رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1 بقلم فادية النجار

رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1 بقلم فادية النجار

رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة فادية النجار رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1

رواية بقايا ليلة الغدر بقلم فادية النجار

رواية بقايا ليلة الغدر الفصل الاول 1

الهدوء الذي يسبق العاصفة.. كان هذا هو الوصف الدقيق لتلك الساعات الأخيرة في منزِل "عبد الحميد". المنزل الذي كان يضج بالحياة يوماً ما، أصبح اليوم بارداً، باهتاً، لا يملؤه سوى صدى دقات الساعة المعلقة في الردهة.
في غرفتها الصغيرة، كانت **"تراتيل"** تجلس أمام مرآتها في بيت العائله ، تنظر إلى وجهها الشاحب بفعل الحزن والخوف. لم تكن كباقي العرائس اللواتي يطيرن فرحاً في ليلة زفافهن؛ فقبل أشهر قليلة ودعت والدها وحيدها وسندها في هذه الدنيا، لتجد نفسها فجأة بلا ظهر، فتاة ملتزمة، هادئة، لم تخض معارك الحياة يوماً، ولم يكن لها أخ يستند إليه كتفها إذا مال الزمان.
حين تقدم ابن عمها **"زين"** لخطبتها بعد وفاة عمّه، ظنت السذاجة في قلبها النقّي أنها لمسة حنان من القدر، وأن صلة الرحم ستحميها من غدر الأيام. طلبت منه العيش في بيت والدها الراحل، وهو في الحقيقة لم يرفض، بل رحب بالفكرة تماماً وبدت عليه الطيبة.. كم كانت واهمة! لم تكن تعلم أنها مجرد أداة يستخدمها "زين" لغرضٍ دنيء في نفسه!
قامت من مقعدها بخطوات وئيدة، وتوجهت صوب القبلة. فرشت سجادة صلاتها المزخرفة، وارتدت إسدالها الأبيض الناصع الذي ينسدل حول جسدها ككفن لأحلامها الوردية، ويمتاز بنقاء يماثل نقاء قلبها تماماً. انحنت ببراءة، وسجدت، وأفرغت كل خوفها في محرابها الصغير.
على سجادة صلاتها، كانت ملامحها تشع طهراً؛ وجهها الصافي المستدير، وعيناها الساحرتان اللتان تأسران من ينظر إليهما، كانتا تفيضان بدموع حارقة وهي تتمتم بصوت يتهدج بالبكاء الشديد:
— "يارب.. أنت عالم إني وحيدة وملّيش غيرك بعد وفاة بابا.. يارب أنا خايفة، نظرات 'زين' ليا في الكوشة مكانتش نظرات عريس لعروسته.. كان في عينه قسوة رعبتني. يارب إن كان ليا خير فيه قربه مني، وإن كان في قلبه شر ليا فاحميني بحماك يا جبار المستضعفين."
انتهت من صلاتها ومسحت وجهها بكفيها المرتجفتين، وظلت جالسة على السجادة، عاجزة عن التحرك، وكأن قلبها يستشعر الكارثة القادمة.
ولم تكذب حدستها.. فما هي إلا دقائق معدودة حتى استمعت إلى صوت خطوات ثقيلة وقاسية تصعد الدرج، خطوات لم تكن تحمل لهفة العشاق بل حملت كبرياء الطغاة. انفتح باب الغرفة فجأة بقوة جعلت مقبضه يصطدم بالجدار محدثاً صوتاً مدوياً.
انتفض جسد "تراتيل" بالكامل، والتفتت بذعر لتجده واقفاً بهيبته الطاغية، يرتدي حُلته السوداء الفاخرة التي تبرز عرض كتفيه ووسامته الرجولية الحادة الممزوجة بملامح شيطانية في تلك اللحظة. لم يكن هناك أي ملامح للفرحة على وجهه، بل كانت عيناه تشتعلان بغضب أعمى، وعروق عنقه بارزة لدرجة مخيفة.
وقفت "تراتيل" ببطء، وتراجعت بضع خطوات للخلف حتى اصطدمت بالفراش، وأحكمت إغلاق إسدالها الأبيض عليها وهي تهمس برعب:
— "زين.. مالك؟ في حاجة حصلت تحت؟ عمي كويس؟ في إيه يا زين بتبصلي ليه كده؟!"
أطلق "زين" ضحكة ساخرة، باردة، تسببت في تجمد الدماء داخل عروقها. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، واثقة، وكأنه فهد يحاصر فريسته، حتى وقف أمامها مباشرة بحيث لم يعد يفصل بينهما سوى إنشات قليلة. انحنى بمستواها، ولفحت أنفاسه الغاضبة وجهها وهو يهمس بفحيح مرعب:
— "مالي؟ مالي ده هتعرفيه حالا يا بنت عبد الحميد! إنتي كنتي فاكرة إني اتجوزتك عشان بحبك؟ ولا عشان سواد عيونك وسجادتك وإسدالك؟"
قاطعته "تراتيل" بنبرة باكية مرتجفة:
— "أنت تقصد إيه يا زين... أنا مش فاهمة حاجة.. أومال اتجوزتني ليه؟ عشان أبويا مات يعني وأنا بنت عمك؟"
هتف "زين" بقسوة:
— "لاء يا تراتيل.. أنا اتجوزتك عشان أدفعك تمن الدم اللي جف في عروق أبويا.. الحادثة اللي عجزت أبويا وخليته يقعد على كرسي متحرك طول عمره كان أبوكي هو السبب فيها! عشت عمري كله شايل هم أبويا المريض، وأنا وأمي ذقنا الويل والكسرة بسببه! وبما إنه مات وهرب من عقابي، فإنتي اللي هتدفعي الثمن.. ليلتك معايا مش هتنساها طول عمرك، وهتكون ليلة تسديد الحساب.. أو نقول رد اعتبار للي حصل لأبويا!"
انقبضت روح "تراتيل" وصعقت الكلمات عقلها، فسقطت دموعها بغزارة وحاولت الدفاع عن والدها الراحل وسط شهقاتها المتتالية:
— "بابا بريء! والله العظيم بابا عمره ما أذى عمي، الحادثة كانت قضاء وقدر.. والله مالوش ذنب في شلل عمي والله.... حرام عليك يا زين متظلمنيش.. أنا ماليش ذنب في صراعاتكم القديمة!"
لم يستمع لصرخاتها، ولم تحرك براءتها المتألمة أنملة واحدة من قلبه الذي تحجر بفعل سنوات من الحقد الموجه خطأً. لم يرأف بحالها، ولا بيتمها، ولا بكونها عِرضه وابنة عمه اليتيمة. أخذها بأبشع طريقة ممكنة، مجرداً من أي إنسانية، لتصبح المسكينة كالشاة المذبوحة بين يدي جزار يقطع فيها على حدة.
تحولت تلك الليلة، التي من المفترض أن تكون بداية الستر والحب، إلى مسرح للانتقام والغدر.. ليلة طمست فيها قسوة "زين" ضحكة "تراتيل" وسلبتها براءتها في عاصفة من الظلم الأعمى.
---
*في الصباح الباكر الساعة الخامسة فجراً*
كانت خيوط الشمس الأولى الشاحبة تتسلل من بين شقوق النافذة، والبرودة تملأ أركان الغرفة. استيقظت "تراتيل" لتجد نفسها ملقاة على الأرض الباردة بجانب سجادة صلاتها.. جسدها يرتعش بقوة، وثوبها الأبيض يحمل آثار ليلة مريرة. كانت دموعها قد جفت على وجنتيها، وشعرت بفراغ روحي قاتل، وكأن جسدها أصبح مجرد جثة هامدة.
نظرت بطرف عينها المكسورة لتجده واقفاً أمام المرآة بكل برود وهدوء، وكأنه لم يدمر نفساً بريئة منذ ساعات. كان يمشط شعره وعلامات النصر الزائف ترتسم على ثغره. ارتدى معطفه الأسود الثقيل، ووضع ساعته الفاخرة، ثم التفت إليها بملامح جامدة ونظرة احتقار أخيرة ألقاها عليها وهي ممددة أرضاً كعصفور بلله المطر.
اقترب منها خطوتين، وأخرج ورقة رسمية من جيبه الداخلي، ثم ألقاها بقسوة فوق جسدها المرتجف، وقال بكلمات كالرصاص الذي يصيب القلوب في مقتل:
— "انتقامي خلص، والورقة دي فيها طلاقك يا تراتيل.. إنتي طالق! طلقتك تاني يوم فرحك عشان تفضلي طول عمرك مكسورة وعينك في الأرض وسط الناس، ومفيش راجل يرضى يبص في وشك.. ومش بس كده.. أنا خارج من هنا حالاً على المأذون عشان أكتب كتابي على **'رانيا'**.. هي دي البنت اللي تليق باسمي وبعيلتي، ومستنياني من امبارح عشان نعلن فرحتنا.. أما إنتي فكنتي مجرد وسيلة رخيصة عشان أكسر بيها عين أبوكي في تربته، حتى لو مات هيفضل يتعذب بعذابك في قبره!"
صفع الباب خلفه بقوة شديدة هزت أركان الغرفة وجعلت زجاج النوافذ يرتجف، تاركاً إياها غارقة في ذهولها ودموعها التي عادت تتشكل بغزارة، وحيدة تماماً، وملفوفة بوشاح الخيبة والظلم الذي ألبسها إياه ابن عمها في ليلة واحدة.
---
لم تنتظر "تراتيل" حتى تشرق الشمس بالكامل وتفضحها العيون. بقلب ميت وعزيمة استمدتها من انكسارها ومن قوة إيمانها بأن هذا ابتلاء من رب العالمين وهي مؤمنة صابرة، قامت وجرت جسدها المنهك. لم تبكِ أمام أحد من أقاربها، ولم تصرخ؛ بل جمعت حقيبتها الصغيرة بملابسها البسيطة ومصحفها وسجادة صلاتها البيضاء التي شهدت على قهرها.
ارتدت عباءتها السوداء وحجابها، وأخذت صندوقاً صغيراً كان يتركه لها والدها الراحل؛ كان يخبئ فيه مالاً بسيطاً لها  وذهب والدتها المتوفاة.. لم يفكر ان يترك لها الكثير لأنه ظن يوماً أنه يتركها بين أهلها وعائلتها، ولم يعلم المسكين أنه ترك فلذة كبده بين أفاعٍ سامة تقتل بدم بارد!
وفي تمام الساعة السادسة صباحاً، خطت أول خطوة خارج عتبة هذا المنزل. سارت في شوارع القرية الخالية والضباب يلف الأجواء، كانت خطواتها ثقيلة كالجبال، وعيناها الساحرتان تنظران إلى الفراغ بجمود حزين.
أخرجت هاتفها، وأغلقته تماماً لتعلن قطع كل حبال الماضي مع عائلتها التي خذلتها، وخدعتها، وحاسبتها على ذنب ليس لها فيه يد، بل وحاسبت والدها الذي ظُلم حياً وميتاً. صعدت إلى أول سيارة أجرة متجهة إلى وجهة مجهولة، إلى مدينة بعيدة لا يعرفها فيها أحد، هاربة بكرامتها الجريحة ونفسها العفيفة.
ومع تحرك السيارة، كانت تنظر من النافذة وهي تضع يدها تلقائياً على شنطتها دون أن تدرك.. لم تكن تعلم وهي تغادر تلك الأرض مظلومة ومطرودة، أنها لا ترحل وحدها.. بل تحمل في أحشائها بقايا حية لليلة الغدر..
أرادت هي أن تترك كل شيء خلفها، ولكن الله لا يترك عباده أبداً، وهي من استجارت به في محنتها ولن يخذلها. 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا