رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6 بقلم امل نصر
رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6
رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السادس 6
كانت الغرفة تعجّ بضحكات "اعتدال" الممزوجة بزغاريد مكتومة من فرط الفرحة، بينما كانت
ياسمين تجلس وسط "تلال" من علب الهدايا والأكياس الفاخرة التي عادت بها بعد يومٍ طويل قضته بصحبة عبد الرحمن لاختيار "الشبكة". لم تكن مجرد شبكة، بل كانت رحلة من الدلال والتقدير جعلت ياسمين تشعر أنها ملكة متوجة.
أخذت الأم تفتح العلب بيديها المرتجفتين من السعادة، تارة تتغزل في خامة الفساتين وتارة ترفع الإكسسوارات لتعكس الضوء أمام عينيها، وهي تشهق بانبهار:
ـ "يا اختي إيه الذوق العليوي ده! ده مخلّاش حاجة في نفسه إلا وجابها، ولا البرفان وريحته اللي ترد الروح..
كان رد ياسمين هو ضحك امتزج بخجلها لتردف اعتدال
الله يهنيكي يا بنتي، عبد الرحمن ده مفيش منه اتنين."
وفي الركن الآخر من الغرفة، كانت سما تجلس صامتة، لكن الصمت كان يداري خلفه عاصفة من الحقد والغل التي كادت تحرق قلبها. كانت تنظر للهدايا التي لم يأتِ "نصّها" حتى مما أحضره لها جمال؛ جمال الذي كان دائماً ما يتباهى أمامها بأبسط الأشياء ويستعرض قوته وماله وهو يمنّ عليها بقطع ملابس عادية، وهي "مثل الهبلة" كانت تصدقه وتظن أنها الفتاة الوحيدة التي يصرف عليها خطيبها بسخاء.
قارنت بين الشبكة الراىعة التي اختارها عبد الرحمن لياسمين وبين " تلك " التي قدمها لها جمال، وشعرت لأول مرة بصغر حجمها وقصر نظرها. لم يكن الغل تجاه ياسمين فقط، بل بدأ يتحول لشرارة غضب تجاه جمال نفسه، الذي جعلها تبدو "قليلة" في مقارنةٍ لم تكن هي الرابحة فيها.
قالت اعتدال وهي تلتفت لسما بعفوية كادت تقتلها:
ـ "شوفتي يا سما؟ شوفتي الذوق والتقدير؟ عقبال ما جمال كدة يفاجئنا بحاجة تشرف في فرحك يا حبيبتي."
ابتلعت سما ريقها بصعوبة، ورسمت ابتسامة باهتة على وجهها وهي تقول بنبرة مخنوقة:
ـ "أيوة يا ماما.. مبروك عليكي يا ياسمين، حلوين فعلا.... وغاليين
خرجت الكلمة من بين شفتيها كالجمر، ثم نهضت فجأة وغادرت الغرفة وهي تشعر بضيق في تنفسها، متوجهة إلى شرفتها لتتصل بجمال، وهي تنوي أن تفرغ في وجهه كل القهر الذي شعرت به في هذه اللحظة.
........................
داخل الغرفة، كانت ياسمين قد انتهت من قياس فستان الخطوبة الذي اختاره عبد الرحمن، لتقف أمام المرآة بذهول وهي تراه "منحوتاً" على جسدها وكأنه صُمم لها خصيصاً. انفجرت ضاحكة بعلو صوتها، وهي تدور حول نفسها بفرحة طفولية:
ـ "يا نهار أبيض! ده طلع مظبوط بالمللي زي ما قال عبد الرحمن بالظبط.. وأنا اللي كنت خايفة يطلع ضيق لما صمم إني ماقيسش في المحل واعتمد على نظره!"
غمزت بعيناها اعتدال وهي تضرب بكفيها إعجاباً من دقة اختياره، وقالت بمداعبة:
ـ "عشان تعرفي إنه نمس ومش سهل! ده أنا اللي أمك ولحد دلوقتي معرفش مقاسك بالظبط وبغلط فيه، بس أقولك إيه.. هما الرجالة السهتانين اللي زيه كدة بيبقى نظرهم رصاص، وعارفين هما بيختاروا إيه كويس."
تعالت ضحكات ياسمين أكثر وهي تسمع وصف والدتها له بـ "النميس"، ثم ارتمت على السرير بجسدها المنهك من الفرح، ووضعت يدها على قلبها محاولةً تهدئة أنفاسها المتقطعة. كانت دقات قلبها تقرع بعنف، ليس من المجهود، بل من فرط السعادة التي لم تعتد عليها؛ سعادة أن تجد رجلاً يهتم بأدق تفاصيلها، ويحفظ قياساتها، ويحرص على أن تظهر في أجمل صورة دون أن يرهقها حتى في "القياس".
ساد صمت قصير في الغرفة، لم يقطعه إلا تنهيدة ياسمين العميقة وهي تنظر لسقف الغرفة بابتسامة حالمة، شعرت في تلك اللحظة أن كل وجع الماضي تلاشى، وأن عبد الرحمن لم يهدِها فستاناً وشبكة فقط، بل أهداها "أماناً" جعل قلبها يرقص من الفرح لأول مرة بصدق.
وتحدثت بنبرة صوت خافتة، مشوبة بصدقٍ جارح:
ـ "مكنش يخطر في بالي يا ماما بصراحة إني هلاقي حد زيه كدة.. ده أنا جه عليا وقت افتكرت إني مش هتجوز أصلاً، وكنت خلاص سلّمت بالأمر الواقع."
وقعت الكلمات على مسمع اعتدال كوقع الصدمة؛ فتجمدت يداها وهي تطوي أحد الأثواب، وتأملت ابنتها بنظرةٍ غلب عليها الخزي والندم. لأول مرة، رأت اعتدال "ياسمين" الحقيقية، ليس الابنة "العاقلة" التي لا تطلب شيئاً، بل الفتاة التي كادت تفقد الأمل في نصيبها من السعادة بسبب إهمال من حولها.
شعرت اعتدال بغصة مريرة؛ فبينما كانت تقضي أيامها ولياليها في تدليل "سما"، وحل مشاكلها التافهة مع خطيبها السمج، والركض وراء رغبات "الدلوعة" التي لا تنتهي، كانت ياسمين تذبل في صمت، وتغرق في بئر الإحباط واليأس دون أن يربت أحد على كتفها.
اقتربت اعتدال من ياسمين بخطوات ثقيلة، وجلست بجانبها على طرف السرير، ثم سحبتها من يدها لتغمرها بعناق حمل بداخله كل الاسف المحبوس بقلبها، اسف تخجل من اي تتفوه به بلسانها
وياسمين كانت متلقية اعتذارها بكل سماحة وشوق لبداية جديدة
..............................
بينما كانت ياسمين ووالدتها غارقتين في حالة من الصفا والتصالح والدفء، كانت النيران مشتعلة في الجانب الآخر؛ حيث انفجرت مشاجرة حامية بين سما وخطيبها جمال عبر الهاتف. بدأ جمال بالهجوم والصراخ، لترد عليه سما وهي في حالة من الانهيار والذهول من بخله وجفائه:
ـ "أنا يا جمال معنديش دم ولا إحساس؟! كل ده عشان بس بقولك عايزة ثمن فستان أحضر بيه خطوبة أختي؟"
رد الأخير بعصبية وتجبر، وزاد في بجاحته بمجرد أن ذُكرت خطوبة ياسمين:
ـ "يا بت أنتِ هبلة وهتعيشي الدور عليا؟ فستان إيه يا أم فستان اللي أجيبهولك عشان خطوبة أختك! ما تلبسي أي زفت من اللي جبتهم لك يوم خطوبتنا ولا في عيد ميلادك، هو أنا فاتحها تكية؟"
صاحت سما بقهره:
ـ "وإيه دخل ده بده؟ أنا بقولك عايزة فستان سهرة جديد، وشوية إكسسوارات مش هتكمل ألفين جنيه، ده غير حق الكوافير اللي هيظبطني.. دي أختي الوحيدة!"
قاطعها جمال بسخرية لاذعة:
ـ "والله؟ طب ما أصرف أكلك في بيتكم كمان بالمرة! اسمعي يا بت أنتِ، أنا آخري معاكي فستان الفرح والمكياج ولا السنفرة اللي هتعمليها يوم فرحنا، ولحد كدة وعظمة على عظمة.. إنما أي مناسبة تانية تحضريها وأنتِ خطيبتي، يبقى مصاريفك على أبوكي يا غالية.. ولا هو مات؟ لو مات يبقى فيها كلام تاني!"
صدمت سما من قسوة كلماته وردت بصرخة مخنوقة بالبكاء:
ـ "بعد الشر على بابا.. مش عايزة منك حاجة يا جمال، مش عايزة منك حاجة أبداً!"
أغلقت سما الهاتف وهي تنهار في بكاء مرير، شعرت لأول مرة بالفرق الشاسع بين رجل يشتري بالحب "الذهب والماس" كما فعل عبد الرحمن، ورجل يمنّ عليها حتى بثمن فستان ويستكثر عليها الفرحة بأختها
..........................
اما جمال، فقد كان يصبّ جام غضبه على مقود السيارة التي يقودها، يضربها بيده بقوةٍ وحنق شديدين بعد أن أنهى المكالمة مع "تلك الغبية" التي ارتبط بها. كان يلعن اللحظة التي "عُمي" فيها بصره وفضلها على أختها؛ حين انبهر بجمالها ودلعها المصطنع الذي لم تخجل من إظهاره أمامه منذ اليوم الأول لدخوله بيتهم، ليندفع كالأهبل ويختارها، ويجد نفسه الآن مبتلىً بتفاهتها التي لا تُطاق.
زفر بضيقٍ وهو يتذكر محاوراته معها؛ فما من مرةٍ حاول الحديث معها في موضوعٍ جاد إلا ووجدها غارقة في تفاصيل هبلاء تخرجه عن شعوره. حتى حين كان يحاول التريث والهدوء، لم تكن تصغي إلا لما يوافق هواها من أخبار الموضة، أو طلبات الهدايا، أو تفاصيل "الاستوري" التي ستنشرها.
ورغم أنه في حياته لم يتمنَّ امرأةً لعقلها أو رجاحة فكرها، إلا أن "هطل" سما وفراغ رأسها جعله يدرك ـ رغماً عنه ـ قيمة تلك النعمة التي تفتقدها خطيبته وتتمتع بها ياسمين. كان يرى الآن بوضوح أن ياسمين التي زهد فيها، هي "الأصل" والثبات، بينما سما ليست سوى قشرةٍ لامعة تخفي خلفها خواءً مستفزاً.
تمتم بغل وهو يزيد من سرعة سيارته:
ـ "ما هو برضه انا اللي كنت حمار لما رفضت ياسمين اللي عقلها يوزن بلد من اول مرة اشوفها وأقعد معاها نتعارف، عشان اختار عليها واحدة مابتعرفش تنطق كلمتين على بعض غير هات وجيب؟ تعالي نتصور، رد على الاستوري عشان اوريه للبنات واقول دا خطيبي واغيظهم بيك.
كانت المقارنة تأكله من الداخل؛ فنجاح ياسمين في لفت أنظار عائلة محترمة كعائلة عبد الرحمن، وثباتها أمام استهزائه، جعله يشعر بمدى خسرانه، وبدلاً من أن يلوم نفسه، صبّ كل هذا الاحتقار على سما، التي أصبحت في نظره مجرد عبءٍ مادي وعقلي لا يطيقه
...........................
قاد حتى وصل إلى مقر الشركة التي يعمل بها عبد الرحمن، ركن سيارته بعيداً قليلاً وظل يتأمل واجهة المبنى بتفكيرٍ عميق، يقلب في رأسه تبعيات ما سيحدث خلف المقابلة التي سوف يجريها مع الاخر، ناويا على نجاح مسعاه باي طريقة
حسم أمره وترجل من سيارته، متقدماً بخطوات واثقة ليدخل الشركة، حتى وصل إلى مكتب عبد الرحمن.
...........................
تفاجأ عبد الرحمن به يقف فوق رأسه دون سابق إنذار، وعلى وجهه ابتسامة "لزجة" مريبة، وهو يقول بمودةٍ مصطنعة:
ـ "سلام عليكم يا برنس.. ممكن اخد من وقتك لحظات؟"
نظر إليه عبد الرحمن بدهشةٍ لا تخلو من ريبة، لكنه حافظ على وقاره المهني؛ وقف ليصافحه ثم أشار بيده نحو الكرسي المقابل لمكتبه قائلاً بهدوء حذر:
ـ "وعليكم السلام.. اتفضل يا جمال، خير؟"
جلس المذكور واضعاً قدماً فوق الأخرى بتبجح، وبادر بالحديث ليدخل في غرضه فوراً:
ـ "لا مؤاخذة يا صاحبي، أنا جايلك النهاردة في شغل.. مصلحة يعني."
رفع عبد الرحمن حاجبه باستنكار وهو يبتسم بسخرية خفيفة:
ـ "شغل إيه! هو أنت ليك في 'الهاند ميد'؟ ولا ناوي تتعلم التطريز فجأة؟"
تصنع جمال ابتسامة فاترة لا معنى لها، قبل أن ينكر بأسلوبه المراوغ:
ـ "لا يا عم مش للدرجة دي طبعاً، بس الأمر يخص واحدة قريبتي، ست غلبانة والله وحالتها تصعب على الكافر."
سأله عبد الرحمن بنبرة مهنية:
ـ "ومين دي؟ وأقدر أساعدها إزاي بالظبط؟"
تصنع جمال الأسى، ملامح وجهه ترسم حزناً مزيفاً وهو يخبره:
ـ "دي واحدة قريبتي من ناحية أبويا، قابلتها امبارح والست صعبت عليا قوي وهي بتحكي عن ظروفها الصعبة من ساعة ما مات جوزها. هي بتعمل أي حاجة تساعد في المعيشة، بس حلمها إن شغل الإكسسوارات والحلي اللي بتعمله على الضيق ده يتسوق بطريقة كويسة في المعارض ويتشاف، عشان هو دلوقتي مش جايب همه ومصاريفه."
ثم فرد كفه على صدره ليزيد من جرعة الدراما المعتادة:
ـ "أنا عن نفسي عرضت عليها مبلغ شهري يساعدها، لكن هي رفضت تماماً.. ست حرة ومعتزة بنفسها، مقبلتش حد يمنّ عليها هي وعيالها."
سأله عبد الرحمن بجدية واهتمام، فقد لمست القصة جانباً إنسانياً لديه، لكنه ظل محتفظاً بأسلوب عمله:
ـ "طيب، هي شغلها كويس فعلاً ويستحق؟ ولا مجرد محاولات هواة؟ أصل بصراحة نظام الشركة عندنا صارم، ولازم يكون فيه إتقان وتميز عشان نقدر نعرضه باسمنا
بتحفزٍ غريب وحماس مفاجئ، أخرج جمال هاتفه من جيب بنطاله وفتحه بسرعة البرق، ثم قربه من عيني عبد الرحمن وهو يقول بلهجة يملؤها الزهو المصطنع:
ـ "إلا مميز! ده حلو ومميز وعظمة كمان، حتى بص وشوف بنفسك.. مَلّي عينك يا برنس."
ناول جمال الهاتف لعبد الرحمن بعد أن فتح له "الاستوديو" على صورةٍ معينة، وتابع بنبرةٍ تبدو عفوية:
ـ "أهو.. قَلّب بنفسك يا باشا وارجع لورا في الصور وشوف التشكيلة."
تركزت عينا عبد الرحمن على الشاشة، يتمعن في أول صورة ظهرت أمامه؛ كانت لعقدٍ مشغول بإتقانٍ مذهل، فلم يستطع إخفاء انبهاره وقال بتقدير:
ـ "ما شاء الله.. واضح إن كلامك صح، العقد جميل فعلاً وشغله عالي."
علق جمال بعجالة ولهفة، وكأنه يدفعه دفعاً لمزيد من المشاهدة:
ـ "قَلّب كمان.. شوف في كتير، وارجع في الصور براحتك، أنت مش غريب يا صاحبي."
بدأ عبد الرحمن يعود بالصور كما طُلب منه، منبهراً بجودة العمل، بل وبدأ يعطي ملاحظات فنية بصفته خبيراً في هذا المجال.. وفي عز اندماجه وتركيزه، تجمدت أصابعه فجأة فوق الشاشة، واتسعت عيناه بصدمةٍ جعلت الدماء تغلي في عروقه.
نزع نظارة الإضاءة التي كان يرتديها للتدقيق في الشغل، وحدق في الصورة التي ظهرت أمامه وكأنها صاعقة، ثم رفع رأسه ونظر لجمال بعيونٍ يقدح منها الشرار، فسأله بنبرةٍ مخنوقة من الغضب والاستنكار:
ـ إيه ده؟ إيه اللي جاب صورة ياسمين على تليفونك..؟!
أظهر جمال "بخضة" مصطنعة وهو يخطف الهاتف من يد عبد الرحمن، ثم نظر إلى الصورة وقال بنبرة تمثيلية يملؤها الأسف الزائف:
ـ "يا نهار أبيض! ده أنا كنت ناسي خالص إن الصورة دي لسه موجودة."
انتفض عبد الرحمن من مكانه وهدر فيه بغضبٍ زلزل أركان المكتب:
ـ "ناسي إيه بالظبط؟ ناسي صورة خطيبتي على تليفونك!
رد جمال ببرود واستخفاف مستفز، وهو يضع الهاتف في جيبه بهدوء:
ـ "بس أنت لسه مابقتش خطيبها رسمي.. على العموم يا سيدي، اللي حابب أوضحه إني كنت ناسي الصورة فعلاً، أصلها موجودة على التليفون من فترة طويلة قوي، من قبل حتى ما أخطب سما أختها."
توقفت أنفاس عبد الرحمن للحظة، وزادت نظراته اشتعالاً وهو يردد الكلمة بذهول وعدم استيعاب:
ـ "من قبل ما تخطب سما؟! إزاي يعني؟ إيه بالكلام اللي بتقوله ده؟"
هنا، ارتسمت على وجه جمال ضحكة مقيتة، ضحكة المنتصر الذي ألقى بقنبلته وينتظر الانفجار، ورد بنبرةٍ مسمومة:
ـ "أيوة يا صاحبي.. قبل ما أخطب سما، أصل ياسمين هي اللي كانت خطيبتي أنا الأول، او اللي كنت هخطبها في البداية، لكن النصيب بقى على حاجات!.
سقطت الكلمات على أذني عبد الرحمن كالصاعقة،
فتراجع للخلف خطوة على وقع الصدمة وهو يشعر بنارٍ تندلع في صدره، احمرت عيناه حتى صارتا كجمرتين مشتعلتين، وصرخ بصوتٍ هادر حبس أنفاس الموظفين في الخارج:
ـ "أنت بتقول إيه يا غبي؟! أنت واعي للي بتهلفط بيه؟ عارف عاقبة كلامك ده إيه؟"
ظلت الابتسامة الخبيثة مرسومة على ثغر جمال، وبكل برود الدنيا وضع يديه في جيوبه وقال:
ـ "ده على أساس إني بخرف يعني ولا بهلفط زي ما بتقول؟ أنا بقولك اللي حصل.. ياسمين من الأول كانت في حكم خطيبتي، يعني كان فيه كلام، وأخذ ورد، ومشاعر متبادلة.. ده كله قبل ما تظهر سما وتشقلب كياني، وأحوّد العطا عليها هي."
لم يتمالك عبد الرحمن نفسه وانقض يمسكه من ياقتي قميصه وهو يصيح بوجهه:
ـ أنت حيوان!"
قاطعه جمال فوراً ينفض ذراعيه عنه مصطنعاً نبرة الأسف والندم، وهو يهز رأسه بتمثيلٍ متقن:
ـ "عندك حق تقول كدة وأكتر كمان.. أنا فعلاً كنت حيوان لأني انهرت قدام جمال سما، وكسرت قلب ياسمين بعد ما كانت اتعلقت بيا وبنت أحلامها عليا.... لكن انا كنت اعمى البصر والبصيرة، أنا بس حبيت أعرفك عشان تبقى فاهم 'الخلفية' اللي أنت داخل عليها."
أشار عبد الرحمن بيده نحو الباب، وكان جسده ينتفض من فرط الغضب والرغبة في الفتك بهذا المتبجح، وهو لا يصدق كلمة واحدة مما يتفوه بها:
ـ اطلع بره يا حيوان! أنت فاكرني غبي عشان أصدق العته ده؟ اطلع بره قبل ما أعمل فيك حاجة تندمك عمرك كله!"
تراجع جمال إلى الخلف ينصاع لامره، مدعياً البراءة المذبوحة، حتى خطا نحو الباب وهو يرمي بكلماته الأخيرة كأنها سمّ زعاف:
ـ "الله يسامحك يا صاحبي.. كل ده عشان قلتلك الحقيقة وعايز مصلحتك؟ على العموم، مش مصدقني؟ تقدر تتأكد بنفسك من ياسمين أو من أهلها.. ولو أنكروا يبقى ليك حق عليا،....... ياللا بقى سلام يا عديلي.. هه هه!"
خرج وهو يضحك ضحكته المقيتة، تاركاً عبد الرحمن خلفه يسقط على مكتبه وهو يغلي من الغضب، تدور في رأسه آلاف الأسئلة. هل من الممكن أن تكون ياسمين قد أخفت عنه شيئاً كهذا؟ وكيف يكون بعلم أهلها؟ ما هذا العبث؟ لقد منع نفسه بصعوبة من الفتك به، موقنا انه كذاب ولكن....... نبرته الواثقة هي ما تجعل الشك يتسرب لقلبه.
ـ ......................
بينما كانت ياسمين تقوم بالبروفة النهائية لإطلالة حفل الخطوبة، تضع اللمسات الأخيرة على فستانها وتضبط الاكسسوارات المناسبو عليه أمام المرآة ، والابتسامة لا تفارق وجهها، قطع صفو اللحظة رنين هاتفها المزعج. نظرت إلى الشاشة لتجد اسم "جمال" زفرت بقرف تلقي الهاتف على الفراش خلفها. ولكن المحاولات منه لم تتوقف، حتى ضجت بازرداء تفتح الاتصال
ـ نعم..... بترن ليه حضرتك؟ خطيبتك في الاوضة التانية لو عايزها رن على تليفونها هي
جاء صوت جمال من الطرف الآخر، لزجاً ومحتقراً كعادته:
ـ بس انا عايزك انتي يا ياسمين، عايز اباركلك يا عروسة، أصل افتكرت اني نسيت ما اباركلك امبارح، قولت اروحلك النهاردة الشركة، لقيتك مش موجودة
تجمدت يد ياسمين على الهاتف الممسكة به، وقد تملكها شعور بعدم الارتياح:
ـ دا على اساس انك مش عارفة طريق بيتنا مثلا..... روحت الشركة ليه ؟
وكأن صرختها الاخيرة انعشته أكثر ليرد بضحكة خبيثة
ـ الله يا ياسمين ما بقولك روحت ابارك يا عروسة، على العموم مشواري مجاش فاشوش، وقابلت عبد الرحمن وقعدت معاه، ورغينا في كل حاجة، طلع ابن حلال بجد
مازال يتلاعب بها والاحساس السيء يخنقها، يقبض على روحها، ذلك الخبيث يتحدث بنبرة شامته لا تفهمها،
للمرة التانية بسألك، ايه خلاك تروح الشركة لعبد الرحمن ؟
ضحك طويلا ليرد في الاخير قبل ان ينهي المكالمة:
ـ تاني برضو يا ياسمين، على العموم خليه هو يفهمك ب
سقط الهاتف من يد ياسمين فوق السرير، واهتزت صورتها الجميلة في المرآة. الشك الذي زرعه جمال بدأ يتسلل إلى أعصابها..
......................
أنهى جمال المكالمة مع ياسمين وهو يشعر بانتصارٍ زائف، وهو ينطلق بسيارته، يصفر بلحنٍ مستفز، وقد عكر صفو الاثنان، اولها عبد الرحمن الذي لم يكن يهمه إن صدقه في تلك اللحظة نفسها أم لا، فكل ما أراده هو أن يزرع داخله "الشك"؛ ذلك الوحش الصغير الذي سيكبر مع كل نظرة، وكل كلمة، وكل صمت بين العروسين.
وها هو يدخل الرعب بقلب ياسمين التي ردت على الاتصال بقرف قبل أن يوقع قلبها بكلماته المبهمة فتترجى منه الاستفسار ولكنه رد الإهانة بإنهاء المكالمة دون أن يريحها.
ضاقت عينيه فجأة ليكمل متعته، فتناول هاتفه سريعا يتصل بها، خطيبته... سما والتي كانت غارقة في بكاءها بعدما كسر بخاطرها بمكالمته ورفضه شراء فستان جديد ، بالإضافة لغضبها من أبويها، غلم تعد محور اهتمامهما الاوحد كما كانت معتادة.
كانت لا تريد الرد وقد نوت على تربيته بذكائها الحاد كما تظن، إلا انها خشت غضبه، فقررت معالمته بجفاء ولكن بمجرد أن فتحت الخط، لم يترك لها فرصة للحديث، بل بادرها بنبرة غريبة، هادئة على غير العادة:
ـ "حبيبتي يا سما متزعليش مني. أنا فكرت في كلامك لما هديت وقررت اجيبلك الفستان اللي انتي عايزاه ،. إحنا لازم نجهز لخطوبة أختك أحسن تجهيز، وأنا بنفسي اللي هقف في وسط القاعة وأنا ماسك إيدك ونوريهم مين هما العرسان بجد."
توقفت سما عن البكاء بذهول، ولم تصدق هذا التحول المفاجئ:
ـ "بجد يا جمال؟ يعني هتجيب لي الفستان وتيجي الخطوبة؟"
رد بخبث وهو يرسم في خياله القادم من أحداث:
ـ "اجيب لك احلى فستان كمان.. أنا بس كنت مضغوط في الشغل. جهزي نفسك، اليوم ده هيكون يوم مشهود، يعني احنا لازم نيقى بنلمع من النضافة والحلاوة
كانت سما تطير فرحاً، ظناً منها أن جمال "لان" قلبه، ولم تدرك أنها أصبحت مجرد "ديكور" في مسرحية الانتقام التي ألفها.
..................................
كان عبد الرحمن في مكتبه أشبه بمن يسير في حقل ألغام؛ الضجيج في رأسه لا يهدأ، والشكوك تنهش في صدره كأنيابٍ حادة. أفكاره مشتتة بين الغضب والذهول، يضرب كفاً بكف وهو يتساءل: كيف يمكن لدراما بهذا القبح أن تحدث؟ "أختين ورجل واحد؟!".. الفكرة بحد ذاتها كانت تثير غثيانه.
دارت التساؤلات في رأسه كالإعصار:
لم يعد يدري أي طريق يسلك؛ أيتصل ببياسمين ويواجهها؟ أم يقطع الشك باليقين ويذهب إلى بيتها ليسأل والدها ووالدتها مباشرة؟
كانت الفكرة تنهش في صدره: كيف يمكن لرجل أن يخطب فتاة ثم يذهب ليخطب أختها؟ لا بد أن في الأمر سراً خفياً! وتساءل بمرارة:
"يا ترى الولد ده قال كدة ليه؟ هل من الممكن أن تكون ياسمين قد حبته في يوم أو شغل بالها؟ يا نهار أسود! دا خطيب أختها، ورجله هتفضل رايحة جاية على بيتهم في وجودي، او من غير وجودي!"
كان الصراع يمزقه؛ هل يواجهها الآن ويحرق تلك الفرحة التي رآها في عينيها؟ أم يذهب لرشدي ويعرف حقيقة "الكلام والوعود" التي ادعاها جمال؟
ـ "الله يخرب بيته، دماغي هتنفجر!"
غمغم بها وهو يدفن وجهه بين كفيه، وفي تلك اللحظة، اهتز الهاتف فوق المكتب بعنف، وظهر اسم "ياسمين" يلمع على الشاشة. تجمد مكانه.. الرنين في هذه اللحظة كان ثقيلاً، وكأنه نداء استغاثة أو مواجهة قدرية لم يكن مستعداً لها بعد.
ولكنه حسم في الاخير ليفتح الخط ويرد عليها
:
ـ "ألو.. أيوة يا ياسمين، إزيك؟"
خرج صوته خافتاً ومكتوماً، فشعرت ياسمين فوراً أن عبد الرحمن ليس بطبيعته؛ وهو الذي كانت ردوده دائماً تفيض بالحماس والبهجة، بدا الآن فاتراً. فخرج ردها إليه بارتباكٍ واضح:
ـ "ألوو.. يا عبد الرحمن، أنا.. أنا كنت بتصل أطمن عليك، إيه أخبارك؟"
ـ "كويس.. الحمد لله.. ااا..."
قطع جملته فجأة، مما زاد من ريبتها وجعلها تسأله مباشرةً لتنهي حالة الشك:
ـ "عبد الرحمن، أنت كويس؟ في حاجة شغلاك أو مضايقاك؟"
وصلتها عبر سماعة الهاتف أنفاسه القوية والمضطربة، تلاها صمت دام لحظات قبل أن يحسم أمره ويقول بنبرة جادة:
ـ "بقولك إيه يا ياسمين، أنا خلصت اللي في إيدي.. إيه رأيك نتقابل دلوقتي ونتغدى في أي مطعم قريب؟"
طبعاً كانت موافقتها فورية، وهذا كان غرضها من الأساس؛ أن تلتقي به وجهاً لوجه لتعرف إن كان ذلك المسمى "جمال" قد زاره فعلاً في الشركة أم لا، وإن حدث.. فماذا قال له؟ وكيف استغل جمال غيابها عن العمل بسبب تحضيرات الخطوبة ليبث سمومه في أذنه
.....................
في طريقها للخارج، وبينما كانت ياسمين تغادر غرفتها بقلبٍ مثقل، اصطدمت بأختها سما التي كانت تركض بلهفة وعجالة، فاعتذرت لها بكلمات مقتضبة:
ـ "معلش يا ياسمين.. أصل مستعجلة قوي، لازم ألحق قبل جمال ما يرجع في كلامه!"
وتابعت بضحكة رنانة وهي تهرع نحو غرفتها لتبدل ملابسها، بينما كانت ياسمين تطالع أثرها باستغراب لم يدم طويلاً، إذ قطع الصمت ذلك الصوت المزعج وهو ينادي من الصالة بجفاء:
ـ "بسرعة يالا يا سما.. قبل المحلات ما تقفل."
التقت عينا ياسمين بعيني جمال، فتابع هو بابتسامة خبيثة تحمل في طياتها مئات المعاني المسمومة:
ـ "عايزين نجيب أحلى فستان عشان تحضري بيه الخطوبة المنتظرة.. ولا إيه يا ياسمين؟"
لم ترد عليه بكلمة واحدة، بل فضلت الصمت وهي تراقبه، بينما كانت تسمع عبارات الثناء والمديح تنهال عليه من والدها، الذي راح يشيد بشهامته وكرمه مع سما. في تلك اللحظة، شعرت ياسمين برغبة عارمة في الصراخ بوجهه، ومطالبته بتفسير لكلامه الغريب الذي ألقاه على مسامعها في الهاتف منذ قليل، لكن وجود والدهما واندفاع سما قتلا أي فرصة للمواجهة.
لم يكن أمامها سوى الانسحاب، والانتظار حتى تصل إلى عبد الرحمن؛ فهو الوحيد الذي سيضع حداً لهذا التخبط، وهو من سيخبرها بما جرى في مكتبه، لتفهم أبعاد اللعبة القذرة التي يحيكها جمال ضدها
......يتبع بالجزء الاخير
