رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم ايه العربي
رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24 هى رواية من كتابة ايه العربي رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24
رواية صياد النايا ال حانا الفصل الرابع والعشرون 24
حياتنا كالكتاب، ننهي صفحة اليوم ونبدأ في غيرها، ونتجاوزها مجبرين لنواكب ما بعدها، ولكن ماذا إن سنحت لنا فرصة العودة وتصحيح الأخطاء؟
ماذا إن تعلمنا الدرس جيدًا؟ واتخذنا مما سبق عبرة؟ ربما أُنيرت هذه الدروب المعتمة التي نسلكها
وربما حينها نجد الإجابة التي توضح لنا لماذا تألمنا؟ ولماذا تعثرنا؟ وكيف ننجو؟
ما رأيك أن نحول الألم إلى حكمة؟ ونعيد النظر جيدًا ربما رأينا أشياءً لم نكن نراها مسبقًا، حينها نعيد ترتيب كل هذه البعثرة التي تمنعنا عن التفكير بشكلٍ سليم
فالحياة لا تريد أن تكسرنا، ولكنها تدرك أن القسوة أحيانًا تجعلنا أقوى..
بقلم آية العربي
❈-❈-❈
في بهو القصر ..
بدأت أجواء عيد الميلاد، والجميع جالسون في انتظار ظهور الصغير الذي تجهزه أمه.
على الجهة اليسرى جلست فرحة تتحدث إلى الصغير الذي لا تعلم إن كان بالفعل ابن شقيقها أم لا، ولكن العاطفة التي تنتابها تجاهه تجعلها تشعر أن روح مؤمن تسكنه بالفعل، يشبه عيناه، وأنفه، ونظرته حينما كان يطالعها.
يجاورها عمار يطالعها بحبٍ وهي تنحني عليه وتتساءل :
- وأسماء هي اللي جالتلك إن العيد جرب؟
أومأ الصغير ونطق يوضح :
- أيوة، وجالت إني حبجى ادبـ.ح البجرة مع عمو حسان وعمو يونس وأيوب.
ابتسمت تومئ قائلة :
- حلو جوي الحديت ده، وجالتلك حتوزع اللحمة على مين بجى؟
هز كتفيه بعد معرفة، ثم نظر حوله للزينة والأجواء وتساءل :
- هي دي حفلة مين؟
- ده عيد ميلاد حمزة ابن عمو مهران اللي واجف هناك ده.
نطقتها فرحة وهي تشير نحو مهران فنظر له الصغير ونطق بعبوس :
- ماما كانت بتعملي عيد ميلاد بردك، بس كنا بنبجى لوحدينا، مافيش حد معانا واصل.
عانقته فرحة لتسرع في إلهائه حيث نطقت :
- المرة دي حنعملك عيد ميلاد زين وكلنا حنبجى وياك .
رنا منها عمار و همس لها بخفوت :
- ماتعشميهوش جوي إكدة يا فرحة، لما نعمل التحاليل لاول ونشوف هو ولد مؤمن صوح ولا إيه .
ازدردت ريقها تطالعه وتطالع الصغير ثم مالت عليه تنطق :
- جلبي بيجول إنه ولده يا عمار، الواد كل حاچة فيه شبهه، طريجته وحديته ونظرته كلها شبه مؤمن صوح.
نظر عمار يدقق في الصغير لبرهة ثم نطق مؤكدًا :
- في دي عندك حج، بس بردك خلينا نتأكد، وخلي أيوب يدور زين في أوضة مؤمن، إلا ما يلاقي شعراية في فرشة ليه ولا حاچة.
أومأت تجيبه :
- أنا حبجى اروح ادور بنفسي.
طالعها مستنكرًا يهمس بتهكم مرح :
-تروحي فين؟ ماينفعش تروحي دلوك، أني رچلي أهي بجت زينة ومافيش طلوع من إهنة لا ليا ولا ليكي غير لما نتمم المراد.
توردت وجنتاها تطالعه بعتاب فهذا ليس المكان أو الزمان المناسبين، ولكنه مال عليها يستطرد هامسًا :
- الليلة يا رمانة .
❈-❈-❈
في ركنٍ آخرٍ يجلس أيوب يجاور عمه حسان الذي يتحدث إلى عبد الوهاب ..
عيناه وعقله وقلبه مع تلك التي تقف مع حسناء تتحدث إليها متجاهلة نظراته، بينما هو لم ينفك يطالعها.
كانت حسناء تنظر للزينة والتجهيزات بدهشة وتنطق :
- أول مرة اشوف حفلة عيد ميلاد إكدة في النچع، دي ولا حفلات التليفزيون، ده حتى ليلتي الكبيرة ماحتبجاش إكدة.
لكزتها مروة تجيبها بحدة :
- جولي ماشاء الله وسيبي الخلج يفرحوا كيف ماهما رايدين، طالما أبوي الحاچ عبده مابيجصرش ويانا في حاچة.
لوت حسناء شفتيها ونطقت بتهكم :
- مابيجصرش وياكي إنتِ ياختي، إنما أني حيهتم بيا وبفرحي ليه عاد؟ ده يا حبة عيني طالع عين أهله لاجل مايحوش حج الفرح .
طالعتها مستنكرة تتساءل :
-هو اللي جالك إكدة؟
أومأت حسناء تردد ذرائع خطيبها :
-إيوة هو، وأني كمان لازمن احس بيه، اللي مابيشوفش من الغربال يبجى اعمى يا مروة، وهو مابجاش فاضي حتى يتحدت زي الاول وكل ده علشان يشهل ونتچوز، بيحبني يا به.
نطقت بتمني حيث ينتابها الشك :
- اتمنى يكون اللي بتجوليه ده صوح يا حسناء، ويحبك ويجدرك زين.
ربتت على كتفها تنطق قبل أن تندفع نحو المطبخ :
- إن شالله ياجلبي،عقبالك ماتلاجي اللي يحبك ويجدرك كيف ماني لجيت .
❈-❈-❈
على اليمين تجلس نوارة ملتصقة بعمتها منصورة، منذ أمس وهي تشعر بدوار خفيف ورغبة ملحة في النوم ، وتخشى أن تكون نجوى قد أساءت لها مجددًا، وتخشى أيضًا مشاركة يونس ما يحدث معها.
ها هي عيناها تدور لا إراديًا، فلاحظت منصورة إرهاقها لذا مالت تسألها باهتمام :
- مالك يا نوارة؟ إنتِ تعبانة يا بتي؟
نظرت نحو زوجها الذي يجلس مع الرجال، وحينما وجدته منشغلًا أردفت بخفوت :
- ماعرفاش مالي يا عمة، راسي تجيلة ودايخة، وخايفة اجول حاچة ليونس أو لامي، معجول تكون عمتي نچوى عملت حاچة اكدة ولا اكدة؟
دب القلق أوصالها، ولكن اقتحمت فكرة عقلها جعلتها تهدأ وتتساءل بترقب :
- هو انتِ العادة بتاعتك معادها امتى يا بتي؟
قطبت جبينها لثوانٍ ثم أفرجت عنه وهي تتذكر أمرها، فقد نستها بالفعل في خضم ما حدث الأسبوع الماضي وتعب والدها وحزن العائلة لما فعلته نجوى، لذا استلت هاتفها تتأكد من تاريخ الشهر ثم عادت تنظر إليها بنظرات مندهشة تجيبها :
- معادها كان من خمس تيام وماجتش يا عمة، جصدك إيه؟
سؤالها كان استشفافي لتؤكد لها منصورة شكها حيث نطقت مبتسمة بهمس :
- جصدي ممكن تكوني حامل يا جلب عمتك، والنوم والدوخة دي أعراض طبيعية، خلينا نعدي ع الصيدلية واحنا مروحين نچيب اختبار وتچربي لاجل ما تتأكدي وتطمني .
انفرجت أساريرها، وشعرت بالطمأنينة والأمل ينعشانها، وباتت تنظر نحو يونس نظرات شاردة تتخيل ردة فعله، فالتفت يطالعها فوجدها تبتسم له بسعادة، فغمز لها سريعًا قبل أن يعود ويكمل حواره مع خاله، وهو لا يعلم ما بها، ولكن يكفيه أن تكون بخير وأن تبتسم دومًا.
❈-❈-❈
جاء للتو عبد الله وولداه، فاتجهت صابحة تستقبلهم بترحاب وبدأت تعانق عمر مردفة :
- يا مرحب يا مرحب، ماشاء الله، ده إحنا بجى عندينا عريس زين يا ولاد.
ابتسم عمر ونطق شاكرًا بحرج :
- شكرًا يا تيتة صابحة، إنتِ عاملة إيه؟
- زينة يا حبيبي .
نطقتها والتفتت تنظر نحو شقيقته ندا التي تقف بخجل تطالعها بحنين، فاتجهت تعانقها بالمثل ونطقت :
- بسم الله ماشاء الله تبارك الرحمن، إيه الجمر ده يا عبدالله؟
ابتسم عبد الله بفخر وهو ينظر إلى ابنته التي نطقت بخجل :
- ميرسي يا تيتة، حضرتك اللي جميلة جدًا.
انفرجت ملامح صابحة تطالعهما بسعادة ثم نظرت إلى عبدالله تردف :
- يا روحي ع الادب والذوج، يسلم اللي ربّى، اتفضلوا تعالوا .
دلفا مع والدهما فرآهم عبد الوهاب فأسرع يرحب بهم واتجهوا يجلسون مع البقية في انتظار حضور صاحب الحفل .
❈-❈-❈
في ركنٍ بعيد وقف
مهران يتحدث إلى تيا التي هاتفته لتوها، تخبره بمدى مللها وتأفأفها وتسأله متى سيعود، ويخبرها ببرود أن الحفل لم يبدأ بعد .
جاء إليه جابر حينما وجده وحيدًا، يحمل كوبًا من العصير وسمعه يقول قبل أن يغلق :
- اجفلي بجى يا تيا وماتتصليش غير لما اجي، سلام .
أغلق والتفت ليجد شقيقه أمامه يناوله الكوب ويردف ساخرًا :
- خد روج دمك، لا العازب مرتاح ولا اللي في حياته مرَتين مرتاح.
التقط منه العصير ووقف يزفر ولم يجِبه ليتابع جابر :
-كنت چاي اسألك عامل إيه في الچوازة التانية، بس وشك چاوبني.
نطقها وضحك فطالعه مهران بضيق ونطق محذرًا :
- ماتفتحش معايا يا چابر، مافياش دماغ لتريجتك .
تحمحم جابر ونطق بنبرة بدت ممازحة ولكنها منطقية :
- وه؟ راحت فين دماغك اللي كانت توزن بلد؟ مش جولت انك اتچوزت اللي رايدها وعملت الحاچة اللي تريحك ياكبير؟
طالعه بنظرة تحمل خيبة ممزوجة بغضب حالته المزاجية السيئة مؤخرًا، ليزفر مطولًا ويلف وجهه عنه، ليستطرد جابر حينما شعر به :
- براحة على نفسك يا ولد أبوي، إكدة ماحترتحش واصل، انت كنت رايد نهاد تبجى على زمتك بعد چوازتك التانية، بس ماحسبتهاش صوح، واسمع نصيحة اخوك اللي دارس الحريم زين وعارف مداخلهم..
اقترب منه قليلًا يتابع بنبرة خافتة :
- نهاد بنت عمي تبان ضعيفة ومغلوبة على أمرها، بس الحجيجة هي مش اكدة، بنات العيلة مافيش فيهم واحدة ضعيفة، حتلاجي فيهم الخبيثة، وحتلاجي الطماعة، وحتلاجي بتاعة مصلحتها، وحتلاجي اللي بتعرف تجلب 180 درچة، زي أم حمزة اكدة، هي طيبة وحنينة صوح، بس ياويلك لو كسرت خاطرها، وانت الشهادة لله طينتها ع الآخر وروحت چبتلها ضرة، وكمان امريكانية، وكملتها لما جولت أنك انچبرت عليها، حد يعمل عملتك دي يا حزين؟
باغته مهران بنظرة حادة فاسترسل لا مباليًا :
- ياعم أني بتكلم عين العجل، كلمة الحج مابتزعلش، وانت اللي عملته مهواش حج واصل، شوف بجى حتعرف تصلح اللي عملته ده كيف، ولو عايز نصيحتي ماعنديش مانع .
لف نظره عنه ، مستكبرًا أن يأخذ نصيحة من شقيقه الأصغر، ولكن كلماته توغلت إليه، واستشف جابر هذا لذا رفع كفه يربت على كتفه ويردف بتريث :
- فكر زين يا اخوي ، لو رايد ترچع نهاد لزمتك إنت عارف حتبدأ منين مش محتاچ اجولك، بس فكر صوح .
ابتعد وتركه يقف ينظر للجميع، لوالديه اللذان تجاوزا الكثير بحبهما، لشقيقته التي رزقت بحب زوجها واحتوائه، لعمار الذي وجد الحب مع فرحته بعد صبر، ولعمته وزوجها، لم يفعل أحدًا من عائلته ما فعله هو، جميع من هنا رضي بنصفه الآخر وأنشأ سعادة على حسب الظروف، حتى عبدالله الذي يجلس يضحك مع صغيريه لولا القدر لكان هو وزوجته الآن يعيشان بسعادة، هو فقط من اختصر وبدلًا عن إيجاد حلًا مع نهاد سلك طريق الزواج الآخر، وأضاعها من بين يديه.
أخطأ خطأً فادحًا ولم يعد يعلم كيف يصلحه، لقد بدأ الجميع يلاحظ تعاسته، وقريبًا جدًا سيظهر في ثوب المغفل كما كان ينعته عمه، سيؤكد لهم أنهم كانوا على صواب وأنه لا يفقه شيئًا، فهو يجاهد ليجعل زواجه من تيا ناجحًا وسعيدًا ولكنه يفشل كل مرة يطالعها بها فتعانده ذاكرته ويرى نهاد ويشتاق إليها وإلى كل إنشٍ فيها ..
اشتعلت النيران داخله أكثر، واحتل الغضب تقاسيمه، سيرون ضيقه وانزعاجه كما رآهما شقيقه وأسدى له النصائح، ليس عليه أن يبدو بائسًا إلى هذا الحد، ليدعي الاندماج والانبساط معهما، على الأقل الليلة، وسيرى بعدها ماذا سيفعل ..
خطا ليجلس بينهم، ولكنه لمحها تنزل من أعلى الدرج وتمسك بكف الصغير الذي ينزل معها مرتديًا قفطانه الذي لاءمه كثيرًا وبات يشبه الأمير، رآه الجميع وبدأوا يصفقون له ويرحبون به وهو يقهقه ويسرع ليصل إليهم، وتجاوره والدته تبتسم وترتدي هي كذلك قفطانها وحجابها المهندم واكسسواراتها فبدت جميلة، رائعة، تلتمع في عينيه.
وصلت إليهم فأخذوا منها الصغير يقبلونه ويرحبون به ووقفت تطالعهم وتخفي نظراتها الباكية، فقد كانت تبكي في الأعلى وليتها تحدد السبب، ولكن أحيانًا يحزن المرء على كم المظالم التي تعرض لها وما زال يتعرض برغم أنه يحاول جاهدًا أن يتجاوزها ويمضي قدمًا نحو مستقبله، ولكن البشر لا يتركونه يفعل، خاصةً وأن البيئة التي تحكمها قاسية بقوانين وضعها رجالها .
اقترب من صغيره يحمله ويقبله تحت أنظار الجميع وخاصة والداه، ثم أنزله والتفت يطالعها وقد لمح لمعان مقلتاها فزفر وأدرك أنها كانت تبكي، وظن أن بكاءها اشتياقًا لأيامٍ مضت، أو ربما احتياجًا لعودتهما معًا، خاصةً بعدما أدرك كلًا منهما أنه يحتاج إلى الآخر كثيرًا، ولكنها تعاند مثله .
حسنًا سيحاول، سيفعل أي شيء كي تقبل العودة إليه، سيتخلى عن عناده وقسوته وكلماته الحادة معها، من الآن وصاعدًا سيريها أنه عرف قيمتها ولم يعد يحتمل البقاء بدونها ..
❈-❈-❈
جهزت لها ابنتها الحمام كما أمرتها ثم صعدت إلى سطح المنزل في الطابق الثالث لتتحدث إلى صديقتها وتعلم منها آخر أخبار التحقيق..
وقفت نجوى تتخلى عن عباءتها ، ولكنها سمعت صوت زقزقة يصدر من الجوار فقطبت جبينها وحاولت الإنصات ومعرفة مصدر الصوت، وحينما لم تفلح عادت تكمل نزع ثيابها وتضعها في سلة الملابس، ثم أزاحت الستار البلاستيكي وعبرت داخل حوض الاستحمام، وفتحت صنبور المياه لتنهمر فوقها و بدأت في الاستحمام وهي تستعيد سنوات حياتها، وكيف كان يعاملها والدها ويعامل شقيقتها، خاصة حينما اختارت وصممت على زوجها الغير مرغوب فيه من عائلتها، كيف نبذوها واحتقروها وعاملوها كما لو كانت نكرة .
ابتسمت أسفل المياه، تضع سائل الاستحمام وتغمض عينيها وتغتسل، فلم ترَ تذبذب الإضاءة حيث أن لمبة الحمام بدأت تلمع بشكلٍ ملحوظ .
تتخيل بجنون سلب عقلها وهي تطلق على شقيقها طلقتين في صدره ، وثلاث طلقات توزعهن على قلوب أولاده الثلاثة، وخمس طلقات من نصيب نوارة التي كشفت عن كرهها لها، واثنتين لصابحة واثنتين لشقيقتها ويكفي واحدة للحفيد، أو تصيبهم بشكلٍ عشوائي وكفى .
ضحكت بشرٍ شيطاني، وضحكت الشياطين من حولها، وضحكت الكهرباء أيضًا فأحدثت انفجارًا صغيرًا في لوحة أسلاك السخان السفلية نسبةً لتآكل عامود التسخين وفشل الثرموستات، وبدأت الأسلاك البلاستيكية تشتعل دون انتباهٍ منها، ولكنها بدأت تشم رائحة شياط لذا أسرعت تزيل أثر الصابون وتفتح عينيها لتتفاجأ باشتعال الأسلاك أمامها، وبدون أدنى تفكير التقطت الدُش المتحرك توجهه نحو النيران لتطفئها فصعقت بصدمة كهربائية أطاحتها أرضًا متصلبة مثلها كمثل الحوض الذي ارتمت داخله، وأطاحت معها زجاجات الشامبوه والاسبراي البخاخ، وفقدت التحكم في جسدها لثوانٍ كأنها رأت فيهم وجوهًا سوداء مكفهرة، وهُيئ لها أنها تسمع أصوات قهقهات بغيضة، وقبل أن تستطيع الحركة سقطت قطعة من الأسلاك على ستارة الحمام البلاستيكية فاشتعلت على الفور، وسقطت بقاياها عليها تلتصق بجسدها وخصلاتها، فانتفضت تصرخ وحاولت النهوض بصعوبة وهي تنفض عنها النيران ولكن عبثًا، حتى داست على زجاجة الاسبراي فانفجرت تنشر النيران فيها أكثر، كأن النار تشتهي جسدها، فباتت تأكل منه دون رحمة، وبدأ يسقط منها أرضًا جلدًا مشوهًا، وهي تصرخ وتحاول فتح الباب بعدما اشتعلت كليًا، ونجحت بالفعل وخرجت تركض لعل ينجدها أحدهم، ولكن لا أحد، فابنتها في الأعلى، وزوجها وابنها ليسا هنا، لذا فتحت باب منزلها وخرجت بجسدها العاري المشتعل تستنجد، فلمحتها سجود من أعلى لذا جحظت بصدمة وصرخت تهرول إليها، بينما وقف الجيران مصدومين مما يحدث أمام أعينهم.
يرونها تشتعل وتركض وتتمرغ أرضًا علها تنطفئ ولكن قضي الأمر، كأن الجنود الذين حضرتهم لأذية البشر يحتضنوها الآن بأمرٍ من ربهم، تعالت صرخاتها بشكلٍ هستيري يصم الآذان، وباتت النساء تصرخن وتبتعدن عنها، والرجال يحاولون إطفاءها بقطع من الملابس ولكنها كانت تشتعل أكثر، لدقائق تصرخ وابنتها تصرخ وتستنجد ولكن لم يستطع أحد فعل شيء وهم يرونها تتفحم أمامهم وألسنة اللهب ترتفع لتبعدهم، أرادت النار أن تستفرد بها، حتى نجح أحدهم بعد وقتٍ في رمي بطانية مبللة عليها كليًا، أطفأتها ولكنها كانت قد فارقت الحياة.
عارية، متفحمة، مصعوقة في الحمام، ومكشوفًا سترها أمام جيرانها وابنتها، ولم تجنِ من حياتها سوى كل سيء..
عاشت فوق الخمسين عامًا أضاعتهم هباءًا وخسرت نفسها إلى الأبد.
تعاونت مع الشياطين على أذية الناس، ولجأت للسحر والكفر بقضاء الله وقدره، وادعت المحبة وهي أكثرهن عداءًا لشقيقها وأسرته، وفي نهاية المطاف لم تحصد شيئا ولم تترك لأولادها شيئا، لا سمعة صالحة، ولا حتى كلمة طيبة ..
❈-❈-❈
بعد قليل..
كانوا يحتفلون ويدندنون الأغاني حينما هرول إليهم أحد الحراس ينطق بأنفاسٍ متصاعدة :
- الحج يا حچ عبده، بيجولوا الست ام راضي النار مسكت فيها ومالحجوهاش .
بالرغم من كل ما فعلته به وبعائلته، إلا أنه ركض نحو الخارج مصدومًا وتبعه الجميع، لم يحتاجون إلى سياراتهم، فبيتها ليس بالبعيد، لذا كانوا يركضون سيرًا على الأقدام، حتى وصلوا إلى مكان الحادث .
فوقف ينظر لجسدها المغطى، بصدمة أفقدته النطق، كما حال الجميع، ووقفت منصورة تبكي فحاوطها زوجها وهو يردد :
- لا حول ولا قوة إلا بالله،إنا لله وإنا إليه راجعون .
بينما نطق أحدهم وهو يربت على كتف عبد الوهاب :
- شد حيلك يا حچ عبده، البقاء لله، إحنا طلبنا الإسعاف وچاي دلوك..
رفع نظره يطالع وجوه الجميع من حوله، ثم التفت إلى ابنتها التي تجلس أرضًا مجاورةً لها بصمت، وربما الصدمة أفقدتها النطق، بينما جاء للتو زوجها يهرول ويجاورها يصرخ باسمها حتى كاد أن يكشفها فأبعده الجيران عنها، وابنها راضي الذي أتى ووقف يطالعها، لا يصدق أن هذه والدته، كيف ومتى حدث ذلك؟
وهي تتمدد ويغطي جسدها قطعة بالية، تبدو عبرة للجميع، ينظرون لها وفي داخلهم يدركون أن هذه النهاية برغم قسوتها إلا أنها كانت من صنع يديها، مرددين بحزنٍ عم الوجوه :
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
❈-❈-❈
متمددًا على الفراش، يحتويها ويبتسم بعدما حصل على ما يريده منها.
اعتدلت تطالعه بتوترٍ ونطقت مستفسرة ببعض الخجل والضيق :
- اللي عملناه ده صُح يا احمد؟ حاسة إننا اتسرعنا، كان ممكن نجنع أهلي بكذا طريجة .
نظر لها مستنكرًا ينطق بتهكم :
- إنتِ چاية تجولي الحديت ده دلوك يا علا ؟ وبعدين إحنا اتچوزنا، ماعملناش حاچة حرام.
- بس عرفي .
نطقتها وهي تبتعد قليلًا، فزفر وأسرع يسحبها ويعيدها إليه مستطردًا بنبرة هادئة :
- يا حبيبتي بردو چواز، وبعدين جوليلي كنا حنجنعهم كيف؟ هما رافضين ارتباطك بيا من أساسه، وشايفين إني بضحك عليكي، معجول إنتِ تصدجي إني اضحك عليكي ؟
هزت رأسها بلا، فقد نجح في جعلها تقع في شباكه وتثق به، منذ أن عملت بالشركة وهو يشاغلها، واستقطبها مدعيًا الحب، والآن يستغلها ليقضي مصالحه، وأولهم إزاحة ريم من الشركة .
عانقها وقبل وجنتها يردد بحبٍ خادع :
- أوعدك حلاجي طريجة واجنعهم ونعلن چوازنا رسمي وساعتها ماحدش حيبجى ليه عندينا حاچة، خلينا دلوك ننبسط بجى .
تنفست مطولًا ثم نطقت بترقب :
- وحنعمل إيه في الشركة؟
- ولا حاچة، حنكمل كيف ماحنا، وحنستمر في خطتنا بردك زي ما اتفجنا .
تساءلت باستفهام تجلى على ملامحها التي طالعته بها :
- جصدك على ريم؟
أومأ مؤكدًا ينطق ليقنعها :
- الله ينور عليكي، البت دي وراها حوار كبير ودخلت واتمكنت وحتلف على چابر وتجش كل حاچة وحتطلعنا أني وكمال من المولد بلا حمص، بعد تعبنا وسهرنا ليالي وياه وانتظارنا ليه لحد ما يرچع من روسيا لجل ما نحجج حلمنا ونفتح كلنا المشروع ده، ماحسبهاش تتهنى ع الچهيزي بتعبنا وشجانا ،وأني شايف صاحبي مصدجها وماشي وراها عميان ولا دريان .
اقتنعت تومئ واستطردت :
- معاك حج، ماتسيبش حجك صُح .
ابتسم ودنا يقبلها مجددًا وينسدل للأسفل وهي معه مستمرًا في استغلالها، وهي تقدم له الفرصة على كفي يديها دون أي قيود .
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع
خيم الحزن على قصر عبد الوهاب، ربما لأن حزنه يجعل الجميع في حالة بائسة.
حزينًا لأنه لم يستطع أن يفعل من أجلها شيئا، وماتت على معصية كبرى، حزينًا لأنها لم ترتَح في دنياها ولن ترتاح في آخرتها، لقد نالت نهاية جعلت كل من حولها يتخذها عبرة لسنوات ويسردون قصتها لأجيال .
رحل زوجها بشكلٍ مفاجئ، حيث استيقظت ابنته منذ يومان فلم تجده ولم تستطع العثور عليه، جمع أغراضه ورحل دون مقدمات تاركًا خلفه كل شيء.
تحرر راضي من القيود التي وضعتها عليه، فبات يتناول السموم بأريحية، ويخطط للسفر مع تلك الأجنبية العجوز التي لم ترحل بعد، متجردًا من مسؤولياته كأخ لسچود التي تم رفدها من الچامعة بعد أن ظهرت حقيقة تهمتها .
والتزمت المنزل وقد باتت تخشى الخروج منه حيث سُلطت نظرات الاتهام نحوها، تسمع اللمز وهم ينعتونها بابنة الساحرة، ترى النبوذ والرفض في وجوههم، حتى قصر خالها لم تعد تستطيع اللجوء إليه ..
في الجامعة
بعد محاولات كثيرة ورجاء؛ استطاعت مودة إقناع الفتيات بالاعتراف على ذلك المعيد، وقدمن أدلتهن ليقتصصن منه حقوقهن ...
دخل نوح بعد أن تمت تبرئته مما اتهم به، وتم رفد الدكتور باسل بعد فضيحته بين الجميع وتشفي الطالبات به .
يخطو بين الجميع وهو يقبض على كفها ونظراتهم تحيط بهما، ليتفاجأ بالتفاف الجميع حولهما، وانهالت التصفيقات له وجميعهم نطقوا في نفس الثانية :
-حمدالله على السلامة يا دكتور، نورت الچامعة .
شعر برغبة في البكاء كتعبيرًا عن مدى سعادته برد حقه من الظلم الذي تعرض له ، كأنه يكُرم، برغم صعوبة ما عاشه خلال هذه الأيام، إلا أن ربه نصره وأظهر الحقيقة.
ركض الشباب نحوه يعانقونه بحفاوة، وكأنهم كانوا ينتظرون ذلك ليعبروا عن محبتهم ودعمهم له، فاستقبلهم بضحكات وبادلهم برغم صعوبة تحمله هذا الوضع، ولكنه يدرك حبهم.
وجاءت الفتيات يرددن على مسامعه كلماتٍ مبعثرة، كانت جميعها تدل على ثقتهن به وإدراكهن لخلقه ويقينهن من برائته .
وقف ينظر إلى مودة التي تنحت جانبًا تطالعه بفخرٍ وسعادة، ويطالعها بمحبة كبيرة على دعمها ومساندتها له طوال الفترة السابقة، وعلى مشاركتها أمره حيث لم يخبرا نجلاء أو ريم بما حدث ..
تنهد ونطق بنبرة عالية بين الجميع :
- متشكر چدًا يا شباب على كلامكم الچميل ده، بس دلوقتي أنا ورايا محاضرات ولازمن نعوض اللي فاتنا، فخلونا نبدأ ويوم الخميس الچاي بإذن الله كلكم معزومين على فرحنا انا ومودة في قاعة ألف ليلة وليلة .
هللوا فرحًا وابتسمت مودة بسعادة، فهو قد حدد بالفعل موعد الفرح، ولكن إعلانه لذلك أمام الجميع شيئًا أسعدها وجعلها تشعر بالرضا والانشراح، وقريبًا ستصبح زوجة الرجل الذي أحبته وتمنته ولم يعد يفرق بينهما شيء ..
❈-❈-❈
في شركة جابر
اجتمع الشركاء والمهندسين في غرفة الإجتماعات، حيث ناقشوا أحد المقترحات الجديدة، غادر أحمد وكمال والمهندسين، ووقفت ريم التي أوقفها جابر يتساءل :
- إيه رأيك في الاقتراح ده؟
شعرت بالضيق من انفرادهما، ولكنها قدرت حسن نيته، لذا نطقت بعجالة كي ترحل :
- لازم ندرسه كويس الأول ونشوف كل الجوانب أو نعمل عليه تچربة مصغرة، خلينا نتناقش باستفاضة بليل ع الموقع .
تحركت تغادر الغرفة وسط تعجبه من استعجالها، وخطت باتجاه مكتبها، ولكنها كالعادة لاحظت نظرات هاتان الموظفتان نحوها، فشعرت بالغضب، حيث أنها تصمت منذ أسبوعين على تلازمهما، ولكن طفح الكيل، اندفعت نحوهما ووقفت تطالعهما وتتساءل بنظرات ثاقبة :
- ممكن افهم فيه إيه بالضبط؟
نظرتا إليها، لتصمت إحداهما وتنطق الأخرى بنبرة ماكرة :
- فيه إيه؟ هو حد كلمك يا باشمهندسة؟
نطقت بضيق تملك منها :
- خليكي واضحة وصريحة يا علا وقولي اللي في نفسك في وشي مش من ورايا، أنا ملاحظة كويس كلامك ونظراتك نحيتي من زمان .
نهضت علا تنطق بتهكم مفتعل :
- فيه إيه يا باشمهندسة هو رمي بلا وخلاص؟ أني جاعدة بتكلم أنا وصاحبتي إيه اللي يخليكي تاخدي حديتنا عنك، ولا هو اللي على راسه بطحة!
صُدمت ريم تطالعها بصمتٍ لبرهة، ولم تعد تجاريها حديثًا بل نطقت باستنكار :
- هو مين اللي على راسه بطحة؟ انتِ بتقولي إيه؟ وإيه المستوى اللي بتتكلمي بيه ده؟
هاجت علا وقد نجحت ريم في استفزازها، خاصة بعد توصية أحمد لها أمس بافتعال مشكلة معها ، لذا تعالت نبرتها توبخها وقد وصل صدى صوتها للجميع :
- ماله مستوايا إن شاء الله؟ مش جد المجام ولا إيه؟ جبل ما تتريجي عليا كل واحد يشوف نفسه الأول يا باشمهندسة .
خرج جابر على صوتها، وكذلك كمال وأحمد الذي وقف يتابع بتشفي ويغمز لها، بينما وصل جابر إليهما وتساءل بانفعال :
- إيه اللي بيحصل هنا ده؟
نطقت علا وهي على وشك البكاء تدعي الحزن:
- يا مستر چابر أني جاعدة ويا صاحبتي بنتحدت عادي، دخلت عليا الباشمهدسة واتهمتنا إننا بنتحدت عنيها ودلوك بتتريج عليا وعلى مستوايا في الحديت عشان برد عليها .
نظر جابر لها بضيق، ثم نظر إلى ريم التي وقفت غاضبة، متوترة، لم يسعفها أخذ حقها من هذه المفتعلة للمشاكل، لذا نطقت باختناق :
- أنا فعلًا غلطانة إني قللت من نفسي ووقفت اتكلم مع واحدة زيك.
قالتها وتحركت تختفي داخل مكتبها وتغلق الباب، بينما نظرت علا إلى جابر تشتكي له :
- يرضيك كدة يا مستر يا چابر؟ مالها اللي زيي؟ يعني عشان أني يادوب لسة مبتدئة تجل مني؟
تفحصها بترقب، ثم نطق وهو يوزع نظراته بينها وبين صديقتها التي لم تنطق حرفًا:
- خلاص يا علا اجعدي كملي شغلك، والافضل بلاش حديت إهنة، خلي الحديت ويا صاحبتك لما تطلعوا من الشركة، لازمن تحترموا النظام إهنة وماحدش يتطاول ع التاني لا بحديت ولا حتى بنظرة، وأني واثج أن ريم ماعملتش إكدة من فراغ .
نطقها والتفت متجهًا إلى ريم ليتحدث إليها، ولكن ما إن دلف مكتبها وأغلق الباب حتى وجدها تنطق بانزعاج :
- لو سمحت ماتقفلش الباب .
قطب جبينه وعاد يفتحه ثم تحرك يجلس أمامها وتساءل يمتص غضبها :
- تمام بس روجي وفهميني إيه اللي حصل لكل ده ؟
دقق النظر بها ليتفاجأ بلمعان عينيها لذا استرسل :
- إنتِ بتعيطي؟
هزت رأسها بلا، وتسلحت بالقوة توضح له بنبرة صارمة :
- لو سمحت الأفضل نخلي بينا حدود، من وقت اللي حصل قدام الشركة وفعلا فيه كلام بيتقال عني، ودلوقتي لمجرد إني وقفت معاك لحظات في اوضة الاچتماعات طلعت لقيت البنت دي بتحكي عني ودي مش أول مرة، كأنها متعمدة تستفزني وكل مرة بطنشها واقول حتسكت وتبطل التصرفات دي، بس المرة دي لما لقيتها بتعمل كدة ماقدرتش اسكت.
لم يلحظ ذلك ولكنه يصدقها، لذا زفر ونطق بهدوء :
- طيب اهدي وحعملك اللي إنتِ رايداه ..
نطقها ولكنه وجدها تجمع أغراضها لترحل فاسترسل متسائلًا :
- وجفي بس على فين .
نطقت قبل أن تندفع لتغادر بالفعل بعدما شعرت بالضيق يحتل صدرها :
- كان الأفضل إني أنا اتابع من البيت فعلًا الفترة دي، عن اذنك .
قالتها ورحلت ولم تمهله فرصة إيقافها، بل وقف يطالع أثرها وشعر بنيران سعرة بدأت تلتهم قلبه، لن يترك أحدهم يزعچها، عليه أن يجد حلًا لهذه المسألة التي تؤرقها، فلم يعد يطيق البقاء في الشركة بدونها، ليتساءل بينه وبين نفسه ( هل أحبها؟)
❈-❈-❈
ليلًا
جلست في بهو القصر مع صغيرها وندا وعمر، حيث يمكثان هنا منذ يومين، فقد جاء بهما عبدالله بعد أن شعر بعدم ترحيب زوجة شقيقه بهما .
استقبلتهما صابحة بترحاب كبير، وأقنعت زوجها أن يظلا هنا إلى أن ينهي عبدالله مهامه، ورضخ للأمر برغم مخاوفه من قربهما من نهاد، ولكنه شعر بالمسؤولية تجاههما، خاصة وأنهما على مستوى عالٍ من الرقي والأدب .
وها هو ما يخشاه قد حدث، خلال يومان فقط تعلقا بالصغير، وتعلق هو أيضًا بهما، وباتا يضيعان وقتهما معه .
أردفت ندا بنبرتها الرقيقة :
- على فكرة يا خالتو نهاد حمزة شبهك خالص.
نطق عمر معترضًا بعدما ترك هاتفه جانبًا يؤكد :
- لا بالعكس هو شبه أونكل مهران جدًا.
استنكرت ندا وهي تتطلع على الصغير وتدلـله قائلة :
- لاء أنا شيفاه شبه خالتو نهاد، صح يا حمزة؟
هلل الصغير بسعادة بينهما وأومأ مؤيدًا فضحكت ندا وكذلك نهاد التي نطقت تطالعه بعاطفة :
- هو أي موافجة وخلاص؟
نطقت ندا بنبرة مرحة :
- لا يا خالتو هو موافق على كلامي ومقتنع بيه، أنا مش شيفاه شبه أونكل مهران خالص.
- وه كيف ده؟
نطقها عبد الوهاب مستنكرًا بعدما دلف لتوه وسمعها، تقدم منهم مبتسمًا وجلس فطالعته نهاد تضحك وتردف :
- على فكرة يا عمي حمزة جيّد حديتها وأكد عليه .
رفع حاجباه ثم دقق النظر في الصغير كأنه يستشف ملامحه، لتتساءل ندا بابتسامة جميلة :
- طب قول انت يا جدو، مش هو شبه خالتو نهاد بالضبط؟
نطق عبد الوهاب مقتنعًا وهو مستمرٌ في التحديق بالصغير :
- هو واخد منهم هما التنين، عيونه وجبينه لمهران، باقي الملامح لنهاد، وخفة دمه لچده.
ابتسمت نهاد ورفعت وجهها فجأة لتصطدم بوجه مهران الذي دلف لتوه ومعه عبد الله ينطقان .
- سلام عليكم .
ردوا عليهم السلام، وعبس وجه نهاد التي زفرت بقوة، بينما انزعج مهران من اندماجها مع عمر وندا، وشعر بالغيرة تتملك منه، حيث لم يكن يريد مجيء عبد الله إلى هنا، ولكنه لم يستطع أن يرفض، خاصةً مع وجود ولداه هنا .
تحركا يجلسان، ثم نطق عبد الله بنبرة بدت ممتنة تحمل بعض الحرج :
- معلش بقى يا عمي عاملين لكم إزعاچ، قريب چدًا بإذن الله حاخد الأولاد ونرچع اسكندرية .
ارتاح عبد الوهاب داخليًا ولكنه نطق مرحبًا :
- ماتجولش الحديت ده ياولدي مرة تانية، ده بيتهم وفي اي وجت ينوروه .
جاءت صابحة ترحب به وجلست معهم بينما نطقت نهاد مستفسرة عن شيءٍ في نفسها :
- مش حترچعوا لوجصر تاني جريب ؟
أجابها عبد الله بهدوء وابتسامة لينة :
- حنرچع أكيد، حنبقى بين هنا وهناك بعد كدة عشان الشغل طبعًا .
أومأت بتفهم ولكن مهران كان يغلي لذا نطق بترقب وهو ينهض :
- رايد اتحدت وياك كلمتين يابوي..
حدجه والده بنظرة متفحصة، ثم تنهد ونهض يردف :
- تعالى يا ولدي، عن اذنك يا عبد الله .
تحرك نحو مكتبه، وتبعه هو، ينظر نحوها نظرة تهاوى قلبها على أثرها، وشعرت بما سيخبر به عمها، لذا لم تعد الراحة ترافقها، بل جلست بعقلٍ يدور بصخب، وحتى لم تعد تستمع إلى كلمات الشقيقان، أو حديث صابحة مع عبد الله، حتى مالت عليها تتساءل بتهكم وخفوت :
- هو عمار ولدي حيفضل لابد فوج إكدة!
لم تنتبه لها فعادت تكرر :
- نهاد .
انتبهت لها فطالعتها تتساءل :
- بتجولي حاچة يا مرت عمي؟
- وه، سرحانة في إيه؟
نطقت بهدوء :
- ولا حاچة، أني زينة .
أومأت وعادت تنظر إلى عبد الله الذي يتحدث إلى ابنه عمر، بينما ندا تلعب مع الصغير بمرحها الهادئ
❈-❈-❈
في غرفة المكتب
نطق مهران بدون مقدمات :
- أني عايز أرد نهاد يا ابوي .
صمت عبد الوهاب لبرهة، ثم نطق بهدوء مبهم :
- واكدة احنا عملنا إيه؟ أومال اطلجتوا ليه يا ولدي؟ ولا هو كان لعب عيال؟
نطق بنبرة فظة :
- أني ماطلجتش، الطلاج انتوا فرضتوه عليا.
أومأ عبد الوهاب ينطق وهو يفرك حبات مسبحته :
- صوح، كيف ما فرضت عليك تتچوزها غصب عنك، كمان طلجتها غصب عنك، ودلوك چاي تردها، بس ياترى حتردها برضاك ولا غصب عنك بردك؟
نطق بنبرة لا تظهر من ندمه شيء :
- لاء برضايا، أني ماكنتش حطلج، بس جبلت وطلجت لاجل ما الأمور تهدى وبعد إكدة اردها تاني.
- وعملت إيه علشان تردها تاني؟
تساءل بها عبد الوهاب بنبرة علت فيها حدته، فطالعه مهران مستفهمًا برغم إدراكه لمقصده :
- يعني إيه؟
نطق معنفًا :
- يعني اتچوزت عليها واحدة غريبة، وكسرت خاطرها لما جولت إنك اخترتها لنفسك، ومحاولتش تصلح اللي عملته، وعكيت الدنيا، وچاي دلوك تجول رايد تردها؟ طب والتانية؟ حتردها على أي أساس؟
زفر ونطق يوضح له أسبابه الذي يوقن أنها لن تروق لوالده :
- أني سمعت نهاد من أسبوعين كانت بتسأل عبد الله عن السفر، رايدة تتنجل لفرع اسكندرية، ورچعت تاني تستفسر عن الموضوع ده النهاردة ، نهاد مخططة تبعد من إهنة هي وولدي .
تفاجأ عبد الوهاب مما يقوله، ومن رغبة نهاد في الابتعاد عن هنا، فهل أساء لها بشيء لتبتعد؟ هل أخطأ معها؟ هل يعاملها أحدهم بسوء؟ هل هددها حسنين وتخفي عنه؟ هل تعرض لها مهران؟
تساءل مستفسرًا :
-كيف يعني؟ رايدة تسافر ليه ولمين؟
نطق مشتعلًا حيث شعر أن والده سيؤيده :
- ماعرفش، رايدة تبعد عنينا واصل ، بس أني ماحجبلش بحاچة زي دي يابوي .
صمت لبرهة يطالع انفعال ابنه، ثم نطق يدعي تجاهله لهذا الأمر :
- سيبك من الحديت ده دلوك، وجولي رايد ترد مرتك على أي أساس؟ إنت فكرك لو أني جومت دلوك وجولتلها ولدي رايد يردك حتفرح؟ إحنا إكدة بنكسرها أكتر وبنيچي عليها أني وانت، ولا إنت عايزني ابجى ظالم زيك.
شعر بغصة تراوده، وحزن كثيرًا، فيبدو أن لا أحد يود مساعدته، حتى والده الذي ظن أنه سيفعل.
كيف يتركها تذهب وتسافر؟ كيف يتركها تضيع من بين يديه بالفعل ؟ لذا تساءل بترقب :
- يعني ماحتساعدنيش ؟ إنت تجدر تجنعها وهي بتسمعلك.
نطق عبد الوهاب بحدة :
- اساعدك وانت چاي وحالل كل أمورك، وانت راچع ندمان صوح، لكن تجولي أردها والتانية دي على زمتك لاء، يفتح الله، وبعدين تطلع مين البت دي اللي متمسك بيها جوي إكدة؟ عرفتها وعرفت أصلها وفصلها وسألت عنيها زين جبل ما تتچوزها، ولا كانت أي چوازة والسلام المهم تعاندني وتعاند مرتك، وحتندم بعد إكدة وتندمني إني جولت عليك خليفتي؟
لم يستطع أن يجيبه، فهي بالفعل كانت اختيارًا سريعًا في وقتٍ ضائع وعقلٍ طائش ، أراد أن يفتعل بها حدثًا جللًا بينهم، ولم تكن هي بالفعل من يريدها، كانت فقط الاختيار الأمثل للقرار الخاطئ .
نهض يردف قبل أن يرحل :
- كفياك تجليل مني يا حچ ، وأني خلاص اتعلمت الدرس زين، وحعرف كيف أرد نهاد من غير مساعدة، وحصلح كل اللي اتكسر، وبالنسبة لتيا إنت لساتك ماتعرفهاش زين، مهياش أصول تتحدت إكدة على واحدة ماتعرفهاش يابوي، مش إنت اللي علمتنا إكدة بردك؟
- ياريتك كنت فهمت كل حاچة علمتهالك صوح يا ولدي .
نطقها عبد الوهاب فأومأ مهران وتحرك يغادر المكتب، ورآها تجلس تتحدث مع والدته، وقد صعد الأولاد للنوم، وغادر عبد الله، فتحرك نحوهما ووقف أمامها ينطق بغير هدى :
- اسمعي يا نهاد، موضوع السفر ده ماتفتحيهوش تاني واصل، وأني من اهنة ورايح ماحيصدرش مني أي حاچة تضايجك، اللي إنتِ رايداه ومرتاحة فيه حعملهولك، بس بشرط ماتطلعيش برا الجصر واصل، وده آخر حديت عندي يابنت الناس .
نطقها ونظر إلى والدته المتعجبة، ثم تحرك يغادر وتركها تطالع أثره بغضبٍ وقهر، يأمرها ويذهب إلى زوجته؟ هل يقصد إثارة جنونها؟ أم يتعمد إهانتها والتقليل منها؟ ماذا تفعل كي تلقنه درسًا لا ينساه؟ .
وقف عبد الوهاب عند نافذة مكتبه يطالعه وهو يستقل سيارته ويغادر، ليتنهد مطولًا بحزن، فهذا ما يخشاه، تخبط ابنه وصراعه الذي يجعله يفقد صوابه ، ويتصرف بعبثية تبعثره أكثر وأكثر وتبعده عن أهدافه وتفقده الفرص واحدة تلو الأخرى ...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
