رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8 بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8 هى رواية من كتابة ايه العربي رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8

رواية صياد النايا ال حانا بقلم ايه العربي

رواية صياد النايا ال حانا الفصل الثامن 8

بقلم آية العربي

❈-❈-❈

منذ صباح أمس وهو يفكر ، عيناه كانتا حائرتين ، تطوفان حولها كلما التفت و رأى عينيها ، لولا عينيها لما تعرف عليها ، ولا ينكر تعجبه من عودتها بالنقاب .

توقف يعلن عن انتهاء محاضرته ويفكر سريعًا وهو يرى الطلاب يغادرون القاعة ، وهي على وشك أن تفعل لذا استوقفها راسمًا الجدية على وجهه  :

- آنسة مودّة .

توقفت تستدير له ولم تكن وحدها من انتبه له ، بل فعلت طالبات أخريات ونظرن لبعضهن بتلامز قبل أن تغادرن لذا أسرعت مودّة تتساءل وهي تفرك خفيةً أصابع كفها توترًا  :

- نعم يا دكتور نوح ؟ فيه حاچة ؟

انتظر إلى أن غادر آخر طالب القاعة وتساءل باهتمام تجلى في نبرته ونظرته  :

- إنتِ كويسة ؟

أومأت على عجَلٍ وأجابت وهي تنوي التحرك  :

- الحمدلله ، عن اذنك .

قبل أن تختفي عن أنظاره انطلق لسانه راكضًا ليلحق بها  :

- أنا محتاچ رقم والدك  .

تجمدت ، تنظر من حولها للبنات اللاتي تسرن في الردهة،وقلبها الصغير ينبض بهشاشة ، تواليه ظهرها وتفكر سريعًا ، هل سيفعلها ؟ هل سيخلصها ؟

تذكرت تحذيرات شقيقها لها صباحًا حينما حذرها بعدم المماطلة والتحدث إليه أو إلى غيره من الشباب ، من المؤكد أنه قد أتى خارجًا وإن لم تخرج إليه الآن ربما سيأتي ويراها لذا دب الذعر في قلبها والتفتت تطالعه بعينين تائهتين، وأجابته قبل أن تسرع خطاها وكأنها لا تجيبه بل تستنجد به  :

- موچود في الملف بتاعي  .

اتسعت خطواتها نحو الخارج تحت أنظاره ليتأكد مما يراوده من شكوك ، إنها خائفة ، وخلف هذا الخوف تشدد أسري كان سببًا في غيابها ليومين وسببًا في ارتدائها النقاب بشكلٍ مفاجئ وسببًا في ركضها الآن ، لذا وجب عليه أن يجد حلًا إن كان قد أحبها بصدق،حسنًا فليجد رقم والدها في الحال   ...

❈-❈-❈

_  تيا بدران

هكذا تساءل وهو يقف أمام الموظفة التي نظرت في القائمة التي أمامها ثم أرشدته عن مكانها وهي تشير له إلى أين يجب أن يذهب ، وبالفعل تحرك نحوما أشارت ، يترقب رؤيتها ويفكر فيما حدث معها ، كيف ومن ولمَ ؟

ليجد نفسه مغروسًا في أمرها رغمًا عنه .

انعطف يمينًا داخل إحدى الغرف لتتثبت قدماه على عتبتها حينما وجدها ممددة على أحد الأسِرّة ، غافية ترتدي رقبة طبية و الضماد يلف رأسها  ، وملامح وجهها تختفي أسفل كدمات وانتفاخات إثر ضربٍ مبرح ،  ذراعها مكسور ومُجبّر، والمتبقي من جسدها مغطى بملاءة زرقاء لا يعلم هل طالته هذه الضربات أم لا ، ولكن ما يراه أمامه هو محاولة شروع في قتل بكل تأكيد  .

تحركت قدماه نحوها ووقف يرنو منها قليلًا وينادي بنبرة حزينة  :

- تيا !

فتحت عينيها بصعوبة و لكنها تنتظره ، حين رأته بكت فتألمت فحاول أن يطمئنها فأسرع يسترسل بتروٍ  :

- اهدي خالص إنتِ في أمان دلوك ، كل حاچة هتبجى تمام .

همست بوهن وانكسار وألم يفتك بها  :

- مش قادرة ، حاسة إني هموت ، ليه عملوا فيا كدة يا مهران ، أنا ذنبي إيه ؟

قطب جبينه ودنا منها يتساءل مشدوهًا  :

- مين اللي عمل فيكي إكدة ؟

أشارت له بعينيها أن يقترب منها ففعل فهمست خفية  :

- عمي .

جحظت عيناه وهو يبتعد عنها ، ولم يقو على صرف نظره عنها صدمةً، ثم نطق مستنكرًا  :

- عمك كيف ؟ أكيد انتِ مخربطة دلوك  .

هزت رأسها بلا فتألمت لذا عادت تنتحب وتستطرد موضحة  :

- لاء ، اللي ضربوني قالولي كدة ، وقالوا لو مارجعتش امريكا هيقتلوني المرة الجاية .

وقف مشدوهًا مما يسمعه،لا يصدق أنهم فعلوا بابنتهم هكذا، ثم أردف بغضبٍ مكبوت  :

- يبجى لازم تبلغي عنه وتجولي اللي جولتيه ده .

قالها وهو يستعد ليتحرك لينادي احدهم، ولكنها أسرعت تتمسك بكفه بيدها السليمة وتمنعه بترجٍ ودموع  :

- لا أرجوك يا مهران ، هما سألوني وأنا قولت إني ماشوفتش اللي عملوا كدة لإن المكان كان ضلمة ، مش هقول أي حاجة .

تملكه الغضب ونطق بحدة وهو يبعد يده :

- كيف يعني ماحتجوليش ؟ أومال يموتوكي وتسكتي ؟ لازما حجك يرچع  .

عادت تقبض على يده وتتابع باستعطاف  :

- اسمعني بس يا مهران ، كدة هعاديهم من قبل ما اتعرف عليهم ، يمكن اللي عمل كدة هي مرات بابا مش عمي ، وقالوا كدة علشان يخوفوني وابعد  .

كلماتها اخترقت غضبه فهدأ ، ربما بالفعل هي محقة ، فعمها لم يتعرف عليها بعد ، ولكن ما حدث لا يمكن التغافل عنه ، لذا وقف يتنفس بعمق،وعاد يسحب يده ويحك ذقنه ليردف بعد تفكير  :

- تمام ، حروح أشوف الدكتور وارچعلك  .

تحرك يغادر تحت أنظارها وهو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل ، تربيته تجبره على تولي مسؤوليتها إلى أن يصل مع عائلتها إلى حلٍ مُرضي، والآن بات على عاتقه حمايتها بشكلٍ مضاعف ، وللمرة التي لم يعد يحصيها عددًا يبرر لنفسه بأنها وحيدة ويتيمة وصغيرة وضعيفة ، حتى أنها لا تمتلك نقودًا تحتمي بها  ....

❈-❈-❈

حركت مقلتيها تنظر حولها لتجد نفسها في غرفتها ممدة على الفراش ، يعتليها وجه والدها الذي يطالعها بقلقٍ تجسد في لهفته حينما تساءل  :

- سلامتك يا نوارة أبوكي ، إيه اللي حُصل عاد ؟

حاولت أن تعتدل فساعدتها نهال التي تجلس قربها وهي تنطق بحنو  :

- على مهلك  .

نطقت صابحة وهي تسلط عينيها الباكيتين عليها  :

- طمنينا يا بتي ، حاسة بإيه دلوك ؟ جومي ويانا نطلع ع المستشفى.

امتعضت ملامحها نفورًا ونطقت هي تئن وتهز رأسها سلبًا  :

- لاء ماريحاش في حتة ، أني زينة ، شوية دوخة و حيروحو لحالهم عاد متتخلعوش إكده .

آلمها رأسها عندما تحركت فانزعجت صابحة واستطردت بحزم  :

- حيروحو لحالهم كيف وانتِ لا راضية تاكلي كيف الخلج ولا راضية تريحي جلوبنا ومابتعمليش غير اللي في راسك الناشفة دي ، بس من إهنة وطالع أني حفوجلك واللي حجوله حيتنفذ ، لما نشوف اخرتها وياكي يا بت عبد الوهاب .

طالعها زوجها مستنكرًا ونطق معاتبًا  :

- براحة ع البنتة ، اللي فيها مكفيها..

نظر نحو نهال واسترسل بنبرة حنونة وآمرة في آن  :

- روحي يا بتي هاتيلها لجمة تاكلها ، وأني حطلع أشوف يونس لاحسن دلوك عايز يمشي ومستنينا ، وانتِ يا صابحة خليكي إهنة جارها ووكليها لحد ما ارچع  .

أومأت نهال وتحركت معه نحو الخارج وجلست صابحة تنظر في مقلتي ابنتها بخوفٍ تخشى الإفصاح عنه ، لا يمكنها أن تشارك شكوكها أحدًا ، خاصةً وأنها مجرد شكوك يمكن ألا يكون لها أساسًا من الصحة ، حينها ستحمل ذنبًا عظيمًا ، عليها أن تجد حلًا لما يحدث مع ابنتها دون أن تتسبب في أي فوضى  ...

❈-❈-❈

في الخارج

كان يجلس عمار مع يونس يتبادلان أطراف الحديث ، ينتاب القلق عقل عمار و...  قلب يونس الذي يدعي الانغماس في الحديث ولكنه داخليًا شاردٌ في أمرها  .

جاء إليهما عبد الوهاب ونطق وهو يتقدم منهما معتذرًا  :

- ماتأخذناش يا ولدي ، والعزومة دي لازمًا تتعوض  .

نهض يونس بلهفة تجلت على ملامحه ولكن جسده حاول أن يخفيها وكذلك لسانه حينما أفصح  :

- ماتجولش إكدة يا خال ، المهم اطمنتوا على نوارة  .

نظر عمار إلى وجه والده منتظرًا أن يطمئنه وبالفعل نطق عبد الوهاب بتروٍ  :

- الحمدلله فاجت ، بت خالك مغلبة الجصر كله في وكلها يا ولدي ، بس حجول إيه ، الحمدلله جدر ولطف  .

نطق عمار بنبرة ينبعث منها اهتمامه بشقيقته :

- نشوف دكتور تاني ونعمل تحاليل تاني يا ابوي ونعملها اللازم .

أومأ عبد الوهاب يربت على كتف ابنه بينما نطق يونس مجبرًا على التحرك قبل أن يحين أذان العصر  :

- أني حستأذن دلوك وحبجى أمر عليكم وجت تاني ، ولو احتچتوا أي حاچة كلموني ، عن اذنكم  .

ودعهما وغادر وترك عقله عندها ، لقد فُتحت أبواب قلبه مجددًا بعدما أغلقتها السنوات الماضية ، لقد كبرت حبيبته وباتت يارعة ولكن يقطن في عينيها حزنًا وبريقًا يقلقه  ..

في الماضي كانت صغيرة ولم يفصح عما بداخله إلا لنفسه ، والآن هي في سنتها الأخيرة وتم الصلح ويمكنه أن يستغل ذلك لأجل تحقيق غايته بالحلال  ، فهل يفعل  ؟ ولكن ترى ما الذي تعاني منه ؟ وهل سترحب به زوجًا ؟ أم أن لها حسابات أخرى  ؟

❈-❈-❈

تجلس خلف مكتبها تباشر عملها بتركيز اخترقه اتصالًا من جابر آل حانا  .

التقطت هاتفها ونظرت لاسمه تفكر ، لما يهاتفها الآن ! ألا يعلم أنه وقت عملها ؟

زفرت وقررت أن تجيبه ففتحت الخط ونطقت بهمس وتوتر نسبةً لوجود معتز في الداخل  :

- سلام عليكم !

أجابها بنبرة متلهفة يرجوها  :

- آنسة ريم أني محتاچلك حالًا ، أرچوكي لو تعرفي تيجي دلوك أو أچيلك أخدك ، حصل مشكلة كبيرة ويانا وفيها ضرر كبير وأني ماعرفش اتصرف كيف ، أحمد شريكي غلط غلطة واعرة حتخسرنا كتير والسيستم كله واجع دلوك وبحاول ارچعه بجالي ياما وماعرفش .

تفشى الارتباك بها كليًا ونظرت نحو مكتب معتز وهي تستمع له وهو يسترسل بنبرته الماكرة التي تصلها مستنجدة  :

- أرجوكي يا أنسة ريم ماترفضيش ، عارف إني بحطك في موجف محرچ بس مافيش غيرك استنچد بيه ، لو كلمت حد تاني الشركة سمعتها هتجع جبل حتى ما تبدأ ، إنتِ الوحيدة اللي أجدر أثج فيها  .

التقطت نفسًا عميقًا ثم قررت ألا ترده فنطقت لتهدئته وهي تلتفت بمقعدها لترتكز على مكتبها واضعة كف يدها على رأسها :

- اهدى يا مستر چابر لو سمحت وفهمني إيه اللي حصل وأنا ححاول أحللك الموضوع من مكاني  .

أردف مستنكرًا يذكرها  :

- من مكانك كيف ؟ السيستم اللي عندك كلياته تبع شركة معتز وإكدة بسهولة حيعرف ، ماحينفعش من مكانك يا ريم ، أرچوكي .

جرد اسمها من لقب آنسة عن عمد وبرغم تأثرها إلا أنها ظنته من إثر التوتر لذا نطقت تومئ بتنهيدة عالقة بين الواجب والضمير  :

- تمام يا مستر چابر ، قول مكانك وأنا حجيلك  .

أملاها العنوان فدونته في ورقة ملاحظة وأغلقت معه وزفرت تفكر سريعًا ثم قررت النهوض ولكنها تسمرت حينما وجدت أمامها معتز يطالعها بنظرات متفحصة .

ازدردت ريقها خفيةً وخشت أن يكون سمع جملتها الأخيرة فهي لم تلاحظ خروجه ولكنها تنفست الصعداء حينما تساءل بترقب  :

- مالك يا ريم ؟ حصل حاجة في البيت ولا إيه ؟

قطبت جبينها تردد ببلاهة  :

- في البيت  !؟؟

أومأ يوضح  :

- كنت لسة حطلبك بس اخدت بالي إنك بتتكلمي في الموبايل ومتوترة فخرجت اشوف في إيه ؟

لقد رآها من خلال كاميرا المراقبة ، ولكنه لم يسمع مع من تحدثت لذا هي مجبرة على الكذب لأول مرة ، وها هي تنطق بما يخالف قوانينها مما جعل نظرتها مرتبكة   :

- أيوا ، ماما تعبت شوية ، ونوح أخويا مش في البيت ، لازم اروح لها حالًا  .

أومأ يردف وهو يشير بيده  :

- أكيد يالا ، أنا حوصلك  .

هزت رأسها بلا وانحنت قليلًا تنتشل حقيبتها والورقة وتردف مبتسمة بتصميم  :

- لا مافيش داعي أبدًا ، أنا معايا العربية ، عن اذنك  .

أسرعت تغادر تحت أنظاره وهو يقف يطالعها بشكٍ حيث أنها لم تفلح في حبكة أقوالها ،هل تخفي عنه شيء خاص بها،أم هناك ما يجب أن يعرفه  ...

❈-❈-❈

في سيارته

يقود وهي تجاوره بعدما قرر عدم تركها ، يعترف في داخله أن بها شيئًا ما يجبره على عدم التخلي عنها ، فهل ما يشعر به شفقة من أجلها أم ماذا ؟

تئن بصوتٍ مكتوم برغم قيادته الهادئة وحذره ، لف وجهه ونظر لها نظرة سريعة ثم عادت عيناه تطالعان الطريق الهاديء،ونطق بهدوء نتج عن عمق تفكير  :

- بعد اللي حُصل ده ماينفعش تجعدي في الفندج لحالك ، حاخدك على مكان آمن لحد ما اشوف حعمل ايه مع اهلك .

أومأت دون اعتراض، لتعدل وضعية رأسها حيث كانت تستند على الشباك ، تطلعت عليه ونطقت بمقلتين لامعتين  :

- أنا لخبطلك حياتك خالص ، يمكن كان الأفضل لو فضلت في امريكا وزي ما يحصل بقى ، لأن تنفيذ وصية بابا طلع شبه مستحيل .

لم يجِبها على الفور بل ملتزمًا بثباته، فتنهدت تئن ثم تابعت :

- أول ما اقدر اتحرك هدور على شغل وأحاول اتأقلم ع الوضع ده بما إن رجوعي صعب دلوقتي ، وأكيد حردلك دينك ، متشكرة جدًا يا مهران  .

تساءل وهو يلف ويباغتها بنظرة ثاقبة  :

- هو ليه رچوعك لأمريكا صعب ؟

أسرعت تشيح نظراتها عنه  بإسناد رأسها مجددًا على الشباك ونطقت بنبرة خافتة تظهر فيها ألمها  :

- مش عايزة ارجع هناك تاني .

انتابه الشك ولكنها أسرعت تقيده وتسترسل باستفاضة  :

- أنا ماما أمريكية فعلًا بس أنا كنت متعلقة ببابا جدًا ، طريقته وحنيته وخوفه عليا ، اهتمامه بيا وبإني اتعلم العربي والمصري خصوصًا واتعلم صفاته الشرقية ، دي حاجات أنا كنت بحبها جدًا ، بحب الحدود في كل حاجة ، لكن هناك الحدود مختلفة تمامًا ، في الجامعة هناك كان فيه شاب اتعرفت عليه ، العلاقة كانت كويسة كأصدقاء بس بعدين بقى بيتصرف بطريقة أنا مش بحبها ، وصل معاه الأمر لهوس وطبعًا اللي كان محجمه وجود بابا لأني حكيت له كل حاجة ، ونصحني ابعد عنه فورا وده اللي حصل ، بس هو ماتقبلش إني ابعد ، كان بيراقبني بشكل أوفر لدرجة بقيت أخاف منه جدًا وأخاف اطلع لوحدي في أي مكان ، بس بردو كنت مطمنة علشان بابا عايش .

صدر صوت حشرجتها وهي تنطق ببكاء وحزن  :

- بس بابا مات ، مابقاش فيه حاجة هناك تخليني اطمن أو أحس بالأمان .

عادت ترفع رأسها بتمهل و التفتت تنظر في مقلتيه مباشرة بعدما التفت لها ونطقت  :

- تعرف إن انت بتفكرني بيه ، هو كمان كان بيحب يساعد أي حد ، كان شهم جدًا زيك بالضبط يا مروان ، يمكن علشان كدة أنا مش ببقى خايفة وانا معاك  .

مدت يدها تضعها على كفه فتوتر خفيةً ولم يظهر ذلك بل استمع لها وهي تستطرد بنبرة مؤثرة  :

- شكرًا بجد  .

صمت يحلل كلماتها ، هي جميلة ، مرحة ، شقية ، مفعمة بالطاقة ، وربما ذلك الشاب هوس بها بالفعل لدرجة أخافتها وجعلتها تترك بلاد الغرب وتأتي إلى أقصى الصعيد ، بل وتتحمل طباعه القاسية وتحبها ، لذلك شيد إعجابًا من قصتها برغم القليل من الشك ولكن الغلبة كانت للتصديق لذا نطق بعد صمتٍ وهو يبتسم وينعطف يسارًا :

- چعانة ؟

ابتسمت بخجل ولم تجبه فنطق مشيرًا  :

- طب ارتاحي دلوك  .

أومأت وعادت تستريح بتنهيدة منتصرة بل وأغمضت عينيها لتغفو ، بينما هو ظل يقود إلى أن وصل إلى إحدى المطاعم فتوقف وترجل يبتاع الطعام لهما  ...

❈-❈-❈

وصلت إلى العنوان المنشود

ترجلت والتقطت هاتفها لتهاتفه ، أجابها بعد ثوانٍ يردف بترقب  :

- آنسة ريم ؟ چيتي  ؟

نطقت وهي تنظر حولها بتوتر طفيف  :

- أيوا ، أنا قدام المبنى اللي قولت عليه ، انتو في أنهي دور  ؟

تفاجأت به بعد ثوانٍ يظهر أمامها من مدخل المبنى الشاهق ثم تقدم منها وعلى ملامحه الضيق والانزعاج ولكنه ابتسم ونطق وهو يتوقف قبالتها  :

- متشكر چدًا إنك چيتي ، اتفضلي  .

قالها يشير لها فتحركت معه نحو الداخل فنطق وهما يتجهان نحو المصعد  :

- أني حاولت افك التشفيرات بس لجيت firewall  مش تبعنا ، وخايف ليكون فيه هكر ماعملتش حسابه ، ربنا يستر  .

ابتسمت تنطق بحرج من وجودهما بمفردهما بالرغم من جدية الموقف بالنسبة لها  :

- ماتقلقش ، إن شاء الله خير  .

توقف المصعد وترجلا نحو الداخل ليقابلهما عدد من الشباب والشابات ومن ضمنهم أحمد الذي كان يجلس أمام حاسوب يحاول مرارًا حل هذه المعضلة، ولكنه لم يفلح لذا تأفأف ونهض تاركًا المقعد لريم التي جلست ونظرت لهم قائلة بتريث  :

- ممكن تهدوا وتفكروا بإيجابية ! إن شاء الله الموضوع بسيط وحيتحل وهنلاقي ثغرة غايبة عنكم ، ماتقلقوش  .

استند جابر على الطاولة ومال عليها يردف بثقة ظاهرية أمام الجميع  :

- أني واثج فيكي يا آنسة ريم ، شوفي شغلك  .

ابتسمت وتوغلت كلماته إلى قلبها،وباتت في مهمة لا يمكنها الاستسلام فيها، لذا عزمت أن تفعل ما بوسعها فالتفتت تنظر للحاسوب وتعيش معه علاقة تفاهم كانت دومًا مميزة بها  ، ولكن هناك القليل من التشتيت نسبة لوجود هذا الزحام حولها ، لذا نظرت إلى جابر ونطقت بخفوت  :

- جابر لو سمحت ممكن تخليهم يشوفوا شغلهم ويسيبوني أركز ؟

نطقت اسمه مجردًا ، فابتسم لها والتفت ينظر للجميع قائلًا بثقب  :

- كل واحد على مكتبه يا شباب يالا ، سيبو ريم تركز  .

بالفعل توزعوا جميعهم، بينما هو سحب مقعدًا وجلس مجاورًا لها يتابع ما تفعله عن كثب ، فلم تعترض بل كانت تشرح له بعض التفاصيل المهمة التي يمكنها أن تفيده فيما بعد ، ربما يعرف هذا ويدعي عدم معرفته بها ولكنه لا ينكر أنها بالفعل تتمع بخبرة وذكاء في هذا المجال وهذا ما يراه أمامه  ..

بعد مرور أكثر من ساعتين  ...

أراحت ظهرها على المقعد وأطلقت زفرة قوية دليل على الإرهاق ولكنها طالعته تنطق بسعادة وانتصار وهي تشير بكفيها نحو الحاسوب :

- اتحلت  .

طالعها بذهول وعيون لامعة من فرط إعجابه الحقيقي بها ، لكنه نهض وكردة فعلٍ مندفعة كشخصيته أمسك برأسها ودنا يقبلها من فوق حجابها وينطق بسعادة عالية كأنه بالفعل خرج لتوه من ورطة   :

- أبوس راســــــــــك يا زينة البنات كلياتها  .

تركها في ذهولها، والتفت يصيح بحماسٍ عالٍ بين الشباب  :

- اتحلت يا شباب ، أشطر مهندسة في مصر حلتها .

