رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39

رواية عهد الدباغ بقلم سعاد محمد سلامة

رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39

بعد. مرور أكثر شهر 
صباحً
بحديقة منزل الدباغ
توقفت غزال تلهث أمام محي الذي وضع يده فوق كتفها بحنو قائلًا: 
خدي نفسك يا غزال. 
تبسمت قائلة بلهاث: 
صباح الخير يا عمي، كويس إن لحقتك قبل ما تخرج من البيت كنت عوزاك فى موضوع مهم. 
تبسم قائلًا: 
إهدى وخدي نفسك الأول. 
ابتلعت ريقها قائلة بمراوغة : 
عمو إنت تعرف إني خلاص خلصت إمتحانات ودي كانت آخر سنه ليا فى الجامعة.. والحمد لله أنا متعودة أنجح بتقدير كويس كل سنة، وكمان تعرف إني كنت بشتغل فى مركز طبي، بس طبعًا من يوم ما أتجوزت وأنا وقفت شغل فيه. 
توقفت للحظة، تشعر بالندم أنها تركت العمل بذاك المركز لرغبة كنان فى ذلك، لكن تنهدت وهي تلتقط نفسها قائلة بتردُد: 
أنا... أنا... كنت... أنا.. 
شفق محي على تلك عزيزة النفس، حرضها على قول ما تريد قائلًا: 
كنت إيه، قولى وبلاش تردُد. 
إبتلعت ريقها،مازالت تشعر بتردُد، لكن تفوهت بهدوء: 
هو ممكن أشتغل عند حضرتك فى الحسابات، إنشاله تحت التمرين بدون مرتب. 
صمتت غزال بعد كلماتها الأخيرة، وكأنها تخشى أن يكون طلبها ثقيلًا أو في غير موضعه… لكن نظرة محي لها كانت مليئة بالطمأنينة، وهو يقول بهدوء أبوي:
إنتِ زي يارا يا غزال، وأنا كنت مستني تاخدي راحة  من الامتحانات وتستردي قوتك والنتيجة تظهر وكنت هقولك بنفسي تنزلي الشركة.
ثم أضاف مبتسمًا: 
وبعدين مين قال تحت التمرين ومن غير مرتب.. إنتِ تعبتي وذاكرتي، ومن حقك تشتغلي وتكون ليكِ شخصيتك وشغلك.
اتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها، بينما تابع هو بنبرة تحفيزية أكثر جدية: 
أنا عارف إنك سيبتي شغلك عشان كنان طلب ده… بس البنت المتعلمة لازم يبقى ليها كيانها، خصوصًا واحدة زيك.
خفضت غزال بصرها بخجل ممزوج بامتنان، وهمست: 
أنا بس… مبحبش أبقى حمل على حد.
ربت محي على كتفها بحنان قائلًا: 
إنتِ عمرك ما كنتِ حِمل يا بنتي... مكانتك عندي كبيرة. 
شعرت بغصة حارة تصعد إلى حلقها من شدة تأثرها، خاصة أن تلك الكلمات البسيطة جاءت في وقت كانت تحتاج فيه لأن تشعر أنها مازالت تملك قيمة لدا أحدًا...
ابتسم محي فجأة قائلًا بمزاح خفيف: 
بس عندي شرط.
رفعت رأسها سريعًا بقلق سائلة: 
شرط إيه. 
ضحك بخفة قائلًا: 
تبطلي التوتر ده، وتيجي الشركة من أول الأسبوع الجاي.
انفرجت أساريرها أخيرًا، وظهرت ابتسامة حقيقية على وجهها وهي تقول بفرحة صادقة: بجد يا عمو. 
أومأ لها: 
بجد… وهتبدأي مع قسم الحسابات، وأنا بنفسي هتابع شغلك لحد ما تبقي واقفة على رجلك كويس.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تقول بامتنان صادق: شكرًا… شكرًا جدًا... اوعدك هتعلم بسرعة ومش هخذلك. 
تبسم لها محي بحنو كذالك هي لكن زالت بسمها 
في نفس اللحظة تحديدًا، حين سمعت صوت بارد خلفهما يقول بنبرة حادة: 
واضح إني جيت في وقت مؤثر جدًا.
تجمدت ابتسامتها فورًا وهي تستدير ببطء لتجد كنان يقف قريب منهما ينظر لها بنظرات جامدة أخفت داخلها غضبًا واضحًا.
بينما انعقد حاجبا كنان وهو يقترب بخطوات بطيئة، عيناه ثابتتان على غزال وحدها، أما هي فشعرت بتوتر مفاجئ يجتاحها، خاصة حين لمحت تلك النظرة التي تعرفها جيدًا… نظرة لم تكن هادئة أبدًا.
تحدث محي بهدوء طبيعي: 
صباح الخير يا كنان.
أجاب ببرود دون أن يزيح عينيه عنها: 
صباح النور يا بابا.
ثم نظر لغزال قائلًا بنبرة خافتة لكنها تحمل الكثير: 
ممكن أفهم إيه اللي طلبتيه من بابا. 
ارتبكت للحظة، لكن محي سبقها بالرد: 
غزال كانت بتطلب تنزل تشتغل في الشركة بعد ما خلصت امتحاناتها... كتر خيرها أنا فعلًا محتاج لها. 
تحولت نظرات كنان إليها فورًا، حادة ومتفحصة، كأنه يحاول استيعاب الأمر.
_  تشتغلي فى الشركة. 
قالها ببطء شديد جعلها تشعر وكأن الكلمة نفسها تهمة.
حاولت التماسك وهي ترد بهدوء: 
أيوه عمو محي وافق… حبيت أستفيد بشهادتي بدل ما أفضل قاعدة من غير أي حاجة أعملها.
ابتسم بسخرية باردة قائلًا بنبرة تشوبها تقليل شأن: 
يعني مفكرة حسابات الشركة، زي حسابات مركز العلاج الطبيعي اللى كنتِ شغاله فيه، الفرق كبير. 
شحب وجهها قليلًا من طريقته، بينما تدخل محي بحزم أخفاه خلف هدوئه: 
كنان، مفيش مشكلة في إنها تشتغل... فى الشركة تتمرن لحد ما تفهم الشغل ماشي إزاي. 
نظر له كنان للحظة، ثم عاد ببصره إليها قائلًا: وأنا إمتى اتاخد رأيي في الموضوع. 
تجمدت ملامح غزال… لم تكن تتوقع أن يحول الأمر إلى مواجهة بتلك السرعة.
همست بتردد: 
أنا كنت هكلمك…
قاطعها بحدة مكتومة: 
بعد ما تخلصي اتفاقاتك مع بابا.. طبعًا بتستغلي عطف بابا. 
ساد الصمت للحظات، شعرت بالإهانة تتسلل إليها تدريجيًا، لكن أكثر ما أوجعها أنه يتحدث وكأنها ارتكبت خطأ فقط لأنها طلبت أن يكون لها عمل... وأنها مُستغلة. 
تنهد محي بضيق واضح قائلًا بتنبيه:  
كنان، طريقة كلامك مش مناسبة.
ابتسم كنان ابتسامة خالية من المرح: 
وأنا قولت حاجة غلط.. مراتي عايزة تنزل تشتغل، طبيعي أعرف قبل ما تطلب من حضرتك. 
رفعت غزال رأسها أخيرًا، وعيناها تحملان خيبة واضحة وهي تقول بهدوء حاولت الحفاظ عليه: غنا مكنتش باخد إذن من حد يا كنان… أنا كنت بطلب فرصة
تبدلت نظراته للحظة… شيء ما في نبرتها أصابه، لأنها لأول مرة لا تبدو خائفة أو مترددة بالكامل أمامه.
لكن غروره منعه من التراجع، فقال ببرود: وفرصتك دي مكانها بيتك. 
اتسعت عيناها بصدمة صغيرة، بينما أكمل هو: _أنا مش ناقص إن مراتي تبقى موظفة وتقضي يومها وسط الموظفين والحسابات وكلام الناس.
خيبة وحسرة في قلبها.. 
ضغطت على كفها بقوة حتى لا تهتز أمامه، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت: 
غريبة… مع إنك المفروض شخص متحضر، ومش ضد شغل المرأة فى اي مكان.. 
ساد الصمت.
أما كنان… فتصلبت ملامحه فجأة، لأنه أدرك أنها لم تعد تبتلع كل شيء بصمت كما كانت بالفترة السابقة. 
نظر محي بينهما للحظات بصمت… رأى الانكسار الذي حاولت غزال إخفاءه خلف ثباتها، ورأى أيضًا العناد المتصلب في نظرات كنان... 
الأفضل له أن ينسحب الآن، حتى لا يكون طرفً فى المجادلة 
تنهد بهدوء، ثم قال بنبرة حاسمة لكنها هادئة: أنا عندي معاد مهم في الشركة ولازم أمشي  دلوقتي… بس كلامي لسه زي ما هو يا غزال... باب الشركة مفتوح ليكِ في أي وقت.
ثم التفت إلى كنان مضيفًا بنظرة ذات معنى: _
وفكر بهدوء قبل ما ترفض حاجة ممكن ترجع لها ثقتها بنفسها.
لم ينتظر ردًا، وغادر نحو سيارته بخطوات هادئة، تاركًا خلفه توترًا ثقيلًا خيم على المكان كله.
ما إن اختفى محي من أمامهما حتى ساد صمت خانق.
غزال كانت تنظر إلى الأرض، تضغط أصابعها ببعضها بقوة، تحاول السيطرة على تلك الغصة والخيبة اللتان تخنقنها... 
بينما كنان فظل يراقبها بصمت للحظات، قبل أن يقول ببرود: 
إيه.. زعلانة عشان رفضت، إنك تستغلي كرم بابا. 
غصة قوية فى قلبها لكن لن تستسلم لاستفزاز ذلك المتعجرف... 
رفعت رأسها إليه ببطء… وعيناها هذه المرة لم تكونا ضعيفتين، بل ممتلئتين بإرهاق عميق.
قالت بصوت منخفض: 
أنا مش زعلانة لأن ده شيء متوقع منك، اللى فعلًا مضايقي، إنت ليه محسسني إني بطلب حاجة غلط... إيه الشيء السيء فى إني زي ما بتقول أستغل كرم عمو محي، يضايقك فى ايه. 
عقد ذراعيه أمام صدره بغضب متحدثًا بنبرة فرض:
وأنا شايف إن نزولك الشغل ملوش لازمة.
ضحكت بخفة باهتة، ضحكة موجوعة أكثر منها ساخرة: 
أصل طبعًا… الأكل والشرب وانتظار رجوع حضرتك... آخر طموح أي ست.
ضاقت عيناه بضيق قائلًا بنبرة عصبية: 
متكبريش الموضوع يا غزال.
هزت رأسها بعدم تصديق، ثم قالت وهي تحاول التماسك: 
إنت اللي دايمّا بتتعمد تصغرني يا كنان… من أول الجواز وأنا بسيب كل حاجة عشانك، شغلي، وقتي، حتى نفسي… وكل مرة أقول عادي… بس الظاهر إنك بس كنت عاوزني أمشي مزاجك... بدون شخصية. 
اشتدت ملامحه فورًا قائلًا بنبرة تحذيرية: 
غزال حاسبي على كلامك. 
لكنها هذه المرة لم تتراجع... 
اقتربت خطوة وهي تقول بصوت مرتجف من شدة القهر: 
لا… إنت اللي تحاسب على كلامك.وتحكماتك 
إنت عارف أنا قد إيه اتكسرت لما طلبت حاجة بسيطة بالشكل ده.. 
أنا حتى مقولتلكش هشتغل غصب عنك… كنت مستنية منك كلمة تشجيع واحدة… كلمة تحسسني إنك شايفني بني آدم ليه قيمة مش مجرد زوجة قاعدة تستناك ترجع البيت. 
ساد الصمت.
تسارعت أنفاسها وهي تحاول منع دموعها من النزول، لكنها فشلت حين خرج صوتها مبحوحًا: أنا بقيت خايفة أطلب أي حاجة تخصني… لأنك كل مرة تخليني أحس إني طماعة لمجرد إني بفكر في نفسي شوية.
تجمد كنان مكانه.
ولأول مرة… لم يجد ردًا سريعًا يخرج من فمه.
لأن وجعها بدا حقيقيًا أكثر مما توقع.
ظل كنان صامتًا للحظات، ينظر إليها بملامح متجمدة، بينما كانت دموعها اللامعة وحدها كافية لتكشف كم كانت تقاتل حتى لا تنهار أمامه.
لكن بدل أن يدخل معها في جدال جديد… أخذ نفسًا طويلًا، ثم أشاح وجهه بعيدًا عنها وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه.
قال أخيرًا بصوت منخفض وبارد: 
مش ناقص وجع دماغ الصبح.
شعرت غزال وكأن كلماته صفعة أخرى، لكنه أكمل دون أن ينظر لها: 
اعملي اللي إنتِ عاوزاه.
رفعت عينيها إليه بصدمة خافتة، إلا أنه لم يمنحها فرصة للكلام، فقد استدار متجهًا نحو سيارته... 
ود الاعتذار لكن منعه التعالي... حبن
توقفت خطواته لثانية قبل أن يقول دون أن يلتفت: 
بس لما تكتشفي إن الشغل ده مش هيديكي اللي متخيلاه… متقوليش إني مكنتش فاهمك.
قال ذلك ثم غادر
ظلت غزال مكانها للحظات، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه، وقلبها مثقل بشعور متناقض.
لم ينتصر النقاش… ولم تشعر بالراحة لأنه وافق على مضض.. 
بل شعرت بشيء أكثر إيلامًا… أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من مجرد خلاف على وظيفة... 
أغمضت عينيها للحظة، ثم مسحت دموعها سريعًا بكف مرتجف، تحاول استعادة تماسكها... 
لكن داخلها كان يهمس بحقيقة لم ترد الاعتراف بها من قبل…
كنان ... لن يراها سوا بصورة واحدة، "إستغلالية" ظلت وحدها  يزيد وهج فى قلبها.. 
كانت تسمع صدى كلماته الأخيرة داخل رأسها، لكن المؤلم حقًا… لم يكن رفضه أو سخريته.
بل ذلك البرود... 
ذلك الانسحاب السهل… كأن الحديث عنها، وعن أحلامها، وعن وجعها… شيء لا يستحق حتى أن يقف لأجله.
أنزلت رأسها ببطء، تشعر بثقل غريب يجثم فوق صدرها، ثم جلست على المقعد الحجري القريب وهي تحاول التقاط أنفاسها.
ليست المرة الأولى  منذ زواجهما… يتسلل لها ذلك الشعور  بالخوف الحقيقي.
ليس الخوف منه.
بل الخوف على ذلك الترابُط الهش الذي  بينهما.
تذكرت معاملته الجافة من البداية، كانت تكبت في قلبها
لكن  الآن…
ها هي تبكي أمامه، وتتحدث عن انكسارها، وكل ما فعله أنه انسحب لأنه لا يريد "وجع دماغ". 
ابتسمت بمرارة وهي تهمس لنفسها: 
هتفضلي فى الدوامة دي قد إيه يا غزال. 
شعرت بغصة حادة تخنقها فجأة.
ربما لأن داخلها كان يدرك شيئًا خطيرًا… أن الحب مؤلم اذا كان من طرف واحد وقد يتحول  الى كراهية.
أحيانًا وينتهي بالصمت… بالبرود… وبشخصين توقفا عن محاولة فهم بعضهما... 
ارتجفت شفتاها وهي تنظر نحو باب الحديقة الذي خرج منه منذ قليل، ثم همست بصوت متقطع: 
أنا حاسة إن جوازنا بيخلص واحدة واحدة…
ولأول مرة… لم تكن تقولها بنبرة زوجة غاضبة تنتظر أن يأتي يومً ليراضيها... 
بل كامرأة بدأ قلبها يصدق فعلًا أن النهاية قد تكون قريبة جدًا.
❈-❈-❈
مساءً
بشقة محسن
وقفت رابيا أمام الدولاب المفتوح، تطوي بعض الملابس بعشوائية بعدما أنهت ترتيب الغرفة،.. لكن يدها توقفت فجأة حين شعرت بشيء صلب صغير داخل جيب جاكيت محسن... نظرت الى تلك العلبة المُخملية
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تُخرجها ببطء… علبة سوداء فاخرة، يتوسطها شعار محل مجوهرات معروف... 
تسارعت دقات قلبها دون سبب واضح… فتحتها بحذر، لتتسع عيناها فورًا.
سوار نسائي رقيق يبدوا مرصع  من الألماس، يلمع بشكل لافت تحت إضاءة الغرفة... 
همست تلقائيًا: 
يا نهار أبيض… لمين الانسيال ده. 
ظلت تحدق فيه لثوانٍ، ثم رفعت رأسها ناحية باب الغرفة حين سمعت صوت محسن بالخارج.
دخل وهو يعدل ساعة يده، مرتديًا قميصًا أسود أنيقًا وعطره القوي يسبقه للغرفة. توقف مكانه فورًا حين وجد العلبة بيدها.
ساد صمت قصير…
قبل أن تقول ببطء وهي ترفع السوار أمامه:
ده إيه يا محسن. 
تحرك ناحيتها بخطوات هادئة لكنه بدا متوترًا للحظة خاطفة: 
وصلت  بتفتشي في هدومي. 
ضيقت عينيها وهي تضع العلبة فوق السرير قائلة:
أنا مش بفتش فى هدومك ن كنت برتب ااهدوم وبعدين  لما ألاقي علبة مجوهرات مخبيا  في قلب هدومك   عايزاني أعمل إيه يعني. 
زفر بخفة وهو يخلع أزرار كم قميصه: 
قولتلك هدية.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة قائلة بنبرة سؤال: 
بجد..ومن امتى بتهادى بهدايا ألماظ. 
تأخر لثانية قبل أن يجيب عن قصد: 
زوجة عميل مهم فى الشركة  مراته عيد ميلادها، وأنا اللي اختارت  الهدية.
راقبته رابيا بصمت… شيء في كلامه لم يُقنعها.
اليوم تحديدًا كان مختلفًا... 
محسن الذي بالكاد يهتم بتناسق ألوان ملابسه، يقف الآن أمام المرآة منذ نصف ساعة… حليق الذقن بعناية، يضع عطره المفضل الذي لا يستخدمه إلا بالمناسبات الكبيرة، وحتى حذاؤه الأسود اللامع تأكد من لمعانه... 
اقتربت منه ببطء وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها لاول مره تتجرأ وتسأل: 
مرات عميل.. ولا مقابلة خاصة؟
التفت لها بنظرة ضيق قائلًا: 
تقصدي إيه. 
ابتسمت ابتسامة صغيرة باردة: 
قصد إنك متشيك ولابس  بطريقة ملفتة أوي… كأنك رايح تسهر مش شغل.
أخذ مفاتيحه من فوق الكومود قائلًا بغضب مكتوم: 
يعني حتى وأنا نازل شغل لازم أتحاسب على القميص والبرفان. 
ردت بهدوء مستفز:
لا خالص… بس أول مرة أشوفك مهتم بنفسك بالشكل ده من سنين.
سكت لحظة، ثم قال بنبرة أخف: 
الاجتماع مهم يا رابيا، وفي ناس تقيلة هتحضره.
لكنها لم تُبعد عينيها عنه. كانت تراقب كل تفصيلة فيه… توتر أصابعه، تجنبه النظر مباشرة إليها، وحتى استعجاله الغريب للخروج...
اقتربت أكثر، ثم التقطت طرف ياقة قميصه بأصابعها وهي تقول بنبرة منخفضة: 
الغريب إنك حتى ماقولتشلي الهدية دي ليا… رغم إن دي أول مرة تجيب حاجة بالشياكة دي.
رفع عينيه لها أخيرًا… وللحظة قصيرة شعر أنها ترى ما يحاول إخفاءه فعلًا.
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يُبعد يدها برفق قائلًا: 
لما أبقى مقصر معاكِ اللى بيعجبك بتشتريه، كنت إعترضت... كفاية تحقيق مش لازم اتأخر. 
قال ذلك وكاد يغادر
همست وهي تراقبه يتجه للباب: 
غالبًا التأخير مش في الهدية يا محسن…
توقف مكانه للحظة دون أن يلتفت... 
أما هي… فظلت واقفة وسط الغرفة، تنظر لباب الغرفة بعد خروجه، بينما ذلك الشعور الثقيل داخل صدرها يكبر ببطء…
شعور يشبه بداية اكتشاف لا تتمنى معرفته.
نزل محسن درجات السلم ببطء، بينما كلمات رابيا الأخيرة ما زالت تتردد داخل رأسه.
"غالبًا التأخير مش في الهدية يا محسن…"
ضغط على فكه بقوة وهو يفتح باب سيارته بعصبية مكتومة، ثم ألقى المفاتيح على المقعد المجاور بعنف خفيف قبل أن يسند رأسه للحظة فوق المقود.
زفر نفسًا طويلًا…
رابيا لازم تتغير... حتى لو بالصدمة. 
هذه النبرة… هذا الشك الذي صار يملأ كلامها مؤخرًا… كلّه يشبه حديث والدتها بشكل مرعب... 
والدتها التي لم تتوقف يومًا عن زرع السم داخل عقلها.
"الراجل لما يهتم بنفسه يبقى في واحدة تانية."
"الرجالة ما بيتغيروش فجأة من غير سبب."
"خدي بالك من جوزك قبل ما واحدة تانية تاخده منك."
"اربطيه بالعيال... الولد هو اللى هيربطه  أكتر من البنات" 
"كل الرجالة بتحب خلف الصبيان"
أغمض عينيه للحظة بضيق.
كان يرى الأمر بوضوح… رابيا لم  تنظر له بعينيها هي، بل بعيني والدتها 
حتى تفتيشها لملابسه لم يكن من طبعها قديمًا... رابيا التي كانت تثق به بعفوية، أصبحت تفتش جيوبه وتراقب مواعيده وكأنها تنتظر سقطة... 
قبض على المقود بقوة أكبر.
لهذا فعلها…لهذا تعمد أن يترك العلبة أصلًا.
كانت لعبة محسوبة.
أراد صدمة صغيرة توقظها… تجعلها ترى كيف تحول زواجهم  لعلاقة قائمة على الشك والترقب بدلًا من الحب.. 
همس لنفسه بسخرية مريرة: 
أهو شوفتي نفسك وصلتي لإيه. 
رفع رأسه للخلف وهو يتذكر نظرتها قبل قليل… لم تكن غيرة زوجة فقط... كانت خوفًا... 
خوف امرأة  تفقد الأمان داخل بيتها... 
ولأول مرة شعر بوخزة ذنب حقيقية... 
ربما بالغ… ربما كان يجب أن يواجهها مباشرة بدل تلك الطرق الملتوية... 
لكن ماذا يفعل وهي كلما حاول الاقتراب منها، وجد صوت والدتها واقفًا بينهما.. 
حتى ضحكتها أصبحت أقل… حديثها معه صار حذرًا، وكأنها تستعد للخيانة قبل حدوثها.
أخرج هاتفه ونظر لصورة قديمة لهاما معًا… رابيا القديمة، بعينيها الممتلئتين ثقة وهي تتشبث بذراعه وتضحك رغم الخوف... 
همس بشرود: 
أنا مش بخونك يا رابيا… أنا بحاول أنبهك إن الثقة بين الزوجين  مهمه 
لكن داخله كان يعرف شيئًا آخر…
الألعاب النفسية قد تُنقظ الزاج أحيانًا… وقد تهدم آخر ما تبقى منه أيضًا.
بمجرد ما سمغت صوت إغلاق باب الشقه، ساد صمت ثقيل في الشقة كأنه سحب آخر خيط أمان ... ظلت واقفة مكانها ثواني، عينيها على الباب، ويدها لسه تُمسك طرف السوار الذي  وضعه في العلبة... وتركه كأنه نسيه.. 
لكن الغريب إنها لم تتحرك فورًا.
كأنها كانت تنتظر عودته مره  تانية… رد فعل يرجعها خطوة للحلف يثبت لها إنها مُخطئة... 
زفرت ببطء، ثم سارت ناحية الفراش  حلست على طرفه وضعت العلبة على طاوله أمامها... عاودت فتحها.. 
لمع السولر  في ضوء الغرفة ، نفس اللمعة التي  جعلت قلبها  يخفق بقوة لحظة.
همست لنفسها بارتباك بلا ترتيب لحديثها:
عميل… مراته.. عيد ميلادها…
رفعت عينيها للسقف كأنها تحاول ترتب أفكارها:  طب وهو مهتم بالشكل ده ليه فجأة.. من إمتي بيهتم بشؤون العملاء وحياتهم الخاصه.. حتى نوعية الحفلات دي مش بيحبها. 
صوت والدتها كان يتردد في رأسها مثل صدى قديم، تقيل ومزعج:
"متثقيش في الراجل اللي يتغير فجأة… التغيير ده وراه حاجة."
شدت على عينيها بضيق قائلة بنفي: 
لأ… محسن مش كده.
قالتها وكأنها تدافع عن فكرة أكتر ما تدافع عن شخص....
صمتت لأن الصورة التى رأته عليها قبل قليل صباحًا تلحّ عليها وهي تهمس:
قميص مكوي بعناية زيادة عن اللزوم… برفانه اللي ما بيستخدموش غير في المناسبات… نظرة عينه اللي كانت بتتهرب مني. 
قامت فجأة من مكانها، وبدأت تسير  بالغرفة تهمس: 
أنا بقيت بشك فيه ليه؟…من إمتى الاحساس ده دخل قلبي، رغم حياتنا الباردة، ليه الشعور ده اتوغل مني دبوقتي. 
وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها لحظة طويلة... 
انعكاسها كان يظهر  عليها  توتر واضح، احساس بين الغيرة والخوف وعدم الأمان... 
همست بصوت منخفض: 
ولا أنا اللي مبقتش عارفة أفرّق بين الحقيقة وكلام ماما... 
سكتت.
ثم  ضحكت ضحكة قصيرة مُوجعة قائلة: 
لا… أنا ببالغ… أكيد ببالغ.
لكن يدها راحت تلقائيًا للعلبة مرة أخري.
تغلقها بسرعة وكأنها تغلق معاها فكرة مُستبعدة
عادت تجلس تسند ضهرها على خلفية الفراش تنظر نحو  باب من الغرفة لكن هذه  المرة  لم يكُن هنالك اتهام واضح في عينيها…
كان هنالك ما هو  أخطر... تردد.
وتساؤل بدأ يكبر بعقلها بصوت منخفض  تفوهت: 
لو أنا غلط… وهو فعلاً بيحاول يهديني… يبقى أنا كده بضيعنا. 
فجأة، وهي جالسه مكانها وممسكة بالعلبه  بين يديها، تشعر  بنغزة غريبة في بطنها... 
ألم خفيف في البداية… كأنه شد بسيط، لكن سرعان ما بدأ يزيد تدريجيًا بشكل مزعج... 
انحنت للأمام تلقائيًا، وضغطت كفها على بطنها وهي تاخد نفس عميق: 
إيه  الوجع ده. 
رفعت عينيها حولها،ذلك الوجع حقيقي ليس مجرد توتر... شعرت بحرارة خفيفة في جسدها، ومعها نغزات فى بطنها …ليس مجرد شك أو قلق، ربما  إجهاد متراكم فجأة ظهر... 
همست وهي تحاول تهدئة نفسها: 
أكيد الوجع ده من العصبية… أنا فكرت كتير. 
قامت ببطء، خطواتها كانت أبطأ عن قبل  واتجهت للمطبخ تحتسي مياة، 
لكن الألم لم ينتهي… بالعكس كان يعود  ويختفي على فترات، كأنه يستجيب لكل فكرة سيئة 
سندت يديها على الرخامة، تنظر لكوب المياه... صدي الصوت داخلها كان أعلى من أي وجع جسدي تلوم نفسها:
إنتِ مبقتيش تثقي فيه…ولا حتى في نفسك.
ضغطت على بطنها مره أخري ثم ، تنفست  نفس ُطويل وهي تُغمض عينيها ثم تحت عينيها بسرعة، تحاول تقطع دائرة د الشك قائلة:
أنا لازم أهدا… لازم أفهم أنا ببالغ ولا في حاجة غلط فعلًا.
لكن الألم الخفيف الذي  بطنها وضع فكرة واحدة بدأت  تسيطر عليها رغمًا عنها
الخوف ليس مجرد شك، …أصبح جسدها نفسه يترجم التوتر والهوف ومعهما الشك الى شيء أقوى مما تتحمل.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
كان غافيًا يضم جسد عهد بين يديهر، لكن هي لم تكُن غافية... نظرت الى وجهه على ضوء، ذلك الضوء الخافت المُنبعث من الممر أمام
ضوء خافت لكن ملامح فاروق وهو غافي لها وهج خاص أصبح يغزوا قلبها...
قلبها الحائر...منذ أن تأكدت أن برحمها جزءً منه ينمو داخلها...جزء لم تكُن تحسب له  لكنها الآن… كل شيء داخلها أصبح مختلفًا... 
مدت أصابعها ببطء ولمست وجنته بخفة، كأنها تتأكد أنه حقيقي… أن هذا الرجل الذي نام أخيرًا بهدوء بين ذراعيها، هو نفسه الرجل الذي أربك حياتها بالكامل... 
تنفست ببطء وهي تهمس داخلها: 
إزاي قدرت تدخل جوايا بالشكل ده يا فاروق بعد ما كان مجرد ذكر إسمك بيضايقني. 
شعرت بثقل الفكرة فوق صدرها… طفل. منه هو... 
أغمضت عينيها للحظة، لكن عقلها لم يهدأ… الخوف كان هناك، يزحف بهدوء... ليس خوفًا من الحمل نفسه… بل من القادم. من علاقتها به. هي أصبحت مُتعلقة به أكثر مما ينبغي... 
رفعت عينيها إليه مرة أخرى… كان نائمًا براحة غريبة، ذراعه ما زالت حول خصرها بتلقائية وكأنه حتى أثناء نومه يرفض أن يبتعد عنها... 
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بحرارة دموع تتجمع خلف عينيها. لأول مرة منذ فترة طويلة… تشعر أنها ليست وحدها تمامًا... 
لكن ذلك الإحساس الجميل لم يكتمل... 
لأن صوتًا آخر داخلها همس بقسوة: 
يا ترا لو قولت له إني حامل، رد فعله هيكون إيه. 
تنهدت بخفوت، ثم تحركت بحذر حتى لا توقظه، لكن أصابعه تشبثت بها أكثر وهو غافي لتتجمد مكانها... 
همهم بصوت ناعس منخفض: 
رايحة فين يا عهد. 
ارتبكت للحظة وهمست:  
هروح أطمن على ياسين. 
فتح عينيه ببطء… عيناه كانتا مثقلتين بالنوم، لكن أول ما وقعتا عليها لان شيء ما في ملامحه فورًا... 
رفع يده ولمس بطنها بخفة تلقائية أربكت أنفاسها قبل أن يسأل بنبرة مبحوحة: 
ياسين أكيد نايم... إنتٓ اللى مالك شكلك متغير إنتِ تعبانة. 
تجمدت للحظة… ذلك السؤال البسيط هز شيئًا داخلها بعنف... 
لأنها فجأة لم تعرف… هل تخبره... هل تقول إن هناك روحًا صغيرة بدأت تتكون منه أم تصمت حتى تفهم شكل حياتهما أولًا. 
نظرت إليه طويلًا… ثم اكتفت بهزة خفيفة وهي تهمس: 
لاء أنا بخير. 
ظل يحدق بها كأنه لا يصدقها تمامًا… ثم جذبها إليه ببطء حتى عادت تستقر فوق صدره، وقال بصوت منخفض دافئ: 
نامي وبلاش تشغلي بالك بـ ياسين هو خلاص اتعود ينام فى الأوضة لوحده كمان باب الأوضة موارب، يعني لو صحي هنسمعه. 
أومأت برأسها ثم 
أغمضت عينيها داخل حضنه… لكن قلبها ظل مستيقظًا بالكامل... 
لأنها أدركت في هذة اللحظة… أن خوفها الحقيقي لم يعد من فاروق... 
بل من أن تصبح سعادتها كلها مرتبطة به... 
ارتجفت أنفاسها ببطء وهي ما تزال داخل حضنه… لكن عقلها لم يكن هنا... 
كان يعود للماضي… لذلك اليوم تحديدًا... 
يوم سألت فرح  بترقُب : 
تفتكري فاروق ممكن يعمل إيه لما يعرف إنك حامل. 
تتذكر جيدًا كيف تنهدت فرح بشوق وقتها… ذلك الصمت القصير الذى سبق الإجابة وكأنه كان يحمل شيئًا أكبر من الكلمات... 
ثم ابتسامتها الحالمة وهي تقول: 
فاروق مش شخص صعب تفهميه… ممكن يخوفك بعصبيته، لكن فى لحظات تانية تحسي إنه مستعد يحارب الدنيا كلها علشان اللى بيحبه... وأكيد هيفرح بخبر حملي. 
وقتها لم تفهم… أما الآن، وهي تشعر بقلبه ينبض تحت وجنتها، بدأت تفهم أكثر مما يجب.
أغمضت عينيها بقوة.
المشكلة لم تعد فقط فى رد فعل فاروق… بل فيها هي... 
لأن جزءًا منها يشعر بالذنب.
ذنب ثقيل يضغط فوق روحها كلما نظرت إليه. كلما اقترب منها... كلما عاملها بذلك الاحتواء الذى كانت فرح تتحدث عنه يومًا... 
هي رحلت… وهي بقيت.
هي أخذت مكانها بجواره. فى بيته...فى قلب طفلها... فى حضنه. وربما الآن… فى حياته بالكامل...ي
فتحت عينيها ببطء ونظرت إليه بينما هو غافٍ دون أن يعرف شيئًا مما يدور داخلها... من حرب طاحنه... هل يشعر أنها مجرد امتداد لاختها هل سيحب هذا الطفل لأنه طفلها هي… 
شعرت بغصة حادة فى حلقها.
حتى فرحتها بالحمل لم تكن كاملة… كانت ممزوجة بشعور مؤلم يشبه الخيانة... 
همست داخلها بوجع: 
أنا مش مكان فرح.ظ مستحيل أبقى مكانها.
لكن الحقيقة التى أخافتها أكثر… أن قلبها لم يعد يريد الرحيل من مكان أخذته بالفعل... 
ابتلعت تلك الغصة بصعوبة وهي تشعر بثقل المشاعر يطبق على صدرها…
وفجأة كأن عقلها خانها، وبدأ يرسم صورًا لم تطلبها.
تخيلت فرح… لو كانت ما تزال  تعيش
هل كانت ستنام مكانها الآن... هل كان فاروق سيضمها بنفس الطريقة؟ هل كان سيلمس بطنها بتلك العفوية لو عرف أن طفله يكبر هناك.. 
أغمضت عينيها بقوة أكبر وكأنها تحاول طرد الفكرة، لكن الألم ازداد... 
لأول مرة تشعر أن الحب قد يكون قاسيًا لهذه الدرجة… لأنه يجعل الإنسان أنانيًا رغمًا عنه... 
هي لا تريد فقط قربه… بل تريد أن تكون اختياره. هي. ليس ظل امرأة أخرى... 
ارتجفت أنفاسها حين شعرت به يتحرك قليلًا، ثم فتح عينيه نصف فتحة وهو يحدق بها بنعاس.
انعقد حاجباه فورًا حين لمح الدموع اللامعة بعينيها.
همس بصوت أجش: _ عهد… بتعيطي. 
هزت رأسها بسرعة محاولة الهروب بعينيها، لكنه رفع يده ولمس خدها بإبهامه ببطء، ثم قال بنبرة أهدأ: 
مالك.. حاسس إنك متغيرة. 
ترددت… الكلمات تزاحمت داخلها بشكل مؤلم... 
أتقول له إنها خائفة.. أم تعترف أن وجودها نفسه يشعرها بالذنب.. أم تخبره أن طفلًا منه ينمو داخلها بينما هي لا تزال لا تعرف إن كانت تعيش حبها… أم تعيش حياة امرأة أخرى.. 
تنفست بصعوبة قبل أن تهمس: 
فاروق… عمرك حسيت إني… جاية مكان حد. 
ساد الصمت للحظة.
لكنها كانت كافية لتجعل النعاس يختفي تمامًا من عينيه... 
تجمدت ملامحه وهو يحدق بها طويلًا… طويلًا لدرجة جعلتها تندم على السؤال.
حاولت الابتعاد فورًا وهي تهمس بتوتر: 
أنا آسفة… أنا مش عارفة بقول إيه…
لكن ذراعه شدها إليه من جديد قبل أن تهرب... 
قال بصوت منخفض لكنه واضح: 
تبقي غبية لو فكرتي كده... عهد أنا من... 
قطع بقية حديثه قبل أن يُخبرها أنه عشقها من البداية وتمناها أولًا... لكن شعر برعشة جسدها إستغرب ذلك، ضمها قائلًا: 
ليه بترتعشي، سقعانه أطفي التكييف. 
ارتعش قلبها رغمًا عنها... مع إرتعاشة جسظها 
ظلت تنظر إليها بثبات، 
بينما أكمل ببطء: 
الناس مش بتتعوض يا عهد… واللى بيروح بياخد مكانه معاه...
وسكت لحظة قبل أن يضيف وهو يلمس وجهها: 
وإنتِ هنا … مكانك إنتِ فاهمة. 
تسارعت أنفاسها بعنف… لأن تلك الكلمات، ببساطتها، أصابت أضعف نقطة داخلها... 
لكن السؤال الأخطر ظل عالقًا فى حلقها… هل سيظل يقول هذا لو عرف بالحمل.. 
شعرت بيده تهبط مرة أخرى فوق بطنها دون وعى منه تقريبًا، وكأن شيئًا داخله ينجذب لتلك الحقيقة قبل أن يعرفها.
أما هي… فشعرت بالخوف لأول مرة ليس من ردة فعله... 
بل من شدة رغبتها أن يفرح... 
خفضت عينيها سريعًا حتى لا يقرأ كل ما بداخلها…
كانت الكلمات تقف على طرف لسانها
"أنا حامل."
بسيطة… كلمتان فقط قادرة تغيّر كل شيء بينهما... 
لكنها لم تستطع قولها... 
ليس الآن. ليس وهي بهذا الارتباك كله... 
لذلك بدلًا من الاعتراف… استسلمت فقط لدفء حضنه.
أغلقت عينيها ببطء، وسمحت لنفسها أخيرًا أن ترتاح فوق صدره، تسمع دقات قلبه المنتظمة، وتشعر بأصابعه تتحرك بخفة فوق ذراعها كأنه يطمئن تلقائيًا أنها ما تزال بين يديه... 
وذلك وحده… كان كافيًا ليضعف مقاومتها بالكامل... 
تنفست بعمق، وكأنها تؤجل العالم كله لتلك اللحظة الصغيرة...
غدًا بالتأكيد
أما الآن… فهي تريد فقط أن تعيش هذا الشعور دون خوف... دون أسئلة... دون مقارنة مؤلمة مع الماضي... 
رفعت رأسها قليلًا تنظر إليه… كان يراقبها بهدوء غريب، وكأنه يشعر أن شيئًا ما يدور داخلها لكنه اختار ألا يضغط عليها... 
همس وهو يزيح خصلة شعر خلف أذنها:  هديتي شوية أومأت بخفة.
تبسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم جذب الغطاء حولهما يضمها أكثر قائلًا بنبرة دافئة أربكت قلبها: 
نامي بقى… شكلك استهلكتي طاقة العالم فى التفكير النهاردة.
ضحكت بخفوت رغماً عنها… ضحكة صغيرة متعبة لكنها حقيقية... 
ولأول مرة منذ أن عرفت بأمر الحمل… لم تشعر بالذنب الكامل.
بل شعرت بشيء أخطر... 
الأمان... 
وذلك الإحساس تحديدًا هو ما جعل قلبها يتعلق به أكثر رغمًا عنها... 
دفنت وجهها فى صدره بهدوء، بينما يده تستقر فوق خصرها بحماية تلقائية… وكأن جسده كله يخبرها أنها هنا مكانها الطبيعي... 
أما عقلها… فقرر للمرة الأولى أن يصمت قليلًا.
ويؤجل الحقيقة… مقابل ليلة واحدة فقط تشعر فيها أنها ليست خائفة.
❈-❈-❈
باليوم التالي 
هولندا 
صار الملل والفتور رفيقيها الثابتين، كأن الشقة   تتحول إلى مساحة صامتة تتكرر فيها الأيام بلا ملامح... 
حتى خبر حملها… ذلك الخبر الذي كان من المفترض أن يملأ قلبها فرحًا ويُغير كل شيء، مر عليها كأنه حدث بلا زهوة ... لم تشعر بتلك الرجفة السعيدة التي تخيلتها، ولا بوهج السعادة التي كانت تنتظرها.. فقط فراغ ثقيل، ودهشة باردة من نفسها.... 
تذكرت ليلة الأمس جيدًا…
كانت قد قررت أن تفعل شيئًا مختلفًا، أن تخلق لحظة دافئة تعيد شيئًا من الروح بينهما... أطفأت الأضواء القوية، أشعلت مصباحًا خافتًا في الردهة، رتبت بعض التفاصيل الصغيرة بعناية. وضعت عشاء خاص  كوبين من العصير شموع على الطاولة، وجلست تنتظره بقلب مارقي، تكرر في عقلها الجملة التي ستقولها: 
"أنا حامل.
لكن الساعات امتدت بلا رحمة... لدرجة أنها غفت للحظات بلا وعي، لم تشعر 
متى عاد أخيرًا، كان متأخرًا كعادته… خطواته مرهقة، ملامحه مشغولة، لا تلتقط أي شيء من تفاصيلها. نظر إليها سريعًا وهو يخلع سترته..وذهب نخوها،شعر بغصة من منظر الطاولة،ربما ندم أنه تأخر لكن ليس بيده...رخم العمل...وضع يده فوق كتفها...فتحت عينيها نظرت له،كان واضح الإجهاد،لكن حتى لمحة صغيره منه كانت قد تُكفيها...لكن  قال دون انتباه حقيقي:
إيه نيمك هنا، رقابتك هتوجعك
لم تجب فورًا. فقط تابعت وجهه، تبحث عن أي ظل اهتمام. ثم همست بصوت منخفض:
كنت مستنياك… كنت عايزة أقولك حاجة مهمة.
جلس على طرف مقعد جوارها وهو يفك أزرار قميصه، وقال بنبرة مشتتة:
بعدين يا حبيبتي… اليوم كان طويل جدًا... وكله مشاكل. 
صمتت... الكلمات التي حفظتها تراجعت داخلها فجأة، كأنها فقدت معناها. نظرت إلى  الطاولة، ثم إلى الأضواء الخافتة الشموع التي إنطفأت التي لم يلتفت إليها حتى... 
كم مرت من لحظات، وهي غافية دون أن تشعر… على المقعد في الردهة، رأسها مائل ويدها لا تزال قريبة من بطنها، وكأن جسدها هو الوحيد الذي استوعب الخبر...
هو نهض بعد قليل يجذب يدها ، لم يلحظ شيئًا في البداية، ثم توقف قليلًا:
يلا خلينا ننام، أنا مرهق جدًا. 
لم يسمع منها  جوابًا.
فوقف لحظة أطول، جذبها  يتمتم بلا اكتراث حقيقي:
نتكلم الصبح يا حبيبتي. 
عادت ها هو الصباح لم يحمل شيئًا مختلفًا… فقط يوم آخر يشبه الذي قبله... ها هي ككب صباح  تقف  في المطبخ، لا تفعل شيئًا حقيقيًا سوى تحريك كوب الشاي أمامها بلا رغبة... عيناها شاحبتان، وملامحها تحمل إرهاقًا أعمق من النوم...
دخل نديم بخطواته المعتادة، هاتفه في يده، ونظرة سريعة على كل شيء إلا عليها.
قال دون أن يرفع عينيه بالكامل:
صباح الخير.
لم ترد فورًا.
تركت الكوب على الطاولة ببطء، ثم استدارت نحوه. صمتها كان مختلفًا هذه المرة… ليس هادئًا، بل ممتلئًا بشيء على وشك الانفجار.
رفع نظره أخيرًا، لاحظ وقفتها، فـ عقد حاجبيه: مالك يا يارا في حاجة مضايقاكِ. 
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، ثم قالت بصوت ثابت أكثر مما تشعر به:
حاجة مضايقاني... قول حاجات. 
توقف للحظة، كأنه يحاول فهم ما تقصده، ثم قال بسؤال: 
يعني إيه خاجات. 
اقتربت خطوة واحدة فقط، لا مسافة عدوان، بل مسافة مواجهة... قائلة باستفاضة: 
أنا تعبت يا نديم… تعبت من السكون ده، من إنك موجود بس مش موجود. من إني أبقى عايشة معاك في مكان واحد كأننا غرب.
تغيرت نبرتها تدريجيًا، خرج الألم أخيرًا من تحت السيطرة:
أنا حتى مبقتش عارفة أنن جوا الجوازة دي ولا براها.
إندهش من حديثها
أغلق الهاتف ببطء ووضعه على الطاولة، للمرة الأولى ينتبه لها بالكامل.
إنتِ بتقولي كده ليه دلوقتي... يارا... 
قاطعته بسخرية مريرة:
دلوقتي.. 
أشارت حولها بعينيها، نحو البيت، نحو الصمت، نحو الأيام المتشابهة:
أنا عايشة كده من وقت ما جينا هنا … بس كنت بقول يمكن فترة  وهتتغير. يمكن تهتم. يمكن تحس.
سكتت لحظة، ثم خرج السؤال أخيرًا، واضحًا، جارحًا:
قوليلي بصراحة… انت ليه جبتني معاك هنا.. 
اقتربت أكثر، وصوتها انخفض لكنه أصبح أثقل:
وفى الأساس… ليه اتجوزتني يا نديم. 
ساد الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع الذي يضع كل شيء على الطاولة دون إجابات جاهزة. 
قطع الصمت نديم حاول التبرير بآسف قائلًا: 
يارا... أنا عارف إني مقصر معاكِ، بس هو الشغل كده فى الشؤون القانونية فى السفارة، أوقات بتجي فترات الشغل بيبقي كتير وزيادة عن اللازم وأوقات... 
قاطعته بعصبيه: 
أوقات، ولا طول الوقت يا نديم... أنا تعبت يا نديم... أنا بقيت بخاف على عقلي لما أعقد لوحدي... أنت بتعتبر الشقه هنا زي أوتيل للنوم، وأنا فين من حياتك كزوجة، إحنا متجوزين من شهور قليلة، بقيت حاسه إننا متجوزين من سنين، بسبب الشغل بتاعك اللى مش بيخلص،
توقفت للحظة ثم قالت بصدمة له: 
أوقات الشيطان بيصور ليا إنك ممكن تكون متجوز من غيري... فاهم وصلتني لأيه... وصلتني إني ممكن أتحول مريضة بالشك... إمبارح إستنيتك وكان معايا إختبار حمل، واتصلت عليك قولت لك محضره لك مفاجأة بلاش تتأخر وبرضوا اتأخرت حتى لما رجعت مشوفتش غير إنك مرهق ونتكلم الصبح، وأهو إحنا الصبح يا نديم، يبقي نتكلم بقي.. 
لم ينتبه لكلامها الموجع، ارتسمت بسمه على شفتيه وإقترب منها حاول ضمها يشعر بانشراح فى قلبه سائلًا: 
إختبار حمل... يارا إنتِ حامل... أحلى خبر يا حبيبتي... 
كاد يضمها، لكن هي شعرت بغضب، كان حديثها كله هباءًا.. انتفضت بعيدة عنه قائلة بصدمه له: 
أنا إتصلت عالمطار وحجزت تذكرة لـ مصر، بعد ساعتين لما ينتهي زحمة الشغل إنت عارف فين مكاني. 
❈-❈-❈
ليلًا 
بحديقة منزل الدباغ
ترجل فاروق من السيارة يبتسم لـ ياسين الذي هرول نحوه، إستقبله بين يديه..، نهضت عهد واقفة، لكن لوهلة شعرت بدوخة، كادت تسقط لولا سندت على المقعد وعادت تجلس مرة أخري لاحظ فاروق ذلك ذهب نحوها سريعًا بلهفة قائلًا: 
عهد مالك. 
إبتلعت ريقها قائلة: 
أنا بخير بس يمكن عشان تعبت من اللعب مع ياسين، اللى غاوي سهر بنات عمه ناموا من بدري وهو عاوز يقعد فى الجنبنة يستناك، ومش مبطل لف ودوران حواليا،ويغني الاغاني اللى بيسمعها على قنوات الأطفال  روشني. 
رغم محاولتها تهدئته بالكلام… إلا أن فاروق لم يبتسم... 
عيناه كانتا مثبتتين عليها بقلق واضح، يتفحص وجهها الشاحب والطريقة التى وضعت بها يدها فوق المقعد وكأنها تحاول تثبيت نفسها.
اقترب أكثر وانحنى أمامها قليلًا قائلًا بنبرة منخفضة: 
إنتِ وشك أصفر ليه. 
حاولت تضحك بخفة قائلة: 
فاروق متكبرش الموضوع… مجرد دوخة بسيطة.
لكن ياسين قاطعها بحماس طفولي وهو يتمسك بساق فاروق: 
لا يا بابا، عهد كانت تعبانة فعلًا… وقعدت مرة واحدة كده.
تحولت نظرات فاروق إليها فورًا، أكثر حدة هذه المرة.
أما عهد فشعرت بتوتر خفيف… ذلك الإهتمام الزائد منه يربكها أكثر مما يريحها... 
مد يده نحو جبينها يتحسس حرارتها، ثم قال بجدية: 
من إمتى وإنتِ حاسة بالتعب. 
ترددت للحظة. ثانية واحدة فقط… لكنها كانت كافية ليلاحظ... 
ضيّق عينيه وهو يحدق بها قائلًا: 
عهد. 
هربت بعينيها سريعًا وقالت: 
انا كويسة بلاش تهويل. 
ظل صامتًا للحظة، ثم أمسك يدها وساعدها تنهض بهدوء: 
تعالي ندخل جوا.
اعترضت فورًا: 
فاروق أنا كويسة.
لكنه لم يترك يدها، بل قال بنبرة حاسمة هادئة:  وأنا هصدقك لما دكتور يقول إنك كويسة.
ارتبكت أنفاسها فجأة.
ذلك الخوف القديم عاد يطرق صدرها بعنف… ماذا لو أخذها الآن للطبيب.. ماذا رد فعله حين يعلم بحملها.. 
شعرت بأصابعها تبرد داخل يده... 
أما فاروق فلاحظ ارتباكها فورًا، فتوقف عن السير ونظر إليها بتركيز: 
فى حاجة مخبياها عليا. 
تجمد قلبها.
ياسين كان لا يزال متعلقًا بيد فاروق الصغيرة ويثرثر عن لعبه بلا انتباه، بينما العالم كله بالنسبة لها توقف عند هذا السؤال.
رفعت عينيها إليه… نظراته لم تكن غاضبة، بل قلقة بشكل أربكها أكثر.
فتحت شفتيها محاولة الكلام… لكن الكلمات خانتها.
ليقترب منها أكثر  بقلق حقيقى: _ 
رفعت عينيها إليه بتردد… ثم حاولت سحب يدها بخفة قائلة بتوتر: 
فاروق متبصليش كده، قولتلك مفيش حاجة.
قطب حاجبيه أكثر: 
وده منظر واحدة مفيهاش حاجة. 
تنهدت بضيق محاولة التهرب: 
يمكن ضغطي وطي شوية… أو مرهقة، عادي يعني.
نظر إليها لثواني طويلة قبل أن يقول بهدوء أخافها أكثر من عصبيته: 
عهد… أنا من ساعة ما نزلت من العربية وحاسس إنك مش طبيعية.
ابتلعت ريقها ولم ترد.
أما هو فأكمل: 
وإنتِ أصلاً بقالك ايام سرحانة، وتعبانة، وبتاكلي بالعافية… دلوقتي دوخة. ثم سأل مباشرة: 
في إيه. 
تسارعت دقات قلبها بعنف.
حاولت الضحك بتوتر: 
إنت مركز معايا أوي كده ليه
رد فورًا: 
عشان إنتِ مراتي.
خرجت منه ببساطة… لكنها أصابتها فى مقتل.
هربت بعينيها بعيدًا، بينما اقترب ياسين منهما قائلًا بحماس طفولى: 
أنا كنت فى سباق جري فى الحضانه وكسبت. 
اومأ له مبتسما بتحفيز، بينما 
عاد ينظر لـ عهد  وسألها بهدوء: 
تقدري تمشي. 
أومأت بخفة، فتحرك معها ببطء نحو الداخل، لكنه كان ممسكًا بكفها بقوة خفيفة وكأنه يخشى أن تتعثر ثانية.
همست محاولة كسر التوتر: 
أنت مكبر الموضوع بطريقة تخوف.
التفت لها قائلًا: 
عايزاني أعمل إيه وأنا شايفك هتقعي قدامي. 
نظرت إليه للحظة… ثم قالت بصوت خافت:  متخافش عليا بالشكل ده.
شعرت بغصة حادة فى حلقها… لأنها فجأة أرادت إخباره. الآن. فى تلك اللحظة بالتحديد... 
كادت تنطق… لكن صوت ياسين قطعها وهو يشير بحماس: _ بابا شوف! القمر كبير أوي النهاردة.
رفع فاروق رأسه تلقائيًا للسماء، فضاعت منها اللحظة.
أما هي فوقفت تنظر إليه بصمت… وتفكر بترقُب: 
هل فعلًا هيفرح.
بعد ساعات…
كان الليل ساكنًا تمامًا داخل الغرفة، لا يُسمع سوى صوت أنفاس فاروق المنتظمة بجوارها... 
لكن عهد فتحت عينيها فجأة... 
شهقة خافتة خرجت منها وهي تشعر بوجع حاد أسفل بطنها… وجع مختلف... ليس كتلك النغزات الخفيفة السابقة... 
وضعت يدها فوق بطنها بتلقائية، تتنفس بسرعة بينما الألم يشتد للحظات ثم يخف قليلًا... 
همست بخوف:
لا… لا…
حاولت الجلوس ببطء، لكن فور تحركها شعرت بسيلان دافئ بين ساقيها... 
تجمد جسدها بالكامل... 
هبطت عيناها ببطء نحو الملاءة…  وضعت يدها على الفراشثم رفعتها ثم اتسعت حدقتاها بصدمة مرعبة... من 
اللون الأحمر.. 
توقف عقلها للحظة... 
أنفاسها أصبحت متقطعة بعنف، ويداها بدأت ترتجفان وهي تضعهما فوق بطنها وكأنها تحاول حماية شيء ينسحب منها... 
همست بصوت مكسور بالكاد خرج: 
ابني. 
شعرت برعب يجتاحها بالكامل.
كل الأفكار دفعة واحدة هجمت عليها… الخوف. الذنب..د تأجيلها للحقيقة..ظ توترها المستمر... بكاؤها.... كل شيء.
دموعها انهمرت فورًا وهي تحاول النهوض بسرعة، لكن الألم ضربها مجددًا لتكتم صرخة موجوعة... 
تلك الحركة أيقظت فاروق فورًا.. ظ
فتح عينيه بصدمة وهو يعتدل بسرعة: _
عهد.. 
لم ترد... 
كانت تنظر للأسفل بذعر كامل.
تبع نظراتها… وفى اللحظة التى رأى فيها الدم، اختفى النعاس تمامًا من وجهه... 
شحبت ملامحه بشكل مرعب: 
إيه ده. 
رفعت عينيها إليه أخيرًا… عيناها كانتا ممتلئتين بانهيار حقيقى وهي تهمس بصعوبة:  فاروق… أنا…
ثم خرجت الكلمة التى أخفتها طويلًا وسط بكائها: 
حامل…
تجمد مكانه لثانية كاملة.. 
ثانية صامتة ثقيلة… لكنها لم تدم... 
لأنه فى اللحظة التالية كان يتحرك بعنف، يزيح الغطاء بسرعة ويقترب منها وهو يمسك وجهها بين يديه:
  بصيلي… بصيلي يا عهد.
كانت تبكى بانهيار: 
الدم… أنا بخسره… ابني بيروح مني…
هز رأسه بعنف فورًا: 
لا… متقوليش كده.
لكن صوته نفسه كان مرتجفًا.
أمسك هاتفه بسرعة بيد مرتعشة بينما الأخرى تسندها، يحاول التماسك بصعوبة واضحة ، يجذبها نحوه بحماية وكأن قربه وحده قادر يمنع عنها الألم.
أما هى… فكانت ترتجف داخل حضنه وتبكى بخوف أمٍ شعرت لأول مرة أنها قد تفقد قطعة من روحها قبل حتى أن تراها.
«يتبع» 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا 
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا