رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37
رواية عهد الدباغ الفصل السابع والثلاثون 37
بشقة كنان
بغرفة النوم
كانت غزال غافية على طرف الفراش، بينما كنان يقترب المنتصف تقريبّا، فجأة فتح عيناه شعر بتلجُم لسانه من تلك العينان اللتان تومضان ببريق شبه مُرعب، كأنهما بصيص نار وسط العتمة، كذلك شعر بقبضة يد، بل مخالب تغرس بخفه على إحد يديه،
تجمد لثواني قبل أن يهب جالسًا بعنف، بينما ذلك البريق المخيف اختفى فجأة، حين أشعل الضوء... ليظهر بدلًا منه وجه صغير مكسو بالفرو الرمادي، وعينان دائريتان تلمعان بانتصار...
رمش بعدم استيعاب وهو ينظر إلى الكائن الجالس فوق صدره بكل ثقة، بينما مخالبه مغروسة في يده... تفوه بصعوبة
-قطة.
-جت منين القطة دي..تكونش عفريت أنا ما صدقت إرتاحت من أفلام الرعب بتاع يارا..عشان يطلع لى قطة فى أوضة نومي .
زفر بعنف هامسًا بغيظ:
يا بنت الـ...!
بنفس اللحظة استيقظت غزال على صوته، انتفضت نصف نومة وهي تفرك عينيها تسأل:
في إيه؟!
أشار كنان للقطّة بصدمة:
في إن روحى كانت هتطلع دلوقتي بسبب الهانم دي!
التفتت غزال، وما إن رأت القطة حتى شهقت بسعادة:
ونيسة.
قفزت القطة فور سماع اسمها نحو غزال، تلتصق بها بدلال وكأنها لم تكن منذ ثواني على وشك التسبب بأزمة قلبية كاملة لرجل بالغ.
حدق كنان بينهما بعدم تصديق وقال ببرود ساخر:
ونيسة مين.. جت منين القطة دي.
ضمت غزال القطة قائلة:
ونيسة قطتي هي جت لوحدها من بيت عمتي.
تفوه بغضب:
وإيه اللى جابها هنا عالسرير.
تبسمت غزال قائلة:
هي كانت متعودة تنام جانبي عالسرير.
نظر كنان لها بنزق....
ضحكت غزال بقوة وهي تضم القطة لصدرها قائلة بحنو:
دي بتحبك، عشان كده نامت جنبك.
نظر لآثار الخدوش بيده ثم قال بغيظ:
لو ده حب، أومال العداوة شكلها إيه.
قال ذلك ونظر للقطة قائلًا:
إنتِ قطعتي خلفي.
غصبً ضحكت غزال، بينما
ظل كنان يرمق القطة بنظرات حادة، بينما الأخيرة كانت مستقرة بين ذراعي غزال، ترفع رأسها إليه بتحدٍ واضح، ثم أطلقت مواءً قصيرًا بدا له وكأنه سخرية صريحة.
ضيّ عينيه وقال بامتعاض:
لا... دي مش قطّة طبيعية، دي داخلة البيت بنيّة إزعاج.
ضحكت غزال وهي تمرر يدها على ظهرها: اسمها ونيسة،وهي مؤدبة جدًا.
نظر مرة اخرى إلى تلك الخدوش في يده ثم عاد ينظر إليها قائلًا بتجهُم:
دي مؤدبة! دي حاولت تغتالني من خمس دقائق.
كأنها فهمت حديثه، التفتت القطة نحوه ومدت إحدى يديها الصغيرة في الهواء، ثم أخرجت مخلبًا واحدًا ببطء...
اتسعت عيناه قائلًا:
شوفتي والله بتتحداني.
لم تتمالك غزال نفسها من الضحك، بينما اقتربت ونيسة من طرف الفراش بخفة، ثم جلست في المنتصف... تمامًا في مكان كنان.
نظر للمشهد بعدم تصديق قائلًا:
ممتاز... دلوقتي كمان بتطردني من مكاني.
رفع الوسادة ووضعها بينه وبينها بحاجز واضح قائلًا:
أنا وهي في البيت ده لازم نحط حدود.
لكن ما إن تمدد بجوار غزال، حتى قفزت ونيسة بخفة فوق صدره مرة أخرى، واستقرت هناك ملتفة كأنها تملك المكان.
شهق قائلًا:
لا... لا والله ده استفزاز.
فتحت القطة عينًا واحدة ونظرت له بلا مبالاة، بينما همست غزال وهي تكتم ضحكتها:
شكلها اختارتك... وحست معاك بالاُلفة.
أغمض عينيه باستسلام وقال:
وأنا من النهارده هبدأ أنافس قطّة على النوم عالسرير... يا لسوء حظي.
قالها بطريقة درامية، فتبسمت غزال
اقترب كنان من غزال وهو لا يزال يرمق القطة بنظرات متحفزة، ثم مال هامسًا قرب أذنها بنبرة ممتعضة ممزوجة بدلال:
ممكن أفهم... هي ناوية تفضل بينا طول الليل.
ضحكت غزال بخفوت، وأنفاسها لامست وجهه: شكلها غيرانة... هي كانت متعودة تنام لوحدها جانبي.
رفع حاجبه ساخرًا:
غيرانة.. دي بتتعامل كأنها صاحبة البيت وأنا الضيف.
ثم جذب غزال نحوه أكثر، مستغلًا انشغال القطة بلعق كفها الصغيرة، ومرر أصابعه على خصرها ببطء جعلها تنظر إليه بخجل واضح.
همست:
كنان...ونيسة موجودة.
اقترب أكثر، وعيناه مثبتتان عليها:
خليها تتفرج وتتعلم... حتى عشان تتلهي بعيد.
شهقت ضاحكة وهي تدفع كتفه بخفة:
إنت مستفز.
وقبل أن يرد، أطلقت ونيسة مواءً عاليًا فجأة، ثم قفزت بينهما مرة أخرى بكل جرأة.
تراجع كنان مصدومًا قائلًا:
لا.. أقسم بالله دي بتعملها قصد.
دفنت غزال وجهها في الوسادة تضحك بقوة، بينما ظل هو ينظر للقطة بعداء واضح همس لنفسه:
أنا هنام والصبح أشوفلها أي حد يتبناها...او أسربها بعيد عني هنا.
❈-❈-❈
فى ذلك البيت
صحوت عهد بعدما داعب الضوء عينيها، ليس الضوء وحده ما جعلها تصحو، تلك الرائحة الربيعية المُنبعثه فى المكان... تمطئت بيديها تحاول نفض النوم، لكن ثبتت يديها حين سمعت فاروق يقول:
صحيتي.. صباح الخير.
نظرت له كان يجلس على طاولة صغيرة قريبة من الآريكه... يرتدي مئزر حمام قطني قصير يكسف جزء كبير من ساقيه كذالك صدره... يبدوا أنه لا يرتدي غيره... كذالك خصلات شعره تبدوا مُبللة، أيقنت أن الرائحة الربيعية التي تنبعث من المكان مصدرها هو.. تفوهت ببسمة:
صباح النور، هي الساعة كام.
اجابها:
حوالى سته ونص الصبح.
اندهشت من ذلك، فهي تشعر أنها غفت لوقت طويل، كذالك تشعر بخفة فى جسدها...
تأملت المكان حولها بتشوش خفيف، ضوء الصباح يتسلل بهدوء عبر الستائر، عادت بنظرها نحو فاروق تشعر وكأنها اعتادت هذا المشهد منذ زمن طويل... وجودها هنا، استيقاظها أمامه، وتلك السكينة الغريبة التي تملأ المكان...
لاحظ شرودها ظن أنها قد تكون ندمت على ما حدث غصب على نفسه فسألها بنبرة هادئة:
مالك...
مستغربة إنك نمتي هنا.
هزت رأسها ببسمة خافتة قائلة:
أيوه... أنا أصلًا نومي خفيف، وأي صوت بيصحيني، بس مش فاكرة إني نمت بالراحة دي من إمتى.
تأملها لثواني ثم قال:
يمكن عشان أول مرة تبطلي تفكير.
خفضت عينيها قليلًا، وكأن كلماته أصابت شيئًا بداخلها. كانت معتادة أن تنام وعقلها يقظ، يطاردها القلق والأسئلة، لكن بالأمس... لا تتذكر حتى متى أغمضت عينيها.
انتبهت بعدها إلى هيئة جلوسه، إلى استرخائه الواضح، وإلى ذلك القرب الغير المعتاد بينهم، فتورد وجهها بخفة وهي تُعدل جلستها قائلة: أنت صاحي من بدري.
ابتسم وهو يرفع فنجان قهوة قائلًا:
من ساعة تقريبًا... عملت قهوة واستنيت تصحي.
ضيقت عينيها بمكر خفيف قائله:
واستغليت الفرصة تقعد بالمنظر ده.
نظر لنفسه متعمدًا البراءة:
ماله المنظر ده.
ضحكت رغماً عنها، بينما هو راقب تلك الضحكة القصيرة باهتمام، كأنه كان ينتظرها تحديدًا.
ثم قال بهدوء:
الضحكة دي تليق عليكي أكتر من التكشير اللي دايمًا مرسومه على وشك.
رفعت الوسادة الصغيرة بجانبها وألقتها نحوه قائلة بخجل ممتزج بمشاكسة:
فاروق بطل رخامة... قصدك إيه إني كيشريه.
ضحك وهو يلتقط الوسادة بسهولة، ثم مال بجسده للخلف يبتسم، بينما شعرت عهد لأول مرة منذ وقت طويل أن صدرها خفيف... وكأن شيئًا ثقيلًا بداخلها بدأ يهدأ، ولو قليلًا.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، صمت لم يكن مريحًا بالكامل، ولا مُربكًا بالكامل... شيء بين الاثنين...
ظلت عهد تنظر إليه بينما ابتسامته الهادئة لم تختفِ، تشعر أن نظراته هذه المرة مختلفة، أكثر دفئًا، وأكثر قربًا مما اعتادت عليه معه.
همست بخفوت:
بتبصلي كده ليه.
أجاب ببساطة أربكتها:
عشان أول مرة أشوفك مرتاحة.
شعرت بشيء يرتجف داخلها، فحاولت الهروب بعينيها بعيدًا عنه، لكنه نهض من مقعده ببطء واتجه نحوها، حتى جلس على طرف الأريكة القريبة منها.
توترت أنفاسها تلقائيًا، بينما سأل بصوت منخفض:
متوترة مني.
رفعت عينيها إليه، ثم هزت رأسها بالنفي بخفة، رغم أن ارتجافة أصابعها فضحتها...
ابتسم ابتسامة صغيرة، ومد يده يزيح خصلة شعر انسدلت قرب وجهها، لمسته كانت هادئة جدًا، كأنه يمنحها فرصة للتراجع لو أرادت... لكنها لم تفعل...
ظلت تنظر إليه بصمت، إلى قربه، إلى دفء أنفاسه، حتى شعرت بأن المسافة بينهما تكاد تختفي...
همس:
عهد...
ارتبك قلبها من طريقته وهو ينطق اسمها، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تهمس:
نعم.
اقترب أكثر، ببطء متعمد، ثم لامست شفتيه جبينها أولًا، قبلة قصيرة حنونة جعلتها تغلق عينيها دون وعي... قبل أن تنساب يده حول خصرها يقربها إليه أكثر...
اختلطت أنفاسهما، بينما شعرت عهد للمرة الأولى أنها لا تريد التفكير، لا تريد المقاومة أو الهرب... فقط تريد البقاء داخل تلك اللحظة...
رفعت يدها بتردد تستند على صدره العاري، تشعر بدقات قلبه أسفل كفها، فابتسم بخفوت وهو يهمس قرب شفتيها:
لسه متوترة.
ضحكت بخجل هامسه بإسمه:
فاروق..
نظر إليها طويلًا، ثم ضمها إليه برفق، لتدفن وجهها بعنقه تلقائيًا، بينما بقيت يداه تحيطانها باحتواء هادئ، وكأن العلاقة بينهما بدأت أخيرًا تذوب فيها تلك المسافات الباردة التي ظلت طويلة بينهما...
رفع وجهها إليه ببطء، بينما بقيت أنفاسها متعثرة قربه، تشعر بحرارة يديه حول خصرها تربكها أكثر مع كل ثانية تمر...
تلاقت أعينهما طويلًا، وكأن كل منهما ينتظر من الآخر خطوة جديدة... حتى اقترب فاروق أخيرًا، لتلامس شفتيه شفتيها ببطء شديد، قبلة هادئة أول الأمر، مترددة تحمل شيئًا من التروي، كأنه يختبر ارتجافها بين ذراعيه...
أغمضت عهد عينيها تلقائيًا، بينما شعرت بقلبها يخفق بعنف أصبحت تشعر به كلما إقترب منها بتلك الحميمية..، إرتجفت يدها التي تستند فوق صدره تشبثت به أكثر دون وعي...
ابتعد قليلًا يتأملها، فوجد وجنتيها متوردتين وأنفاسها متسارعة، ابتسم بخفوت قبل أن يقترب مرة أخرى، هذه المرة أكثر جرأة، بينما انسابت أصابعه على ذراعها ببطء أربكها...
همست باسمه مره أخرى بصوت خافت:
فاروق...
طريقتهـا وهي تنطق اسمه أفقدته آخر ما تبقى من هدوئه، فضمها إليه أكثر، لتصبح المسافة بين جسديهما شبه منعدمة، بينما أخفى وجهه بعنقها يقبلها برفق جعل جسدها يقشعر بين يديه...
أمالت رأسها دون وعي تفسح له المجال، وأنفاسها المرتبكة تختلط بأنفاسه، تشعر بدفء لمسته واحتوائه لها بطريقة جعلتها تذوب تمامًا داخل قربه...
رفع رأسه ينظر إليها مرة أخرى، وكأنه يحاول قراءة ما تشعر به، فبادلته نظرة مرتبكة لكنها مليئة بمشاعر لم تعد تستطيع إخفاءها، ليبتسم لها ابتسامة صغيرة قبل أن يضمها إلى صدره بحنان، بينما بقيت هي بين ذراعيه وكأنها وجدت أخيرًا مكانًا يطمئنها...
توقف فاروق عن أي حركة لثواني، وكأن اللحظة نفسها فرضت عليه هدوءًا مختلفًا، ليس هدوء برود، بل هدوء إدراك...
ظل يحتضنها دون ضغط، يترك لها مساحة تتنفس وتستوعب ما يحدث، بينما كانت عهد لا تزال مستندة على صدره، عيناها نصف مغمضتين، وأنفاسها تهدأ تدريجيًا بعد الارتباك الذي مر بها.
همست بصوت منخفض، فيه شيء من الحيرة: أنا مش فاهمة إحنا بقينا كده إزاي.
رفع يده يمررها على شعرها برفق، وقال بنبرة أهدأ:
مش لازم كل حاجة تتفهم مرة واحدة.
رفعت رأسها إليه، تبحث في وجهه عن إجابة أو تفسير أو حتى طمأنة، لكنه لم يعطِها إلا نظرة ثابتة، فيها هدوء وثقة أكثر من كونها اندفاعًا...
ابتعد قليلًا، لكنه لم يقطع القرب تمامًا، ثم قال:
عهد إنتِ واعية للى بيحصل بينا.
صمتت، لكن عينيها ظلتا عليه، كأنها تحاول ترتيب مشاعرها داخليًا.
تنفست ببطء، ثم امائت برأسها قائلة:
إيه اللى بيحصل بينا.
إقترب من وجهها بنظر لشفتيها قائلًا:
إنتِ مراتي يا عهد.
أومأت برأسها سائلة:
وإنت شايف اللي بيحصل بينا شيء عادي.
أومأ بهدوء قائلًا:
عارف.
لحظة صمت أخرى، لكنها هذه المرة كانت أخف... أقل ارتباكًا من قبل.
ابتسم ابتسامة بسيطة وتحدث:
خلينا ناخدها واحدة واحدة... من غير ضغط.
لم ترد، لكن يدها التي كانت على صدره لم تنسحب، وكأنها هي الأخرى بدأت تتقبل فكرة القرب، ولو بشكل تدريجي...
جلسا معًا بصمت، لا هو يفرض اقترابًا، ولا هي تهرب منه، فقط مسافة جديدة تتشكل بينهما... ليست باردة كما كانت، ولا مشتعلة بشكل مربك، بل شيء في المنتصف، واضح بدأ يتكون.
ظن أنها نعست على صدره، همس بهدوء:
عهد إنتِ نمتي تاني.
هزت رأسها بنفي.. تبسم لكن فجأة إنقلب ذلك الهدوء الى شهقة منها حين تفاجئت به بدل وضعهم وأصبح يشرف عليها بجسده.. إبتلع شهقتها وهو يلتقط شفتيها فى قُبلات تزداد جموح حتى لمساته تبدلت عن قبل قليل كانت خشنة بعض الشيء وهي تتقبل ذلك بل وبادلته ءلك الجموح وتلك المشاعر تنسحم بينهما تنسج شعورًا خاص لكل منهما...إنتهت بصخب انفاسهم المسلوبة...،جذبها على صدره...
تبسمت بعد لحظات وهي تعبث بأناملها فوق صدره ثم همست:
الكنبة دي ضيقة.
ضحك بصخب قائلًا:
ليه،ما أهى وخدانا إحنا الاتنين ملفوفين بغطا واحد...
توقف للحظة ثم غمز عينيه بمكر قائلًا: ولا مضايقك إنك من غير هدوم.
شعرت بخجل ضربت صدره بخفه، ضحك وهو يمسك يدها يثبتها... ثم تحدث بسرال:
عرفتي منين اني هنا، فى الاستطبل منين.
إتخذت وقت قبل أن ترد بمراوغة:
تقدر تقول خمنت، سبق وقولت إنك لما بتضايق بتجي هنا.
رفع رأسها عن صدره لحظه ينظر لها قائلًا:
عهد بلاش مراوغة.
إبتسمت وإستقرت على قولها تغاضي فاروق وعاد يضم رأسها لصدره، بصمت هادئ يترك مساحة لقلبيهم بالنبض..
بينما عهد
تذكرت بالأمس حين تسمعت على حديث إجلال معه عبر الهاتف تطمئن عليه... وسألته أين هو... علمت من ردها عليه، أن يحترس ولا يترك نفسه لغضبه ويُجهد نفسه مع الخيل.
لكن جال برأسها شيء آخر، رفعت عهد رأسها ونظرت لوجهه تُمسد بيدها على وجنتيه نزولًا الى عُنقه، راق له تلك اللمسات وتبسم، تبسمت هي الأخري لكن هنالك سؤال بعقاها مازاللت مترددة ان تسأله، تباطئت لمستها له تمركزت نظرتها الى عيناه وإبتلعت ريقها أكثر من مره لاحظ فاروق صمتها، رفع يديه يزيح خصلات شعرها خلف أذنيها قائلًا:
إيه اللى شاغل عقلك.
تركت النظر الى عيناه عادت برأسها على صدره
قائله بهروب:
مفيش.
بعد وقت بمطبخ المزرعة...
بنبرة تجمع بين الدهشة والجرأة:
مش مكسوفة وإنتِ قاعدة قدامي بالفوطة كده شبة عريانة.
نظرت إلى نفسها سريعًا، ثم رفعَت عينيها نحوه بثقة قائلة:
لأ، مش مكسوفة... الفوطة زي فستان، يمكن مكشوفة شوية من فوق، بس مش عريانة.
ضحك بخفوت وهو يتأملها بوقاحة وجرأة وهو يسير بيديه بلمسات جريئة على كل ما يذكره قائلًا:
والفوطة دي تفرق إيه عن عريانة مش شايفة صدرك، وضهرك، ورجلك عريانين تقريبًا كلهم.
ارتجف جسدها من لمساته الجريئة،ابتلعت ريقها بصعوبة...
تتسلل القشعريرة إلى أطرافها، كلماته وحدها أربكتها،كذالك تلك النظرة الوقحة،ولمساته الجريئة على جسدها...
ظهر ذلك على ملامحها كذالك في صوتها التي حاولت إجلاؤه
ابتسم بخفوت، يراقب تأثير لمساته... التي حاولت إخفاءه وهي تزيح خصلة شعر علقت بعنقها، ثم تركت الطعام قائلة بتوتر وهروب:
أنا بردت هقوم ألبس هدومي.
تبسم حين نهضت واقفة وقبل أن تهرب نهض يجذبها لصدره عيناه مُسلطة على صدرها الذي يعلوا ويهبط من شدة توترها، كذالك قطرات المياة التي تنساب من خصلات شعرها تختفي بُعقدة تلك المنشفة... رفع إحد يديه يعترض مسار بعض القطرات..زادة إرتعاشة جسدها وشعرت بتوتر،عادت للخلف خطوة حتى تُحايده ،وكادت تمر من جواره لكن تمسك بخصرها عينيه على شفتيها اللتان تلعقهما... تبسم بإنتشاء قائلًا بخباثة:
رايحه فين مش كنتِ بتقولي جعانة.
أغلقت عينيها لثوانٍ تحاول استعادة اتزانها..ضمت شفتيها تبتلع ريقها، تحاول السيطرة على جسدها من عبث يديه، أجلت صوتها بصعوبة قائلة:
ايوه جعانة، بس بردت هلبس هدومي وأرجع أكمل أكل.
لمعت عيناه بخباثة قائلًا:
غريبة مع إننا فى المطبخ،والشفاط مش شغال.
توترت من عبث يديه وأنفاسه القريبة من وجهها،كادت ترفع يديها كي تبعده لكن هو إلتصق بها، يشعر لشوق وهو ينظر الى
شفتيها، لم يتواني للحظة، هجم على شفتيها يُقبلها بضراوة...في البداية تفاجئت بقُبلته التى بددت الباقي من ثباتها، رفعت يديها لكن بدل ان تدفعه عانقته، تتجاوب مع قُبلاته ولمساته
حتى انها إستجابت للسير مع خطواته حتى أصبحا بغرفة النوم رفع يده وضعها على عُقدة المنشفة...فكها بسهولة، يتحكم فيه الشوق فقط وإستجابتها تُعطيه ضوء للتوغل ببث مشاعره المتوهجة... وهي تُغمض عينيها تعيش صراع بمشاعر غير مفهومة، فقط تنساق معها، ربما بالنهاية تفهم وينتهي ذلك الصراع الضاري.
إرتجفت أنفاسها حين سقطت المنشفة أرضًا، بينما عيناه كانتا تلتهمان تفاصيلها بلهفةٍ أربكتها أكثر... تراجعت خطوة صغيرة للخلف، لكنها وجدت نفسها محاصرة بين ذراعيه ونظراته التى تحمل شوق سنوات كاملة... منذ أن رأها وتمناها
همس بإسمها بصوتٍ خافت متحشرج، كأنه يحاول التمسك بآخر خيط من تعقله، لكن قربها كان يُسقط كل مقاومة داخله...
مدّ يده يلامس وجنتها برفق هذه المرة، عكس تلك القُبلة العنيفة التى أشعلت قلبها، ثم إنحنى يُقبل جبينها ببطء، وكأنه يعتذر عن اندفاعه بطريقته الخاصة...
أما هي، فكانت غارقة بذلك الصراع الذى يعصف بها... عقلها يطالبها بالتوقف، بينما قلبها ينجرف نحوه بلا رحمة... شعرت بدقات قلبه العنيفة تحت كفيها حين تشبثت به دون وعي، فرفع عينيه إليها يسألها بصمت إن كانت تريد الابتعاد...
لكنها لم تبتعد.
إقتربت منه أكثر، تُخفي وجهها بعنقه، وكأنها وجدت أخيرًا مكانًا تهرب إليه من فوضى مشاعرها... شدها إليه بقوة، يضمها كأنه يخشى أن تختفي من بين يديه، بينما أنفاسهما تختلط وسط صمت ثقيل ومشحون...
سقطا فوق الفراش ببطء، ومازال ينظر إليها بنفس اللهفة، لكنه هذه المرة كان أكثر هدوءًا... أكثر تريثًا... يمرر أصابعه على شعرها وملامحها، يحفظها كأنها حلم يخشى أن يستيقظ منه.
أغمضت عينيها حين عاد يُقبلها، قُبلة طويلة دافئة جعلتها تنسى كل شيء حولها، وكل ما بقي داخلها حينها هو ذلك الشعور الغريب بالأمان... والخوف... والرغبة فى آنٍ واحد...
ظلت أنفاسهما متداخلة لثواني طويلة، لا صوت بالمكان سوى دقات قلبيهما المرتبكة... رفع يده يزيح خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، يتأملها وكأنه يراها للمرة الأولى بعيدًا عن العناد والصدام وكل ما كان بينهما...
فتحت عينيها ببطء، لتجده مازال قريبًا للغاية، عيناه ممتلئتان بمشاعر أربكتها أكثر من لمساته نفسها... حاولت أن تُشيح وجهها خجلًا، لكنه ابتسم بخفوت، يمرر إبهامه على وجنتها التى احمرّت بوضوح...
همست بصوت مهتز:
إحنا... المفروض نوقف.
لكن نبرتها لم تحمل حسمًا حقيقيًا، وهو شعر بذلك... اقترب أكثر حتى لامس جبينها، ثم قال بصوت منخفض:
لو عايزة أبعد... هبعد.
صمتت للحظة، تشعر أن قلبها يخون كل محاولات عقلها للهرب... كانت تعرف أن ما يحدث سيُغير أشياء كثيرة بينهما، وربما لهذا خافت... لكن دفئه وطريقته معها جعلا خوفها يضعف شيئًا فشيئًا...
تشبثت بيده دون وعي، وكأن تلك الحركة وحدها كانت إجابتها...
تنهد بهدوء، ثم جذبها إلى صدره يضمها بحنان هذه المرة، لا استعجال ولا اندفاع، فقط قرب جعلهما يذوبان داخل لحظة هادئة ومربكة معًا...
دفنت وجهها بعنقه بينما أصابعه تتحرك على ظهرها برفق، يحاول طمأنتها دون كلمات... أما هي فشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن ذلك الصراع بداخلها بدأ يهدأ قليلًا... فقط لأنها بين ذراعيه.
بعد وقت سكنت على صدره تنهدت
ثم تفوهت بتسرُع:
فاروق... إنت صحيح بتفكر فى زوجة تانية.
لم يرد لكن شعرت بهزة رأسه، كانه جاوب..
أبعدت نفسها عنه قليلًا، تسحب الغطاء حول جسدها وكأنها تحاول الاحتماء به، ثم قالت بعينين ممتلئتين بالتردد:
يعنى إيه فكرت تتجوز بالسهولة دى.
تنهد فاروق وهو يراقب ارتجافة صوتها:
مش بسهولة يا عهد... يمكن يأس، وبعدين مش إنت...
ضحكت بسخرية موجوعة:
يأس عشان عاوز اللى كل يوم تجري عليك وأقولك بحبك.
عقد حاجبيه وقال:
متقلبيش الكلام. إنتِ عارفة كويس إحنا بقالنا قد إيه عايشين مع زى الغرب.
إلتفتت له بسرعة:
وانت مفكر أن كنت مرتاحة؟ فاكر إنى مكنتش حاسة إنك بعيد؟ إنك كل يوم بترجع البيت شايل الدنيا فوق دماغك .
صمت للحظة، فتابعت بمرارة:
فاروق قبول جوازنا مكنش سهل عليا.
خفض رأسه قليلًا قبل أن يقول بتبرير:
يمكن عشان تعبت من محاولات كتير مفيش منها نتيجة.
نظرت له بصدمة خفيفة:
ومحاولاتك كانت إيه يا فاروق شوية هدايا
سفرية كل فترة وبعدين ترجع تقفل تاني.
إقترب منها أكثر، نبرته أصبحت أهدأ:
كنت بحاول أوصل لك... وإنتِ كل مرة كنتِ بتبعدي.
همست بعناد يخفي وجعها:
لأنى كنت خايفة.
_من إيه؟
هكذا سأل بينما هي
سكتت، ثم قالت بصوت ضعيف:
من اللحظة اللى تحس فيها إنى بقيت عادية... فتدور على غيري.
ظل ينظر لها طويلًا، كأن كلامها أصابه بشيء داخله، ثم قال:
إنتِ عمرك ما كنتِ عادية عندي يا عهد.
ضحكت بخفة ساخرة والدموع تلمع بعينيها: بس فكرت فى غيري.
مرر يده على شعره بضيق: ـ
فكرت أهرب من البرود اللى بقينا فيه... مش منك إنتِ
هزت رأسها بعدم اقتناع:
جُمانه كانت بتبصلك وكأنها واثقة إن ليها مكان عندك.
رد فورًا:
ويمكن لأنها شافتني راجل عايش لوحده وهو متجوز.
إرتبكت ملامحها قليلًا، بينما أكمل:
تعرفي أصعب إحساس إيه إن يبقى عندك بيت كامل... وتحس إنك وحيدة جواه.
إنكسرت نظرتها للحظة، ثم همست:
وأنا سألت نفسك مرة كنت حاسة بإيه.
إقترب منها حتى صار وجهه مقابل وجهها مباشرة قائلًا:
قولّيلي دلوقتي.
حبست أنفاسها وهو ينظر لعينيها بتلك الطريقة التى تُضعفها دائمًا، ثم قالت أخيرًا:
أنا مجرد فكرة إن واحدة غيري تلمسك... أو تبقى مكاني... كنت بحس قلبي بيوجعني.
ظهرت ابتسامة صغيرة متعبة على شفتيه:
أهو ده أول اعتراف حقيقى بينا يا عهد.
نظرت له بضيق قائله:
متستغلش كلامي.
ـ ومش عايز أستغله... أنا بس كنت محتاج أسمعه.
ساد الصمت ثانية، لكنه لم يكن باردًا هذه المرة... كان ممتلئًا بأشياء كثيرة مؤجلة بينهما ربما منذ سنوات.
ظلّا ينظران لبعضهما للحظات طويلة، وكأن كل واحد منهما يحاول اكتشاف الآخر من جديد بعد سنوات.
خفضت عهد عينيها أخيرًا، تتمتم بخفوت: يمكن إحنا الاتنين غلطنا.
إبتسم فاروق ابتسامة باهتة: ـ
أكيد غلطنا... بس أول مرة نحاول نتكلم بجد.
سحبت نفسًا عميقًا، ثم قالت بتردد:
فاروق...
صمتت شعر بغصه عقد حاجبيه قائلًا:
للدرجة دى الكلام تقيل على لساك.
هزت رأسها ببطء قائلة:
مش الكلام اللى تقيل يا فاروق،بس وضعنا...
مد يده يمسك كفها، هذه المرة لم تبعده.
قال بصوت هادئ:
وضعنا ماله يا عهد..ده قدر...
إنتِ فاكرة إنى كنت مبسوط.. كل يوم أرجع البيت وألاقي بينا كلام محسوب ونظرات باردة وكأننا زي إتنين أغراب.
تنهدت بأسى قائلة:
الحياة خدتنا يا فاروق.
إبتسم بخفة:
لا... إحنا اللى سبناها تاخدنا.
رفعت عينيها إليه، لتجده يقترب أكثر، لكن دون اندفاع هذه المرة، فقط قرب دافئ جعل قلبها يلين رغمًا عنها.
همس:
تعرفي إيه أكتر حاجة كانت قهراني؟
_ إيه
.
هكذا سالت فأجابها:
إنك حتى وإنتِ جنبي... كنتِ بعيدة.
إرتعش شيء داخلها مع نبرته، فقالت بصوت متكسر:
لأنى طول الوقت كنت مستنية اللحظة اللى تزهق مني فيها.
شدد على يدها برفق قائلًا:
ولو زهقت... كنت هبقى هنا دلوقتي.
نظرت له بصمت، بينما تابع:
أنا يمكن فكرت فى الهروب مرة... بس عمري ما عرفت أتخيل حياتي من غيرك.
إقتربت منه ببطء، تستند برأسها على صدره، وكأنها أخيرًا سمحت لنفسها أن ترتاح...
ضمها إليه فورًا، يمرر يده على شعرها بحنان، ثم قال بنبرة خافتة:
إحنا محتاجين نرجع لبعض يا عهد... مش نفضل خايفين من بعض.
أغمضت عينيها، تسمع دقات قلبه تحت أذنها، وتشعر لأول مرة منذ زمن أن المسافة بينهما بدأت تضيق فعلًا... ليس بسبب الرغبة فقط، بل لأن كل واحد منهما أخيرًا قال ما كان يخفيه داخله.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
دخلت غزال الى تلك الغرفة نظرت الى إجلال التي تجلس وحدها قائلة:
هو عمو محي مش موجود.
أجابتها إجلال:
لسه يا دوب ماشي.
تنهدت غزال بخيبه قائلة:
فعلًا أنا أتأخرت على ما نزلت من الشقة.. كنت محتجاه فى حاجه مهمة.
_ وإيه هي الحاجه المهمة دي بقي إن شاء الله.
شهقت غزال بخضه، تهكم كنان قائلًا بنزق!
سلامتك من الخضه... يا ترا محتاجة بابا فى إيه.
❈-❈-❈
مساءً
بشقة محسن
تبسم حين رأى ابنتيه تتشاجران وهن تجلسان فوق السجادة،تلعبان بتجميع تلك المكعبات الصغيرة تجمعن أشكال مرتبة...، كل واحدة منهن تُصر أنها تعرف مكان القطعة الصحيحة أكثر من الأخرى، بينما تناثرت قطع اللعبة الصغيرة حولهن بصورة فوضوية لطيفة...
جلس أرضًا جوارهما، مد يده يلتقط إحدى القطع قائلاً بمكر:
أظن دي مكانها هنا.
صرخت الصغرى سريعًا:
لا يا بابا... كده الصورة هتبوظ.
قهقه بخفوت وهو يعيد القطعة مكانها الصحيح متعمدًا إثارة غضبهما أكثر، فتأففت الأخرى قائلة:
إنت بتلعب زينا مش بتساعدنا.
مال نحوها يقبل رأسها بخفة:
طيب خلاص... المهندسة الكبيرة تقول نحطها فين.
أما رابيا فكانت تراقبهم بصمت فى البداية، مستندة بظهرها إلى الأريكة، وعيناها تتنقلان بينهم بهدوء غريب.
ذلك المشهد البسيط كان كافيًا ليُشعرها بدفء افتقدته طويلًا... ضحكات الطفلتين، وطريقته وهو يتعمد العبث معهما فقط ليسمع احتجاجهما الطفولي.
رفعت الصغيرة قطعة أخرى وهي تقول بضيق: ماما... بابا بيبوظ كل حاجة.
التفتت الأنظار نحو رابيا، فتسللت ابتسامة هادئة إلى شفتيها دون إرادة منها، اقتربت أخيرًا وجلست قربهم على الأرض، تمد يدها تأخذ القطعة من الصغيرة قائلة:
وروني كده... واضح إن مفيش حد فاهم غيري.
رفع حاجبه ينظر لها بتحدٍ مصطنع قائلًا:
لا والله؟ طب نشوف عبقرية ماما.
نظرت له بطرف عينها ثم وضعت القطعة بمكانها الصحيح فعلًا، فهتفت الطفلتان معًا بسعادة:
صح.
صفق ببطء وهو يهز رأسه باستسلام:
خلاص... إحنا قدام محترفة.
ضحكت رابيا بخفوت، ضحكة صغيرة لكنها حقيقية هذه المرة، بينما اقتربت الصغرى تستند فوق ساقها، والأخرى علقت بذراع أبيها... ليبقى الأربعة جالسين فوق الأرض وسط بعثرة القطع، وكأن العالم خارج تلك الدائرة الصغيرة لا يعنيهم بشيء...
خفق قلب رابيا على نحوٍ أربكها حين لامست أصابع مُحسن يدها دون قصد وهو يلتقط إحدى القطع الصغيرة من جوارها...
لم تكن سوى لمسة عفوية، عابرة جدًا... لكنها شعرت بها كأنها امتدت مباشرة إلى صدرها...
حاولت التظاهر بالانشغال مع الطفلتين، تُعدل إحدى القطع أمامها، إلا أن أنفاسها اضطربت قليلًا، بينما انتبهت لكل حركة تصدر منه دون أن تريد...
أما هو فلم يبدو منتبهًا لذلك الأثر الذى تركه بها، كان منهمكًا فى مداعبة ابنتيه، يضحك حين تخطئ إحداهن، ويُبالغ فى الاعتراض فقط ليستمع إلى ضحكاتهما العالية.
لكن حين مال بجسده قليلًا عابرًا من خلف رابيا كي يلتقط قطعة بعيدة، لامس كتفه كتفها بخفة... فتشنجت للحظة قصيرة، ورفعت عينيها نحوه بتلقائية...
لاحظ ارتباكها هذه المرة...
توقفت يده قليلًا، ثم سألها بنبرة هادئة:
مالك.
أسرعت تهز رأسها قائلة:
مفيش.
إلا أن صوتها خرج أضعف مما أرادت، فظل ينظر إليها لثوانٍ قصيرة أربكتها أكثر، قبل أن ترتفع ضحكة الصغيرة فجأة:
بابا... ركز معانا.
تنفس مُحسن بخفة وعاد لابنتيه، بينما أبعدت رابيا خصلات شعرها خلف أذنها تحاول استعادة هدوئها... مستغربة كيف أن لمسات بسيطة، عفوية تمامًا، قادرة على بعثرة ذلك السكون الذى ظنت أنها تملكه
حاولت رابيا إعادة تركيزها مع الطفلتين، لكن قلبها ظل يخفق بوتيرة مزعجة، وكأن وعيها بالكامل أصبح منتبهًا لقرب مُحسن منها أكثر من اللعبة نفسها...
كانت الصغيرة تشرح بحماس أين يجب أن توضع القطعة التالية، بينما انشغل هو بالنظر إلى الصورة المرسومة على العلبة، يتمتم بجدية مصطنعة:
أكيد الشركة نفسها مش عارفة تركبها.
ضحكت الطفلتان، حتى رابيا ابتسمت رغم توترها، لكنها ما لبثت أن شهقت بخفوت حين شعرت به يقترب أكثر، يمد ذراعه أمامها ليلتقط قطعة بعيدة، فاحتجزها بينه وبين ذراعه للحظة قصيرة جدًا.
رفع عينيه إليها فورًا، كأنه شعر بتصلبها... ضغط على يدها
لكنها لم تستطع النظر مباشرة إليه، فابتسم بخفة، ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم عاد يجلس باعتدال.
بعد دقائق، تمكنت الطفلتان أخيرًا من إنهاء الصورة، فصرختا بحماس وهما تتبادلان الفوز الوهمي، بينما مال مُحسن للخلف مستندًا إلى الأريكة بإرهاق مصطنع:
أخيرًا... أنا تعبت نفسيًا.
قهقهت الكبرى:
عشان إنت بتغش.
ثم فجأة، تسلقت الصغيرة فوق ظهره تتشبث بعنقه، فتأوه متعمدًا:
الحقيني يا رابيا... بنتك هتموتني..
رفعت عينيها إليه تلقائيًا، فتلاقت نظراتهما للحظة طويلة هذه المرة... لحظة أهدأ من السابقة، لكنها أشد تأثيرًا.
كان قريبًا بما يكفى لترى دفء عينيه بوضوح،
ارتبكت رابيا أكثر من ملاحظته نفسها، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجنتيها،
أسرعت تلتقط بعض القطع المبعثرة أمامها رغم انتهاء اللعبة بالفعل..
ضحك بخفوت، بينما الطفلتان عادتا للانشغال بفرز القطع داخل العلبة،
تسللت ابتسامة جانبية إلى شفتيه
عجزت عن الرد، فازداد اتساع ابتسامته، ثم مد يده يأخذ خصلة شعر انسابت قرب وجهها، يبعدها خلف أذنها بعفوية جعلت أنفاسها تختل من جديد.
تجمدت للحظة، بينما قال هو بهدوء:
اهو دلوقتي أقدر أشوف وشك كويس.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت الابتعاد قليلًا، لكن قفزت الصغيرة بحماس...
حاولت المرور من جواره، لكنه رفع يده مستندًا بها إلى طرف الطاولة مانعًا عبورها للحظة عابرة، ليس حبسًا حقيقيًا بقدر ما كان اقترابًا أربكها أكثر.
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول بنبرة هادئة خالية من المزاح هذه المرة:
تعرفي إنك من ساعة ما ضحكتي وإنتِ مختلفة
ارتجف شيء خفي داخلها، لكنها تماسكت: مختلفة إزاي.
أجاب دون تردد:
أخف... أقرب... وحقيقية أكتر.
خفضت بصرها، تشعر بضعف غريب أمام طريقته الهادئة فى الحديث، كأنه لا يحاول إغواءها بقدر ما يحاول فهمها.
ثم قال بصوت أخفض:
كنتِ دايمًا عاملة بينا حواجز.
رفعت عينيها إليه أخيرًا: ـ ويمكن لسه.
هز رأسه ببطء:
لا... الحواجز مبتخليش القلب يدق بالشكل ده.
سرت قشعريرة خفيفة فى جسدها من صراحته المباشرة، وحاولت الالتفاف مبتعدة، لكنه سبقها هامسًا قربها:
رابيا... بصيلي.
ترددت للحظة قبل أن تنظر إليه.
ابتسم ابتسامة صغيرة، دافئة على غير عادته، ثم قال:
أهو... دي النظرة اللى كنت مستنيها.
همست مرتبكة:
إنت بقيت تلاحظ تفاصيل كتير.
ـ عشان بقيتِي تفرقي معايا أكتر مما كنت متخيل.
خفق قلبها بجنون زاد بينهما للحظات،هادئه ممتلئة بشيء جديد يتسلل ببطء بينهما، شيء جعل رابيا تشعر لأول مرة أن قربه لم يعد تعود أو عفويًا كما تحاول إقناع نفسها.
❈-❈-❈
بمزرعة الخيل
نظر الى الهاتف... ثم تبسم بعد قراءة تلك الرسالة الوارده من عهد:
نص ساعة وأوصل المزرعة ومعايا مفاجأة.
كاد برسل لها رسالة لكن سمع جرس باب الاستراحة تبسم ظنًا أن هذه مفاجأة عهد، ذهب نحو الباب قام بفتحه ووجهه يبتسم بترقُب،
لكن زالت البسمة وتحولت الى ذهول وهو ينطق بصعوبة:
الحج محي.
وكزه محي بخفة فوق كتفه قائلًا:
لا بابا... يا روح أبوك هو ده إتفاقنا... إنت بستهبل ياض عليا.. كده بنود الاتفاق هتتغير.
ضحك فاروق قائلًا:
هي فعلًا هتتغير... متنساش القلم اللى خدته مكنش من ضمن الاتفاق.
«يتبع»
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