انهالت التصفيقات بحرارة، وكلمات الإعجاب والشكر ، بينما عاد هو يلتفت لها ليجدها تطالعه بخجل وصدمة في آن ، تفاجأت بفعلته ولم يسعفها الوقت لتعترض حتى بل باغتها بفرحته وهو يسترسل  :

- أني ماعرفش اتشكرك كيف دلوك ، إكدة أني مديون ليكي دين كبير جوي  .

نظرت له تبتسم ثم نظرت حولها لتجد نظرات الشكر والإعجاب من الجميع لذا توغلها شعورًا مضاعفًا بالتميز وبالطبع السعادة ، ابتسمت ونطقت بنبرة متواضعة  :

- مافيش دين ولا حاچة ، الحمد لله إن المشكلة اتحلت  .

طالعها بثقب ونظرة مكرٍ مقصودة ثم نظر للجميع يوضح  :

- يالا يا شباب همتكم بجى ونكمل من مكان ما وجفنا ، ماعيزينش نتأخر اكتر من إكدة  .

عاد الجميع يتابع عمله بينما جلس مجددًا قبالتها يردف بترقب خبيث :

- اؤمري يا ست البنات ، طلباتك إيه ؟

قطبت جبينها تحاول إنكار ما فهمته ثم نطقت برفضٍ قاطع وهي تهز منكبيها  :

- مافيش أي طلبات .

نهضت تنوي الرحيل والتقطت حقيبتها تستطرد موضحة  :

- أنا لازم أمشي ، وطبعًا فعلت ال ( Api) بين حسابتنا ، يعني ماتقلقش خالص هكون مطلعة معاكم دايمًا ، بدون أي تدخل طبعًا غير لما تطلب  .

أومأ بتفهم ثم أردف بامتنان كبير  :

- بس إكدة مايصحش واصل ، لازمًا على الأجل أرد جزء من الچميل ده علشان أكون مرتاح ، ياستي خليني أعزمك ع الغدا برا وخلاص ، بسيطة أهي .

ابتسمت بحرج ونطقت معتذرة بنبرة رسمية غلفها الحذر أجبرتها طبيعتها على نطقها :

- معلش مش حينفع ، يمكن تقول عني أوبن شوية بس أنا بحب وضع الحدود ، وصدقني أنا ماعملتش أي حاجة تخليك تحس إنك مديون لي ، عن اذنك  .

قالتها وتحركت ترحل من أمامه ، ووقف يحدق بها ويتساءل ، متى سيتحقق هدفه وتعمل معه ، بعد اليوم وبعدما رآه منها ازدادت رغبته بامتلاك قدراتها أكثر وأكثر ، فمثلها لا تترك لمعتز النعماني قط  .

❈-❈-❈

وصل عمار إلى الشركة واتجه على الفور نحو مكتبه  ليباشر أعماله ، ملامحه عابسة بسبب عدم تواجد مهران و هناك الكثير من  الأعمال التي يجب الاهتمام بها  .

فتح حاسوبه فظهرت صورة الخنجر والرمان المفروط في الخلفية ، كان قد اعتمدها أمس لتذكره بفرحته الحزينة.

ابتسم بخفة برغم انزعاجه من نفسه فها هو يفكر بها رغم تراكم أعماله ، قريبًا ستصبح زوجته ولم يتسنَ لهما التعرف على بعضهما  .

تبدلت ابتسامته إلى ضحكة ساخرة ، هل يحسب أنها ستتقبله وترحب به؟ هو يوقن جيدًا أنها لا تكره أحدًا بقدره ، ليتها تعطيه فرصة الدفاع عن نفسه، ليتها تتقبل سماعه، ولكن مهلًا يا عمار  .

تحركت أصابعه تتلاعب بالحاسوب ولكن عقله لم يندمج في العمل كما يريد ، بل لا ينفك عن التفكير فيها ، لذا نطق بخفوت  :

- ماتحاول دلوك يا ابن الحنانوة، لساتك هتهملها لما تبجى مرتك؟ چرب تحل الموضوع جبل چوازك يمكن ربنا يهديها وتسيبك لحد ما تخلص شهر العسل  ــــ

نطقها وابتسم ثم دس يده في جيب سترته يستل هاتفه ويقرر الاتصال بمنزلها ، وبالفعل استمع إلى رنين الهاتف وانتظر قليلًا لتفتح الخط وتقول   :

- سلام عليكم ، مين معايا ؟

نغزة أصابت يساره وجعلته يتخبط وتتبعثر الأحرف على لسانه لذا نطق  :

- وعليكم السلام ، ممكن اكلم الحاچ زيدان  .

لا يعلم كيف تلاشت جرأته وحل محلها التوتر حينما أجابت هي ، لذا نطق اسم زيدان بدلًا عنها وانتظرها تجيبه ، ولكنها أطالت الصمت ، فقد عرفته واستيقظ كرهها وتبدلت نظرتها للغضب ولكنها نطقت بمكرٍ كأفعى تلتف حول رقبة فريستها   :

- چدي مش إهنة ، نجوله مين لما يرچع ؟

لم يجِبها على الفور ، وأخذ يفكر لو لم تعرفه لماذا طال صمتها ؟ هل تحاوره ؟ لذا ابتسم ونطق  :

- عمار آل حانا ، لما يرجع حكلمه علشان نحدد معاد الفرح  .

استمع إلى صوت صافرة الإغلاق فعلم أنها لم تتحمل ما قاله ، من المفترض أن يسعى للتفاهم معها ، لا يعلم لمَ عندما يحاول التفاهم معها يجد نفسه يستفزها .

زفر بقوة وأجبر نفسه على الصبر ، ليقرر أن يركز في عمله الآن  ..

بينما هي وقفت تواري أفكارها عمن يراها الآن ، تتخيل نفسها وهي تقف وتمسك بخنجرها الغارق في دمائه بعدما تغرزه في قلبه وهي تنظر في عينيه بتشفٍ وانتصار  .

هذا المشهد عدّل مزاجها وجعلها تبتسم وتتحرك لتباشر عملها  ..
❈-❈-❈

توقفت سيارة مهران أمام إحدى البنايات  .

ترجل و فتح لها الباب ونطق بترقب  :

- هتجدري تنزلي ؟

كان حذرًا ، وتمنى لو تُجيب بنعم حتى لا يزيد من الضغط الذي يشعر به نحوها ، وبالفعل أومأت وحاولت الترجل ولكنها لم تستطع فأمسكت بيده المرتكزة على باب السيارة لتتجنب السقوط .

حمل عاتق مساعدتها وبالفعل أسندها وأغلق الباب واتجه معها نحو الباب الآخر يجلب أكياس الطعام ثم أغلق السيارة وتحرك نحو المدخل  .

رآهُ رجل الأمن فنهض يرحب به برغم تعجبه مما يراه، فأشار له مهران نحو المصعد يردف  :

- افتح الاسانسير يا محمود  .

أسرع ينفذ بصمت وبالفعل ساعدها ودلفا سويًا ليغلق محمود الباب ويضرب بعدها كفًا على كفٍ مرددًا بنفور  :

- حتى انت يا مهران بيه ؟ استغفر الله العظيم  .

وصلا إلى الطابق المنشود واتجه نحو إحدى الشقق وفتحها ثم ساعدها لتدخل واتجه يريحها على الأريكة ثم خطا يشعل الإضاءة وعاد يغلق الباب ويتحرك نحو المطبخ ليضع الأكياس  .

عاد إليها ووقف يردف بتحفظ وهو يوضح ويشير بيده :

- المكان اهنة أمان ، لو احتچتي أي حاجة وماعرفتيش توصليلي حترفعي السماعة دي وتكلمي الأمن وهو حيجوم باللازم ، طبعًا ده المطبخ ، واللي هناك دي الأوضة اللي هترتاحي فيها ، ومن دلوك لحد ما تبجي زينة أني حلاجي حل مع عمك إن شاء الله وحيحصل خير ، ومن ناحية الشغل عندي ، ماتشليش هم  .

كانت تحرك رأسها نحو ما يشير وتومئ ثم نظرت له ونطقت بتعلق واضح  :

- هتبقى تيجي ؟

تنهد بعمق ثم جلس أمامها ونطق يوضح بثقب  :

- بصي يا تيا ، المكان إهنة مش زي برا وانتِ خابرة إكدة ، ولا حتى زي القاهرة ، إهنة فيه أصول وعادات وأني ماعيزش نتحط أنا وانتِ في موجف زي ده ويتجال كلام مالوش عازة ، إنتِ حتجعدي إهنة لحد ما ألاجي حل ، وبعدها أنسب مكان تبجي فيه هو چنب أهلك ، بس ماتقلقيش ، مش حوديكي غير وأني ضامن إنك بخير .

أومأت بملامح حزينة فنهض يردف وهو يستعد للتحرك نحو المطبخ  :

- حروح دلوك اجهزلك لجمة واجبلك ادويتك جبل ما امشي ، وحتحدت مع واحدة اعرفها زين ، هتيجي تونسك وتساعدك لحد ما تجومي بالسلامة  .

تحرك خطوة فأوقفته تباغته بسؤال مفاجئ :

- مهران هو إنت متجوز ؟

تسمر مكانه وهجمت سيرة زوجته وابنه إلى مخيلته ليتوغله شعورًا متناقضًا بين التوبيخ والتبرير ، ليومئ وينطق بملامح معبرة عما يعيشه  :

- أيوة ، وعندي حمزة  .

تقاسيم وجهها أكدت له صدمتها ، فأدرك أنها كانت تتمنى لو لم يكن ، لذا أطرق رأسه وتابع سيْره يهرب منها، ولكن لا يمكنه الهرب من صوت ضميره الذي يوبخه ، لذا أسرع يجهز ما بيده ويضع الطعام على صينية ويتجه عائدًا إليها  .

وضع الصينية على الطاولة واعتدل ينوي التحدث ولكنها قاطعته تردف بملامح حزينة :

- اتفضل انت وأنا هعرف أتصرف  .

فهم أنها بدأت بوضع الحدود لذا زفر بقوة، وأومأ ولم يجد ما يضيفه لذا تحرك يغادر وتركها كما هي  .

نزل للأسفل وعقله لا يهدأ ، وقف أمام رجل الأمن ودس يده في جيبه يخرج محفظته ويستل منها بعض النقود ثم ناوله إياهم يردف موضحًا لإدراكه ما يجول في خاطره  :

- خد دول يا محمود ، عايزك تخلي بالك زين من البنت اللي فوج دي ، ولو احتاجت حاچة كلمني وحجولك تعمل إيه ، وكلم الست اللي تبعك تيچي تجعد معاها اليومين دول ، ماعيزش تجصير يا درش ، دي غريبة ويتيمة وملهاش حد إهنة ، وانت خابر زين رچالة الصعيد مايتخلوش عن حد جصدهم  .

اقتنع  محمود بتبريراته وأومأ يردف بشهامة  :

- ماتجلجش واصل يا مهران بيه ، حكلم أم چمال تجيلها وحنعمل اللازم ، ربنا يچازيك خير يا محترم  .

ربت على كتفه  وتحرك يستقل سيارته ليغادر وهو يشعر  بعدم الارتياح ، بينما تبعه محمود ونطق نادمًا  :

- لا حول ولاقوة إلا بالله ، إن بعد الظن إثم  .

❈-❈-❈

في اليوم التالي في قصر آل حانا صباحًا  .

جالسًا في غرفة مكتبه يدون في دفتره قوائم المهام لهذا الأسبوع كما اعتاد

يحمل على عاتقه مهام النچع وخاصةً الأسر الفقيرة ، واعتاد أن يلتزم بها شهريًا دون أن يعلم أحد ، ولكن هذه الأفعال تتسرب خفيةً بين الأفواه فبات الجميع يلجؤون إليه من النچوع الأخرى لمعرفتهم به وبكرمه المتعارف عليه .

دلفت صابحة تحمل قدح قهوته وتقدمت منه تبتسم فنهض يرحب بها بحرارة كأنها تزوره بعد غياب ، ابتسم يمد يده يتناول منها الصحن ويضعه على المكتب ثم عاد يحتويها ويقبل رأسها قائلًا بحب  :

- ولوني حاسس إن وراه حاچة ، بس بردك تسلم يدك ، تعالي اجعدي وجولي احساسي صُوح ولا الفنچان ده حب .

قالها وابتسم يجلس ويجلسها أمامه فطالعته بلومٍ لأنه كشف مخططها لذا ابتسم ونطق بمرحٍ  :

- أني خابرك زين ، جولي يا ام مهران ، طلباتك أوامر ، بس استني أدوق الجهوة لول لو طلعت زينة حديكي الأمان .

التقط الفنجان أمامها وهي تطالعه عشقًا وتنتظر رأيه بشغفٍ ، ارتشف القليل ليتلذذ بصدقٍ مستمعتًا بمذاق قهوتها المميز لذا أصدر همهمة ونطق معبرًا بيده  :

- الله ، دي محتاجة حتة دهب تجيلة تليج بيد أم مهران  .

ابتسمت ومالت تربت على ساقه بحب ثم اعتدلت تنطق بمساومة  :

- ولا دهب ولا حاجة يا حاچ عبده، خيرك زايد وفايض ، هو طلب صغير جوي  .

تأهب لحديثها وعاد يرتشف قهوته فتابعت بترقب  :

- بجول يعني بما إن الحمدلله الصُلح تم ، أروح أزور منصورة واطمن عليها ، إنت خابر زين إني متوحشاها جوي يا عبده .

خربشت جدار اشتياقه لشقيقته التي لم يسعفه الوقت لاحتضانها حينما رآها آنذاك ، ود لو استطاع الذهاب إليها وعناقها ولكنه كان مقيدًا بمجلس الرجال .

تنهد بحرارة ونطق بقبول  :

- روحي يا صابحة ، خدي معاكي هدية زينة وسلميلي عليها كتير  .

انفرجت أساريرها ونطقت بحماس وترقب في آن  :

- من عنيا الچوز ، ويمكن آخد معايا نهاد ولا نوارة  .

تحولت نظرته لينطق بنبرة هادئة وحازمة في آن  :

- لوحدك يا صابحة ، لا نهاد ولا نوارة ، ماعيزينش الحوامدية يجولوا علينا ماصدجنا ، روحي شوفي منصورة ساعة واحدة وترجعي .

أومأت تردف بطاعة  :

- اللي تشوفه يا حاچ ، لما أجوم اشيعلهم خبر  .

نهضت تتحرك ولكنهما سمعا نداء أحد الأشخاص فنطق وهو يتقدم منها  :

- اتوكلي انتِ دلوك .

تحرك نحو الباب الخارجي لمكتبه والمطل على الحديقة ليرى من الزائر ، وجد أحد حراس القصر وبصحبته أحد الفلاحين يطالعه بنظرة استنجادية  .

نزل الدرجات القليلة ووقف أمامه ليردف الحارس  :

- الحاج عبد العال چايلك من نچع الموالي يا حاچ عبد الوهاب وبيجول إنه رايدك في حاچة مهمة  .

أسرع الرجل ينطق بقلة حيلة  :

- أني واجع في عرضك يا حاچ عبد الوهاب ، صابر الموالي رايد يجطع عيشي من النچع بعد ما أكلوا حج بتي وابنها وماعرفش اعمل إيه ؟

أشار عبد الوهاب للحارس بالرحيل وحث الرجل على التحرك معه نحو المندرة وجلس أمامه يتساءل بتريث  :

- اهدى إكدة وصلي ع النبي وفهمني في إيه ؟

نطق الرجل بانكسار وحزن  :

- يا سعادة البيه أنا راچل فلاح وظروفي على جدي ، ماحلتيش غير الواد والبت هما اللي طلعت بيهم من الدنيا ، الواد لساته 10 سنين والبت تمت ال 18 بجالها شهرين ، من سنة إكدة جه صابر الموالي هو وابوه واخوه وطلبوا يدها مني ، وأني فرحت وجولت طاجة الجدر اتفتحت لنا ، جال هيتچوز خلال شهر وجولت وماله وچيبت چهازها على جد مجدوري ، وچوزناها بعجد عرفي علشان لسة ماتمتش السن الجانوني وجالو لما تتم ال18 هنشهر الچواز....

زفر عبد الوهاب بضيق كأنه اعتاد هذه القضايا ليتابع الرجل بعجزٍ  :

- البت اتجوزت وحبلت علطول ، كانوا كل شوية يغضبوها ويضربوها وامها ماتجوليش وتصبرها على عشيتها ، بس من اربع شهور إكدة طردوها وهي حبلة وحاولت اتحدت ويا چوزها واصلح بينهم لجيته اتچوز على بتي ، ودلوك بتي ولدت وروحتله علشان يكتب الواد رفض وجالي ماحيكتبوش باسمه واعلى مافي خيلي اركبه ، وبتي لا معاها جسيمة ولا أي ورجة تثبت حجها ، أني عارف إني غلطان بس ماعرفش اتصرف كيف دلوك ،هما يدهم طايلة ونفوذهم كتير  .

شعر عبد الوهاب بالغضب والضيق والشفقة في آن ، ليته يستطيع تغيير هذه المفاهيم الخاطئة والجاهلة من حوله ، واجهته الكثير مثل هذه القضية وفي كل مرة يقع الأب في حفرة الجهل مضحيًا بابنته ومستقبلها وحقوقها  .

نطق بعد صمتٍ يرتب به أفكاره  :

- لو جولتلك دلوك إن فيه واحد اعرفه ظروفه زينة ورايد يتچوز بتك والواد حيبجى معاك هتوافج ؟

تخبط الرجل وتمنى لو يحدث هذا بالفعل ليسترسل عبد الوهاب بنبرة توبيخية  :

- مافيش فايدة عاد ، يعني چوزت بتك جاصر وواجع في مشكلة وبردك كل اللي همك الچواز .

نهض عبد الوهاب يسترسل وهو يستعد لينادي أحد حراسه  :

- احمد ربك إن بنتك جارك ، غيرك بته برتجعله چثة ، المهم حشيع معاك واحد تبعي حتروحوا للمأذون اللي چوز بتك ، هتچيبوه وتيچوا  ..

- يا حــــامد  .

ركض الحارس يأتيه ووقف ينطق بترقب  :

- أؤمر يا حاچ ؟

أشار نحو الرجل ونطق  :

- حتروح مع الحاچ عبد العال حياخدك عند مأذون حداهم في نجع الموالي ، جوله الحاچ عبد الوهاب آل حانا رايدك وتچيبوه وتيچوا  .

أومأ الحارس بطاعة وتحرك الرجل معه وهو يردد الدعاء  :

- ربنا يعمر دارك يا حاچ عبد الوهاب ويكرمك  .

❈-❈-❈

جاء الخبر إلى منصورة التي انفرجت أساريرها فرحةً بزيارة زوجة شقيقها الغالي ، ولكن فرحتها مقضومة خوفًا من ردة فعل فرحة ، لذا قررت أن تخبرها وتطلب منها ألا تبدي استياءً  .

دلفت المطبخ فوجدتها تقف ترتب الثلاجة وتساعدها إحدى الفتيات ، تردف بتوبيخ من تراكم الخضراوات فوق بعضها  :

- تلاچة دي ولا مغارة ؟  الدنيا مكركبة فوج بعضيها ، لازمًا فرحة تسمعنا كلمتين وتعملها هي  .

قالتها وهي تباغت أسماء بنظراتها فنطقت الأخيرة معللة  :

- يا ست فرحة الحاچات اللي چاية من عند الحنانوة كتيرة جوي وانتِ حلفتي يدك ماتتمد عليهم ، حعمل ايه يعني ؟

تقدمت منصورة تحيل بينهما وتردف بترقب  :

- هدو شوية يا بنات بسيطة عاد .

التفتت فرحة تطالعها بترقب ثم تنفست وعادت تكمل ترتيب المكان بينما استطردت منصورة ببعض القلق  :

- بجولك يا فرحة  ...

ولتها اهتمامًا فتابعت  :

- الحاچة صابحة مرت اخوي چاية تزورنا ، لو ليا عنديكي أي خاطر ماتزعچيهاش بكلمة ملهاش عازة  .

تنفست نارها وتعمقت في نظرات منصورة التي تخشى أن تتأذى زوجة شقيقها ولو بكلمة ولم تبالِ بنيران فرحة ، نظرة عتابٍ نبعت من حبها لها ، ذلك الحب الذي توارى خلف جدران شيدتها الصلة بين منصورة وعائلتها ، لتتذكر كلمات شقيقها حول ادعائها بالتقبل شيئًا فشيئًا لذا عادت تلتفت وتدعي الانشغال ونطقت ببرود :

- ماتجلجيش ، أني أصلًا رايحة السوج أني و اسماء نشترى علب وحاجات للمطبخ والتلاجة .

تركت مافي يدها وأغلقت الثلاجة ونظرت إلى أسماء تنطق بغلظة تواري بها غضبها :

- روحي البسي عبايتك ويالا علشان ننزل  .

أومأت أسماء بطاعة وتحركت وتبعتها فرحة تاركة منصورة تتنفس بقلة حيلة ، لا تعلم أتشعر بالراحة بسبب ذهابها أم تستاء من كونها لن تستقبلها معها ، فهي في نهاية المطاف ستصبح أم زوجها ...

❈-❈-❈

بعد وقتٍ

وقفت منصورة تجاور ابنها يونس عند باب القصر وتستقبل صابحة التي أسرعت تعانقها عناقًا دام لبضع دقائق ، اشتياقًا وبكاءً وربتات مطمئنة من كلتاهما لبعضهما..

ابتعدتا عن بعضهما ولم تبتعد عيناهما لتنطق صابحة بمحبة  :

- طول ماني چاية في الطريج عمالة أفكر وممصدجاش أني أخيرًا حشوفك جدامي واحضنك يا غالية  .

ابتسمت منصورة وهي تشدد على يدها ونطقت بسعادة  :

- وأني كمان النهاردة الدنيا مش سيعاني ، اتفضلي يا أم مهران نورتي الدنيا  .

رحب بها يونس ودلفت وجلست معهما ولفت نظرها تتساءل  :

- أومال الحاچ زيدان وأبو يونس مش إهنة ولا إيه ؟

أجابها يونس بتروٍ  :

- طلعوا على المدينة يجضوا كام مصلحة  .

أومأت بتفهم ثم عبست قليلًا وتساءلت  :

- و فرحة  ؟

أجابتها منصورة بهدوء :

- راحت السوج وزمانها چاية  .

أومأت بتفهم وشعرت أنها اللحظة المناسبة لتعرض ما لديها وما فكرت به طوال الليل ، لذا تساءلت لتتأكد  :

- يعني ماحدش إهنة  ؟

تعجبت منصورة لذا تساءلت  :

- فيه حاچة يا صابحة ؟ رايدة تجولي حاچة ؟

أومأت تؤكد قائلة  :

- رايدة يا ام يونس  .

شعر يونس بالحرج لذا نهض يستأذن بعدما ظن أنها تريد الانفراد معها  :

- طيب استأذن أني دلوك  .

رفعت صابحة نظرها نحوه تستطرد برجاء  :

- اجعد يا يونس اللي ريداه يخصك يا ولدي  .

قطب جبينه وعاد يجلس مستفهمًا فنظرت صابحة حولها لتتأكد من خلو المكان ثم عادت تسلط عينيها عليه ونطقت تبوح بطلبها قبل أي توضيح  :

- أني ريداك تتچوز نوارة  بتي  ....

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا