رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8 بقلم امل نصر
رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8
رواية قلبي لمن عبدالرحمن وياسمين الفصل الثامن 8
كانت الصدمة قد ألجمت لسان اعتدال، ظلت تستوعب كلمات ياسمين بصعوبة، لدرجة أنها شعرت برغبة عارمة في تكذيب أذنيها، لكن ثبات ابنتها وتلك الأوراق التي تقبض عليها بيدها أكدت لها أن الأمر ليس مجرد انفعال لحظي.
ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يخرج صوت اعتدال مرتعشاً:
ـ "هتسافري تروحي فين يا ياسمين؟ وتسيبينا لمين يا بنتي؟"
ردت ياسمين وهي ما تزال محتفظة بفتورها وجمودها الذي يغلف قلبها الجريح:
ـ "عندي عقد شغل مع شركة عالمية في الخليج، صاحبتها شيخة مشهورة في عالم 'البرندات' العالمية، شافت تصميماتي في واحد من المعارض قريب وكلمتني.. أنا كنت مأجلة القرار ده عشان أشوف موضوع الخطوبة اللي..."
صمتت للحظة وكأنها تبتلع غصة مريرة، ثم أكملت بقوة:
ـ "بس خلاص، دلوقتي معنديش حاجة تعطلني، ومفيش سبب يخليني أستنى هنا يوم واحد زيادة."
انفجرت اعتدال بالبكاء والدهشة:
ـ "تقومي تقرري مع نفسك كدة من غير ما تقولي لحد؟ كدة في يوم وليلة عايزة تطفشي وتسيبي بيتك؟ طب استني بس لما نشوف موضوعك مع عبد الرحمن و.."
ـ "ماما أرجوكي بقى! متجبيش السيرة دي تاني!
صرخت ياسمين بوجع هز أركان الغرفة، مما جعل الأم تثور هي الأخرى بانفعال:
ـ "أمال أجيب سيرة مين؟ مش هو ده السبب في طفشانك؟ مش هو ده اللي كسر بخاطرك وخلاكِ تقرري الهرب ده؟"
نظرت ياسمين لوالدتها بعينين تلمعان بدموعٍ رفضت أن تسقط، وقالت بنبرة حاسمة:
ـ "أنا مش بطفش يا ماما.. أنا بنقذ اللي فاضل مني. والسبب مش عبد الرحمن بس، وأنتِ عارفة كدة كويس."
شعرت اعتدال بالحرج والارتباك وهي تضغط على عينيها التي تذرف الدموع:
ـ "عارفة يا ياسمين ومش هعارضك، أنا بس عايزاكي تصبري يا بنتي وكل حاجة هتتصلح، أنا هحاول..."
ـ "هتحاولي تعملي إيه بالظبط؟ هتفسخي خطوبة بنتك من الحيوان خطيبها؟ ما أظنش تقدري، ولو حصل برضو مش هيصلح حاجة."
قاطعتها ياسمين والقسوة تطل من عينيها، لترد والدتها بانهيار:
ـ "يغور في ستين داهية! أنا أصلاً كرهته وكرهت اسمه، وحتى لو محصلش زي ما بتقولي، يكفي نبص للي جاي يا بنتي.. لو أنتِ قفلتي من عبد الرحمن، بكرة يجي سيد سيده."
صدحت ياسمين بضحكة مريرة، ثم تنهدت بنفسٍ جريحة:
ـ "للأسف يا ماما كل اللي بتقوليه ده عدى وقته، لأن أنا خلاص قررت ومش هرجع في قراري، البلد دي معدتش تساعني خلاص.. يعني مالهوش لزوم تتعبي نفسك في النقاش معايا."
قالت كلماتها وهمت بالتحرك، إلا أن والدتها أوقفتها قبل أن تخرج من الباب متسائلة بمرارة:
ـ "قولي بصراحة وما تجيبهاش في البلد يا ياسمين.. أنتِ مش طايقة المكان اللي إحنا موجودين فيه؟"
رمقتها ياسمين بنظرة صامتة لعدة لحظات، كانت كافية لأن تتأكد اعتدال من صدق ظنها؛ فابنتها لم تعد تطيق العيش تحت سقفٍ يجمعها بمن خذلوها. سقطت اعتدال على التخت في بكاءٍ مرير عقب مغادرة ابنتها للمنزل، مدركةً أن ياسمين لن ترحل عن البلد فحسب، بل سترحل عن حياتهم التي شوهتها الأنانية
.................................
في تلك الأثناء، كانت سما تجلس مع عبد الرحمن في مكانٍ هادئ بناءً على طلبه. وكعادتها عندما يكتنفها الحماس، أخذت تسهب في الحديث عن أي شيء يحيط بها، غير منتبهة للحالة المزرية التي يمر بها من يجلس أمامها، والذي انتظر بروحٍ مجهدة حتى توقفت عن الثرثرة قليلاً ليقول بنبرة حادة:
ـ "معلش يا سما، ممكن توقفي كلام عن المطعم اللي أول مرة تدخليه ولا عن ذوقي الراقي، وتنتبهي إني جايبك هنا لسبب محدد مش عشان أفسحك؟ أنا آسف يعني."
أخرجها بفظاظته من حالة الانتشاء التي كانت تسيطر عليها، فتحمحمت بخزي وهي تقول:
ـ "لا.. من غير أسف، وأنا مقلتش إنك جاي تفسحني، أنت أكيد جايبني عشان تتكلم عن ياسمين."
رد عليها بتهكمٍ لاذع:
ـ "شاطرة.. برافو عليكي!"
ثم تابع وهو يثبت عينيه في عينيها بقوة
ـ وبما إنك شاطرة وبتقرئي الأفكار كدة، ممكن بقى تقولي لي 'العك' ده حصل إزاي؟ أنا من امبارح ومش عارف أعقلها في راسي.. إنسان رايح يشوف واحدة عشان الجواز، وبعد ما يقعد معاها يختار أختها! إزاي يعني؟ طب لو أهلك قبلوا، أنتِ نفسك إزاي قبلتيها على كرامتك؟"
باغتها بقوله القاسي، لتسارع في التبرير لنفسها بدفاعٍ مستميت:
ـ "هو إيه اللي قبلت وماقبلتش؟ جمال دخل بيتنا آه عشان ياسمين، لكنه اختارني أنا بعد ما عجبته وانبهر بجمالي.. إيه اللي يخليني أرفض؟ هو كان متجوزها ولا خطيبها رسمي؟ دي يا دوب كانت قعدة تعارف!"
خرج الرد منه بنبرة تلوح فيها السخرية، وهو يرمقها بنظرة فاحصة خالية من أي إعجاب:
ـ "انبهر بجمالك؟ على أساس إنك أحلى منها يعني؟ أنا بصراحة مش شايف كدة خالص، بالعكس تماماً!"
شحب وجه سما من الصدمة، بينما
أكمل عبد الرحمن حديثه بلهجة تقطر مرارة، وهو يحدق في الفراغ وكأنه يحاول تجميع شتات لغزٍ مبعثر:
"مش عايز أبقى جلف معاكي، بس أنا بدور على تفسير يريح دماغي اللي ماوقفتش عن التفكير من امبارح.. مش قادر أقتنع إن فيه راجل طبيعي يعمل اللي جمال عمله، لا وكمان لقى اللي يجاريه ويوافق عليه! حاجة غريبة صراحة."
ردت عليه بدلال مصطنع يحاول إخفاء ارتباكها:
ـ "غريبة ليه؟ بقولك عجبته.. عجبته! شافني جميلة ودلوعة، مش ناشفة ومقفلة زي ياسمين.. هو اللي قالي كدة بنفسه!"
كادت تبزغ ابتسامة شقية على شفتيه وهو يستوعب الكلمات التي تفوهت بها؛ فهذه الخرقاء تجيبه عن كل الأسئلة التي تدور في رأسه دون قصد منها، إلا أن ملامحه عادت للتجهم فور تذكره لذلك الخطيب الفاسد، فتابع بتهكم:
ـ "طيب، ولما هو دايب في دلالك وجمالك، مش المفروض بقى إنه يحترم نفسه ويبعد عن ياسمين أو ينسى سيرتها نهائياً؟ بعد ما خلاص فاز بيكي يا ست الحسن والدلال!، مش يلف ويدور بخطط هبلة ومفكر كل الناس فكرهم محدود ولا بيخيل عليها..... زيك.
ما زال يتحفها بتهكمه الذي يحرق دمها، وهي لا تعرف كيف توقفه، فصاحت به وكانها على وشك الانفجار:
ـ "هو أنت عايز إيه بالظبط؟ وجايبني هنا ليه؟"
زفر بضيق وهو يرمقها بحدة، ليصفعها بقسوة كلماته:
ـ "أكيد مش جايبك عشان أكرر اللي عمله 'خطيب الهنا'.. أخطفك منه وتبقي مكان ياسمين! أصل بصراحة، لا أنا ندل زيه، ولا أنتِ بالحسن اللي يخلي الواحد يفكر أصلاً يعمل كدة.. ده غير إن ياسمينة مالهاش بديل."
وكأن أحداً ضربها بمطرقة قاسية على رأسها أفقدتها اتزانها؛ لم تصدق ولم تستوعب ما تناهى إلى مسامعها، فثارت بملامح امتقعت من فرط الغضب:
ـ "أنت إنسان قليل الأدب و..."
ـ "اخرسي وما تزوديش!"
قاطعها بصرامة، ليواصل بثباتٍ غير مبالٍ بانهيارها:
ـ "بلاش تقلي أدبك وتعملي فيها الغضبانة، أنا بس بطلع اللي كان بيدور في دماغك.. يعني لو عايزة توصليلي إن هامك مصلحة أختك وجيتي معايا بنية تصالحينا على بعض، فبايخة أوي بصراحة وما تلقش عليكي."
نهض فجأة تاركاً إياها في حالة من الذهول، وهو يختم كلماته ببرود:
ـ "على العموم، اللي كنت عاوزه منك خدته خلاص.. وكفاية كدة، أنا ماشي. لو حابة تقعدي براحتك خالص، الحساب مدفوع متقلقيش.. أصحاب المكان صحابي."
..................................
داخل منزل ياسمين، كان الحزن هو المسيطر الوحيد على الأجواء. اعتدال الجالسة على الأرض داخل غرفتها، لم تتوقف عن البكاء بنحيب مكتوم ونظرات شاردة في صمتٍ قاتل، أما رشدي، فقد جلس أمام التلفاز يدعي المتابعة، متظاهراً بصلابة مزيفة وقناعٍ من الغضب، بينما كانت أفكاره تدور في حلقة مفرغة، ينتظر ياسمين التي أعلنت سفرها دون أن تأخذ رأيه أو تبلغه وهو "كبير البيت".
كان يشحن نفسه بالتبريرات، رافضاً بكل كبريائه أن يعترف بخطئه أو يلقي اللوم على نفسه. وبمجرد أن دخلت ياسمين، انتفض واقفاً يستقبلها بتحفزٍ شديد، وانفجر فيها بعدما ألقت التحية بجفاءٍ زاد من اشتعال نيرانه:
ـ "مساء الخير."
ـ "يا مساء الورد على الهانم! اللي بتقرر من نفسها ولا كأن ليها أب يتاخد برأيه! إياك أكون مِت يا ياسمين عشان يبقى لك الحق تعملي ما بدالك وتخططي لمستقبلك من ورايا؟"
جاء ردها بأن وقفت أمامه بجمود لم يعهده فيها من قبل، لم تظهر عليها علامات الخوف أو الارتباك، بل كانت نظراتها تحمل عتاباً أشد قسوة من كلماته، وقالت بنبرة هادئة ومستقرة، رداً على تهكمه وسخريته:
ـ "أنا آسفة إني ببلّغك النهاردة، القرار جه مفاجئ."
ـ "كدة بكل سهولة؟ أنتِ يا بت أنتِ عايزة تشليني؟ بتنقطيني بالكلمة؟ أنا أبوكي.. مأخدتيش رأيي ليه قبل ما تاخدي قرارك؟ ولا شايفاني 'شخشيخة' قصادك وماليش كلمة عليكي؟ لا فوقي يا بت!"
خرجت اعتدال من غرفتها على إثر صرخته المدوية، وأسرعت نحوهما لتجعل من جسدها حاجزاً منيعاً بينه وبين ابنتها، التي كانت تقف بصلابةٍ صامتة ونظراتٍ موجعة اخترقت كل دفاعات رشدي. صرخت اعتدال فيه بنبرة لم يسبق لها مثيل:
ـ "بتزعق لياسمين ليه؟ ولا ناوي تمد إيدك عليها مرة تانية؟ والله ما هسمح لك!"
فاجأته اعتدال بموقفها، وكأن كلماتها كانت بمثابة صفعة قوية أعادته لوعيه، لكنه حاول تبرير ثورته بانفعالٍ لاهث:
ـ "أنتِ كمان هتمسكيها عليا ذلة؟ كانت غلطة في ساعة غصب، إنما دلوقتي لو عملتها محدش يلومني! بنتك عايزة 'تهج' بره البلد من غير ما تاخد شوري؟ ليه.. كيس جوافة أنا هنا؟ طيب إيه رأيك بقى.. مفيش حاجة هتم من غير رضايا
شهقت اعتدال ضاربةً على صدرها بجزع من تطور الأمر، لكن ياسمين كانت في حالة من الجمود جعلتها ثابتة لا تهتز أمام تهديداته، بل صدمته بقولها:
ـ "للأسف مش هتقدر تمنعني يا بابا.. الإجراءات انتهت بالفعل، وكلها ساعات وأكون في الطيارة. وقبل ما تسأل إزاي، أنا مسافرة في طيارة خاصة تابعة للشيخة اللي هشتغل معاها، وعموماً العقد معايا وتقدر تتأكد بنفسك."
فتحت حقيبتها أمام ذهول الاثنين، ووضعت عقد العمل أمام عينيه وهي تواصل الضغط على الجرح بكلمات حادة:
ـ "ولو لسه مصمم على منعي وضياع الفرصة دي كمان من إيدي، تقدر تقطع العقد ده بنفسك.. بس في كل الحالات أنا مش هقدر أعيش هنا تاني. الفرق الوحيد إنك لو سبتني أسافر هتفضلوا أهلي وسندي، إنما لو منعتني، هعيش غريبة في بلدي.. ومن غير أهل."
ختمت حديثها وتحركت نحو غرفتها فوراً، تاركةً والدتها متجمدة من وقع كلماتها القاسية. لم يشعر رشدي بنفسه إلا بعد أن غابت عن عينه وهرعت زوجته لتلحق بها؛ فسقط على مقعده بقهرٍ دفين. فقد كان حتى اللحظة الأخيرة يمارس سلطته الأبوية بتجبر، رغم أن تصرفه هذه المرة نابع من عجزه عن منعها.
منعه كبرياؤه من التوسل إليها لتسامحه على مجمل أخطائه، أو حتى الوعد بإصلاح ما هو آت؛ لكن يبدو أن الفرصة قد ضاعت، وما تبقى ليس سوى "فتافيت" مودة، إن ضاعت هي الأخرى، فقد خسر ابنته للأبد
...............................
دخلت "اعتدال" إلى غرفة ابنتها، فوجدت الحقيقة المرة تتجسد أمام عينيها؛ كانت ياسمين قد وضعت حقيبة سفرها على الفراش وبدأت تجمع ملابسها ومتعلقاتها الخاصة من الخزانة بسرعة وإصرار. انقبض قلب الأم وهي تدرك أن ابنتها تمضي فعلاً في طريق الرحيل والابتعاد عنهم، شعرت بعجزها القاتل عن منعها.
ومن غير تفكير، هرولت اعتدال نحو ابنتها وجذبتها إلى حضنها، ثم غرقت في نوبة بكاءٍ حارق. ورغم العهد الذي قطعته ياسمين على نفسها بألا تذرف دمعة أخرى، إلا أن مشهد انهيار والدتها جعل عينيها تدمعان رغماً عنها.
سرعان ما استعادت ياسمين رباطة جأشها، وحاولت التملص من حضن والدتها لتتحدث إليها بقوة وثبات، بينما كانت اعتدال تردد من بين شهقاتها بنبرة مكسورة:
ـ ـ "مش عارفة هعيش في بعادك عني إزاي؟ ولا قادرة أقولك 'بلاش'.. لاضيع عليكي فرصة جديدة وتشيلي مني أكتر."
انفجرت اعتدال مرة أخرى في البكاء، وما إن همت ياسمين بالعودة للتخفيف عنها حتى تناهى إلى مسامعها صوت شقيقتها "سما"؛ فعلمت أنها عادت من الخارج. التفتت ياسمين نحو والدتها، ووجهت إليها الرجاء بنبرة حازمة لا تقبل التهاون:
ـ "ليا رجاء عندك يا ماما.. حكاية السفر والشغل دي ما تقوليش عنها أي حاجة نهائي قدام بنتك."
صمتت اعتدال بشرود وذهول، لتضيف ياسمين بتحذيرٍ أشد:
ـ "وتنبهي كمان على جوزك.. لا سما ولا خطيبها جمال يعرفوا مكاني، ولا أي تفاصيل عن شغلي. اعتبريني سافرت سياحة، أو اختفيت.. المهم ميعرفوش طريق ليّا."
أومأت اعتدال بطاعة وهي تمسح دموعها، عازمةً على تنفيذ رغبة ابنتها المكلومة، دون جدال أو محاولة لاقناعها عن التراجع، فهي الاعلام بصواب قرارها.
خرجت إلى زوجها في الصالة، وكانت نظراتها تحمل إصراراً غريباً وهي تبلغه بتحذير ياسمين؛ فقد أدركت أن كتمان السر هو الخيط الوحيد الذي قد يربطها بابنتها مستقبلاً، بعيداً عن ألاعيب جمال وأنانية سما.
..............................
وفي مكانٍ آخر، كان جمال الذي كاد ينفجر من فرط الغيظ، يتصل بـ سما خطيبته ليفرغ فيها شحنة غضبه، بعد التجاهل الذي بدأ يلمسه من والدها ووالدتها، ومنها هي شخصياً كما يدعي الآن.
ـ "لا أبوكي ولا أمك ولا حد فيهم بيعبرني ولا يسأل عني! وأنتِ يا هانم كأنك ما صدقتي.. مفيش ولا رنة واحدة حتى؟ في إيه يا بت؟"
كانت حالة سما في تلك اللحظة لا تسمح بالنقاش، ولم تعد تملك طاقة لاستعطافه أو تبرير موقفها، خاصة بعد الكلمات القاسية التي تلقّتها من عبد الرحمن "المغرور"، الذي شكك في جمالها وفي ثقتها بنفسها. كانت في أمسّ الحاجة لمَن يربت على كتفها ويحتويها، لا مَن يصرخ في وجهها ويزيد من أوجاعها؛ ألا يكفيها تجاهل والدتها التي ترفض حتى النظر إليها؟ ولا انعزال والدها الذي أغلق على نفسه الأبواب، وكأنه يقلد ياسمين المختفية في غرفتها منذ الأمس؟
ـ:"بابا وماما فيهم اللي مكفيهم يا جمال، يعني أكيد محدش قاصد يهينك بالتجاهل، بس أنت عارف المشكلة اللي حصلت."
رد جمال بحدة وهو يحاول قلب الطاولة لصالح تبريراته:
ـ "آه يا اختي عارف، بس أنا إيه ذنبي بقى؟ المحروس خطيبها فلت من الخطوبة ومتطلعش راجل قد كلمته فقال يجيبها فيا! وأختك ما صدقت عشان كرهاني، طبعاً شايلة ومعبية من ساعة ما فضلتك أنتِ عليها.. طيب القلب وما يهوى يا ناس، إيه ذنبي أنا بقى؟"
استمعت سما لكلماته وكأنها وجدت ضالتها التي تبحث عنها لترمم كرامتها التي جرحها عبد الرحمن، فسألته بنبرة يملؤها الرجاء والترقب:
ـ "يعني أنت فعلاً اخترتني عشان حبيتني يا جمال؟"
صمت جمال لحظات يستوعب الجملة الغريبة، قبل أن يرد بنبرةٍ يملؤها التعجب:
ـ "مش فاهم يعني! أمال هكون خطبتك ليه؟ ما هو أكيد عشان عجبتيني.. . عليكي أسئلة غريبة في أوقات أغرب!"
ردت سما بنبرةٍ يائسة تبحث عن أمانٍ مفقود:
ـ "ما هو ده وقته يا جمال.. قولي إنك حبيتني عشان شوفتني فتاة أحلامك، حلوة ودلوعة زي ما كنت بتسمعني في بداية خطوبتنا. بطلت ليه تسمعني كلام حلو يا جمال؟"
ـ "عشان كنت أهبل!"
تمتم بهذه الجملة بصوتٍ خافت وهو يبعد الهاتف عن فمه، ثم عاد إليها بضيقٍ واضح:
ـ "هبقى أسمعك يا سما، بس خلي عندك نظر دلوقتي وقدري الوضع اللي إحنا فيه.. الدنيا خربانة في بيتكم وأنتِ عايزاني أسمعك كلام حلو!"
مطت شفتيها بغضبٍ وقهر بعدما ألجمها بكلماته الفظة وكسر خاطرها في وقتٍ كانت تنتظر فيه من يهون عليها. قالت بنبرةٍ فاترة:
ـ "ماشي يا جمال.. براحتك. تحب أروح أكلم بابا وماما؟"
رد بتصميمٍ مريب:
ـ "لا متكلميش حد.. أنا اللي هاجي النهاردة أقعد معاهم عشان نتصافى، لازم نتصافى."
قالها وهو يضمر في نفسه نيةً أخرى؛ فقد كان يخطط لاستعادة ثقة العائلة من جديد ليكون قريباً من ياسمين، خاصةً بعدما فُسخت خطبتها من "عبد الرحمن". يمني نفسه بأن تعود ياسمين لعقلها وتنظر إليه هذه المرة، وساعتها سيفعل المستحيل ليصلح غلطته، فهو يعرف جيداً كيف يرضي "رشدي" وزوجته، أما "سما الهبلة" ـ كما وصفها في سره ـ فلتذهب إلى الجحيم، فقد سئم منها ومن تفاهتها، ومن طلبها لسماع كلام الحب في غير وقته
........................
كانت الساعة قد تخطت السادسة المغرب، حين خرجت ياسمين تجر حقيبة سفرها، وخلفها والدتها تحمل بعض المتعلقات الخفيفة عنها، بعد وصلة من البكاء والندب استمرت لساعات داخل الغرفة. ها هي اعتدال تجاريها مستسلمة، راضيةً بابتعاد جسد ابنتها عنها، فهو أفضل بكثير من أن تخسر روحها وهي بجوارها، حتى وإن كانت في حضنها.
بروحٍ منهكة كانت تتبعها، وفي صمتٍ قاتل قطعته فجأة حين استوقفتها في منتصف الصالة قبل أن تصلا إلى مخرج المنزل، فأشارت نحو غرفة معينة قائلة بنبرة رجاء:
ـ "أروح أنده لها تسلّموا على بعض؟ أنتم مهما كان أخوات يا حبيبتي."
نظرت ياسمين نحو الغرفة، ثم ابتسمت بزاوية فمها بسخرية مريرة:
ـ "هتروحي تصحيها من نومها وتزعجيها؟ معلش.. ابقي أسلم عليها في التليفون بعدين. امشي يا ماما الله يخليكي، سواق الشيخة مستنينا تحت، مش عايزين نتأخر."
أومأت اعتدال بيأس تتبعها، حتى تساءلت ابنتها بنبرة حاولَت جعلها عادية:
ـ "بابا لسه في أوضته؟"
ردت اعتدال بفتور وهي تسبقها لفتح باب المنزل لتساعدها في إخراج حقيبة السفر:
ـ "خرج من ساعة
لا تنكر ياسمين أن بداخلها كانت تتمنى، على الأقل، أن تصافح والدها رغم خطئه في حقها وقسوة ضربته لها، لكن نظرته إليها اليوم كانت تحمل شيئاً من الانكسار لا تستطيع تخطيه بسهولة، ومع ذلك فقد خرج ولم ينتظر حتى يودعها، أو هكذا ظنت.
كان هذا ما يدور بخلدها قبل أن تفاجأ به أسفل البناية، واقفاً عند مدخلها. لا تنكر الاضطراب الذي أصاب أعماقها حين رأته؛ فقد كان الحزن يكسو ملامحه وهو يطرق رأسه بشرود، ولم يرفع عينيه إلا بعدما شعر بوجودهم.
ظل رشدي على جموده لحظات، بينما كان سائق السيارة الفاخرة يحمل عنهما الحقائب والمتعلقات ليضعها في الحقيبة الخلفية. وما إن اقتربت ياسمين من باب السيارة، حتى وجدت ذراعاً قوية تجذبها إلى الخلف، ليتلقفها حضن أبيها الذي عرفته لأول مرة في حياتها؛ حضنٌ دافئ، حزين، ومليء بالندم.
هو لا يعرف كيف يعبر عن أسفه بالكلمات، ولكن ما فعله وصَل إلى قلبها بوضوح، حتى خانتها دمعاتها وسقطت للمرة الثانية في وداع والديها. استسلمت للحظات في حضنه وكأنها تودع آلام الماضي، قبل أن تستقل السيارة الفاخرة وتغادر، مخلفةً وراءها دمعة أبٍ عرف قيمة جوهرته متأخراً، منطلقةً نحو الطائرة التي ستقلها إلى حياةٍ جديدة، حيث لا مكان فيها للضعف أو الخذلان
...................................
بعد لحظات لم تتعدَّ الساعة، كانت ياسمين تجلس داخل قاعة كبار الزوار؛ حيث تُنهى الإجراءات وتُفحص الجوازات بمنتهى السرعة والخصوصية، بعيداً عن صخب الزحام في الصالات العادية.
بينما كانت جالسة في تلك القاعة الفخمة، تحتسي قهوتها في هدوءٍ لم تعهده من قبل، بانتظار وصول "الشيخة" بصحبة مديرة أعمالها. نظرت ياسمين من خلف الزجاج الشفاف نحو مدرج الطائرات، وشعرت لأول مرة بأن الهواء الذي تتنفسه أصبح أخف، وكأن القيود التي كانت تكبل روحها قد تلاشت مع كل خطوة ابتعدت بها عن باب منزلها.
لم يكن هدوؤها نابعاً من نسيان ما حدث، بل من إدراكها أن صفحة "ياسمين المستسلمة" قد طُويت للأبد، وأن مَن ستصعد تلك الطائرة هي امرأة أخرى، صهرتها النيران فخرجت أكثر صلابة. قطع شرودها صوت خطوات واثقة تقترب، لترفع رأسها وتبتسم بوقار، معلنةً بداية الرحلة التي ستغير مجرى حياتها تماماً
...........................
بينما كانت ياسمين في طريقها لبناء حياة جديدة، كان والداها في تلك اللحظة يخوضان جلسة ثقيلة مع ذلك القادم دون موعدٍ مسبق.
جلس جمال يتحدث بأريحيةٍ مستفزة وكأنه صاحب المنزل، ضارباً بعرض الحائط غضب أصحاب البيت الحقيقيين، الذين راحا يستمعان لعتابه وتبريراته الواهية وهو يبرئ ساحته مما حدث، مستعيناً بتلك الحمقاء التي كانت تؤيده بغبائها المعهود.
قال جمال بنبرة يملؤها الزيف:
ـ "والله لولا تقديري للحالة والوضع اللي أنتم فيه، ما كنت دخلت البيت ده تاني ولا عتبته! معلش يعني، أنا مغلطتش عشان يتجاب الذنب عليا.. بس هعذر ياسمين، هي أكيد كانت مصدومة من فعلة الخسيس خطيبها، إنه يسيبها على آخر لحظة.. منه لله!"
كانت سما تهز رأسها بالموافقة وهي تنظر لوالدها برجاء أن يصدق كلمات جمال، بينما كان رشدي يجلس بصمتٍ مطبق، ونظراته تخترق جمال ببرودٍ غريب؛ ففي عقله كانت تدور صورة ياسمين وهي تحتضنه قبل قليل، وصوتها وهو يحذر من معرفة هذا الشخص بمكانها. أدرك رشدي الآن، وأكثر من أي وقت مضى، كم كان جمال صغيراً جداً مقارنةً بالابنة التي خسر وجودها في البيت بسببه
أما اعتدال فقد كانت أكثر حزماً حين باغتته غير مبالية بكل الحديث الذي مضى، وقالت بنبرةٍ حادة:
ـ "صحيح يا جمال.. مش آن الأوان بقى نتفق على ميعاد الفرح والتفاصيل؟"
ـ "ميعاد الفرح!"
ردد جمال عبارتها بتشتتٍ وارتباك، قبل أن تعيد هي تأكيدها بنبرة لا تخلو من تقريع غير مباشر:
ـ "أيوة طبعاً ميعاد الفرح، ولا أنت نسيت؟ شهور وأنت داخل خارج على البيت، وزي ما فهمتنا من البداية إنك جاهز، يبقى فاضل إيه بقى على كتب الكتاب والدخلة؟ لو على دراستها، تكمل سنتها الأخيرة وهي في بيتك، مش ده كان اتفاقنا برضه من البداية؟"
ساد الصمت الغرفة، وشعر جمال بأن الأرض بدأت تميد من تحت قدميه؛ فقد كان يظن أن انشغال العائلة بمصيبة "ياسمين" سيمنحه وقتاً إضافياً للمراوغة، لكنه وجد نفسه الآن أمام "اعتدال" أخرى، امرأة تضع النقاط على الحروف وتطالبه بالوفاء بوعوده الاولى قبل ان يغير نظرته ويعيد التفكير في العروس
تلك التي تجلس الان جواره وقد اشرق وجهها لتؤيد والدتها بانبهار مستفز كعادتها:
ـ أيوة صحيح يا جمال، انا عيني على حتة فستان يجنن، اكيد هيبقى روعة عليا لما البسه يوم فرحنا.
..................................
داخل الطائرة بأجوائها الفاخرة التي تعيشها ياسمين لأول مرة، كانت تتلقى الترحيب الحار من "الشيخة" الجميلة التي تستضيفها، والتي لم تكف عن الحديث معها لطمأنتها وتبديد قلقها:
ـ "حبيبتي ياسمين، لا تتقيدين في يلستج.. خذي راحتج، تراهي الطيارة مجهزة ومخصصة لهالشي. اشربي مشروبج واستمتعي، ولا تستحين من شي، إنتي مبدعة وهذا مكانج الطبيعي."
ردت ياسمين بابتسامة مرتبكة:
ـ "مبدعة مرة ثانية يا شيخة؟ اللي يسمعك ياخذ فكرة إني عاملة شيء عظيم، وأنا مجرد وحدة بتصمم وتصنع شنط."
ضحكت الشيخة العنود برقي وهي ترفع الحقيبة اليدوية المجاورة لها:
ـ "وهل هالجمال يُستهان به؟ شنطة 'هاند ميد' بهالفخامة وبهالمتريال العالي! نحن يا ياسمين مش بس بنكتسح السوق الخليجي، نحن بنغزو أوروبا وبننافس أكبر البراندات العالمية. كلمة 'مبدعة' تراها قليلة في حقج، وباجر بتذكرين كلام العنود."
ردت ياسمين بتنهيدة تحمل التمني:
ـ "يارب.. يسمع منك يارب، وأتمنى الكلمات اللي سمعتها منك دي في الطيارة تفضل ترن في راسي مع كل خطوة فيها نجاح."
ـ "عيل، وخذي هالبشارة بعد عشان تسوي ذكرى ما تنتيحي."
قالتها الشيخة وهي تشير بإصبعها نحو الخلف، لتلتفت ياسمين وتفاجأ بآخر شيء كان يمكن أن تتوقعه؛ أجواء احتفالية من المضيفين، ورجلٌ لم تكن تتخيل في أقصى أحلامها أن تراه هنا..
عبد الرحمن!
............................
عودة إلى الأجواء المشحونة داخل منزل رشدي، الذي نفض عنه غبار الشرود والحزن على رحيل ابنته، ليتحول إلى حالة من التحفز التام وهو يتابع المناقشة الحامية بين زوجته وجمال.
كان جمال يراوغ بحديثٍ واهٍ لا ينطلي حتى على طفل صغير، محاولاً التملص من حصار اعتدال.
ـ "بقولك الشقة لسه محتاجة تشطيب يا حماتي! هو أنا بتكلم إنجليزي ولا هيروغليفي؟"
ردت اعتدال بنبرة حادة كالسيف:
ـ "يا بني ما أنت كنت بتقول إنها جاهزة، وأخدتنا بنفسك وشوفناها!"
ارتبك جمال للحظة لكنه استطرد بمراوغة:
ـ "أيوة.. بس ناوي أعمل فيها حاجات تانية، ودي هتاخد وقت."
هنا، لم يستطع رشدي الصمت أكثر من ذلك، فتدخل بلهجة أظهرت انفعاله المكتوم وسخطه:
ـ "وقت إيه بالظبط اللي تاخده يا جمال؟ ما تنطق من الآخر وتقول السبب الحقيقي اللي مخليك تأجل.. لأن بصراحة ولا كلمة من اللي قلتها دخلت دماغي!"
شعر جمال بزيادة الحصار عليه؛ فرشدي لم يعد ذلك الأب المستسلم، واعتدال باتت تطالبه بحق ابنتها سما التي كانت تتابع الموقف بلهفة لعلها تسمع موعداً لتنفيذ ما برأسها من خطط لذلك اليوم المميز
حاول جمال تغيير دفة الحديث بابتسامة صفراء غير مفهومة، محاولاً استغلال "الوتر الحساس" للعائلة:
ـ "الله! حتى أنت كمان يا حمايا؟ في إيه يا جدعان؟ مالكم النهاردة شادين السلخ عليا كده؟ طيب حتى راعوا البنية اللي خطوبتها اتفسخت قبل ما تتم.. هي فين صحيح؟ أنا عايز أشوفها وأتأسف لها."
كان يقصد ياسمين، ظناً منه أنها ما زالت منكسرة في غرفتها،
ـ "ما تقومي يا سما اندهي أختك خليها تخرج من أوضتها، أكيد مقهورة.. حرام والله اللي بيحصل معاها ده!"
همّت سما أن تنهض بالفعل لتنفيذ أمر خطيبها، إلا أن صوت والدتها أوقفها قبل أن تتحرك خطوة واحدة، وبسخرية لاذعة قالت:
ـ "لا شاطرة قوي وبتسمعي الكلام! أختك لا قاعدة في الأوضة ولا في البيت من أساسه."
سقطت سما جالسةً مرة أخرى وهي تسأل بذهول:
ـ "أمال راحت فين يا ماما؟ رجعت تاني الشغل؟"
جاء الرد من أبيها هذه المرة، صاعقاً وحاداً:
ـ "ما أنتِ لو عندك دم وسألتي على أختك، كنتِ عرفتي إنها سابت البلد كلها وسافرت! سافرت من غير ما تودعك عشان حضرتك مابتسأليش."
وقبل أن تستوعب سما حالة الذهول التي سيطرت عليها، سبقها جمال بانفعالٍ هستيري لم يستطع كبحه:
ـ "هي مين اللي سافرت؟ وسافرت فين إن شاء الله؟ وإزاي تسافر من غير ما نعرف؟!"
التفتت إليه اعتدال، وبنظرة مفحمة وجرأة لم يعهدها منها، قالت بجماة واحدة ألجمته:
ـ "وأنت مالك؟"
اختنق جمال من الرد، لكن سما تدخلت بحماقتها المعهودة لتدافع عن "منصب" خطيبها:
ـ "إزاي يعني هو ماله؟ طيب وأنا؟ أختي تسافر من غير ما تقولي؟"
خرجت ضحكة ساخرة مريرة من صدر رشدي وهو ينظر لابنته بأسى:
ـ "دلوقتي يا اختي عرفتي إنها أختك
في تلك اللحظة، فقد جمال السيطرة على أعصابه بسبب الأسلوب المتعمد من الاثنين، فصاح بهما بنبرةٍ غاضبة:
ـ "جرى إيه؟ هو سر حربي؟ ولا إحنا أعداء وهنأذيها؟ دي أختها وأنا خطيب أختها!"
قابلت اعتدال صيحته بحزمٍ تام هذه المرة، ووقفت أمامه كأنها تسد عليه كل ثغرات المراوغة:
ـ "اسمع يا بني.. من الآخر كده أنت ميخصكش غير خطيبتك اللي قاعدة جنبك دي. بنتي التانية لا هي أختك ولا تخصك أصلاً! ليك دعوة بس باللي هتتجوزها، وإحنا بنخيرك دلوقتي تحدد ميعاد.. يا كدة يا نفضها سيرة!"
برزت عروق وجه جمال، وشعر بأن اللعبة انتهت؛ فلا ياسمين موجودة ليطاردها، ولا سما عادت "الجسر" المريح الذي يستغله. صرخ بجملته وهو ينهض فجأة متوجهاً نحو الباب:
ـ "نفضها يا ستي!"
غادر المنزل بحالة من الغضب الهستيري، تاركاً الثلاثة في حالة من الذهول وعدم التصديق؛ فقد ألقى بكل وعوده و"حبه" المزعوم في لحظة واحدة، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة ليهرب من مسؤولياته
..........................
كان الأمر أشبه بالحلم حين تفاجأت بـ عبد الرحمن معها في الطائرة نفسها، مرتدياً حلةً أنيقة كعادته، يحمل بين يديه باقةً من الزهور الفواحة، ويقترب منها وخلفه مضيفتان؛ واحدة تحمل علبةً مغلفةً بأناقة، والأخرى تحمل قالب "كيك" مزيناً بطريقة رائعة.
نظرت ياسمين نحو الشيخة بتساؤلٍ ودهشة، فأجابتها الأخيرة ضاحكة بلهجتها الإماراتية:
ـ "أنا مالي خص.. هو اللي شبط فيّ! لقيته محب وغلبان وقررت أركبه معانا الطيارة، دام إنه كدة كدة بيشتغل معانا."
التفتت ياسمين إليه برأسها سريعة، ليتحدث هو بنبرة هادئة وواثقة:
ـ "معلش، لو تسمحي لي أبقى عضو في فريق تسويق البراند الجديد يا ياسمين.. ده لو ما يزعلكيش يعني."
ردت عليه بسخرية لم تخلُ من بريق الفرح في عينيها:
ـ "يعني أنت جاي عشان الشغل؟!"
ابتسم عبد الرحمن وهز رأسه ببطء، قبل أن يمد إليها باقة الزهور قائلاً بنبرةٍ اخترقت حصونها
ـ ـ "لا.. أنا جاي عشان أقدم اعتذاري، وأطلب السماح من 'عطر الياسمين'.. إنه يحنّ عليا ويرضى يديني فرصة تانية في الرجوع."
بشيء من الأسى، اختفت الضحكة من على فم ياسمين بتذكرها سبب الانفصال المرير، ففهم عبد الرحمن ما يدور بخلدها، وسارع بطمأنتها بنبرة يملؤها الصدق:
ـ "وقسماً بالله ما هيحصل اللي في مخك يا ياسمين.. أنتِ أصلاً فوق مستوى الشك حتى لو كان الأمر مش بإيدك. أنا مقدر مخاوفك، بس عايز أطمنك إني بعد ما فكرت كويس، عرفت إني لا يمكن أقدر أسيبك ولا أتخلى عنك مهما كانت ظروفك."
مرت لحظة من الصمت بينهما، وهي تطالعه بتردد وتبحث في عينيه عن الأمان، والشيخة العنود من الناحية الأخرى تتابع الموقف بصبرٍ بدأ ينفد، فتدخلت بلهجتها المحببة:
ـ "يلا يا ياسمين.. اعطفي على حال الغلبان، وعلى ضمانتي الشخصية! يلا خلينا نسوي الخطوبة ونفرح بكلمة 'تم'."
هنا انفجرت ياسمين ضاحكة، وكأن الضحكة غسلت كل أحزان الماضي:
ـ "نعمل الخطوبة هنا في السما؟ فوق السحاب؟"
كانت ابتسامتها بمثابة بشرى التقطها عبد الرحمن بلهفة:
ـ "يا ستي عشان نبقى مميزين.. بس قولي آه!"
ضحكت العنود تؤيده بحماس:
ـ "قالها لج يا ياسمين.. قولي آه وريحينا!"
في تلك اللحظة، جاء ردها أخيراً لتنير دربها بضحكة صافية:
ـ "آه.. موافقة."
صدحت على الفور أصوات الزغاريد من المضيفات، وتقدمت المضيفة بالعلبة المغلفة، ليتناولها منها عبد الرحمن ويخرج خاتم الخطوبة الماسي الذي يلمع كبريق عيني ياسمين، ثم أعطاها دبلته الفضية لتلبسها في إصبعه. انحنى عبد الرحمن برقيّ، وضم كفها بين يديه مقبلاً رأسها بتقديرٍ فائق، وسط أجواء احتفالية صاخبة من العنود والعاملين معها، قبل أن يتشاركا في تقطيع قالب الحلوى، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتهما؛ حياة عنوانها الثقة، وبدايتها من أعلى نقطة في السماء
....... تمت .....
