رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68 بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68 بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68 هى رواية من كتابة امل نصر رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68

رواية لأجلها امل نصر بقلم امل نصر

رواية لأجلها امل نصر الفصل الثامن والستون 68

داخل مركز الولادة المتخصص، كان حمزة يقطع ردهة الانتظار ذهاباً وإياباً بخطواتٍ وئيدة مشوبة بعصبية مفرطة، وكأن الرخام تحت قدميه يشتعل ناراً. رغم إدراكه العقلي أن كل الأعراض التي داهمت "زوجته" كانت طبيعية في مثل هذه اللحظات، وأن الطبيبة التي ترافقها الآن هي الأدرى بحالتها والأكثر حرصاً عليها من أي شخصٍ في العالم، لمتابعتها المنتظمة معها طوال شهور الحمل، وعلاج المشاكل القديمة لديها نهائيا، إلا أن غريزة الخوف داخله كانت أقوى من أي منطق.
يوزع نظراته الغاضبة كسهامٍ مسمومة نحو شقيقه معاذ وزوجته ليلى الواقفين في زاوية الردهة. كأنه يود الانقضاض عليهما في تلك اللحظة؛ ففي مخيلته، ان انشغالهما بـ "وقت التصالح الشاعري" والدراما التي دارت بينهما خارج المنزل كان سبباً في تقصيرٍ غير مقصود تجاه مزيونة التي عانت وحدها في صمت.
تمنى من أعماق قلبه لو يملك الشجاعة ليقتحم تلك الغرفة، كي يمسك بيدها ويرافقها في معركتها الأخيرة مع الألم، لكنه أدرك عجزه؛ فكيف لقلبٍ لم يعرف الارتجاف يوماً أن يتحمل رؤية حبيبته وهي تتألم؟ 
"قلب الأسد" الذي يتباهى به امام الجميع، كان على وشك القفز من صدره لحظة اختفائها خلف ذلك الباب اللعين.
— "هدّي أعصابك شوية يا حمزة، مش كدة يا واد أبوي!"
خاطبه "خليفة" وهو يغادر مقعده بجوار والدتهما، محاولاً بث بعض السكينة في روع شقيقه الأكبر، لكنه لم يلقَ من حمزة سوى نظرة نارية، وعينين مشتعلتين تائهتين في الفراغ. كانت يدا حمزة تلوحان في الهواء بحركات انفعالية متوترة، قبل أن يقطع "الطرقة" فجأة ويلتفت لشقيقه بحدة:
— "أُمك جاية ليه معانا يا خليفة؟ كانت قعدت في البيت أحسن وريحت جتتها.. مش شايفها بتنام على نفسها  إزاي؟"
ربت خليفة على ساعده بحرص، يمتص غضبه غير المبرر والذي يعرف يقيناً أنه مجرد غطاء لخوفه القاتل على زوجته:
— "ما أنت عارف أُمك يا حمزة، مش هيجيلها قلب تقعد في البيت أصلاً وتتساب في حرقة دمها.. متشغلش نفسك بيها أنت وروق بالك شوية يا خوي."
انتفض حمزة وكأن الكلمة قد لسعته، فهتف بمرارة وصوت مخنوق:
— "أروق بالي؟! كيف.. كييييف؟ كيف يا خليفة والروح جوه بين إيدين ربنا؟ كيف والقلب واجف على الباب ده ومستني خبر يحييه يا يموت بسببه؟"
صار يغمغم بكلمات غير مفهومة، وكأنه يحاور نفسه أو يلوم الدنيا، ثم عاد ليقطع الطرقة من جديد بخطوات عسكرية مهتزة. كان يفرك كفيه بقوة حتى كاد جلدهما يشتعل، ويتمتم بآياتٍ من الذكر الحكيم بصوتٍ مرتجف، بينما عيناه معلقتان بذلك المصباح الأحمر فوق باب غرفة العمليات.. ينتظر تلك الصرخة التي تعيد لروحه الحياة، وتعلن بوضوح انتهاء شتات قلبه وعودة "مزيونة" إلى شاطئ الأمان.
في ركنٍ منزوٍ من الردهة، كانت ليلى تخوض معركتها الخاصة؛ تحبس دمعاتها بصعوبة بالغة، وشعورٌ بالذنب ينهش روحها وكأنها الجانية. انحنت تهدهد طفلها "مؤيد" الذي لم يكف عن التذمر والبكاء، وكأن الصغير قد تشرب من ثدي أمه فيض القلق الذي يعتصرها، فصار يشاركها صرختها الصامتة.
كان معاذ يأخذ الصغير منها بين الحين والآخر محاولاً تهدئته، لكن مع صراخ الطفل المستمر ورفضه لكل يدٍ تمتد إليه سوى يد أمه، كان صبره ينفد سريعاً. ليعيده إليها بغضبٍ وعصبية، وقد تملكه الضيق من الأجواء المشحونة:
— "ابن الكلب ده.. ماله؟ كأن راكبه عفريت مش عايز يسكت واصل!"
تلقفته ليلى منه بحنوٍ بالغ، ودون أن تنطق بحرف، انزوت لتردعه وتسكت صراخه بصمتٍ مطبق. كان القلق على والدتها "مزيونة" قد سلبها القدرة على الكلام، فبات لسانها ثقيلاً وكأن الكلمات قد جفت في حلقها.
شعر معاذ بوخزة ندم حين رأى انكسارها وصمتها الذي فاق صراخ الطفل ألما؛ فكفَّ عن تذمره، واقترب منها بهدوء. مدَّ يده ليقبض على كفها، ضاغطاً عليها بمؤازرة حقيقية، هامساً بصوتٍ حاول أن يجعله مطمئناً:
—  إن شاء الله هتقوم بالسلامة، طمني قلبك وخلي عندك ثققة في كرم ربنا
تلقّت ليلى دعم زوجها بنظراتٍ ممتنة لا تخلو من قلق، وردت عليه بصعوبة و بصوتٍ خفيض لا يكاد يتجاوز الهمس:
— "خايفة يا معاذ.. وحاسة نفسي غبية وأنانية عشان مخدتش بالي من تعبها. مخي كان مشغول في الصلح معاك وهي بتتألم مع نفسها، أنا مستحقرة نفسي قوي."
هنا سقطت دموعها رغماً عنها، فضاعف معاذ من "هدهدته" لها وبث الطمأنينة في قلبها، فتابعت هي بانهيار:
— "كان نفسي أدخل معاها وأساعدها في ولادتها، أرد لها ولو جزء صغير من اللي عملته معايا يوم 'مؤيد'.. لكن هي رفضت، رفضت يا معاذ!"
كاد الاخير أن يرد ليضحض ظنونها، لولا أن جاء الرد من جوارهم؛ من "حسنية" التي كانت تغفو وتستيقظ عدة مرات، وكأن غريزة "كبيرة العيلة" تحركها للتدخل في الوقت المناسب:
— "متبقيش مِخبلة يا بت! أمك خايفة عليكي وعندها حق، هتسيبي ولدك وتعملي معاها إيه جوه يعني؟ عمتك منى واعتماد معاها، والدكتورة والممرضات.. ولا هي زحمة في الأوضة وخلاص!"
كادت ليلى أن تعارضها، رافضةً هذا التهميش في تلك اللحظة الفارقة من حياة والدتها، وحياة شقيقها أو شقيقتها اللذين على وشك الظهور إلى الدنيا.. ولكن، قطع كل حوار صوتُ صرخة طفلٍ شقَّت سكون غرفة العمليات.
اشرق وجه حمزة، وارتسمت البشرى على وجوه الجميع وهم يتمتمون بالتهاني:
— "يا ما أنت كريم يا رب! مبروك يا حمزة.. الغضنفر شرف الدنيا، عقبال ما تطمن على أمه بالسلامة."
تمتم حمزة بقلبٍ يرتجف: "يا رب.. اللهم آمين." اهم حاجة هي، والله ولا يهمني واد ولا بنت كفاية عليا هي وبس.
لكن الفرحة لم تكتمل في صمت، بل ازدادت حدة الصراخ وكأنه لا يأتي من حنجرة واحدة.. بل من حنجرتين! تسمرت الأقدام، واتسعت العيون بذهول، فصوت البكاء الذي ملأ الردهة الآن كان "مزدوجاً"، يعلن عن قدوم روحين لا روحاً واحدة.
,....................,
:
في منزل جمعة
كان "عطوة" يجلس والتوتر يأكل أطرافه، بعدما عاد إلى البلدة خصيصاً ليطوي صفحة الماضي ويبيع نصيبه في العمارات التي ورثها عن والده، لكن الانتظار كان أثقل من الجبال على صدره.
زفر عطوة زفرةً مسموعة، ونظر إلى "جمعة" بضيقٍ لم يعد يخفيه، فقال بنبرةٍ حادة:
— "هو الزبون ده اللي متفق معاه مش ناوي ييجي النهاردة؟ أنا صبري نفد يا جمعة، ومبقتش حمل تأخير واصل!"
حاول جمعة المراوغة وهو يفرك كفيه بتوترٍ ملحوظ، يرسم على وجهه ابتسامةً مهتزة ليطمئنه:
— "على وصول يا عطوة، الراجل أكد عليا إنه في الطريق والمصلحة هتخلص الليلة.. اشرب شايِك بس وروق دمك، مفيش حاجة بتيجي بالساهل، المهم بس ما تنساش نصيبي من البيعة، كفاية تعبي والنبطشية اللي راحت عليا في المستشفى النهاردة عشان خاطر عيونك."
هز عطوة رأسه بموافقة دون الدخول في سجال معه، رغم شكٍ بدأ يسري في عروقه كالسم، لكنه كان مضطراً إليه؛ فهو لا يعرف رفيقاً غيره، هكذا هي ضريبة الماضي الأسود.
تناول كوب الشاي على مضض، وقد كان عقله شاردًا هناك، بعيداً عند زوجته التي تركها تنهشها الظنون والقلق. كان يشعر بوجعها وكأن حبالاً خفية تشد قلبه نحوها، يتمنى لو يوقع تلك الأوراق اللعينة ويستلم المال كي يطير إليها ليخبرها أن كل شيء قد انتهى، ليبدأ معها حياة جديدة، نظيفة ، مستقرة.
وفي غمرة حديث "جمعة" المستفيض عن ذكرياته وحكاياته كممرض في المشفى الحكومي، كاد عطوة أن يستسلم لتيار الكلام وينسى شكه الملح، لولا أن شق صمت المكان طرقة قوية ومفاجئة على باب المنزل الخشبي.
انتفض جمعة مسرعاً ليفتح للطارق الذي طال انتظاره، بينما تحفز عطوة بلهفة، ظناً منه أن "الزبون" الموعود قد وصل أخيراً لتنتهي غربته ويقبض ثمن نصيبه من من ميرات العمارات،. لكن ملامحه تيبست، وتلاشت لهفته لتتحول إلى صدمة مروعة وهو يرى ذلك الشخص الضخم يقتحم العتبة بابتسامة سمجة، ابتسامة المنتصر الذي وضع يده أخيراً على غريمه، يقول بنبرة تقطر شماتة:
— "حبيبي يا عطوة! أخيراً اتلميت عليك يا جدع؟ ده أنت واحشني من زمان قوي.. والوحشة المرة دي غالية."
ـ عرفان.
تفوه عطوة بالاسم و دارت به الدنيا، ليلتفت إلى صديقه "جمعة" بنظرة يملؤها القهر والاحتقار، فصرخ فيه بصوتٍ مخنوق:
— "تاني يا جمعة؟ تاني بتعملها فيا؟ الخيانة بقت زي الدم بتسري في عروقك يا واطي؟ بعتني بكام المرة دي؟"
نكس جمعة رأسه في خزي، وهربت عيناه من مواجهة نظرات عطوة المشتعلة، وتمتم بصوتٍ واهن يرتجف:
ـ سامحني يا صاحبي، المرة دي بالذات كانت غصب عني
........................
ما إن أعطت الطبيبة إشارتها بالسماح لدخولهم، حتى اقتحم حمزة الغرفة بطلته المهيبة، يهلل ويصفق بيديه بفرحة طفولية لم تستطع رصانته إخفاءها. لم يمنعه وجود "اعتماد" زوجة أخيه، ولا "منى" شقيقته، من مغازلة مزيونة بجرأته المعتادة، وهو يرمقها بنظراتٍ تفيض عشقاً وتقديراً:
— "حمد الله على السلامة يا عسل.. وشك نوّر وبقى زي البدر، الله أكبر عليكي!"
زغدته "منى" بقبضة يدها في كتفه وهي تضحك بخجل:
— "اختشي على دمك يا كبير ناسك، اعقل وخليك رزين إحنا واقفين، مش قادر تمسك نفسك واصل؟ طب حتى راعي إنها لسه طالعة من العمليات!"
تلاعب بحاجبيه يغيظها بعدم اكتراث، ليتوجه إلى محبوبته التي كانت ليلى قد سبقتها إليه بمجرد فتح الباب؛ حيث ارتمت في أحضان والدتها تقبل يدها وجبينها وهي تهتف بسعادة غامرة:
— "حمد الله على سلامتك يا أمّه! وأخيراً بقى ليا إخوات يا ناس.. وأحلى إخوات في الدنيا!"
كانت مزيونة تربت على خد ليلى بحنية مفرطة رغم ملامحها المنهكة، وقبل أن تنطق، شعرت بيد حمزة القوية تمسك يدها الأخرى بلهفة، فاستدارت إليه بعينيها المتعبتين، ليهمز لها بصوتٍ يملؤه الفخر والمداعبة:
ـ — "والله وما طلعتي هينة يا بت الأحرار! فضلتي مخبية عليا لحد آخر لحظة؟ بس معلهش،  نفوتها لك يا جميل عشان حلاوة المفاجأة.. حمد الله على سلامتك وحلاوة ما جبتي يا ست الستات كلهم، بس أنا الحيرة وكلاني.. محدش لغاية دلوقتي راضي يبل ريقي ويقولي إيه نوع اللي شرفوا؟ لا المضروبة منى، ولا حتى الكهينة مرأة الحليوة خليفة!"
ضحكت اعتماد وهي تعاتبه بمرح ولا تتوقف عن الضحك:
— "أنا برضك اللي كهينة يا أبو ريان؟ الله يسامحك يا سيدي!"
أضافت منى وهي ترفع حاجبها بشرٍّ مصطنع نحو شقيقها، والابتسامة تغالب وقار وجهها:
— "إخص عليك راجل! خليتني 'مضروبة' على آخر الزمن بعد التعب اللي تعبته ده كله؟ صحيح.. آخرة خدمة الغُز علقة!"
تصنع حمزة العبوس رداً عليهما، ثم وجه اهتمامه فوراً نحو الطبيبة التي دلفت لتطمئن على مريضتها:
— "آها.. ونحط الدكتورة في الحسبة! هي رئيسة العصابة أكيد، ومعاها الممرضات كمان، ولا واحدة ترد عليا لما اسالها"
ضحكت الطبيبة لتضج الغرفة بضحكات بقية الطاقم وهي تبرر بقلة حيلة:
— "طب وأنا إيه ذنبي طيب؟ دي كانت رغبة مراتك.. شوف حسابك معاها بقى!"
أشارت بيدها لتعيد تركيزه نحو رفيقة الدرب، فضغطت مزيونة على يده بوهن وكأنها تستمد منه بقية قوتها، مؤكدةً على كلام الطبيبة:
— "ده حقيقي يا حمزة.. أنا اللي نبهت على الكل، كنت عايزة أشوف رد فعلك لما أقولك بنفسي."
تبسم حمزة بملء فمه، وعيناه تلمعان بشغف:
— "باه! وليه يعني هو سر حربي؟ قولي يا غالية.. طمنيني قلبي خلاص هيوقف!"
......................................
في زاوية من الحجرة الشاسعة لحضانات الرضع، كان خليفة يحمل إحدى "اللفافتين" برفقٍ شديد، يتأمل ملامحها الصغيرة بفرحة غامرة، ويقارن بين تفاصيلها وبين التوأم الآخر الذي تستقر بين يدي والدته "حسنية". كانت حسنية على وشك أن ترقص طرباً لولا وقار سنها وتذمرها الضاحك من كثرة الأحفاد.
هتف خليفة وهو يداعب وجنة الصغيرة:
— "بصي يا أمة.. البت دي خطفت قلبي! عليا النعمة ما هسيبها تروح لحد غير ولدي اللي جاي في الطريق أن شاء الله. هيبقى الفرق ما بينهم شهور قليلة، بس هي بت عمه وهو أولى بيها.. يا حلاوتك يا جمالك يا قمر أنتي!"
ضحكت حسنية من قلبها وهي تهز الطفلة الأخرى:
— "يعني أنت ضمنت إنه هيطلع واد يا خليفة؟ خازوق يطلع بت هو كمان! يا وعدك يا حسنية.. مش هعرف افرق ما بينهم بعد كدة من كترهم!"
انطلقت ضحكة عالية من خليفة وهو يعلق بمرح:
— "لا طبعاً محدش ضامن يا ست الكل، ده كلام الدكتورة.. لكن لو ربنا راد يكدب الظنون هعترض يعني؟ شيلي يا حسنية حلقان ودهب من دلوقت!"
لوت والدته بوزها بتمثيلٍ مضحك:
— "بتفكرني ليه يا حزين؟ هو حد لاقي دهب الأيام دي؟"
ثم اندمجت في مداعبة الطفلة وهي تقبلها بحنان جارف:
— "حلقان بس؟ ده أنا هجيبلها الحلو كله.. حبيبة ستّو دي. يديني العمر بس يا رب وأشوفهم عرايس.. مش عايزة من الدنيا أكتر من كدة."
أمّن خليفة على دعائها بقلبٍ صافٍ، واقترب من والدته ليطبع قبلة حانية فوق رأسها، لكن لحظتهما الحميمية انقطعت بظهور زوجته اعتماد وشقيقته منى وهما تقتربان منهما بجدية مصطنعة:
— "خلاص يا غوالي.. هاتوا البنات عاد، أبوهم عايز يشوفهم ويأذن في ودانهم، ويسميهم بالمرة .
.....................؟
في منزله الهادئ، خرج من الحمام يجفف شعر رأسه بإجهادٍ ناءت به عصبته، كان يظن أن برودة المياه ستغسل عن جسده تعب الأيام، لكن الإحباط كان أعمق من أن يمحوه ماء. تكالب عليه الإعياء الجسدي مع يأسٍ مرير لفشله المتكرر في القبض على ذلك "المجرم" الذي بات يسرق النوم من جفنيه، فكلما نصب له فخاً محكماً، أفلت منه في اللحظة الأخيرة وكأنه سراب.
زفر بتعب وهو يتجه نحو دولاب الملابس، يبحث عن هندامٍ يصلح للخروج؛ فهو مضطر للتحامل على ألمه النفسي والذهاب لإحضار زوجته من منزل والديها، رافضاً فكرة مبيتها بعيداً عنه ولو لليلة واحدة.
أخرج سريعاً قميصاً وبنطالاً ألقاهما على الفراش تمهيداً لارتدائهما، ولكن لمعت في ذهنه فكرة مباغتة؛ ففتح الضلفة المخصصة لزوجته، باحثاً بين ثنايا ثيابها عما يثير الشغف داخله، شيئاً ترتديه له لعلّ سحرها ينسيه مرارة الفشل.
عبثت يده بالملابس حتى لفت نظره قماش "التايجر" بنعومته الجذابة، وما إن جذبه بحماس حتى انفلتت معه عدة قطع مطوية، وسقط من بينها شيءٌ أصدر صوتاً رنّ في أرجاء الغرفة الصامتة. انحنى كمال ليلتقط الملابس ويعيدها إلى مكانها، لكن عينه تسمرت على ذلك الشيء الذي استقر أسفلها على الأرض.
رفعه ببطء، وتفحصه بذهولٍ شلّ حركته وهو يتأكد من حدسه الذي لم يخطئ يوماً بحكم مهنته.. إنه شريط "حبوب منع الحمل" التي يعرفها عن ظهر قلب، مخبأة بعناية داخل ملابس زوجته!
............................
وإلى حمزة، الذي كان يقف بوقارٍ اهتزت أركانه أمام جلال اللحظة. أمسك بقطعةٍ غالية من روحه، بل قطعتين تربطان بينه وبين حبيبته برباطٍ لا ينفصم. كانت مزيونة تراقب ملامحه بصمت، هي التي خشت طوال فترة حملها وبعد معرفتها بنوعهما، ان يخيب ظنها برد فعل مخالف
لكن ما لمسته في عينيه حين أخبرته بالحقيقة كان أجمل مكافأة لصبرها.
انحنى حمزة يهمس بالأذان في أذن طفلته الأولى، ونبرة صوته تهتز بارتعاشٍ لم يعهده فيه أحد من قبل، فيضٌ من المشاعر الجياشة كاد يغلبه وهو يرى ملامح "مزيونة" تتكرر في هذا الوجه الصغير.
قطع استغراقه صوت منى وهي تهتف بابتسامة واسعة، وتمد يدها إليه بالطفلة الثانية:
— "التانية يا حمزة! خذ.. نسيت نفسك مع الأولى ولا إيه؟"
سلّم حمزة الأولى بغير وعي إلى ليلى، التي تلقفتها بلهفة طفلة صغيرة عثرت على كنزها المفقود، والتفتت تغيظ زوجها معاذ الذي كان يحمل طفلهما "مؤيد":
— "أختي يا معاذ! بقى عندي أخت يا ناس.. شوف القمورة!"
رد معاذ بضحكة صافية، مشاركاً إياها فرحتها التي أنستها كل ضيق:
— "يا ستي مبروك عليكي.. وعقبال ما تشوفيها عروسة هي وولدك .
أما حمزة، فقد انتهى من الأذان في أذن الثانية، ثم جلس ببطء بجوار زوجته على طرف الفراش، وعيناه لا تغادران وجهها ولا وجهي الصغيرتين، فهمس بصوتٍ يملؤه الامتنان والخشوع:
— "يا سبحانك يا رب.. يعني أنا كنت بدعي ربنا يديني واحدة 'صورة منك' ومن حلاوتك، يقوم الكريم يراضيني ويعطيني اتنين مرة واحدة؟"
نظرت إليه مزيونة بابتسامة باهتة لكنها مشرقة بالرضا، فضغطت على يده، وكأن لسان حالها يقول إن التعب قد زال، والخوف الذي كان يوقف سير حياتها قد أصبح من الماضي بفضله
..........................
في غرفتها القديمة التي شهدت خيباتها، وفرحها، الاحلام الوردية، وليالي السهد والحزن، كانت هالة تقف أمام المرآة بعد أن اطمأنت على نوم صغيراتها. تصفف شعرها بعناية فائقة، وتضع لمساتها الأخيرة في انتظار زوجها الذي على وشك الوصول بحسب الميعاد الذي حدده.
. دلفت شقيقتها الغرفة فجأة، وأطلقت صفارة إعجابٍ مرحة وهي تتأمل مظهرها المتجدد:
— "واو! والله وتطورنا يا هالة.. وبقينا نكوي الشعر ونعمل تساريح كمان! إيه الحلاوة دي؟"
ابتسمت الأخيرة بهدوء وهي تضع قليلًا من "أحمر الشفاه" ليزيد وجهها نضارة، وردت بمداعبة:
— "عقبالك يا ست إسراء لما ربنا يهديكي وتتجوزي.. ساعتها هتعملي زيي وأكتر مني كمان."
ضحكت أختها وجلست على طرف طاولة الزينة تدلدل قدميها بمرح وقالت:
— "على أساس إني رافضة يعني؟ طب يا رب يتقدم ابن الحلال اللي قلبي يدق له، وساعتها هتلاقيني مواقفة على طول!"
ابتسمت هالة بحنان وقالت:
— "يا رب يا أختي تنولي اللي بتتمنيه.. هو أنا أكره إنك تكوني سعيدة مع راجل بتحبيه؟"
أمّنت أختها على دعائها، ثم تحولت ملامحها إلى الجدية فجأة وهي تسألها بفضول:
— "عندي إحساس إنك جربتي الإحساس ده.. بدليل التغيير اللي شايفاه على وشك وعنيكي، وكل حتة فيكي. أوعي تنكري يا هالة إنك حبيتي جوزك المرة دي!"
لم تنهرها ولم تغضب كما كانت تفعل سابقاً، بل ارتسمت على ثغرها ابتسامة غامضة، وقالت بنبرة بها بحة الندم:
— "لا مش هنكر يا شقيقتي.. أنا دلوقت بس اللي فهمت إني كنت 'حمارة'! الغل اللي كان مزروع في قلبي مكانش سببه حد غيري أنا.. كنت دايماً بعمي بصري 'عن عمد' عشان أنكر حقيقة كانت جوايا، وبغبائي كنت بفسرها غلط."
سألتها أختها باهتمامٍ بالغ عن تلك "الحقيقة"، لكن هالة لاذت بالصمت الجميل، قبل أن يقطع خلوتهما صوت والدتهما من خارج الغرفة تنبهها بحضور زوجها:
— "يا هالة.. جوزك جه يا بنيتي، يلا عشان يروح بيكي."
............................
في مكانٍ مقفرٍ من البشر، يحيطه صمت المزارع الموحش، دفع عرفان "عطوة" بقوة ذراعه بعد فترة طويلة من الصمت المطبق سادت طريق مجيئهما إلى هنا. سقط قلب عطوة بين قدميه، وأخذ يبلع ريقه الذي جفَّ تماماً من فرط الرعب، محاولاً استجماع شتات ثباته المنهار وهو يقول:
— "أدينا جينا في مكان خالي وبعيد عن جمعة 'الخاين' زي ما طلبت.. قولي بقى طلباتك إيه؟"
ابتسم عرفان بشرٍّ مستطير وهو يتأمل "عطوة" في ثوبه الجديد، وكأنه يرى شخصاً غريباً غير الذي عرفه سابقاً. ألقى بلفافة تبغه على الأرض، وسحقها تحت حذائه ببطءٍ متعمد وهو يشير لعطوة بنظرةٍ فاحصة:
— "طلباتي؟ والله وقلبك جمد يا عطوة وبقيت تتكلم بعين قوية حتى وانت بنفس الوساخة! بس يا خسارة، الثبات اللي بتمثله ده ميدكش الأمان قدامي.. أنا عارف اللي جواك وعارف إنك دلوقت بتتمنى الأرض تنشق وتبلعك عشان تقدر تهرب مني، بس انا بقولك اها, انت جيت برجليك لقضاك ومصيرك نفس مصير السيجارة اللي انت شايفها بعينك وانا بدعكها دعك"
كان قلب عطوة على وشك التوقف من فرط الخوف، لكنه كان يجاهد ليظهر برباطة جأشٍ زائفة أمام "هذا الوحش الكاسر"؛ فهو يدرك في قرارة نفسه أن لعرفان حقاً لديه، وهذا الإحساس بالذنب هو ما منعه من المقاومة حين طُلِب منه الانفراد بعيداً عن أعين الناس والخائن "جمعة". كان كل ما يصبو إليه هو مواجهةٍ شجاعة تنهي هذا الحساب المعلق، مهما كان الثمن.
استجمع عطوة شجاعته وقال بنبرةٍ حاول جعلها ثابتة:
— "اسمع يا عرفان.. خلينا نتفاهم ونتكلم ع الصريح. أنا عرفت إنك سألت عن 'نورا' في البلد، وعرفت إنها كانت ساكنة طول فترة هروبها منك..."
قاطعه عرفان بنبرة حادة غليظة، زادت من ارتياعه وهو يكمل الجملة باتهامٍ صريح:
— "وإنك أنت اللي هربتها وكنت مخبيها عني! عشان تتفقوا عليا وتقرطسوني وتخلوا رقبتي قد السمسِمة؟"
حاول عطوة التبرير بدفاعية مهزوزة:
— "والله مالي ذنب واصل.. هي اللي جات لحد عندي ووقعت في عرضي، وأنا مقدرتش أكسر بخاطر حد استنجد بيا!"
لوى عرفان ثغره بسخرية لاذعة، واقترب منه خطوةً جعلت عطوة يتراجع لا إرادياً:
— "لا وأنت شريف قوي يا واد! عامل لي فيها البطل المخلص وانت اوسخ خلق الله؟"
تابع عرفان بنبرة فحيحٍ تقطر وعيداً، وعيناه تلمعان بشرٍّ قديم:
— "بالنسبة للملعونة دي.. حسابها مش ناسيه، هجيبها وهعمل فيها كل اللي يخطر وما يخطرش على بالك، بس ده بعد ما أخلص منك أنت الأول!"
انتفض قلب عطوة، وبأعجوبةٍ أنسته الرعب، اندفع نحو عرفان بعصبيةٍ جارفة يذود عنها:
— "حسابك معايا أنا يا عرفان! ملكش صالح بيها واصل.. خلي حسابنا 'راجل لراجل'!"
لم يمهله عرفان، بل سحبه على حين غفلة، قابضاً على تلابيب ثيابه بقوةٍ أوقفت أنفاسه، وصرخ في وجهه بصوتٍ يملؤه الاحتقار:
— "وأنت حسابك هيّن يا واد عشان تشيل عنها؟ طب أن شلتها هي من الحسبة دلوقت، هشيل كيف خستك يا واطي وأنت عينك طول الوقت في اللي يخصني؟ ان كانت نورا.. ولا مزيونة؟!"
نطق الاسم الأخير، ثم أخرج بحدةٍ تلك الصورة القديمة لزفافه على مزيونة؛ تلك الصورةً المشوهة، التي مَحى فيها عطوة وجه عرفان تماماً، وأبقى على وجه مزيونة وحدها واضحاً كالشمس. في تلك اللحظة، أيقن عطوة أن ساعة القضاء قد حانت، وأن كل مخابئه قد كُشفت، فحاول يدافع بوهن:
— "قسم بالله طليقتك ما قربت لها! دي صورة قديمة يا عرفان.. مجرد ذكرى!"
هنا انفجر عرفان كبركانٍ هائج، وصرخ فيه بجنون:
— "يا ابن الكلب! فاكرني 'بريالة' وهصدق كدبك؟ طب افتكر لما 'فطيت' على بيتها هي وبنتها في عز الليالي واتحايلت انك فطيت غصب عنك هربا من اللي كانو عايزين يخلصوا عليك.. كنت عايز إيه ساعتها يا نجس؟ ده أنا من يومها ومستني بس دليل يقع في يدي، وربنا أخّرها عشان الحساب يجمع.. ودلوقت حان وقت العقاب!"
وقبل أن يستوعب عطوة وقع الكلمات، باغته عرفان بلكمةٍ قوية أطاحت بثباته، ثم انقض عليه يكيل له الضربات القوية بلا توقف ولا رحمة، وكأنه يفرغ في جسده غلّ السنين ومرارة الخيانة.
............................
داخل السيارة، كانت تثرثر بمرحٍ لم يعهده فيها من قبل، تقصُّ عليه تفاصيل يومها البسيطة، وما فعلته مع صغيرتيها، وكيف غمرتها الفرحة بقضاء الوقت معهما.. لكن جُموده المتواصل، ونظراته المثبتة على الطريق ببرود، جعل الكلمات تتجمد على شفتيها. توقفت فجأة وسألته بقلق عن سبب صمته، إلا أنه تحمحم بضيقٍ وهو يتحجج بإرهاق العمل، تاركاً مساحةً للشك تدور في عقلها؛ فتوقفت هي الأخرى عن الحديث بعدما ملت من صمته، الصقت رأسها بالنافذة المجاورة لها تتابع الطريق بصمتٍ حذر.
فاستغل كمال صمتها ليختلس النظر إليها، وصراخٌ مكتوم يتردد في صدره:
— "من يرى لهفتها عليَّه منذ لحظات حين استقبلته في منزل والديها، أو يستمع لحديثها عنه أمامهم وكأنهما زوجان في قمة السعادة، لا يصدق أبداً ما تخفيه!"
كان الإحساس بالتغيير قد تسرب إليه بالفعل؛ لمسَه في ليونة تعاملها معه، وفي اهتمامها بسرد تفاصيل يومها الصغيرة له، حتى خُيِّل إليه في لحظات الصفا أنها باتت عاشقةً له حتى أخمص قدميها.
لكنه الآن، ومع وجود ذلك "الشريط" في جيبه، لم يرَ فيها سوى كاذبة لعينة تتقن اللعب بمشاعره. يراها تفعل المستحيل وتخطط في الخفاء كي لا تنجب منه، وكأنها ترفض أن يربطها به أثرٌ للأبد.
لعن حظه في سرّه، واعتصر مقود السيارة بقوة حتى ابيضت مفاصله؛ فكم يود الانتقام منها الآن وتفجير غضبه في وجهها.. لكنه قرر الصبر، سيتحمل هذا التمثيل القاتل حتى يختليا معاً في منزلهما، وهناك.. سيكون الحساب عسيراً.
........................
ازدحمت غرفة الراحة بأفراد العائلة الذين تحلقوا حول مزيونة، في انتظار إذن الطبيبة النهائي بالخروج. كانت الغرفة تضج بالضحكات والمشاكسات، والكل يتسابق لسرد الحكايات عن "حمزة"؛ ذلك المتهور الذي فقد اتزانه تماماً، وسلك مسالك حمقاء من فرط قلقه المتصاعد بينما كانت زوجته تصارع آلام الولادة بالداخل.
تعالت ضحكة منى وهي تعيد تمثيل حركات شقيقها المرتبكة، فما كان من حمزة إلا أن رد بعفويته المعهودة، غير آبهٍ بنظراتهم الساخرة:
— "اتريقي براحتك يا ست منى.. عيشي لك يومين! بس على أساس إن المحروس جوزك هو اللي عاقل وراسي؟ متخلونيش دلوقت أفتح الدفاتر القديمة وأفتش في الفضايح!"
رد منصور محاولاً تبرئة ساحته بتمثيل البراءة المفرطة، والضحكة تلمع في عينيه:
— "يا عم أنت مش قادر على لسان أختك هتحط غلبك في جوزها؟ ده إيه الغلب ده يا ناس! ده أنا راجل ملتزم بالأدب من أول القعدة!، مالي بقى؟
هنا انفجر حمزة ضاحكاً، والتفت إليه بنظرةٍ "فاحصة" جعلت الجميع يترقب الرد:
— "اسم الله عليك يا مؤدب! والله ما عرفت الشيطان غير على يدك أنت يا 'سوسة'.. اشحال ما كانت تربيتك.
قرعه حمزة بهذا الرد الذي أصاب الهدف بدقة، فألجم لسان منصور الذي تلون وجهه بخجلٍ ممزوج بالضحك، ولم يجد ما يرد به وهو يرى نظرات "منى" التي أكدت التهمة، وقد تدخلت تدافع عنه:
— "وافرض يا غالي! برضه إحنا من يومنا عاقلين وراسيين، مش زيك ياللي كنت عامل زي المجنون في الطرقة، والكل رايح وجاي يتفرج عليك وعلى جنانك!"
ضجت الغرفة بالضحك على وصف منى الدقيق لحالة حمزة ساعة الولادة، فما كان منه إلا أن أشاح بوجهه بتذمرٍ طفولي لا يليق بهيبته، وهتف نحو والدته "الحاجة حسنية" مستنجداً:
— "يووه عاد! سكتي البت دي يا أمّه.. هي ما صدقت لقت لها فُرصة تِسنّ لسانها عليا الليلة دي؟!"
ضحكت الأم وهي تربت على كتف ابنتها، بينما ظل حمزة يبرطم بكلمات غير مفهومة وهو يرقب فرحة الجميع من طرف خفي، والابتسامة تأبى إلا أن ترتسم على وجهه رغم "التحفيل" العائلي عليه
دخل معاذ هو الآخر الحلبة، يشارك المجموعة شكواه بمرحٍ وهو يتذكر نظرات حمزة الحادة لهما في الممر:
— "أمال إحنا بس نقول إيه يا بوي؟ ده أنا والبنية "مرتي" لزقنا في بعض زي المساكين والواد في حضننا، وهو يغيب لحظة ويرجع يزغر لنا كل نظرة ونظرة.. كأنه بيقولنا النفس ممنوع!"
تمتم حمزة وهو يتوعده بنظرة مشتعلة:
— "آه يا الكلب! طب حسابك لسه جاي.. اصبر عليا بس!"
عادت موجة "التحفيل" لتشتعل من جديد، مما اضطر مزيونة للتدخل لحماية زوجها رغم تعبها الملحوظ، وقالت بابتسامة حانية:
— "ما خلاص بقى يا جدعان.. خفوا شوية على الراجل، هو مش حملكم دلوقت، مش كفاية تعب الساعات اللي فاتت دي عليه؟"
أشرق وجه حمزة بزهوٍ وفرحة لتدخلها، ومال عليها يغازلها بجرأته المعهودة:
— "تسلمي يا غالية يا أم البنات انتي يا عسل.. أيوة كدة، ردي عني الهمج دول!"
لوت منى بوزها بخبثٍ وقالت وهي تضحك:
— "وه عاد! جينا تاني لـ 'فقع المرارة'؟ ما قولنا اختشي شوية يا كبير ناسك، دا حتى الاوضة معباية!"
نهض حمزة من مكانه فجأة متظاهراً بالهجوم عليها، فارتجفت منى ضاحكة والتصقت بزوجها "منصور" الماكر الذي كان يراقب المشهد بصمت، لولا تدخل الحاجة حسنية التي أمسكت بذراع ابنها تترجاه بصوتٍ يتقطع من فرط الضحك:
— "خلاص يا حبيبي.. أنت العاقل يا كبير ناسك، سيبك من العيال دول.. وأنتي يا بت أنتي وهو فضوها عاد عشان لاتقلب نكد! المهم.. ناوي تسمي العرايس إيه؟"
اعتدل حمزة في وقفته، وارتسمت على وجهه علامات الفخر، ثم نادى على صغيره "ريان" الذي كان يقف قريباً من جدته، وأمره بلهجة قيادية محببة:
— "قولها يا ريان.. قول لستّك على الأسامي اللي اختارناهم سوا."
رد ريان بصوتٍ عالٍ يملؤه الفخر، وعيناه تلتمعان ببريقٍ طفولي وهو ينظر لجدته:
— "تالا وتاليا يا جدة.. بابا قال لي دول أجمل أسامي لأحلى بنات!"
ساد صمتٌ قصير في الغرفة، قطعه صوت الحاجة حسنية وهي تردد الأسماء بنغمةٍ استكشافية، وكأنها تتذوق وقع الحروف الجديدة على لسانها:
— "تالا وتاليا؟ حلوين.. بس تقال شوية على اللسان، لكن لايقين على بعض ونغمتهم زينة."
تدخل خليفة الجالس جوار زوجته في ركنٍ يخصهما، رغم الصخب الدائر في الغرفة، وقال بوقار ومحبة:
— "يا زين ما اخترت يا ولد أبوي.. ربنا يبارك فيهم ويحسن خَلقهم وأخلاقهم."
— "اللهم آمين."
تمتم بها حمزة بخشوع، ثم توجه بنظره إلى اعتماد داعياً لها:
— "عقبال ما يخلّصك بالسلامة أنتي كمان.. وتكمّلي المجموعة بإذن الله."
ردت اعتماد بابتسامة ممتنة، قبل أن يعود حمزة إلى زوجته يشاكسها ويختبر صبرها كعادته:
— "بقولك إيه يا مزيونة.. إيه رأيك بدل 'تاليا' نبدل ونسمي 'تولين'؟ حاسسها أرق شوية..."
— "حمزةةةة!"
قاطعته بندائها ونظرةٍ محذرة أطلقتها من عينيها المتعبتين، وكأنها تخبره بأن صبرها قد نفد، فتراجع ضاحكاً وهو يرفع يديه علامة الاستسلام:
— "خلاص يا غالية.. أنا كنت بهزر معاكي عاد، هو أنا أقدر أعملها برضه؟ ولا ازعلك اصلا يا ام البنات يا حلوة انتي.
..............................
دلفت  هالة إلى المنزل بحماسٍ لم يعهده منها قبل ذلك، كانت تتعامل مع حارس العقار بذوقٍ وأدبٍ غريبين عن طبعها الحاد القديم، تشكره بابتسامة وهي تراقبه يضع الأغراض التي أحضرتها من منزل والدها في المطبخ. وزعت الأكياس سريعاً بين الثلاجة وخزانة المطبخ، ثم هرولت تبحث عنه، لتجده قابعاً داخل غرفة نومهما بسكونٍ مريب.
لم تلحظ هالة في البداية ذلك الوجوم الذي يكسو وجهه؛ كانت مشغولة بثرثرتها المتواصلة وهي تخلع حجابها ثم عباءتها السوداء. تحركت نحو الخزانة لتنتقي ثوباً لليلتها، لكنها تسمرت مكانها حين وجدت قميص "التايجر" مفروداً بعناية فوق الفراش.
انطلقت منها ضحكة ساخرة، وقالت بمرح:
— "إيه ده؟ عترت عليه وحطيته على السرير؟ قال وأنا اللي كنت عاملاه مفاجأة.. بوظت المفاجأة يا كمال!"
رغم ذهوله من قدرتها على الضحك في موقفٍ كهذا، إلا أنه فسر صنيعها بـ "الارتباك" ومحاولة التملص. فنهض ببطء حتى وقف قبالتها، وأمسك خصلة من شعرها يشمها بولهٍ كاذب، وعيناه تلمعان ببريقٍ مخيف وهو يعلق:
— "يعني على كدة.. كنتِ قاصدة تخبيه عني يا هالة؟"
ضحكت بدلال، وضربته بقبضتها الناعمة على صدره قائلة:
— "أيوه يا أخويا.. وأنت بوظت لي المفاجأة بفضولك ده!"
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، وعيناه تطوفان على ملامحها الفاتنة التي لم يرَ أجمل منها قط، غاص في عينيها اللتين بدتا له الآن وكأنهما تتقنان فن الكذب لدرجةٍ قادرة على خداع أعتى المحققين. همس بنبرةٍ رخيمة تخفي خلفها عاصفة:
— "ويا ترى.. مخبية عني إيه تاني كمان يا هالة؟"
ضحكت ببراءةٍ تناقض وضعها المتأزم تماماً، ولفّت ذراعيها حول عنقه بدلالٍ أربك ثباته المتبقي:
— "مفاجأتي الكبيرة لما ألبسه وتشوفه عليا.. لا تقولي هيفاء ولا ياسمين صبري، هبقى نار!"
تبسم بهدوءٍ مريب، وهو يقابل ميلها المغري عليه وعرضها المشوق بجمودٍ صخري،، ثم تابع فحيحه:
— "بس أنا متأكد إن لسه في حاجة مخبياها برضه عني.. حاجة أهم من القميص."
قطبت حاجبيها بعدم فهم، وابتسامتها بدأت تتلاشى تدريجياً أمام نظراته التي اخترقتها:
— "حاجة إيه؟ طب قولي أنت.. يمكن أنا ناسية!"
وما إن أتمت جملتها، حتى رفع يده فجأة ممسكاً بـ "الشريط" أمام عينيها مباشرة. سقطت ذراعيها عن عنقه وتجمدت الدماء في عروقها، فخرج صوتها مذهولاً، مشتتاً في البداية وكأنها لا تصدق ما تراه:
— "إيه ده؟!"
....يتبع 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا