً بعلمه ومكانته.
أما سما، التي كانت تجلس بجانبه وتظن نفسها "الجميلة المبهرة"، فقد كان يراها على حقيقتها؛ رأى كيف كانت عيناها تلمعان ببريق الغيرة وهي تراقب ياسمين وعبد الرحمن، وكأنها تمنت لو كانت مكان أختها، غير مدركة أن خطيبها الذي يجلس بجوارها يغرق في بحرٍ من الحقد، ولا يرى فيها إلا أداةً لوصوله لما يريد.
كان جمال يشعر بمهانةٍ لم يسبق لها مثيل، ولا شيء يبرد ناره إلا الرد؛ ردٌّ يشفي غليله ويطفئ جذوة حقده، أو على الأقل يعيد الأمور إلى نصابها الأول. فياسمين كانت "نصيبه" من البداية، ولولا خطأ غبي ارتكبه، لما ضاعت من بين يديه.
عاهد نفسه ألا يصمت حتى تذهب هي إلى ذلك "المتزحلق" ـ كما يراه ـ، بينما ينال هو نصيبه من تلك الفتاة التافهة التي تفضحها أفعالها المكشوفة. أتظنه غبياً ولم ينتبه لتمثيلية "الكسوف" المفتعلة التي أؤدتها اليوم أمام والدي عبد الرحمن لتخطف الأضواء؟ لقد رآها، وفهمها، وسيدعها تدفع الثمن مع أختها.
أما عن يوم الخطوبة الذي تقرر وحددوا موعده في حضوره، ذلك اليوم الذي من المفترض أن يلبس فيه "العروسان المزعومان" خواتم الارتباط أمام الجميع، فقد أقسم في سريرة نفسه ألا يأتي، وألا يمر ذلك اليوم كما يخططان.

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا