رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7 بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين بقلم امل نصر

رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل السابع 7

كان الصمت في هذه الجلسة يختلف عن صمت لقاءاتهم السابقة؛ فلم يكن صمت "خجل" أو "تأمل"، بل كان صمتاً ثقيلاً ينم عن عاصفةٍ توشك أن تنفجر. جلست ياسمين أمام عبد الرحمن تحاول أن ترتشف من كوب العصير برقة، لكن يدها كانت ترتجف قليلاً وتوجسها ينمو مع كل ثانية تمر.
كانت تراقبه بدقة؛ رأت اضطراباً في حركة يديه، وتشتتاً في عينيه اللتين تهربان منها نحو أحد زوايا المطعم الجالسان به، ثم تعودان فجأة لتستقرا على وجهها بنظرة غريبة، نظرة يملؤها التردد والبحث عن حقيقة ضائعة. هذا التوتر الملحوظ أزعج ياسمين، فقررت أن تقطع حبل الكلام الروتيني والمجاملات الباهتة، وتواجهه بما يدور في خلدها.
وضعت كوب العصير على الطاولة، وسألته بنبرة مباشرة أصابت قلب الهدف:
ـ "جمال خطيب سما قابلني وأنا جاية.. وبلغني إنه راح لك الشركة النهاردة عشان يباركلك."
تصلب جسد عبد الرحمن بمجرد نطق اسم "جمال"، وكأن تياراً كهربائياً ضرب أعصابه. وضع يده على جبهته يمسح عرقاً لم يكن موجوداً، وحاول أن يبتسم ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه وهو يرد:
ـ "أيوة.. فعلاً جه، وكان يوم غريب قوي."
لم تكتفِ ياسمين بهذا الرد المقتضب، بل أكملت وهي تحاول قراءة ما وراء ملامحه:
ـ يوم غريب ازاي يعني؟ وضح اكتر يا عبد الرحمن.
ساد صمت مطبق لثوانٍ، كان عبد الرحمن يصارع فيه نفسه؛ هل يواجهها بصورة الهاتف وكلام جمال المسموم؟ أم يحافظ على هدوئه في ليلةٍ كان من المفترض أن تكون الأجمل؟ لكن الشك كان قد بدأ ينخر في صدره، فنطق بكلمات خرجت منه محملة بمرارة مكتومة:
ـ يعني..... هو كان قال حاجة كدة قدامي ، وانا كنت عايز اتأكد عنها منك 
حبست ياسمين أنفاسها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها؛ فهي تعلم جيداً "خبث" جمال، ومن هيئة عبد الرحمن أيقنت أن القادم ليس خيراً أبداً.
قالت بنبرة حاولت جعلها متماسكة:
ـ "اتفضل.. قول الحاجة اللي عايز تتأكد منها."
ساعتها اتخذ عبد الرحمن قراره، ولم يرد المماطلة أكثر من ذلك؛ أراد مواجهتها بما سمع رغم عدم منطقيته، فقط لينهي ذلك الصراع الذي يمزق رأسه، فسألها مباشرة:
ـ "هو أنتِ كان ليكي علاقة باللي اسمه جمال ده قبل ما يخطب أختك؟"
شهقت ياسمين بخضة، ولاح على وجهها غضبٌ جعل عبد الرحمن يشعر بفظاظة تعبيره وكيف خانه التوفيق في السؤال، فاستدرك سريعاً:
ـ أسف يا ياسمين.. بس أنا شفت صورتك على تليفون الحيوان ده، وهو اللي قالي.."
قاطعته ياسمين بقهر، والدموع تنهمر من عينيها فجأة وكأنها كانت تنتظر الإشارة، واسترسلت بمرارة:
ـ "قالك إيه؟ ده بني آدم حقود ومريض، ولا أعرفه ولا كان ليا بيه أي علاقة من أساسه! كل الحكاية إنه دخل بيتنا عن طريق صاحب بابا، هو اللي كان عايز يوفق راسين في الحلال.. حكوا لي عن مواصفاته، وشفت صورته، وهو كمان شاف صورتي، ووافقت إنه يدخل بيتنا على الأساس ده، ان ممكن يحصل قبول ما بينا."
توقفت تلتقط أنفاسها المتهدجة ثم واصلت:
ـ "دخل بيتنا في جلسة تعارف، ودي حاجة معروفة في 'جواز الصالونات'، يعني مش أنا اللي اخترعتها ولا أهلي.. والزيارة تمت على خير، لكن.."
حثها عبد الرحمن بلهفة:
ـ "لكن إيه يا ياسمين؟ كملي."
ردت بصوت مخنوق وعيناها معلقتان بطرف الطاولة أمامها:
ـ "تاني يوم لقيت أهلي فجأة وبدون مقدمات بيبلغوني إنه اختار أختي 'سما' بعد ما دخلت وسلمت عليه!"
قال عبد الرحمن بذهول:
ـ "كده؟ بكل بساطة؟"
هزت رأسها بخزي، وأكملت بصوت يخرج بصعوبة:
ـ "بابا وماما وسما.. التلاتة كانوا موافقين، وطلبوا مني أنا كمان أوافق وأعتبر إنه متقدمليش من أساسه، عشان محرجش أختي وأكسر فرحتها."
في تلك اللحظة كان رد عبد الرحمن هو الصمت المطبق، صمتٌ طال حتى صار ثقيلاً كالرصاص، وعندما رفعت ياسمين رأسها لتنظر إليه، تمنت لو أنها لم تفعل؛ فقد رأت في عينيه نظرة جعلتها تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها ولا أن تراها
نظرة استهجان وربما قرف، كانت جارحة بصورة أوجعت ياسمين في أعماق روحها، لكنها واجهته بثبات رغم اهتزاز صوتها:
ـ "أنا عارفة إنه أمر مقزز، بس أهلي ناس على قد حالهم، شافوا إنه فرصة كويسة وأختي زيهم.. يعني أنا مكانش في إيدي حاجة عشان أرفض ولا أوقف الموضوع."
للمرة الثانية يقابلها بصمته، لكنه لم يصمد طويلاً حين زفر من صدره أنفاساً مشحونة بغضبه، ثم قال:
ـ "طيب ومشاعرك يا ياسمين؟"
ـ "مالها مشاعري؟"
كانت شجاعة بقوتها أمامه، تجبره على إخراج كل ما يدور برأسه، فأكملت بحدة:
ـ "قصدك إني حبيته؟ أو يمكن كنت بغير لما بشوفه مع أختي اللي خدت مكاني وبتحسر من جوايا؟ ولا تقصد إني لسه محتفظة له بحاجة جوايا؟"
رد بنبرة دفاعية:
ـ "أنا مش قصدي يا ياسمين.."
ـ "لا، أنت قصدك كدة، وهو ده اللي بيدور في دماغك دلوقتي."
ـ "أي واحد ممكن يفكر كدة!"
ـ "فعلاً، أي واحد ممكن يفكر تفكيرك، خصوصاً وهو داخل وخارج على بيتنا، و.."
توقفت ياسمين فجأة لما رأت أثر كلماتها وقد أصابت كبد الحقيقة التي بان ضيقها على وجهه، لتقرر في لحظة كبرياء جريح أن تنهي هذا الصراع قبل أن يبدأ:
ـ "أجيب لك الناهية يا عبد الرحمن.. هو فعلاً عرف يزرع الشك في قلبك، وما دام الشك دخل ما بينا يبقى مفيش أمل، يعني مهما حاولت اشرح ولا اوصف عن كرهي او قهري من صفة الإنسان دا اللي اتكلمت عنه، برضه مش هتصدق، ومش بعيد تاخدها الناحية العكس يبقى بلاها احسن"
سألها بذهول وتوجس:
ـ "قصدك إيه يا ياسمين؟"
حبست أنفاسها، وجاسرت نفسها لدقائق وهي تنظر ليده التي لم تمتد لتطمئنها، بل ظلت متشنجة من أثر "القرف" الذي شعر به، ففاجأته بقرارها الصاعق. وبيد ترتعش لكنها حاسمة، نزعت الدبلة من إصبعها ووضعتها على الطاولة أمامه بهدوء يسبق العاصفة
ـ قصدي ان أوفر عليك وعليا الدخول في الدائرة الجهنمية دي للشك من بدايتها...... واعفيك من أي حرج.
........................
دخلت ياسمين المنزل بأكتافٍ منكسرة وروحٍ مجهدة، وكأنها تحمل ثقل الجبال فوق ظهرها. كان مظهرها كفيلاً بأن يخبر أي عابر سبيل في الشارع بأن هناك خطباً جسيماً قد وقع، فما بالك بالأم التي تقرأ تفاصيل ابنتها ككتاب مفتوح؟
تقدمت "اعتدال" نحوها بتوجس وقلق، تسألها عما أصابها، لكن ياسمين لم تنطق بحرف. سارت بخطوات آلية حتى وصلت إلى أول مقعد صادفها، وسقطت عليه بجمودٍ مخيف، وكأنها لم تعد تشعر بما حولها. كانت عيناها شاردتين في فراغ الردهة، وجسدها متخشباً تماماً رغم محاولات والدتها لتحريكها بهز كتفيها بعنف وهي تصرخ بجزع:
ـ "يا بت مالك؟ ردي عليا يا ياسمين! انطقي يا بنتي، لو حد مات أو حصلت مصيبة المهم تردي، متموتنيش من الخوف عليكي كدة!"
لم تستجب ياسمين لدموع والدتها ولا لنحيبها؛ فصدمتها في "عبد الرحمن" كانت أشد قسوة من كل ما مرت به. لم تكن تشعر ببرودة جسدها، بل بمرارة الكلمات التي قيلت، وبخيبة الأمل في الشخص الوحيد الذي ظنت أنه سيكون هو "العوض" لها عما عانته طوال سنوات عمرها من تفرقة واضحة بينها وبين شقيقتها من قِبل والديها، وما زالت تعانيه مع دخول ذلك الخبيث وألاعيبه المستمرة في تخريب حياتها.
ظلت اعتدال تواصل نداءها وهزها بجزع، وقلبها يكاد يتوقف من الرعب، بينما ياسمين غائبة في عالم آخر، تتذكر بمرارة كيف وضعت "الدبلة" على الطاولة، وكيف تركته وغادرت دون أن تنظر خلفها، تاركة وراءها كل أحلامها التي تهشمت عند أول اختبار حقيقي للثقة.
بدرت التفاتة مفاجئة من ياسمين نحو باب البيت، تزامناً مع صوت سما الذي دوى بمرحٍ مستفز وهي تدعو خطيبها للدخول:
ـ "تعالي شوفي يا ماما الفستان اللي جابهولي جمال، عشان تعرفي خطيبي وحلاوته وكرمه.. يا ماما! يا ياسمين! إيه ده، أنتوا قاعدين هنا؟"
هرولت سما لتقف أمام والدتها وشقيقتها، وبدأت تفتح كيس الفستان بلهفة وتفرده أمامهم، غير مبالية ـ أو ربما متجاهلة ـ لمنظرهم الغريب وحالة الوجوم التي تخيم على المكان. صاحت سما بزهو وهي تتأمل القماش اللامع:
ـ "شايفة يا ياسمين؟ الفستان يجنن! هو أينعم شبه فستانك حبتين، بس أنتِ العروسة طبعا ودي حاجة معروفة يعني!"
كان جمال يخطو خلفها بخطواتٍ واثقة، وعيناه تلمعان بانتشاءٍ خفي وهو يرى حال ياسمين "المحطم"، أيقن أن سمه قد سرى في عروق عبد الرحمن كما خطط تماماً. تقمص دور البراءة والشهامة وهو يقول بنبرةٍ سمجة:
ـ "أنا سبتها تختار اللي هي عايزاه يا ياسمين، يعني ماليش دعوة إن كان شبه فستانك اللي ماشفتوش أصلاً.. المهم هي تكون مبسوطة."
ما أقبح ملامحه في تلك اللحظة! وما أشد قبح أختها "المريضة" التي جلبت فستاناً لا يشبه فستان ياسمين فحسب، بل تعمدت أن يتفوق عليه بتفاصيلٍ أكثر فخامة، وكأنها حتى لو تمت فرحة شقيقتها، كانت ستصر على إنقاص فرحتها بأنانيتها المعهودة.
نظرت ياسمين إلى الفستان، ثم إلى جمال، ثم إلى أختها التي تتمايل فرحاً بخطفتها الجديدة، وشعرت بغثيانٍ يكتسح صدرها. لم تعد ترى فيهم بشراً، بل مسوخاً تقتات على حزنها. وفي تلك اللحظة، ومع نظرة جمال المتشفية، شعرت ياسمين بشيءٍ ينفجر داخلها؛ لم يعد الصمت خياراً، ولم يعد الانكسار حلاً
ـ"مبسوط دلوقتي أكيد بعد ما خربتها وقعدت على تلها؟ اشتريت للمتخلفة اللي معاك اللي يلهيها ويبينك قدام الجميع إنك بريء ومتعرفش حاجة!"
قبل أن ينطق جمال بكلمة، أو حتى يظهر عليه رد فعل، سبقته سما الرد بتفاهةٍ مفرطة، دون أن تدرك حجم الكارثة:
ـ "مين دي اللي متخلفة يا ياسمين؟ أنتِ بتشتميـني عشان جايبة فستان شبه فستانك؟ ولا عشان عارفة إنه هيليق عليا أكتر منك؟"
ـ "اخرسي يا سما.. وخليني أعرف إيه اللي حاصل!"
كان هذا صوت "اعتدال" الذي دوي في الأرجاء؛ وقد بدأت الأم تنتبه أخيراً لحرب النظرات المستعرة بين. ابنتها الكبيرة التي كانت منهارة منذ لحظات، ولم ينطق لسانها إلا حين رأت خطيب أختها. جمال الذي كان يتصنع المفاجأة، لكن من ينظر إليه بتمعن يدرك أنه كان ينتظر هذا الرد، فعيناه لم تفارق ياسمين منذ دخوله.
حاولت سما المجادلة مجدداً:
ـ "يا ماما أنتِ مش سامعة بنتك بتشتمني بإيه؟"
ـ "اخرسي بقولك!"
صرخت بها اعتدال للمرة الثانية، لتلجم ابنتها وتصدمها بغضبها الجامح. فنهضت  عن كرسيها ثم تقدمت لتواجه جمال وجهاً لوجه، مما جعله يتراجع خطوة للخلف وقد بدأت علامات الارتباك تظهر عليه من حدتها غير المتوقعة.
سألته بنبرة كالرصاص:
ـ "ممكن أعرف أنت عملت إيه مع بنتي بالظبط يخليها تحتد عليك بالطريقة دي؟ 
اجفل جمال بهيئة اعتدال العدائية والتي ولأول مرة يشهدها اتجاهه، ، حتى خرج صوته بنبرة دفاعية مهزوزة وهو يحلف كذباً:
ـ "والله ما أعرف حاجة يا حماتي! ما أنا داخل قدامك أهو مع سما، وكنا بنجيب الفستان اللي هتحضر بيه خطوبة المحروسة.. يعني عملت إيه بس؟"
ـ "أيوة.. هي دي العبارة المتوقعة بالضبط!"
قالتها ياسمين وهي تنهض بجسدها المنهك، وتقترب منه بخطوات ثابتة حتى وضعت عينها في عينيه بقوة، تواجه نذالته دون تراجع:
ـ "لعبة دنيئة ورخيصة، حقيقي.. أنا ماشفتش في حياتي حد يثير الغثيان زيك!"
هذه المرة، نجحت كلمات ياسمين ووصفها المقزز له في إخراجه عن حالة "الانتشاء" التي كان يشعر بها، ليحل محلها غضب حقيقي بدأ يظهر في عروق وجهه النافرة، فرد بصياح:
ـ "الله الله يا ست ياسمين! إحنا سكتنا له دخل بحماره ولا إيه؟ ما تلمي عني بنتك يا حماتي، أنا محترمها لحد دلوقتي عشان خاطرك بس!"
صرخت اعتدال وقد تملكها الشك وفاض بها الكيل من مراوغته:
ـ "لا يا خويا ما تحترمنيش! قولي بس البت بتعمل معاك كدة ليه؟ ولو غلطانة يبقى حسابها عليا، المهم أعرف إيه اللي حصل خلى بنتي ترجع مكسورة الخاطر والدبلة مش في إيدها!"
وقفت سما مذهولة، تسقط كيس الفستان من يدها وهي تنظر ليد ياسمين الخالية ثم لجمال، بينما ظل جمال يوزع نظراته بين الأم المشتعلة والابنة التي كشفت كل أوراقه.
ضغطت ياسمين على أسنانها وقالت بصوت مسموع للكل:
​"عايزة تعرفي عمل إيه يا ماما؟ راح لعبد الرحمن الشركة.. ورّاله صورتي على تليفونه وقال له إني كنت خطيبته وحبيبته قبله! هي دي كل الحكاية، وآدي النتيجة اللي كان بيخطط لها، ارتحت دلوقتي؟"
​شهقت اعتدال بجزع وهي تضرب على صدرها من شدة الصدمة:
ـ "يا نهار أسود! أنت عملت كدة فعلاً يا جمال؟ تروح تخرب بيت البنت وهي لسه بتسمي وتقول يا هادي؟"
​انتفض جمال من مكانه محاولاً الإنكار بأسلوبه المراوغ:
ـ "وربنا كدابة يا حماتي! ده هو اللي كان بيفتش في التليفون بتاعي ولقى صورة ياسمين اللي كنت أنا أصلاً ناسيها.. حاولت أفهمه إنها صورة قديمة بعتها لي عم محمد اللي كان متصدر للنسب ما بينا، والكلام ده كان قبل ما أدخل بيتكم وأختار سما اصلا.. دي دلوقتي أخت خطيبتي يعني زي أختي بالظبط، هو بقى اللي إنسان شكاك ودماغه وسخة، أنا مالي؟"
لم تنتهِ جملة جمال حتى كانت ياسمين تضحك ضحكة قهرٍ مريرة، ضحكة تعبر عن مدى صدمتها من قدرته الفائقة على ليّ الحقائق وتزييفها في ثوانٍ.
أما اعتدال، فظلت تنظر إليه بعينين زائغتين، تحاول استيعاب "السم" الذي يدسه في ثنايا تبريره، فصاحت به بنبرة مرتعشة:
ـ "ناسيها؟ وناسيها ليه يا جمال؟ وليه أصلاً تفتح تليفونك قدامه وتوريه صور تخصنا؟ وأنت عارف إن النفوس شايلة، وعارف إن عبد الرحمن غيور!"
رد جمال بتبجح وهو يحاول كسب "سما" لصفه، فنظر إليها وكأنه يستنجد بعقلها الصغير:
ـ "يا حماتي افهمي، إحنا كنا بنتكلم في شغل، والتليفون كان مفتوح قدامه بنشوف صور شغل لواحدة قريبة قريبتي كنت بتوسطلها عنده، انما هو اللي قعد يقلب ويدعبس لغاية ما جاب الصور القديمة! أنا ذنبي إيه إن بنتك ياسمين كانت 'مشروع' جواز قديم وفشل؟ أنا ذنبي إيه  لو كانت لسه متأثرة بالموضوع ده وشايفة إن كل حركة بعملها مقصودة؟"
هنا انفجرت سما، وبدلاً من أن تدافع عن أختها، جذبتها نار الغيرة التي أشعلها هذا الخبيث بذكاءه: فقالت وهي تنظر لياسمين بحقد:
ـ "يعني أنتِ يا ياسمين عايزة تخربي بيتي وتوقعي بيني وبين خطيبي عشان عبد الرحمن طلع شكاك؟ إيه اللي يخلي صورة قديمة تبوظ جوازتكم إلا لو كان هو اللي بتلكك، اكيد في سبب تأني والبيه بيجيبها في خطيبي"
نزلت الكلمات على ياسمين كالسوط، التفتت لأختها بذهول وقالت بصوت مخنوق:
ـ "أنتِ بتقولي إيه؟ بتصدقي البني آدم ده وتكذبي أختك؟ ده راح له مخصوص عشان يهد البيت فوق راسي، ده قال له إني كنت حبيبته وكسر قلبي! أنتِ مش فاهمة إنه بيلعب بينا كلنا؟"
قاطعها جمال بصوته الخشن وهو يتوجه للباب كأنه غاضب ومظلوم:
"أنا ماشي يا سما، ولما بيتكم ده يهدى وتعرفوا مين الظالم ومين المظلوم ابقوا كلموني.. أنا مش هقعد في مكان بتهان فيه وأنا معملتش حاجة غير إني حبيت واحدة فيكم واتقيت الله فيها!"
ـ "تمشي تروح فين يا جمال؟ حد قالك إن البيت ده مفهوش راجل؟"
جاءت الصيحة من رشدي الذي خرج من غرفته فجأة، ليلفت أنظار الجميع إليه بوجهه العابس وهيئته المبعثرة؛ فقد بدا وكأنه استيقظ للتو من نومٍ ثقيل على أثر الضجيج. جأر بصوته جهوراً وهو يوزع نظراته الغاضبة نحو الجميع، بمن فيهم جمال الذي أجفل هو الآخر من هذا الحضور المهيب:
ـ "أنا صحيت من النوم على صوت خناقكم، وسمعت كل حاجة يا ولاد الـ... واخدين راحتكم ولا كأن في راجل نايم جوه؟ يا معدومين الأدب والدم!"
كانت نظراته الحادة موجهة تلقائياً نحو ياسمين، وكأن قلبه قد امتلأ مسبقاً بالتهمة ضدها، وهو الأمر الذي التقطته شقيقتها سما بذكاءٍ خبيث، لتقترب من أبيها وتستنجد به بمظلوميةٍ مصطنعة:
ـ "الحقني يا بابا! تعالى شوف بنتك 'الهانم المحترمة'.. اتخانقت هي وخطيبها ودلوقتي جاية تخرب عليا أنا كمان! عايزة تطفش خطيبي اللي أخدني من إيدي واشترى لي فستان عشان أحضر بيه خطوبتها.. خطوبتها اللي اتفشكلت بسببه، ودلوقتي عايزة تخليني أنا كمان زيها
بمجرد أن انتهت سما من جملتها التحريضية، ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى أنفاس رشدي المتلاحقة وهو يقترب من وسط الصالة، وعيناه لا تزالان معلقتين بياسمين بنظرة لومٍ قاسية، وكأنها هي الجاني لا المجني عليه.
ـ "كلام أختك ده صح يا بت؟ يعني عشان عبد الرحمن طلع مش راجل وطفش قبل ما نعمل حفلة خطوبتكم، جاية تطلعي غلك في أختك وخطيبها؟ جاية تخرقي المركب باللي فيها؟"
ارتعشت شفتا ياسمين بقهرٍ شديد، فخرج ردها في صرخة مدوية احتجت بها على انعدام العدل؛ شقيقةٌ تقلب الحقائق في ثانية، وأبٌ مستعد لرمي التهم عليها دون بينة:
ـ "أنا اللي بخرق المركب يا بابا؟! وعبد الرحمن طلع مش راجل؟ ولا أنت اللي ما صدقت تلاقي تهمة ترميها عليا قبل ما تسمعني أو تفهم سبب المصيبة اللي أنا فيها؟ كل ده عشان أنت أب ظالم!"
ـ "ظالم يا بت الكلب؟!"
لا يدري متى خرجت منه، ولا كيف امتدت كفه لتحط على خد ياسمين بصفعة قوية أجفلت الجميع، حتى صرخت "اعتدال" وهي تتوسط بين ابنتها وزوجها لتمنعه عنها وهي تؤنبه بحدة:
ـ "إيه اللي بتعمله ده يا رشدي؟ هي بنتك لسه صغيرة عشان تمد إيدك عليها بالشكل ده؟"
كان رشدي متفاجئاً من نفسه أمام أنظار "جمال" الذي لم يتخيل أن يتطور الأمر إلى هذا الحد، ولا "سما" التي أصابها الذهول، لكنه حاول تبرير فعلته بصوتٍ لاهث:
ـ "هي السبب.. عايزاني أسكت لها وهي بتبجح فيا وبتقول عليا ظالم؟"
اكتفت اعتدال بزجره بنظرة خانقة، ثم التفتت نحو ابنتها التي بدت كتمثالٍ رخامي؛ لم تنزل منها دمعة واحدة، ولم ترفع كفها حتى لتلمس أثر الصفعة التي طبعت أصابعها حمرةً ووجعاً على خدها.
كانت ياسمين جامدة بصورة تثير القلق والارتياب، لم ترد بكلمة واحدة على والدتها التي كانت تسألها بجزع لتطمئن عليها ولو بلفتة صغيرة، لكنها لم تفعل.. كل ما فعلته أنها ظلت للحظات محدقة بعيني والدها، الذي كان يجاهد ليدعي القوة أمامها ويوهم نفسه بأنه صاحب حق رغم شعوره القاتل بالخطأ.
تجاهلت "جمال" وشقيقتها تماماً، وكأنها لم تعد تراهما، وظلا يرقبانها بوجل في انتظار أي رد فعل، حتى تحركت فجأة بخطوات آلية متوجهة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوءٍ مرعب، مخلفة وراءها صمتاً أشد إيلاماً من صوت الصفعة ذاتها
................................
كان وقع كلمات "اعتدال" كالمطارق فوق رأس "رشدي"؛ فالحقيقة التي كانت تحاول إخفاءها لسنوات برزت الآن عارية وقاسية أمام عينيه.
ـ "كان لازم تسمع منها قبل ما تمد إيدك عليها يا رشدي.. بنتك لو ضاعت مننا هتبقى أنت السبب يا رشدي!"
كانت اعتدال بنحيب متواصل توجه اللوم نحو زوجها، الذي كان ضميره يؤنبه بالفعل منذ اللحظة التي لمست فيها كفه وجه ابنته. استمع منها للقصة كاملة، ومنذ تلك الساعة والبيت يلفه صمتٌ جنائزي؛ بنتهما حبيسة غرفتها، ترفض الخروج أو حتى طمأنتهما، ولا تقبل أن "تبل ريقها" بقطرة ماء، رغم أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل.
كلما حاولا الطرق على الباب، لم يأتِهما سوى رد واحد بصوتٍ واهن مكسور:
ـ "عايزة أقعد لوحدي."
رد رشدي بعصبية محاولاً التملص من وخز ضميره:
ـ "ما خلاص بقى يا اعتدال وكفاياكي تقطيم فيا! أولع في نفسي يعني عشان تستريحي؟ هو لولا بنتك وقلة أدبها أنا كنت همد إيدي عليها؟"
ـ "بنتي عمرها ما قلة أدبها!"
صرخت بها اعتدال في وجهه وهي تسقط على الأريكة بتعب، ودموعها لا تتوقف:
ـ "طول عمرها مفيش في أدبها.. ساكتة وهادية وراسية، بتقبل بقليلها حتى وهي عيلة صغيرة، عقلها دايماً كان سابق سنها. لكن إحنا استغلينا ده وبقينا نيجي عليها في كل حاجة عشان عارفين إنها هترضى، مش زي أختها اللي بتاخد زيادة عن نصيبها وإحنا بنديها بطيب خاطر عشان نأمن إنها متزعلش مننا!"
شهقت بالبكاء وهي تواصل بمرارة:
ـ "طول عمرنا كنا ظلمة معاها، عمرنا ما كنا عادلين.. فضلنا نضغط ونضيّع عليها كل حاجة حلوة لحد ما وصل الظلم لمستقبلها كمان.. يا رب.. يا رب سامحنا."
واصلت اعتدال بكاءها المرير، بينما وقف رشدي عاجزاً عن الرد؛ فكلامها أصاب الحقيقة في مقتل، ولم يجد ما يدافع به عن نفسه سوى الصمت المطبق، بينما كان جمال وسما خلف الأبواب المغلقة داخل غرفهما، كلٌ منهما يواجه شياطينه بطريقته، والبيت كله ينتظر.. ماذا ستفعل ياسمين حين يشرق الصباح
..........................
في اليوم التالي، وبمجرد أن انفتح باب غرفة ياسمين، هرعت والدتها إليها بلهفة:
ـ "ياسمين! يا بنتي طمنيني عليكي."
توقف الكلام على لسان "اعتدال" وهي تشاهد ابنتها مرتدية ملابس الخروج، وتجمع في يدها مجموعة من الأوراق الهامة تضعها في ملفٍ خاص، الأمر الذي أثار استغرابها فتحدثت دون ترتيب:
ـ "الحمد لله إنك فتحتي وشوفتك واطمنت عليكي.. أنا وأبوكي طول الليل كنا هنتجنن عليكي، بركة يا حبيبتي إنك كويسة.. يا ريتك بس كنتِ طليتي علينا ولو دقيقة واحدة، ده أنتي وقفتي قلبنا! هو أنتي خارجة فين؟ رايحة الشغل؟"
ردت ياسمين بفتورٍ وجفاء:
ـ "خلاص مفيش شغل، أنا عندي مشوار تاني."
ـ "مشوار إيه؟ وشغل إيه اللي تسيبيه يا ياسمين؟ أكيد عبد الرحمن لا يمكن يرفدك.. هو صحيح مختفي ليه هو كمان؟ من امبارح بنرن عليه وتليفونه مغلق، والست والدته هي كمان بتقول مش عارفة طريقه!"
ـ "أنتوا اتصلتوا بوالدته؟!"
صرخت ياسمين بجزعٍ أخاف والدتها، قبل أن تحاول تملك أعصابها وتستغفر الله وهي ترجع خصلات شعرها للخلف حين رأت الذعر في عيني أمها، ثم قالت بنبرة حاسمة:
ـ "أنا آسفة.. بس أرجوكم، محدش يتدخل ولا يتصل بحد تاني، الموضوع ده انفض وانتهى خلاص."
أومأت اعتدال برأسها بطاعة خوفاً من انفجار ابنتها مجدداً، قبل أن يعاودها الفضول:
ـ "طيب وأنتي لابسة ومتجهزة كدة رايحة فين، مادام مش رايحة الشغل؟"
ردت ياسمين بكلماتٍ سقطت كالصاعقة على مسامع الأم:
ـ "أنا بجهز أوراقي للسفر!
...........................    
في مكان آخر، كانت سما في طريقها لدخول حرم الجامعة قبل أن تتفاجأ بصوت ينادي اسمها بقوة. التفتت نحو مصدر الصوت، ولفت نظرها على الفور هيئة سيارة تعرفها جيداً، خرج منها صاحبها وهو يخلع نظارته الشمسية عن عينيه، فشهقت بشغف وهي تردد اسمه:
ـ "عبد الرحمن!"
تقدم عبد الرحمن نحوها بخطوات هادئة، لكن ملامحه كانت تحمل ثقلاً غريباً، ونظراته لم تكن كالمعتاد. تكلم بنبرة رسمية ومقتضبة وهو يطلب منها:
ـ "معلش يا سما.. ممكن آخد من وقتك نص ساعة؟"
.... يتبع بالجزء الاخير

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا