رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير

رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير

رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة دينا المعداوي رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير

رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير

رواية منقذي وسجاني حاتم وصبا من الفصل الاول للاخير

يقف قصر عائلة المرسي كشاهد صامت على عقود من السيطرة والنفوذ في عالم الصناعة.
لم يكن مجرد منزل للسكن، بل كان صرحاً يعكس هوية العائلة التي تملك أكبر مصانع الحديد المسلح في البلاد.
البناء بحد ذاته يوحي بالصلابة؛ واجهات رخامية ضخمة، وأعمدة شاهقة تتحدى الزمن، وكأنها استُمدت من قوة المعدن الذي تصنعه العائلة.
​عند تجاوز البوابات الحديدية العملاقة، يمتد طريق طويل يقطعه الزائر بين مساحات خضراء شاسعة ومنسقة بدقة متناهية، الحديقة هنا لا تعرف الفوضى، فكل شجرة وكل شتلة وُضعت في مكانها لتعطي انطباعاً بالنظام الصارم الذي تدار به إمبراطورية المرسي.
وفي المساء، تنعكس أضواء القصر الخافتة على حمامات السباحة والممرات الحجرية، لترسم لوحة تجمع بين الهدوء والهيبة.
​من الداخل، يتميز القصر باتساع مذهل وسقوف مرتفعة تمنح شعوراً بالفخامة المطلقة.
الأرضيات الرخامية اللامعة تعكس تفاصيل الأثاث الكلاسيكي الذي تم اختياره بعناية من أرقى دور التصميم العالمية.
ورغم فخامة المكان، إلا أن هناك بروداً يسيطر على الأجواء؛ فالمكان يفتقر إلى ضجيج الحياة اليومية المعتاد، ليحل محله وقار يفرض على الجميع خفض أصواتهم بمجرد الدخول.
​في قلب القصر، يقع المكتب الكبير، حيث تُدار الصفقات وتُؤخذ القرارات المصيرية.
وخلف المكتب، تبرز لوحة زيتية ضخمة للمرسي مؤسس العائلة، تنظر عيناه بحدة إلى كل من يخطو داخل الغرفة، وكأنه يذكرهم بأن هذه الإمبراطورية بُنيت بالجهد والحديد، وأن الحفاظ عليها يتطلب قوة لا تلين.
في غرفتها التي تشبه أجنحة الأميرات، كانت تغط في نوم عميق لولا صوت هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين.
سحبت الهاتف بكسل من فوق الكومودينو الرخامي، لتجد اسم معتز يضيء الشاشة.
​أجابت بصوت ناعس يقطر دلالاً وتذمراً في آن واحد
=يا باي يا معتز حد يصحي حد كدة؟ لسه بدري أوي.
​جاءها صوت معتز الضاحك من الطرف الآخر يحثها على النهوض
=بدري من عمرك يا دوده، انتي ناسية دي محاضرة مين ولا ايه، اخلصي يلا عشان منتطردش انا وانتي.
=نتطرد مين يابني اتكلم علي نفسك، انت متعرفش انا بنت مين ولا ايه؟
استمعت الي أصوات ضحكاته المرتفعه، وهو يقول بإستسلام
=لا في دي عندك حق، ده كفايه انكم صحاب الجامعه اساسا، بس يلا ياستي خلينا نخلص
مررت يديها علي وجهها، قبل أن تغلق الخط وهي تزفر بضيق طفولي.
نهضت غدران، وبدأت طقوسها اليومية أمام المرآة. هي تعلم جيداً أثر جمالها، وتعلم أن قوامها الأنثوي الطاغي هو مصدر قوتها ومشكلاتها في آن واحد، لكنها لم تكن تهتم؛ كانت تحب أن تكون نفسها.
اختارت ملابسها بعناية جريئة تعكس تمردها الهادئ؛ ارتدت تنورة جلدية سوداء قصيرة جداً، وفوقها بلوفر بلون أحمر قاني يبرز لون بشرتها، وانتعلت حذاءً طويلاً أسود يصل لركبتيها.
​وقفت أمام المرآة تضع لمسات الميكب الأخيرة بهدوء، ثم أمسكت بزجاجة عطرها الغالية ورشت منها بسخاء مبالغ فيه، حتى فاحت رائحة الأنوثة في أرجاء الغرفة.
وقبل أن تغادر متجهة إلى كليتها التي اختارتها عن حب لعالم الطهي، قررت أن تمر على عرين الأسد.
​سارت في الردهة الطويلة بخطوات واثقة، وطرقت باب غرفة والدها حسين المرسي برقة.
فتحت غدران الباب الخشبي الضخم لجناح والدها بهدوء، كانت رائحة عطرها تسبقها وهي تتمايل بملابسها الأنيقة، وحذائها يصدر صوتاً خفيفاً مع كل خطوة.
سارت نحو السرير الملكي حيث يرقد حسين المرسي، الرجل الذي يرتعد له سوق الحديد، لكنه أمامها لم يكن سوى والدها الذي يغرقها بالدلال.
​انحنت عليه، وشعرها ينسدل بجانب وجهه، وقالت بنبرة عابثة ممزوجة بالضحك:
=بابا.. يابوب، كفاية كسل بقي ويلا صباح الفل.
​لم يتحرك، ولم يفتح عينيه كالعادة ليرد عليها بابتسامة حانية. ظنت أنه يمازحها، فمدت يدها الرقيقة لتمسك بيده وتشدها بمرح
=اصحي بقى يا حبيبي، والله معتز هينفخني على التأخير ده، مش عايزة نكد على الصبح.
​بمجرد أن تلامست أصابعها مع كفه، تجمدت الدماء في عروقها.
كانت يده صلبة، وباردة برودة مخيفة، وكأنها قطعة من حديد مصانعه في ليلة شتاء قاسية.
سحبت يدها بسرعة وهي تشعر بقشعريرة تضرب عمودها الفقري، وبدأ صوتها يهتز
=بابا؟ بلاش الهزار ده.. بابا رد عليا.
​بدأت تهزه بخفة في البداية، ثم تحول الأمر إلى ذعر وهي تمسك بكتفيه وتحاول رفعه
=بابا! فتح عينك يا حبيبي! أنت سامعني؟
ومع كل هزة، كان جسده يتحرك معها كأنه جماد، بلا روح.
هنا انطلقت منها صرخة مدوية هزت أركان القصر الهادئ، صرخة رعب حقيقية وهي تنادي عليه باسمه مجرداً من الألقاب، والدموع تنهمر بغزارة لتمتزج بالكحل الأسود على وجنتيها.
​في تلك اللحظة، اقتحم صلاح الغرفة في حالة من الفزع، كانت أنفاسه متلاحقة وهو يرى ابنة عمه منهارة فوق السرير.
اقترب منها بسرعة وسألها بذهول
=في إيه يا غدران؟ ماله عمي؟
​لم تستطع الرد، كانت فقط تشير بيدها المرتجفة وتشهق بنحيب يقطع القلب.
وضع صلاح يده على عنق عمه، يبحث عن نبض، عن أمل، لكنه وجد الصمت التام.
تراجع خطوة إلى الوراء، وملامحه الصارمة انكسرت أمام الحقيقة المرة، وقال بصوت خافت متهدج:
البقاء لله يا غدران.
​اشتعلت النيران في صدر غدران، واندفعت نحوه تدفعه في صدره بكل قوتها وهي تصرخ في وجهه بجنون
=أنت كداب! أنت بتقول إيه؟ بابا عايش هو بس تعبان شوية ومش عايز يصحى دلوقتي!
​عادت لترتمي فوق صدر والدها، تدفن وجهها في ثيابه وتصرخ بمرارة
=قوم يا بابا.. بالله عليك متسبنيش لصلاح ولا لأي حد.. قوم قولهم إنك لسه موجود.. أنا غدران يا حبيبي، حبيبتك غدران!
سحبها صلاح بكل قوته خارج الغرفه، تحت صراختها المهلهله، وهي تخدش يداه حتي يبعد عنها
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وعلى الجانب الآخر من المدينة، حيث لا تقل السطوة ولا يقل الثراء، كان قصر العطار يقبع في سكونه المهيب، منافساً قوياً لكل ما تملكه عائلة المرسي.
إذا كان قصر المرسي هو حصن الحديد، فإن قصر العطار هو مملكة الذهب والرخام، مكان لا يُبنى بالأسمنت فحسب، بل يُبنى بالتاريخ والسيادة.
​كان القصر يمتد على مساحة شاسعة، تحيط به أسوار عتيقة مكسوة بنباتات الزينة التي شُذبت بدقة مبالغ فيها.
التصميم المعماري للقصر كان يميل إلى الفخامة الكلاسيكية التي لا تفقد بريقها؛ بوابات أوتوماتيكية صامتة تفتح لتدخل السيارات الفارهة إلى ممر مرصوف بالجرانيت الوردي، وعلى جانبي الطريق تتمايل أشجار النخيل العالية كحراس شخصيين للمكان.
​السكون في قصر العطار كان من نوع خاص، سكون يجعلك تشعر أن كل شيء هنا مراقب.
لا توجد حركة عشوائية، ولا أصوات مرتفعة.
حتى الخدم كانوا يتحركون مثل الأشباح فوق الأرضيات الرخامية التي تلمع لدرجة أنك ترى انعكاس وجهك فيها بوضوح.
الثريات الضخمة التي تتدلى من الأسقف المذهبة كانت تنشر ضوءاً أصفر دافئاً يغمر اللوحات الفنية التي تقدر بالملايين والموزعة بدقة على الجدران.
​كان الهواء داخل القصر مشبعاً برائحة العود الأصلي، وهي الرائحة التي ميزت آل العطار لسنوات طويلة.
كل زاوية في هذا المكان كانت تنطق بالفخامة المريحة ولكن الحذرة؛ فالمقاعد الوثيرة والستائر المخملية الثقيلة لم تكن موجودة لمجرد الزينة، بل لتمتص أصوات المؤامرات والاتفاقات التي تُعقد خلف هذه الأبواب المغلقة.
في الجناح الرئيسي لقصر العطار، كان الصمت يفرض سيطرته كالعادة، هدوء لا يقطعه إلا صوت قبلات أنس المرتفعة لـحليمة التي كانت تبادله القبلات بشغف وهوس تخطى كل الحدود.
كان أنس يحيط خصرها بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إليه ليلتصق جسداهما بقوة، بينما كانت هي تلتف حوله كأنها لبلاب، يداها تتغلغلان في شعره وتجذبانه نحوها بمطالبة لا تهدأ.
تراخت قبضته عليها قليلًا، لا انسحابًا، بل اقترابًا أعمق.
انحنى برأسه حتى لامس جبينه جبينها، أنفاسهما تختلط ببطءٍ متعمّد، كأن كلًّا منهما يتذوّق الآخر قبل أن يلمسه.
رفعت حليمة يدها هذه المرة بهدوء، مرّرت أناملها على عنقه، نزولًا إلى صدره، لمسة بطيئة مشتعلة، جعلت أنس يغمض عينيه للحظة، كأن جسده يسبق عقله.
همست قرب شفتيه، صوتها ناعم دافئ
=أنس
فتح عينيه، ونظر إليها نظرة طويلة، نظرة رجلٍ يعرف أنه ضائع... لكنه مستمتع بالضياع.
اقترب أكثر، حتى لم تعد هناك مسافة تُذكر، شفتيه قريبتان منها حدّ الوجع، لكنه تأخّر عمدًا، يعذّب اللحظة.
وضعت كفّها على خده، أجبرته أن يكمّل ما بدأه، فاستسلم أخيرًا، قبلة بطيئة عميقة، لا تهوّر فيها، بل شغف يتراكم، يشتعل، يتسلّل بهدوء قاتل.
التقط شفناها يقبلها برغبه فقط، غير مختويه علي حب او دفئ،حتي استمع الي صوتها المتقطع بين تنفسها المرتفع
=انس انا عايزه اخلف تاني اه
صرخت في نعاية حديثها عندما شعرت بيديه التي تقبض بقوه علي شعرها، وهو يصيح بغضب
=هو ده بقي الي امك كانت بتوشوك فيه امبارح لما دخلت عليكي، تربطيني بعيل تاني يامره مش كده؟
ابتلعت ريقه برعب من تحوله لتقترب منه جالسه عاي قدميه بجسدها العاري، وهي تقول بدلال
=هو انا لما اعوز اخلف من جوزي حبيبي ابقي دي نصايح
كانت تاحدث وهي تمرر يديها علي صدره العاري ولكنه اوقفها وهو يتحدث بغضب
_وساخة نسوان مش عايز، انا مش عيل قدامك يامره، انا عارف كويس اوي انتي عايزه ايه انتي وامك، ومش هنولهالك يا حليمة عليا الحرام، بطنك لو شالت تاني لكون منزلهولك وبايدي، مش عشان عدتهالك اول مره هتسوئي فيها.
اظهرت وجهها الحقيقي، مبتعدا عن الحب المزيف، لتقول بصياح
_وده ليه يا انس ايه مشبهش؟
_عليا الحرام كلمة كمان واقطعلك لسانك وابلعهولك، ماتظبطي يا مره مالك علي الصبح؟ هو لازم بعد ميتين ام مره ادخلك فيها تصدعي ميتين امي؟
قال اخر حديثه مع استماعه الي صوت طرقات علي الباب، مع استماعه الي صوت حسن صغيره:
=انس، خلص خناق بقي، انا مستنيك من بدري
دفعها بغضب، واشعل سجارته، وهو يقول بغضب
=اخفي علي جوه عشان ادخل ابنك
زفرت بغضب، ولفت مفرش الفراش علي جسدها العاري ودخلت الي الحمام سريعا، وانحني انس يلتقط ثوبه الداخلي ارتداه سريعا، وفتح الباب الي ابنه الذي دخل الغرفه، وهو يقول بغضب
=انا هتأخر بسببك يا أنس، والمديره هتزعق
زفر انس سجارته، وهو يقول بهيبه
=مين دي الي تزعق لحسن العطار يلا؟ انت راحت منك ولا ايه؟ اركز كده والمره الي تعلي صوتها عليك اقطعلها لسانها.
غمز له حسن، وهو يقول بفخر
=بيحصل يامعلم عيب عليك، بس عليت التون انت النهاردة مكنتش عارف انام من صوتكم
نظر له انس بصدمه وهو يقول بلا تصديق
=هخخخ انت طلعت تربية وسخه كده لمين يلا
=لا ده اجابته عندك يامعلم، انا هنزل اصبح علي صفصف، وانت البس بسرعه عشان متأخرش علي لوجي
قال وهو يغادر الغرفه، لينظر له انس بصدمه، وهو يقول بعدم تصديق
=لوجي؟ الولا لحق يشقط؟
أنهى أنس ارتداء ملابسه بسرعة، غلف جسده بقميصه الفاخر وسترة بدقّة لا تعكس بركان الغضب المشتعل بداخله.
رشّ عطره القوي وكأنه يحاول التخلص من رائحة حليمة وهوسها الذي بدأ يخنقه، ثم هبط الدرج الرخامي بخطوات ثقيلة لها رنين مسموع في أرجاء قصر العطار الصامت.
في غرفة المعيشة، كانت صفية أو صفصف كما يناديها الجميع، تجلس بوقارها المعتاد، وسجادة الصلاة مطوية بجانبها، بينما كان الصغير حسن يجلس بجوارها يعبث بهاتفه.
بمجرد رؤيتها، انحنى أنس بهيبته المعهودة وقبّل يدها بخشوع، قائلاً بصوت رخيم
= صباح الخير يا صفصف
لم تكد صفية ترد، حتى قفز حسن من مكانه وقال وهو يعدل هندامه بتقليد أعمى لوالده
= أنا هطلع أستنى مع السواق يا أنس متغيبش عشان لوجي بتزعل.
غمز لوالده وغادر الغرفة ركضاً، لتنظر صفية في أثره بابتسامة باهتة سرعان ما اختفت وهي تنظر لابنها أنس الذي جلس بجوارها بملامح متخشبة. تنهدت صفية بعمق وقالت بنبرة عتاب
= مزعل بنت عمك ليه يا أنس؟ حرام عليك يا ابني، ده انتو مش بتلحقو تتصالحو، والبيت كله بيسمع حسكم كل يوم.. ليه القسوة دي؟
زفر أنس دخان سيجارته بعنف، والشرر يتطاير من عينيه، وقال بغضب مكتوم
= أما أنا مش ناقصك بالله عليكي .. هو الصبح متفصل على نكد حليمة وكلامك؟
وضعت صفية يدها على كتفه وقالت بتعب
= يا ابني حرام عليك، البنت بتحبك، مش عايز تخاوي ابنك ليه؟ البيت كبير ومحتاج عزوة، وحليمة من حقها تبقى أم تاني.
هنا انفجر أنس، ووقف فجأة وهو يصيح بعصبية هزت جدران الغرفة:
= أنا سمعت ميتين أم كلامكم واتجوزتها عشان أم الوصية اللي معرفش سببها لحد دلوقتي! اتجوزتها وأنا حالف ما هتجوز غير لما أرجع حق أبويا من ولاد الوسخة دول!
واستطرد وهو يلوح بيده بجنون
= ومع ذلك فتحت بيتي ودخلتها، راحت عملت ايه؟ لعبت من وره ضهري أول مرة لما بطلت البرشام من غير ما أعرف، وشالت حسن، وانا طلقت ميتين امها، وانتي اللي خلتيني أردها عشان الولا، يبقى خلاصصص خلصنا.. اللي حصل مرة مش هيحصل التانية يا صفية، أنا مش هربط نفسي بيعل تانية من ست كل همها هي وامها فلوسي!
حاولت صفية أن تهدئه وهي تمسك بيده بصوت مرتعش
= يا أنس يا ابني، الظلم وحش، والبنت مالهاش ذنب في الي ابوها عمله، دي بنت عمك ولحمك..مين قال بس انها طمعانة في فلوسك.
قاطعها بصوت أجش وعيون محقنة بالدماء
= لحمي اللي باعتني عشان خاطر قرشين! وابوها الي باع اخوه مع ابن العر* التاني وقتلة بصدمته، اما انتي غلبانة ومش فاهمة الحركات الوسخه بتاعتهم دي يبقي سيبيني انا اتعامل معاهم، عشان انس العطار دكر، ومش هيسمح لست، مهما كانت هي مين، إنها تسحبني من رقبتي.. حليمة لزمتها في أوضتي وبس، غير كدة مسمعش صوتها، ولا أسمع سيرة الخلفة دي تاني وإلا ورب العرش ما هيطلع عليها نهار هي علي اسمي!
تركها وخرج متوجهاً لسيارته، تاركاً خلفه صفية تضرب كفاً بكف، وأصداء صوته الغاضب لا تزال ترجف لها القلوب في أرجاء القصر.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد السواد أرجاء قصر المرسي، وتحول البهو الفسيح الذي كان ينطق بالعز إلى سرادق عزاء يضج بالنفاق والهمسات.
كانت غدران في عالم آخر، جسدها المنهك يرتعش فوق المقعد المخملي، وعيناها اللتان لم تعرفا النوم غرقتا في بحر من الدموع التي غسلت ملامحها تماماً.
​بجانبها، كان معتز يجلس بوفاء نادراً ما يوجد في هذا الوسط، يمسك بيديها الباردة ويطبطب عليها بحنان، يهمس لها بكلمات يحاول بها ترميم روحها المنكسرة
= اهدي يا غدران، ادعيله بالرحمة يا حبيبتي.. هو في مكان أحسن دلوقتي، لازم تجمدي عشان خاطره.
​لم تكن تسمعه، كانت فقط تنظر للفراغ بذهول، وكأنها تنتظر أن يدخل والدها من الباب ويخبرها أن كل هذا مجرد كابوس ثقيل.
​على الجانب الآخر، كان صلاح يقف ببدلته السوداء، يوزع نظرات الحزن المصطنعة على المعزين، يمسح جبهته بمنديله وكأنه يداري عبراته، لكن قلبه من الداخل كان يرقص طرباً.
كان يشعر بوزن مفاتيح الإمبراطورية في جيبه، ويتخيل ملايين الأطنان من الحديد وهي تتحول إلى أرقام في حساباته البنكية.
​وفجأة، تسمر صلاح في مكانه. تجمدت الدماء في عروقه وهو يرى سمر تدخل من بوابة القصر، تمشي بخيلاء لا يناسب جلال الموت.
اقتربت منه ببرود، وقالت بصوت مسموع لمن حولها وهي تمد يدها بتمثيل متقن
= البقاء لله يا أستاذ صلاح.. شد حيلك.
​صافحها صلاح بسرعة وهو يلتفت حوله بذعر، سحبها إلى ركن بعيد بعيداً عن الأعين، وهتف بهمس مرتجف
= أنتي إيه اللي جابك هنا؟ أنتي اتجننتي؟ عايزة تخربي كل حاجة؟
​ابتسمت بسخرية لاذعة، واقتربت من أذنه لتقول بهمس يشبه فحيح الأفاعي
= جاية أعزيك،قصدي جاية أبارك لك،مبروك عليك الورث يا زوجي العزيز.
​لمعت عينا صلاح ببريق غادر، ونظر حوله بخوف من أن يلتقط أحد كلمتها الأخيرة، ورد بسخرية مكتومة
= لسه يا حبيبتي.. لسه بدري على المباركة. الخطوة الأخيرة لسه مخلصناش منها.
​قال جملته الأخيرة وهو يوجه نظره نحو غدران المنكسرة في حضن معتز.
تتبعت زوجته نظراته، واشتعل الحقد في عينيها وهي تنظر لجمال غدران حتى وهي في قمة انهيارها، وقالت بنبرة تقطر سماً
= سهلة.. زي ما قتلت أبوها، تقتلها هي كمان ونخلص.
​نظر إليها صلاح بنظرة طالت لثوانٍ، نظرة لم تنكر الفكرة، بل كانت ترتب لشيء أكثر سواداً من ثياب العزاء التي يرتديها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
انقضت مراسم العزاء الثقيلة، وغادر المعزون قصر المرسي مخلفين وراءهم صمتاً أكثر وحشة من ذي قبل.

كانت غدران لا تزال قابعة في مكانها، عيناها متورمتان وجسدها لا يكاد يحملها.

بجانبها وقف معتز الذي رفض المغادرة إلا بعد أن يطمئن عليها، لكن صلاح اقترب منهما ببرود، وعيناه تلمعان بمكر لم يستطع إخفاءه تماماً.

​قال صلاح بنبرة حادة وجهها لمعتز

= شكر الله سعيك يا معتز، كتر خيرك لحد كدة.. غدران في وسط أهلها ودلوقتي محتاجة ترتاح، اتفضل أنت.

​نظرت غدران لمعتز بنظرة توسل، لكن معتز ضغط على يدها بخفة وهو يهمس لها

= هكلمك بالليل يا غدران.. خلي بالك من نفسك.

​بمجرد خروج معتز، التفت صلاح لغدران، وبدلاً من المواساة، كانت نبرته قد تغيرت تماماً لتصبح نبرة الآمر الناهي

= اطلعي أوضتك يا غدران، وحاولي تنامي بدري عشان بكره المحامي هيجي عشان الورث.

نظرت له بصدمه، لتقول بلا تصديق

=ورث ايه الي بتكلم عليه دلوقتي؟ ده بابا مكملش يومين ميت؟

=بقولك ايه انا مش فاضي لأحاسيسك دي، الورث هيتوزع بكره عشان كل واحد ياخد حقه، وبعد كده لينا كلام تاني.

​تركها صلاح وغادر نحو المكتب الكبير، مكتب والدها الذي لم يكن يجرؤ أحد على دخوله في حياته، بينما كانت سمر تقف بعيداً تراقب غدران بنظرات حاقدة وتوعد بالانتقام.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل أنس العطار إلى مقر شركته، ذلك الصرح الزجاجي العملاق الذي يتوسط حي المال والأعمال، مبنى يرتفع ناطحاً السحاب، يعكس لونه الأسود القاتم هيبة صاحبه وصرامته.

بمجرد أن وطأت قدماه البهو الرئيسي، انتفض الموظفون من أماكنهم، وساد صمتٌ مطبق لم يقطعه سوى صوت حذائه الجلدي وهو يضرب الأرضية الرخامية المصقولة.

​استقل المصعد الخاص إلى الدور الأخير، حيث يقع مكتبه الذي يشبه غرفة العمليات الحربية.

مكتب شاسع، جدرانه زجاجية تكشف القاهرة بأكملها تحت قدميه، وأثاثه من الجلد الطبيعي الفاخر الذي تفوح منه رائحة القوة والسيطرة.

​جلس أنس خلف مكتبه الضخم، وفتح ملفاً أمامه وبدأ يوقع الأوراق بتركيز شديد.

لم تمر دقائق حتى طُرق الباب، ودخل وائل، ذراعه اليمين والرجل الذي لا يأتمن غيره على أسراره.

كان وائل يبدو مضطرباً، وخطواته لم تكن بثباتها المعتاد.

​وقف وائل أمام المكتب، وظل صامتاً لثوانٍ وهو يفرك يده بقلق، حتى رفع أنس عينيه إليه وقال بنبرة آمرة

= في إيه يا وائل؟ واقف كدة ليه؟

​تنحنح وائل وقال بتردد

=عندي خبر مش عارف هيكون حلو ولا لا، بس لسه واصلني دلوقتي وأنا على الباب.

​توقف أنس عن الكتابة، ووضع القلم ببطء، ثم سحب نفساً من سيجارته وسأله ببرود

= خبر إيه؟ خلص يا وائل.

​نظر إليه وائل بقلق وقال بصوت خفيض

= حسين المرسي مات امبارح الصبح.

​توقفت يد أنس في الهواء وهي في طريقها لنفض رماد السيجارة.

تجمدت ملامحه تماماً، وساد صمتٌ ثقيل في الغرفة لدرجة أن صوت أنفاس وائل كان مسموعاً.

نظر أنس إلى وائل بصدمة لم يستطع مواراتها خلف قناع الجمود، ثم سأله بصرامة وحدة

= مات؟ مات إزاي؟

​رد وائل وهو يقترب خطوة:

= بيقولوا سكتة قلبية مفاجئة وهو نايم،والجنازه خلصت من شويه، الراجل بتاعنا الي هناك لسه قايلي.

القى المطفئة التي كانت انامه بقوه، حتي تهشمت انتفض من خلف مكتبه بعنف أدى إلى تراجع الكرسي الجلدي واصطدامه بالحائط بقوة.

ألقى بالسيجارة من يده ثم قبض على حافة المكتب الرخامي حتى ابيضت مفاصله، وصاح بصوت يشبه زئير جريح

_مات! مات قبل ما ارجع حقي وحق ابويا منه!

​بدأ يذرع المكتب ذهاباً وإياباً بخطوات سريعة متوترة، وصوته يزداد حدة

_فلت من ايدي ابن الوسخة، بس عليا الحرام، لكن مزعله في تربته علي حبايبه

توقف فجأة ونظر لوائل بعينين مشتعلتين بالتحدي، وقال بلهجة آمرة

= جهز العربية.. أنا هحضر العزا.

نظر له وائل بتوتر، وهو يقول بتلعثم

=انا شايف يافندم اننا نستنى يومين تلاته نشوف الدنيا هتمشي ازاي، وبلاش نكشف نفسنا دلوقتي، ده غير ان صلاح المرسي كل ده ميعرفش شكل حضرتك، وده في صالحنا.

نظر إليه أنس بنظرة حادة جعلت الكلمات تتجمد في حلق وائل، لكنه اومأ له بموافقة بعد تفكيرة في حديثة قليلا، ليقول بصرامه

=كل اخبارهم تبقي عندي اول ب اول انت فاهم

اومأ له وائل سريعا، ثم غادر المكتب تارك انس شارد في الذي حدث في الماضي ويوم وفاة والده

استند أنس برأسه على المقعد وأغمض عينيه، لتنفجر في عقله ذكريات تلك الليلة الملعونة التي غيرت مجرى حياته، الليلة التي مات فيها والده ياسر العطار ليس بمرض، بل بقهره.

​عادت الصور وكأنها تحدث الآن.

كان أنس وقتها شاباً في مقتبل العمر، يقف خلف باب المكتب الموارب في بيتهم القديم، وقلبه يرتجف وهو يسمع صراخ والده الذي لم يعتده منه قط.

​كان والده ياسر يقف أمام عمه تامر، وجهه محتقن بالدماء، وصوته يخرج مخنوقاً بالصدمة

= أنت نصبت عليا يا تامر؟ نصبت على أخوك؟! أنت وعيال المرسي اتفقتوا عليا وضيعتوا كل فلوسي وشقايا!

​كان تامر يقف ببرود مخيف، واضعاً يده في جيبه، ورد بنبرة تقطر حقداً وقسوة

= أنا منصبتش على حد.. أنت اللي دخلت الشراكة بمزاجك، والمجازفة فيها ربح وخسارة، وقدرك إنك خسرت.

​لم يتمالك ياسر نفسه، اندفع نحو أخيه وقبض على ياقة قميصه بقوة هزت جسد تامر، وصاح فيه بغضب زلزل أركان الغرفة

= مجازفة إيه؟! أنت اشتركت مع صاحبك المرسي عشان تسرق أخوك! بعتني لعدونا عشان شوية فلوس ؟!ده أنا كنت مأمنك على اسمي وفلوسي تكسر ضهري وتخليني على الحديدة؟!

​كانت نظرات تامر لا تحمل أي ذرة ندم، بل كان ينظر لأخيه وكأنه عبء وتخلص منه، ليزيد من قسوة كلماته

= السوق مبيعرفش أخوات يا ياسر.. السوق بيعرف الأقوى، وأنت خلاص، زمنك انتهى.

​في تلك اللحظة، اتسعت عينا ياسر بشكل مرعب، ارتخت قبضته عن ياقة أخيه فجأة، ورفع يده ليمسك بصدره بوجع شديد، وكأن سيخاً محميًّا من النار قد اخترق قلبه.

تراجع للخلف وهو يلهث، يحاول التقاط أنفاسه التي هربت منه، بينما كان تامر يراقبه بجمود دون أن يحرك ساكناً لمساعدته.

​سقط ياسر على ركبتيه أولاً، وعيناه معلقتان بوجه أخيه بذهول وانكسار، وقبل أن يتمكن أنس من الاندفاع لداخل الغرفة، كان والده قد ألقى بجسده على الأرض، جثة هامدة قتلتها الصدمة والخيانة قبل أن يقتلها المرض.

فتح أنس عينيه فجأة، وكانت أنفاسه متلاحقة وعروق جبينه بارزة من شدة الغضب. مسح وجهه بكفه وهو يهمس لنفسه بفحيح مرعب

= الموت خدك مني بس عليا الحرام لكن مخلص علي الي يقهرك حتي وانت في طربتك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
​نزلت حليمة من على الدرج الرخامي وهي تتمختر بفستانها الأنيق الذي يبرز تفاصيل جسدها بعناية، كانت حركاتها تنطق بالثقة والغرور، وكأنها ملكة متوجة على هذا الصرح.

قطعت تمخطرها رؤية صفية صفصف التي كانت تقف في ردهة القصر تراقبها بنظرات فاحصة.

​سألتها صفية باستغراب

= رايحة فين يا حليمة؟

​زفرت حليمة بضيق مكتوم، وحاولت جاهدة أن تداري حقدها وكرها الدفين لهذه الست التي تعتبرها العائق الوحيد أمام سيطرتها الكاملة، وقالت بنبرة حاولت جعلها هادئة

= رايحة النادي يا طنط.. مخنوقة شوية ومحتاجة أغير جو.

​عقدت صفية حاجبيها بدهشة وقالت

= نادي؟ دلوقتي يا بنتي؟ طب وابنك حسن؟ هو مش مفروض مستنيكي في المدرسة عشان الحفلة بتاعته؟

​اشتعل الغضب داخل حليمة، لكنها أجابت بلا اهتمام وهي تعدل حقيبتها الماركة

= أنا مش فاضية للعب العيال ده دلوقتي يا طنط، ورايا حاجات أهم.

​صدمت صفية من ردها وقالت بحنان الأم

= لعب عيال يا بنتي؟ دي حفلة ابنك الوحيد، والولا كان عمال يسأل عليكي الصبح، كان نفسه تكوني جنبه وهو بيتكرم.

​هنا، لمعت فكرة خبيثة في رأس حليمة، فقررت استخدام سلاح الضحية الذي تتقنه.

فجأة، تحولت ملامحها للانهيار، واصطنعت البكاء وهي تشهق بمرارة

= أنتي كل شوية تفكريني يا طنط بعمايل ابنك؟ هو أنا يعني بخرج وبغيب في النادي ليه؟ ما هو عشان أنسى القهر اللي أنس بيعمله فيا! أنسى إنه حارمني من حقي كست ومن إني أخلف تاني!

​تأثرت صفية بشدة، ورقت لحالها، فاقتربت منها وربتت على كتفها بشفقة قائلة

= يا بنتي اهدي، أنتي عارفة طبع أنس، وعارفة إنه قاسي شوية بسبب اللي حصله زمان وموت أبوه اللي كسره.. واحدة واحدة وكل حاجة هتتحل، بلاش تضغطي عليه وعلى نفسك.

​أومأت حليمة برأسها ببرود، ودون أن تنظر لصفية، مسحت دموعها الزائفة وقالت بجفاء

= ماشي يا طنط.. أنا همشي بقى عشان متأخرش على صحابي.

​تركتها حليمة وغادرت القصر بسرعة البرق، تسبقها رائحة عطرها النفاذة، لتقابل صحباتها وتعيش حياتها الصاخبة، ضاربة بعرض الحائط مشاعر ابنها حسن الذي كان ينتظرها بلهفة في مدرسته، تاركة صفية خلفها تضرب كفاً بكف وهي تدعو الله أن يهدي سر ابنها وزوجته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في تلك الأثناء، داخل قصر المرسي كانت غدران تقبع في غرفتها، وحيدةً وسط فخامة لم تعد تعني لها شيئاً.

كانت الغرفة غارقة في عتمة اختيارية، بعد أن أغلقت الستائر المخملية الثقيلة لتفصل نفسها عن عالمٍ مات فيه الرجل الوحيد الذي كان يحبها بصدق.

​كانت تجلس على الأرض، تسند ظهرها إلى طرف سريرها الضخم، وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها كطفلة ضائعة. ملابسها السوداء كانت مجعدة، وشعرها الذي كان دوماً تاج جمالها، انسدل بإهمال على وجهها الشاحب.

​شهقاتها كانت تمزق صمت الغرفة، دموعها لم تتوقف لحظة حتى جفت مآقيها وأصبح البكاء حرقاً في صدرها.

نظرت إلى صورة والدها الموضوعة في إطار فضي على الكومودينو، وهتفت بصوت مبحوح يقطعه النحيب

​= ليه يا بابا؟ سبتني ليهم ليه؟ أنت عارف إنهم هياكلوني.. أنت عارف إني مليش غيرك.

​تذكرت قسوة صلاح في الخارج ونظراته التي كانت تنهشها كأنها تنتظر جثتها هي الأخرى، فازداد ارتجاف جسدها.

لم تكن تبكي فقط موته، كانت تبكي يُتمها وسط ذئاب يرتدون ثياب الأقارب.

​أمسكت بقميص لوالدها كانت قد سحبته من خزانته قبل قليل، وضمتها إلى أنفها تشتم بقايا رائحته، وأجهشت بالبكاء من جديد بصوت مكتوم وهي تقول

​= أنا خايفة يا حبيبي.. الدنيا بردت أوي من بعدك، والقصر ده بقى بيخوفني.

قالت وهي تنهار، تغمض عنياها تستلم لهذه الغيامة السوداء التي تبتلعها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

عاد أنس إلى قصر العطار في وقت متأخر من الليل، جسده منهك من ثقل اليوم، كان يتوجه نحو جناحه بخطوات متزنة، لكنه توقف فجأة عندما لمح خيطاً من الضوء يتسلل من باب غرفة ابنه.

​دفع الباب بهدوء، ليجد الصغير جالساً في منتصف سريره الضخم، يضم وسادته إلى صدره، ووجهه محتقن من أثر بكاء طويل وصامت.

انقبض قلب أنس، فرغم قسوته وجبروته، إلا أن حسن هو نقطة ضعفه الوحيدة.

​اقترب منه وجلس على طرف السرير، وسأله بنبرة قلقة حاول تهدئته

= في إيه يا حسن؟ إيه اللي منيمك زعلان كدة؟

​رفع حسن عينيه الغارقتين بالدموع ونظر لوالده بكسرة، وقال بصوت متقطع

= ماما مجتش يا أنس.. فضلت مستنيها لحد آخر واحد في الحفلة، والمديرة نادت على اسمي عشان أستلم الجايزة، وكل صحابي كانوا واقفين مع أهاليهم إلا أنا.. كنت لوحدي.

​تجمدت ملامح أنس واشتعلت النيران في صدره؛ فبرغم علمه باستهتار حليمة، إلا أنه لم يتخيل أن يصل بها الأمر لكسر فرحة ابنه في يوم كهذا.
1

قبض على يده بقوة حتى برزت عروقه، لكنه نظر لحسن وبدلاً من أن يظهر ضعفه، استعاد نبرة كبير العطارين الصارمة.

​مد يده ومسح دمعة سقطت على وجنة الصغير، وقال بصوت رخيم مليء بالهيبة

= امسح دموعك دي فوراً.. رجالة عيلة العطار مبيعيطوش يا حسن دمعتك دي غالية، ومينفعش تنزل عشان حد محترمهاش، حتى لو كانت أمك.

​سكت للحظة ليغرس كلماته في عقل الطفل، ثم تابع بقسوة تربوية

= أنت راجل يا حسن، مش عيل صغير يستنى حد يسنده أو يمشي وراه. الراجل بياخد حقه ويثبت وجوده وهو لوحده، والناس هي اللي بتجري وراه مش هو اللي بيستنى نظرة منهم من النهاردة، عايزك تتعلم إنك سند نفسك.. اللي يحضر يحضر، واللي يغيب ملوش مكان في حساباتنا.

​نظر له حسن بذهول، وكأن كلمات والده بدأت تبني جداراً من الصلابة حول قلبه الصغير. وضع أنس يده على رأس ابنه وأكمل

= نام دلوقتي، ومن بكرة هعلمك إزاي تخلي الكل يعملك ألف حساب، من غير ما تحتاج إيد تطبطب عليك.

​خرج أنس من الغرفة والغضب يعميه، توجه مباشرةً نحو جناحه دخل أنس الجناح كالإعصار، لم ينطق بكلمة واحدة، بل اتجه نحو السرير حيث كانت حليمة مستلقية تضع أقنعة التجميل ببرود، تمسك بهاتفها وتعبث به وكأنها لم تكسر قلب طفلها منذ ساعات.

​قبل أن تدرك وجوده، كانت يد أنس القوية قد التفّت حول خصلات شعرها بغلّ، وسحبها من فوق السرير بعنّف أدى إلى سقوط الهاتف وتحطمه.

صرخت حليمة صرخة مكتومة وهي تشعر بجسدها يرتطم بالأرض الباردة تحت قدميه، بينما كان هو ينحني فوقها كالوحش الكاسر.

​= "آآآه! سيب شعري يا أنس! في إيه؟ أنت اتجننت؟"

​ثبّتها أنس بنظرته المرعبة، وقبضته تزداد إحكاماً على شعرها، وصاح بصوت زلزل جدران الجناح

= أنا اللي اتجننت ولا أنتي اللي نسيتي نفسك، ونسيتي حفلة ابنك يا هانم الي فضلتي عليه سهرك ووساختك

​حاولت حليمة أن تفلت من يده وهي ترتعش، مزيج من الرعب والهيام بدأ يتسلل لقلبها؛ فهيبة أنس وسيطرته ورجولته الطاغية كانت دائماً تجذبها رغم قسوته. قالت بصوت يرتجف

= انا نسيت نسيت، ارحمني يا أنس شعري هيطلع في إيدك!

​دفعها بقوة لتصطدم بحافة الأريكة، ثم انهال عليها بصفعة قوية أدارت وجهها للجانب الآخر، وهتف بغضب أعمى

= أرحمك؟ أنتي تعرفي إيه عن الرحمة؟ أنتي مرة وسخة، لا عرفتي تكوني زوجة تملى عيني، ولا أم تملى عين ابنها! عليا الحرام يا حليمة، لو الولا دمعته نزلت تاني بسببك، لهكون دافنك مكانك.. القصر ده ليكي فيه الأكل والشرب واللبس، لكن الخروج والنسوان واللعب ده يتنسي.. أنتي هنا خدامة لراحة حسن، فاهمة ولا أفهمك بطريقتي؟

​كانت حليمة منكمشة على الأرض، تبكي بنحيب حقيقي هذه المرة، تنظر إلى قدميه بخوف وذل، لكن في أعماق عينيها كان هناك بريق غريب؛ كانت تكره قسوته وتخاف سطوته، لكنها في نفس الوقت كانت ترى فيه الذكر الوحيد الذي استطاع كسر كبريائها.
​اقترب منها مرة أخرى، وجذبها من ذراعها لتقف أمامه، وهمس فحيحه قرب أذنها:

= "امسحي وشك ده.. وغوري من قدامي مش عايز أشوف وشك النهاردة، وإياكِ تروحي ناحية أوضة حسن انتي فاهمة؟ .

​دفعت حليمة نفسها نحو الحمام وهي تتعثر في خطواتها، بينما وقف أنس في منتصف الغرفة، يلهث بعنف، وقد أحكمت نيران الانتقام قبضتها على قلبه، ليس فقط من آل المرسي، بل من كل ما يحيط به في هذا القصر.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في صالون فيلا المرسي، كان الجو مشحوناً برائحة الموت والترقب.

جلس صلاح على مقعده الجلدي واضعاً قدماً فوق الأخرى، وعيناه تلمعان بطمع لم يفلح السواد الذي يرتديه في إخفائه.

وبجانبه، كانت غدران تبدو كتحفة فنية منكسرة؛ فستانها الأسود الضيق كان يبرز أنوثتها الطاغية التي لم يطفئها الحزن، بل زادها غموضاً وجاذبية.

​أمامهم جلس المحامي شوقي، الذي كان يحاول جاهداً التركيز في الأوراق، لكن عينيه كانت تخونه وتنزلق بوقاحة نحو صدر غدران الذي كان يعلو ويهبط مع أنفاسها المضطربة.

لاحظت غدران نظراته، فعدلت وضعية جلوسها وقالت بنبرة حادة صدمته

= هو في حاجة يا أستاذ شوقي؟ الورق اللي في إيدك فيه حاجة مش مفهومة؟

​ارتبك المحامي وسحب بصره بسرعة وهو يتنحنح بإحراج

= لاء.. لاء أبداً يا آنسة غدران، أنا بس كنت برتب الأفكار.

​اعتدل شوقي في جلسته وفتح حقيبته الجلدية ليخرج ظرفاً مغلقاً بختم الشمع الأحمر، وقال بصوت جدي

= الله يرحمه السيد حسين كان سايب وصية أمانة عندي، وطلب مني رسمياً إنها متتفتحش إلا بعد وفاته وبحضور الورثة.

​انقبض قلب صلاح وشعر بقلق ينهش صدره، فهتف بخشونة

= وصية إيه؟ عمي الله يرحمه كان قايلي على كل كبيرة وصغيرة، مكنش فيه سيرة وصية دي خالص!
​تجاهله المحامي وبدأ بفض الختم ببطء يزيد من توتر الأجواء، ثم أخرج الورقة وبدأ يقرأ بصوت واضح

= أنا حسين المرسي، بكامل قواي العقلية، أوصي بأن تؤول كافة أملاكي من مصانع، وعقارات، وأرصدة بنكية، وحصص في شركات الحديد، لابنتي الوحيدة غدران حسين المرسي بالكامل وبدون شريك..

​سقطت الكلمات كالصاعقة في الغرفة. انتفض صلاح من مكانه كأن تياراً كهربائياً ضربه، وصاح بجنون وهستيريا

= إيه الكلام الفارغ ده؟! إزاي يعني؟ وأنا؟ أنا اللي شلت الشغل معاه سنين! أنا اللي كنت دراعه اليمين! الوصية دي أكيد مزورة! عمي مستحيل يعمل فيا كدة!

​المحامي نظر إليه ببرود وقال:

= الوصية موثقة ومعتمدة يا أستاذ صلاح، وتقدر تطعن عليها لو حابب، بس ده مبيغيرش الواقع.. غدران هانم هي المالكة الوحيدة لإمبراطورية المرسي من اللحظة دي.

​أما غدران، فكانت في حالة من الاستغراب التام، نظرت للورقة بذهول وهي تهمس لنفسها:

= ليه يا بابا؟ ليه شيلتني الشيلة دي لوحدي وأنت عارف إني ماليش في الشغل ده كلو؟

​كان صلاح يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يسب ويلعن تحت أنفاسه، عيناه كانت تحتقن بالدم وهو ينظر لغدران بكره دفين، بينما كانت سمر زوجته تقف عند الباب وقد تجمدت ملامحها بصدمة، وبدأت نيران الحقد تحرق ما تبقى من عقلها.

​صلاح اقترب من غدران فجأة، وانحنى فوقها وهو يضغط على يد الكرسي بقوة، وقال بصوت فحيح مرعب:

= مبروك يا غدران.. مبروك الورث مبروك عليكي حقي. بس خدي بالك، الشيلة دي كبيرة عليكي قوي، واللي سابك لوحدك في الغابة دي مكنش بيحبك.. كان بيرميكي للديابة وهو عارف إنك مش هتقدري عليهم.

​نظرت له غدران بتحدٍ لم يعهده فيها من قبل، وقالت ببرود

= الديابة اللي تقصدهم يا صلاح هما أهلي؟ لو كدة، يبقى بابا كان عنده حق يأمن مالي بعيد عنكم.

كمل الأجرائات يا استاذ شوقي، وانا من بكره هكون مع حضرتك في اي حاجة هتحتاجني فيها.

قالت وهي تغادر الي غرفتها سريعا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة سمر الخاصة، كان الجو مشبعاً برائحة السجائر والتوتر الذي يكاد ينفجر.

كان صلاح يذرع الصالة ذهاباً وإياباً كالثور الهائج، يطيح بكل ما يقابله في طريقه، وصراخه يملأ المكان:

​= باعني يا سمر! حسين  باعني بعد كل اللي عملته له! كاتب كل حاجة باسم بت الوسخة دي؟ المصانع، الشركات، حتى الفلوس السايلة! أنا اللي كنت بحرق في دمي وهو قاعد يلم، وفي الآخر يرميني كدة؟

​خرجت سمر من الغرفة وهي تتمايل ببرودٍ مستفز، كانت ترتدي قميص نوم قصير جداً من الحرير الأسود الشفاف، لا يستر من جسدها شيئاً بل يبرز مفاتنها بوقاحة وتحدٍ.

كانت تحمل في يدها كأساً، اقتربت منه ووضعته على الطاولة أمام عينيه المحتقنتين بالدم، وجلست علي قدميه

و​قالت بصوت ناعم يقطر سماً وهي تمرر يدها على صدره لتحاول تهدئته:

= "اهدى يا صلاح.. العصبية دي مش هترجعلك الي راح وبعدين أنت من إمتى بتغلب؟ حسين مات خلاص، والوصية دي مجرد ورقة والورقة ممكن تتحرق، أو صاحبتها هي اللي تتحرق.

​التفت إليها صلاح وجذبها من خصرها بعنف، وعيناه تلتهمان جسدها العاري تقريباً، وقال بفحيح غاضب

= أنتي مش فاهمة يا سمر، الوصية متسجلة والمحامي ابن الكلب معاها.. غدران بقت هي الكل في الكل، وأنا بقيت مجرد موظف عندها! متخيلة؟ صلاح المرسي يمد إيده لبنت عشان ياخد مصروفه؟

​ضحكت سمر بابتسامة غادرة، واقتربت من أذنه تهمس له وهي تداعب خصلات شعره

= ومين قال إنها هتعيش عشان تصرف؟ غدران دلوقت بقت صيدة سهلة وحيدة، مقهورة، ومبتفهمش في لغة السوق. لو الوصية خلتها الملكة، فإحنا اللي هنكتب النهاية. أنت لازم تسيطر عليها يا صلاح.. لازم تمضيها على تنازل، أو نخلص منها خالص والورث يرجع لك بصفتك الوريث الراجل الوحيد.

​ابتعد عنها صلاح قليلاً وهو يتأمل كلامها، بدأت ملامح الخبث ترتسم على وجهه مجدداً، ونظر لسمر بإعجاب لشرها وقوة جسدها أمامه، وقال بصوت أجش:

= التنازل ده مش سهل، البت بتكرهني وشاكة فيا.. ومعتز صاحبها ده لابدلها زي خيالها كمان يعني لو ماتت، انا اول واحد هيشك فيه.

​سمر ببرود وهي ترشف من كأسها

= معتز ده أمره سهل.. المهم غدران. لازم تكسرها يا صلاح، والكسر بيبدأ بالخوف. لازم تحس إن القبر اللي اندفن فيه أبوها مفتوح ومستنيها هي كمان، ووقتها بس هترمي نفسها تحت رجلك عشان تحميها.

​أمسك صلاح بوجهها وقبله بقوة تعكس رغبته الجامحة وغضبه المكبوت، وقال بوعيد

= عندك حق.. غدران لازم تفهم إن الورق مش هو اللي بيحمي، القوة هي اللي بتحمي.. ومن بكرة هعرفها مين هو صلاح المرسي.

مرر يداه اسفل قميصها، وهو يقول بخبث

=طب ايه، هنفضل نتكلم عن بت الوخسة دي كتير ولا ايه؟

ارتفعت ضحكاتها العاهرة، وهي تقول بخبث

=الي حبيبي عايزه يكون.

انزلق قميص سمر الحريري عن كتفيها بمجرد أن جذبها صلاح إليه بعنف، وتلاشت أصوات الغضب لتحل محلها أنفاس محمومة في ركن مظلم من الشقة. كان صلاح يفرغ قهر الوصية في جسدها، وكأنه يثبت لنفسه أنه لا يزال القوي، لا يزال الرجل الذي لا يُكسر، بينما كانت سمر تبتسم بانتصار وهي تدرك أنها المحرك الحقيقي لهذا الوحش الذي بين يديها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد مرور أسبوع كامل، كان التوتر في قصر العطار قد وصل إلى ذروته. استيقظ أنس في ساعة مبكرة، وقف أمام المرآة يرتدي سرواله الأسود فقط، تاركاً صدره العريض وظهره المليء بالندوب والوشوم التي تحكي قصص صراعاته عارياً.

كان يربط حزامه بجمود، وعقله مشغول بصفقات
المرسي التي بدأ يسحب البساط فيها من تحت أقدام صلاح، فمنذ اسيوع وهو يحاول بكل قَته اهدام هذه الشركات بكل سهوله.

​فجأة، شعر بأنامل رقيقة وباردة تلامس جلده، بدأت تتحرك ببطء وجرأة من أسفل ظهره صعوداً إلى كتفه، وهي تهمس باسمه بنبرة حاولت أن تكون مغرية.

لم تمر ثانية واحدة حتى كانت يد أنس القوية تقبض على رسغ حليمة بعنف جعلها تصرخ وجعاً، والتفت إليها وعيناه تشتعلان بالشرر.

​هتف فيها بصياح هز جدران الغرفة

= إيدك دي متلمسنيش! فاهمة ولا لاء؟

​ارتدت حليمة للخلف وهي تمسك رسغها المتألم، ونظرت إليه بغضب وحقد لم تستطع مداراتهما هذه المرة، وقالت بصوت مرتفع

= "هو في إيه يا أنس؟ بقالك أسبوع ملمستنيش!  هو أنا عملت إيه لكل ده؟ عشان قصرت مرة مع ابنك تقوم تذلني بالشكل ده؟

​اقترب منها أنس بخطوات وئيدة ومرعبة، وهو يرتدي قميصه الأبيض دون أن يغلق أزراره، وقال بفحيح مخيف

= أنا مبذلش حد يا حليمة حقوك بدهالك وعمري ما قصرت فيها، برغم انك عارفة كويس انه ولا محبة ولا يمزاجي، بس انا قرفت منك وانتي مش همك في الدنيا غير نفسك وغريزتك وبس، أنتي فاكرة إن جسمك ده هو اللي هيخليني أنسى إنك ست مهملة؟

نظرت له بصدمه، وكانت علي وشك الصراخ، وبكن قاطعها رنين هاتف زوجها، الذس فتح الخط سريعا، وقال بصرامه

=ايه يا وائل، عرفت حاجة جديده؟

اتاه صوت وائل من الجهة الاخرة

=الراجل بتاعنا ياباشا لسه مكلمني وقالي انه نقله هو وكام راجل كمان لفيلا في حته مهجوره وطلب منهم ميدخلوش الفيلا مهما حصل حتي ميعرفوش ايه الي جوه، وطلب من الراجل بتاعنا كمان يكلم شركة حراسات تجيب رجاله زياده.

كان أنس يستمع اليه بإستغراب، وهو يشرد في حديثه ماذا يخفي هذا اللعين داخل هذه الفيلا

=اي اوامر يافندم

اخرجة من شرودة صوت وائل ليهمهم له وهو يقول بخبث

=كلم الراجل بتاعنا وقوله يقول للع*ص ده انه كلم الشركه، والرجاله هتكون عنده بكرة الصبح
وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
في جناحه الخاص، قبل بزوغ الفجر بساعة، كان الجو يميل إلى البرودة، لكن النيران في صدر أنس كانت كفيلة بتدفئة المكان.

وقف أمام المرآة الكبيرة، بعيداً عن أعين حليمة التي غطت في نوم عميق، وبدأ يغير جلده.

​خلع بذلته الإيطالية الفاخرة، وارتدى ملابس سوداء بسيطة لكنها عملية؛ قميصاً قطنياً يبرز ضخامة عضلاته، وسترة جلدية خشنة، وبنطالاً مريحاً للحركة.

خلع ساعته الذهبية ووضعها في علبتها، وبدأ يراقب ملامحه في المرآة بتركيز شديد.

​مرر يده على لحيته المهذبة وقصها قليلاً لتبدو أكثر خشونة، ثم مسح وجهه بكفيه وهو يتنفس بعمق، هامساً لنفسه بصوت أجش يملؤه التصميم

=​هانت يا ياسر.. هانت يا أبويا،حقك اللي ضاع بالخيانة، هيرجع بنفس الخيانه، اللي كسر قلبك ببروده، هكسر رقبته وأنا واقف في بيته وبحرس سره الي هعرفه.

​أغمض عينيه للحظة، مستحضراً صورة والده وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وشعر بمرارة الصدمة وكأنها حدثت بالأمس.

فتح عينيه مجدداً لتلمع فيهما نظرة الحارس المستعد للموت؛ نظرة خالية من الثراء، مليئة بالغدر والترقب.

​أخرج سلاحه الشخصي، تأكد من مخزن الرصاص، ثم خبأه في جراب مخفي تحت سترته.

نظر لنفسه النظرة الأخيرة في المرآة، لم يعد هناك أنس العطار الملياردير صاحب السلطان؛ بل أنس الحارس المأجور، الذئب الذي يتسلل بذكاء لقلب القطيع.

​تمتم ببرود وهو يطفئ ضوء الغرفة:

=جايلك يا ابن الوسخة، عليا الحرام لتكون اخر ايام في حياتك.

​خرج من الجناح بخطوات قطة، متوجهاً إلى غرفة والدتة يودعها قبل ذهابة، دخل الي الغرفه، فوجدها تنهي صلاتها، فابتسمت له مع جلوسه امامها وهو يقبل يديها

=برضو يابني مصمم علي السفارية دي،انا مش فاهمة سفر ايه ده الي جه مره واحده

استمع الي تذمرها وحديثها الحزين بألم يعصف في قلبه فهذه المره الأولى التي سيبتعد عنها، واضطر ان يكذب عليها حتي لا يدخل معها في العديد من النقاشات الأن.

=صفقة مهمة اوي ياصفصف لازم انا الي اقوم بيها، ادعيلي انتي بس لحسن دي لو نجحت، هكسب من وراها الي بدور عليه طول عمري.

رفعت يدسها للسماء، وهي تقول بقلب محب

=ربنا ينويلك كل الي في بالك يا ضنايه، ومشوفش فيك حاجة وحشة ابدا.

أمن علي حديثها، وهو يقبل يديها، وكان علي وشك الذهاب مع قوله

=يلا عايزة حاجة، كنت عايز اسلم علي حسن بس الوسخ في سابع نومه ولو صحيته مش هيحلني.

اوقفه حديث والدته من خلفه

=قولت لمراتك يا انس؟

ارتفعت ضحكاته وهو يقول بسخريه

=هيفرق معاها يعني؟

=ايوه طبعا يابني هيفرق، يابني حرام عليك، دي مراتك يا انس، وليها حقوق عليك.

=هخخخ حقوقها وبتاخودها، فلوس وبديها، ووقت ما بتعوزني بكون فوقيها قبل ما بتطلب.

تحول وجه والدته للاحمر، وهي تقول بخجل

=الله يكسفك، يابني هو ده كل الحقوق عندك؟.

ارتفعت ضحكانه، وهو يقول بخبث

=هو فيه حقوق غيره ياصفصف.

شاركته الضحك، وهي تقول بجديه

=انت فاهم قصدي ياانس، افتحلها قلبك يابني، افتحلها قلبك واديها فرصه.

زفر بغضب، واخرج السيجاره اشعلها سريعا، وهو يقول بصرامه

=اما انهي الكلام لحد هنا، انا مديش قلبي لواحدة تبيع ابوها عشان الفلوس، وانا وهي عارفين انها معايا عشان الفلوس، وانا معاها عشان احتيجاتي، يبقي خلاص خد وهات.

أنهى أنس كلماته ببرود قاطع، وقبل رأس والدته وهو ينسحب من الغرفة قبل أن تفتح صفية أبواب ذكريات لا يريد نبشها الآن. خرج من القصر، حيث كانت سيارة دفع رباعي قديمة الطراز تنتظره في منطقة معتمة خلف السور، بعيداً عن أعين الحراسة الرسميه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في صباح اليوم التالي، تسللت خيوط الشمس من خلال ستائر غرفة النوم في فيلا الموسي، لتعكس مشهداً يضج بالفوضى المكتومة.

استفاق صلاح من نومه الثقيل وهو لا يزال غارقاً في حضن سمر التي انتقلت للعيش معه منذ اللحظة التي اختطف فيها غدران.

​فجأة، اخترق سكون الفجر صوت صياح مرتفع وعنيف قادم من حديقة الفيلا بالأسفل، وأصوات اشتباك بالأيدي.

قفز صلاح مفزوعاً من سريره، بينما اعتدلت سمر وهي تفرك عينيها بذهول، وكان قميصها الحريري ينسدل بإهمال عن كتفها، وقالت باستغراب

= في إيه يا صلاح؟ إيه الصوت ده؟

​صلاح وهو يلتقط ملابسه الملقاة على الأرض بتبعثر، ويحاول ارتداءها بسرعة كونه كان عارياً تماماً

= معرفش يا سمر.. معرفش! هلبس وأنزل أشوف مين ابن الكلب اللي جاي يزعق على الصبح كدة.

​في الأسفل، كان المشهد مشتعلاً.

ثلاثة من حراس صلاح الأقوياء يحاولون السيطرة على معتز، الذي كان يصارعهم بجنون، ووجهه محتقن بالدماء، وصراخه يهز جدران الفيلا

= صلاااااح! انزلي يا صلاح! ودّيتها فين يا خ*ل؟ انزل واجهني يا ع*ص!

​نزل صلاح من على الدرج بخطوات سريعة، وعلامات الغضب والارتباك تكسو وجهه، وصاح وهو يقترب من معتز

= في إيه يالا أنت؟ أنت اتجننت؟ مش عارف أنت واقف في بيت مين وببتكلم مين؟

​توقف معتز عن المقاومة بصعوبة وهو ينهج بشدة، ونظر لصلاح باحتقار وسخرية مريرة

= بيت مين؟ قصدك بيت غدران اللي استوليت عليه؟ لا يا حبيبي عارف كويس أنا فين.. أنا في بيت صاحبتي اللي اختفت من يوم وليلة ومحدش يعرف عنها حاجة.. انطق يا صلاح، غدران فين؟

​هنا، تبدلت ملامح صلاح فجأة، ورسم قناع الحزن والأسى ببراعة شديدة، وتنهد بتمثيل متقن وهو يقترب من معتز

= غدران؟ أنت جاي تسألني أنا؟ يا ريتني أعرف يا معتز.. ده أنا قلبي واجعني عليها، حبيبتي وبنت عمي والوحيدة اللي باقيالي من ريحة الغالي.. من يوم ما طفشت وسابت البيت والكل قالب الدنيا عليها، البوليس ورجالتي مش سايبين شبر في مصر مدوروش فيه، بس فص ملح وذاب!

​ضحك معتز بمرارة وصاح في وجهه

= طفشت؟ غدران تطفش وتسيب حقها؟ غدران تسيب ورث أبوها وتختفي؟ أنت فاكرني عبيط؟ أنت عملت فيها حاجة عشان تخلص من الوصية وتلهف كل حاجة.. والله ما هسيبك يا صلاح، ولو كانت تحت التراب هطلعها وأحبسك!

​صلاح ببرود قاتل، وهو يضع يده في جيبه

= كلامك ده كبير قوي يا معتز، ومعندكش عليه دليل.. غدران كانت مضغوطة بعد موت أبوها، والظاهر إنها مقدرتش تتحمل المسؤولية فهربت. روح يا شاطر دور عليها في حتة تانية، وبلاش تخليني أعمل معاك تصرف مش هيعجبك.. ارموه برا!

=مش انا الي اترمي بره ياابن المرة

قال وهو يلكمة بقوه، حتي سقط صلاح هلي الارض واعتلاه معتز سريعا، وهو يلكمة بقوه

=وديت صاحبتي فين ياخ*ل انطق

انهال معتز على صلاح بلكمات هستيرية، مفرغاً كل غله وخوفه على صديقته في وجه هذا الخائن، وصراخه لم ينقطع وهو يسدد الضربة تلو الأخرى

= وديتها فين ؟ انطق بدل ما أشرب من دمك هنا!

​ارتمى رجال صلاح فوق معتز كالمجانين، سحبوه من فوق جسد صلاح الملقى على الأرض وهو يلهث وينزف من فمه وأنفه.

قام صلاح بصعوبة، يمسح الدماء عن وجهه بعينين تشتعلان غلاً، ونظر للحرس وصرخ بفحيح مرعب

= اكسروا عضمه! متموتهش.. بس خلوه يتمنى الموت وميلقيهوش، وبعديها ارموه في الزبالة بعيد عن هنا!

اومأ له الحراس بإحترام وهم يغادرون القصر، يسحبون خلفهم معتز بصعوبة، وفي هذا الوقت شعر صلاح باحد يحاوط ظهره، وهي تقول بدلال

=بيبي، تليفونك رن كتير اوي وانت تحت

اخذ منها الهاتف سريعا، واستمع الي صوت الشخص في الطرف الاخر، ليقول بغضب

=ماشي جي، مسافة السكة وهكون عندك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت الغرفة غارقة في عتمة موحشة، هدوء لا يقطعه إلا صوت أنفاسها المتهدجة التي تشبه الحشرجة.
كانت غدران منكمشة على نفسها في زاوية الغرفة، تدفن وجهها بين ركبتيها وجسدها ينتفض برعشة هستيرية. الضلمة... العدو الذي طالما طارد كوابيسها منذ الطفولة، أصبحت الآن واقعها المفروض عليها منذ أسبوعين.

​لم تذق طعم النوم الهادئ ليلة واحدة؛ كانت تسقط في غيبوبة قصيرة من فرط التعب، ثم تستيقظ مسروعة، تصرخ بصمت وهي تتلفت حولها بذعر، ليصطدم بصرها في كل مرة بحقيقتها المرة.

رفعت رأسها ببطء، وعيناها المحتقنتان بالدموع والسهاد وقعتا على تلك السلسلة الحديدية الجنزير التي تلتف حول كاحلها، مربوطة بقسوة في حلقة حديدية بالحيط.

​نظرت بقهر إلى كوباية الماية المحطوطة على بعد خطوات قليلة منها خطوات قريبة لكنها مستحيلة بفعل الجنزير القصير. كان صلاح قد وضعها هناك بوضاعة ليذلها، انتقاماً لتلك الصفعة التي هوت بها على وجهه في محاولته الأخيرة لإجبارها على التنازل.

كانت تشعر بعطش يمزق حنجرتها، لكن عجزها كان يمزق كرامتها أكثر.

​وسط هذا اليأس، ومع تزايد شهقاتها التي بدأت تعلو وتخنقها، بدأت ملامح الغرفة تتغير أمام عينيها الزائغتين. تهيأ لها خيال والدها، حسين المرسي، يقف عند باب الغرفة المهجور، محاطاً بهالة من نور خافت.

​مدت يدها المرتعشة نحو الخيال وهي تهمس بقهر وتعب يفتت الصخر

=بابا

ابتسم لها والدها، وهو يقول بحب

=وحشتيني يانن عين ابوكي

ارتفعت صوت شهاقاتها، وهي تقول بقهر

= خدني عندك يا بابا، أنا تعبت أوي... مش قادرة أستحمل أكتر من كدة، الكلاب اللي سيبتني ليهم ربطوني زي البهايم...كانو مستنين موتك عشان ينهشو فيا ياحبيبي، خدني ليك يا بابا وريحني.

​بقى الخيال صامتاً لوهلة، ينظر إليها بعينين مليئتين بالحنان الممزوج بالصرامة، ثم تناهى إلى مسامعها صوته وكأنه يهمس في أعماق روحها

= بنتي غدران قوية... أنا مربيتش حد ضعيف. الدنيا يا بنتي مش بس نور، الدنيا فيها ضلمة ولازم تتعلمي تعيشي فيها وتكسريها، متستسلميش ياحبيبتي،انتي طول عمرك قوية.

​بكت غدران بحرقة وهي تصرخ في الفراغ

= أجيب منين القوة وأنا لوحدي؟ أنا خايفة يا بابا... خايفة!

اقترب منها الخيال حتى أصبح امامها، وهو يقَل بإبنسامة مطمئنه

=متخافيش، هيجيلك الي هيقوي قلبك، وهيرجعلك حقك من كل الي اذاكي، بس انتي اصبري ياحبيبتي اصبري،

نظرت له بعدم فهم، وهي تقول بإبتسغراب

=انت تقصد ايه يا بابا،

ابتسم لها بصمت مع تلاشيه من امامه، لتصرخ بهستريه

=بابا انت رايح فين،

وقفت سريعا، وهي تذهب اليه وتقول ببكاء

=بابا متسبنيش يابابا،

وقعت علي الارض، حتي ارتطم وجهها بالارض المبلله، عند سحب الجنزير من خلفها، لتصرخ بقهر

=خدني معاك يابابا بالله عليك، متسبنيش ليهم يابابا.

سكنت الصرخة في حلقها وتحولت إلى نشيج يمزق الصدر، بينما كان وجهها ملتصقاً ببرودة الأرض الرطبة.

رائحة العفونة والتراب كانت تخنقها، والجنزير الذي جذبها للخلف ترك علامة حمراء قاسية حول كاحلها، وكأنه يذكرها في كل لحظة أنها مجرد جارية في سجن ابن عمها
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في مكتب صلاح المرسي، كان الجو مشبعاً برائحة الدخان والغرور.

جلس صلاح خلف مكتبه الفخم، يميل بجسده للخلف واضعاً قدماً فوق الأخرى بصلف، بينما كان أنس واقفاً أمامه بجمود كتمثال من رخام.

​بجانب أنس، وقف حسام الرجل الخاص به وهو يرسم على وجهه علامات الطاعة والولاء، وقال بصوت خفيض ومنافق ليحبك اللعبة أمام صلاح

= باشا، ده عمر الهواري.. كان شغال معايا في الشغل القديم راجل جامد و هينفعك، لما حضرتك طلبت مني ناس للحراسة ملقتش أنسب منه، عين قناصة، وقلبه ميت.. هينفع حضرتك قوي.

​سحب صلاح نفساً عميقاً من سيجاره، ونفث الدخان ببطء في الهواء وهو يتفحص جسد أنس الضخم وملامحه القاسية بنظرة تقييمية وكأنه يشتري قطعة أثاث، ثم قال بنبرة يملؤها التعالي

= شكل جسمة شديد ، بس الفعل هو اللي بيلزمني، انا اللي يشتغل معايا لازم يكون كلب حراسة أمين يعني لا يشوف، ولا يسمع، ولا يتكلم إلا بأمري.. والغلطة واحدة عندي تمنها غالي قوي.

​ضغط أنس على قبضة يده خلف ظهره حتى كادت عروقه تنفجر، كان يشعر برغبة عارمة في أن يهجم على هذا الصعلوك الذي يتحدث معه كأنه يملكه، ويغرس أصابعه في حنجرته ليريه من هو أنس العطار الحقيقي.

لكنه رسم على وجهه نظرة باردة ومهنية، وقال بصوت أجش ومكتوم

= أنا بتاع شغل اللي يدفع أكتر، أمشي وراه وأنا مغمض والباشا صيته مسمّع، وأنا جاي أنفذ.

​ضحك صلاح بضخامة، وأشار بيده لـعمر أن يقترب، وقال بصرامة

=التعليمات الي عليهم هتمشي عليك، رجلك متخطيش الفيلا، حراستك كلها من بره وبس، متدخلش غير لو اي حاجة غريبة تحصل غير كده رجلك متعتبش جوه، ولا حد يدخل، ولا يخرج مفهوم.

استمع انس الي حديثه بإستغراب،ليقول بإحترام كاذب

=تمام ياباشا.

=مسألتش كتير وده عجبني

ابتسم له انس بخبث، فهو يعلم هذا النوع جيدا، ويعلم ان هناك سر في هذا المنزل، وهو سوف يكتشفه بنفسه

=طب نستأذنك احنا ياباشا عشان نروح نبدء الشغل،

قال حسام، وكان علي وشك الذهاب هو وأنس ولكن اوقفهم حديث صلاح

=تمام امشو، بس سيب بطاقتك يا عمر، عشان نكشف عليها.

نظر حسام الي انس بصدمه، ولكنه اطمئن قليلا،عندما وضع انس يديه في جيبه، واخرج هذه البطاقة، وهو يقول بإحترام

=اتفضل يا باشا.

اومأ له صلاح، وهو يشير لهم بالخروج، وهو لا يلاحظ ابتسامة انس الخبيثه، فهو بعدما قرر ان يلعب هذه اللعبة، كلم العديد من الرجال الذي يعرفهم، حتي يخرج هذه البطاقة المزورة

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

خرج صلاح من الغرفة ووقف في الصالة يتلفت يميناً ويساراً بحذر، وعيناه تلمعان بمكر الذئاب. تأكد أن الحرس في أماكنهم بالخارج وأن لا أحد يراقبه، ثم اتجه نحو دولاب خشبي ضخم في ركن الصالة.

فتح الدلفة اليمنى، وأزاح مجموعة من الكتب ليكشف عن باب سري صغير في الحائط الخشبي الخلفي.

​دلف للداخل بسرعة وأغلق الباب خلفه بإحكام، ليدخل في ممر ضيق ينتهي بغرفة معزولة تماماً.

كانت غدران ملقاة على الأرض بوضع الجنين، وجهها شاحب وآثار الدموع الجافة ترسم خطوطاً من الوجع على وجنتيها. اقترب منها صلاح ببطء، ومد يده يمرر أصابعه بوقاحة على وجهها.

​قفزت غدران مفزوعة، تراجعت للخلف وهي تصرخ برعب

= أنت بتعمل إيه هنا؟ ابعد عني.. متلمسنيش!

​ابتسم صلاح بخبث وهو يعدل وقفته

=ما تقلقيش كدة يا دودو.. أنتي عارفة إنه مينفعش هنقول إيه بقي لأمك اللي رضعتني عليكي؟

​لم تتمالك غدران نفسها من الاحتقار، فجمعت كل ما تملك من قوة وبصقت على وجهه وهي تهتف بغضب

= وياريته كان طمر فيك يا خاين يا زبالة! يا اللي أكلت لحمنا وعايز تنهش في عضمي.

​تجمدت ملامح صلاح، ومسح وجهه ببطء وعيناه تشتعلان بغضب جحيمي.

وفجأة، هوى بيده بصفعة قوية على وجهها أطارت برأسها جانباً، ثم جذبها من شعرها بقسوة ليرفع وجهها إليه

= أنتي إيه ما بتهديش؟ أنا زهقت منك ومن لسانك اللي عايز قطعه ده!

​رغم الرعب والوجع، نظرت له بتحدٍ صارخ

= مش ههدا.. ومهما تعمل مش هوصلك للي أنت عايزه، مش هتاخد مليم واحد من حق بابا!

​هنا، انفجر صلاح في ضحك هستيري مقزز، وترك شعرها ليبتعد عنها قليلاً وجلس على مقعد وحيد في الغرفة ببرود، وقال بسخرية

= اللي أنا عايزه منك أخدته خلاص.. بالتوكيل العام اللي عملتهولي،هو آه كل حاجة لسه باسمك، بس كله بيمشي بحسابات العبد لله!

​صرخت بقهر وهي تمسك وجهها المتألم

= التوكيل اللي مضتني عليه غصب يا زبالة! تحت التهديد!

​هز صلاح رأسه بتمثيل

تؤ تؤ يا دودو أنتي بتنسي بسرعة كدة؟ ده أنتي ماضية عليه بمزاجك وإرادتك..

​قطعت كلامه بغضب

= كداب! أنت مضتني عليه بعد ما ورتني فيديو لواحد قناص هيقتل معتز!

​ارتفعت ضحكات صلاح مرة أخرى، وقام وقف وهو يطوف حولها بسخرية

= قلبك رهيف أوي أنتي يا دودو.. بس إيه رأيك في دماغ ابن عمك؟ خطة متخورش المية! أصل أنا لو قتلتك دلوقتي، هيبان أوي إن أنا اللي عملت كدة عشان الورث والشركات.. والبوليس هينط في رقبتي.

​اقترب منها وهمس في أذنها بخبث

= لكن يا عيني.. بنت عمي الغلبانة طفشت! اتجننت من خبر موت أبوها وطفشت ومحدش يعرف لها مكان.. وبالصدفة، طلعت عملالي توكيل وسيباه ليا قبل ما تمشي مع جواب صغير انها بتستأمني علي كل الشغل عشان أدير أملاكها لغاية لما ترجع! يعني قانوناً أنا الكل في الكل، وفعلياً أنتي هتعفني هنا لحد ما تموتي ببطء ومحدش هيعرف لك طريق.

​أكمل كلامه وهو يخرج من جيبه سيجارة يشعلها بزهو

= عارفة يا غدران؟ الموت كام أرحم من اللي أنا هعمله فيكي.. هخليكي تتمني اليوم اللي تموتي فيه ومش هتلاقيه،هسيبك عايشة هنا زي الكلبة، لغاية لما تعفني وتموتي لوحدك.

نظرت له بقهر وصمت، وهي تحاول مشك دموعها، وهي تراه يمسك هذا الكوب الموضوع بعيد عنها، وهو يقول بسخريه

=اي ده مشربتيش ليه؟

نظرت له بصمت وغصب، ليتابع سخريته

=هقربهالك شوية

أزاح صلاح الكوب بطرف حذائه ليقترب منها سنتيمترات قليلة، ثم انحنى وهو يثبت نظراته المقززة في عينيها وقال ببرود

= اشربي يا دودو.. مش عايزك تموتي دلوقتي، لسه فيه ورق كتير محتاج بصمتك الرقيقة.. أنا عايزك جثة بس بتتنفس، فاهمة؟

​عدل وقفته، ونفث دخان سيجارته في وجهها، ثم استدار ليخرج من الغرفة السرية وهو يصفر بلحن.

بمجرد أن أُغلق الباب السري، سقطت غدران على وجهها مجدداً، تنوح بصوت مكتوم وهي تحاول زحفاً أن تصل للكوب، لكن الجنزير جذب كاحلها بقسوة ليعلن نهاية مداها.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في أرقى نوادي القاهرة، كانت حليمة تجلس وسط شلتها المعتادة من سيدات المجتمع، تضع قدماً فوق الأخرى بزهو، وتمسك بنظارتها الشمسية ماركة عالمية كأنها تاج فوق رأسها.

كان الحديث يدور كالعادة حول الموضة والرحلات، حتى فتحت إحداهن هاتفها وصاحت بانبهار

​= يا جماعة، شوفتوا صورة أنس العطار اللي نازلة النهاردة مع إعلان استحواذه على مجموعة شركات جديده؟ بجد يا حليمة، أنتِ محظوظة بزيادة.. راجل هيبة، وفلوس، وجبروت.. يا بختك!
2

​لمعت عينا حليمة ببريق الغرور، ولم تشعر ب ذرة غيرة كما تفعل الزوجات الطبيعيات، بل انتفشت كطاووس وقالت بتكبر ظاهر وهي ترشف من عصيرها ببطء

= طبعاً يا حبيبتي.. أنس مش أي حد، والكل عارف إن العطار هو اللي بيمشي السوق دلوقت. وبعدين المحظوظة بجد هي اللي تعرف تسيطر على راجل زي ده وتخليه زي الخاتم في صباعها، وكمان هو كمان محظوظ بيا وان واحده زي تبقي مراته.

​ضحكت صديقتها مي بتملق

= فعلاً، أنتِ برنسيسة القصر يا حليمة.

​هنا، تدخلت صافي، وهي واحدة من الصديقات اللواتي يخفين حقداً دفيناً تجاه حليمة، وقالت بنبرة هادئة لكنها سامة

= بس غريبة يا لولو.. يعني الراجل ناجح ومنبهرين بيه وبصورته، بس عمري ما شوفتكم خارجين مع بعض في سهرة أو حتى مناسبة عامة! ده أنا لسه داخلة على الأكونت بتاعه، مفيش صورة واحدة بتجمعكم، كل صوره يا إما شغل يا إما مع ابنه حسن بس.. كأن ملوش زوجة!

​تجمدت الابتسامة على وجه حليمة، وشعرت بنغزة قوية في كرامتها أمام الجميع.

حاولت مداراة توترها وهي تعدل خصلات شعرها بيد مرتعشة، وردت بصوت حاد حاول أن يبدو واثقاً

= أصل.. أصل أنس بيحب يفصل حياته الشخصية تماماً عن الشغل والسوشيال ميديا، أنتِ عارفة رجالة الأعمال اللي بجد بيخافوا من الحسد والعين.. وبعدين هو مش محتاج ينزل صوره معايا عشان يثبت حبنا، إحنا حياتنا خاصة جداً وقفلين على نفسنا.

​صافي بابتسامة خبيثة

= حتى في عيد ميلادك يا حليمة؟ ده المحافظ كان موجود وأنس مجاش! والناس بدأت تتساءل لو فيه مشاكل بينكم..

​زاد توتر حليمة، وبدأ عرق خفيف يظهر على جبينها، وقالت بانفعال مكتوم

= "مشاكل إيه وكلام فاضي إيه! أنس كان عنده صفقة في المانيا وقتها، وأنا اللي قولتله يروح.. بطلي كلامك اللي ملوش لازمة ده يا صافي، وياريت نغير الموضوع عشان ملوش أي أهمية بالنسبة لي.

​رغم ردها القوي، إلا أن كلمات صافي طعنتها في مقتل،وجعلتها تهرب من عيونهم بتوتر.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل غرفة التدريب الملحقة بسكن الحراسة، كان الجو خانقاً برائحة العرق والتوتر.

الإضاءة خافتة، ولا يسمع فيها سوى صوت ضربات منتظمة وقوية تخترق السكون.

كان أنس يرتدي سروالاً رياضياً فقط، وصدره العريض يتصبب عرقاً يلمع تحت الضوء الخافت. كان يقف أمام كيس الرمل الضخم، يفرغ فيه شحنة غضب لو خرجت لأحرقت الفيلا بمن فيها.

لكمات متتالية، سريعة، وعنيفة، ومع كل لكمة، كانت كلمات صلاح تتردد في أذنيه مثل فحيح الأفاعي

=أنت عارف يا عمر إن اللي بيدخل القصر ده لازم يكون كلب حراسة أمين؟

اشتعلت عينا أنس ببريق أحمر مخيف، وسدد ركلة عنيفة قلبت كيس الرمل رأساً على عقب، وهو يهمس بأسنان كُزت على بعضها

=كلب حراسة يا ابن المرة؟ أنت تخلي أنس العطار كلب عندك؟

تذكر نظرة صلاح المتعالية غدران، وتذكر إهانته لوالده ياسر زمان.

زفر أنس نفساً حاراً، وانقض على كيس الرمل بسلسلة من اللكمات التي لا ترحم، وكأنه يمزق وجه صلاح نفسه.

= عليا الحرام ، لخليك تعوي تحت رجلي عشان أرحمك.. بس الصبر، الأول اعرف مخبي اي مهم اوي كده هنا.

توقف فجأة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، والتمعت قطرات العرق على عضلات ظهره المشدودة.

مسح وجهه بيده، ونظر إلى يده التي احمرت من قوة الضرب، وابتسم ابتسامة باردة ومرعبة

= أنت اللي فتحت باب الجحيم على نفسك.. وأنا اللي هقف حارس على بابه عشان مخرجكش منه أبداً.

التقط منشفة ووضعها حول عنقه، وخرج من الغرفة بخطوات ثابتة، عائداً لدوره كـعمر الهواري، الذئب الذي ينتظر لحظة الانقضاض الأخيرة.

ووووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
داخل جناح حليمة الفاخر، كان الصمت الذي يسبق العاصفة يطبق على الأنفاس.

حليمة كانت تمسك بوشاح حريري وتفتله بين أصابعها بعنف وكأنها تخنق أحداً ما.

فجأة، رن هاتفها للمرة العاشرة، لكنه لم يكن أنس، بل كانت صديقتها مرة أخرى.

لم ترد، بل قذفت الهاتف في المرآة ليحدث شرخاً طويلاً عكس انقسام روحها.

​في تلك اللحظة، انفتح الباب ببطء شديد، ودلف حسن ، كانت عيناه تلمعان ببراءة لم تدرك بعد حجم النيران المشتعلة في قلب أمه.

كان يحمل لوحة كرتونية، اقترب بخطوات متعثرة وهو يقول بنبرة مرتعشة

= ماما.. الميس قالتلي أرسم أكتر حاجة بحبها.. رسمت القصر بتاعنا، ورسمتك أنتي وبابا وأنا ماسك إيديكم.. بصي بابا لابس إيه؟

​حليمة لم تلتفت حتى، بل قالت بصوت كالفحيح

= اخرج بره يا حسن.. مش وقت رسم دلوقتي.

​حسن بإصرار طفولي وهو يشد طرف فستانها:

= لا يا ماما، شوفي بس، أنا لونت فستانك أحمر زي اللي كنتي لابسه يوم عيد ميلادي.. شوفي بابا بيضحك إزاي..

​هنا انفجر البركان، التفتت حليمة إليه بسرعة أرعبته، وجذبت اللوحة من يده ومزقتها لنصفين وهي تصرخ في وجهه بانهيار عصبي

= قولتلك غوووور من وشي! مش عايزة أشوف رسم، ولا عايزة أشوف وشك! أنت طالع لابوك في كل حاجة.

​تراجع حسن للخلف، واللوحة الممزقة سقطت عند قدميه.

لم يبكِ بصوت عالٍ، بل شهق شهقة مكتومة وحبس أنفاسه، ونظر إلى أمه بنظرة انكسار جعلت الهواء يتجمد في الغرفة.

في هذه اللحظة، كانت الحاجة صافية تدفع الباب بعكازها، ورأت المشهد كاملاً.

​سحبت صافية حسن إلى حضنها، وخبأت رأسه في ثيابها وهي تشعر برعشة جسده الصغير، ثم نظرت إلى حليمة بنظرة لم ترها حليمة طوال سنوات زواجها.. نظرة احتقار حقيقي.

​قالت صافية بصوت رخيم وقوي

= اطلع يا حسن يا حبيبي عند الست امينة.. اطلع ومتاخدش على خاطرك، أمك تعبانة شوية.

​بمجرد أن خرج الطفل وهو يمسح دموعه بظاهر يده، التفتت صافية لحليمة وقالت بحدة

= الغل اللي جواكي ده هياكلك يا بنت الأكابر! بقى ده قلب أم؟ تكسري بخاطر عيل صغير ملهوش ذنب إن أبوه مش طايق يبص في وشك بسبب افعالك وبسبب الي عملتيه زمان، ده مفروض انك تحمدي ربك انه مخليكي علي زمته لغاية دلوقتي؟

​حليمة بضحكة هستيرية وهي تضع يدها على خصرها

= اه طلعي طلعي، طلعي كرهك ليا الي مخبياه جواكي، انا عارفه كويس اوي انك مش طيقاني، وبترسمي بس الحبتين دول قدام انس عشان تبيني انك غلبانة، بس انا فهماكي كويس.

نظرت لها صافية بصدمه، و​خطت خطوة للأمام ورفعت سبابتها في وجه حليمة

= انا يابنتي بكرهك؟ ده انا ربنا يعلم ان انا معتبراكي بنتي، انا لو كنت بكرهك صحيح، كنت خليته يخلص عليكي يوم ما سلمتي ورق مهم من الشركة للمنافس بتاعه عشان شوية فلوس، مع انه مش حرمك من حاجة، بس هنقول ايه اصل الجوع ده طبع، والجعان عمره ما يشبع

برغم صدق حديثها، ولكنها نظرت لها بعند، وصرخت بغضب

=ابنك رجعلي عشان كنت حامل مش عشان سواد عيوني، وبعدين قولتلكم مليون مره مش انا، مش انا الي بعته ايه مبتفهموش.

​ساد صمت ثقيل بعد كلمات حليمة الأخيرة، صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاسها المتسارعة ونظرات الحاجة صافية التي كانت تخترقها كالسياط.

وضعت صافية يدها على صدرها وكأن طعنة أصابتها من وقاحة حليمة، ثم هزت رأسها بأسى وقالت بصوت هادئ بشكل مخيف

​= مش أنتي؟ والتحويلات اللي باسمك؟ والصور اللي بتجمعك بالراجل في نص الليل عشان تسلميه الملفات؟ يا بنتي كفاية كدب، الكدب ده هو اللي خلى أنس يبني بينه وبينك جبال مش جدار واحد.
هو سكت عشان خاطر حسن، وعشان الوصيه الي ابوه وصاه بيها من ساعة ما ابوكي مات وسابك حتت لحمة حمره معانا.
خرجت صافية وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة حليمة وسط حطام غرفتها وحطام حياتها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في زاوية معتمة من حديقة القصر الخلفية، حيث تجتمع "الوردية الليلية" من الحرس بعيداً عن أعين الكاميرات، كان هناك رجل يجلس على مقعد خشبي متهالك، يرتدي سترة حراسة سوداء عريضة تخفي ملامح جسده الرياضي، ويضع قبعة "كاب" تغطي نصف وجهه.

​هذا الرجل لم يكن سوى أنس، الذي كان يتصنع الاستماع اليهم، ولكن في الحقيقه كان ينظر الي القصر بأهتمام،ينتظر الوقت المناسب حتي يدخل ويعرف الذي بالداخل

=بقولكم يارجالة، متعرفوش احنا بنحرس ايه هنا؟

قال بإهتمام للرجال الجالسين امامه، ليأتيه اارد من الشخص الجالس بجانبه

=الظاهر كده ان الفيلا دي متخزنة بفلوس

=فلوس؟

قالها انس بدون تصديق ليومأ له الرجل وهو يتابع حديثه

=بص هي حاجة من التلاته، سافلوس، ياسلاح، يا مخدرات، بس المرسي عمرهم ماكان ليهم في الشمال، بس مستبعدهاش عن صلاح باشا.

ابتسم انس بسخريه

=ملهمش في الشمال!

اومأ له الرجل، وهو يقول بتأكيد

=اه والله، اصل حسين باشا ده كان رجل زي السكر، ظول عمره ماشي يمين، علي عكس صلاح باشا، طالع شيطان زي ابوه بالظبط.

لم يهتم انس بحديثه، بل كان ينظر داخل الفيلا بإهتمام، ولم يستطيع الصبر اكثر من ذالك، ليقف وهو يقول بصرامه

=انا هروح الحمام

اومأ له الرجل، ليتحرك انس سريعا من امامه، ونظر حوله بترقب، وعندما تأكد من عدم وجود اي شخص، دخل ابواب الفيلا سريعا.

تسلل أنس إلى داخل الفيلا بخطوات مدروسة، كانت الأجواء بالداخل مريبة، الإضاءة خافتة للغاية، وصمت الجدران.

بدأ يتنقل بين الغرف والمكاتب كالأشباح، يفتح الأدراج ويبحث خلف اللوحات، يقلب الأوراق والملفات بعصبية مكتومة وعينين تشتعلان غضباً.

=ايهههههه،ما اكيد في حاجة

همس لنفسه وهو يمسح العرق عن جبينه.
​فتش في مكتب صلاح الخاص، ونبش في الخزائن المخفية، لكنه لم يجد شيئاً يذكر؛ مجرد عقود قديمة وأوراق رسمية لا قيمة لها في صراعه الحالي.

شعر بضغط الوقت يداهمه، وصدره يضيق من قلة الحيلة.

​وعندما قرر الانسحاب والعودة قبل أن يُكشف أمره، خرج إلى الصالة الواسعة المؤدية للمخرج الجانبي. فجأة، تسمرت قدماه في مكانهما.

​في منتصف الصالة تماماً، وفي زاوية لم تكن مخصصة لقطع الأثاث من قبل، وقف دولاب ضخم من الخشب الأبنوسي الأسود. كان تصميمه غريباً، قديماً، ومزخرفاً بنقوش نحاسية توحي بالرهبة.

مكانه في وسط الصالة كان شاذاً ومستفزاً، وكأنه وُضع هناك ليُخفي شيئاً خلفه أو بداخله.

​اقترب أنس منه ببطء، أنفاسه تصاعدت وهيبته كـ عمر الحارس تلاشت ليحل محلها شراسة أنس المرسي.

مد يده نحو المقبض النحاسي البارد،كان يشعر أن خلف هذا الباب تكمن الحقيقة التي ستنهي كل هذا العبث.

​لمس المقبض، وبالكاد بدأ في تدويره، حتى اخترق سكون الليل صوت احتگاك إطارات سيارات قوية على الحصى في الخارج، تلاها صوت إغلاق أبواب بعنف.

​تصلب جسده. لقد عاد.

​سحب يده بسرعة وكأن المقبض قد لسعه، ونظر حوله بحدة.

لو فُتح هذا الباب الآن ودخلوا، سيكشفون حقيقته.

وبسرعة البرق، ارتدى قناعه من جديد، وضبط قبعته، وانطلق نحو الباب الخلفي متسللاً للخارج قبل أن تلمحه أضواء السيارات التي كشفت عتمة الحديقة.

​خرج ليجد الحراس يتأهبون، بينما كانت سيارة سوداء فارهة تقف أمام المدخل، نزل منها صلاح يرتدي معطفاً طويلاً، ونظر باتجاه القصر بنظرة مريبة.

في زاوية معتمة من حديقة القصر الخلفية، حيث تجتمع "الوردية الليلية" من الحرس بعيداً عن أعين الكاميرات، كان هناك رجل يجلس على مقعد خشبي متهالك، يرتدي سترة حراسة سوداء عريضة تخفي ملامح جسده الرياضي، ويضع قبعة "كاب" تغطي نصف وجهه.

​هذا الرجل لم يكن سوى أنس، الذي كان يتصنع الاستماع اليهم، ولكن في الحقيقه كان ينظر الي القصر بأهتمام،ينتظر الوقت المناسب حتي يدخل ويعرف الذي بالداخل

=بقولكم يارجالة، متعرفوش احنا بنحرس ايه هنا؟

قال بإهتمام للرجال الجالسين امامه، ليأتيه اارد من الشخص الجالس بجانبه

=الظاهر كده ان الفيلا دي متخزنة بفلوس

=فلوس؟

قالها انس بدون تصديق ليومأ له الرجل وهو يتابع حديثه

=بص هي حاجة من التلاته، سافلوس، ياسلاح، يا مخدرات، بس المرسي عمرهم ماكان ليهم في الشمال، بس مستبعدهاش عن صلاح باشا.

ابتسم انس بسخريه

=ملهمش في الشمال!

اومأ له الرجل، وهو يقول بتأكيد

=اه والله، اصل حسين باشا ده كان رجل زي السكر، ظول عمره ماشي يمين، علي عكس صلاح باشا، طالع شيطان زي ابوه بالظبط.

لم يهتم انس بحديثه، بل كان ينظر داخل الفيلا بإهتمام، ولم يستطيع الصبر اكثر من ذالك، ليقف وهو يقول بصرامه

=انا هروح الحمام

اومأ له الرجل، ليتحرك انس سريعا من امامه، ونظر حوله بترقب، وعندما تأكد من عدم وجود اي شخص، دخل ابواب الفيلا سريعا.

تسلل أنس إلى داخل الفيلا بخطوات مدروسة، كانت الأجواء بالداخل مريبة، الإضاءة خافتة للغاية، وصمت الجدران.

بدأ يتنقل بين الغرف والمكاتب كالأشباح، يفتح الأدراج ويبحث خلف اللوحات، يقلب الأوراق والملفات بعصبية مكتومة وعينين تشتعلان غضباً.

=ايهههههه،ما اكيد في حاجة

همس لنفسه وهو يمسح العرق عن جبينه.
​فتش في مكتب صلاح الخاص، ونبش في الخزائن المخفية، لكنه لم يجد شيئاً يذكر؛ مجرد عقود قديمة وأوراق رسمية لا قيمة لها في صراعه الحالي.

شعر بضغط الوقت يداهمه، وصدره يضيق من قلة الحيلة.

​وعندما قرر الانسحاب والعودة قبل أن يُكشف أمره، خرج إلى الصالة الواسعة المؤدية للمخرج الجانبي. فجأة، تسمرت قدماه في مكانهما.

​في منتصف الصالة تماماً، وفي زاوية لم تكن مخصصة لقطع الأثاث من قبل، وقف دولاب ضخم من الخشب الأبنوسي الأسود. كان تصميمه غريباً، قديماً، ومزخرفاً بنقوش نحاسية توحي بالرهبة.

مكانه في وسط الصالة كان شاذاً ومستفزاً، وكأنه وُضع هناك ليُخفي شيئاً خلفه أو بداخله.

​اقترب أنس منه ببطء، أنفاسه تصاعدت وهيبته كـ عمر الحارس تلاشت ليحل محلها شراسة أنس المرسي.

مد يده نحو المقبض النحاسي البارد،كان يشعر أن خلف هذا الباب تكمن الحقيقة التي ستنهي كل هذا العبث.

​لمس المقبض، وبالكاد بدأ في تدويره، حتى اخترق سكون الليل صوت احتگاك إطارات سيارات قوية على الحصى في الخارج، تلاها صوت إغلاق أبواب بعنف.

​تصلب جسده. لقد عاد.

​سحب يده بسرعة وكأن المقبض قد لسعه، ونظر حوله بحدة.

لو فُتح هذا الباب الآن ودخلوا، سيكشفون حقيقته.

وبسرعة البرق، ارتدى قناعه من جديد، وضبط قبعته، وانطلق نحو الباب الخلفي متسللاً للخارج قبل أن تلمحه أضواء السيارات التي كشفت عتمة الحديقة.

​خرج ليجد الحراس يتأهبون، بينما كانت سيارة سوداء فارهة تقف أمام المدخل، نزل منها صلاح يرتدي معطفاً طويلاً، ونظر باتجاه القصر بنظرة مريبة.

بخطوات ثقيلة تزلزل رُخام الفيلا، دخل صلاح وعيناه تشعان بشررٍ لا يبشر بخير.

تجاوز الحراس دون أن ينظر إليهم، متوجهاً مباشرةً نحو ذلك الدولاب الضخم القابع في منتصف الصالة.

لم يتردد لحظة، فتح أبواب الدولاب بعنف أحدث صريراً مزعجاً، لينكشف السر الذي كان أنس على وشك معرفته.

في زاوية الغرفة المعتمة، كانت غدران ملقاة على الأرض، غائبة عن الوعي من شدة الإرهاق والرعب.

اندفع صلاح نحوها كالوحش الكاسر، وانحنى ليجذبها من شعرها بقسوة بالغة، مما جعلها تصرخ صرخة مكتومة وهي تستعيد وعيها على ألمٍ لا يُطاق.

رفعها من الأرض لتواجه وجهه المحتقن بالغضب، وهو يصيح فيها بنبرة مرعبة:

= قومي يا روح أمك! هو أنا مش هخلص من قرفك ابدا؟ ؟ أنا برا شايل مصايب الأرض فوق كتافي، وأنتي هنا مرتاحة.

غفران بضعف وهي تحاول تخليص شعرها من يده الغليظة:

= اوهى ياحيوان سيبني.. أنا عملت إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!

دفعها صلاح بقوة لتصطدم بالجدار الخلفي، وزأر في وجهها:

= مش فاهمة؟ انا هفهمك ياروح امك الوسخ اللي اسمه معتز ده؟ اللي عمال يدور عليكي في كل حتة؟ لو مبعدش عني وعن طريقي، أنا هقتلهولك يا غدران.. هصفيلك دمه قدام عينيكي، فاهمة؟

اتسعت عينا غدران بصدمة، وارتجفت شفاها وهي تنظر إليه برعب حقيقي:

= معتز؟ أنت بتقول إيه؟ انا مش فاهمة حاجة.

أخرج صلاح هاتفها من جيبه بغضب عارم، وضغط على عدة أزرار ثم وضعه أمام وجهها

= دلوقتي حالا.. هترني عليه، وتقوليله إنك سافرتي، وإنك مش هتعرفي تتكلمي معاه لفترة، وإنك محتاجة تبقي لوحدك.. سامعة؟

صرخت غدران بانهيار

= "لا! مش هعمل كدة.. مش هكدب انا مش خايفة منك.

اقترب منها صلاح ببرود قاتل، وهمس بجانب أذنها

= لو معملتيش كدة، الرصاصة اللي في مسدسي دي هتكون في قلبه قبل ما تطلع شمس بكرة.. اختاري يا غدران ، كلمتيه يبقى أنقذتي حياته، مكلمتيهوش يبقى أنتي اللي حكمتي عليه بالموت.

استسلمت غفران لرعبها، وهزت رأسها بالموافقة وهي تبكي بحرقة.

أمسكت الهاتف بيد مرتعشة، وما إن ضغطت على زر الاتصال حتى جاء صوت معتز من الطرف الآخر ملهوفاً

= غفران! أنتي فين يا حبيبتي؟ قلبي كان هيقف من القلق عليكي.. ردي عليا، أنتي كويسة؟

نظرت غفران إلى صلاح الذي كان يصوب نظراته إليها كالسيف، فابتلعت غصتها وقالت بصوت متهدج بالكذب

= "معتز.. أنا كويسة.. بس أنا سافرت.. محتاجة أبعد شوية..

=تسافري فين؟ وازاي مره واحده كده من غير ما تقوليلي؟ انتي فين؟

= معتز أرجوك متدورش عليا ولا تحاول تكلمني، أنا محتاجة أبقى لوحدي.

تحدث معتز بعدم تصديق

=ماتردي عليا سافرتي فين؟ وازاي؟ غفران صوتك ماله؟ أنتي في خطر؟ قوليلي أنتي فين وأنا أجيلك حالا!

أطبق صلاح يده على ذراعها ليذكرها بالتهديد، فأسرعت بالقول وهي تغلق الخط

= مفيش خطر.. أنا بس تعبانة.. سلام يا معتز عشان محتاجة انام شويه.

أغلقت الهاتف وارتمت على الأرض تنشج بالبكاء، بينما سحب صلاح الهاتف من يدها بانتصار،وهو يقول بسخريه

=شطورة يا غدران، احسن حاجة بحبها فيكي ان انتي بتسمعي الكلام.

قال اخر حديثه ونظر إليها باحتقار قبل أن يغلق باب الدولاب عليها مرة أخرى، تاركاً إياها في ظلامها.

أغلق صلاح باب الدولاب الحديدي بإحكام، ثم التفت ليعود إلى الصالة، لكنه تجمد مكانه حين وجد أنس واقفاً أمامه ببرود تام، وعيناه تراقبانه بدقة من تحت حافة القبعة.

تغيرت ملامح صلاح فوراً، وظهر التوتر على وجهه الذي كان منذ لحظات ينضح بالجبروت، سأل بنبرة مهزوزة حاول جعلها قوية

= أنت.. أنت إيه اللي دخلك هنا؟ ومين سمحلك تسيب مكانك برا وتدخل الفيلا؟

أنس، وبحركة هادئة تنم عن ثقة مرعبة، وضع يديه في جيوب سترة الحراسة، ورفع رأسه قليلاً ليواجه نظرات صلاح بهيبة لا تليق بمجرد حارس أمن، وقال بصرامة هادئة

= لا ولا حاجة.. كنت جاي أسألك بس هل محتاج بطاقتي في حاجة تانية ولا خلاص؟ عشان الورق يكمل وأستلم ورديتي بشكل رسمي.

استشاط صلاح غضباً، وكأن سؤال أنس البسيط كان القشة التي قصمت ظهر بعيره المتوتر من أحداث الداخل، فصرخ فيه بصوت عالٍ اهتزت له أرجاء الصالة

= بطاقة إيه وزفت إيه اللي تسيب ورديتك وتدخل القصر عشانها! أنت هنا عشان تنفذ الأوامر وبس، مش عشان تتمشى في الصالة وتراقبني! غور من وشي دلوقت وارجع مكانك برا، والمرة الجاية لو رجلك خطت هنا من غير إذن، هرميك برا الفيلا كلها.. فاهم؟

في هذه اللحظة، كانت قبضة أنس تنقبض داخل جيبه بقوة جعلت عروق يده تبرز، وشعر برغبة عارمة في توجيه لكمة تخرس هذا الشيطان الذي سمع لتوه كيف يعامل امرأة بدم بارد.

لكنه كبح جماحه، وأخذ نفساً عميقاً ليتحكم في غضبه، فهو يعلم أن أي خطوة متهورة الآن ستكشف هويته وتضيع حق والده الي الأبد

ظل أنس صامتاً لثوانٍ، نظراته كانت تخترق صلاح لدرجة جعلت الأخير يشعر بالارتباك رغم صراخه، ثم انحنى أنس برأسه قليلاً في تمثيل متقن لدور الحارس المطيع، وقال بنبرة خفيضة تخفي خلفها وعيداً

= تمام يا باشا.. العيب عندي أنا، مكنتش أعرف إن دخولي وحضرتك موجود بيزعل حضرتك كدة. هرجع مكاني.

التف أنس وخرج بخطوات واثقة، بينما ظل صلاح واقفاً يراقبه بضيق، وهو يهمس لنفسه

= الواد ده نظراته مش مريحة.. أنا مش عارف جبته منين ده كمان!

بمجرد أن خرج أنس إلى الحديقة، خلع القبعة ومسح وجهه بعنف، والتفت ينظر إلى القصر بعينين تشتعلان بالانتقام، وهمس بصوت مسموع

= انا تقولي غور من وشي؟ ماشي يا ابن الوسخه، ليك يوم، ويومك قرب اوي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة فاخرة لكنها تفتقد للدفء، كانت حليمة تجلس فوق أريكة مخملية، وجهها شاحب وعيناها محاطتان بهالات سوداء من أثر السهر والانفعال.

أمامها كانت والدتها، نادية، تجلس بكامل أناقتها وكأنها تستعد لحفلة، تبرد أظافرها ببرود شديد لا يتناسب مع انهيار ابنتها.

​رمت حليمة حقيبتها بعنف على الطاولة وقالت بصوت مخنوق

= "أنا مش قادرة أكمل يا ماما.. خلاص، النفس اللي طالع وداخل بيني وبين أنس بقى تقيل على صدري. أنا عايزة أطلق، عايزة أخلص من السجن ده.

​توقفت نادية عن برد أظافرها فجأة، ونظرت لحليمة بنظرة حادة وكأن ابنتها نطقت بكفر، وقالت بنبرة حادة

= تطلقي؟ أنتي اتجننتي يا بت؟ أنتي عارفة أنتي بتقولي إيه؟ تطلقي من أنس المرسي اللي أي ست تتمنى بس تكون علي اسمه؟

​وقفت حليمة وصرخت بانهيار

= أي ست تاخده! أنا مابحبوش يا ماما.. عمري ما حبيته! أنتي اللي ضغطتي عليا عشان المنصب والاسم والفلوس، لكن أنا من جوايا كنت بموت. أنس بيعاملني كأني قطعة ديكور، ودلوقتي حتى الديكور ده مابقاش طايق يشوفه،أنا زهقت وانا كل يوم بضيع كرامتي اكتر وهو ولا حاسس بيا واهو داخلين فب شهر معرفش عنه حاجة، حتي مهنش عليه يرفع سماعة التليفون يرن عليا.

​قامت نادية من مكانها وتقدمت نحو ابنتها، وبدلاً من أن تحتضنها، أمسكت ذراعها بقوة وضغطت عليها وهي تهمس بفحيح الأفاعي

= حب إيه وكلام فاضي إيه؟ الحب ده للي زيك وزيي رفاهية مش مسموحة! اسمعي يا حليمة، أنتي مش هتطلقي ولا هتسيبيه، على الأقل مش دلوقتي، إحنا لسه ماخدناش حقنا من الجوازة دي إحنا محتاجين نأمن نفسنا الأول، الفلوس اللي بتدخلنا من وراه والمكانة اللي إحنا فيها، كل ده هيروح في ثانية لو الورقة دي اتقطعت.

​هزت حليمة رأسها برفض وهي تبكي

= مش عيزاه مش عيزاه ارحميني بقي، حتي هو خلاص شكلها هانت اوي وهيطلقني.

​قاطعتها نادية بصرامة وهي تهز إصبعها في وجهها

= يبقى تتمسكني.. تعيطي.. انشالله تحملي تاني.. تعملي أي مصيبة تخليه يأجل الخطوة دي لغاية ما نضمن نصيبنا من أملاكه، الجعان يا حليمة لو ساب اللقمة من إيده قبل ما يشبع، بيموت من الجوع، وأنا مش هسمحلك ترجعينا لنقطة الصفر تاني عشان شوية مشاعر تافهة.

​نظرت حليمة لوالدتها بصدمة، وكأنها تكتشف لأول مرة أن الأم التي من المفترض أن تكون ملجأها، هي السجان الحقيقي الذي يبيعها من أجل المال. قالت بصوت مرتجف

= يعني إنتي مش هامك بنتك اللي بتدمر؟ هامك بس الفلوس؟

​لوت نادية فمها بسخرية وقالت وهي تعود لمقعدها

= "الفلوس هي اللي بتداوي الجروح يا حبيبتي، المشاعر بتتمسي، لكن الفقر بيتحس كل ثانية. اعدلي وشك، وروحي حاولي تصلحي اللي هببتيه، ومسمعش كلمة طلاق دي تاني لغاية ما جيوبنا تتملي لآخرها انتي فاهمة؟

نظرت حليمة إلى والدتها بذهول، وكأن غشاوة سقطت عن عينيها لتري وحشاً يسكن في ملامح أقرب الناس إليها. تراجعت خطوات للخلف وهي تهز رأسها بنفي، وصوتها يخرج مبحوحاً

= أنا مش مصدقة.. يعني أنا بالنسبالك مجرد صفقة؟ لو أنس داس عليا بالجزمة أو قتلني مش هيفرق معاكي ، المهم الفلوس تفضل تتحول في حسابك؟

نادية لم ترفع عينها عن أظافرها، وردت ببرود يجمّد العروق

= بلاش الدراما دي يا حليمة. أنس راجل محترم وما بيضربش ستات ، ولو مش عاجبك معاملته، فده لأنك مكنتيش شاطرة كفاية تخطفيه. وبعدين تعالي هنا، أنتي فاكرة إنك لو اتطلقتي هترجعي تقعدي هنا وتصرفي من جيبي؟ ده أنا ما صدقت طلعتك من البيت ده وبقى ليا وضع اجتماعي. كرامتك دي ما بتأكلش عيش، والفقر هو اللي بيكسر الكرامة بجد.

مسحت حليمة دموعها بعنف، وتحولت نظرة الانكسار في عينيها إلى شرارة غضب يائس، وقالت

= أنا فعلاً كنت غبية.. غبية لما فكرت إنك ممكن تحسي بيا. أنس كان عنده حق لما كان بيبعدك عن حياتنا.. كان عارف إنك مش عايزة غير جيوبه.

نادية وقفت فجأة، وصوتها أصبح كالرعد

= أديكي قلتيها.. جيوبه! وجيوبه دي هي اللي لبستك الألماظ اللي في إيدك ده، وهي اللي خلتك بنت الأكابر قدام صاحباتك. اسمعي يا بت أنتي، مفيش طلاق! ولو أنس صمم، تقعدي معاه وتتفاوضي على نص ثروته قبل ما يرميكي. قصة الحب اللي بتدوري عليها دي في الروايات وبس، لكن في بيت المرسي، مفيش غير لغة الأرقام. فاهمة ولا أعيد كلامي؟

لم ترد حليمة، بل خطفت حقيبتها من على الطاولة وخرجت تجري من الشقة، وصوت كعب حذائها يرتطم بالأرض بقوة يعكس نبضات قلبها الجريح

كانت تشعر أنها غريبة عن كل شيء؛ زوجها يكرهها، ابنها كسرته، وأمها تتاجر بها.

بمجرد أن ركبت سيارتها، أطبقت يديها على المقود وانفجرت في بكاء هستيري
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انتظر أنس حتى تأكد من خلو الصالة تماماً، وأن صلاح قد غادر فهو منذ اسبوع اصبح يأتي كل يوم ويدخل الي الفيلا ويجلس بالداخل اكثر من ساعتيم ويخرج، وهذا ما زاد الشك في قلب انس.

تسلل مرة أخرى كخيال مأتم، لكن هذه المرة لم يكن يتخبط، بل كانت عيناه مسلطتين على هدف واحد المكتبة الخشبية الضخمة الملاصقة للجدار القريب من ذلك الدولاب المريب.

​اقترب أنس من أرفف الكتب التي تفوح منها رائحة الورق القديم والغموض.

بدأ يحرك الكتب بهدوء وحذر شديد، لا يريد لأي صوت أن يكشف أمره.

كان يبحث عن ثغرة، عن شيء غير منطقي في ترتيب المجلدات، حتى تعثرت أصابعه بمجلد جلدي سميك لا يتحرك من مكانه.

سحبه بقوة معينة، فسمع صوت تكة ميكانيكية خافتة.

​فجأة، تحرك جزء من خلفية المكتبة ببطء، ليكشف عن فتحة ضيقة تؤدي إلى ممر مظلم.

لم يتردد أنس لثانية واحدة؛ اندس داخل الفتحة وأغلقها خلفه، ليجد نفسه في ممر طويل وبارد، يفوح منه عبق الرطوبة والظلام.

​كان يمشي بخطوات حذرة، وصوت أنفاسه هو الشيء الوحيد الذي يسمعه في هذا النفق السري، حتى وصل إلى نهاية الممر حيث وجد باباً حديدياً صغيراً.

وضع يده على المقبض، وقلبه يخفق بعنف وكأنه يقرع طبول الحرب.

​دفع الباب ببطء، فصدر عنه صرير خفيف كأنه أنين. ومع انفراج الباب، اندفع بصيص ضوء خافت من الداخل.

خطى أنس خطوة واحدة للداخل، لكنه تسمر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة لجمت لسانه.
ووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
دخل انس إلى الغرفة بخطوات واثقة، لكنه تسمر في مكانه حين وقعت عيناه عليها.

كانت نائمة هناك، ساكنة كتمثال تفيض بجمالٍ طاغٍ أربك حساباته.

اقترب منها ببطء، وعيناه تتفحصان تفاصيل وجهها وجسدها الممتلئ بفتنة لا تقاوم، صغر عينيه بإعجاب ممزوج بخبث، وهمس بصوت خفيض حمل نبرة متهكمة

_الله يخربيت أمك إيه كل ده؟ عنده حق يخبيكي، الطري ده كله ميتسابش برضه!

مد يده بجرأة، يمرر أنامله على بشرة وجهها الناعمة، وفي تلك اللحظة، انتفضت من سباتها كعصفور ذبيح.

تراجعت للخلف بسرعة، والذعر يشل أطرافها وهي تصرخ برعب

_أنت مين؟! وازاي دخلت هنا؟

سرح أنس لثوانٍ في ملامحها، ذلك المزيج المتناقض بين براءة الوجه وشراسة النظرة ألهب فضوله، فقال بضحكة خبيثة

_براحة ياطري ليطقلك عرق مينفعش كده.

استشاطت غدران غضباً من وقاحته وتجرؤ عيناه على جسدها، فصاحت به بنبرة حادة

_أنت مين وإيه اللي جابك هنا؟ انطق!

هنا، تبدلت ملامح انس تماماً؛ تلاشت السخرية وحلت مكانها هيبة طاغية.

اعتدل في وقفته، وبرزت عروق عنقه غضباً وهو يصيح بها بصوت زلزل أركان الغرفة

_لا يا روح أمك ده أنتي اللي هتقوليلي أنتي مين! وبتعملي إيه هنا؟ وعملتي إيه في صلاح عشان يوصله إنه يحبسك الحبسة دي؟

لم تستسلم لترهيبه، بل ردت بعناد جريح

_أنت مالك؟ أنت مين أصلاً؟ مش خايف أقول لصلاح عليك؟ ده يفرمك!

احتقن وجه أنس بالدماء، واقترب منها بخطوات وئيدة مرعبة وهو يقول بصوت فحيح الأفاعي

_لو كنت خايف مكنتش عملت يا مرة اتعدلي في كلامك أحسنلك!

تفرست في هيئته بتمعن، لمحت طرف اللاسلكي القابع خلف ظهره، وبذلته التي تنم عن سلطة، فارتجفت شفتاها بقلق ممزوج بالاحتقار

=أنت مين رد عليا؟ شكلك كده ومن لبسك واللاسلكي اللي في ضهرك ده إنك من الحرس أنت كلب من كلاب صلاح، هو اللي بعتك صح؟

جن جنون انس من وصفها، فاندفع نحوها كالإعصار، دافعاً إياها بقوة نحو الحائط حتى اصطدم ظهرها بالرخام البارد.

حاصرها بين ذراعيه، وهتف في وجهها بغضب جحيمي

=الكلب ده معندهوش مانع ينهش لحم ميتين أمك دلوقتي لو متعدلتيش!

ثم خفض بصره نحو جسدها مرة أخرى، وتلاعبت على شفتيه ابتسامة مستفزة وهو يهمس بخبث بجانب اذنها وهو يمرر منخاره علي رقبتها بشهوة.

=وبصراحة الطري ده لازم يتداق ولا إيه يا طري؟

لم تتردد لثانية واحدة؛ وبحركة مباغتة، رفعت قدمها وضربته بكل قوتها، وهي تصرخ في وجهه باحتقار

=أنت إزاي تتكلم معايا كده يا زبالة؟ فاكرني هخاف منك؟

تراجع أنس خطوة، ليس من ألم الضربة، بل من ذهوله بجرأتها.

مسح على وجنته ببطء، وعادت ابتسامته الساخرة لتتسع على شفتيه، لكنها هذه المرة كانت تحمل نبرة تحدٍ ووعيد.

قال بصوت هادئ، لكنه كان أشد خطورة من الصراخ

=والله وطلعتي بتعرفي تضربي كمان؟ ده انتي شرسة بقي، ومالة اموت في الشرس.

أخذت تتنفس بصعوبة، جسدها يرتعش غضباً من وقاحته التي تجاوزت كل الحدود.

تحدق به بعينين تطلقان شرراً، وقالت بصوت متهدج:

=أنت قليل الأدب! وقليل الرباية! إزاي تسمح لنفسك تتكلم معايا كده؟!

ضحك انس بسخرية عالية ملأت المكان، وكأنه يستهزئ بآخر بقايا احترامها.

اقترب منها مجدداً، حتى أصبحت أنفاسه اللاهبة تلامس وجهها، خفض صوته لدرجة الهمس، وكلامه صار كلسعة العقرب

=والله مبقاش غير الزبالة اللي زيك تبقى عاملة نفسها شريفة ، إيه اللي يمنع قليل الأدب يربي قليلة التربية؟ ولا يمكن بتحبي الدلع ده مع صلاح بس؟

ارتفع صوت صرختها حداً لم تتوقعه، حاولت دفعه بكل قوتها، لكنه كان كالحائط الصد، لم يتزحزح.

توسعت عيناها جزعاً وهي تشعر بأن قبضته الحديدية تحكم إغلاقها على ذراعيها.

هتفت به، والدموع بدأت تتجمع في عينيها من شدة القهر

=إبعد عني يا حيوان! سيبني! أنت فاكرني مين؟!

شدد انس قبضته على ذراعيها، واقترب بوجهه منها أكثر، لدرجة أنها شعرت برائحة عطره الرجولي القوية تختلط برائحة غضبها.

ارتفعت زاوية فمه في ابتسامة خبيثة، وهو يتأمل وجهها الذي بدأ بالاحمرار من الغضب والدموع، وقال بصوت خشن

=واحدة محبوسة في اوضة واحد بيجيلها كل يوم يقعد معاها بالساعات ويمشي يبقي فاكرك مين؟ واحدة واسخة من الي بيتدقو علي كل سرير شوية.

رمقته بنظرة حادة، وقد استعادت بعضاً من رباطة جأشها، وقالت متحدية

=أخرس يا حيوان ده انا اشرف من اهلك، وأنت فاكر نفسك مين ؟ أنت مجرد كلب تاني من كلاب صلاح، جاي تعمل فيها راجل عليا عشان صلاح يرضى عنك!

انفجر انس غضباً، هزها بعنف، ثم دفعها مرة أخرى نحو الحائط،

لدرجة أن رأسها كاد أن يرتطم به.

كانت رجولته وكبريائه قد جرحا بعمق، عينيه تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين

=عليا الحرام، هاين عليا دلوقتي اوريكي رجولتي وساعتها، مش هتقدري حتي تقفي علي رجلك تاني، فااتقي شري عشان انا زعلي وحش ياطري.

مرر عيناه علي جسدها، وهو يتابع حديثه بخبث

=والكلب ده يقدر يوريكي إيه اللي ممكن يعمله فيكي، وفي صلاح، وفي أي حد يفكر بس يهين رجولته!

لم يكتفِ بالكلام، بل تقدم خطوة أخرى، وبدأت هي تتراجع، تشعر بأن قواه البدنية لا تضاهي قوتها، حتي انها سقطت بعدما تم سحبها من هذه السلسة الحديدية

كانت ترى في عينيه وحشاً قد استيقظ، وحشاً لا يخشى شيئاً.

نظرت حولها بيأس تبحث عن أي شيء تدافع به عن نفسها، لكن الغرفة كانت خاوية، إلا من أثاثها الثقيل.

تعثرت قدماها بالسلسلة الحديدية الغليظة، تلك التي كانت تقيد حريتها وتذلها، لتجد نفسها ساقطة على الأرض بضعفٍ لم تعهده.

وبينما كانت تحاول النهوض، وجدت ظل أنس العملاق يغطيها ككابوس لا مفر منه.

انحنى بجسده الضخم حتى صار جاثياً أمامها، والشرر يتطاير من عينيه اللتين لم تتوقفا عن نهش جسدها بنظراته الوقحة.

قال بنبرة ساخرة، وهو يمد يده ليمسك بطرف السلسلة ويهزها بخفة، محدثاً رنيناً معدنياً مقززاً

=تؤ تؤ تؤ وقعتِ يا قطة؟ السلسلة تقيلة عليكي ولا إيه،

حاولت التراجع وهي زاحفة على الأرض، لكن الحائط كان خلفها والسلسلة تقيد حركتها.

صرخت في وجهه والدموع تحرق وجنتيها، لكن صوتها ظل يحمل حدة نصل السكين

=أنت مريض والله مريض! فاكر لما تمد إيدك عليا وتهيني بالكلمتين دول تبقى راجل؟

احتقن وجهه مجدداً، وبحركة سريعة كالبرق، قبض على فكها بيده القوية، ضاغطاً عليه حتى شعرت بأسنانها تكاد تتحطم.

قَرّب وجهه منها لدرجة أنها رأت انعكاس رعبها في سواد عينيه، وقال بفحيحٍ مرعب

=سبحان من ما مهديني علي الي جاب ميتين امك، قسماً بالله يا بت أنتي، لولا إني لسه عايز أعرف قصة صلاح معاكي، كنت خليت الليلة دي سودا على دماغك ودماغ اللي خلفوكي، لسانك ده عايز يتقص، وأنا اللي هقصه بيدي.

بصق كلماته الأخيرة في وجهها، ثم ترك فكها بعنف ليرتطم رأسها بالحائط خلفها.

وقف بطوله الفارع، يعدل من هندام بذلته، ونظر إليها باحتقار وهو يمرر بصره على تفاصيل جسدها المرتجف، ثم قال بخبثٍ عاد ليحتل نبرته

=بس تعرفي رغم طول لسانك وقرفك، إلا إنك لسه طرية وصلاح ده ذوقه عالي أوي خسارة الجمال ده يتدفن في أوضة زي دي بس ياللا، نقول ايه الجميل ديما ناقص

لم تجبه، بل اكتفت بأن ضمت جسدها إلى نفسها، تحاول الاختباء من نظراته خلف ذراعيها، بينما كان هو يتوجه نحو الباب بخطوات عسكرية ثقيلة، تاركاً خلفه رائحة عطره وصوت ضحكته المستفزة التي ظلت تتردد في أرجاء الغرفة المظلمة.

نظر اليها، ثم قال بخبث
2

=هنتقابل تاني يا قطه، هنتقابل في معركة شرسة اوي، متنسنيش بقي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الطابق الأخير من برج الشركة الشاهق، كان صلاح يقف أمام نافذته الزجاجية العملاقة، يرقب المدينة كأنها رقعة شطرنج يمتلكها.

كان يرتدي حلة سوداء باهظة الثمن، لكن ملامحه لم تكن تعكس أي ثراء، بل كانت لوحة من الحقد الخالص.

قبضته كانت تعتصر كأساً من الكريستال، وعيناه تشتعلان بلهيب الغضب المكبوت.

دخل المحامي الخاص به بخطوات متعثرة، يحمل ملفاً جلدياً، وصوته يرتجف

=يا صلاح بيه الموضوع طلع أعقد مما تخيلنا. الصفقة وقفت تماماً.
استدار صلاح ببطء مرعب، وسأل بنبرة منخفضة تحمل نذير العاصفة

=يعني إيه وقفت؟ انت مش قولتلي لو عملتلنا التوكيل كل حاجة هتتحل؟

ابتلع المحامي ريقه بصعوبة وأجاب وهو يشير إلى الأوراق

=التوكيل يمشينا في بيع وشراء، لكن البند اللي عمك الله يرحمه حطه في العقود الأساسية، الصفقة دي بالذات، وتنازل الأملاك الكبيرة، لازم يتم ببصمتها وتوقيعها الحي قدام اللجنة القانونية للشركة الأجنبية التوكيل هنا ورق ملوش قيمة قدام شرط الحضور الشخصي اللي حطه أبوها عشان يحميها.

هنا، لم يتمالك صلاح نفسه، قذف بالكأس في الحائط ليتحطم إلى ألف شظية، وصرخ بصوت هز جدران المكتب الفاخر

=بنت غدران! حتى وهي محبوسة زي الكلبة تحت الأرض، لسه قادرة تقطم رقبتي أبوها ، كان عارف إني هنهش لحمها فعمل الحساب ده كله؟!

اقترب من مكتبه بغضب عارم، يبعثر الأوراق بيده وهو يصيح بجنون

=كل حاجة ب اسمها! الأرض والمصانع والسيولة! وأنا اللي شقيت وبنيت، أقف عاجز قدام امضة من إيدها؟

ساد الصمت لثوانٍ، تحول فيها غضب صلاح إلى نظرة خبيثة مظلمة، مسح على وجهه وأردف بوعيد

=بقى الصفقة واقفة على حضورها؟ ماشي نحضرها لو كانت فاكرة إن حبسها في البدروم ده آخر عقابها، تبقى غلطانة، أنا هطلعها وهخليها تمضي وهي بتبوس رجلي عشان أرحمها.

نظر للمحامي بعينين ضيقتين وقال بصوت فحيح

=جهزلي الأوراق تانى وبلغ الجماعة الأجانب إن غدران هانم عندها وعكة صحية وهتيجي تمضي خلال أيام،أما أنا بقى فليّا مشوار تحت الأرض، لازم أفهم الوسخة دي إن اللي بيعاند صلاح، بيموت بالبطيء.

خرج صلاح من مكتبه بخطوات غاضبة، يسابق الزمن، والشياطين تهمس في أذنه بكل أنواع الانتقام.

بينما ظل المحامي يرتجف خلفه، مدركاً أن القادم سيكون جحيماً على الجميع.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دخل غرفته كإعصار، ركل الباب خلفه ليغلقه بقوة زلزلت الجدران.

لم يتوجه نحو الفراش، بل وقف في منتصف الغرفة يتنفس بصعوبة، صدره يعلو ويهبط كوحشٍ حُبس لفترة طويلة.

بيدٍ مرتجفة من فرط الانفعال، بدأ يفك أزرار قميصه بعنف، حتى انقطع أحد الأزرار وتطاير على الأرض.

نزع القميص وألقى به في زاوية الغرفة، كاشفاً عن جسدٍ رياضي صلب، وعروقٍ بارزة في ذراعيه ورقبته تعكس مدى الضغط العصبي الذي يمر به.

=مين دي؟ وازاي قدرت تعمل فيا كده؟

زمجر بصوت خفيض وهو يمرر يده على وجهه بعنف، محاولاً محو صورة جسدها الذي رآه قبل قليل.

كان يشعر بحرارة غريبة تسري في جسده، إثارة لم يعهدها من قبل، ممزوجة بغضبٍ كاسح لأنها استطاعت بكلماتها وجمالها أن تهز ثباته الذي بناه لسنوات.

اقترب من المرآة، نظر إلى انعكاس صورته؛ عينيه كانت حمراء من فرط الاحتقان.

قبض يده ولطم بها سطح المكتب الخشبي وهو يشتم بصوت مسموع

=ايهههه ما تهدى، هي اول مره تشوف نسوان.

تخيلها أمامه مرة أخرى، تذكر ملمس بشرتها تحت أنامله، وكيف كانت تتنفس برعبٍ ألهب ذكورته.

شعر بوقاحة أفكاره تزداد، فكلما حاول تذكرها، خانه عقله وصور له تفاصيل جسدها وهي ساقطة تحت ظله بالسلسلة.

بخطوات مهتزة، توجه نحو علبة سجائره.

أخرج واحدة وأشعلها بقدحٍ سريع، وسحب منها نفساً عميقاً طويلاً كأنه يحاول إطفاء النيران المشتعلة في جوفه.

نفث الدخان ببطء وهو يسند رأسه إلى الحائط، وعيناه تضيقان بمكر وغل.

أمسك بهاتفه، وضغط على عدة أزرار وهو يهمس لنفسه بفحيح مرعب:

=عايزك تجبلي ملف فيه كل حاجة عن صلاح وعيلته، عايز كل حاجة يا وائل، عشان لو ملقتش الي انا عايزة ، عليا الحرام لدفنك

اغلق الهاتف ووقف هناك، نصف عارٍ، يحيط به دخان سجائره كغيمة سوداء، يخطط كيف سيعود إليها ليكسر كبريائها ويذيقها من رجولته التي تحدتها، تاركاً هيبته الطاغية تملأ المكان برائحة الخطر والوعيد.

بخطوات مدوية كأنها دقات طبول الحرب، هبط صلاح إلى القبو.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان صمت المكان يزيده اشتعالاً، وصورة تلك العقبة التي تقف بينه وبين الملايين لا تفارق خياله.

فتح الباب الحديدي بعنف اصطدم معه المقبض بالحائط، ليرى غدران زاحفة في ركنها، يحيطها الذل الذي صممه لها، لكنه الآن لم يعد كافياً لشفاء غليله.

اندفع نحوها كالوحش المفترس، وقبل أن تنطق بكلمة، كانت قبضته قد التفت حول ذراعها يرفعها عن الأرض بقسوة، صرخت من الألم لكنه لم يبالِ، بل صفعها،لتسقط علي الأرض مره اخره، وصرخ بملء فيه

=بقى أنتي يا جربوعة، تكتفيني بالورق؟ فاكرة إن أبوكي لما حط شرط حضورك الشخصي قدر يحميكي مني؟

انهال عليها بضربة قاسية على وجهها أمالت رأسها جانباً، ثم قبض على شعرها بقوة ليرغمها على النظر في عينيه الجاحظتين

=لا ياروح امك، ده دخلك في قفص الأسد وقفل عليكي من بره، لبشك مع الي مبيرحمش.

كانت تحاول الفرار من بين يديه، وهي تصرخ بغضب

=ابعد عني ياحيوان، ابعد عني.

صفعها بكل قوته، وهو يقول بغضب

اسمعي يا روح أمك يومين من دلوقتي فيه حفلة، هتخرجي معايا فيها زي الهوانم، وتدخلي المكتب وتمضي على ورق الصفقة الجديدة قدام الأجانب وأي حركة غدر، أي نظرة مش عاجباني، اعتبري معتز مات هقتله وأبعتلك راسه في علبة هدايا انتي فهمة؟

بصقت عليه وهي تتنفس بصعوبة، وقالت بنبرة متحدية رغم دموعها

=مش همضي يا صلاح اقتلني، لكن مش هتاخد مليم واحد من اللي أبويا سابهولي!"

جن جنونه من عنادها، أخرج مفتاحه وبدأ يفك السلسلة الحديدية من قدمها وهو يزمجر

هتخرجي يعني هتخرجي، وهتمضي وانتي بتضحكي كمان والا هتشوفي مني وش مش هيعجبك انتي فهمة؟!

بمجرد أن شعرت غدران بحرية قدميها، ونتيجة للأدرينالين الذي سرى في جسدها، دفعت صلاح بكل قوتها في صدره، مما جعله يترنح للخلف.

لم تتردد ثانية واحدة، ركضت نحو الباب المفتوح، كانت تظن أن النور في نهاية الممر هو طوق النجاة.

لكن صلاح كان أسرع، وبحركة خاطفة قبض على خصرها من الخلف وسحبها بعنف لتسقط على الأرض الرخامية الباردة.

بدأ يضربها بقسوة وهي تصرخ وتتلوى تحت يديه، حتى خارت قواها تماماً

سحبها من ثيابها وألقى بها داخل الغرفة مرة أخرى وربط قدميها بالسلسة مره اخره ، ثم وقف عند الباب يلهث بغضب، وعيناه تلمعان ببريق شيطاني

=انا غلطان ان كنت عايز اعاملك زي البني ادمين وافكك، يومين يا غدران يومين والحفلة هتبدأ، وهتكون ليلتك السودة لو فكرتي تهربي تاني،هخلي رجلتي واحد واحد يحلي بيكي انتي فاهمة!"

أغلق الباب خلفه بقوة، تاركاً إياها في ظلام دامس، لا يكسره سوى صوت بكائها المقهور وصوت أنفاسه التي توعدت بالخراب.

وهي تربط كلامه بهذا الحقير الذي اتى منذ قليل، هل يعقل ان يكون بعت هذا الرجل اليها حتي يخيفها، هل يعقل انه سوف يفعل هذا حقا؟

شعرت بالرعب بداخبها لتنهار باكيا علي حالها.

صعد صلاح من القبو وخطواته تترك أثراً من الغضب على الرخام، وصدره يغلي كمرجل.

توقف في الممر الواسع، يمسح حبات العرق عن جبينه ويحاول استجماع شتات تفكيره في تلك المصيبة؛ فكيف سيجعل تلك الشرسة تمضي أمام الجميع دون أن تفضحه؟

أخرج علبة سجائره بيد مرتعشة، سحب واحدة ووضعها بين شفتيه، وقبل أن يخرج قداحته، ظهر ظل طويل أمامه.

وبحركة سريعة وهادئة، امتدت يد تحمل لهيباً جاهزاً لتشعل سيجارته.

رفع صلاح عينيه ليجد أنس واقفاً أمامه بهدوئه الرزين ونظرته الثاقبة، وهو يقول بنبرة هادئة

=مالك يا باشا؟ مين بس اللي حرق دمك كده؟

سحب صلاح نفساً عميقاً من السيجارة، ونفث دخانها بغضب وصمت، وعيناه تراقب اللاشيء. كرر أنس سؤاله بخبث وهو يميل برأسه قليلاً

=قول بس يا باشا على اللي مزعلك وصدقني، راسه هتكون تحت رجليك وقتي، ميهمناش مين يكون.

ضحك صلاح بسخرية، ضحكة خالية من أي مرح، ونظر إلى أنس من أسفل لأعلى وقال

=إيه ناوي تخدمني يا عمر؟"

لم يتردد أنس، بل رفع يده وضرب بخفة وقوة في آن واحد على جانب رقبته، في حركة تنم عن الولاء والرجولة المطلقة، وقال بصوت جهوري

=رقبتي يا باشا اطلب وتمنى.

صمت صلاح لثوانٍ، يتفحص ملامح أنس بتفكير عميق، وكأنه يزن الأمور في عقله.

هل يثق بهذا العملاق ليحميه في تلك الليلة؟ ثم قال بلهجة حاسمة

=طيب جهز نفسك، بعد يومين عندنا مشوار مهم، وعايزك معايا.

لمعت عين أنس بفضول حاول إخفاءه خلف قناع الطاعة، وقال

عيوني يا باشا هكون جاهز ومستني.

تحرك صلاح ليبتعد، لكنه توقف فجأة واستدار بجسده، مشيراً بسبابته نحو أنس بنظرة مرعبة

=اللي هتشوفه وتسمعه اليوم ده محدش يعرف بيه، ولا حتى خيالك أنت فاهم؟

أدرك أنس أن الأمر يتعلق بتلك الفتاة والقبو، فهز رأسه بوقار مصطنع وقال

=تمام يا باشا متقلقش أنا عمري ما أخون سرك، وسرك في بير.

ابتسم صلاح برضا زائف، وربت على كتف أنس قبل أن يغادر الممر بخطوات واثقة.

وبمجرد أن اختفى طيف صلاح تماماً، تلاشت ابتسامة أنس وتحولت ملامحه إلى كتلة من الكره الصافي.

بصق على الأرض خلف صلاح، وهمس بفحيح يحمل وعيداً مرعباً

=هانت هانت أوي يا صلاح.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
في تمام الساعة السادسة صباحاً، وبينما كان قصر صلاح هادئاً، تسلل أنس بخفة من الباب الخلفي للملحق، استقل سيارة  عادية لمسافة قصيرة، ثم انتقل لسيارة مرسيدس سوداء فارهة كانت تنتظره في زاوية مظلمة.

بعد نصف ساعة، توقفت السيارة أمام برج العطار  العملاق.

نزل أنس من السيارة، لكنه لم يكن عمر الحارس المطيع؛ كان يرتدي بدلة سوداء كلاسيكية ارتداها وهو في السياره.

بمجرد دخوله من الباب الزجاجي الضخم، انتفض موظفون الأمن والاستقبال بذهول واحترام، ووقف الجميع في صفوف كأنهم في عرض عسكري.

تحدث موظف الأمن بارتباك وفرحة

=أنس بيه! حمد الله على السلامة يا فندم الشركة نورت.

تحدث أنس بإيماءة رأس خفيفة ونظرة حادة

=الله يسلمك.

استمر في السير بخطوات واثقة وسريعة، وصوت حذائه يضرب الرخام بقوة تعكس سلطته.

استقل المصعد الخاص الذي لا يفتح إلا ببصمة إصبعه، ووصل للدور الأخير حيث مكتبه الذي يطل على القاهرة بأكملها.

بمجرد دخوله المكتب، كان وائل واقفاً بانتظاره، وعلى وجهه ابتسامة ارتياح ممزوجة بالجدية.

=كفارة ياباشا وحشتنا الهيبة دي بصراحة لبس الحراس ده مكنش لايق عليك خالص.

تحدث أنس وهو يخلع جاكيت البدلة ويجلس على كرسي

=كله يهون عشان حق ابويا يا وائل المهم، قولتلي في ورق مستعجل وصفقات جديدة، خلصني عشان لازم أرجع قبل ما صلاح الكلب ده يرجع.

تقدم وائل ووضع أمامه ملفاً جلدياً ضخماً

=دي عقود الشراكة الجديدة مع مجموعة العاصي ، ودي أوراق المناقصة اللي صلاح فاكر إنه هياخدها إحنا حطينا سعر هيخليه يلطم لما يعرفها، ومحتاجين توقيعك هنا وهنا عشان السيولة تتحرك.

أمسك أنس بالقلم الذهبي، وبدأ يمضي بسرعة وثقة وهو يسأل

=والسوق وضعه إيه؟ صلاح بدأ يشك في حاجة؟

=ابداً، لحد دلوقتي فاكر ان كل الخساير دي خساير صفثات عادية وتجارة واقعة مش اكتر.

اومأ أنس وهو يغلق الملف بحدة وعيناه تلمعان بمكر

=حلو اوي، عملت ايه في الملف الي قولتلك عليه؟
فتح وائل حقيبته الجلدية وأخرج ملفاً أسود اللون، وضعه أمام أنس بهدوء وقال

= موجود يا باشا، كل التفاصيل اللي قدرت أوصلها عن عيلة المرسي موجودة هنا.

أمسك أنس بالملف وبدأ يقلب الصفحات ببرود واهتمام شديد في آن واحد، وصوت احتكاك الورق هو الوحيد المسموع في المكتب.

وفجأة، تسمرت يده عند صفحة معينة، واتسعت عيناه بصدمة لم يستطع مداراتها خلف قناع الجمود الذي يرتديه دائماً.

كانت صورة فتاة في مقتبل العمر، بملامح رقيقة.

همس أنس بصوت مخنوق من شدة المفاجأة

= غدران حسين المرسي؟!

نظر إليه وائل بجدية وأومأ برأسه قائلاً

= دي بنت عم صلاح يا باشا. الوريثة الوحيدة لثروة حسين المرسي اللي مات من كام شهر، بس الغريبة إنها اختفت تماماً من بعد موت أبوها بيومين تلاتة، بيقولو انها مقدرتش تتحمل الصدمة فهربت، بس الأغرب من كدة إنها قبل ما تختفي، مضت على توكيل رسمي لصلاح بيدله الحق في التصرف في كل أملاكها الأرض، المصانع، والسيولة اللي في البنوك.

كان أنس يسمع كلمات وائل وكأنها صدى بعيد، بينما عيناه مدققتان في تفاصيل وجه الفتاة في الصورة.

شحب وجهه وهو يتذكر ملامح تلك الفتاة المنهكة، المربوطة بسلاسل في قبو فيلا صلاح، والتي كان يحرصها.

ضغط أنس بيده على طرف المكتب حتى ابيضت مفاصله، وقال بصوت حاد كالسيف

= هربت؟ صلاح بيقول إنها هربت؟

اومأ وائل باستغراب

ده اللي الكل يعرفه يا باشا، وصلاح وبيدور عليها في كل حتة ده حتى عامل مكافئه للي عيلاقيها ليه في حاجة.

نهض أنس فجأة، وعيناه تشتعلان بنيران الغضب والانتقام، وأطبق الملف بقوة هزت أركان المكتب وهو يقول بفحيح مرعب

= غدران مهربتش يا وائل غدران محبوسة في  الفيلا اللي أنا بحرسها،الكلب صلاح خاطف بنت عمه وحابسها زي الكلاب عشان يلهف ورثها، ومفهم الكل إنها هربت!

توسعت عين وائل بصدمة

يا ابن الوس*ة! يعني البت معاه في البيت؟ وأنت شفتها يا باشا؟
تحدث أنس وهو يرتدي جاكيت البدلة بسرعة والشرر يتطاير من عينيه

شفتها اتكلمت معاها كمان، بس كنت فاكرها بت شمال معصلجه معاه، مكنتش أعرف إنها الورقة اللي هكسر بيها رقبته، لمّ الورق ده يا وائل، أنا لازم أرجع حالاً قبل ما حد يلاحظ غيابي،لحسن اللعبة كده احلوت اَوي.

قال اخر حديثه، وهو يهندم ملابسه امام المرآه، وهو ينسج في خياله اقكار خطته الحديده التي اصبحت غدران هي الهدف الاساسي بها، كان علي وشك الذهاب، ولكن اوقفه حديث وائل

= استنى بس يا باشا العاصي عامل حفلة ضخمة بمناسبة الشراكة الجديدة بعد بكرة، ومصمم إنك تحضر بنفسك.

لم يلتفت له انس بل استمع اليه بصمت وما ان انهي حديثه، غادر المكتب سريعاً.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انزوت حليمة في ركن غرفتها الواسعة، تلك الغرفة التي كانت يوماً حلمها الأسمى، وصارت الآن تشبه زنزانة مطلية بالذهب.

كانت الإضاءة خافتة، تعكس ظلالاً مهتزة على الجدران، تماماً كحالتها.

في تلك اللحظة، لم تكن حليمة امرأة واحدة، بل كانت امرأتين تتصارعان داخل جسد واحد.

الصوت الأول، كان نحيلاً، واهناً، يهمس من أعماق كرامتها المهدورة

اخرجي يا حليمة اهربي قبل أن تبتلعكِ هذه الجدران،أنس ليس لكِ، وأنتِ لستِ له كل قبلة تمنحينه إياها هي طعنة في صدر صدقك، هذا الثراء زيف، وهذا الهدوء يسبق العاصفة، ارحلي بكرامتكِ وما تبقى من وجهكِ القديم.

لكن الصوت الثاني كان أقوى، كان مزمجراً بحدة، يحمل نبرة أمها القاسية ومرارة سنوات الحرمان

كرامة؟ أي كرامة تلك التي ستطعمكِ خبزاً تذكري ذل السؤال، تذكري نظرات الجيران وأنتِ تبحثين عن ثمن وجبة عشاء،لو خرجتِ الآن، ستسقطين أنتِ وأمك في قاع سحيق لا قيام منه، أنس ليس رجلاً، هو صراف آلي هو طوق نجاة من بحر الفقر والتشرد الذي ينتظركِ في الخارج.

نظرت حليمة إلى المرآة، رأت عينيها تشعان ببريق غريب بريق الطمع الذي بدأ ينتصر.

لمست بيديها الحرير الذي يلف جسدها، وتذكرت ملمس الملابس الخشنة البالية التي كانت ترتديها قديماً، فاقشعر بدنها رعباً.

=انا مبحبهوش

قالتها لنفسها بوضوح جارح، لم يكن هناك مجال للكذب في هذا السكون.

هي لا تطيق نبرة صوته، ولا رائحة عطره، ولا حتى طريقة جلوسه.

لكنها في الوقت ذاته، تعشق الأمان الذي يوفره ماله.

نظرت إلى علبة مجوهراتها المفتوحة على التسريحة، لمعان الذهب كان يغريها بالبقاء، لكن نظرتها كانت تحمل حقارة ذاتية، وكأنها تبيع نفسها بالقطعة مقابل الأمان المادي.

قررت في تلك اللحظة أنها يجب أن تكون أذكى، أن تلبس قناع الزوجة المحبة بإتقان أكبر، ليس حباً في أنس، بل خوفاً من غدر الأيام.

خرجت من شرودها علي صوت طرقات علي الباب وفتح الخادمة التي قالت بإحترام

=حليمة هانم، مي هانم تحت مستنية حضرتك.

نظرت لها بإستغراب وهي تردد الاسم

=مي! ودي عايزة ايه؟

نظرت لها قليلا بصمت لتقول بتنهد

=قدملها حاجة تشربها، وانا نازله

اومأت لها الخادمة بإحترام، وعادرت الغرفة

هبطت حليمة درجات السلم برخامها البارد، تعدل قناع الهدوء على وجهها قبل أن تلمح مي الجالسة في بهو القصر.

ما إن رأتها مي حتى نهضت، وفي عينيها مزيج من العتاب والشفقة، وقالت بنبرة لائمة تقطر حزناً

= بقي كدة يا حليمة؟ كدة برن عليكي بقالي أسبوعين مش بتردي عليا ولا بتعبري اتصالاتي؟

ابتسمت حليمة ابتسامة باهتة، كأنها خيط رفيع أوشك على الانقطاع، وأشارت لها بالجلوس وهي تقول بصوت خاوٍ

=حقك عليا يا مي كنت مشغولة شوية، ضغط الأيام مش أكتر. تعالي اقعدي، نورتيني.

جلست مي، لكنها لم تترك عيني حليمة، مالت بجسدها للأمام وقالت بنبرة خفيضة

= لا يا حليمة، أنتي مش مشغولة أنتي زعلانة من كلام ريم، صح؟ هي كلامها كان دبش وأنا مكنتش موافقة عليه، بس مش لدرجة إنك تختفي كدة!

هربت نظرات حليمة من حصار عيني مي، تظاهرت بالانشغال بترتيب شعرها وهي تكذب

= لا طبعاً مش كدة، ريم تقول اللي هي عايزاه أنا بجد مشغولة في البيت ومع حسن ، مش أكتر.

تنهدت مي بقلة حيلة وقالت بلهجة الناصحة

=حليمة، أنا مقدرة زعلك، بس اللي أنتي بتعمليه ده مش الصّح! بدل ما تاخدي جنـب وتنسحبي، المفروض تأكدي لها إن كلامها ده كله غلط، وإنك أنتي وجوزك كويسين وسمنة على عسل، وتوريها إنه بيموت فيكي الانسحاب ده بيأكد ظنونهم يا حبيبتي.

هنا، شعرت حليمة بغصة في حلقها، سدّ مـنيع من الأكاذيب كاد أن ينفجر.

لم تستطع التموج أكثر، انحنت برأسها وقالت بصوت يرتجف بمرارة مكتومة

ازاي بس يامي إحنا مش كويسين خالص الحقيقة إننا على وشك الطلاق.

اتسعت عينا مي بصدمة، وأمسكت يد حليمة بقوة وكأنها تمنعها من السقوط

=طلاق؟! أنتي اتجننتي؟ عايزة تسيبي العز ده كله وترجعي لنقطة الصفر؟ الفقر وحش يا حليمة وأنتي جربتيه!

نظرت لها حليمة بذهول، لتكمل مي بإصرار غريب يشبه إصرار والدة حليمة

= لا طبعاً، شيلي الفكرة دي من دماغك خالص. أنس راجل ميتعوضش، والست الشاطرة هي اللي تحافظ علي جوزها وبيتها، بصي أنا هقولك على شوية حاجات تعمليها، تخليكم زي السمن على العسل، وتخليه ينسى الدنيا وما فيها وميشوفش غيرك الفلوس والأمان أهم من الحب يا حليمة، اسمعي مني.

استسلمت حليمة للحظات، تراقب شفتي مي وهي ترسم لها خطة البقاء، وشعرت بأن العالم كله يتآمر ليحبسها في هذا السجن الذهبي، ليس حباً في السجن، بل رعباً من الغابة التي تنتظرها بالخارج.
انقبض قلب حليمة من نبرة مي التي تحولت فجأة إلى ما يشبه زعماء العصابة ، مالت مي عليها أكثر، وهمست بكلمات وقعت على أذن حليمة كالصواعق

= أول حاجة وأهم حاجة يا حليمة لازم تحمِلي.

انتفضت حليمة من مكانها، واتسعت عيناها برعب حقيقي وهي تهتف بصوت مخنوق

= يا نهار أسود! أنتي بتقولي إيه؟ أنتي عايزة أنس يقتلني؟ ده حالف مية يمين إن لو الحكاية دي اتكررت وحملت تاني هيطلقني في نفس اللحظة أنس مش عايز عيال مني يا مي!

جذبتها مي من يدها لتعيدها لمقعدها، وقالت ببرود غريب يطمئنها

= اهدي بس واستهدي بالله ما هو قال كدة في أول مرة ومطلقكيش،  يعني لو حصلت تاني برضه مش هيطلق، صدقيني يا حليمة، مفيش حاجة في الدنيا بتربط الرجالة اللي زي أنس غير العيال العيل هو القفل اللي هتقفلي بيه عليه للأبد.

هزت حليمة رأسها بيأس، وشعرت بخجل يمتزج بالانكسار وهي تحاول شرح المستحيل

=طب وهنعمل ده إزاي بس؟ أنس أصلاً يعني مبيجيش البيت كتير، وحتى لو جه، أنتي فاهمة حتى لو نام معايا، مبيكونش فيه يعني مش يوووه بقي مش مش

قاطعتها مي سريعا، عندما فهمت حديثها المخجل لتبتسم ابتسامة ملتوية

= يبقى لازم نخليه في حالة تخليه مش واعي ولا فايق لنفسه يبقى ملهوف عليكي لدرجة إنه مش فاهم هو بيعمل إيه، ولا عارف هو فين يسلملك نفسه وساعتها اللي أنتي عايزاه هو اللي هيكون.

ارتجفت أوصال حليمة برعب، وهي تقول بخوف

=وده هنعمله ازاي

=هقولك

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت الغرفة تعج برائحة العطور الرخيصة ومساحيق التجميل القوية التي تفوح من زجاجات مبعثرة على التسريحة.

لم تكن هذه رائحة أنثى تستعد لسهرة خاصة، بل هي رائحة صبا، ابنة العشرين ربيعاً، تستعد لليلتها المعتادة في جحيم شقة خالتها التي تحولت إلى كباريه تحت سماء القاهرة.

جلست صبا أمام المرآة، لكنها لم تكن ترى انعكاس وجهها، بل كانت ترى أشباح ماضيها يتراقصان خلف عينيها المجهدتين.

كانت عيناها غائرتين، تلمعان ببريق الدموع المحبوسة، وشفتاها ترتجفان كلما حاولت كتم شهقة ألم.

مدت يدها المرتعشة لتلتقط علبة كريم الأساس السميك.

لم يكن الغرض تجميل وجهها، بل إخفاء كدمات جسدها .

كانت هناك كدمة بنفسجية اللون تزداد قتامة على خدها الأيسر، وأخرى خفيفة تلون رقبتها.

آثار جابر ، زوج خالتها، الذي لم يتردد لحظة في استخدام قبضته الغليظة عندما رفضت صبا النزول للرقص قبل ساعات.

مررت أصابعها على الكدمات وهي تشعر بوجعها لا في جسدها فحسب، بل في روحها.

همست بكلمات متقطعة، والدموع تنهمر على خديها بلا توقف، تمسح جزءاً من المكياج الذي وضعته لتوه

=انا تعبت يارب، تعبت من جسمي الي بعريه كل يوم قدام الي يسوى والي ميسواش، تعبت من عنيهم الي بتاكلني كل يوم، ارحمني بقي يارب ارحمني.

اخفت وحهها بين يديها، وهي تنهار في البكاء، مع فتح الباب، وظهور جابر الذي صاح بغضب

=هنفضل في المناحة طول يوم اليوم يابت ولا ايه، اخلصي ياروح امك، الزباين بدءت تحل، وبيسألو عليكي.

قال واغلق الباب خلفه، لترتفع صوت شهاقتها، وهي تخرج هذن الورقة التي دثتها اسفل الطاولة، صورة رحل، قصتها هي بيديها من مجلة اشترتها من يوم وقوعها في هيام حبيبها السري.

=انا هفضل مستنياك، هفضل مستنياك تيجي تطلعني من هنا ياحبيبي.

صمتت قليلا، وهي تنظر الي ملاكحه بحب وهيام، ثم قالت بانهيار

=بس ياترا هتمد ايديك ليا، ولا هتشوفني واحده رخيصه بتبيع جسمها للي يدفع اكتر.

ازداد بكائها وهي تبرر سريعا، وكأنه واقف اماما

=بس قسما بالله انا مش كده، انا مكنتش عايزة ابقي كده،مكنتش اتمني جسمي يتعرى غير قدامك، مكنتش عايزة كده،بس صدقيني،حتي بعد رقصي وتعريتي قدام الي يسوى والي ميسواش، وحياة حبي الي دفنته جوع قلبي، ماحد هيلمسني ولا هيطول شعره مني غيرك انت، حتي لو هموت، موتي قبل ما اي راجل غيرك يلمسني ياحبيبي.

قبلت الصوره سريعا، ثم اختفها اسفل الطاولة حتي لا يراها اي احد

ارتفع صوت الموسيقى الصاخبة من الخارج، لتمزق ما تبقى من هدوء في روحها.

مسحت دموعها بعنف، وكأنها تمسح طفولتها الضائعة معها.

وضعت طبقة أخيرة من أحمر الشفاه الصارخ ليخفي شحوبها، وارتدت ثوب الرقص المرصع بقطع الزجاج اللامع، الذي كان يثقل كتفيها.

فتحت الباب وخرجت وما إن وطأت قدماها المسرح الصغير وسط الصالة المخنوقة بدخان السجائر ورائحة الخمر، حتى انفجر المكان بصيحات هستيرية.

تعالت الصفافير، وبدأ الزباين يضربون على الطاولات بإيقاع وحشي، بينما جابر يقف في الزاوية وعيناه تلمعان ببريق المال، يراقب بضاعته الرابحة.

=صباااا وحشتينا يا بطل!

=أيوه كدة يا صبا ورّينا الدلع!

بدأت الموسيقى الشعبية تنهش في أذنيها، فتمايل جسدها آلياً.

كانت تتحرك ببراعة مذهلة، لكنها كانت حركة ذبيح ينتفض، مع كل لفة، ومع كل اهتزازة لخصرها، كان عقلها يرحل هناك تحت الطاولة عند تلك الصورة المخبأة.

كانت ترقص بانهيار خفي؛ عيناها تدوران في وجوه السكارى، ترى في كل وجه وحشاً يريد نهشها، ومع ذلك كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة زائفة هي منتهى الوجع.

بدأت الأموال يتطاير فوق رأسها، والرجال يتسابقون للاقتراب منها وهي تبتعد بخفة، تحمي جسدها برقصها، وتصون عهد حبيبها السري وسط هذا المستنقع.

صرخ أحدهم وهو يرفع كأسه عالياً

=اموت انا، ادفع كل فلوسي علي ليلة معاكي يابطل.

في تلك اللحظة، اختلط صوت الهتاف في أذنها بصوت بكائها المكتوم.

شعرت وكأن المسرح يدور بها، والأضواء الملونة تخترق عينيها كالإبر.

كانت ترقص لتعيش، وترقص لتموت، وترقص وهي تصرخ في سرها.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً.

وقف أنس خلف ستارة غرفته المظلمة، يراقب بعينين كالصقر حركة الحرس في الحديقة الخارجية عبر شق صغير.

تنهد ببطء وهو يخلع جاكيت البدلة التي يرتديها كجزء من عمله ، وألقى بها على الفراش بإهمال.

توجه ناحية الباب، فتحه ببطء وأخرج رأسه قائلاً بصوت خشن ومجهد عمداً لأحد الحراس الواقفين في الممر

=بقولك ايه ياعلي، انا هنام وهقفل الباب علي نفسي عشان محدش يدخل عليا يصحيني، متخليش حد يخبط عليا هه، ولما تيجي الوردية بتاعتي يبقي صحيني.

رد علي بمزاح

=ماشي ياعمنا، نوم الهنا.

أغلق أنس الباب، وبمجرد أن اغلق الباب ، تحولت ملامحه من الهدوءإلى التركيز الحاد.

لم يتجه للفراش، بل تحرك بخفة حتي خرج من شباك غرفته، وتحرك سريعا حتي اتجه مباشرة نحو الدولاب الخشبي الضخم القابع في زاوية غرفة المعيشة .

حرك هذا الكتاب المنشود، ليبدأ الجزء الخلفي من الدولاب بالتحرك ليظهر ممر ضيق ومظلم يؤدي لدرج حلزوني ينزل لأسفل الأرض.

في الأسفل  كانت غدران جالسة على طرف الفراش، تضم ساقيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بالباب الحديدي.

الخوف بداخلها من ان ياتي صلاح في اي وقت حتي يسحبها الي هذه الحفلة التي لا تعلم سببها.

فجأة، سمعت صوت حركة خلف الجدار، ثم انفتح الباب السري بسرعة.

ظهر أنس، بأنفاس متلاحقة قليلاً، وعيناه تلمعان ببريق غامض تحت ضوء المصباح الخافت.

أغلق الباب خلفه بسرعة واقترب منها وهو بسخريه

=اتأخرت عليكي؟

رفعت غدران رأسها، لتتحول ملامحها للغصب، وهي تقول بصياح

=انت تاني؟ انت عايز مني ايه ياعم انت؟

ابتسم أنس ابتسامة جانيبة باردة، واقترب منها حتى صار ظله يغطيها بالكامل، وقال

=لا يا طري الي عايزة ميتقالش، الي عايزه يتعمل، بس للاسف السرير ده ميستحملهوش.

مد يده ليمسك بكتفها، ونظر في عينيها مباشرة

=بس ومالو لو حابب تعرف، نعرفك ووقتي.

ابتعدت عنه سريعا، وهي تقول بقرف

=قسما بالله لو ما بعدت عني لكون قتلاك انت فاهم!

كنت تظن انه سيغضب، ولكنها وجدته يعض شفتاه، وهو يقول برغبه

=اوفف اقتليني وحياة امك، بس بعديها هيجي عليا الدور بقي اقتلك واحده واحده تحت مني.

ازدادت الحمره في وجنتيها لتقول بغضب

=انت ازاي تسمح لنفسك تكلمني كده! انت مين؟ وبتدخل هنا ازاي؟ مش خايف من صلاح؟ ولا تكون دي لعبه وسخة مكلفك بيها سيدك،... اه.

صرخت بألم في نهاية حديثها، عندما شعرت بيديه التي تضغط بقوه علي فكها، وهو يهسهس بغضب

=احمدي الي خلقك مره، عشان عليا الحرام لو كنتي دكر، ماكان هيطلع عليكي نهار، مش انا ياروح امك الي يبقى ليا سيد يديني اوامر، انا مطرح ما احب واكون يكون، فاهمة؟

لأول مره تشعر بالرعب منه، لتومأ له بخوف، وهي تنظر في عيناه برعب.

هذه النظره التي جعلته يشعر بالتخبط بداخله، ليبعد انظاره عنها سريعا، وهو يقول بصرامه

=كده يبقي نتكلم ونتفاهم

جلس امامها، وهو يتصنع عدم المعرفة

=انتي مين، وايه جابك هنا!

=يعني مش عارف؟

=حاجتين بكرههم، المره الرفيعه، والمره اللتاته، وانتي بسم الله مشاء الله عليكي بطل، يبقي بلاش يبقي فيكي الخصله التانيه اسإل تجاوبي من غير لت.

نظرت له بغضب، بسبب اسلوبه السوقي بالنسبه له، لتقول بغضب.

=انا غدران المرسي، بت عم الحيوان الي مشغلك، خطفني في يوم وانا نايمة وحبسني هنا، من بعد ما ابويا كتبلي كل حاجة، ولما خطفني هددني بمعتز، وانه هيقتله لو

=استني استني مين معتز؟

قال بنبره غاضبه لا يفهم سببها، لتقول بحب

=معتز ده الحاجة الوحيده الحلوه في حياتي، اكتر واحد بحبه، وممكن استحمل اي حاجة عشانه، انا اصلا مستحمله كل القرف ده عشانه

لم تلاحظ في وسط حديثها، بيديه التي كانت تضغط على يديه الاخره بقوه حتي كاد يهشمها بين يديه، ليقول بغصب

=حبيبك؟

نفت سريعا، وهي تقول بإبتسامه

=لالا مش للدرجة دي، ده اخويا،صاحبي،وابويا من بعد موت ابويا، ضهري وحمايتي.

لماذا تصمم ان تزيد اشعال ماره اكثر واكثر.

=ادعي ربك يطلع عليه نهار

=ايه؟

قالت بصدمه لينفي لها سريعا، وهو يقول بغضب

=كملي

حاولت تلاشى حديثه السابق، وهي تقول بحزن

=بس كده ومن يومها وانا مرمية هنا، بيجي كل يومين يضربني او يعذبني ويمشي.

علي ذكر مجيئه، قال سريعا بغضب

=مبيلمسكيش لما بيجي؟

اشتعل الغصب بداخلها من كديقه لتصيح بغضب

=انت ازاي تتكلم معايا كده ياحيوان انت؟ انت اتجننت ولا ايه؟ بس الغلط عليا، الغلط ان انا قعدت معاك، وسمحت لنفسي اتكلم مع واحد زيك اساسا.

اشتعلت النيران في عيني أنس، وكأن كلمتها "واحد زيك" كانت الوقود الذي ينتظره. في لحظة، وقبل أن تدرك غدران ما يحدث، كان قد وقف من مكانه كالنمر، محاصراً إياها بين ذراعيه القويتين على طرف الفراش، لدرجة أنها شعرت بلفح أنفاسه الغاضبة على وجهها.

قال بصوت منخفض، كفحيح الأفعى، وهو يجز على أسنانه

=واحد زيي؟ طب انا هوريكي بقي الي زيي ده هيعمل ايه.

انهي حديثه وانحني عليها سريها، يلتهم شفتاها بقوه، تحت تذمرها، وهي تحاول دفعه بعيدا، عنها، ولكن سريعا ما تحول انتقامه للذه حب ورغبه، عندما حاوط خصرها وهو يقربها اكثر من جسدده، وقبلاته تنهال علي شفتاها بقوه
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
انهي حديثه وانحني عليها سريها، يلتهم شفتاها بقوه، تحت تذمرها، وهي تحاول دفعه بعيدا، عنها، ولكن سريعا ما تحول انتقامه للذه حب ورغبه، عندما حاوط خصرها وهو يقربها اكثر من جسدده، وقبلاته تنهال علي شفتاها بقوه.

توقفت غدران عن المقاومة لثوانٍ من فرط الصدمة، كأن عقلها لم يستوعب بعد جرأة هذا الرجل الذي اقتحم خلوتها وعالمها بهذه الوحشية المغلفة بالرغبة.

لكن سرعان ما عاد إليها وعيها، فبدأت تضربه بقبضتيها الضعيفتين على صدره الصلب كالصخر، وهي تحاول جاهدة استنشاق الهواء من بين حصار قبلاته التي لم تكن مجرد انتقام، بل كانت صراعاً بين وحش كاسر وفريسة ترفض الاستسلام.

ولكن هو كان شرد في لذة شفتاها بين شقتاه، ليضغط علي خصرها اكثر بين جسده، وهو ينهال علي شفتاها بالتقبيل بدون ان يترك لها فرصه للتنفس.

كانت أنفاسه تخرج لاهثة، حارقة، وكأن كل غضبه من كلماتُها ومن صلاح ومن العالم قد تركز في هذه اللحظة.

لم يعد أنس يرى أمامه سوى تلك المتمردة التي استباحت كبرياءه بكلماتها، فقرر أن يستبيح حصونها بطريقته.

أحكم قبضته على خصرها لدرجة أنها شعرت أن عظامها ستتحطم بين يديه، ورفع يده الأخرى ليدفن أصابعه في خصلات شعرها، جاذباً رأسها للخلف قليلاً ليتمكن من تقبيلها بعنفوان أكبر.

كانت غدران تشعر بالدوار، الأكسجين بدأ ينفد من رئتيها، وصوت نبضات قلبها يقرع في أذنيها كطبل حرب.

تأوهت متألمه عندما شعرت بعضته علي شفتاها،وهو يحاصرها علي الحائط بجدسه، غير مراعي لصدمتها.

وفجأة تراجع أنس عنها ببطء، لكنه لم يترك خصرها.

أبعد شفتيه عنها بمسافة شعرة واحدة، وظل ينظر إلى عينيها الذابلتين من الصدمة وشفتيها اللتين اصطبغتا بلون أحمر قاني وأصبحت متورمة بفعل قبلاته.
قال بصوت مبحوح، يقطر تملكاً وقسوة

= عرفتي دلوقتي الواحد اللي زيي ممكن يعمل إيه؟ عرفتي إن لسانك ده لو طول تاني، هقطعهولك بطريقتي؟
+

كانت غدران تنظر إليه بذعر، والدموع تحجرت في عينيها، حاولت أن تتحدث لكنها لم تجد سوى شهقة مكتومة.

تحركت يده من شعرها لتمسح طرف شفتها بإبهامه، وتابع بنبرة أكثر هدوءاً لكنها أشد خطورة

=فراولة يابت المره، امال الي تحت بقي هيبقي طعمهم ايه اووف هيبقو كريز اكيد
1

اتسعت عينا غدران من الصدمة، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها وهي تستمع لغزله الصريح والمشين الذي ألقاه بوقاحة فجة و فجأة، وبحركة مباغتة، تمكنت غدران من ضربه بين قدميه، مما جعله يبتعد عنها بحدة وهو يطلق تأوهاً مكتوماً، واضعاً يده على بنطاله

=خخخ يابت المره كلو الا ميشو.
3

نظر إليها أنس بعينين يملؤهما مزيج من الذهول والغضب العارم، بينما كانت هي تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط، وقد اختلطت دموع القهر ببريق التحدي في عينيها. صرخت بصوت يرتجف.

=قسما بالله لو قربت مني تاني، انا هقتلك انت فاهم.

فرك بنطاله بألم، وهو يقول بغضب.

=كده تزعليه؟ تعالي اديله بوسه بقي عشان يتصالح.
7

اذداد عضبها من وقحته، وهي تصرخ بغضب

=بطل سفالة يابني ادم انت، انت ايه مبتعرفش تقول كلمة نضيفة

اشتعلت النيران في عيني أنس رغم الألم، واستقام في وقفته ببطء وهو يوزع نظراته بين عينيها المشتعلة وبين جسدها المرتجف. ضحك ضحكة مكتومة، فيها من الخبث ما جعل فرائصها ترتعد، ثم اقترب منها بخطوات وئيدة كالذئب الذي يحاصر فريسته في زاوية ضيقة.

=كلمة نضيفة وانا قدامي البطل ده، والله عيب، ده انتي لو فتحتي دماغي، وشوفتيني بفكر فيكي ازاي دلوقتي، هتموتي في مكانك.

كانت علي وشك رفع قدمها مره اخره لضربه، ولكنه امسك قدميها سريعا، وهو يبعدها عن قدميها الاخره، لتصرخ بألم مع وقفه في منتصف قدميها، ويديه تمرر بين قدميها بلؤم وخبث

=مش قولت كلو الا ميشو!

زاد من حركات يديه، وهو يقول بخبث

=اضربهولك دلوقتي.

كانت تغمض عيناها ليس الما، ولكن بسبب هذا الشعور الجديد الذي يهاجمها، وهي تسمعه يقول بخبث

=بس لا، الملبن ده ميضربش، ده يتاكل اكل.

ابعد يديه عنها مره واحده، وهو ينظر بخبث لنطراتها المتذمره،ليقترب منها وهو يقول بخبث

=هرجعلك تاني ياملبن، تكون هديتي شويه، لحسن ثانيه كمان واخاف تغتصبيني ولا حاجة.

ضحك بصوت مرتفع في نهاية حديثه مع مغادرتة ولكنه استمع الي صائحا الغاضب

=انا هقول لصلاح، انت فاهم، هخليه يرفدك عشان يعرف الحارس بتاعه بيعمل ايه مع بت عمه.

تغيرت ملامحه السزخرة الي صارمه، وهو يقَل بغصب

=قوليله، قوليله عشان تفضلي محبوسه هنا طول عمرك، محدش يعرف يطلعك من هنا غيري انا.

توسعت عيناها بصدمه،وهي تقول بعدم فهم

=انت مين؟

=أن، عمر، عمر الهواري

قال وغادر المكان سريعا، غالق الباب خلفه، وهو يتنفس باصوات مرتفعه، كان علي وشك فضح نفسه وقول الحقيقه، اغنض عيناه بغصب.

أغمض أنس عيناه بقوة، ضاغطاً على فكه حتى كادت أسنانه تتحطم.

=أنس؟ كنت هتقول أنس يا غبي؟

همس لنفسه بغيظ وهو يستند بظهره إلى الجدار البارد في الممر المظلم. كاد اندفاعه وشهوته التي أجحها تمرد غدران أن يطيحها بخطة وضعها لشهور.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في قاعة اجتماعات واسعة، يطغى عليها أثاث خشبي داكن ورائحة سيجار فاخرة، كان الدخان يتصاعد ليرسم دوائر معقدة في الهواء.

جلس ايمن المرسي على رأس الطاولة، وعلامات الإجهاد بدأت تظهر على وجهه أمام إصرار الطرف الآخر.

على الجانب اليمين، كان حاتم يجلس بوضعية مسترخية تماماً، يضع ساقاً فوق الأخرى، وعيناه مركزتان بالكامل في شاشة هاتفه، وإبهامه يتحرك ببرود وهو يتابع شيئاً ما، وكأن الكلام الدائر حول ملايين الجنيهات لا يعنيه من قريب أو بعيد.

=اوف ولابسه ايه تحت القميص الاحمر
3

كتبها حاتم علي الهاتف مع هذه الفتاه التي يحدثها، غير مهتم بكل ما يدور حوله لترد عليه هذه القتاه برد جعله يكتم ضحكته سريعا، وهو يقول برغبة

=لا ده انا اجي اعاين الهدوم الجديده دي بنفسي بقى، استنيني النهارده هعدي عليكي.

تحدث أحد رجال الأعمال بلهجة واثقة

= يا ايمن باشا ، إحنا اللي شايلين المخاطرة كلها، والنسبة دي هي العادله بينا  60% لينا و40% ليكم، وده آخر كلام عندنا عشان نوقع العقود دلوقتي.

نظر ايمن للورق أمامه، تنهد بضيق

=بس احنا كده يعتبر خسارنين يا فاروق، خلينا في النص.

نفى فاروق،وهو يقول برسميه

=كده ابقي خسران يا ايمن، وبعدين المره دي عليك الي بعديها عليا.

نظر إلى ابنه حاتم لعله يجد منه دعماً، لكن حاتم كان مشغولاً بابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه وهو يكتب رسالة على هاتفه.

=لا البسيلي الاسود المفتوح من قدام ده، خلينا نلعب الماتش بسرعه.

التفت ايمن لفاروق وقال بقلة حيلة

= ماشي يا جماعة طالما ده آخر كلام، أنا موافق. مصلحتنا واحدة، والنسبة هتمشي زي ما قولتوا 60 ليكم و40 لينا.

في تلك اللحظة، توقفت حركة إبهام حاتم على الشاشة.

أغلق الهاتف ببطء ووضعه على الطاولة بـهبدة خفيفة جذبت أنظار الجميع.

رفع رأسه، لتظهر عيناه الحادتان اللتان لا تشبهان هدوء والده، وقال بصوت رخيم وهادئ، لكنه يحمل نبرة أمر لا تقبل النقاش

= معلش يا بوص اعذرني في الكلمة دي، بس الحسبة دي مش داخلة دماغي.

ساد الصمت الغرفة، ليوجه حاتم نظره للرجل الذي كان يتحدث قبل قليل، وتابع ببرود وهو يشبك أصابعه

= الصفقة دي مش هتمشي 60 ليكم الصفقة دي هتمشي 70% لينا إحنا، و30% ليكم وده كرم مننا عشان خاطر البوص بس، ولو علي المخازن مخازن المرسي تشيل.

انتفض الرجل من مكانه بغضب

= إيه اللي بتقوله ده يا حاتم بيه؟ إحنا لسه متفقين مع الحاج والكلمة عقد!

ابتسم حاتم ابتسامة باردة، وسحب ملفاً صغيراً كان موضوعاً أمامه، فتحه وبدأ يقلب أوراقه وهو يقول

= البوص قلبه طيب بس لو مش عجبكم الوضع خلاص بلاها.

قالها بخبث، وهو يتابع حديثه

=بس الورق اللي قدامي ده بيقول إن شركتكم عندها أزمة سيولة، ولو الصفقة دي متمتش الأسبوع ده، البنوك هتحجز على مخازنكم. يعني من الآخر إنتوا اللي محتاجيننا، مش إحنا.

نظر حاتم لوالده الذي كان يراقبه بذهول ممزوج بالفخر المخفي، ثم عاد بنظره للرجال وقال وهو يشير للباب

= 70 لينا لو مش عاجبكم، الباب بيفوت جمل، ومخازنكم تفضل للبنك.

تبادل الرجال النظرات بذعر، وأدركوا أنهم أمام غول جديد لا يرحم.

بعد لحظات من الصمت المشحون، انحنى الرجل وقال بانكسار

= تمام يا حاتم بيه اللي تؤمر بيه، 70% ليكم.

حاتم لم يبتسم للنصر، بل سحب طبقاً صغيراً من الفاكهة كان موضوعاً في منتصف الطاولة، أخذ تفاحة وبدأ يقضمها ببرود وهو يقول واللقمة في فمه

= كده الكلام يبقي نضيف بابا، كمل إنت العقود، أنا ورايا مشوار أهم من الهري ده.

قام من مكانه، عدّل جاكيت بدلتة الفاخرة، وخرج من القاعة وهو يكمل قضم تفاحته، تاركاً خلفه رجالاً يحاولون التقاط أنفاسهم من صدمة أسلوبه.

توجه حاتم بخطوات واثقة ومنتظمة نحو مكتبه الخاص، يلقي ببقايا التفاحة في سلة المهملات بلامبالاة وهو يدفع الباب الضخم ليدخل.

كان هدفه واضحاً؛ التقاط مفاتيح سيارته الفراري والمغادرة فوراً ليلبي نداء تلك الرسائل التي أشعلت رغبته أثناء الاجتماع.

انحنى فوق مكتبه الأبنوسي، يفتح الدرج الجانبي ويبحث عن المفاتيح، وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بهدوء مريب.

لم يلتفت، فقد عرف من رائحة العطر النفاذة التي ملأت المكان من هي الزائرة.
دخلت سكرتيرته سوزي بخطوات متمايلة، ترتدي فستاناً قصيراً يبرز مفاتنها بوضوح.

أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، واقتربت منه حتى التصق جسدها بظهره وهو لا يزال منحنياً.

استدار حاتم ببطء، لتصبح هي بين يديه وبين المكتب.

لم تترك له فرصة للكلام، بل رفعت يديها لتطوق عنقه، وانقضت على شفتيه تقبلهما بشهوة عارمة وجوع بدا وكأنه مخزن منذ أيام.

بادلها حاتم القبلة بخشونة وتملك، وهو يرفعها لتجلس فوق حافة المكتب، مبعثراً الأوراق التي كان والده يوقعها منذ قليل.

فصلت سوزي القبلة وهي تلهث، وعيناها تلمعان برغبة واضحة، وهمست بصوت يرتجف من اللهفة بجانب أذنه

= وحشتني يا باشا وحشتني أوي.

بدأت تمرر يدها بدلال على صدره، تتحسس عضلاته من فوق القميص الفاخر، وهي تتابع بهمس

= مقدرتش استنى لما تخلص مشوارك قولت لازم أخد نصيبي الأول.

ابتسم حاتم ابتسامة جانبية خبيثة، ويده تعبث بفتحة فستانها، وقال بنبرة مليئة بالثقة والغرور

= خليه يوم تاني ياسوزي، عندي مشوار شغل مهم.

ضغطت سوزي على صدره أكثر وهي تقرب وجهها منه ثانية، قائلة بدلع

= الشغل ميستناس يا حاتم بيه؟ ده انا سوزي حبيبتك؟

ضحك حاتم بصوت مكتوم، وهو يجذبها من خصرها ليلصقها به تماماً، وكاد أن يغرق معها في جولة جديدة، لكن رنين هاتفه المحمول أوقف كل شيء.

نظر إلى الشاشة ليجد اسم هذه الفتاه التي كان يحدثها،
فأبعدها عنه ببرود مفاجئ، والتقط مفاتيحه من على المكتب قائلاً وهو يتجه للباب:

= نصيبك خدتيه يا سوزي والتحلية خليها لما أرجع. ورايا شغل أهم من دلعك ده دلوقتي.

تركها فوق المكتب تنظر إليه بغيظ وذهول من سرعة تحوله، وخرج من المكتب وهو يصفر بهدوء، متوجهاً لسيارته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

صوت احتكاك عجلات السيارة بالأرض كان لا يزال يطن في أذنيه.

نزل أنس من سيارته بعنف، صفق الباب خلفه بقوة زلزلت سكون الحديقة.

كان جسده يغلي، ليس فقط من حرارة الجو، بل من ذلك المزيج السام الذي يندفع في دمه.

صعد  الدرجات بخطوات ثقيلة ومضطربة.

كان يفك ازرار قميصه العلوي وكأنه يختنق.

كل خطوة يخطوها كانت تحمل صدى لمسته الأخيرة لـغدران؛ رائحة عطرها لا تزال عالقة في رئتيه، وصورتها تلاحقه كخيال لا يرحم.

الإثارة التي شعر بها معها لم تنطفئ بعد، بل تحولت إلى طاقة من الغضب المكتوم.

أخرج هاتفه من جيبه بغضب ونظر إلى شاشته عندما استمع الي رنينه مره اخره.

اسم حليمة يملأ السجل. عشرات المكالمات التي قطع بها خلوته، والرسالة الأخيرة التي أجبرته على الهروب من العمل كاللص قبل أن يلمحه احد.

وقف أمام باب  غرفتهم، أنفاسه متلاحقة بصدر يعلو ويهبط.

كان يشعر بالقرف من اضطراره للكذب، وبالحنق لأن غدران جعلته ضعيفاً إلى هذا الحد، وبالغضب العارم من حليمة التي تملكه كأنها قدر لا مفر منه.

فتح الباب، وهو يقول بغضب

=ايه يحليمة، زن زن زن، قولتلك جي! في ايه؟

صدم في مكانه عندما نظر الي ما ترتديه، او بمعنى اصح، بما لا ترتديه، فهي ترتدي قميص ابيض اللون بالكادي يخفئ مؤخرتها عاري الصدر

تسمرت نظراته عند الباب، لكن ملامحه لم تلن؛ بل ازدادت قسوة.

كان التناقض الصارخ بين قسوة غدران التي غادرها لتوّه وبين هذا العرض الفج من حليمة يجعله يشعر بالاختناق.

ابتسمت حليمة ببرود وهي تتقدم نحوه بخطوات واثقة، تتمايل بدلال مدروس لا يصل أبداً إلى عينيها الطامعتين.

وضعت يدها على صدره، محاولةً استغلال غضبه وتحويله إلى رغبة، وقالت بصوت خافت

=اتأخرت ليه يا أنس؟ رنيت عليك كتير اوي ولا الشغل أخدك مني ومن ابننا؟

نفض يدها عنه بعنف، وتجاوزها ليرمي هاتفه على الفراش قائلاً بغضب

=انتي جيباني من الشغل عشان التفاهات دي ياحليمة؟ هي دي المصيبه الي جبتيني عشانها؟

لم تهتز حليمة، بل استدارت له وعيناها تلمعان بتحدٍ

=كنت عايزني اجييك ازاي؟ بقالك اكتر من شهر بتبات بره البيت ومعرفش حتى انت فين! ده انت حتى مش بتسأل علي ابنك.

اقتربت منه مرة أخرى، وهذه المرة كانت نبرتها أكثر حدة ومباشرة:

= والنهاردة يا أنس، مش هتمشي من هنا غير وإحنا متفقين سواء برضاك أو غصب عنك.

أمسك أنس بفكها بقوة، وعيناه تشتعلان بالنفور

= مش انس العطار يامره الي يعمل حاجك غصب عنه، إنتي ايه! مبيتغيريش المادة والفلوس هما اللي بيحركوكي، بس خليكي فاهمة، الضغط ده مش هيجيب نتيجة،أنا هنا عشان حسن وبس، متفتكريش إن جسمك العريان ده ممكن يخليني أنسى القرف اللي بحسه نسحيتك انتي فاهمة!

دفعها بعيداً عنه واتجه نحو الحمام ليغسل أثر يومه، تاركاً إياها تقف وسط الغرفة بملابسها الفاضحة وقلبها الذي لا يملؤه سوى الغل، وهي تهمس لنفسها

=ماشي يا أنس القرف ده هو اللي هيجيب لي الولد اللي هيورث كل حاجة، وساعتها شوف هتعامنلي كده تاني ازاي!
1

دخل أنس الحمام وأغلق الباب خلفه بعنف كاد يحطم الزجاج.

وقف تحت الماء البارد لعله يطفئ النيران المشتعلة في صدره، لكن الماء فشل في مهمته.

وبمجرد أن أغمض عينيه، هاجمته صور غدران كفيضان لا يهدأ؛ رآها في كل زاوية من خياله، تذكر تفاصيل لقائهما الأخير، نعومة بشرتها شراستها، اغنض عيناه وهو يحاول ابعاد هذه التخيلات القذره عن عقله، ولكنه لم يستطيع.

يشعر برغبة عارمة تجتاحه، لكنها كانت رغبة ملوثة بالكره.

قبض يده بقوة وضرب حائط الحمام الرخامي بكل ما أوتي من عزم وهو يزفر بحنق

=هي مجرد عدوة مجرد وسيلة عشان آخد حقي منها وأذلها، مش أكتر من كده! مش هخليها تسيطر على عقلي!
1

كان يحاول إقناع نفسه بأن مشاعره تجاه غدران هي محض انتقام، لكن جسده كان يقول شيئاً آخر.

لف منشفة حول خصره وخرج من الحمام وشعره يقطر ماءً، ليجد حليمة قد رتبت طاولة صغيرة داخل الغرفة وعليها أصناف من الطعام والعصير، وبدت ملامحها هادئة بشكل مريب.

قال أنس وهو يتجه نحو خزانة ملابسه بغضب

=أنا همشي، مش طايق القعدة هنا."

رسمت حليمة على وجهها قناع الحزن والمسكنة، وقالت بصوت خفيض

=طب حتى كل معايا يا أنس ده أنا مستنياك من بدري، بالله عليك
ميبقاش غدا وعشا لوحدي.

نفخ أنس بضيق، وشعر بتعب يزحف إلى أطرافه، فرمى الثوب الذي كان سيبدله وجلس على الكرسي بنصف جسد عارٍ، وبدأ يأكل بآلية وغضب.

لكن بعد دقائق قليلة، بدأ يشعر بشيء غريب؛ حرارة مفاجئة تسري في عروقه، نبضات قلبه تسارعت بشكل غير طبيعي، وصورة غدران بدأت تتجسد أمامه في حليمة بشكل مرعب.

كان يرى وجه حليمة لكنه يشعر بطيف غدران يداعبه. فجأة، شعر بيد ناعمة باردة تمتد لتتحرك ببطء على صدره العاري، صعوداً وهبوطاً.

كانت حليمة قد نهضت من مكانها، أبعدت أطباق الطعام ببرود، ثم وبمنتهى اللؤم، جلست على قدميه، محاصرة إياه بجسدها.

همست في أذنه وهي تلاحظ اتساع حدقة عينيه وتوتر عضلات صدره

=مالك يا حبيبي؟ شكلك تعبان ومحتاج ترتاح في إيه؟

سكن أنس تماماً، لم يدفعها هذه المرة، بل كان ينظر إليها بنظرات غائمة، مزيج من الضياع والتأثير القوي للمنشط الذي دسته له في العصير ممذ قليل.

كانت حليمة تراقب ملامحه بانتصار داخلي، مدركة أن "
مفعول المنشط قد بدأ يسري، وأن أنس الليلة لن يكون سوى أداة في يدها لتحقيق هدفها الأكبر.

مالت عليه اكثر، وهي تقول بصوت خبيث راغب

=حبيبي

همهم له بتوهان وهو ينظر في وجهها، ولكنه يرى غدران، ثرب منها اكثر حتي متال عليها يقبلها بشوق ورغبه

همهم أنس بصوت مبحوح وتائه، كانت حواسه مخدرة تماماً بفعل ما شربه، وعقله قد انفصل عن الواقع ليغرق في سراب غدران.

لم يعد يرى حليمة الجالسة فوقه، بل كان يرى تلك العدوة اللدود التي تشعل نيران غضبه ورغبته في آن واحد.

انقض عليها يقبلها بشراسة، كأنه يفرغ كل غضبه منها فيها، وكان شوقه المكبوت لغدران هو المحرك الأساسي لكل حركه يقوم بها.

حليمة، رغم شعورها بحدة تعامله وقسوته التي خلت من أي حنان، إلا أنها كانت تبتسم من تحت ظلال قبلاته بانتصار ساحق؛ فالوجع الجسدي لا يهمها بقدر ما يهمها أن خطتها تسير كما رسمت تماماً.

همست حليمة وهي تحاول التنفس وسط حصاره

=وحشتني يا انس.

لكن الكلمة لم تصل إلى مسامعه، أو ربما رفض عقله سماعها. كان يهمس باسم غدران في سره وهو يغيب في عالم آخر، محاولاً إثبات سلطته وقوته على تلك الصورة التي تطارده.

دفعها سريعا علي الفراش خلفه،وهو يعتليها

اعتلاها أنس وجسده ينتفض من أثر المزيج الذي يجري في عروقه؛ حرارة المنشط وصورة غدران التي لا تفارق خياله.

كان ينظر إلى وجه حليمة، لكن عينيه كانتا تريان ملامح غدران المستفزة، نظراتها التي تتحداه دائماً، وشراستها التي تثير جنونه.

أمسك معصميها بيد واحدة وضغطهما فوق رأسها بقوة جعلتها تطلق صرخة مكتومة، لم تكن صرخة ألم بقدر ما كانت ذهولاً من تلك القسوة المفاجئة.

غرز أصابعه في شعرها وهو يميل برأسه نحو عنقها، يقبلها بجنون، رائحة العطر كانت تذكره بتلك التي غادرها منذ ساعات، مما جعله يفقد كل ذرة تعقل متبقية.

همس بصوت غليظ ومكتوم، وكأنه يخاطب غدران في خياله

=مش هسيبك تتحكمي فيا، انتي فاهمة؟

حليمة، رغم الألم في معصميها، كانت تغمض عينيها وتتجاوب معه بذكاء، كانت تضمه إليها بكل قوتها، تريد أن تضمن أن هذه الليلة ستكون ليلة الخلف التي خططت لها.
3

شهقت بصدمه، عندما مزق قماش قميضها، وخلع عنه هذه المنشفه سريعا وبلا صبر

اغمضت عيناها بمتعه، من قبلاته التي اصبحت تهاجمها، ولكنها فتحت عيناها بصدمه عندما استمعت الي حديثه

=غدران.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة ضيقة يملأها دخان كثيف، كانت سمر مستلقية على الفراش، جسدها العاري لا تغطيه سوى ملاءة خفيفة ملقاة بإهمال، وبجانبها عادل الذي كان يستند بظهره إلى ظهر السرير، يمسك بيده سيجارة مخدرة يخرج دخانها ببطء وهو ينظر للسقف بعيون يملأها الطمع والغل.

أخذ عادل نفساً عميقاً من السيجارة، ثم التفت إليها قائلاً بنبرة خبيثة ونفاذ صبر

=يعني فاضل قد ايه يا سمر؟ أنا خلاص مبقتش قادر استنى كتير الصبر ده كله عشان في الآخر نطلع بمليم؟ إحنا متفقين إن الجوازة دي تخلص والسبوبة تطلع.

زفرت سمر بضيق وهي تشد الملاءة حول صدرها، وأخذت السيجارة من يده لتأخذ منها نفساً طويلاً، ثم قالت بزهق

=اعمل ايه بس يا حبيبي؟ هو أنا اللي قصرت؟ ما حوار ان الزفت حسين ده كتب كل حاجه باسم بنته قفلنا الطريق خالص أنا كنت عاملة حسابي إن صلاح هيورث والفلوس هتبقى في إيده، وأقوم أنا آخداهم منه ونخلع أنا وإنت ونعيش حياتنا بس طلع لا فيه فلوس ولا ورث، الراجل ده طلع ألعن مما نتخيل.

عادل عدل من جلسته، وعيناه تلمعان ببريق شيطاني

=يعني إيه؟ يعني كل التمثيل اللي بتمثليه عليه ده، وكل الحب والسهوكة دي هتروح عالفاضي؟ صلاح ده مبقاش ليه لازمه يا سمر وأكيد فيه طريقة تانيه، شوفيلك دخلة تانية، شوفي اي حاجة.

ضحكت سمر بسخرية مريرة وهي تنظر إليه

مبقاش ينفع ايه يعادل، ده ضلاح ده هو الأساس، هي معصلجة شويه، بس متخافش، سمر مش هي اللي تطلع من المولد بلا حمص،أنا هفضل وراه لحد ما يمضي بت الكلب دي علي تنازل عن كل حاجة، وبعد كده هخليه هو اللي يكتبلي أنا  أي حاجة باسمي المهم نفضل ماشيين معاه في السكة لحد ما نلاقي الفرصة.

اقترب عادل منها، ومسح على شعرها بيده التي تحمل آثار الجشع، وقال بخبث

=عاش يا سمور هو ده اللي مخليني متمسك بيكي ذكائك،  بس الحوار ده لازم يخلص في أقرب وقت، أنا مش حمل أشوفك في حضنه يوم كمان وببلاش كده.

اغمضت سمر عينيها وهي تركن برأسها على صدر عادل، بينما كان دخان السيجارة يتصاعد ليغلف ملامحهما في مشهد يجسد الخيانة والطمع في أقبح صورهما.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

ركن صلاح سيارته الفارهة في قلب ساحة الفيلا الواسعة، أطفأ المحرك وظل جالساً لثوانٍ ينظر للفراغ بملامح جامدة لا تفسر ما يدور في عقله.

ترجل من السيارة بوقار يفرضه سنه ومنصبه، ليجد رئيس الحرس يقترب منه ليحييه.
توقف صلاح ونظر إلى الحارس الذي يقف بجانبه بجمود، ثم قال بنبرة هادئة لكنها آمرة

=قول لبقية الحرس إن بقية اليوم إجازة كلكم تمشوا دلوقتي، مش عايز حد يفضل في الفيلا."

اتسعت عينا الحارس قليلاً من المفاجأة، فهذا الطلب غير معتاد في نظام صلاح الصارم، لكنه انحنى باحترام قائلاً

=أمرك يا باشا، حالاً الكل هيكون بره.

بدأ صلاح بالسير نحو مدخل الفيلا بخطوات واثقة، لكنه فجأة توقف واستدار مرة أخرى قبل أن يخطو للداخل، وقال بلهجة ذات مغزى

=بس استنى سيبلي عمر  أنا عايزه في مصلحة هو الوحيد اللي يفضل.

ازداد استغراب الحارس؛ فـ عمر كان من أجدد الحراس وأقلهم خبرة، ولم يكن هناك سبب منطقي لبقائه وحده، لكنه لم يجرؤ على السؤال، فصلاح المرسي لا يُناقش

=حاضر يا فندم، عمر هيفضل والباقي هينصرف فوراً.

أومأ صلاح برأسه ودخل إلى فيلته التي سادها هدوء مريب بعد انصراف الجميع.

توجه مباشرة نحو مكتبه الفخم الموجود في الطابق الأرضي،
فتح الباب، وأضاء المصباح الخافت فوق مكتبه، وجلس على مقعده الجلدي الوثير، يراقب من خلال زجاج المكتب الشفاف الخرس وهم ينصرفون امامه، وما ان انصرف اخر شخص، حتي خرج من المكتب سريعا، وذهب الي هذا الدولاب، فتحه سريعا، وحرك مكان الكتاب ليفتح الباب الحديد الذي تقبع خلفه غدرات، التي نظرت له بغضب كانت تعتقده هذا اللعين، ولكن سريعا ما تحول الغضب لكره، وهي تنظر له بصمت وغضب.

اقترب منها صلاح حتي اصبح امامها، وهو يقول بسخريه

=مبروك يا غدران هانك، جالك برائة ليوم واحد.

نظرت له بإستغراب، وني تقول بعدم فهم

=برائة؟

اومأ لها وهو يفك قيد قدمها

=اه برائة، هو احنا مش عندنا اتفاق انتا نروح حفلة النهاردة.

ما ان فهمت مقصده، لتصرخ بغضب.

=استحاله،مش هبيع شركة من شركات ابويا لو علي موتي انت فاهم، اقتلني بس مش هعمل كده.

قبض صلاح على شعرها بعنف، وجذب رأسها للخلف حتى تلاقت أعينهما في مواجهة مرعبة.

صرخت غدران من الألم وهي تحاول تخفيف قبضته، لكنه قال بنبرة فحيح الأفاعي

=لا يا روح أمك مش بموتك إنتي! موتك إنتي رخيص وما يبردش ناري، الحكاية هتبقى بموت معتز رصاصة باتنين جنيه تخلصلك عليه في ثانية، ويروح في الرجلين من غير ما حد يسأل عنه.

ازدادت شهقات غدران المقهورة، وهي ترى في عينيه جدية لا تعرف المزاح.

تابع صلاح وهو يضغط على فروة رأسها بقسوة

=وبعدين متخليش الأمانة تاكلك أوي كدة إحنا مش هنبيع، إحنا يدوبك هندخل شريك معانا.

انفجرت غدران في البكاء بقهر على حالها؛ كانت تشعر بأنها محاصرة بين نارين، نار خوفها على معتز الذي يهددها به، ونار الرعب من صلاح الذي تحول إلى وحش كسر كل أقنعتها.

لم تنطق بكلمة، فخوفها من فقدان الشخص الوحيد الذي تحبه جعل لسانها يعجز عن الرفض.

سحبها خلفه بقسوة، يجرها كذبيحة من الغرفة نحو الرواق، ثم دفعها بقوة داخل غرفة مجاورة وهو يقول ببرود مستفز

=أيوه كدة شطورة،انا بحب الي بيسمعو الكلام، قدامك نص ساعة بالثانية، تلبسي الفستان اللي محطوط قدامك جوه وتجهزي نفسك على الآخر.

استدار ليغادر، لكنه توقف فجأة عند الباب، والتفت إليها بابتسامة صفراء لا تصل لعينه

=وآه ياريت متحاوليش تهربي، عشان قبل ما هتطلعي بره باب الفيلا، هتكون الكلاب قتلاكي ومقطعة جثتك،ده طبعاً لو عرفتي تهربي أصلا من الشبابيك المقفولة.

قال وهو يتخطاها، يغادر الغرفة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان يستند بكلتا يديه على حافة الرخامة أمام المرآة، أنفاسه متلاحقة وعيناه تلمعان بشرارة من الغضب والحيرة.

يزرر قميصه بيد مرتجفة وهو ينظر لانعكاس وجهه وكأنه لا يعرفه

=كيف

السؤال يتردد في عقله كالمطرقة.

هل  استسلم لرغبته في غدران إلى حد أن يفقد السيطرة هكذا؟ وكيف انتهى به الأمر في أحضان حليمة؟

على طرف السرير، جلست حليمة بجمود، عيناها تلمعان بغضب مكتوم وهي تستعيد شريط الليلة الماضية، وصوت أنس وهو يهمس باسم امرأة أخرى في لحظة كان يُفترض أنها لها.

أنهى أنس ارتداء ملابسه بسرعة، ثم التفت نحوها فجأة، وخطا خطوات واسعة ليرتطم بظلّها، وقف أمامها كالجبل الشامخ وهو يصيح بغضب مكتوم

=تأخيري شالك من تحت إيدي يا حليمة،بس عليا الحرام لارجعلك، هرجعلك وأفهم حطيتي إيه ولا عملتي إيه امبارح عشان يحصل اللي حصل!

ضحكة ساخرة، باردة كالثلج، انطلقت من بين شفتي حليمة وهي ترفع بصرها إليه بتحدٍ

=وهو لازم أحطلك حاجة عشان تنام معايا يا ابن عمي؟ ولا خلاص مبقناش نِشبه؟

استشاط أنس غضباً، صوته علا ليزلزل أركان الغرفة وهو يوجه سبابته نحوها

=لا يا بت المرة! ما أنا مش عيل صغير هتضحكي عليه، ارجعلك ونشوف، وعليا الحرام يا حليمة يا هخلص بطلاقك أو موتك لو اللي في دماغي صح!

تركها تشتعل في مكانها وخرج من الغرفة بخطوات غاضبة، وما إن وصل إلى الردهة حتى تعالت رنة هاتفه بـإلحاح.

سحب الهاتف بغيظ، كان وائل.

=أنس العاصي لسه قافل معايا بيأكد عليا للمرة العشرة حضورك حفلة النهاردة، الراجل عايزك يا أنس ولازم تكون موجود.

كان أنس قد وصل إلى سيارته، ركب خلف المقود وصفق الباب بقوة كادت تحطم الزجاج، وقال بلهجة حادة.

=هحاول أروحه يا وائل لو عرفت أخلع من ابن الوسخة ده بس أروح أشوف عايز إيه مني النهاردة ضروري أوي كدة.

وقبل أن ينطق وائل بحرف آخر، أغلق أنس الخط بوجه صلب، وانطلق بالسيارة مخلفاً وراءه غبار غضبه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد أن قام أنس بتبديل سيارته في منتصف الطريق كإجراء احترازي، وصل إلى الفيلا وملامحه جامدة كالصخر.

توجه مباشرة إلى مكتب صلاح، طرق الباب بحدة وانتظر حتى أتاه الصوت من الداخل بصرامة

=ادخل.

دلف أنس إلى الغرفة، ليجد صلاح جالساً خلف مكتبه الضخم، وعيناه تشتعلان بالضيق. قبل أن ينطق أنس بكلمة، بادره صلاح بسؤال كالرصاص

=كنت فين يا عمر؟ وإزاي تسمح لنفسك تسيب الشغل من غير إذن وتختفي بالمنظر ده؟

حاول أنس كتم بركان الغضب بداخله، ورسم على وجهه قناعاً من الأسف الزائف، ورد بهدوء مصطنع

=معلش يا باشا اعذرني أبويا كان تعبان أوي وملهوش غيري، كان لازم أكون جنبه، الحالة كانت صعبة وما قدرتش أفكر في حاجة غيره.

لم يلن وجه صلاح، بل ضرب المكتب بيده وقام من مكانه، واقترب من أنس حتى صار المواجهة بالمواجهة، وقال بنبرة تهديد

=ولو كان لازم تاخد الإذن الأول. اسمع يا عمر، أنت شغال عندي يعني  ماتتحركش من مكانك ولا تغيب عن عيني من غير إذن فاهم؟

أحكم أنس قبضته خلف ظهره لدرجة أن عروق يده برزت، وصك على أسنانه وهو يحاول التحكم في أعصابه، ثم انحنى برأسه قليلاً وقال باحترام مزيف

=تمام يا باشا اللي تؤمر بيه.

عاد صلاح لجلسته، وهدأ صوته قليلاً لكنه ظل آمراً

=جهز نفسك، فيه حفلة مهمة النهاردة، وعايزك توصلني أنا والمدام بنفسك.

هنا شعر أنس ببرودة تسري في جسده، وسأل بصدمة حاول مداراتها

=حفلة إيه دي يا فندم؟

صلاح بفخر

=حفلة شراكة ضخمة بيني وبين شركات العاصي.

وقع الاسم على أذني أنس كالصاعقة.

العاصي؟ هي نفس الحفلة التي أصر وائل على حضوره لها بصفته أنس العاصي  كيف سيحضر بهوية عمر في آن واحد؟ وكيف سيواجه الناس الذين يعرفون حقيقته؟

حاول أنس تدارك الموقف بسرعة وبدأ يبحث عن مخرج

بس يا باشا يعني أنا صاحي طول الليل، ومش شايف كويس، ممكن أجيب لحضرتك حد من السواقين التانيين يكون فايق أكتر للطريق والحفلة..

قاطعه صلاح بنظرة حادة لا تقبل الجدال

=أنا قولت أنت اللي هتكون معايا يا عمر، مش عايز مناهدة. الحفلة دي مفيش فيها مجال للرفض أو التعب اجهز، قدامنا عشر دقايق ونتحرك.

خرج أنس من المكتب والدنيا تدور به، يهمس لنفسه بذهول

=هعمل ايه دلوقتي.

وفي وسط تفكيره، توشعت عيناه علي غدران الواقفة امامه،وهي ترتدي فستان احمر اللون طريل ملتوح من الجهة اليسره يظهر قدمها بالكامل، وعاري الصدر، لا يعلم لماذت شهر بالغصب يكتسحه، كان علي وشك الصراخ في وجهه، ولكن فتح باب المكتب من خلفه، وخرج صلاح الذي اقترب من غدران سريعا، وهو يقول ببعض التوتر

=انت شوفت غدران يا عمر.

نظر انس الي يد صلاح التي تحاوط غدران بغصب،وهو يقول بإحتران ذائف

=لا باسا ملحقتش اتكلم معاها، دي اول مره اشوفها.

=اه ماهي لسه جاية معايا النهارده، دي غدوان مراتي، غدران ده عمر الحارس بتاعي الجديد.
لحظة صمت ثقيلة غلفت الممر، وكأن الزمن توقف فجأة.
تجمدت الدماء في عروق أنس، وسقطت الكلمات عليه كالمطرقة التي حطمت ثباته المصطنع. "

غدران زوجتة

صدى الجملة يتردد في أذنيه بجنون.

كيف زوجته؟ فهو ما يعلمه انها ابنة عمه فقط!

مد أنس يده ببطء شديد، أصابعه ترتجف قليلاً لكنه سيطر عليها ببراعة، بينما كان ينظر لعينين غدران بصرامة مغلفة باحترام زائف، وقال بصوت جهوري مخنوق بالغل

=منورة يا هانم أنا عمر.

مدت غدران يدها بارتعاش ملحوظ، أناملها الباردة تلامست مع كفه القوية.

كانت عيناها تلمعان بخوف وتساؤلات لا تنتهي.

فكرت بذهول

كلام صلاح يثبت ان عمر من المفترض انه لا يعلم انها حبيثه هذا المكان،وانه مجرد حارث ليس اكثر.

شعر أنس ببرودة يدها، وضغط عليها بقوة مفاجئة قبل أن يتركها، ضغطة كانت بمثابة رسالة مبهمة لم تفهمها هي، لكنها هزت كيانها.

قطع صلاح هذا التواصل بنبرة جافة وهو يلتفت لأنس.

=عمر روح جهز العربية فوراً مش عايز تأخير

اومأ أنس، وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة الضغط النفسي، انحنى برأسه قليلاً وقال بصوت أجش

=تمام يا باشا ثواني والعربية تكون قدام الباب.

انسحب أنس بخطوات سريعة، وما إن اختفى عن الأنظار حتى قبض صلاح على ذراع غدران بقوة، مقرباً وجهه من وجهها وهو يهمس بفحيح الأفاعي

=اسمعي يا غدران احنا هنروح نمضي عقود الشراكة ونرجع على طول،أي حركة غدر كدة ولا كدة، أي محاولة كلام مع حد، أو حتى نظرة مش هي مش هتشوفي صاحبك تاني أبداً انتي فاهمة؟!

أومات غدران برأسها بصمت، والدموع تحجرت في عينيها.

كانت تشعر بالانهيار، فكرة أن "عمر" هو خيط نجاتها الوحيد بدأت تتكون بداخلها.

كان أنس يضرب مقود السيارة بيده بكل قوته، يهمس لنفسه بجنون

=مراته؟ إزاي مراته؟! المعلومات كانت بتقول إنها بنت عمه! وصلاح الكلب ده حابسها وبيهددها معقول يكون اتجوزها قبل ما يحبسها؟ طب مقالتليش ليه؟ بتضحك عليا؟
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت صبا تجلس فوق سريرها المتهالك، منكمشة على نفسها وكأنها تحاول الاختباء من الأصوات التي تنهش مسامعها؛ أصوات ضحكات البنات العالية، وقعقعة الكؤوس، والكلمات البذيئة التي يلقيها الزبائن في الكباريه الذي يديره زوج خالتها.
1

وسط هذا الصخب المقزز، كانت تمسك بين يديها المرتجفتين صورة قديمة صورة لحبيبها، الشخص الوحيد الذي يجعلها تريد العيش.

كانت تتأمل ملامحه بعينين غارقتين في الدموع، تلمس وجهه في الصورة بأطراف أصابعها وكأنها تستمد منه القوة لتعيش ساعة أخرى في هذا الجحيم.

فجأةانفتح الباب بعنف واصطدم بالحائط، فانتفضت صبا وأخفت الصورة تحت وسادتها في لمح البصر، وقلبها يخفق بعنف كعصفور ذبيح.

وقف جابر زوج خالتها على الباب، وعيناه تلمعان بتأثير الخمر والطمع، وقال بصوته الأجش وهو يتقدم نحوها بغضب

=ما تقومي يا بت الرجالة بره هيتجننوا عليكي، قومي شخلعينا شوية بدل القعدة دي!

ردت صبا بحدة وصوت مخنوق من كثرة البكاء

أنا خلصت نمرتي من بدري يا جابر ، ومش طالعة تاني!

اتسعت ابتسامة جابر القبيحة وقال بطمع مقزز وهو يقترب منها أكثر

=لا يا حيلتها اللي عايزك المرة دي مش عايز رقص ده كيفه فيكي أنتي، ودافع فيكي مبلغ وقدره يعني ليلتك النهاردة لازم تكون عامرة.

قفزت صبا من فوق السرير كالملسوعة، تراجع جسدها للخلف وهي تصرخ بغضب وصمود

=قولتلك مليون مرة النجاسة بتاعتك دي أنا مش هعملها! أنا مش هخلي راجل يلمسني حتى لو فيها موتي سامع؟!

لم يعره جابر اهتماماً وحاول الهجوم عليها، لكن صبا كانت أسرع؛ التقطت سكيناً صغيراً كان موضوعاً بجانب طبق فاكهة على الطاولة القريبة، ووجهت نصلها نحو صدرها ثم نحوه، وهي تصرخ بجنون

=قسماً بالله قسماً بالله لو ما بعدت عني لكون قاتلة نفسي! وما هتطول مني لا رقص ولا أي حاجة تانية جرب تقرب خطوة واحدة وهتتفرج على فضيحتك لما تلاقي جثتي مرمية قدام زباينك.

تجمد جابر في مكانه، ورغم خباثته إلا أنه كان جباناً يخشى ضياع السبوبة الكبيرة، فرفع يديه بسرعة أمام وجهه وقال بخوف وتراجع

خلاص خلاص يا مجنونة، نزلي السكينة دي! الله يخرب بيت اللي يزعلِك ضيعتي علينا ليلة بآلافات بسبب دماغك الناشفة دي!

خرج جابر وهو يسب ويلعن، مغلقاً الباب خلفه بقوة، لتنهار صبا على الأرض وهي ما زالت تمسك السكين، وتخرج الصورة من تحت الوسادة لتضمها إلى صدرها وتجهش ببكاء مرير، وهي تهمس باسم حبيبها كأنه طوق نجاتها الوحيد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تحركت السيارة السوداء الفخمة تشق سكون الليل باتجاه قاعة الحفل الكبرى، كان الصمت داخلها أثقل من الجبال.

كان أنس اي عمر يراقب الطريق بعينين كالصقر، وعبر مرآة السيارة كانت عيناه تلتقيان بعيني غدران في نظرات خاطفة، نظرات محملة بعتاب وغضب وخوف دفين.

وصلت السيارة إلى بوابة القصر الذي يُقام فيه الحفل، حيث الأضواء الساطعة والسجاد الأحمر.

توقف أنس ببراعة، ترجل سريعاً ليفتح الباب لصلاح، ثم لغدران التي كانت ترتجف رغم محاولتها التماسك.

التفت صلاح إلى أنس وهو يعدل سترة بدلتله الرسمية، وقال بنبرة آمرة

= اسمع يا عمر، استناني هنا في العربية، متتحركش انت فاهم؟

لم يصدق أنس أذنيه، شعر بغصة في حلقه سرعان ما تحولت لراحة مفاجئة، رد بهدوء مصطنع

= ماشي يا باشا، اللي تؤمر بيه أنا مستني هنا، مش هتحرك.

نطق أنس بكلمة ماشي وهو يحمد الله في سره أن القدر منحه هذه الدقائق الذهبية لتبديل هويته بعيداً عن أعين صلاح، ولأن دخوله بصفته عمر بجانب أنس العطار كان سيعني نهايته المحتومة.

قبل أن يخطو صلاح خطوته الأولى، كانت غدران واقفة تنظر إلى أنس بنظرة طويلة، عميقة، وكأنها تستمد منه القوة أو تودعه.

ظل أنس يبادلها النظرة بجمود، لكن عينيه كانت تصرخ بكل ما لا يستطيع قوله.

استمرت النظرات بينهما لثوانٍ بدت كالساعات، حتى سحبها صلاح من ذراعها ليدخلا، وظلت هي تلتفت برأسها للخلف حتى اختفت تماماً خلف الأبواب الضخمة.

ما إن اختفيا عن ناظريه، حتى تبدلت ملامح أنس تماماً. تحولت ملامح الخادم المطيع إلى الوحش الكاسر.

نزع جهاز اللاسلكي بعنف ورماه على المقعد المجاور،وقام بتعديل ياقة قميصه، ونفض الغبار عن بدلتله التي كان يرتديها أسفل معطفه الخفيف.

وأخرج من جيبه ساعته الرولكس الثمينة، ووضعها في معصمه ببطء وهو يضغط على أسنانه بغضب .

وفي الأخيرأخرج كمامة سوداء كان قد أعدها مسبقاً، ارتداها بعناية لتخفي جزءاً كبيراً من وجهه، جليها حين اخبره صلاح ان يجهز السياره، ومنحه هذه الدقائق.

نزل من السيارة بخطوات واثقة، لم يعد هو عمر الهواري ، بل أصبح الآن أنس العطار  الذي ينتظره الجميع بالداخل.

دخل من بوابة جانبية مخصصة للضيوف المهمين، وهو يندس ببراعة بين الحشود، عيناه تبحثان عن شيء واحد فقط غدران.

وجدها تجلس بين العاصي علي شمالها و صلاح علي يمينها وبجانبهم العديد من الرجال المهم، امامهم أوراق بالتأكيد اوراق الشراكه.

بدأ العاصي الحديث، وهو ينظر لغدران برسمية شديدة وعتاب مبطن أمام الحضور

= أنتي كنتي فين يا غدران هانم ؟ فجأة كدة اختفيتي قلقتينا كلنا عليكي  معقولة تغيبي الفترة دي كلها؟

شعرت غدران ببرودة تجتاح أطرافها، وحاولت فتح فمها للحديث، لكن في تلك اللحظة، امتدت يد صلاح تحت الطاولة، وقبض على خصرها بقوة مؤلمة، غارساً أصابعه في جسدها كتحذير أخير.

أغمضت غدران عينيها بألم مكتوم، وارتجف صوتها وهي تقول بتوتر

= أنا أنا أسفة، بس نفسيتي تعبت جداً بعد موت بابا مكنتش قادرة أواجه حد، فاضطررت أسافر بعيد عشان أرتاح شوية.

قاطعها صلاح بسرعة البرق، وبابتسامة صفراء مرسومة على وجهه وهو ينظر للموجودين

= دي حتى يا جماعة لسه تعبانة، ومصممة إنها نسافر تاني بعد الحفلة دي على طول هي محتاجة تغير جو بعيد عن هنا تماماً عشان أعصابها، ومزاجها يرجع زي الأول.

بدأت همهمات الشفقة تملأ المكان، والتفت إليها أحد رجال الأعمال قائلاً:

= والله عندك حق يا بنتي، الله يصبرك المرحوم والدك بصراحة كان من أحسن وأحن الناس اللي عرفناهم في السوق.

أومأت غدران برأسها في حزن حقيقي هذه المرة، والدموع تترقرق في عينيها، تكاد تخون ثباتها وتسقط أمام الجميع.

تنحنح العاصي وهو يفتح الملفات أمامه وقال بصوت مرتفع

= طيب، بما إننا كلنا هنا، نبدأ بقى في المهم شرح صفقة الشراكة الكبرى بين شركة الموسي وشركة العطار.

بدأ العاصي في سرد البنود، بينما كان صلاح يستمع اليه باهتمام شديد، ام غدران فكانت في عالم اخر، تشعر وكأنها في عالم ثاني ليس معهم.

التفت صلاح بضيق وقال

= يا ريت نخلص الإجراءات بسرعة يا عاصي بيه، المدام تعبانة وعايزين نتحرك.

اومأ عاصي وهو يقول بأهتمام

=انا كده خلصت، الموضوع واقف علي قمضتك يا غدران هانم.

انتهبت غدران علي حديثه،لتنظر على الأوراق بصمت، وهي تتذكر حديث اباها

=انا اموت نفسي قبل ما اشارك الغريب يا غدران، مشاركة الغريب خساره، انتي متعرفيش عمك عبدالله و عمك ايمن عملو ايه لما شاركو الغريب، اياكي تمدي ايدك لي اي حد بالشراكه يا غدران.

خرجت من شرودها علي يد صلاح التي ضغطت علي خصرها لتتاوه بألم بضوت منخفض، وهي تنظر الي صلاح الذي اشار لها بغضب علي الورق.

استسلمت غدران للامر الواقع، وهي تمضي سريعا علي الورق، مع استماعها الي صوت تصفيقات المرتفعه من حولها.

القت القلم سريعا،وهي تقف بسرعة البرق، قائله بانهيار مخفي

=اقدر اروح الحمام؟

اومأ لها العاصي سريعا، وهو يقول باحترام

=ايوه طبعا اتفصلي من هنا

كان صلاح علي وشك الذهاب معاها، ولكن اوقفه العاصي

=خليك معايا يا استاذ صلاح انا عايز اتكلم معاك في حاجات مهمة بخصوص العقد، اتفضلي انتي يا استاذه غدران.

حمدة غدران ربها انها ستكون بمفردها ولو لبعض الوقت لتذهب الي الحمام سريعا لتنهار بمفردها.

دخلت غدران الحمام بخطوات مهتزة، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى استندت عليه وهي تحاول التقاط أنفاسها المسلوبة، لكنها لم تكد تفتح صنبور المياه لتمسح وجهها الشاحب حتى انفتح الباب فجأة ودلف شخص بسرعة البرق، وقبل أن تستوعب ما يحدث، حاصرها بين جسده والحائط الصلب.

فتحت فمها لتطلق صرخة مدوية تزلزل المكان، لكن يده القوية كانت الأسرع، حيث انقضت على فمها تكممه بعنف، بينما أحاط خصرها بيده الأخرى ليثبتها في مكانها.

همس في أذنها بصوت أجش يقطر غضباً جحيماً خلف تلك الكمامة السوداء

= اخرسي مش عايز أسمع صوتك، فاهمة؟

توسعت عيناها برعب وهي تتعرف على تلك النظرات، إنه هو عمر أو بالأحرى أنس  الذي اخترق الحفل بهويته الحقيقية.

عندما تأكد أنها استسلمت ولم تعد تقاوم، أبعد يده عن فمها ببطء، لكنه ظل محاصراً إياها، وجسده يكاد يلتحم بجسدها من شدة القرب.
نزع الكمامة عن وجهه ل تظهر ملامحه المشتعلة بالغيرة الحارقة، وصاح فيها بصوت منخفض لكنه كالرعد

= اتجوزك إمتى؟ ردي عليا!! كتب عليكي إمتى الع*ص ده؟

لم تعطِهِ غدران جواباً، كانت ترتجف كعصفور بلله المطر، مما زاد من جنونه.

قبض على ذراعيها وهزها بعنف وهو يصرخ في نهاية حديثه، دافعاً بجسده نحوها أكثر حتى كادت تلتصق بالحائط:

= دخلك ولا لسه؟ نام معاكي؟ ما تنطقي ساكتة ليه؟ ردي عليا يا غدران بدل ما أهد الدنيا فوق دماغكم كلكم دلوقتي!
1

كانت نبرة صوته ممزقة بين القهر والغيرة التي تنهش قلبه، لكن غدران لم تعد تحتمل المزيد.

انفرط عقد صمودها تماماً، وبدلاً من الرد، انفجرت في بكاء مرير، وانهارت قواها وهي ترتمي في أحضانه، متمسكة بسترته بقوة وكأنها تغرق وتشبثت به لتنجو.

تجمد أنس في مكانه بصدمة، خمدت نيران غضبه فجأة أمام شهقاتها المنكسرة التي كانت تمزق نياط قلبه.

لم يستطع المقاومة، فلف ذراعيه حولها بقوة مفرطة، وضمهما إلى صدره حامياً إياها من العالم أجمعه. بدأ يربت على ظهرها ويهدئها بغير تصديق، وهو يهمس بذهول

= اهدي اهدي يا غدران أنا هنا خلاص متخافيش.
في تلك اللحظة، نسي أنس الشراكة، ونسي صلاح، ولم يعد يشعر إلا بقلبها الذي ينبض بعنف ضد قلبه، محاولاً استيعاب تلك الحقيقة المرة التي ألقت بظلالها على قصة انتقامه.

= متجوزنيش ولا لمسني، ده كداب، والله كداب، انا خايفة

قالتها غدران بانهيار، وهي تبتعد قليلا عن احضانه، تنظر له برعب،ليحاوط وجهها،وهو يقول بابتسامه بسيطه

=متخافيش محدش حيقدر يتعرضلك طول ما انا جمبك، انا مش هسيبك.

نظرت له بأستغراب وهي تقول بصوت باكي

=انت مين، وبتعمل كل ده ليه؟

=انا مين جاوبت عليها قبل كده قولتلك عمر الهواري، بعمل كل ده ليه بقي، اهو ده الي اجابتها مش مهم تعرفيها دلوقتي.

استمعت الي حديثه بصمت، حتي انتهي، لتقول ببكاء

=انا هصدقك، هصدقك عشان مفيش في ايدي غير ان انا اصدقك، فا ارجوك متخذلنيش.

ابتسم لها، وهو يمرر يديه علي وجهها بمشاعر صادقه

=متخافش يطري، انا معاك لغاية لما تطلع من هنا، ولما تطلع لينا كلام تاني مع بعض.

انهي حديثه بغمزة خبيثه اخجلتها، لتهرب بعيناها منه.

ولكنها نظرت له باستغراب، عندما خلع سترته، ليحاوطخا به، وهو يقول بغضب

=غطي لحمك يامرة بالله عليكي، مش عايزين نقتل كام واحد واحنا ماشين

شعرت بالفراشات تحتلها من حديثه، لتعض شقتاها بخجل، ولكن ابعد شفتاها عن سنانها، وهو يقول بخبث

=لا ميصحش دي سبيها عليا انا.

فقط وانهال عليها سريعا، يلتقط شفتاها بين شفتاه

كانت القبلة كبركان خامد انفجر فجأة، محملة بكل  الفقد، وجنون الغيرة، وغضب اللحظة.

في تلك الثانية، تلاشت جدران الحمام الفاخر، واختفى ضجيج الحفل في الخارج، ولم يعد هناك إلا أنفاسهما المتلاحقة.

غدران، التي كانت تظن أنها وحيدة في مواجهة وحوش الكاسر، وجدت نفسها تذوب بين يديه، مستسلمة لسطوته التي تمنحها أماناً غريباً لا تفهمه.
ما ان شعر انس بأستسلامها، حتي دفعه جسده أكثر نحو جسدها، وهو يمرر يديه في فتحة فستانها العاريه.

ابتعد أنس عنها ببطء، وجبينه لا يزال يلامس جبينها، وعيناه تلمعان ببريق مظلم ومنتصر في آن واحد.

اما هي فكانت برغم استسلامها، تحاول دفعه بقوتها الضعيفه، ولكنه ثبت يديها فوق رأسها، وهو يهمس امام شقتاها بانفاس مرتفعه

=بعد كده يبقي سيبي واجب العضعضة ده عليا انا، اذا كان فوق او تحت.

كانت علي وشك الصراخ في وجهه ولكن قاطعها صوت صلاح وهو يطرق الباب.

=غدران
ووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
انتفضت غدران في مكانها، واتسعت عيناها برعب وهي تستمع لضربات صلاح العنيفة على الباب. تراجعت للخلف بصدمة وكادت تسقط لولا يد أنس التي قبضت على خصرها ل يسندها.

بدأت غدران تنتحب بصوت مكتوم، والارتجاف يغزو كل إنش في جسدها، همست برعب وهي تنظر للباب ثم لأنس

= صلاح صلاح بره يا عمر! لو عرف إنك هنا هيقتلنا هيقتلك، هنعمل ايه؟ قولي هنعمل ايه؟!
+

كانت دموعها تنهمر بغزارة، وحالة الذعر تجعل تنفسها يتسارع بشكل خطر.

عندها، رفع عمر يديه وأحاط وجهها بكفيه، وضغط بإبهاميه على وجنتيها ليمسح دموعها، ونظر في عينيها بنظرة حادة وصارمة لكنها تحمل حناناً غريباً، وقال بصوت عميق وهادئ

= اهدي اهدي يا غدران. اللي تكون مع عمر الهواري الخوف ميسكنش صدرها أبداً، انتي فاهمة؟

ثبتت نظراتها في عينيه وكأنها تستمد منهما القوة، فتابع وهو يبتعد عنها قليلاً

= اهدي وسيبيني أتصرف.

بدأ أنس يمسح المكان بنظراته الصقرية حتى وقعت عيناه على نافذة الحمام العالية والمطلة على الحديقة الخلفية.

تحرك بسرعة البرق بينما كان صوت صلاح في الخارج يزداد حدة وهو يصرخ

=غدران! افتحي يا غدران انتي بتعملي إيه جوه كل ده؟!

هرعت غدران خلفه وهي تشاهده يفتح النافذة، وقالت بصوت يرتجف

= عمر ده عالي أوي! انت هتعمل إيه؟ هتقع!

التفت إليها أنس، وعلى وجهه ابتسامة واثقة ومستفزة كعادته، غمز لها وقال

= متقلقيش يا طري أنا متعود على العالي.

اقترب منها بسرعة، وطبع قبلة خاطفة وقوية على شفتيها جعلت قلبها يتوقف للحظة، ثم همس أمام وجهها بحب

= هقابلك في القصر، متناميش عشان في كلام كتير اوي لازم نتكلم فيه، باي يا بطل.

وفجأة، وبخفة مذهلة، ألقى بنفسه من النافذة.

شهقت غدران وركضت تنظر خلفه بقلق مميت، لكنها رأته يهبط على قدميه ببراعة وسط الشجيرات، ثم يركض مختفياً في الظلام دون أن يصيبه خدش.

أغلقت النافذة بسرعة والبرق في عينيها، وفي اللحظة ذاتها، انكسر قفل الباب واندفع صلاح إلى الداخل بغضب أعمى.

اندفع نحوها وقبض على رسغها بعنف، وجذبها إليه بقوة كادت تقتلع ذراعها، وهو يصرخ في وجهها وعروق رقبته بارزة

= مبترديش ليه؟ ها؟ كنتي بتعملي إيه كل ده؟ وكنتي بتكلمي مين؟! أنا سامع صوت همس جوه!

حاولت غدران استجماع شتات نفسها، رغم أن قلبها كان لا يزال يرتجف من أثر قبلة انس، ونظرت لصلاح بعينين حمراوين من البكاء وقالت بصوت متهدج.

= كنت بتكلم مع مين يعني يا صلاح؟ أنا كنت بموت من التعب كنت هقع من طولي وبحاول أفوق نفسي بالماية
انت مش شايف حالتي؟

ضغط صلاح على يدها أكثر وهو ينظر حوله بشك مريب، يقترب من أنفها ويشم رائحة المكان، ثم هدر بغضب

= ريحة البرفان دي مش غريبة عليا في حد كان هنا يا غدران، انطقي أحسنلك بدل ما أدفنك مكانك!

نظرت له غدران بعينين تشتعلان بتحدٍّ مزيف لتداري به رعبها، ونفضت يدها من قبضته بقوة غير معهودة، وهي تصرخ فيه بصوت متهدج من الانفعال

= أنت إيه؟ معندكش دم! بقولك تعبانة، كنت بموت جوه وأنا بحاول أصلب طولي بالماية وأنت جاي تتهمني وتشك فيا؟!

اقتربت منه بخطوات هجومية وهي تكمل بصراخ أذهله

=مش خلاص اللي أنت عايزه حصل ؟ عايز مني إيه تاني؟ ارحمني بقى وسيبني في حالي! أنا مش طايقة المكان ولا طايقة أبص في وش حد يلا روحني دلوقتي، مش عايزة أقعد هنا لحظة واحدة زيادة!

تجمد صلاح في مكانه للحظات، ملامحه كانت مزيجاً من الغضب العارم والذهول من جرأتها المفاجئة.

ظل يحدق في عينيها محاولاً كشف أي كذبة، لكن دموعها وانهيارها المصطنع جعلاه يتراجع خطوة للوراء، وإن ظل الشك يأكل قلبه.
زفر بصوت عالٍ كالفحيح، واقتربت ملامحه من وجهها بغضب جحيمي وهو يهمس من بين أسنانه

= ماشي يا غدران هنمشي، بس حسابنا مخلصش، والبيت يلمنا وساعتها هعرف كل حاجة بطريقتي.
2

وبدون مقدمات، قبض على ذراعها مرة أخرى لكن هذه المرة ليجرها خلفه بعنف، وخرج بها من الحمام ومنه إلى القاعة، يشق الزحام بخطوات واسعة وغاضبة وهي تتعثر خلفه، وعيناها تلتفت يميناً ويساراً بلهفة، تبحث عن طيف انس في الزوايا.

خرجو من القصر، ليقابلو عمر الذي اقترب منهم سريعا، وهو يقول بإحترام زائف

=يلا بينا يا صلاح باشا؟

نفى له صلاح، وهو يقول بصرامه

=لا ياعمر، انا هرجع انا والهانم لوحدنا عشان هنرجع علي بيتنا عشان تروح، وانت خد باقي اليوم اجازة، وبكره الصبح تكون قدامي فاهم؟

تبادل غدران وانس النظرات
الي بعضهم بصدمه، وقبضت غدران علي يديها برعب،فحديث صلاح يجعلها تشك انه علم عنها شيئ، وبالتأكيد سوف يفعل بها شيئ

اغمض انس عيناه لها بمعني لا تطمئن، وقال بإبنسامة كاذبة

=انا ممكن اوصلكم ياباشا مطرح ما تحب، انا كده كده مواريش حاجة.

زفر صلاح بغضب من الحاح انس الواقف امامه، ليقول بعدم تحمل

=انا لو عايزك توصلني، كنت خليتك توصلني، انا عايز الهانم لوحدنا، عايزين نقعد مع بعض شوية.

قال وهو يسحب غدران خلفه، جعل انس ينظر له بصدر محترق من داخله، علي لمسته ليديها، وهو يشعر بالخوف بداخله، هل حقا سيأخدها الي بيتها ولن يستطيع ان يراها مره اخره.

نظر اليهم وهو يذهبون بغصب، مع توقف عاصي بجانبة، وهو يقول بمزاح

=الي انت عايزة حصل ياعم، فين حلاوتي بقي؟

=هات مفتح عربية من عربياتك يا عاصي.

قال بغضب لينظر له العاصي بأستغراب، وهو يقول بعدم فهم

=اي ده ليه؟ وانت فين عربيتك؟ وانت وايح فين اصلا؟ مش هتيجي تشوف العقود والحاجة؟

صرخ انس بغضب

=عاصي مش وقت اخلص هات مفتاح اي عربية قولتك

امر عاصي الحارس الهاص به ان يعطي السيارة الي انس، فأخذها سريعا،وهو يلحق بهم، بسرعة البرق، حتي يعلم الي اين سيذهبو

انطلق أنس بالسيارة كالسهم، يضغط على دواسة الوقود بجنون وعيناه معلقتان بسيارة صلاح التي تبتعد أمامه.

كان يضرب مقود السيارة بقبضته بعنف، وصوت ارتطام جلده بالمعدن يملأ الغرفة الضيقة للسيارة.

كان عقله ساحة حرب، وصور غدران وهي بين يدي ذلك الوحش لا تفارقه.

تخيلها الآن معه في السيارة لوحدهما، تخيل لمسات صلاح الخشنة لها، وتخيل رعبها المنكسر خلف ذلك القناع من القوة الذي حاولت ارتداءه. صرخ بداخل نفسه بغيظ

= يا ابن الوسخههه

كان يسير خلفهم بحذر، يحافظ على مسافة كافية حتى لا تلمحه عينا صلاح الشكاكة عبر المرايا، لكن قلبه كان يسبق السيارة بمراحل.

استمرت المطاردة الصامتة لدقائق مرت عليه كأنها سنوات، حتى بدأت ملامح الطريق تتضح له، وانحرفت سيارة صلاح لتدخل منطقة هادئة وراقية.

وفجأة، رأى السيارة تتباطأ أمام بوابة مألوفة جداً.. إنها الفيلا التي كانت غدران محبوسة فيها سابقاً.

توقف أنس بعيداً قليلاً، يراقب من خلف الزجاج المظلل صلاح وهو يترجل من السيارة ويسحب غدران خلفه ليدخلوا إلى الداخل.

في تلك اللحظة، أطلق أنس زفيراً طويلاً ومرهقاً، واستند بظهره إلى الكرسي وهو يغمض عينيه براحة لم يشعر بها منذ ساعات.

تنهد بعمق وقال بصوت خافت

= هي دي بقي البيت التاني يا ابن الع*ص بتلعب عليا ده انا العبها علي امك.

ابتسم بسخرية وهو يدرك أن صلاح كذب عليه بشأن بيتهما فقط ليبعده عنها ويمنعه من رؤيتها، لكنه لم يكن يعلم أنه بهذا الفعل أعادها إلى الملعب الذي يعرفه أنس جيداً.

نزل من السيارة بهدوء، يراقب أضواء الفيلا التي بدأت تشتعل، وعقله بدأ بالفعل في رسم خطة التسلل للقائها، تنفيذاً لوعده الذي قطعه لها قبل قليل.

قال وهو يسحب غدران خلفه، جعل انس ينظر له بصدر محترق من داخله، علي لمسته ليديها، وهو يشعر بالخوف بداخله، هل حقا سيأخدها الي بيتها ولن يستطيع ان يراها مره اخره.

نظر اليهم وهو يذهبون بغصب، مع توقف عاصي بجانبة، وهو يقول بمزاح

=الي انت عايزة حصل ياعم، فين حلاوتي بقي؟

=هات مفتح عربية من عربياتك يا عاصي.

قال بغضب لينظر له العاصي بأستغراب، وهو يقول بعدم فهم

=اي ده ليه؟ وانت فين عربيتك؟ وانت رايح فين اصلا؟ مش هتيجي تشوف العقود والحاجة؟

صرخ انس بغضب

=عاصي مش وقت اخلص هات مفتاح اي عربية قولتك

امر عاصي الحارس الخاص به ان يعطي السيارة الي انس، فأخذها سريعا،وهو يلحق بهم، بسرعة البرق، حتي يعلم الي اين سيذهبو

انطلق أنس بالسيارة كالسهم، يضغط على دواسة الوقود بجنون وعيناه معلقتان بسيارة صلاح التي تبتعد أمامه.

كان يضرب مقود السيارة بقبضته بعنف، وصوت ارتطام جلده بالمعدن يملأ الغرفة الضيقة للسيارة.

كان عقله ساحة حرب، وصور غدران وهي بين يدي ذلك الوحش لا تفارقه.

تخيلها الآن معه في السيارة لوحدهما، تخيل لمسات صلاح الخشنة لها، وتخيل رعبها المنكسر خلف ذلك القناع من القوة الذي حاولت ارتداءه. صرخ بداخل نفسه بغيظ

= يا ابن الوسخههه

كان يسير خلفهم بحذر، يحافظ على مسافة كافية حتى لا تلمحه عينا صلاح الشكاكة عبر المرايا، لكن قلبه كان يسبق السيارة بمراحل.

استمرت المطاردة الصامتة لدقائق مرت عليه كأنها سنوات، حتى بدأت ملامح الطريق تتضح له، وانحرفت سيارة صلاح لتدخل منطقة هادئة وراقية.

وفجأة، رأى السيارة تتباطأ أمام بوابة مألوفة جداً إنها الفيلا التي كانت غدران محبوسة فيها سابقاً.

توقف أنس بعيداً قليلاً، يراقب من خلف الزجاج المظلل صلاح وهو يترجل من السيارة ويسحب غدران خلفه ليدخلوا إلى الداخل.

في تلك اللحظة، أطلق أنس زفيراً طويلاً ومرهقاً، واستند بظهره إلى الكرسي وهو يغمض عينيه براحة لم يشعر بها منذ ساعات.

تنهد بعمق وقال بصوت خافت

= هو دي بقي البيت التاني يا ابن الع*ص بتلعب عليا ده انا العبها علي امك.

ابتسم بسخرية وهو يدرك أن صلاح كذب عليه بشأن بيتهما فقط ليبعده عنها ويمنعه من رؤيتها، لكنه لم يكن يعلم أنه بهذا الفعل أعادها إلى الملعب الذي يعرفه أنس جيداً.

نزل من السيارة بهدوء، يراقب أضواء الفيلا التي بدأت تشتعل، وعقله بدأ بالفعل في رسم خطة التسلل للقائها، تنفيذاً لوعده الذي قطعه لها قبل قليل.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت صبا غارقة في نوم عميق، تهرب فيه من قسوة واقعها إلى أحلام ربما تكون أقل سواداً.

فجأة، شعرت بيد غريبة تتسلل بخبث فوق جسدها، يدٌ ثقيلة وقذرة تسري كالجليد على جلدها.

انتفضت من نومها مفزوعة، فتحت عينيها لتجد كابوسها التي كانت تخافه يتحقق.

رجلٌ في أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات، وجهه كريه وملامحه تفوح منها الشهوة القذرة، كان يحدق بها بنظرة تلتهمها.

صرخت صبا بأعلى صوتها، صوتٌ اخترق سكون الليل

=ابعد عني يا حيوان! بتعمل إيه هنا؟

حاولت الابتعاد، لكنه كان أسرع. دفعها بقوة على السرير، وارتفع فوقها كوحش كاسر.

ارتسمت على وجهه ابتسامة بشعة، ابتسامة امتزجت بالضحك الذميم وهو يقول بصوت أجشّ

=أنا دفعت تمنك يا حلوة، والنهاردة هتكوني بتاعتي يعني هتكوني بتاعتي!

تضاعف رعبها، عروقها تجمدت، لكنها لم تتوقف عن الصراخ والمقاومة.

كانت تدفع صدره بكل قوتها، تضرب بذراعيها الصغيرتين محاولة إبعاده، بينما كانت يديه تتحسس جسدها بلا رحمة، تمزق ملابسها الواهية قطعة تلو الأخرى.

شعرت بأنفاسه الكريهة تلفح وجهها وهو يحاول تقبيلها قسرًا.

جااااابر! يا خالتي غااااادة!

ضحك بسخرية مريرة، ضحكة اخترقت قلبها كالسكين

=متتتعبيش نفسك يا روحي! اللي بتنادي عليهم دول قبضوا حقك خلاص

رغم صدمتها بكلامه عن خالتها وزوجها، إلا أن الاستسلام لم يعرف طريقه لقلبها.

في تلك اللحظة القاسية، لمحت عيناها وسط الدموع صورة حبيبها في خيالها؛ ملامحه التي تمنحها القوة.

كانت تحافظ على نفسها من أجله، ولأجل هذا الحب.

بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، أظافرها تنغرس في وجهه ويديه، وهي تصرخ بحرقة

=موتي على إيدك أهونلي من إنك تلمسني! ابعد عني يا زباله.

بدت عليه علامات الضيق من مقاومتها العنيفة التي لم يتوقعها، فزمجر في وجهها كالوحش، وضغط على ذراعيها بقوة حتى كادت العظام تتحطم، وصرخ فيها بصوت أجش

=ما تتهدي يا بت! وخلصينا وخلينا نتمتع ببعض شوية إنتي هتعمليلي فيها شريفة هي يعني اول مره؟

ألقى على مسامعها كلمات قبيحة، ينهش بها كرامتها كما يحاول نهش جسدها، وهي تصرخ باكيا، لمساته علي جسدها كجمر النار.

ركلته بكل ما أوتيت من غلّ وقهر في منتصف جسده، فتأوه الرجل بألم وتراجع للخلف قليلاً.

استغلت تلك اللحظة الثمينة، وتدحرجت صبا بعيداً عنه وهي تحاول لملمة بقايا ثيابها الممزقة بيدين ترتجفان.

كانت أنفاسها مسموعة،زحفت نحو الكومودينو المجاور للسرير، بينما كان هو يستعيد توازنه وعيناه تشتعلان غضباً وحقداً، صرخ فيها بصوت مرعب

= بقى كدة؟ والله ما هرحمك يا شا***بقي انا تعملي فيا كده يا وسخة.

اندفع نحوها مرة أخرى كالثور الهائج، لكن صبا، في لحظة تجلّت فيها غريزة البقاء، امتدت يدها لتمسك بالمزهرية الكريستالية الثقيلة الموضوعة بجانبها.

وبحركة سريعة ومباغتة، وقبل أن يطبق يديه القذرتين على عنقها، رفعت المزهرية بكل قوتها وهوت بها فوق رأسه.

سقط الرجل على الأرض بمدوّية، يده تضغط على رأسه الذي بدأ ينزف، وانطلقت منه صرخة مكتومة تحولت إلى عويل هستيري من الألم.

كان يتلوى على الأرض كذبيحة، وكلماته تخرج متقطعة بين أنفاسه المحروقة

= آه يا بنت الكلب وديني وما اعبد لأحبسك هقتلك يا وسخة! الله يخرب بيتك راسي!

ظلت صبا واقفة في زاوية الغرفة، جسدها يرتجف بعنف، والمزهرية سقطت من يدها لتتحطم أشلاءً بجانبها.

كانت تلم أشلاء ملابسها الممزقة بيدين مرتعشتين، ودموعها تنهمر في صمت مرعب، تنظر إليه بخوف وذهول وكأنها لا تصدق أنها فعلت ذلك.

على صوت الصراخ والتحطيم، انفتح الباب فجأة واندفعت خالتها غادة و جابر.

تجمّدت الدماء في عروقهم وهم يشاهدون المنظر والرجل الثري الذي قبضوا ثمنه ملقى على الأرض يصرخ بمرارة، وصبا في حالة مزرية.

صرخ جابر برعب وهو يقترب من الرجل

= يا نهار أسود! إيه اللي حصل؟ يا سعادة البيه. عملتي ايه يابت الكلب!

لكن الرجل دفع يده بعيداً وهو يصرخ فيهما بوجه محتقن بالدم والغل

= ابعد عني يا خ*ل انت كمان! إنت والكلبة دي والله العظيم لهحبسكم كلكم المكان ده هقفلهولكم ، وهرميكم في السجن!

ارتجفت غادة وسقطت على ركبتيها وهي تصيح خائفه

= أبوس إيدك يا بيه، حقك علينا هي لسه صغيرة ومش فاهمة حاجة، امسحها فينا إحنا إحنا ملناش ذنب!

هنا، انطلقت صرخة صبا المكبوتة كالرعد، شقت توسلات خالتها الجبانة، وقالت بصوت يرتجف بصدق وقوة

= متتحايلش علي حد يخالتي! خليه يغور! والشرطة اللي بيخوفكم بيها دي أنا اللي هروحلها أنا هقولهم إنكم بعتوني، وهقولهم إنه كان بيحاول يغتصبني وأنا كنت بدافع عن نفسي!

تسمر الجميع في مكانهم.

تراجع جابر خطوة للخلف وهو ينظر لصبا بغضب، بينما تجمد الرجل الذي كان يصرخ.

نظرت صبا إليهم بعيون تشتعل قهراً وقالت

= بلغ روح بلغ! وريهم الدم اللي على راسك، وأنا هوريهم لبسي اللي اتقطع وعلامات إيدك على جسمي خلينا كلنا نتحبس ونخلص من القرف ده!

اشتعل الغضب في عيني الرجل، وشعر لأول مرة بالخطر الحقيقي؛ فالفضيحة بالنسبة له ستكون قاتلة.

نهض بصعوبة وهو يستند إلى الحائط، يمسح الدم عن وجهه بيده، ونظر إليهم باحتقار شديد وهو يبصق على وجه جابر .

قال بفحيح كالأفعى

= بقى كدة؟ ماشي أنا هغور، بس وحياة أمي ما هسيبك. المكان ده هقطعلكم عيشكم منه، وإنتي يا وسخة نهايتك على إيدي لو معملتيش الي في مزاجي.

اندفع نحو الباب وهو يترنح، تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً لا يقطعه إلا شهقات صبا المنهارة، ونظرات الرعب واللوم التي وجهها جابر وغادة نحوها، وكأنها هي المجرمة وليست الضحية.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°داخل غرفتها الهادئة، كانت جنة تطوي سجادة الصلاة بخشوع بعدما أنهت فرضها.

نزعت عباءة الصلاة الفضفاضة، لتظهر من تحتها بملابسها الرسمية الأنيقة التي اختارتها بعناية لتناسب يومها العملي.

خرجت من غرفتها بخطوات هادئة نحو الصالة، حيث وجدت والدتها عبير تجلس في ركنها المعتاد، تحتضن المصحف وتتلو آيات الله بصوت خفيض يملأ البيت سكينة.

اقتربت جنة وجلست بجانبها في صمت حتى انتهت عبير من قراءتها.

أغلقت عبير المصحف بوقار، وقبلته ثم وضعته جانباً، والتفتت لابنتها بابتسامة حانية أضاءت وجهها

= صباح الخير يا حبيبتي رايحة فين على الصبح كدة وشيك أوي؟

ابتسمت جنة وهي تعدل حقيبتها وقالت برقة

= صباح النور يا ست الكل. رايحة لبابا، إنتي عارفة إن في اجتماع مهم النهاردة، وهو صمم إني أكون موجودة أنا وحاتم.

في لحظة، انطفأت الابتسامة من وجه عبير، وحلت مكانها غيمة من الضيق والنفور.

تنفدت بغضب مكتوم وظهرت القسوة في ملامحها، مما جعل جنة تهمس بعتاب

= لسه برضه يا ماما مش بتحبي تسمعي سيرته؟ لسه مش عايزة تكلميه؟

هنا انطلقت صرخة عبير الغاضبة لتقطع حديثها

= جنة! أنا مش عايزة أسمع كلمة واحدة في الموضوع ده، إنتي فاهمة؟ عايزة تمشي وتغوري عنده روحي، بس وانتي ساكتة روحي حطي إيدك في الحرام بمزاجك، لكن متمثليش دور المصلح الاجتماعي عليا!

اشتعلت عينا جنة بالضيق، وقفت وقالت بنبرة حادة لكنها محترمة

= ماما، أرجوكي أنا لا شوفت من بابا ولا على بابا حاجة حرام ولا غلط. وطول ما أنا شايفة إن شغله سليم وواضح، يبقى متدخلنيش في حواراتكم القديمة دي أرجوكي.

اقتربت جنة من والدتها، ورغم الأجواء المتوترة، انحنت وقبلت رأسها بحب

= أنا لازم أمشي دلوقتي عشان متأخرش وعلى فكرة، هحاول وأنا راجعة أجيب حاتم معايا عشان يتغدا معانا.

بمجرد ذكر اسم حاتم، رقص قلب عبير فرحاً بداخلها؛ فهي تشتاق لابنها الذي أبعدته الخلافات والعمل مع والده عنها لفترات طويلة، لكن كبرياءها منعها من إظهار ذلك.

صرخت في جنة بغضب كاذب وهي تحاول مداراة لهفتها

= لا! متجبيش الصايع بتاع البنات ده بيتي! أنا مش عايزة أشوفه هنا، إنتي فاهمة؟ مش عايزة قرف!

كانت جنة قد وصلت بالفعل إلى باب الغرفة، ففتحته والتفتت لوالدتها بابتسامة لعوبة، فهيا تحفظ أمها وتعرف ما يخفيه قلبها خلف هذا القناع الصارم، وقالت وهي تغمز لها

= متقلقيش يا بيري هجيبه معايا برضه. باي يا بيرو!

أغلقت الباب خلفها بسرعة، بينما بقيت عبير مكانها، تلاشت ملامح غضبها تدريجياً لترتسم على شفتيها ابتسامة شوق خفية، وهي تتمتم في سرها

=وحشتني يا شقي ربنا يهديك ويرجعك لحضني يارب.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان البدروم بارداً وموحشاً، رائحة الرطوبة تخنق الأنفاس، وغدران منكمشة على الأرضية الحجرية القاسية، تضم جسدها بيديها المرتجفتين.

الألم في أسفل بطنها كان ينهشها كأنه سكاكين حامية، تشعر بانقباضات الرحم التي تخبرها أن العادة الشهرية على وصول، ليزيد ذلك من شعورها بالوهن والضعف وسط هذا السجن المظلم.

رغم الألم الفظيع، كانت تقاوم رغبتها في إغماض عينيها، تهمس لنفسها بصوت مبحوح

= مش هنام هو قال هيجي.

فجأة، سمعت صوت تكة خفيفة عند الباب، ثم صرير خافت.

انتفضت في مكانها، عدلت جلستها بسرعة وهي تحاول مداراة ألمها، وعيناها معلقتان بالباب برعب؛ فكرة أن يكون صلاح قد عاد كانت ترعبها.

لكن، وبمجرد أن ظهر طيفه الطويل الواثق من خلف الظلام، انفرجت أساريرها وخرجت منها تنهيدة راحة ممزوجة بدمعة سقطت رغماً عنها.

همست بسعادة منكسرة

=عمر، انت جيت بجد!

تقدم نحوها بخطواته الرزينة، وعلى وجهه تلك الابتسامة الواثقة التي تمنحها الأمان وسط الجحيم، وقال بنبرة رجولية حازمة

= عمر الهواري ميرجعش في كلمته يا طري وما دام وعدت، يبقى لازم أنفذ لو على رقبتي.

لكن بمجرد أن اقترب منها تحت ضوء المصباح الخافت، لاحظ شحوب وجهها، وحبات العرق التي تكسو جبينها، وملامحها التي تتقلص من الوجع.

انكمشت ملامحه بقلق حاول مداراته خلف نبرة غاضبة

= مالك؟ عملك حاجة؟ لمسك تاني؟!

نفت برأسها بسرعة وهي تحاول كتم أنة وجع، وقالت بكسوف وصوت متقطع

= لا لا والله، أنا بس بطني وجعاني وجع شديد مش قادرة منه.

ظل يراقبها للحظات، يلاحظ كيف تضم بطنها وكيف يزداد تألمها مع كل نفس، حتى لمعت في عينيه نظرة إدراك.

تلاشت نبرة الغضب وحلت محلها نبرة هادئة ومستفزة في آن واحد، وقال ببساطة

= آه فهمت إنتي عندك البريود عشان كدة الحالة دي كلها.

شهقت غدران بخجل شديد، واحمر وجهها الشاحب رغم الألم، وقالت بحدة طفولية

= عمر! عيب كدة إيه اللي إنت بتقوله ده؟

ضحك أنس بسخرية وهو يربع يديه أمام صدره، ونظر إليها بنظرة جريئة جعلت قلبها يخفق

= عيب إيه يا طري؟ هو أنا بقولك تعالي علي رجلي؟ مع إن بصراحة نفسي ونفسي أوي كمان.
2

تحولت ملامح غدران في ثانية من الألم والخجل إلى الغضب العارم، ونسيت وجع بطنها للحظة، وصرخت فيه بصوت مكتوم وهي تحاول النهوض

= انت ازاي تتكلم معايا كده؟ لا بقولك ايه! مش علشان سبتك تتكلم معايا يبقي تفتكر ان انت واحده رخيصه هتعرف تضحك عليها! انت هنا بس علشان تساعدني انت فاهم! ولو انت راسم حاجة أكبر من كده في دماغك يبقي امشي من دلوقتي

تلاشت ابتسامة أنس المستفزة تدريجياً، وحلت مكانها ملامح باردة صلبة كالصخر.

تقدم نحوها بخطوات بطيئة، والظلام يلقي بظلاله على وجهه مما جعله يبدو مرعباً للحظة.

لم يتوقف حتى أصبح أمامها تماماً، لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها لتنظر في عينيه اللتين اشتعلتا فجأة ببريق غامض.

انحنى بجسده نحوها حتى لفحت أنفاسه وجهها، وهمس بصوت أجش يحمل نبرة تهديد مغلفة بحنان غريب

= حاجة في دماغي؟ انا لو حاط في دماغي نومك تحت مني كنت عملتها ومن زمان! او كنت روحت لي اي مره مفيش اكتر منهم! بس انا مش هيجان يامره! ومبعملش كل ده علشان الحاجات الوسخة الي بتقولي عليها في دماغي!

قبض على ذراعيها برفق لكن بقوة منعها من التراجع، وتابع وهو يثبت نظراته في عينيها:

= أنا مش راسم حاجة في دماغي غير إني أخرجك من هنا وبدل ما تشكريني إن سايب كل الي ورايا، جاية تقوليلي امشي؟

انتفض جسد غدران أثراً لمغص مفاجئ، فغمضت عينيها بقوة وأصدرت أنة وجع مكتومة.

في تلك اللحظة، انكسرت قسوة أنس تماماً،تنهد بعمق، وجلس على ركبتيه أمامها على الأرضية الباردة، ووضع يده على جبهتها يمسح عرقها برقة خالتها لم تتوقعها منه.

قال بهدوء وصوت منخفض

= خلاص، حقك عليا انا لساني متبري مني أنا عارف. متربتش ياستي اعمل ايه، اهدي بس عشان الوجع ميزيدش، والبريود مش عيب ولا حرام، ده وجع بيهدكم واحنا مفروض نرعاكم، وكمان نشيلكم فوق راسنا في الايام دي، اهدي بس كده وانا هروح اجبلك شويك حاجات وهاجي، حاولي تنامي شوية عقبال ما ارجعلك.

قال اخر حديثه، وهو يبتعد عنها مغادر الغرفة، تاركها تنظر في اثره بمشاعر مرتبكة

مرت دقائق من الترقب الثقيل حتى عاد أنس، ولم يكن وحيداً، بل كان يحمل في يده حقيبة كبيرة ممتلئة.

دخل البدروم بخطوات حذرة ليجد غدران قد استسلمت لضعفها وغفت على الأرضية الباردة من شدة الإرهاق والألم، وجسدها منكمش كالطفلة الصغيرة.

انحنى عليها بقلب خفق بشدة لرؤيتها بهذا المنظر، وبحركة رجولية مباغتة، مرر ذراعه أسفل ركبتيها والأخرى خلف ظهرها ورفعها عن الأرض بسهولة وكأنها لا تزن شيئاً.

انتفضت غدران فزعة، فتحت عينيها لتجد نفسها بين ذراعيه، تشبثت بقميصه بتلقائية وقالت بصوت مبحوح يملؤه الألم والاستغراب

= عمر؟ إنت بتعمل إيه؟ موديني فين؟

رد عليها بصرامة وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه

= أكيد مش هسيبك تنامي على الأرض النهاردة، هطلعك اي أوضة فوق.

بدأ الرعب ينهش صدرها، وبدأت تفرك بجسدها بين يديه محاولة الإفلات وهي تصيح بهمس مرعوب

= لا يا عمر أبوس إيدك لا! صلاح لو عرف هيقتلنا هيقتلني ويقتلك! بالله عليك سيبني ورجعني الأرض، أنا مرتاحة كدة!

توقف أنس مكانه، وشدد من قبضته عليها حتى شعرت بقوته، ونظر في عينيها بصرامة هزت كيانها قائلاً

= قولتلك قبل كدة، اللي تكون مع عمر الهواري الخوف ميسكنش صدرها أبداً طول ما أنا جنبك، ابوكي نفسه ميعرفش يطولك فاهمة؟

سكتت غدران أمام نبرته الواثقة، واستسلمت لرأسه وهي تشعر بدقات قلبه القوية.

صعد بها الدرج ببراعة حتى وصل إلى غرفة نومها، وضعها على السرير برقة فائقة وكأنها قطعة من الماس يخشى كسرها.

وضع الحقيبة الكبيرة أمامها على السرير، وبدأ يخرج محتوياتها وهو يشرح لها بلهجة عملية

= أنا جبتلك حفاضات، ومسكن قوي، وأكل عشان لازم تتغذي، وكمان جبتلك بيجامة تقيلة عشان تدفي جسمك وتنامي.
2

ثم اعتدل في وقفته، ونظر إليها بنظرة جريئة لئيمة وهو يغمز لها بطرف عينه.

= قومي غيري هدومك دي واتحفضي ولو محتاجة مساعدة في اللبس أو أي حاجة تانية، أنا هكون مبسوط أوي ومستعد أساعد بضمير!

احمرّ وجه غدران حتى أصبح كالجمرة، لتصرخ فيه بخجل

= إنت سافل وقليل الأدب! اخرج بره يا عمر اخرج بره حالاً!.

ضحك أنس بملء ففيه، ضحكة رجولية جذابة، وهو يتراجع نحو الشرفة قائلاً

= طيب يا طري، هخرج
البلاكونة اشرب سجارة، قدامك 10 دقائق تكوني جهزتي فيهم، وإلا هدخل أنفذ المساعدة اللي قولتلك عليها سامعة.

وقف أنس في الشرفة، يشعل سيجارة وينفث دخانها في سكون الليل، وعيناه تراقب الحديقة بالأسفل بحذر الصقر.

لكن خلف هذا الثبات، كان عقله يغلي بصراع لم يعهده من قبل.

كان يشعر بغضب عارم من نفسه، غضب ينهش رجولته التي طالما اعتز بها.

ضغط على سور الشرفة الحديدي بقوة حتى ابيضت مفاصله، وهو يهمس لنفسه بمرارة

= وبعدين معاك ؟ إنت هتقضيها كدب لحد إمتى؟.

بدأ يشعر بالندم الشديد؛ ففي البداية كان الأمر مجرد مهمة، لكن الآن، بدأت ملامح غدران، وضعفها، وحتى حديثها كما يحلو له تسميتها، تتسلل إلى حصونه المنيعة.

شعر بالضيق لأنه بدأ يحس نحوها بـ الشفقة الممزوجة بالحب، وهو شعور قاتل لرجل في وضعه.

قال في سره بغيظ

= بقى إنت اللي مفيش ست هزت شعرة منك، تقع الوقعة دي؟ ومع مين؟ مع واحدة المفروض انك هنا بس عشان تاخد منها الي انت عايزة! إنت حبيت ضعفها ولا حبيت خوفها اللي مبيسكتش غير لما بتلمس إيدك.

كان يخشى اللحظة التي تكتشف فيها غدران حقيقته، يخشى أن يرى نظرة الانكسار والخديعة في عينيها اللتين بدأ يعشقهما.

فكرة أنها قد تكرهه يوماً ما كانت تخنقه أكثر من رصاصة في صدره.

رمى السيجارة من يده ودعسها بحذائه بعنف وكأنه يدعس مشاعره، ثم التفت لينظر نحو الغرفة من خلف الزجاج.

رآها وهي تخرج من الحمام بعدما بدلت ملابسها، لينظر لها بانبهار ممزوج بالرغبة والشهوة لجسدها.

اقترب منها،وهو يمرر عيناه علي جسدها بدون رحمة، لدرجة انها بدئت تشعر بالخجل، لتقول بإرتباك

=بتبصلي كده ليه؟

اقترب منها اكثر حتي حاصرها علي الحائط، وهو يقول بهمس

=عيزاني ابصلك ازاي؟

لم تعطية اي جواب فقط هربت بعيناها من عنياه، ليعد السوال مره اخره

=قولي! عيزاني ابصلك ازاي

حاولت دفعة وهي تقول بخجل

=معرفش، بس متبصليش كده ،بتوترني

ابتسم،وهو يقول بخبث

=عندك حق تتوتري، ما انتي لو تعرفي انا عايز اعمل ايه هتخافي اويي

ابتلعت ريقها بتوتر،وهي تمرر عيناها علي وجهه القريب من وحهها، وهي تقول بخحل

=عايز تعمل ايه؟

=لا الي عايز اعملة ميتقلش،ده يتعمل، يعني مثلا هايز اعمل كده

قال و التقط شفتاها في قبلة لم تكن تشبه أي مرة سبقت؛ كانت قبلة تحمل اعترافاً صريحاً بكل ما يخفيه من صراعات.

لم يكن فيها حنان الذي عرفته، بل كانت مشحونة برغبة جامحة ووقاحة مقصودة، وكأنه يفرغ غضبه من نفسه ومن كذبه في جسدها.

كانت أنفاسه لاهثة، وصدره يعلو ويهبط وهو يضغط بجسده عليها، محاولاً أن يمحو المسافة التي تفصل بين حقيقته المظلمة وبراءتها التي تقتله.

ابتعد عن شفتاها قليلاً، لكنه ظل محاصراً لها بظله، وهمس أمام فمها مباشرة بكلمات تقطر جرأة،

= وعايز اعمل كده

قال وهو يحملها سريعا جابرها ان تحاوط خصره وحاصرها علي الحائط

ارتفع شهيق مكتوم من صدر غدران وهي تشعر بجسدها يرتفع فجأة عن الأرض، يداها تعلقت بتلقائية حول عنقه لتمنع نفسها من السقوط، بينما أحكم هو قبضته على خصرها، يثبتها بقسوة ورغبة جامحة على الحائط البارد الذي لم يزد لهيب أنفاسه إلا اشتعالاً.

كانت عيناه في تلك اللحظة تعبر عن تجرد كامل من كل القيود، وكأنه قرر أن يترك أنس الشهم خارج الغرفة، ويدخل إليها برجل لا يعرف سوى الامتلاك

دفن راسه في عنقها، وهو يقبلها قبلات متفرقه، ويديه تمر علي جسدها الذي بين يديه حتي شعر بفركتها وهي تحاول الابتعاد عنه

همس بصوت مبحوح بجوار أذنها، بينما كانت ضربات قلبها تقرع في صدرها كطبول الحرب

=لو سبت نفسي للي انا عايزة، يبقي ميشو هيشوف شغله.

اخرجت غدران وجهها من عنقه، وهي تحاول الهروب من نظراته التي تخترقها، وقالت بصوت بالكاد يُسمع

=أنس ارجوك ابعد عني.
الي بيحصل ده غلط
1

ثبت أنس عينيه في عينيها، ولم يتزحزح إنشاً واحداً، بل زاد من ضغطه على خصرها ليلتصق بها أكثر، وابتسامة ساخرة باردة ترتسم على شفتيه.

=غلط؟ أنت لسه شوفتي غلط ياطري؟

مرر يده بوقاحة على وجهها، ثم نزولاً إلى عنقها الذي ترك عليه أثراً أحمر من قبلاته العنيفة، لتبتعد عنه بقوه، وهي تقول بغضب متألم

=قولتلك مينفعش! هو انت مفكرني ايه؟

كانت تتحدث بصراخ لينظر لها بصدمه من تحولها، التقطت انفاسها و هي تقول بغضب
2

=هو انت مفكرني ايههه؟ قولتلك م

=تتجوزيني!

قاطعها بكلمته التي جعلتها تثبت فس مكانها بصدمه، ليقترب منها حتي اصبح امامها مبشرا وكرر بضرامه

=وانا بسألك ليه اصلا؟ هتجوزك يعني هتجوزك!

هزت رأسها بعدم فهم، وهي تقول باستغراب

=انت بتقول ايه؟ جواز ايه الي بتتكلم عنه

زفر بغضب، وهو يجلس امامها علي الفراش

=لا ميبقاش عقلك طخين زي جسمك الطري ده، بقولك هتجوزك

جلست بجانبه، وهي تمرر عيناها علي ملامحه باستغراب

=تتجوزني ازاي؟انت شايف احنا فين صح؟ شايف انا مين؟

=لو كنتي في بوق الشيطان، لو عوزتك هخدك، امسحي عينك وشوفي نفسك قعده مع مين عشان شكلها بدءت تخيب منك

ابتسمت بسخريه، وهي تقول بعناد

=وانت مين بقي؟ انا معرفش عنك حاجة اصلا! عايزيني اتجوز واحد معرفهوش!!

وقف سريعا اعطاها ظهره، حتي لا ترى ملامح وجه القلقه، وضع يديه في جيبو بنطاله، وهو يقَل بصرامه

=قولتلك اسمي عمر الهواري، اكتر من كده مش مطلوب تعرفي دلوقتي، فكري مع نفسك وردي عليا، عشان تطلعي من هنا، تبقي علي اسمي واوعدك، مش هتباتي هنا يوم واحد.

برغم حديثه الذي طمئنها، ولكنها وقفت انامه سريعا، وهي تقول بصرامه

=وامتي ده الي يثبتلي؟ ايه الي يثبتلي انك مش هتاخد مني الي انت عايزة وترجتني هنا تاني؟ او تكون اساسا تبع صلاح وكل ده تعليمات منه؟

سحبها من يديها بقوه في نعاية حديثها، ليهسهس بغضب

=قولتلك مليون مره، مش انا الي اخد تعليمات حد، مهما كان ايه هو، ولو عايز اخد منك حاجة، احنا مش في اوضه لوحدنا لا، احنا في قصر لوحدنا، اقدر اكتفك دلوقتي، واتمزج منك لغاية ااصبح واشبع، بس مش انا.

شعرت بقليل من الصدق في حديثه، بتسأل باستغراب

=هتعمل كل ده ليه؟ عايز تتجوزني ليه؟

ابتسم بخبث، وحاوط خصرها ليسحبها علي جسده لتصرخ بالم،من حديثه الوقح

=تبقي غبيه لو محستيش بية بين رجلك دلوقتي، واحد ولقي بطل شبهك، يسيبة؟

=يعني عايزني علشان مزاجك؟

قالت بإنكسار لم تعرف سببه، لينفس لها، وهو يقول بهمس امام وجهها

=الباقي هخليكي تعرفيه مع نفسك، بس دلوقتي تقدري تقولي انك فرصه، فرصه متتفوتش، زي ما انا فرصه متفوتش ليكي انتي كمان.

نظرت له بصمت، وهي تفكر في حديثه بداخلها، حتي اتى شيئ علي عقلها، لتقول سريعا

=وانت هتعرف تقف قدام صلاح؟ انت شكلك غلبان! وشغال عنده يبقي علي قد حالك! ليه هتأذي نفسك كده؟ وتحط نفسك في مشاكل مع واحد اكبر منك؟

اغنض عيناه بغضب من تقليلها له، كم يتمني ان يصرخ بها ويخبرها حقيقته ولكن صبرا صبرا يا انس تمتلكها اولا تتأكد انها اصبحت ملكك واخبرها بكل شيى

=مش شغلك، الي ليكي حمايتي ليكي، والي هتكون موجوده من يوم ما تبقي علي اسمي، ها؟

بلعت ريقها وهي تنظر الي ملامح وجهه،لن تكذب، وسامته الطاغيه تجبرها علي القبول، وايضا طريقته، فهي من يومها تتمني ام تتزوج من رجل بهذه الشخصية القويه كما كانت تشاهد في الأفلام والروايات.

=سيبني افكر، سيبني اخد وقتي وافكر

اومأ لها بصمت، فهو شاهد التخبط الذي في عيناها، شهقت بضدمه عندما حملها مره َواحده، وضعها علي الفراش، وهو يقول بحنان

=دلوقتي بقي تاكلي وتخدي المسكن وتنامي، وانا هقعد جمبك لغاية الصبح عشان ارجعك البدروم تاني

اخرج الطعام من الحقيبة، وجلس بجانبها، جعلها تجلس علي قدمه لتشهق بصدمه، وهي تقول يخجل

=لا ياعمر اي ده ابعد عيب كده

ضحك أنس ضحكة خفيضة رجولية، ولم يتحرك من مكانه، بل أحكم قبضته على خصرها ليرغمها على البقاء فوق قدمه، وقرب قطعة من الطعام إلى فمها وهو ينظر إليها بنظرات لا تخلو من تلك الوقاحة المحببة التي تميزه.

عيب إيه يا طري؟ إنتي لسه شايفة عيب؟ وبعدين مش قولنا انك هتفكري، اعتبرينا مخطوبين بقي لغاية لما تفكري.

حاولت غدران الاعتراض مجدداً وهي تشعر بحرارة جسده تخترق ثيابها، لكنه قاطعها بنبرة حازمة ومسيطرة

غدران نصيحة مني انك تثبتي، عشان حركة كمان، مش هراعي انك في فترتك اساسا.

بدأت غدران تأكل بتوتر، بينما كان هو يراقبها بصمت، يده تعبث بخصلات شعرها المتمردة، وعقله يخطط لخطوته القادمة.

كان يشعر بانتصار صغير؛ فبرغم كذبه عليها بشأن هويته، إلا أن رغبته في امتلاكها وحمايتها كانت هي الحقيقة الوحيدة التي لا يستطيع تزييفها.
لحظة الهدوء التي تسبق العاصفة

بعدما انتهت من الطعام، أعطاها المسكن وجعلها تستلقي على صدره وهو لا يزال جالساً على الفراش.

ولكن تركها لبعض الوقت وذهب لجلب مياة الساخنة في الاربة التي جلبها به، وضعها علي بطنها وشعرت غدران براحة غريبة لم تعهدها، وكأن حضنه هو المكان الوحيد الآمن في هذا القصر الموحش.

=عمر أنت بجد هتقدر تخرجني من هنا؟ صلاح مش سهل صلاح ممكن يقتلك.

تحدث وهو يمرر يده على ظهرها بحنان ممزوج

"صلاح ده نهايته هتكون على إيدي لو فكر بس يقرب من طرفك يا غدران نامي نامي وانتي مطمنة إن عمر الهواري مش بيدي كلمة ويرجع فيها.

أغمضت عينيها وهي تستسلم لسلطانه، بينما ظل هو ساهراً، ينظر إلى وجهها البريء ويشعر بثقل الأمانة التي وضعها فوق عاتقه.

كان يعلم أن غداً لن يكون سهلاً، وأن المواجهة مع صلاح هي مجرد بداية للعبة أكبر بكتير مما تتخيله غدران.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في قاعة الاجتماعات الكبرى بشركة الموسى للصلب، كان الجو مشحوناً بالترقب.

جلس أيمن على رأس الطاولة بوقاره الصارم، وبجانبه ابنته جنة التي كانت تراجع الملفات بتوتر، وأمامهم الجميله الألمانية فيكتوريا، ممثلة أكبر شركات الاستيراد في أوروبا.

فُتح الباب فجأة دون استئذان، ليدخل حاتم بخطواته الواثقة المتبخترة، يرتدي حلة سوداء كأنها نُحتت لأجله، وشعره مصفف بعناية لا مبالية.

التفت أيمن إلى ابنه بنظرة نارية، وضغط على قلمه بغضب مكتوم من استهتاره بالمواعيد، بينما همست جنة بلوم وهي تنظر لساعتها

= كل ده تأخير يا حاتم؟

لم يعر حاتم نظرات والده أو لوم أخته أي اهتمام، بل سحب كرسياً وجلس بكل أريحية، مسنداً ظهره للخلف، ثم وجه نظراته مباشرة نحو فيكتوريا التي كانت تراقبه بفضول وإعجاب لم تستطع إخفاءه.

ابتسم حاتم ابتسامة خبيثة، وانحنى قليلاً للأمام ليمسك يد فيكتوريا برقة، وطبع عليها قبلة فرنسية كلاسيكية وهو يتحدث بلغة إنجليزية متقنة ونبرة رخيمة

Welcome, my lady Please accept my deepest apologies for being late. I had some urgent matters that couldn't wait.
أهلاً يا سيدتي أرجو أن تقبلي اعتذاري الشديد على تأخري، كانت لدي بعض الأمور العاجلة التي لا تقبل التأجيل

ذابت ملامح فيكتوريا الجادة وتحولت إلى ابتسامة عريضة، وردت عليه بنفس اللغة وهي تتمايل بدلال

Don't mention it, you handsome devil. We haven't even started discussing the deal yet.

لا عليك أيها الوسيم فنحن لم نبدأ حتى الآن في مناقشة الصفقة

انهت حديثها وبدأت في شرح تفاصيل صفقة استيراد الحديد، لكنها لم تكن تشرح للشركة، كانت تشرح لحاتم.

كانت عيناها تلمعان بانبهار في كل مرة يقاطعها فيها حاتم بنقطة تقنية أو تعديل في العقود يضمن مصلحة شركتهم.

كان حاتم يدير الجلسة ببراعة شيطانية؛ يتناقش في أرقام بملايين الدولارات بذكاء حاد، وفي الوقت نفسه، كان يرسل لها غمزات خاطفة بخبث من خلف الأوراق، مما جعل فيكتوريا ترتبك وتضحك بخجل بين الحين والآخر

كان أيمن يراقب المشهد بذهول؛ غضبه تبخر وحل محله انبهار صامت.

ابنه الذي ظنه مستهتراً، هو الوحيد الذي استطاع ترويض هذه المرأة الحديدية وجعلها توافق على كل شروطهم بكلمة واحدة منه.

=الولا ده مش سهل بيعرف يرمي صنارته صح.

أما جنة، فكانت تتبادل النظرات مع والدها، مندهشة من كيف تحول الاجتماع الرسمي المتشنج إلى سهرة إعجاب يقودها شقيقها بمنتهى الوقاحة والاحترافية في آن واحد.

بمجرد أن أعلنت فيكتوريا موافقتها النهائية على كافة البنود، أغلق حاتم ملفه ببطء وهو ينظر إليها بنظرة ذات مغزى.

لفتة الفارس والهمس المثير
ما إن تحركت فيكتوريا لتهم بالقيام، حتى كان حاتم أسرع من البرق؛ نهض بخفة ورجولة طاغية، والتف خلف مقعدها ليمسك بطرفه ويسحبه للخلف بهدوء ليساعدها على الوقوف.

ابتسمت فيكتوريا له بإعجاب شديد بهذا الرقي، لكن حاتم لم يكتفِ بذلك، بل انحنى قليلاً نحو أذنها، واستنشق عبيرها بعمق قبل أن يهمس لها بنبرة رخيمة ومستفزة

Your perfume is uniquely captivating. It's incredibly provocative, just like you.

=عطرك مميز بشكل ساحر إنه مثير جداً، تماماً مثلك.

اتسعت ابتسامة فيكتوريا وظهر الخجل جلياً على وجهها، وردت بنبرة يملؤها الدلال

I'm glad you noticed. It's a rare blend, specially crafted for me. I love it because it's as unique as my personality.

= أنا سعيدة لأنك لاحظت إنه مزيج نادر، يُصنع خصيصاً لي. أحبه لأنه فريد مثل شخصيتي.

زاد حاتم من جرأته واقترب خطوة أخرى، ليصبح جسده شبه ملاصق لها، وقال بصوت خفيض وصل لأسماع والده وأخته المذهولين

Well, everything about you is unique.

حسناً، كل شيء فيكِ مميز

ثم تابع وهو ينظر في عينيها مباشرة:

=متى ستغادرين البلاد؟

أجابت وهي تحاول التقاط أنفاسها من تأثير قربه

=بعد يومين.

هنا لمعت عينا حاتم ببريق شيطاني وقال بخبث

=إذن، نلتقي غداً في فندقكِ أود أن أودعكِ بطريقتي الخاصة قبل رحيلك. أين تقيمين؟

أملت عليه فيكتوريا عنوان الفندق وهي لا تكاد تصدق جرأته، ثم مالت عليه وهمست

=سأنتظرك أيها الوسيم.

انسحبت فيكتوريا من القاعة بخطوات متمايلة، تاركة خلفها عطراً يملأ المكان، وهدوءاً قاتلاً لم يقطعه سوى صوت أنفاس أيمن وجنة.

كان أيمن يقف متصلباً، عيناه متسعتان من هول ما رأى وسمع؛ فابنه لم يكتفِ بعقد الصفقة، بل حدد موعداً غرامياً في الفندق أمام أعينهم!

أما جنة، فقد كانت تفتح فمها بذهول، تنظر لحاتم وكأنها تراه لأول مرة، غير قادرة على استيعاب كيف حول شقيقها اجتماع عمل مصيري إلى ساحة قنص بدم بارد.

اما حاتم، وبكل برود، عدل ياقة قميصه ونظر لوالده بابتسامة منتصرة قائلاً

=ها يا بوص مش قولتلك سيبلي الطلعة دي؟

نظر له والده بصدمه، وهو يقول بعدم تصديق

=انت عملت كده ازاي؟؟

تابعتة جنة بالحديث

= يلهوي يا حاتم ده انت ثبتها! وفرتلنا اتنين مليون دولار!

عدل حاتم ملابسه، وهو يقول بفخر

=ده اقل حاجة عندي، الي زي فكتوريا دول بيبقو شرقانين حنان،انا عارف غيتهم كويس،انا ماشي عشان قطعتوني عن ماتش مهم اوي، لازم ارجعلة

كان علي وشك الذهاب، ولكن اوقفه جنة التي وقفت امامه سريعا

=استنى يا حاتم، انت هتيجي معايا! ماما عيزاك!

أكمل حاتم تحركه نحو الباب دون أن ينظر إليها، وبنبرة خالية من أي اهتمام، وكأن الأمر لا يعنيه، قال ببرود

=مش فاضي يا جنة خليها يوم تاني.

في تلك اللحظة، تنهد أيمن بارتياح وجلس على مقعده ببطء، يراقب المشهد بصمت وعينيه تلمعان برضا غريب.

أما جنة، فقد اشتعلت الدماء في عروقها، واندفعت لتقف أمام حاتم مباشرة وهي تصرخ بغضب

=حرام عليك يا حاتم! هي موحشتكش؟ بقالك أكتر من شهر مشوفتهاش، ولا حتى بتسأل عنها بالموبايل!

زفر حاتم بضيق شديد، وظهر النفاذ في صوته وهو يقول

=ده مش بمزاجي يا جنة أنا مشغول ومش ملاحق على الشغل، هبقي اعدي عليها بكره بعد الشغل حاضر، ارتحتي؟

هنا نهض أيمن فجأة، وقال بنبرة آمرة وحادة

=إحنا بكرة مش فاضيين يا حاتم! عندنا شحنة مهمة لازم نستلمها بنفسنا ونشرف على دخولها المخازن، مفيش وقت للزيارات دي.

التفت حاتم لوالده، وبنظرة هادئة لكنها حاسمة رد عليه

=استلمها أنت يا بابا أنا بكرة هروح لماما شوية، واحتمال أبات هناك كمان.
ثم استدار نحو جنة مره اخره واقترب منها بهدوء وانحنى ليقبل رأسها بحنان حقيقي، وسألها بصوت خفيض

=محتاجة حاجة يا حبيبتي قبل ما امشي؟

ابتسمت له جنة برقة ونفت برأسها قائلة

=محتاجاك معانا بس يا حاتم، البيت بيظلم لما بتبعد.

رد عليها بابتسامة خفيفة وودودة

=بيت أبوكي مفتوح يا حبيبتي، يوم ما تعوزي تيجي هتلاقيني في انتظارك

تحدثت جنة سريعا

= وبيت أمك كمان مفتوح يا حاتم.

قاطعها حاتم بحدة وهو ينفي الفكرة تماماً، وعاد الغضب يسيطر على ملامحه

أمك هي اللي اختارت تسيبنا وتمشي يا جنة! ومش معنى إنك سامحتيها إني هسامح أنا كمان أنا بس رايح عشان مش ناسي إنها لسه أمي، وليها حق عليا مش أكتر.

كان أيمن يستمع إلى كلمات ابنه الأخيرة وهو يشعر بانتصار داخلي ساحق؛ فبرغم ذهاب حاتم لوالدته، إلا أن الكره والجفاء الذي ينطق به أكد لأيمن أن خطته في تربية ابنه على بغضها قد نجحت تماماً، وأن حاتم يقف في صفه هو في نهاية المطاف.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
اندفعت مي داخل الغرفة بخطوات متعثرة من القلق، بعد أن تلقت اتصالاً من حليمة كانت فيه منهارة تماماً وتطالبها بالحضور فوراً.

ما إن فتحت الباب حتى وجدت حليمة تقبع فوق السرير، ضامةً قدميها إلى صدرها، وجسدها ينتفض برعشة من أثر البكاء المرير.

هرعت مي نحوها وجلست بجانبها، تجذبها إلى حضنها بسرعة وهي تسألها برعب

=مالك يا حليمة؟ في إيه يا حبيبتي حصل إيه لكل ده؟

ازداد بكاء حليمة مرارة وارتمت في حضن مي بقوة، وكأنها تتمسك بطوق نجاة، فزادت حيرة مي وقلقها وهي تطبطب على ظهرها محاولةً تهدئتها

=اهدي اهدي وفهميني بالراحة بس، إيه اللي حصل قلب كيانك كدة؟

ابتعدت حليمة عنها فجأة، وعيناها محتقنتان بالدمام، وقالت بصوت مشروخ من القهر

=أنا رخيصة أوي أنا رخيصة أوي يا مي رخيصة أوي!

قطبت مي حاجبيها باستغراب قائلة

=مين اللي قال كدة؟ ومين اللي يقدر يقول كدة أصلاً؟ فهميني حصل إيه!

ردت حليمة بغصة مريرة

=أنس

سألت مي بلهفة

=ماله أنس؟ عمل إيه؟

انفجرت حليمة بالبكاء مجدداً وهي تقول

=عملت زي ما قولتيلي وحاولت أقرب منه بس وهو معايا نطق اسم ست تانية! قال اسم واحدة تانية وهو في حضني!

تجمدت ملامح مي بصدمة، ونظرت إليها بعدم تصديق وهي تتمتم

قال اسم ست تانية؟ إزاي إزاي يعني؟

صرخت حليمة بغضب وقهر وهي تضرب بيدها على السرير

=يعني إيه إزاي؟! زي الناس! بدل ما يقول اسمي، نطق اسم واحدة تانية يعني تخيلني واحدة تانية وأنا معاه! تخيلني هي علشان يقدر يلمسني!

حاولت مي تهدئتها وهي تمد يدها لتمسك كتفيها

=اهدي بس يا حليمة اهدي، مش يمكن غلطة لسان؟ يمكن اتلخبط من ضغط الشغل أو أي حاجة؟

انتفضت حليمة واقفة وهي تصرخ بجنون

=اتلخبط؟! اتلخبط وهو فوقي؟ وهو معايا؟ يقول اسم ست تانية وتقوليلي اتلخبط؟

بدأت تشد خصلات شعرها بعنف وهي تتحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً بانهيار

=أول مرة في حياتي أحس إني رخيصة كدة حسيت إني واحدة شمال جايبها بفلوسه عشان يتخيل بيها حبيبته اللي مش طايلها! أنا بقيت وسيلة عشان يوصل لغيري في خياله!

حاولت مي اللحاق بها قائلة

=طب اهدي، خلينا نشوف هنعمل إيه اهدي وفكري بالعقل.

التفتت إليها حليمة بعيون يملؤها الشرر

=هنعمل إيه؟ مش هنعمل حاجة! أنا مش عايزاه مش طايقة أبص في وشه أصلاً! خليه يروحلها خليه يغور بعيد عني، أنا مش هرخص نفسي تاني أنا تعبت!

أمسكتها مي من ذراعيها بقوة وهي تقول بحدة

=أنتي عبيطة يا حليمة؟ هتسيبيه وتسيبي الفلوس والبيت ده كله لواحدة تانية؟ هتسيبي حقك وحق ابنك وتطلعي برا؟

صاحت حليمة بانهيار

=تاخدهم! تاخد كل حاجة مش عايزاهم خليها تشبع بيهم وتغور!

ردت مي بسرعة وحزم

=لا طبعاً! أنتي مستحملتيش كل ده السنين اللي فاتت عشان ترميه في الآخر على الجاهز لواحدة تانية اهدي وخلينا نخطط نرجعه ليكي إزاي ونكسر الست دي.

هزت حليمة رأسها برفض قاطع وهي تصرخ بغضب

=بقولك مش عايزاه! مش عايزة حاجة يغور هو بفلوسه! أنا حاسة بنار في قلبي نار بسببه! والناس؟ الناس هتقول عليا إيه لما يعرفوا إنه بيخوني أو شافوه معاها شكلي هيبقى إيه قدامهم؟

نظرت إليها مي باستغراب وسألتها

=هو أنتي اللي هامك أنس وجرحك ولا كلام الناس؟

ردت حليمة بحدة وغيظ

=يغور في داهية . أنا أصلاً لا عمري طقته ولا حبيته! بس شكلي ومنظري قدام الناس أهم الناس هتقول عليا إيه؟ إني معرفتش أملى عين جوزي؟ أنا لازم أطلق لازم أسيبه وأكسره قبل ما هو اللي يسبني!

بدأت أنفاسها تضيق، وشعرت بألم حاد في حنجرتها من كثرة الصراخ، فجلست على الكرسي بتعب وهي تلهث.

جلست مي بجوارها مرة أخرى، وطبطبت على يدها بنبرة ناصحة وهادئة

=يا حليمة، كل اللي بتفكري فيه ده غلط أنا عارفة إن الوجع كبير والموضوع يهد، بس لازم نحسبها بالعقل. العصبية والطلاق مش حل، الحل إنك تكسبي جوزك وترجعيه حضنك وتطردي الست دي من حياتة للأبد عشانك وعشان ابنك، اهدي بس وهنلاقي حل يخليكي أنتي اللي فوق والكل تحت رجلك
نظرت لها حليمة بتعب لتلقي نفسها داخل احضانها، وهي تنهار باكيه..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

صفق ونيس باب سيارته وتوجه بخطوات واثقة نحو بوابة الحضانة، وما إن دخل حتى لمحت عيناه ملك الصغيرة وهي تقف بجوار طفل آخر يبدو عليه الهدوء.

بمجرد أن رأته ملك، تهلل وجهها وصرخت بفرحة

=بابي

ثم ركضت نحوه وارتمت في أحضانه.

احتضنها ونيس بقوة وقبل رأسها

=حبيبة بابي

بينما كان حسن يقف بعيداً قليلاً ينظر إليهما بعيون يملؤها الحزن والاحتياج.

قالت ملك لوالدها بدلال وهي تشير لصديقها

=بابا بث ده حثن اللي قولتلك عليه.

اقترب ونيس من حسن بابتسامة حنونة، ومد يده يصافحه

=أهلاً يا بطل إزيك يا أبو علي؟

ابتسم حسن بخجل وهو يضع يده في يد ونيس

=إزيك يا عمو أنا كويس.

نظر ونيس حوله بتساؤل وسأله باهتمام

=هو فين بابا يا حسن؟ أو ماما مجوش خدودك ليه لحد دلوقتي؟

انطفأت لمعة عيني حسن ونكس رأسه قائلاً بحزن

=بابا مسافر وماما مجتش تاخدني، اتأخرت أوي شكلها نسيتني زي كل مرة.

في هذه اللحظة، اعتصر قلب ونيس غضباً واشتعلت في ذاكرته صور قديمة لأفعال زوجته السابقة وإهمالها، فجذب حسن إليه واحتضنه بسرعة وكأنه يعتذر له عن خذلان العالم

=متخافش يا حبيبي متخافش، أنا هروحك بنفسي أنت عارف بيتك فين؟

أومأ حسن برأسه بآلية، وأخرج من جيبه كارت صغيراً مهترئاً الأطراف، وقال ببراءة تقتل

=أنا كاتب العنوان هنا عشان لما ماما مبتجيش بروح لوحدي.

اتسعت عينا ونيس بصدمة وغضب مكتوم وهو يرى طفلاً في هذا العمر يحمل كارت عنوانه لأنه اعتاد الضياع.
1

ضمه إليه مرة أخرى بقوة وهو يقول بصوت مخنوق

=يلا يا حبيبي يلا نمشي.

أركبهما السيارة وانطلق نحو العنوان المدون، ليصل إلى فيلا فخمة في نفس اللحظة التي كانت فيها حليمة تقف أمام البوابة تودع صديقتها مي بضحكات خافتة.

توقفت سيارة ونيس بعنف، ونزل حسن مسرعاً، فهرعت إليه حليمة برعب مصطنع وهي تضمه

=حسن حبيبي! أنت جيت إزاي؟ ومين ده؟ أنت جيت من الحضانة لوحدك؟

ترجل ونيس من السيارة والغضب يتطاير من عينيه، واقترب منها بجمود قائلاً

=أمال حضرتك كنتي عايزاه يبات هناك ولا إيه؟

نظرت إليه حليمة بغضب واستنكار

=أنت إزاي تكلمني كدة؟ وأنت مين أساساً عشان تتدخل وتتكلم بالأسلوب ده؟

ازداد غضب ونيس وصاح فيها

=أنا اللي جبت ابنك عشان حضرتك نسيتيه! سبتيه واقف لوحده في الحضانة والكل مشي وهو مستني سعادتك تفتكريه!

نظرت حليمة إلى حسن الذي كان يراقبها بنظرات حزينة ومنكسرة، لكن ونيس لم يعطِ لها فرصة للرد وتابع بقسوة

=يا ريت لو مش قد تربية ابنك مكنتيش خلفتيه أساساً! مش تخلفوا وترموا عيالكم للإهمال أنتوا إيه معندكوش دم؟

اشتعلت حليمة غيظاً من إهانته المباشرة وقالت بصراخ

=أنت اتجننت؟ أنت عارف أنت بتكلم مين؟ أنت عارف أنا أبقى مرات مين ولا إيه؟

رد عليها ونيس بسخرية لاذعة وغضب جارف

=ياريت أعرف ياريت أعرف جوزك عشان أعرفه إن مراته ناسيه ابنه، وأكيد طبعاً كنتي في النادي ولا بتعملي شعرك. ما أنا عارف صنفكم كويس!

بهتت حليمة من هجومه الكاسح وغضبه غير المفهوم الذي بدا وكأنه ثأر قديم وليس مجرد عتاب عابر.

وقفت مذهولة لا تستطيع الرد، بينما استدار ونيس وركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية، تاركاً إياها تنظر في أثره بصدمة وذهول، وقلبها يرتجف من قسوة كلماته التي أصابت الحقيقة في مقتل.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

وصل حاتم إلى الفندق، وتوجه مباشرة إلى جناح فيكتوريا.

وقف أمام الباب لثوانٍ يعدل ياقة قميصه بابتسامة واثقة، ثم طرق الباب بهدوء.

فتحت فيكتوريا الباب، وكانت المفاجأة أنها لم تكن ترتدي سوى قميص نوم أحمر ناري، قصير للغاية وكاشفاً أكثر مما يستر.

تفرّس حاتم في جسدها بجرأة، ثم أطلق صفارة إعجاب خافتة وهو يهمس بلهجته المصرية:

= أموت أنا في الأهلي!

ضحكت فيكتوريا بدلال وسألته

=?What are you saying

=ماذا تقول؟

ابتسم حاتم وهو يدلف إلى الداخل بخطوات واثقة، وعيناه لا تفارقها، ورد بالإنجليزية

=I was saying that you look incredibly provocative in this red outfit.

=كنت أقول إنكِ تبدين مثيرة بشكل لا يصدق بهذا الرداء الأحمر.

ضحكت بخجل مصطنع، وتوجهت نحو البار الصغير في ركن الغرفة وهي تتمايل قائلة

=Let me pour you a drink.

=دعني أصب لك كأساً.

لكن حاتم لم يمهلها؛ تحرك بسرعة خاطفة وجذبها من خصرها ليلتصق ظهرها بصدره، ثم طبع قبلة حارة على عنقها من الخلف وهو يهمس في أذنها بنبرة رخيمة

There's no time for drinks. I like to start the match right away.. I don't like to keep the crowd waiting.

=لا وقت للكؤوس أنا أحب أن أبدأ المباراة فوراً، ولا أحب أن أجعل الجمهور ينتظر.

التفتت إليه فيكتوريا وهي تطوق عنقه بيديها، وضحكت قائلة

You seem to be in a real hurry, handsome.

=تبدو مستعجلاً حقاً أيها الوسيم.

بيد ثابتة وجريئة، أنزل حاتم حمالة قميصها ببطء وهو ينظر في عينيها بتحدٍ

Speed is required sometimes, isn't it?

=السرعة مطلوبة أحياناً، أليس كذلك

أغمضت فيكتوريا عينيها بمتعة وهي تستشعر لمسات يده، وقالت بصوت خافت

=Speed might work against you.

=السرعة قد تنقلب ضدك.

نفی حاتم ذلك بابتسامة واثقة، وفي حركة سريعة ومفاجئة، حملها بين ذراعيه وتوجه بها نحو السرير، ليضعها برفق ثم يعتليها وهو يهمس بكل ثقة

=Tonight, you're going to experience a night that will make you forget the whole world. You won't remember anyone but Hatem El-Morsy.

=الليلة، ستعيشين ليلة تجعلكِ تنسين العالم بأسره لن تتذكري أحداً سوى حاتم المرسي.

ثم انحنى يقبلها بشغف، معلناً بداية سهرته الخاصة بطريقته الاحترافية كما خطط لها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

استيقظت غدران والابتسامة تداعب ثغرها، شعرت بنعومة لم يسبق لها مثيل في قلبها، ظنت لوهلة أنها ما زالت بين ذراعي انس .

لكن بمجرد أن فتحت عينيها بالكامل، تلاشت تلك الابتسامة وحلّ محلها رعب صامت؛ الجدران ليست ذات الجدران، والسقف الخشبي الأنيق استُبدل بخرسانة باردة ورطبة.

هي في البدروم عادت إلى الزنزانة.

انكمشت على نفسها تشعر بانكسار يمزق روحها، وهمست بمرارة

=كان حلم؟ كل ده كان حلم؟

لكن فجأة، تعثرت عيناها بطرف ثوبها تلك الملابس التي أحضرها لها انس، لمست القماش بيد مرتجفة، لتتأكد أنها حقيقة.

تنفست الصعداء بابتسامة حب ولدت وفكرت بلهفة

=أكيد عمر جابني هنا عشان يحميني من صلاح أكيد خايف عليا.

وفي عز شرودها الجميل، سمعت صوت القفل يتحرك.

تأهبت بقلب يخفق سعادة وهي تظن أن أنس قد جاء ليطمئنها، لكن الباب انفتح ليظهر كابوسها الحقيقي صلاح.

تجمدت ملامحها، وتحولت السعادة إلى غضب وكره دفين. دخل صلاح بخطواته الثقيلة، وقال بسخرية لاذعة

= وحشتك طبعاً!

نظرت إليه بصمت قاتل، وجلست في مكانها بجمود، فجلس أمامها ببرود وقال

= قوليلي يا غدران تفتكري أبوكي مكنش حابب يشارك العاصي ليه؟

لم تنطق بحرف، فتابع هو بضحكة مكتومة

= هقولك أنا أبوكي مكنش بيحب يشارك أي حد خالص، والسبب هو اللي أبويا وعمك أيمن عملوه زمان مع العطار.

اتسعت عيناها بفضول لم تستطع إخفاءه، لكن كبرياءها منعها من السؤال، فضحك صلاح بصوت عالٍ هزّ أركان الغرفة

= إنتي متعرفيش ولا إيه؟ متعرفيش أبوكي طرد أبويا من بيته ليه؟ وقاطع عمك أيمن ليه؟ ومتعرفيش عبير اتطلقت من أيمن ليه؟

ظل السكوت سيد الموقف، فقال بزهق

= لا إنتي لو متفاعلتيش معايا مش هقولك خلي بالك!

زفرت غدران بغضب وقالت بفضول غلب حذرها

= لا معرفش قول.

اعتدل صلاح في جلسته وقال بنبرة غامضة

= هقولك أصل في يوم من الأيام أبويا راح لـفاروق أخو كامل العطار، واتفق معاه إنه يقنع أخوه يدخل شراكة معاه في شحنة جاية من الصين حديد ورخام،والعطار كانوا تجار رخام من الأساس، مش هكدب عليكي، في الأول كامل مرضاش وقال إنه مبيحبش الاستيراد وبيحب يصنّع بنفسه، بس فاروق أقنعه وقاله إنها بضاعة بالملايين هياخدوها بربع سعرها، بس المبلغ كان كبير على فاروق أوي عارفة عمل إيه؟

كانت غدران تستمع بصدمة، ليتابع حديثه بانتشاء

= أخد قرض من البنك بضمان كل شركاته، وأخد كل فلوسه اللي في السوق، أصل المبلغ مكنش قليل برضه بس يشاء القدر يا غدور إن المركب اللي شايلة البضاعة تغرق!
تمتمت غدران بعدم تصديق

= غرقت؟!
انفجر صلاح ضاحكاً

= بصي صدقتي إزاي؟ أهو كامل صدق كده برضه، واستودع ربنا في بضاعته وبقى في مصيبة مع البنك والناس اللي عايزة منه فلوس، لغاية لما في يوم اكتشف الحقيقة.

مال عليها صلاح وهمس في أذنها كفحيح الأفعى

= اكتشف إن أخوه اتفق مع أبويا وعمك إنهم يوهموا كامل بكل اللعبة دي، والفلوس دي جابوا بيها بضاعة فعلاً بس مخدرات.

شهقت غدران بصدمة ووضعت يدها على فمها، فأومأ لها بخبث

= إيه مالك اتفاجئتي كدة ليه؟ بس بصراحة عندك حق، ده كامل نفسه مستحملش ومات من الصدمة!

ترقرقت الدموع في عيني غدران وهي تنظر له بقرف واشمئزاز، فتابع ببرود

= والمخدرات دي اللي عمك أيمن لسه شغال فيها لغاية دلوقتي.

اتسعت عيناها بذهول، فأومأ مؤكداً

= أيوه متستغربيش ما هو ده سبب طلاق عبير من عمك. أصل بعد ما أبوكي عرف الحقيقة طرد أبويا من البيت بحكم إنه كان عايش معاكم، وراح لعمك أيمن البيت واتخانق معاه قدام عبير مراته، اللي أول ما عرفت طلبت الطلاق وسابت البيت وخدت عيالها معاها، بس حاتم من يومه وهو ميّال لأبوه، وأصله كان صغير لما الحوارات دي حصلت فمش مصدق أمه، وميّال للعيشة مع أبوه ومرات أبوه اللي فتحتله كل حاجة على البحري أما جنة، برغم إنها برضه مش مصدقة كلام أمها على أبوها، بس ميّالة لأمها أكتر وعشان كدة عايشة معاها.

كانت غدران تشعر أن رأسها سينفجر، الحقيقة كالحطام يتساقط فوقها. اقترب صلاح منها أكثر وقال بهمس مخيف

= عارفة أنا بقولك كل ده ليه؟

نظرت إليه باهتمام مرعوب، فختم حديثه بابتسامة نصر شيطانية

= عشان أنا كسرت شوكة أبوكي وعملت اللي طول عمره مش عايز يعمله، وأثبت إنه مش أحسن من أبويا في حاجة مبارك يا غدران هانم، أول شحنة مخدرات داخلة البلد بفلوس أبوكي!

توسعت عين غدران بصزمه وكانت علي وشك الصراخ في وجهه، لكن مللمحة المستغربه التي تحولت مره واحده جعلتها تنظر له بعدم فهم، ولكن عيناها توسعت برعب عندما استمعت الي حديثه

=استني استني! انتي جبتي الهدوم دي منين؟ وغيرتي امتي وفين اصلا؟ انا سيبتك بالفستان!

وووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
تراجعت غدران للخلف بجسد يرتجف، التصق ظهرها بالحائط البارد وهي تشعر بلسانها قد عُقد تماماً.

عيناها كانت تائهة بين غضب صلاح وبروده، ولم تجد حرفاً واحداً تدافع به عن نفسها

وفجأة، انشق صمت المكان بصوت جهوري واثق

=أنا اللي جبتلها الهدوم دي يا باشا!

تصلب جسد صلاح، ودار ببطء كمن لا يصدق ما سمع. كانت الصدمة مرسومة على وجهه وهو يرى أنس واقفاً أمامه بثبات.
تحدث صلاح بذهول وغضب مكتوم

= أنت؟! أنت إزاي وإزاي عرفت مكانها هنا؟!
اندفع صلاح نحو أنس بسرعة البرق، وقبض على ياقة قميصه بقوة حتى كاد يرفعه عن الأرض، وصرخ في وجهه

=أنا مش قولتلك تغور وتروح؟ بتعصي أوامري يالا؟!
حاول أنس كبح جماح غضبه الذي بدأ يغلي في عروقه، ضغط على قبضة يده بقوة حتى ابيضت مفاصله ليتحكم في أعصابه، وقال بصوت هادئ ومكر
أنس
=يا باشا، أنا رجعت لأني ملقتش تليفوني، خمنت إنه وقع مني هنا وأنا خارج جيت على أساس هلاقيك، بس ملقتكش.
أخذ أنس نفساً عميقاً وأكمل وهو يراقب رد فعله

=وأنا بدور على التليفون، سمعت صوت صريخ مكتوم جاي من ورا الدولاب استغربت وقلقت ليكون جرالك حاجة، فضلت أفتش لغاية ما الباب اتفتح واتفاجئت بالمدام قاعدة على الأرض بتصرخ وبتعيط من الوجع.

صمت أنس لحظة، ثم أضاف وهو ينظر لـ غدران بنظرة سريعة

=استغربت وجودها هنا، بس لما قالتلي إنها تعبانة ومحتاجة مساعدة، وجبتلها الهدوم دي علشان عشان كانت بتنزف.

في تلك اللحظة، التقت عين أنس بعين غدران التي كانت تتنفس بصوت مسموع من فرط الرعب، والدموع لا تتوقف.

أغمض أنس عينيه ببطء وهدوء، حركة بسيطة لكنها كانت كفيلة بأن تبث في روحها طمأنينة مؤقتة وكأنه يقول لها

=اششش متخافيش، أنا هنا.
التفت أنس مرة أخرى لـ صلاح الذي كان لا يزال ينظر إليه بشك ممتزج بالدهشة، وسأله ببرود

=هو في حاجة يا باشا؟ لو في سر، اعتبره في عيني، متقلقش واطمن خالص.

ارتخت قبضة صلاح تدريجياً، وساد صمت ثقيل قبل أن ينطق بصرامة

=اللي شوفته هنا ده محدش يعرف بيه أبداً، أنت فاهم؟

اشتعلت شرارة انتصار خفية داخل قلب أنس؛ لقد نجحت الخطة ونال الثقة التي كان يريدها. رد عليه بجدية وهو يضع يده على صدره

=سرك في بير ملوش أبواب يا باشا.

نظر صلاح لـ غدران بنظرة أخيرة محملة بالوعيد والشر، ثم اتجه نحو الباب وقال لـ أنس وهو يغادر

=اقفل ورايا واطلع عندي مشوار مهم هخلصه، وأرجعلك نتفاهم.

بمجرد أن خرج صلاح ، اندفعت غدران بجنون نحو أنس، كانت تريد أن تختبئ داخل ضلوعه من فرط الرعب الذي عاشته.

لكن قبل أن تلمسه، رفع أنس يده فجأة وبصرامة، وأشار لها بإصبعه أن تقف مكانها.

تسمرت غدران في مكانها وهي ترتعش، والدموع تحرق وجنتيها.

ظل أنس واقفاً كالتمثال، جسده مشدود كوتر الكمان، وعيناه مسمرتان على الباب، يرهف السمع بكل ذرة في كيانه.

ساد صمت قاتل، لم يقطعه سوى شهقات غدران المكتومة، حتى جاء الصوت الذي كان ينتظره صوت محرك سيارة صلاح وهي تنطلق مبتعدة عن المكان بسرعة.

في تلك اللحظة، تبدلت ملامح أنس تماماً؛ انكسرت الصرامة وحل محلها خوف جارف عليها.

اندفع نحوها بسرعة البرق، وقبل أن تنطق بحرف، كان قد جذبها إليه بقوة مفرطة ودفن رأسها في صدره، وكأنه يحاول حمايتها من العالم أجمع.

استسلمت غدران تماماً، لفت ذراعيها حول خصره وتمسكت بقميصه كغريقة وجدت طوق نجاة، وانفجرت في بكاء مرير هز كيانها بالكامل.

كانت تبكي بصوت مسموع هذه المرة، رعباً وقهراً من كل ما مرت به.

أخذ أنس يربت على شعرها بحنان، ويشدد من ضمتها وهو يغمض عينيه بألم، وهمس بصوت مبحوح يحاول طمأنتها
=اششش خلاص، اهدي أنا هنا، أنا جنبك. محدش هيقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا فيّا نَفَس.
ابتعدت غدران قليلاً وهي لا تزال داخل حصن ذراعيه، نظرت في عينيه بعيون حمراء متورمة وقالت بصوت متقطع

=كنت هموت من الخوف يا عمر كان ممكن هيقتلني لولا إنك جيت كان

قاطعها أنس وهو يمسح دموعها بإبهاميه برقة متناهية، ونظر في عينيها بعمق

=قولتلك قبل كدة، اللي مع عمر الهواري الخوف ميعرفش طريق لقلبها. أنا عمري ما هسيبك، والكلب ده حسابه بيتقل معايا يوم بعد يوم.
تذكرت الحديث الذي قاله من قبل، ليرتفع ضوت يكائها اكتر، وهي تقول بتوسل

=عمر انا عايرة اطلع من هنا، لازم اطلع من هنا والحق ثروة بابا ياعمر.

احتواها مره اخره داخل احضانه، وهو يحاول تهدئتها، ليتحدث بعدم فهم

=اهدي، اهدي وفهميني، حصل ايه.

نفت له،وهي تقول بتوسل

=عايزة اطلع من هنا، انت مش قولت هتطلعني، انا موافقة اتجوزك، بس طلعني من هنا ياعمر طلعني

احتضنها أنس بقوة أكبر، وكأن جسده يحاول امتصاص كل ذلك الوجع والارتجاف الذي يسري في جسدها. همس في أذنها بصوت عميق وواثق، وهو يشدد من قبضته عليها

=هتطلعي يا غدران والله العظيم لطلعك من هنا، والنهاردة قبل بكرة. بس اهدي، لازم تفكري بعقلك مش بخوفك عشان نعرف نرجعلك حقك.

ابتعدت قليلاً، ملامحها كانت محطمة، ونظراتها تائهة بين الرعب والأمل الأخير المتعلق به. قالت بصوت مبحوح وهي تمسح دموعها بظهر يدها

بابا دخل مخدرات بفلوس بابا ياعمر،لو فضلنا هنا دقيقة كمان، هيقضي علي اسم بابا كله .

تصلبت ملامح أنس، واشتعلت عيناه بنظرة شيطانية للحظة، لكنه سرعان ما أخفاها خلف قناع الثبات.

أمسك وجهها بكفيه، وأجبرها أن تنظر في عينيه مباشرة

= وحيات امه لهخليه يشرب المخدرات دي ويبل ميتها، مش طالب منك بس غير الصبر، اصبري تلات تيام ياغدران، تلات تيام وهتلاقيني بخرجك من هنا.

صمت لحظة ثم تابع بلهجة جادة

=وبالنسبة لموضوع الجواز أنا مش عايزك تتجوزيني وإنتي خايفة، ولا عشان ده تمن خروجك.انا رجعت في كلامي أنا هخرجك لأن ده حقك، ولأنك تخصيني الجواز ده هيكون بمزاجك وإنتي حرة وراسِك مرفوعة، مش وإنتي مكسورة كدة، انا عايزك تتجوزيني بقلبك مش بخوفك.
2

شهقت غدران وهي تنظر إليه بذهول، لم تكن تتوقع أن شهامته ستصل إلى هذا الحد في وقت كانت تظن فيه أن الجميع يطمع في جسدها أو ثروتها. سألت بتوتر

طب هنعمل إيه؟ واشمعنا تلات تيام؟ .

ابتسم أنس ابتسامة خبيثة، وغمز لها بعينيه ليعيد إليها بعض الطمأنينة

=حوارات ملكيش فيها، كل الي ليكي انك تهدي دلوقتي وتطمني.

اومأت له ببعض الإطمئنان، ولكنها نظرت له باستغراب، عندما وجدته يقترب منها بهذه الطريقه حتي حاصرها علي الحائط، وهو يقول بخبث.

=بالنسبة بقي لموضوع الجواز ده،لسه عايزة تتجوزيني؟ بعد الي قولتهولك؟

شردت في ملامح وجه الرجوليه، وعيناه التي تنظر اليها بإحتواء، اومأت له بخجل، وهي تهرب من عيناه، ولكنه اجبرها علي النظر له، وهو يقول وبصرامه

=لا عايز اسمعها.

ابتلعت ريقها بتوتر،وهي تقول بخجل

=لسه موافقة اتجوزك ياعمر

برغم فرحته بحديثها، ولكن ذكرها لهذا الاسم في نهاية حديثها، جعلته يعود لوعيه مره اخره، وهو يتذكر ماهو عليه، ليعتدل في وقفته سريعا وهو يعطيها ظهره، حتي لا ترى هذه الحيرة التي في عيناه ليقول بصرامه

=تمام يبقي جهزي نفسك يوم الجمعة الفجر، هنهرب من هنا.
فقط، تركها وغادر وهي تنظر في اثره بصدمه وحيره.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت الإضاءة خافتة وصوت ضجيج بعيد لآلات الموسيقى من الخارج

فتحت صبا باب غرفتها بلهفة وقلق، تلتفت يميناً ويساراً في الممر ثم نادت بصوتٍ مكتوم

=زنوبة! بت يا زنوبة تعالي بسرعة!

ظهرت زنوبة وهي تمشي بتململ، تظبط ملاءة لفها وقالت بتذمر

=جاية أهو يا صبا الله! في إيه ع الصبح، هو الواحد ميعرفش يريح نفوخه دقيقة؟

قبل أن تكمل زنوبة كلامها، مدت صبا يدها وسحبتها بقوة لداخل الغرفة وغلقت الباب بالمفتاح بسرعة، وسندت بظهرها عليه وهي تنهج.

ما ان رأتها زنوبه تفعل هذا حتي تحدثت بغمزة وخبث

= لا ده الموضوع كبير بقى! مادام شدتيني الشدة دي وقفلتِ بالضبة والمفتاح، يبقى أكيد في حاجة تبع حبيب القلب قولي يا اختي، سامعاكي

تحركت زنوبة بخفة وجلست على طرف السرير وهي تربع قدميها بفضول.

اسرعت صبا نحو الكومودينو، والتقطت جريداً مطوياً بعناية، ودفعتها في يد زنوبة قائلة بلهفة

=خدي خدي شوفي لي أي خبر عنه النهاردة، أنا نزلت اشتريته الصبح وأنا بجيب الفطار وقلبي واكلني عليه أوي يا زنوبة.

بدأت زنوبة في تقليب صفحات الجرنال ببطء، وعيناها تتجولان بين العناوين، وصبا واقفة فوق رأسها تفرك يدها بتوتر..

فجأة توقفت عينا زنوبة واَمأت برأسها

=أهوه في خبر أهوه!

صرخت صبا بحماس وهي تجلس بجوارها

=طب قولي قولي بسرعة يا زنوبة، كاتبين عنه إيه؟

شرعت زنوبة في القراءة، لكن ملامحها تصلبت فجأة، واتسعت عيناها بصدمة وتوقفت الكلمات في حلقها.
وهي  تنظر لصبا بنظرة مليئة بالقلق والخوف.

نحدثت صبا بخوف

=في إيه؟ مالك سكتّي ليه؟

اكتفت زنوبة ببلع ريقها بصعوبة، وصمتها يذبح صبا.

ازداد الخوف في قلب صبا لتتحدث  بصوت يرتجف

=في إيه يا زنوبة ما تفهميني! قريتي إيه انطقي؟

خطفت صبا الجرنال من يدها بعنف، وهي تحاول فك رموز الكلمات لكنها لا تعرف القراءة لتقع عيناها على صورة في منتصف الصفحة؛ صورة لكتلة من الحديد المحطم، سيارة مقلوبة تماماً على الطريق.

لتتحدث بصراخ مكتوم وهي تدقق في الصورة

=دي عربية حاتم! صح؟ هي دي عربية حاتم يا زنوبة!

اندفعت زنوبة وهي تضع يدها على فم صبا بسرعة

=اششش اهدي، اهدي يابت عشان خالتك متمسعناش وتيجي تفتح نفوخنا إحنا الاتنين!

لكن صبا لم تهتم بل نفضت يد زنوبة عنها بقوة وهي تصرخ بانهيار

أهدى إيه؟ حاتم عمل حادثة! فهميني بالله عليكي، اقري المكتوب يا زنوبة أنا هموت من الرعب، قلبي هيقف!

انهمرت دموع صبا بغزارة وهي تبدأ في الدخول في نوبة بكاء هستيري، فسحتبها زنوبة إلى حضنها بسرعة محاولةً تهدئتها

=وحدي الله يا صبا اهدي وأنا هفهمك، اهدي يا حبيبتي.

بدأت زنوبة تقرأ بصوت مرتعش

كاتبين إن الحادثة كانت على الدائري امبارح الفجر وإن حاتم بيه دلوقتي في العناية المركزة حالته خطيرة.

طلقت صبا صرخة مدوية مزقت سكون الغرفة، صرخة ممزوجة بالرعب والوجع، وبدأت في تخبيط صدرها بيدها وهي تصيح

=حاتم حاتم عمل حادثه

استمرت في الصراخ والنحيب وهي لا ترى أمامها سوى صورة السيارة المحطمة

لم يكن أمامها سوى فكرة واحدة تسيطر على عقلها

=لازم أروحله لازم أشوفه.

قامت صبا فجأة كالمجنونة، واتجهت نحو المشجب وسحبت عباءتها المفتوحة  من المنتصف التي تلبسها فوق عباءت البيت، ووضعتها على كتفها بإهمال، ثم خطفت طرحتها ووضعتها فوق رأسها بحيث ظهر نصف شعرها من الأمام، ودموعها قد لطخت كحل عينيها لتبدو كمن خرجت من فاجعة.

ارتمت زنوبة عليها تحاول الإمساك بخصرها ومنعها وهي تهمس برعب

= رايحة فين يا مجنونة؟ انتِ عايزة جابر يطين عيشتنا؟ المستشفى بعيدة والوقت متأخر، والمنظر ده ميخرجش لشارع!

تحدقت صبا وهي تدفعها بقوة وشهقاتها تعلو

= سيبيني يا زنوبة! لو مروحتش دلوقتي هموت سيبيني والله أرمي نفسي من الشباك!

رأت زنوبة الإصرار الانتحاري في عيني صبا، وعرفت أن الكلام لن يجدي نفعاً، فخافت أن تتركها تخرج وحدها بهذا المنظر.

وبسرعة البرق، سحبت زنوبة هي الأخرى عباءة مفتوحة وطرحة ولفتهما بنفس الطريقة العشوائية، وهرولت خلف صبا التي كانت قد وصلت بالفعل لباب الشقة وفتحته بعنف.

لكن الصدمة كانت واقفة بالمرصاد
في مواجهة الباب تماماً، كان جابر زوج خالتها يقف بسحنته الغليظة، وقد تجمدت يده التي كان يرفعها ليفتح الباب.

نظر إليهما من أعلى لأسفل باستحقار، وقال بنبرة مليئة بالوقاحة والتهكم

= على فين العزم كده يا ست البنات بالصلاة على النبي؟ رايحين علي انهي داهية؟

ابتلعت زنوبة ريقها وحاولت مداراة الموقف

= نازلين نازلين نتمشى شوية يا سي جابر، البت مخنوقة وعايزة تشم هوا.

انفجرت أسارير جابر غضباً، ووجه بصره لصبا كالصقر، وقال بصوت هز جدران الممر

= وليكي عين كمان تنزلي وتشمي هوا يا روح أمك؟ بعد ما خربتيها وقعدتي على تلها؟ الكباريه مقفول والرزق انقطع بسببك، مافيش خروج من البيت ده خشي اتخمدي!

صرخت صبا بانهيار وهي تحاول دفعه

= أنا هنزل يعني هنزل! ابعد عني، أنت ملكش كلمة عليا !

تحولت ملامح جابر إلى القسوة المحضة، وفي لحظة، امتدت يده الغليظة لتقبض على خصلات شعر صبا الظاهرة من تحت الطرحة، وجذبها منها بقوة أدت لالتواء رقبتها وهي تصرخ بالألم.

= لا يا روح أمك ما أنا مش فاتحها تكية وباكلك وأشربك عشان تقوليلي ماليش فيه! الكلمة هنا كلمتي، اللي بتمد لسانها بتتقطع!

اندفعت زنوبة تحاول تخليص شعر صبا من بين أصابعه وهي تتوسل

= حقك عليا يا سي جابر! ابوس إيدك سيبها، حقك عليا أنا هي بس قلقانه ومخضوضة شوية، والله ما تقصد.

صبا، رغم الألم والدموع، لم تنكسر، بل صرخت في وجهه

= ابعد عني! أنا هنزل يعني هنزل!

هنا لمعت في عين جابر فكرة شيطانية، فأرخى قبضته قليلاً لكنه ظل ممسكاً بها، وقال بخبث

= عايزة تنزلي؟ طيب مفيش حاجة ببلاش يا قطة، وعشان تنزلي لازم تدفعي تمن النزول ده.

نظرت إليه صبا بعدم فهم وسط شهقاتها، ليكمل هو ببرود

= تروحي للراجل اللي فتحتي دماغه، تستسمحيه وتبوسي تبوسي رجله كمان علشان يسامحك ويتنازل عن المحضر، ويخلينا نفتح الكباريه اللي حاله واقف بسببك ونعرف نآكل عيش.

اتسعت عينا صبا برعب وصرخت

= عايزني أروح أبوس إيد الراجل اللي كان عايز يغتصبني؟! أنت إيه؟ معندكش دم؟!

ضغط جابر على شعرها بقوة أكبر حتى كادت تقع أرضاً وقال بصوت جهوري

= وتبوسي رجله كمان لو أمرك! يا كده يا مفيش نزول، وهحبسك هنا لحد ما تعفني!

انهارت صبا بالبكاء، وفي تلك اللحظة لم يكن أمام عينيها سوى صورة حاتم وهو بين الحياة والموت في العناية المركزة.

شعرت أن كرامتها ثمن زهيد مقابل أن تراه مرة واحدة.

قالت بصوت مخنوق وهي تغمض عينيها بمرارة

= ماشي موافقة بس سيبني أمشي دلوقتي، ولما أرجع هروح معاك مطرح ما تحب وهعمل اللي أنت عايزه.

ترك جابر شعرها وهو يبتسم بانتصار، ومسح على شاربه وقال

= أهي دي الأصول روحي يا اختي، بس ما تتأخريش، لأني هستناكي على نار!

اندفعت صبا نحو السلم كأنها تهرب من كابوس، وتبعتها زنوبة وهي تشهق بالبكاء على حال صديقتها، تاركتين خلفهما جابر وهو يراقب رحيلهما بنظرات غادرة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في مكتب صلاح الفخم، حيث تسكن الهيبة ويُخيم الصمت إلا من صوت أنفاس مكتومة، كان أنس يقف بثبات يُحسد عليه أمام مكتب صلاح، الذي كان يرمقه بنظرات حادة كالمشرط، وكأنه يحاول تشريح أفكاره.

صلاح ظل صامتاً لفترة، يلف بكرسيه الجلدي ببطء، ثم توقف فجأة وثبت نظره في عيني أنس وقال بنبرة رخيمة وصارمة

= أنت عرفت اللي مكنش ينفع تعرفه يا عمر!

لم يهتز أنس، بل رسم على وجهه ملامح الاحترام الزائف، وانحنى برأسه قليلاً وقال بهدوء

= انساه لو أمرت يا باشا.

ابتسم صلاح بسخرية مريرة، ومال بجسده للأمام ليسند مرفقيه على المكتب، وقال بنبرة ذات مغزى

= لا مش عايزك تنساه، ده أنا عايزك تركز فيه، وأوي كمان.

حاول أنس ببراعة أن يداري تلك الفرحة الداخلية بانتصاره؛ فها هو الطُعم قد بدأ يؤتي ثماره، لكنه تظاهر بعدم الفهم وقال متسائلاً

= يعني إيه يا باشا؟ مش فاهم قصد جنابك.

اعتدل صلاح في جلسته، وظهرت على وجهه علامات الجدية التامة وهو يقول

= أنا عايزك تشتغل معايا يا عمر أنا محتاج واحد شبهك معايا.

أنس بحنكة

= ما أنا شغال معاك يا باشا، وطوع أمرك في أي وقت.

هنا، تبدلت ملامح صلاح للغضب فجأة، وضرب بيده على المكتب قائلاً

= لا ركز معايا كده! ده أنا كنت بقول عليك ذكي، متخلنيش أرجع في كلامي أنا عايزك تشتغل معايا في شغلي التاني، مش ده!

اتسعت ابتسامة أنس التي توحي بالفهم الشيطاني، وقال بصوت واثق

= أه فهمت يا باشا، أنا من إيدك دي لإيدك دي في أي شغل، إذا كان يمين ولا شمال رقبتي سدادة.

ارتسمت ابتسامة رضا باردة على شفتي صلاح، ونهض من خلف مكتبه ببطء، واقترب من أنس حتى أصبح لا يفصل بينهما إلا إنشات قليلة، وقال بصوت هامس ومحذر

= أهو كده بدأت تفهمني بس الشغل ده غير شغلك هنا يا عمر، ده فيه أصول والخيانة فيه

قاطعه أنس بسرعة وقوة، وهو ينظر في عينيه مباشرة

= أنا مخونش اللي خيره عليا يا باشا اعتبرني من النهاردة دراعك اليمين.

أومأ صلاح برأسه ببطء، وعيناه لا تزالان تختبران صدقه

= لما نشوف يبقى جهز نفسك، عشان عندنا استلام بضاعة مهمة من المينا.

انحنى أنس بجسده في حركة تنم عن التقدير الشديد وقال

= تطلبني بس يا باشا هتلاقيني قدامك. تأمرني بحاجة تانية؟

أشار له صلاح بيده بالانصراف، فاستدار أنس بهدوء واتجه نحو الباب وبمجرد أن ولى ظهره لصلاح واختفى عن أنظاره، تلاشت تلك الابتسامة المطيعة فوراً، وحل مكانها وهج من الغضب والكره الدفين، وضغط على أسنانه بقوة وهو يحدث نفسه بأن لحظة الحساب قد اقتربت.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

أمام باب العناية المركزة، كان الجو مشحوناً .

وقف أيمن والهم يأكل ملامحه، يراقب من خلف الزجاج ابنه حاتم الملقى بين الأجهزة.

وبجانبه تماماً، كانت زوجته الثانية رشا تقف ببرود تام، وكأنها في نزهة، تقلب في هاتفها وتتصفح مواقع التواصل الاجتماعي غير مبالية بما يحدث خلف الزجاج.

فجأة، انشق سكون الممر بصوت صراخ ونحيب يقترب بسرعة.

كانت عبير، ومعها ابنتها جنة.

وما إن وقعت عينا عبير على أيمن، حتى تحولت لبوة جريحة، وانطلقت نحوه وهي تصرخ بغضب هز أركان الطابق

= ضيعت ابني يا أيمن! ضيعت حاتم منك لله!

انتفض أيمن من مكانه ووقف بجمود، ورد عليها بصوت جهوري وغاضب

= أنا اللي هضيع ابني يا عبير؟ اوزني كلامك وأنتِ بتتكلمي معايا!

اندفعت عبير نحوه وهي تشير بسبابتها في وجهه بانهيار

= آه أنت! أنت اللي ضيعته بقسوتك وتشجيعك ليه على الطريق الزبالة اللي كان ماشي فيه أنت اللي حبيت تطلعه نسخة منك في جبروتك! تقدر تقولي ابني عمل حادثة وهو جاي منين يا أيمن؟ ابنك كان فين وراجع في نصاص الليالي وحالته بالمنظر ده؟

حاولت جنة أن تجذب والدتها من خلفها وهي تهمس بخوف وخجل من نظرات الممرضات

= خلاص يا ماما اهدي بالله عليكي، إحنا في مستشفى مينفعش كده!

لكن عبير لم تهتم، بل زادت من حدة صوتها وهي تنظر لأيمن بتحدٍ ومرارة

= يقوم بس يا أيمن يقوم بالسلامة وقسماً بالله ما هتلمح طيفه تاني، ولا هيعيش معاك يوم واحد أنا مش هسيبلك ابني تضيعه أكتر من اللي ضاع!

في هذه اللحظة، رفعت رشا عينيها عن هاتفها ببطء، وعلى وجهها ابتسامة صفراء مستفزة، وقالت بنبرة تقطر سخافة وسخرية

= هو في إيه يا حبيبتي؟ جرى لك إيه؟ ده بدل ما تشكريه إنه ربالك ابنك بعد ما رميتهوله؟ هو يعني أيمن كان هو اللي جبره يمشي في الطريق ده؟ ما ابنه كبير وعارف مصلحته!

توقفت عبير عن الكلام ونظرت لرشا بنظرة ذهول احتقارية، بينما اشتعلت الأجواء أكثر بوقاحة رشا التي تتدخل في أمر لا يخصها وسط هذه المصيبة.

اشتعلت النيران في عيني عبير، وتركت أيمن لتتجه نحو رشا بخطوات سريعة ونهج مسموع، وقفت أمامها مباشرة وقالت بصوت يرتجف من كثرة الغضب

= "رميتهوله"؟ أنتِ بتفتحي بوقك وتقولي رميتهوله يا خطافة الرجالة؟ أنا سيبت ابني لأبوه عشان هو الي اختاره، وكنت فاكرة إنه هيحافظ عليه، مش يسيبه يغرق في الوساخة اللي أنتِ وهو عايشين فيها!

لم تهتز رشا، بل لوت فمها ببرود ووضعت الهاتف في حقيبتها وهي تقترب من وجه عبير بتحدٍ

= وساخة إيه يا طاهرة؟ ما تنزلي من على المنبر ده، أنتِ ما صدقتي خلصتِ من مسؤوليته عشان تشوفي حياتك، ودلوقتي جاية تعملي فيها الأم المثالية؟ حاتم عاش معانا بمزاجه، وأيمن عمله راجل بس الظاهر الدلع اللي شافه عندك هو اللي خلاه فرفور ومش عارف يسوق عربيته!

نزلت صفعة مدوية من يد عبير على وجه رشا، لدرجة أن صوتها رن في الممر كله.

صرخت رشا بذهول وهي تضع يدها على خدها، وقبل أن تستوعب، كانت عبير قد هجمت عليها وجذبتها من شعرها وهي تصرخ

= انا سبت ابني علشان اشوف حياتي ياوسخة، ليه هو انا الي ما صدقت ان صاحبتي سابت جوزها وجريت عليه زي الست الوسخة، ده أنا هشرب من دمك النهاردة يا حرباية!

انقلب الممر لساحة معركة، رشا بدأت تدافع عن نفسها وتخربش وجه عبير وهي تصرخ

= يا بيئة يا جربوعة! سيبيني يا مجنونة!

انفجر أيمن بغضب وصاح بصوته كله وهو يحاول الفصل بينهما

= بسسسسس! كفاية فضحوتنا! ابني جوه بين الحياة والموت وأنتوا بتنهشو في بعض زي الكلاب؟

جنة كانت تبكي وهي تحاول جذب والدته

= عشان خاطر حاتم يا ماما سبيها! هيطردونا إحنا في مستشفى!

في وسط هذه المعمعة، والصراخ الذي يملئ المكان، انفتح باب المصعد القريب من العناية، وخرجت منه صبا وهي تنهج وعباءتها مفتوحة وشعرها ظاهر من اسفل طرحتها ودموعها تغرق  وجههت، وخلفهت زنوبة تحاول تلملم فضيحتهم.

تسمرت صبا في مكانها وهي تشاهد هذا الشجار، وقالت بصوت مسموع وسط ذهول الجميع

= حاتم!! هو فين حاتم؟

توقف الجميع عن الشجار، والتفتت العيون كلها نحو هذه الفتاة التي تبدو كأنها بنت ليل بملابسها ومكياجها الملطخ، وهي تقتحم حرم المستشفى بهذا الانهيار.

اقتربت منهم اكثر، حتى اصبحت امامهم، وهي تقول بانهيار مره اخره

=حاتم، حاتم كويس؟

اقتربت منها عبير، وهي تقول بإستغراب

=انتِ مين

ساد صمت مؤلم لثوانٍ بعد سؤال عبير المستنكر، قبل أن يقطعه صوت رشا الذي يقطر سماً وهي تعدل شعرها بعد الخناقة، ونظرت لصبا باحتقار قائلة

= هتكون مين يعني؟ تلاقيها واحدة من اللي كان بينام معاهم في السهرات اللي كان بيقضيها بس ابنك ذوقه بقى بلدي أوي يا عبير، جايب لنا شحاتين المستشفى!

اشتعلت النيران في رأس زنوبة، وصاحت بغضب وهي تتقدم خطوة نحو رشا

= اخرسي يا ست أنتِ! قطع لسانك دي أشرف منك ومن عشرة زيك، احترمي نفسك.

كادت رشا أن ترد لولا صرخة أيمن الذي أسكتها بحزم

= بس يا رشا! مش وقته خالص اتهدي بقى!

خطا أيمن خطوات رصينة وثقيلة نحو صبا التي كانت ترتجف كعصفور بلله المطر، سألها بصوت أجش مليء بالشك

= أنتِ مين يا بت؟ وتعرفي ابني منين؟

لم تسمع صبا شيئاً مما قيل، كانت عيناها معلقة بباب العناية، وقالت بنحيب يقطع القلب

= عايزة أشوف حاتم بالله عليك خليني أشوفه، قلبي قايد نار عايزة أطمن عليه بس.

نظرت عبير لصبا، ورغم حالتها الرثة، إلا أن الأمومة في قلب عبير جعلتها تشعر بصدق وجع هذه الفتاة، فسألتها بنبرة أهدأ قليلاً

= طب فهميني بس يا بنتي أنتِ مين؟ وجاية منين؟

نظرت صبا لعبير بلهفة وكأنها تتعلق بقشة

= أنتِ  هتخليني أشوفه؟ أبوس إيدك خليهم يدخلوني!

نزلت الدموع من عيني عبير وقالت بألم

= صدقيني يا بنتي مش بإيدي أنا أمه، أمه اللي حتة منها جوه، ومش عارفة أدخل له ولا ألمسه مانعينا عنه تماماً.

عند سماع هذه الكلمات، انهارت القوى المتبقية في جسد صبا، وسقطت على الأرض وجلست فوق البلاط البارد تصرخ بوعيد وبكاء هستيري

= أنا عايزة أشوفه عايزة أطمن عليه.

ارتمت زنوبة على الأرض بجوارها، واحتضنتها بسرعة وهي تحاول سترها  قائلة

= خلاص يا صبا اهدي يا حبيبتي، اهدي يا قلب أختك، إن شاء الله هيقوم بالسلامة وحدي الله.

كان المشهد أمام العناية عبارة عن كتلة من المشاعر المتضاربة؛ عبير تشعر بشفقة غريبة وتتساءل

من هذه التي تحب ابني بهذا الوجع؟

، وجنة تراقب باستغراب وذهول، أما أيمن فكان الغضب ينهش صدره من الفضيحة التي سببتها صبا بمنظرها هذا أمام زوجته رشا التي كانت تبتسم بشماتة.

فجأة، انحنى أيمن وجذب صبا من ذراعها بعنف ليرفعها من على الأرض، وصاح في وجهها بصرامة

= انطقي يابت! أنتِ مين وتعرفي ابني إزاي؟ وايه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟

حاولت زنوبة سحب يد صبا من قبضته الغليظة وهي تصيح

= سيبها يا جدع أنت! سيب إيدها بقولك إحنا مش ناقصين!

دفعها أيمن بيده الأخرى وهو يزداد غضباً

= مش هتمشوا من هنا غير لما أعرف أشكالكوا دي تعرف ابني منين وتعرفه إزاي انطقي يابت، هو نام معاكي؟ قولي الحقيقة بدل ما أدفنك مكانك!

تضاعفت شهقات صبا، ولم تعد قادرة على الرد، فكلمة نام معاكي كانت كالسكين التي ذبحت حيائها أمام الجميع، فما كان منها إلا أن غطت وجهها بيديها واستمرت في البكاء بمرارة هزت كيان المكان.

فجأة، انشق ممر المستشفى عن صوت خطوات  قوية وصيحات حازمة، حيث هرع أفراد الأمن على صوت الصراخ الذي ملأ المكان.

وقف رئيس طاقم الأمن بملامحه الصارمة وهو يشير إليهم بحدة

"إيه اللي بيحصل هنا؟ إيه الفوضى دي؟ إحنا في مستشفى محترمة مش في سوق! لو الصويت ده مخلصش حالاً، هضطر أخرجكم كلكم برا.

استغل أيمن الموقف فوراً، وبدلاً من أن يهدأ، اندفع بغلّ ليمسك صبا من كتفها بعنف ويدفعها بقوة ناحية رجال الأمن، وهو يصرخ بوجه محتقن من الغضب

=خدوا البت دي من هنا! دي شوارعجية ومجرمة، متخلوهاش تعتب المستشفى دي تاني دي حرامية وجاية تسرق وتعمل مشاكل! ارموها برا!

حاولت صبا أن تتملص من قبضة الأمن التي أحكمت حول ذراعها، كانت تتلوى وهي تحاول العودة لباب الغرفة، لكن قواها كانت تخور أمام ضخامة جثثهم.

وفي الجانب الآخر، لم تسلم زنوبة هي الأخرى، حيث بدأ فرد أمن آخر بسحبها بعيداً وهي تحاول المقاومة والصراخ في وجه أيمن.

تعالى صوت صبا وهو يرتجف بالبكاء المرير، وصداه يملأ الممرات الباردة

سيبوني! أبوس رجليكم سيبوني مش عايزة حاجة والله، عايزة أطمن عليه بس! خلوني أشوفه مرة  واحدة بس والله وهمشي حرام عليكم.
2

كانت صرخاتها توجع  القلب، بينما كان رجال الأمن يجرونها ببرود تجاه البوابة الخارجية، وهي تتشبث بكل مقعد وبكل حائط تمر به، وعيناها معلقة بباب الغرفة الذي يبتعد عنها شيئاً فشيئاً.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يخيم الظلام على أرصفة الميناء، لا يكسره سوى أضواء الكشافات البعيدة وصوت تلاطم الأمواج.

يقف صلاح ، وبجانبه أنس الذي يراقب المكان بحذر شديد.

أمامهم، يقف الضابط الفاسد وهو يلوح لرجاله بإنزال الصناديق الخشبية من الحاوية، ويقول لصلاح بنبرة خفيضه

=كل حاجة تمام يا صلاح بيه، الطريق متأمن والرجالة سحبوا الكاميرات في المربع ده نص ساعة والبضاعة تكون في مخازنك.

بينما كان العمال ينقلون الشحنة، شق صمت الليل صوت سرينة عربات الشرطة التي اقتحمت المكان فجأة من كل الجهات، وتبعتها ومضات الأضواء الحمراء والزرقاء.

=كبسة!!! كله يثبت مكانه!

انطلقت الصرخة، وتلاها فوراً وابل من رصاص كثيف.

ارتبك الجميع، لكن أنس كان الأسرع رد فعل؛ جذب صلاح من ذراعه بقوة وهو يصرخ:

=صلاح بيه! خليك ورايا و اتحرك معايا بسرعة على العربية!

بدأ أنس يستخدم جسده كدرع بشري، يغطي ظهر صلاح وهو يتحرك به خلف الحاويات، والرصاص يتطاير من حولهم ويصطدم بالصاج مخلفاً شرارات نارية.

وصلوا بصعوبة إلى باب سيارة صلاح المصفحة، وأنس يدفعه للداخل ليحميه.

في تلك اللحظة، ومن زاوية غير مرئية، صوّب أحد القناصة رصاصة غادرة كانت متجهة مباشرة إلى صدر صلاح وهو يهم بركوب السيارة.

بلمح البصر، وبدون تردد، ألقى أنس بنفسه أمام صلاح، لتستقر الرصاصة في جسده هو بدلًا من صلاح.

سقط أنس متأوّهاً وهو يمسك بمكان الإصابة، بينما صرخ صلاح بذهول وهو يراه يسقط بسببه

=عمرررر!
وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
ارتطم جسد أنس بالأرض، وتلطخت ملابسه بدمائه التي بدأت تسيل بغزارة، بينما ظل صلاح مجمداً لثوانٍ، يحدق في وجه أنس الشاحب.

لم تكن الصرخة مجرد نداء، بل كانت اعترافاً بالصدمة؛ ففي لحظة الخطر القصوى، لم يخنه الرجل الذي وثق به، بل افتداه بحياته.
3

انحنى صلاح فوقه بجنون، متجاهلاً الرصاص الذي ما زال ينهمر كالمطر على جانب السيارة المصفحة:

= عمر! امسك نفسك ياعمر.

فتح أنس عينيه بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة، لكنه رغم الألم، مد يده المرتجفة ليمسك بياقة قميص صلاح، ودفع بكلمات مخنوقة:

= مت**قلقش يا صلاح باشا، انا بخير.

استجمع صلاح قوته، وبمساعدة سائقه الذي قفز فجأة من خلف المقود ليساعده، قاما بسحب جسد أنس الثقيل إلى الكرسي الخلفي للسيارة.

انطلقت السيارة المصفحة بسرعة جنونية، محطمة الحاجز الحديدي للميناء وسط وابل من الرصاص الذي لم يستطع اختراق درعها الفولاذي.

في الداخل، كان صلاح يحاول كتم جرح أنس بيده، بينما ينظر من النافذة الخلفية ليرى الضابط الفاسد وهو يُقيد، والميناء يتحول إلى ساحة حرب خلفهم.

هدأ ضجيج الرصاص وحل محله صوت أنفاس أنس الضعيفة.

نظر صلاح إلى السائق، وهو يقول بصرامة:

"اطلع علي البيت التاني بسرعه"

نظر الي انس الذي كان بين النوم واليقظة وهو يمرر يديه في شعره بغضب لا يعلم ماذا يفعل بضاعته الأولى تم الامساك بها، وهذا الرجل الذي بجانبه بين الحياه والموت
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تسللت خيوط الضوء الباهتة إلى عينيه المثقلتين، بينما كان الرنين الرتيب لأجهزة القياس يملأ أذنيه كطنينٍ لا ينقطع. أسبوعٌ كاملٌ مرّ عليه وهو في ذلك البرزخ بين الحياة والموت، منذ تلك اللحظة التي اختلّ فيها توازن سيارته على الطريق الدائري لتنقلب به رأسًا على عقب.

شعر حاتم بثقلٍ يرزح فوق صدره، وبحركةٍ طفيفة بجانبه أيقظت فيه حواسًا ظن أنها خمدت.

فتح عينيه ببطء، فاستقبلته صورة ممرضة شابة كانت تميل عليه بجسدها المنهمك في تعديل وضعية الفراش والأنابيب المتصلة بيده.

رغم الألم الذي ينهش عظام جسده، ورغم الغبش الذي يغلف رؤيته، إلا أن حاتم لم يستطع منع غريزته العابثة من الاستيقاظ قبل عقله.

وقعت عيناه على صدرها الذي كان قريبًا منه بفعل انحنائها، فلمعت في عينيه نظرة خبيثة تخرق وهن المرض.
بيدٍ مرتجفة لكنها حازمة، امتدت أصابعه لتنال منها في حركة مفاجئة، وهمس بصوتٍ مبحوح يقطر مكرًا

= اوف طري أوي اموت في الرضاعة الطبيعية.
2

انتفضت الممرضة بجسدها كله، وتراجعت للخلف خطوات وهي تضع يدها على موضع لمسته، واتسعت عيناها بذهولٍ وصرخت بصوتٍ مختنق

=أنت بتعمل ايه؟ أنت لسه فايق من الموت!
1

لم يبالِ حاتم بذهولها، بل استقر بجسده المتعب على الوسادة، وراح يمرر نظراته المتفحصة على جسدها من أسفلها إلى أعلاها، ثم عضّ على شفتيه بابتسامة صفراء تتحدى وجعه وقال بنبرة واثقة

=ماتيجي تتاكدي ان انا كويس لحسن انا تعبان اوي

نظرت له الممرضة بصدمه، وهي تقول بعدم تصديق

=احترم نفسك يا بني ادم انت، انت فاكر نفسك فين

تجاهل حاتم توبيخها وكأنها تثني عليه، بل زاد من حدة نظراته التي اخترقت جسدها بوقاحة منقطعة النظير.

رغم الشحوب الذي يكسو وجهه والضمادات التي تلف جسده، إلا أن لحيته المهملة وابتسامته الملتوية منحته مظهرًا شيطانيًا لا يهزه أي وازع من خلق أو دين.

أطلق ضحكة قصيرة مكتومة، تحولت سريعًا إلى كحة مؤلمة نتيجة إصابة صدره، لكنه سرعان ما استعاد بروده وقال بصوتٍ أجش يفيض بالبذاءة

=طول مافي سرير، يبقي مش مهم السرير فين، المهم نعلبو متش سريع كده، لحسن انا معتزل بقالي حبة وكده مش كويس على صحتي، تعالي بقي.

حاولت الممرضة أن تتماسك، فعدلت من هندامها وهي تتجه نحو الباب لتغادر الغرفة من فرط اشمئزازها، لكن صوته استوقفها وهو يضيف بوقاحة فجة

=ما تخليكي يا قطة، ده أنا لسه بقول يا هادي وبعدين الحبة اللي مسكتهم دول خلوني عايز أعرف الباقي مستخبي فيه إيه.

وقفت عند الباب، تشتعل حمرة الخجل والغضب في وجهها، وهمت بالرد، ولكن اتاهم صوت ممرضه تنده عليها من الخارج فعض على شفته السفلى بعينين نصف مغمضتين يملؤهما الفجور

=روحي هاتي اللي معاكي في الوردية وتعالي، عشان لو تعبت من واحدة التانية تسند،بس يارب تكفو.

بصقت بكلمة أخيرة قبل أن تفر من الغرفة

=أنت إنسان قذر، خسارة فيك العيشة اللي رجعتلك!
2

اتسعت ابتسامته بانتصار، وتمتم لنفسه وهو يغمض عينيه متلذذًا بوقاحته

=يخربيت فقر امك، كده ترفعيلي الكارت الاحمر، ده انا لسه مبدئتش.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
اقتحم صلاح ردهة الفيلا بخطوات متسارعة يملؤها التوتر، وخلفه يهرول السائق وهو يحمل أنس الغائب عن الوعي تقريبًا، والدماء تلوث قميصه وتتساقط لتترك أثرًا قانيًا على الرخام الأبيض.

هتف صلاح بنبرة حادة كالسيف

=شيله للأوضة اللي فوق اخلص!

أومأ السائق برأسه في ذعر، وصعد الدرج ركضًا حتى ولج الغرفة ووضع الجسد المنهك فوق الفراش.

ما إن استقر أنس، حتى استدار صلاح للسائق وصرخ بوجهه بغضب جحيمي

=غور أنت من وشي دلوقتي يلا امشي!

فرّ السائق من أمامه، فبدأ صلاح يدور في الغرفة كذئب حبيس، يضرب كفًا بكف وعقله يشتعل بالتفكير، حتى لمعت في ذهنه فكرة مفاجئة؛ تذكر أن غدران كانت قد حصلت سابقًا على منحة في الإسعافات الأولية والتمريض.

هرع هابطًا الدرج نحو الدولاب القابع في منتصف الصالة، وبحركة خبيرة زاح أحد الكتب الثقيلة وضغط زرًا مخفيًا، فانزلق الباب السري ليكشف عن غدران الملقاة على الأرض بوهن. قبض صلاح على ذراعها بقسوة وسحبها للأعلى، لتستيقظ مفزوعة ترتجف بين يديه.

قال بصوت لاهث

=أنتي كنتي واخدة منحة في الإسعافات والتمريض، صح؟

أجابت برعب وهي تحاول استيعاب الموقف

=آه في إيه؟

قاطعها بحدة

=ما تتكلميش كتير!

سحبها خلفه بقوة نحو الغرفة، وما إن وطئت قدماها العتبة ورأت أنس ممددًا بالدماء، حتى أفلتت صرخة مزقت سكون المكان.

جرت نحوه والدموع تنهمر كالسيل

=يا نهار أسود! عمر! أنت عملت فيه إيه يا حيوان؟ عمر رد عليا!

فتح أنس عينيه بصعوبة، يصارع الألم والغياب، وبابتسامة باهتة ضغط على يدها وهمس بصوت خافت لم يسمعه غيرها

=اهدي أنا كويس.

لكنها لم تهدأ، بل التفتت لصلاح صارخة

=أنت عملتله إيه؟ انطق!

احتقن وجه صلاح بالدماء وصاح بغل

=ما تخلصي ياروح أمك! هو من بقيت أهلك؟ اخلصي عالجيه قبل ما يروح مننا!

قالت برعب وهي تحاول النهوض

=الحق إيه؟ ده لازم يروح مستشفى! كلم الإسعاف

قالت وهي تبتعد حتى تجلب الهاتف، ولكن لم يمهلها صلاح، بل قبض على خصلات شعرها بقسوة وصعقها بصفعة قوية أوقعتها أرضًا وهي تصرخ.

حاول أنس الانتفاض بجسده المنهك ليدافع عنها، لكن طعنة الرصاص في جنبه شلت حركته، فاكتفى بنظرة غل وتوعد لم يلحظها صلاح.

انحنى صلاح عليها مهددًا

=ورحمة أبوكي لو متصرفتي دلوقتي لادفنك جنبه! اخلصي يا بت، طلعي الرصاصة خلينا نخلص بدل ما أرميه في أي حتة!

ارتجفت غدران وقالت بنبرة متهدجة

=طيب عايزة سكينة، ولازم تسخن، وقطن، وشاش، ومطهر، وملاقط، ومسكن قوي لو فيه بسرعة!

أومأ صلاح بغضب

=خليكي هنا هروح أجيب الحاجة.

بمجرد خروجه، ارتمت غدران بجانب أنس، تمسح على وجهه بانهيار

=عمر عمر حاول تمسك نفسك شوية، أوعى تنام يا حبيبي بالله عليك.

همس بألم

=عطشان

بكت بحرقة وهي تمنعه

=مينفعش غلط تشرب دلوقتي، استحمل بالله عليك يا حبيبي.

رفع أنس يده الملطخة بدمائه، ومرر أصابعه على وجنتها التي صفعها صلاح، وقال بصوت يقطر وجعًا وتوعدًا

=وحياتك عندي لهقطعهاله حسابه معايا بيزيد يوم ورا يوم، بس قهرتي وأنا شايفك بتضربي قدامي دي عليّا الحرام لهخليه يبوس رجلي عشان أقتله.

هزت رأسها بنفي وندم

=لا يا عمر مش عايزاك تعمل حاجة، ابعد عني أنت وجودك جنبي خطر، صلاح خطر عليك ابعد وسيبني، هطلعلك الرصاصة وبعدين تمشي، أنا مستاهلش

أغمض أنس عينيه بتألم حين تحرك بعصبية، فصرخت به

=لا لا، كفاية حرك، اهدي بالله عليك!

في تلك اللحظة، دخل صلاح وبيده الأدوات ومعهم سبرتاية صغيرة تشتعل منها نار زرقاء. قالت له بغصة

=سخن السكينة كويس

اقتربت من أنس وبدأت تمزق قميصه برفق، لتجد فوهة الرصاصة غائرة في صدره من الجهة اليمنى الجانبية.

زاد نحيبها وهي ترى الدماء تتدفق، لكنها تماسكت وهي تأخذ السكينة المحماة من صلاح.
وضعت قطعة من الشاش في فم أنس ليضغط عليها

=اضغط عليها، هتوجعك شوية.

ثم بدأت يداها المرتجفتان في تنظيف الجرح بالمطهر أولًا.

=اههههه

كانت كل لمسة تذيب قلبها، بينما أنس يشد على الملاءة بقوة حتى ابيضت مفصله.

بحرص شديد واستخدام الملقط والسكينة، بدأت في توسيع الفتحة قليلًا، وصوت أنين أنس المكتوم يقطع نياط قلبها.

=خلاص خلصنا، معلش، حقك عليا معلش سامحني

استجمعت شجاعتها وغرست الملقط بعمق مدروس حتى سمعت صوت اصطدام المعدن بالمعدن. سحبت الرصاصة ببطء والدم يتدفق خلفها، وما إن خرجت حتى وضعت القطن بقوة لتوقف النزيف.

نظرت الي عمر الذي يتنفس بصوا مرتفع، وهو ينظر لها بتوهان، لتبكي بشهاقات مرتفعه، وهي تقول بهمس حتى لا يسمعها صلاح

=هششش، خلصنا خلاص ياحبيبي، خلصنا.

بدأت في خياطة الجرح بغرز سريعة ودقيقة وهي تهمس بكلمات لم يسمعها أحد سواهما

=حقك عليا حقك عليا يا عمر.

أنهت تضميد الجرح بالشاش الأبيض، ثم ارتمت بجانبه فاقدة القدرة على الصمود أكثر، بينما صلاح ينظر إليهما بجمود وشك لا ينتهي.

=خلصتي؟

اومأت له وهي تغطي جسده بمفرش الفراش، ليسحبها صلاح، وهو يقول بغضب

=طب يلا عشان تنزلي تاني.

نفت له،وهي تقول بتوتر

=لالا خليني جمبة، ده ممكن يسخن بليل، وممكن الجرح يتلوث ولا حاجة، خليني جمبة طول الليل.

=وانا ايش ضمني انك مش هتهربي لما اسيبكم وامشي؟

=مش ههرب قسما بالله مش ههرب، انت ناسي الحرس الي بره وكمان انت بتهددني بمعتز مقدرش امشي.

اطمئن من حديثها ليومأ لها وهو يغلق هاتفة الذي يرن للمره التي لايعرف عددها من ايمن ليغادر الغرفة وهو يقَل بغضب

=انا هقفل الباب من بره، وياويلك لو رجعت ملقتكيش يا غدران.

اغلق الباب خلفها،لتتسطح بجانب انس سريعا، وهي تضع رأسه علب صدرها وتمرر يديها في خصلات شعره

=حسن

استمعت الي تمتمة بهذا الاسم لتنظر له باستغراب ولكنها لم تهتم، انحت وقبلت مقدمة رأسه وهي تعود للبكاء برعب مره اخره.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت السيارة تشق شوارع القاهرة الراقية، وفي المقعد الخلفي، جلست صبا وهي تشعر وكأنها تُساق إلى المقصلة.

عيناها اللتان لطالما اشتعلتا بالتحدي، الآن منكسرتان تراقبان الأضواء والقصور التي تمر من خلف النافذة.

إلى جانبها، جلس جابر ينظر حولها بطمع، فهذة السيارة ارسلها لهم رشيد، حتى يأتو اليه، القى عليها نظرات محذرة بين الحين والآخر.
1

لم ينسَ تهديد ذلك الرجل صاحب النفوذ

=لو البنت دي مجتش اعتذرت وبست راسي، الكباريه بتاعكم ده هيتسوى بالأرض، وأنت هتروح ورا الشمس

وصلت السيارة أمام فيلا شاهقة تتحدث عن ثراء فاحش.

ترجلت صبا بخطوات ثقيلة، تشعر وكأن الأرض تسحب قدميها للأسفل.

دخلوا الردهة الواسعة التي تفوح منها رائحة البخور الغالي والرفاهية المستفزة.

بعد دقائق، ظهر الرجل من أعلى الدرج الرخامي.

لم يكن يرتدي بدلة رسمية، بل كان يرتدي روب منزلي من الحرير الفخم، يهبط الدرج بوقاحة وعينيه تتفحصان صبا وكأنه يعاين بضاعة اشتراها للتو.

وقف أمامها، والابتسامة الخبيثة ترتسم على وجهه، وقال بنبرة متهدجة

=أهلاً بيكي يا حلوة نورتي.

تراجعت صبا خطوة للخلف بآلية غريزية، وجسدها يرتجف رغماً عنها.

همست بصوت مخنوق بالدموع والتوتر

=أنا**أنا جاية أعتذرلك عن اللي حصل مني مكنتش أقصد.

ضحك الرجل ضحكة باردة، وتقدم منها خطوة أخرى حتى أصبح في مواجهتها تماماً، ومد يده ببطء ليتحسس وجنتها قائلاً

=ولا يهمك ياقمر، انا كنت زعلان اوي، بس مجيتك دي رضتني خلاص.

انكمشت صبا على نفسها وهي تميل برأسها بعيداً عن يده، تشعر بتقزز يسري في عروقها، وقالت بصوت مهتز

=أنا قولت اللي عندي جابر قالي إنك هتقفل الموضوع لو جيت، وأنا أهو جيت.

لم يرتدع الرجل، بل استمر في الضغط عليها، يحاصرها بجسده نحو حائط الردهة وهو يهمس بوقاحة

=جابر عمل اللي عليه، والدور عليكي أنتي خايفة ليه؟ ده أنا حتى هروق عليكي.
1

حاولت صبا الدفع بصدره بعيداً عنها وهي تشعر بضيق في التنفس، والدموع بدأت تشق طريقها على وجهها قهراً، بينما جابر يقف بعيداً، يشيح بوجهه عنها، يبيع كرامتها مقابل جدران الكباريه الخاص به.

=انت كنت عايزني اعتذرلك، واديني اتهببت انا همشي.

استمر الرجل في التقرب منها، يده تحاول الإمساك بخصرها، بينما هي تتلوى هرباً منه وهي تصرخ بصوت مكتوم:

=ابعد عني انا عايزة امشي ابعد.

لكنه قبض على ذراعها بقوة، وجذبها إليه قائلاً بغل

=تمشي؟هو انتي لسه لحقتي تقعدي يامزه، خلينا نقعد مع بعض شويه،واهو تشربي حاجة ده انتي هتتبسطي معانا اوي.

حاول رشيد جذبها من يدها بقوة وهو يهمس بوعيد وقح، لكن صبا في تلك اللحظة استعادت شتات كرامتها الجريحة، وبحركة مباغتة انتزعت يدها من قبضته وكأنها تخلصت من أفعى سامة.

هتفت صبا بصوت مرتجف من الغضب والقهر

=قولتلك مش عايزة! أنا ماشية والي يحصل يحصل!

لم تنتظر رداً، بل استدارت وركضت نحو الباب الخارجي للفيلا، تدفع الهواء بصدرها وكأنها تختنق، والدموع تنهمر على وجنتيها وهي تشعر بمدى وضاعة الموقف الذي وضعها فيه جابر.

وقف رشيد مكانه، لم يلحق بها، بل عدل من وضع الروب الحريري ببرود مستفز، ونظر في أثرها بابتسامة خبيثة وهو يتمتم

=وماله يا حلوة الجايات أكتر، والملعب لسه مفتوح.

ثم استدار بحدة نحو جابر الذي كان يقف كالتمثال، ونظر إليه بعينين تشتعلان غضباً وقال بصوت أجش

=بقولك إيه يا جابر أنا بدأت أزهق

بلع جابر ريقه بصعوبة، وتقدم من رشيد بخضوع وقلق واضح وهو يفرك يديه ببعضهما

=ما تقلقش يا باشا وحياة غلاوتك عندي، صبا هتكون في بيتك قبل ما الأسبوع يخلص.
1

هز رشيد رأسه بلا مبالاة وهو يشير لجابر بالانصراف، بينما كان جابر يخرج وهو يخطط في عقله لأي وسيلة دنيئة سيستخدمها ليجبر صبا على العودة لهذا الجحيم مرة أخرى.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل مكتب أيمن الفخم، كان الجو مشحوناً بالتوتر وصوت أيمن يتردد في الأركان وهو يضرب بيده على سطح المكتب بقوة جعلت الأقلام تقفز من مكانها.

صاح أيمن بعروق نُفرت في رقبته

=إزاي؟ إزاي الحكومة عرفت بالمعاد ده يا صلاح؟ المعاد ده مفيش مخلوق يعرفه غيري أنا وأنت إزاي البضاعة تروح؟

رد صلاح وهو يحاول الحفاظ على ثباته رغم العاصفة التي أمامه

=والله يا عمي ما أعرف، أنا كنت عامل حسابي لكل حاجة، والخطة كانت متقفلة من كل ناحية، مكنتش سايب حاجة للصدفة.

قام أيمن من خلف مكتبه ببطء مخيف، وبدأ يلتف حول المكتب حتى وقف أمام صلاح مباشرة، وعيناه تخترقه كالنصل

الحكومة عرفت منين يعني؟ شمتها في كف إيدها؟ أكيد فيه حد عرف فيه حد خان وسلمنا للحكومة تسليم أهالي!

نفي صلاح بسرعة وهو يهز رأسه

محدش عرف يا عمي أنا متأكد، حتى رجالتنا مغيرتهمش، هما هما اللي شغالين معانا من سنين.

ازداد غضب أيمن، واقترب من وجه صلاح أكثر وهو يسأله بفحيح

والولا المتصاب ده، عملت فيه إيه؟ رميته في انهي داهية.

أجاب صلاح بنبرة غاضبة ومكتومة

=سبت معاه غدران تعالجه في الفيلا ما انت عارف كانت واخدة منحة تمريض وهتعرف تطلع الرصاصة.

صدمة أيمن كانت أكبر من غضبه، تراجع خطوة للخلف وهو يلطم على فخذه

=الله يخرب بيتك! سبت غدران معاه لوحدها؟ أنت اتجننت يا صلاح؟ مش خايف تفضحنا وتودينا في داهية؟ أنت عارف البنت دي ممكن تعمل إيه !

هتف صلاح مقاطعاً وهو يحاول طمأنته

=لا يا عمي متقلقش، غدران تحت السيطرة، وحتى لو اتكلمت عمر ده أمان، ده فداني بعمره وأخد الرصاصة بدالي.

استشاط أيمن غضباً وصرخ فيه وهو يشير بإصبعه بتهديد

=أمان؟ أنت لسه بتؤمن بالأمان في شغلنا يا غبي؟ مفيش حد أمان في الكار ده! أنت بتخاطر بيا وبالشغل كله عشان واحد متعرفش أصله من فصله! غدران لو شافت منه لينة ولا عرفت تطلع منه معلومة هتحط حبل المشنقة حوالين رقابنا كلنا! أنت فاهم يعني إيه الحكومة تحط إيدها على بضاعة زي دي؟ أنت ضيعت شقى سنين في ليلة واحدة وجاي تقولي فداني بعمره؟

ثم أكمل وهو يدفع صلاح في صدره

=تغور دلوقتي، تروح تخلص الحكاية دي، ولو الولا ده حسيت منه بحركة غدر، تخلص عليه هو والبت اللي فرحان بتمريضها دي فاهم يا صلاح؟ الشغل ميعرفش امان، ولا قرايب
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استيقظت غدران من النوم َهي تتاوه بألم بعدما شعرت بهذه العضات بين صدرها لتنظر الي انس الذي يعتليها وهو يدفن وجهه بين صدرها يمتصه بنهم، لتصرخ بألم
7

=عمر براحة يا عمر اه بتعمل ايه

رفع انس َجهه من بين صدرها، ليقبل شفتاها، وخو يقول بخبث

=طري اوي يا بت، يخربيت امك، جبتي كل ده منين، مقدرتش امسك نفسي واهو طالع نازل قدامي كده وانتي نايمة، كنت هموت لو مدقتش

شعرت غدران بالألم لتضربه بقبضتها وهي تقول بغضب

=احترم نفسك ياعمر

صرخ عمر بألم عندما ضربت مكان الرصاصه لتقول باسف

=حقك عليا وجعتك اوي معلش

نظر لها بخبث، وخو يقول بألم

=بوسي ميشو بقي لحسن ميشو لما بيتراضى انا بترضى

تحولت ملامحها للخجل، وهي تقول بصراخ

=عمررررر احترم نفسك بقي، ده انت لسه مضروب بالنار، اوف

اعتلاها سريعا، وهو يقَل بخبث

=اوف عليكي انتي يا عيون عمر، مش قادر امسك نفسي حرام عليكي، ارحميني هنفجر

انحنى سريعا، والتهم شفتاها داخل شفتاه، ويداه السليمة مرت بين خصلات شعرها، لتحاوط رقبته سريعا، وهي تبادبة القبلة بقلة خبره.

ما ان شعر بقبلتها حتي زمجر برغبه، واصيح يحك جزئة السقلي بها بقوه من فوث ثيابهم، لتقول بالم

=عمر

=عيونه ياطري

قالها وهو ينحني ليقبل مقدمة صدرها، وهو يقَل بخبث

=طول عمري بعشق الرضاعة الطبيعية.

ولكنها اوقفته سريها، وهي تقول برجاء

=عمر بلاش، كفاية ياعمر ارجوك، كفاية.

نظر الي هذه النظرة المتوسلة في عيناها ليومأ لها وهو يقبل مقدمة رأسها.

=ليكي يوم ياطري، عليا الحرام، ماهخلي مكان في جسمك بوقي ميعديش عليه، هقعد ارضع لحد ما اتفطم من جديد على ايدك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استقرت رائحة المعقمات الثقيلة في أرجاء الغرفة، لولا تلك الرائحة الشهية المنبعثة من الوعاء الذي تحمله عبير.

كان حاتم مستلقيًا على فراشه الأبيض، محاصرًا بجبائر جسده وبنظرات أمه اللائمة التي تفوق الجبس ثقلاً.

لم تتوقف عبير عن إطعامة بآلية مفرطة، كانت تدس الملعقة في فمه قبل أن يبتلع اللقمة السابقة، وهي تواصل توبيخها الممزوج بالخوف.
1

عبير وهي تملأ الملعقة

=كل وبعد كدة لما تركب العربية افتكر إن ليك أم قلبها بيتحرق عليك، مش طاير لي زي الصاروخ.

حاول حاتم الاعتراض، لكن فمه كان ممتلئًا لدرجة جعلت وجنتيه منتفختين.

بجانبهما، كانت جنة تجلس على طرف الكرسي، تحاول كتم ضحكاتها وهي تراقب ملامح أخيها المستغيثة.
حاتم بصوت مكتوم وعصبية مفاجئة بعدما نجح في البلع بصعوبة

=كفاية بقى يا عبير! ارحميني!

توقفت يد عبير في الهواء، ثم هبطت بضربة خفيفة على كتفه غير المصاب، ملامحها تشتعل بغضب مصطنع.

=عبير؟ عبير يا سافل؟ بس هقول إيه ما أنت تربية أيمن، نسخة منه في قلة الأدب!

زفر حاتم بضيق وحول نظره سريعًا إلى جنة، مشيرًا لها بعينيه وحواجبة بمعنى

=خلصيني منها

لكن جنة رفعت كفيها بلامبالاة عابثة وأشارت له بحركة

=مليش دعوة اشرب بقى

اقتربت جنة من أذنه بعدما انشغلت الأم بوضع الوعاء جانبًا، وهمست بصوت خفيض

=بقولك إيه فكك من عبير دلوقتي وركز معايا. في واحدة جاتلك يوم الحادثة، كانت هتموت عليك، وعياط ونهنهة حالة تقطع القلب بجد.

عقد حاتم حاجبيه باستغراب، ونسي ألم جسده للحظة.
1

=واحدة؟ واحدة مين دي؟

جنة بوهن

=والله ما أعرفها، عمري ما شفتها معاك خالص. بس شكلها بنت غلبانة أوي، على قد حالها كدة واسمها**اسمها

سكتت جنة لحظات تعصر ذاكرتها، بينما راقبها حاتم باهتمام مشوب بالحذر، حتى فرقعت أصابعها فجأة.
جنة

=صبا! تقريبًا كان اسمها صبا تعرف حد بالاسم ده؟

صمت حاتم قليلاً، شرد ببصره في سقف الغرفة يحاول استرجاع شريط ذكرياته المزدحم، ثم قال بلا مبالاة مستفزة

=لا عمري ما قابلت واحدة اسمها صبا. أو يمكن أعرف هو أنا يعني هسأل عن اسم كل واحدة قبل ما أنام معاها يا جنة؟

اتسعت عينا جنة بصدمة وخجل، وضربته بقوة أخف على ذراعه وهي تبتعد عنه باشمئزاز ضاحك.

=أنت سافل وقليل الأدب بجد! تستاهل اللي أمك بتعمله فيك."
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل مكتبه الفاخر الذي ينم عن القوة والسيطرة، كان أنس يجلس خلف مكتبه العريض، يراجع بتركيز عقوداً مصيرية.

وبجانبه يقف وليد، يقلب في جهاز اللوحي ويستعرض معه آخر المستجدات

=الشغل الجديد ماشي زي الساعة يا أنس، الصفقات اللي دخلناها الأسبوع ده رفعت أسهمنا في السوق بشكل ملحوظ ومتقلقش انا عيني علي شركات الموسى.

قطعت حديثهما دقات هادئة على الباب، لتدخل السكرتيرة قائلة باحترام

=أنس بيه، عاصي بيه بره وعايز يقابل حضرتك.

لمع بريق في عين أنس وقال فوراً

=خليه يدخل بسرعة.

انفتح الباب ودلف عاصي بطلته الواثقة وابتسامة ساخرة تزين وجهه، قائلاً بمزاح

=إيه يا عمنا؟ جيتلك أربع مرات وملقتكش بقيت عزّيل أوي اليومين دول!

قام أنس من خلف مكتبه، واقترب منه بخطوات ثابتة ليرحب به، ورد عليه بضحكة مكتومة ومزاح مماثل

=كنت عمر بعيد عنك!

تعالت ضحكات عاصي القوية وهو يهز رأسه بإعجاب

=تعبان أنت بين الشخصيتين دول! بس صايعة منك حركة الطلقة دي تلاقيه باصم عليك بالعشرة دلوقتي.
2

تنهد أنس بتعب وهو يخرج سيجارة من علبته، يشعلها بهدوء ثم قال بلهجة عاتبة ممزوجة بالضحك

=ده باصم بالعشرة فعلاً بس رجالتك ولاد الـع*ص نشّل صح! الطلقة جت في صدري يا ابن الـوسخة، كانت هتخلص عليا!
1

انفجر عاصي ضاحكاً بخبث وهو يربع يده

=أنت مش قولت اضربني بالنار؟ اديني عملت اللي قولت عليه! مليش دعوة بقى الطلقة جت فين المهم النتيجة.

أخرج عاصي ملفاً من جلدي من حقيبته وقدمه لأنس بزهو

=خد يا سيدي دي ورق الشراكة اللي بين صلاح وبين شركات العاصي، اللي هي في الأساس شركتك يا عمنا يعني دلوقتي تقدر تدوس براحتك، أنت معاك النسبة الأكبر وكل خيوط اللعبة في إيدك.

اخذ منه انس الأوراق سريعا، وهو يقول بخبث

=كده يبقى علي الله ان شاء الله
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
توقفت السيارة الفارهة وسط زحام وضوضاء إحدى المناطق الشعبية التي لا تنام.

ترجل حاتم وهو يعدل سترة بدلتيه، ينظر حوله بضيق واستنكار للمكان، وخلفه أصحابه يضحكون بصخب.

التفت حاتم لصديقه تامر وقال باستغراب ودهشة

=أنتوا جايبني فين يا ابني أنت وهو؟ مش قولنا هنقضي سهرة حلوة؟ إيه المكان المقرف ده!

اقترب منه تامر، أقرب أصدقائه، وربت على كتفه بابتسامة واسعة قائلًا

=يا عمنا ما قولنا هنسهرك سهرة اللي هي! بمناسبة إنك فكيت الحبس ورجعت لنا بالسلامة مش قولت لي عايز أفك جسمي؟ اديني هخليك تفكه بس بجو بلدي بقى مجربتوش قبل كدة، سيبك من الأماكن اللي بنروحها دي، هنا الأصل!

ساروا لعدة أمتار حتى أشاروا له نحو عمارة متهالكة نسبيًا، لكن يخرج من نوافذها أضواء ملونة وضجيج موسيقى مهرجانات وصوت طبلة يرج الجدران.

رفع حاتم رأسه وهو ينظر باستغراب شديد لتلك الشقة التي تحولت لـ كباريه بلدي في قلب الشقة.

وقعت عيناه من الباب المفتوح جزئيًا على مشهد الراقصات والدخان الكثيف المتصاعد والناس التي تتمايل بجنون بالداخل.

في تلك اللحظة، تحولت نظرة الاستغراب في عيني حاتم تدريجيًا؛ اختفت ملامح القرف، ولمعت عيناه فجأة ببريق غريب يمزج بين الشهوة والرغبة، وكأن الأجواء الصاخبة والبدائية للمكان لمست جانبًا مظلمًا فيه.

ابتسم حاتم ببطء وهو يعدل ياقة قميصه وقال بنبرة واطئة

=ماشي يا تامر وريني البلدي بتاعكم، على الله يعدل مزاجي.

كانت صبا تقف أمام مرآتها، تحاول رسم ملامح القوة على وجهها المتعب، لكن الذكريات كانت أقوى من ألوان الزينة.تنظر لانعكاس وجهها في المرآة، وفجأة سكنت يدها وتجمدت نظراتها، لتبدأ الصور القديمة في المرور أمام عينيها كشريط سينمائي

كانت تركض في الشارع بأنفاس مقطوعة، تتلفت خلفها برعب من ذلك الرجل صاحب العمل الذي يطاردها. فجأة، انحرفت سيارة فارهة بسرعة جنونية وكادت أن تصدمها، لولا أن السائق ضغط على المكابح بقوة في اللحظة الأخيرة.

وقعت صبا على الأرض من الصدمة والرعب، ليفتح باب السيارة ويخرج منها شاب وسيم، ملامحه حادة لكنها قلقة، كان هو حاتم. اقترب منها بسرعة وجثا على ركبتيه بجانبها وهو يقول بخوف حقيقي

=أنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟

نظرت إليه صبا بصدمة، لكن صرختها انطلقت حين رأت الرجل الذي يطاردها يقترب وهو يصيح بكذب وغل

=قفشتك يا حرامية يا بت الكلب! فاكرة إنك هتهربي فين؟

بسرعة البرق، استخبت صبا خلف ظهر حاتم، وتشبثت بقميصه وهي تصرخ بانهيار

=أنا مش حرامية والله العظيم ما سرقت حاجة!

شعر حاتم برجفتها وخوفها الحقيقي الذي لمس قلبه، فانتصب واقفاً وهو يقول بغضب

=أنت مين يا عم أنت؟ وعايز منها إيه؟

رد الرجل بغضب وهو يحاول دفع حاتم

=وأنت مال أمك أنت؟ أوعى كدة!

ومد يده بعنف ليجذب صبا، لكن حاتم قبض على يده بقوة حديدية، وقال بنبرة تقطر سماً

لا ايدك مش واخد بالك إن البدلة لسه جديدة؟ إيه، أمك معلمتكش إن الرجالة بتتكلم ببقها ولا كانت بتصيف في مارينا؟

استشاط الرجل غضباً وصاح

=آه قول كدة بقى! شكلك مقاسم معاها وهتاخد نص السرقة البت دي سرقتني وأنا عايز فلوسي!

صرخت صبا بانهيار وهي تبكي

كذاب قسماً بالله كذاب! ده بيعمل كدة علشان فضيحته لما حاول يغتصبني!

بمجرد أن سمع حاتم الكلمة، تحولت ملامحه لبركان ثائر، وأطبق يده حول عنق الرجل وهو يرفعه عن الأرض تقريباً

=تغتصبها؟ دي قد عيالك يا ابن الـوسخة

حاول الرجل الكلام بأنفاس منقطعة

=دي كدابة قسماً بالله كدابة دي حرامية وسرقتني

تمسكت صبا بذراع حاتم وهي تنوح بانهيار

=متصدقوش والله العظيم ما سرقته، قسماً بالله ما سرقته!

لمس حاتم الصدق في عينيها وصوتها المرتجف، فقال لها بهدوء وهو لا يزال يمسك بالرجل

=امشي أنتي دلوقتي انا بعرف اتفاهم مع الأشكال الوسخة دي.

نظرت إليه بامتنان وعينيها تفيض بالدموع، وأومأت له برأسها قبل أن تركض مبتعدة، وهي تسمع صوت حاتم يجلجل خلفها وهو يلقي بالرجل أرضاً بصيحة سخرية

=هستناك بكرة في شركة المرسي لو ليك حق تيجي تاخده ادخل واسأل على حاتم المرسي وأنا هديك اللي سرقته يا روح أمك!

أفاقت صبا من ذكرياتها على دمعة خانتها وسقطت على خدها، فمسحتها بسرعة حين انفتح باب غرفتها بعنف. دخل جوز خالتها وهو ينظر إليها بوقاحة قائلاً

=يلا يا بت خلصي! عايزك تفرفشي الجو كدة النهاردة، لحسن فيه زباين علوي أوي بره، وعايزين الليلة تولع!

نظرت صبا لنفسها في المرآة نظرة أخيرة، نظرة انكسار مريرة، ونهضت لتواجه قدراً لم تكن تتمناه
وووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
من الممكن ان تتحول احلامنا في يوم وليلة الى اسوء كوابيسنا

ممكن حلم نكون بنحلم بيه كل يوم، وبندعي ان احنا نوصلة بي اي طريقة، بس منعرفش اننا لما نوصلة، هندعي ان الزمن يرجع بينا، ونفضل بعيد زي ما احنا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت صبا من غرفتها بخطوات مثقلة، تجر خلفها خيبة أمل مريرة، لكن بمجرد أن وطأت قدماها الصالة الكبيرة التي تملؤها أدخنة السجائر والضجيج، تجمدت الدماء في عروقها.

هناك في الصدر كان يجلس حاتم.

لم يكن حاتم الذي أنقذها يوماً، بل كان نسخة مشوهة لم تتخيلها أبداً.

كان يجلس وحوله شلة من أصدقائه، يضحك بقهقهة عالية، وعن يمين ويسار فتيات بملابس فاضحة يلتففن حوله، وهو يداعبهن بوقاحة ظاهرة، يهمس في آذان هذه ويمازح تلك بلمسات جعلت قلب صبا يتمزق.

وقفت صبا مكانها، شحب وجهها تماماً حتى صار كبياض الكفن، عيناها اتسعتا بذهول وهي تراه يسكب المشروب ويوزع نظراته الجريئة على الموجودات.

شعرت بنار الغيرة والحرقة تنهش صدرها، وكأن سكيناً صدئة تطعن كرامتها قبل حبها.

في هذه اللحظة، اقتربت منها زميلتها زنوبة، وهمست لها بتوتر وهي تهز ذراعها

= يخرببيتك يا بت! إيه اللي موقفك زي صنم كدة؟ المعلم جابر عينيه عليكي وهينفخك!

لم ترد صبا، كانت عيناها معلقتين بحاتم فقط. تتبعت زنوبة نظراتها، وعندما وقع بصرها على الطاولة، شهقت بصدمة ووضعت يدها على صدرها

= يالهوي! هو مش ده الولا حاتم بتاعك؟

أومأت صبا برأسها ببطء، والدموع تحجرت في عينيها قبل أن تسيل بغزارة. كان حاتم في تلك اللحظة ينظر باتجاهها، لكنه لم يلحظها وسط الزحام، أو ربما تعمد ألا يراها وهو غارق في مزاج البلدي الذي جاء لأجله.

استدارت صبا بانهيار، كانت تريد فقط الهرب، العودة إلى غرفتها والاختباء من هذا الكابوس، لكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى اعترض طريقها جابر بجسده الضخم ونظرته التي تنضح شراً.

وقف جابر أمامها وسد الطريق تماماً، وقال بسخرية لاذعة

= على فين يا ست الحسن؟ السهرة لسه بتبدأ والزباين مستنيين التحلية.

حاولت صبا الكلام، غصت الكلمات في حلقها المبحوح من البكاء وقالت بصعوبة

= أنا أنا تعبانة يا جابر مش قادرة مش قادرة أرقص النهاردة، سيبني أدخل.

ارتسمت على وجه جابر ابتسامة باردة مستهزئة، وقال بصوت خفيض ومرعب

= لا ألف سلامة عليكي يا ضنايا تعبانة؟

وفجأة، تحولت ملامحه للغل، فدفعها بقوة وسط ساحة الرقص، لدرجة أنها تعثرت وكادت تسقط، ثم انحنى فوق أذنها وهو يهمس بفحيح غاضب

= ما تخلصي ياروح أمك! هو بمزاجك؟ عايزة ترقصي بذمة النهاردة وتفتحي عينيكي على الآخر، لحسن زباين النهاردة عليوي أوي وجيوبهم مليانة، وأنا مش مستعد أخسر مليم عشان دلعك ده يلا!

انطلقت الموسيقى الصاخبة، ووجدت صبا نفسها تحت الأضواء الملونة، مجبرة على التمايل، بينما عينها لا تزال معلقة بحاتم، الذي انتبه أخيراً لمصدر الضجة، لتبدأ العيون في التلاقي وسط دخان السهر ووجع القلوب.

توقفت صبا عن التفكير، ودخلت في حالة من اللاوعي التام، جسدها يتحرك على أنغام الموسيقى الصاخبة كدمية تُحرك بخيوط غير مرئية.

عيناها كانت تحدقان في الفراغ، لكنها كانت تشعر بنظرات حاتم تلتهمها، تشعر به وهو يرى كل انحناءة في جسدها، كل حركة، كل تمايل.

كانت ترقص بلا روح، بلا إحساس، وكأنها تنتقم من نفسها ومنه في كل خطوة.

أما حاتم، فكان الأمر مختلفاً تماماً.

بمجرد أن رآها تندفع نحو حلبة الرقص، لفتت انتباهه على الفور.

لم يتعرف عليها للوهلة الأولى، فملامحها تحت المساحيق الثقيلة والأضواء الخافتة كانت مختلفة تماماً عن الفتاة الخائفة التي أنقذها يوماً.

لكن شيئاً ما في طريقة رقصها، في حركتها اليائسة، كان يجذبه بقوة.

نسي حاتم كل من حوله، نسي الفتيات اللاتي كن يلتففن حوله، ونسي أصدقاءه وضحكاتهم.

كانت عيناه مثبتتين على صبا فقط، يتابعها بانبهار وشهوة لم يستطع إخفاءها.

كانت صبا ترقص بروح منكسرة لكن بجسد فاتن، تتحرك ببراعة تثير الغرائز، وشعر حاتم وكأنها ترقص له وحده.

رقصها كان يمزج بين الأداء المحترف واليأس الذي يظهر في عينيها.

كلما التفتت أو تمايلت، زاد انجذابه لها، وكأنها تشتعل في بؤرة الضوء وتجذب إليه كل انتباهه.

بمجرد أن انتهت الموسيقى، لم تنتظر صبا تصفيقاً ولا نظرة أخيرة.

انطلقت كالسهم وسط الزحام، تدفع الأجساد المخمورة يميناً ويساراً، والدموع التي حبستها فوق المسرح انفجرت الآن كالشلال، تغسل الكحل الأسود ليرسم خطوطاً من القهر على وجهها الشاحب.

اقتحمت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تحاول إغلاق أبواب الجحيم الذي رأته بالخارج.

ارتمت على سريرها المتهالك، وضمت جسدها المرتجف وهي تصرخ بصمت، تنهش بأسنانها وسادتها لكي لا يسمع أحد عويل انكسارها.

لكن الجدران في هذا المكان لم تكن يوماً عازلة للوجع.

من خلف الباب الخشبي الرفيع، كانت ضحكات حاتم تصل إليها كطعنات متتالية.

صوته الذي كان يوماً يمثل لها الأمان، صار الآن السوط الذي يجلد روحها.

سمعته وهو يقهقه عالياً مع أصدقائه، متباهياً بليلتهم، ثم تناهى إلى مسامعها صوته وهو يغازل إحدى الفتيات بكلمات رخيصة

= ده انا اقوم بيكم كلكم يامره، ركزي إنتي معايا بس!

تشنج جسد صبا وهي تسمع دلال الفتاة ورنين ضحكتها الخليعة رداً عليه.

هو لم يأتِ لينقذها، بل جاء ليستمتع بخرابها، جاء ليكون واحداً من أولئك الذين يشترون التحلية التي تحدث عنها جابر.

وضعت يديها فوق أذنيها بقوة، تضغط بكل طاقتها لتكتم الأصوات، لكن خيالها كان أسرع؛ تصورت يده وهي تلامس يد غيرها، وتصورت نظرة الشهوة التي رأتها في عينيه وهي ترقص، وكيف تحولت الآن لغيرها ببساطة وبرود.

كانت تهمس بصوت مبحوح وسط شهقاتها

=يا رب خدني يا رب مش قادرة بقى هو ده؟ هو ده اللي كنت مستنياه يخرجني من هنا؟

في الخارج، كان الدخان يلف المكان كغيمة سوداء تخنق الأنفاس، وكان حاتم قد فقد آخر ذرة من ثباته تحت تأثير المشروب.

ترنح في مشيته وهو ينظر لرفاقه، وكل منهم يجر خلفه فتاة ليختفي في إحدى الممرات المظلمة.

مسح حاتم على وجهه بضياع، لكن صورة تلك الفتاة التي كانت ترقص لم تفارق خياله السكران.

التفت إلى ميمي، زميلة صبا التي كانت تراقبه بغيرة وحقد دفين، وقال بصوت ثقيل ومتقطع

= بقولك إيه يا بت البت اللي كانت بترقص من شوية هي فين؟ أنا عايزها هي، مش عايز حد تاني!

لمعت عينا ميمي بخبث.

كانت فرصة ذهبية لتنتقم من كبرياء صبا وتكسرها للأبد، ولتثبت أن الست صبا التي تتظاهر بالعفة ليست إلا سلعة لمن يدفع.

اقتربت منه بابتسامة صفراء وقالت وهي تتمايل

= آه، صبا؟ دي في أوضتها يا باشا، بس خلي بالك دي سعرها عالي

مدت يدها بخبث، فأخرج حاتم حزمة من الأوراق النقدية بلامبالاة وألقاها في يدها.

خطفت ميمي المال بجشع، ثم أشارت بسبابتها نحو الباب المتهالك في نهاية الممر وقالت

= الأوضة اللي هناك دي

وبمجرد أن بدأ حاتم يتحرك بخطوات ثقيلة ومترنحة نحو الغرفة، اندفعت ميمي نحو مشغل الموسيقى، ورفعت الصوت إلى أقصى درجاته.

انفجرت الأنغام الصاخبة لتهز جدران الملهى، وتغطي على أي صوت قد يخرج من غرفة صبا، وكأنها تحكم إغلاق الكفن عليها.

داخل الغرفة، كانت صبا لا تزال منهارة، وجهها مدفون في الوسادة، حتى سمعت صوت تكة الباب وهو يُفتح ببطء.
تجمدت في مكانها.

لم تكن تتوقع أن يجرؤ أحد على الدخول دون إذن جابر، لكن جابر الليلة قبض الثمن مسبقاً.

استدارت برعب، لتجد شبح رجل يقف عند الباب، يغلقه خلفه بهدوء مخيف.
ومع الضوء الخافت المتسرب من الممر، رأت وجهه.

كان هو حاتم.
دخل وهو يترنح، وعيناه حمراوان من أثر السكر، ونظراته غريبة، هائمة، وجائعة.

لم ينطق بكلمة في البداية، بل ظل يحدق فيها وهي ترتجف فوق السرير، بملابس الرقص التي كانت تمثل لها الآن وصمة عار أمام الرجل الذي أحبته.

صرخت صبا بصوت مخنوق وهي تتراجع للخلف حتى اصطدمت بالحائط:

=  إنت إنت إيه اللي جابك هنا؟ اخرج بره! اخرج!"

لكنه لم يتحرك للخارج، بل تقدم خطوة أخرى، وابتسامة غريبة، مريرة ومؤلمة، ترتسم على شفتيه، وهو يهمس بصوت أضاعته الخمرة

= اخرج ايه يابطل، هو احنا لسه خلصنا عشان اخرج

قال وهو يقترب من مكان جلوسها على الفزاش، لتقف سريعا،وهي تبتعد بخوف

=يا خالتييي، ياجابرررر، ابعد عني بقولك انت اكيد دخلت اوضة غلط

لم يهتم بحديثها، او بمعنى اصح لم يستمع فهو كل ما بشاهده هو جسدها المغوي امامه، ليقترب منها سريعا، ودفعها على الفراش، وهو يعتليها سريعا،

=لا وحياتك دي الاوضه الصح! والصح اوي كمان

حاولت دفعه بقوه، وهي تصرخ بخوف

=لالا، لا ياحاتم ابوس ايدك لا متخلنيش اكرهك يا حاتم

لم يشعر بالاستغراب من معرفتها لي اسنه او لم يهتم من الاساسب فعقلة لم يكن معه، قطعلها ملابسها، لتصرخ بانهيار

=بالله عليك ياحاتم لا ابوس ايدك ياخالتي الحقينيييي ابوس ايدك

كانت صرخاتها تضيع وسط صخب الموسيقى بالخارج، وكأن العالم كله قد تآمر عليها ليحبس صوتها في هذه الغرفة الملعونة.

=يابت اصبري بقى، ده انا همتعك يابت المره

أمسك بيديها بقوة حديدية ثبتها فوق رأسها، وأنفاسه الثقيلة تلفح وجهها برائحة الخمر والندم، وهمس بفحيح مرعب

=انتِ بتعملي كده علشان اديكي اكتر، متخافيش هديكي الي انت عيزاه

قال وهو بقبلها بقوه ونهم غير عابئ لصراختها المستغاثة اسفلة

كانت قُبلاته العنيفة كالخناجر التي تمزق روحها قبل جسدها.

صبا، التي كانت تراه يوماً فارس أحلامها وملاذها من قسوة الدنيا، كانت الآن تحت رحمة وحش صنعته الخمرة.

كانت تشعر بملوحة دموعها وهي تختلط بأنفاسه الكريهة، وكل ذرة في جسدها تنتفض رعباً واشمئزازاً
حاولت دفعه بقوه، ولكنه لم يسمح لها وهو يخلع قميصه سريعا، ليربط يديها بها في الفراش.

=بسسس كده نشتغل على روقان بقى

بعد الكثير من المحاولات استسلمت قوى صبا أمام جبروته، فكلما قاومت، زاد هو في طغيانه، ظناً منه أن هذا التمنع ما هو إلا جزء من الدلال

كانت تصرخ باسمه، تناديه بقلبٍ مكتوم لعل روحه تستجيب، لكنه لم يكن يرى فيها إلا جسداً اشتراه لليلة واحدة؛ فهو لم يعرفها يوماً، ولم يلحظ تلك الفتاة التي كانت تراقبه من بعيد بقلبٍ نبض له وحده.

أحكم قبضته على معصميها حتى كادت عظامها تتحطم، وانحنى يدفن وجهه في عنقها بعنف، متجاهلاً توسلاتها التي تحولت إلى أنين خافت ومتقطع.

همست وهي تغمض عينيها بقهر، والدموع تنسل لتغرق الوسادة

= انا بكرهك يا حاتم، بكرهك، اااه

لم يسمعها، أو ربما لم يرد أن يسمع. كان مغيباً تماماً، انتهك حاتم كل حصونها، داس على أحلامها الوردية ببرود السكارى، ومزق آخر خيط كان يربطها بالحياة.

لم تعد صبا تصرخ، بل جمدت عيناها وهي تنظر لسقف الغرفة المتهالك، وكأن روحها غادرت جسدها لتراقب ما يحدث من بعيد، تاركةً خلفها حطام فتاة كانت تظن أن الحب سينقذها، فإذ به هو من يجهز عليها.

بعد وقتٍ مر كأنه دهر، هدأ جسد حاتم فوقها، وبدأ يغط في شبه غيبوبة ناتجة عن السكر والمجهود.
2

انسحب عنها ببطء وترنح، ليسقط بجانبها على الفراش وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، قبل أن يغط في نومٍ عميق، غير مدرك أنه دمر حياة إنسانة كانت تراه وطناً.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
اقتحمت غدران عالم اليقظة على صرير الباب الحديدي الذي يئن ببطء، ظنت في البداية أن صلاح عاد ليمارس طقوس تعذيبه، لكن طيفاً مألوفاً كان يقف شامخاً عند العتبة.

انفرجت أساريرها، وارتسمت على وجهها الشاحب ابتسامة حب صافية، وهمست بصوت يملؤه الشوق والوهن

=عمر أنت جيت يا حبيبي
1

لم ينتظر أنس ثانية واحدة، بل جذبها بسرعة البرق إلى صدره، محيطاً إياها بذراعيه القويتين كأنه يغرسها بين ضلوعه، وقال بنبرة تفيض بالتملك والإصرار

=ايوه ياطري، ومش هسيبك تاني خلاص

بادلته الحضن بلهفة المحروم، تشتم رائحته التي امتزجت برائحة المعقمات والدماء، قبل أن يبعدها عنه قليلاً وهو ينظر في عينيها بصرامة لم تعهدها

=يلا بينا من هنا مفيش وقت.

رمقته باستغراب وهي تحاول استيعاب الموقف

=يلا بينا فين؟عمر اقعد وخليني اشوف جرحك

سحبها خلفه بقوة وهو يتجه نحو المخرج، قائلاً باختصار

مش وقت الكلام ده،يلا عشان هنهرب

توقفت غدران فجأة، وتملّكها الرعب من سطوة صلاح، وقالت بصدمة

=إيه؟ هتهربني؟ هنروح فين يا عمر وصلاح لو عرف؟ ده ممكن يقتلك

توقف أنس مكانه، واستدار نحوها بعينين تشتعلان غضباً وغيرة.

دفعها برفق ولكن بحزم حتى حاصرها بين جسده والحائط البارد، ثم انقض على شفتيها بقبلة عنيفة، غاضبة، وجامحة، شعرت معها غدران بطعم الدماء المالح يسيل في فمها من شدة قسوته.

ابتعد عنها مليمتراً واحداً، وهمس أمام وجهها بأنفاس لاهبة ونبرة تقطر تهديداً

=لو اسم أي دكر جه على شفايفك تاني هقطعهوملك،ومش اللي فوق هما اللي هيتقطعوا.

اشتعلت وجنتا غدران بخجل قاصٍ وهي تفهم تلميحه الجريء، بينما سحبها هو خلفه بقوة وعنفوان لا يناسب جرحه.

تبعته وهي ترتعد قائلة

=يا عمر طب فهمني ايه الي جد؟ أنا خايفة عليك بالله عليك بلاش صلاح خطر وممكن يقتلك، أنت مش قده!
1

رسم أنس على ثغره ابتسامة ساخرة، مليئة بالثقة والغموض، وهو يراقب الممرات بحذر

=انتي لسه متعرفيش حاجة يا غدران وده السبب الوحيد اللي مخليني عذرك لغاية دلوقتي.

تسللا عبر الممرات الخلفية للفيلا كالأشباح؛ كان أنس يتحرك بخطوات واثقة رغم أنينه المكتوم من أثر الجرح. وصلا إلى الحديقة الخلفية حيث كان الظلام ستاراً لهما.

لمحهما أحد الحراس القابعين عند الزاوية، وقبل أن يرفع سلاحه أو يصدر صوتاً، كان أنس قد أشار بيده لجهة مجهولة في الظلام، لتنطلق رصاصة صامتة أسقطت الحارس مكانه.

شهقت غدران ورغبت في التراجع، لكن قبضته على يدها كانت كالقيد الفولاذي وهو يهمس

متبصيش وراكي انا جمبك ياحبيبي اهدى!

  وصلا إلى الباب الحديدي الصغير المخصص للخدم، حيث كانت تقبع سيارة سوداء ضخمة محركها يزمجر بهدوء.

  فتح السائق الباب بسرعة فائقة، دفع أنس غدران إلى الداخل ثم صعد بجانبها.

انطلقت السيارة كالبرق، تاركةً خلفها أسوار فيلا صلاح

ما ان صعدو الى السيارة، حتى اغلق انس هذه النافذة الصغيره التي تفضلهم عن السائق، وهو يضعها على قدمه، حتى جعلها تحاوط خصره، وهو يقول بخبث

=أخيراً بقيتي في حضني ياطري.

برغم ساعدتها، وبكنها تحدثت بخوف وهي تحاوط وجهه

=خايفه اوي ياعمر، خايفه صلاح يطولنا، ده مش سهل

قبل يديها التي تحاوط وجهه، وهو يقول بإبتسامة مطمئنة

=محدش يقدر يطول منك شعره طول ما انتي جوه حضني

ابتسمت له بإطمئنان، وهو يبادلها الإبتسامة بعشق، حتى نزلت نظراته الي شفتاها، ليشحلها اكثر على قدمه وهو ينحنى علي شفتاها يقبلها بشوق وحب، ما ان شعرت غدران بشفتاه حتى حاوطت وجهه، تبادله القبله ويديها اخذت مصارها الي صدره العاري من ازرار القميص المفتوح

فجأة، تأوه أنس بقوة وسط القبلة، وشد على كتفها بعنف، مما جعلها تبتعد عنه بذعر وهي تنظر لعينيه اللتين غامتا بالألم، وهي تقول بهلع

=الجرح؟ حقك عليا يتحبيبي معلش ماخدتش بالي

اغمض عيناه بقوه، وهو يسند برأسه للخلف، وهو ينفي

=انا كويس ياحبيبي متقلقش

نفت له،وهي تقول ببكاء

=كويس اي بس ياعمر، انت بتتوجع قدامي اهو

نفى لها وهو يقول بخبث، هامسا بجانب اذنها

=بتوجع من حاجة تانية ياطري

=حاجة ايه

قالت بإستغراب، ليبتشم بخبث،وهو يحركها على قدمه

=يعني مش حسه يامفتريه، ده هيموت وينط من البنطلون عليكي خلاص مبقاش قادر

توردت وجنتيها، لتضرب جه صدرة السليمه، وهي تصرخ بخجل

=عمر! احترم نفسك ايه الي بتقوله ده

غمز لها وهو يتابع وقاحته

=احترم نفسي اي بس ياطري، هو انا واخدك عشان احترم نفسي، وحياة كل ليلة بيتها بره حضني، لاخد حقي منك تالت ومتلت، وكمان انا ليا وعد عندك

=وعد ايه

قالت بهمس، وهي تنحني للنوم علي صدره، وهو يرد بخبث

=انا قولتلك، هفضل ارضع لغاية ما اتفطم من جديد

=عمررررررر

صرخت بخجل، لترتفع ضحكاته، وهو يقول بقلة حيلة

=طب اعمل ايه يا حبيبي وهما قدامي ليل نهار كده، ده الواحد مش عارف كنتي بتكلي ايه، ده انا هغوص جواهم واقعد امممم

وضعت يديها على فمه تمنعه من إكمال حديثه، وهي تقول بصوت باكي من الخجل

=ابوس ايدك ياعمر كفاية، هموت من الكسوف حرام عليك بس

ابعد يديها، وهو يقول بخبث

=لا متبوسيش ايدي، بوسي ميشو هو بيحب البوس موت

لم تحتمل وقاحتة اكثر من هذا لتخبئ وجهها بين يديها، وهي تتجاهل حديثة بالكامل

ليقهقه بصوت مرتفع على حركات هذه الخجوله

مر الكثير من الوقت حتى توقفت السياره، لتقول غدران بإستغراب

=وصلنا؟

اومأ لها انس وهو يقبلها بسطحيه

=اه ياطري،وصلنا مملكتك

توقفت السيارة أمام بناية فخمة في أحد الأحياء الراقية والهادئة، حيث تنعكس أضواء الشوارع على واجهتها الزجاجية لتعطي شعوراً بالأمان الذي افتقدته غدران طويلاً.

همت غدران بفتح باب السيارة لتنزل، لكن في لمح البصر كان أنس قد التف حول السيارة وفتح الباب، وبحركة سريعة ومفاجئة رغم إصابته، انحنى وحملها بين ذراعيه.

شهقت غدران بذعر ولفّت ذراعيها حول عنقه تلقائياً وهي تقول بخوف

=عمر بتعمل إيه؟ نزلي يا حبيبي جرحك هيفتح تاني!

نظر في عينيها بعمق، وابتسامة حب صادقة ترتسم على ثغره وهو يهمس لها بنبرة تذيب الصخر

=طول ما أنا فيا نفس يبقى ضهري هو اللي يشيلك يا غدران.

ضحكت غدران بخجل ودلال، ودفنت وجهها في عنقه وهي تداعبه قائلة

كده أنت هتخليني آخد على الدلع ده يا عمر هبوظ منك.

ابتسم لها أنس وهو يسير بها بخطوات ثابتة نحو مدخل البناية، ورد بنبرة تملؤها الحميمية

=ادلع يا حبيبي ادلع وبالقوي كمان، هو أنا حيلتي غيرك أدلعه؟ وبالنسبة للبوظان، فمكدبتش في دي ياطري، علشان انا هبوظك فعلاً

دخلا الردهة الرخامية ومنها إلى المصعد. ضغط أنس على زر الطابق الأخير وهو ما زال يحكم قبضته عليها وكأنها كنز يخشى ضياعه.

نظرت غدران حولها باستغراب وتساءلت وهي تلمس جدران المصعد

هي دي العمارة الي فيها شقتك يا عمر؟

أومأ لها بهدوء، وعيناه تلاحقان ملامحها بدقة

=اه ياطري دي الشقة اللي كنت مفروض هتجوز فيها هنقعد هنا حبة لغاية ما أعرف أهلي وأرتب أموري، وبعدها هوديكي بيت العيلة الكبير.

لمعت عيناها بالفرح وحاوطت وجهه بكفيها قائلة بحماس

أي حتة معاك هتبقى جنة يا حبيبي المهم نكون سوا.

أمام هذا الكلام المعسول ونظراتها التي تفيض عشقاً، لم يعد أنس يملك ذرة واحدة من الصمود.

في ثانية، كان قد حاصرها بجسده ضد جدار المصعد، وأطبق على شفتيها بقبلة لاهثة، قبلة تحمل كل الشوق والحرمان اللذين عاشهما.

بادلته غدران القبلة بشغف، ويديها تتشبث بشعره بقوة، وكأنها تؤكد لنفسها أن هذا الكابوس قد انتهى وأنها أخيراً في أمان بين يدي عمرها.

اصدر المصعد صوت وصوله، لتحاول دفع انس قليلا وهي تقول بخجل

=عمر، عمر وصلنا.

اومأ لها بانفاس مرتفعه، وهو يحملها مره اخره، وذهب الي باب شقته الذي فُتح على ردهة الشقة الواسعة.

وضعها أنس أرضاً برفق، لكنه لم يترك يدها.

كانت الشقة مظلمة إلا من أضواء المدينة التي تدخل عبر النوافذ الفرنسية الكبيرة.

المكان جميل أوي يا عمر.

التفتت إليه لتجده يخلع قميصه ببطء، وعلامات الإجهاد بدأت تظهر على وجهه، والجرح في جانبه قد تلون باللون الأحمر القاني مجدداً أثراً للمجهود والحمل، لتقول بفزع

=عمر! الجرح نزل دم تاني قولتلك بلاش تشيلني! تعالى اقعد هنا بسرعة.

سحبته نحو الأريكة الوثيرة، وبدأت يداها ترتجف وهي تقول بقلق

=في علبة اسعافات هنا؟

عض شفتاه بألم، فالألم اصبح لا يطاق، ليومأ لها، وهو يقول بألم

=هتلاقيها في حمام اوضتنا فوق في الوش اول اوضة

لم تعرف لماذا كلمة اوضتنا جعلة الفراشات تغذو بطنها، صعدت الدرج سريعا، حتى وصلت الى غرفتهم لتفتحها سريعاً، وجدتها غرفة كبيره للغتية يغذوها اللون الاسود الداكن، ولكن اكثر من صدمها ان الحمام ابوابه شفافه تجعل من في الخارج يرى كل مايحدث في الداخل.

=قليل الادب

قالت بقلة حيلة وهي تجلب علبة الاسعافات سريعا، وعادت اليه لتجلس بجانبه وفتحت  علبة المطهر وهي تحاول التماس الهدوء

=تموت لو ريحت نفسك شوية بس، حرام عليك والله العظيم

بينما كانت تنحني فوقه لتعقم الجرح، كانت أنفاسها تداعب صدره، مما جعل أنس يبتسم بخبث رغم الألم، فمد يده وضغط على صدرها بخبث، لتصرخ بصدمه،وهي تسمعه يتحدث بخبث

=اموت في اهاتك، اوفف يارتني اتصابت من زمان يدام الطري ده هو الي هيعالجني.

لم تكد غدران تستوعب وقاحته الجريئة، حتى احمر وجهها خجلاً، وحاولت إبعاد يده عن صدرها بقوة، لكن قبضته كانت أصلب مما توقعت.
فتحدثت بصراخ خفيض ومحرج

عمر! أنت قليل الأدب إيه اللي بتقوله ده!

ضحك أنس بصوت أجش، لكن ضحكته هذه المرة كانت ممزوجة بألم الجرح الذي اشتد عليه، فتعالى أنينه قليلاً.
وهو يضمها إليه بيدٍ واحدة

=قليل أدب عشان بعاين مراتي اللي؟ وبعدين أنا مش قولتلك إنك لسه متعرفيش حاجة؟ ده أنا لسه يا روحي وريتك حتة صغيرة خالص من قلة الأدب اللي جوايا.

لم تجد غدران رداً على جرأته، فدفنت وجهها في عنقه، تشعر بالخجل والارتباك

=لو فضلت قليل الادب كده مش هتجوزك

=خخخخخ، عليا الحرام اكتفك وادخل وقتي، قال مش هتتجوزيني قال انتِ عبيطة يابت

شهقت بضدمه من تحوله، لتقول بعدم تصديق

=انت مين؟

ابتسم بخبث، وهو يقول بوقاحه

=انا كلو ياطري، عايزة الحنين من عيني، بس هتتعوجي هوريكي تربية الشوارع، فا اتعدلي عليا عشان ننجز مع بعض، لحسن ميشو عمال يصوصولي يتعرف عليكي، وانا عمال اهدي فيه فمتخلنيش اسمع كلامه

شعرت بالتوتر من حديثه، لتتابع تنظيف جرحة بصمت وخجل
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت حليمة تقود سيارتها الفارهة بسرعة عصبية في شوارع القاهرة المزدحمة، ممسكة بمقود السيارة بيد، وباليد الأخرى تضع الهاتف على أذنها، وصوتها يتردد في أرجاء السيارة بغضب.
لتتحدث بصراخ وعصبية

=يا مي قولتلك مية مرة مش هرخص نفسي تاني أنا مش ناقصة وجع دماغ وقرف اسمعي اللي بقولك عليه وإلا قسماً بالله هقفل معاكي ومش هكلمك تاني!

كانت تتحدث بحدة وتكاد تخرج عن شعورها، وفي لحظة تهور، توقفت السيارة التي أمامها فجأة وبدون سابق إنذار.

لم تسعفها سرعة رد فعلها، فاصطدمت سيارتها بقوة في خلفية السيارة الأمامية.

اهتزت حليمة بعنف، وسقط الهاتف من يدها، بينما انطلق صوت ارتطام المعدن الذي مزق هدوء الشارع.
لتتحدث بذهول وغضب عارم

يا نهار أسود! ده يوم باين من اوله!

نزلت من سيارتها كالإعصار، تصفع بابها بقوة وتتجه نحو السيارة الأمامية وهي تصرخ

أنت يا بني آدم يا اللي سايق! أنت حمار؟ حد يقف الوقفة دي في نص الطريق؟

خرج شاب من السيارة الأخرى، يبدو عليه الهدوء المستفز رغم الحادث، ونظر إلى سيارته المحطمة من الخلف ثم إليها ببرود فتحدث بهدوء وثبات

أنا اللي حمار ولا أنتي اللي مش مركزة في الطريق وماسكة الموبايل؟ لغاية لما خبطتيني، تلاقي امك الي جيبهالك، فا مش فارق معاكي عربيات الناس

=تصدق انك راجل قليل الأدب، وبعدين أنت عارف العربية اللي أنت خبطت فيها دي تمنها كام؟ أنت ممكن تبيع عربيتك دي كلها وما تجيبش تمن فانوس منها!

بدأ الناس يتجمعون حولهما، والزحام يشتد في الشارع فنحدق احد المارة

يا جماعة اهدوا، الحادثة بسيطة فداكم.

فتحدثت حليمة في انفعال

=بسيطة إيه؟ ده كسرلي العربية! أنت مش شايف هو واقف إزاي؟

الشاب بابتسامة باردة

=والله أنا عربيتي هي اللي اتدمرت من ورا بسب استهتارك وأنا مش هتحرك من هنا غير لما آخد حقي، والناس كلها شافت إنك كنتي بتتكلمي في التليفون.

حليمة بتعالي

=حقك؟ أنت تحمد ربنا إني مش هخليك تدفع تمن تصليح عربيتي! ابعد من قدامي خليني أمشي.

تمشي فين؟ البلد دي فيها حكومة يا نروح القسم يا تعوضيني عن اللي عملتيه.

تعالت الأصوات وتدخل الناس أكثر، وبدأ البعض يشعر بالاستياء من نبرة حليمة المتعالية، حتى تحدث رجل مسن من الجمهور

=يا بنتي العناد مش هيجيب نتيجة، الطريق واقف والناس تعطلت أحسن حاجة تروحوا القسم والمحضر هو اللي يفصل بينكم.

نظرت حليمة إلى الناس باحتقار، ثم إلى الشاب الذي كان يقف ببرود يحسد عليه، وقالت بحدة

=قسم؟ ماشي ياريت، عشان هناك هعرفك مقامك كويس، وهتعرف مين اللي هيتحبس بسبب عطلة الطريق دي اركب عربيتك!

استقل كل منهما سيارته، وتحركا تحت أنظار الناس المتذمرة صوب قسم الشرطة، حليمة تشتعل غيظاً وتفكر في ان تتحدث مع انس في اسرع وقت وتتنازل عن كرامتها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتح حاتم عينيه بصعوبة، وشعور بآلاف المطارق تضرب في رأسه بسبب صداع السكر الذي يداهمه دائماً بعد ليلة من السهر.
مسد جبهته بألم وهو يتأوه بصوت مسموع

=آآآه يا راسي هو الواحد مبيتعلمش أبداً؟

بدأ يستعيد وعيه تدريجياً، نظر حوله في الغرفة باستغراب يحاول تجميع شتات ليلة أمس؛ يتذكر أصدقاءه، السهر، الموسيقى الصاخبة، وأنه كالعادة انتهى به المطاف بجانب فتاة ما.

شعر بجسده العاري تحت الأغطية، فابتسم بسخرية معتقداً أنها مجرد نزوة أخرى مع إحدى الفتيات، لكن ابتسامته تجمدت حين التفت بجانبه.

صدمة ألجمت لسانه حين رأى فتاة تجلس بوضع القرفصاء، تضع رأسها بين ركبتيها، وتنظر أمامها بجمود وانهيار صامت، وكأن روحها غادرت جسدها

فتخدث باستغراب.

=أنتي مين؟وعاملة كده ليه؟

رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بنظرة تقطر كرهًا واحتقارًا جعلته يشعر برعشة خفيفة لم يعتدها.

بصوت يخرج من بين أسنانها

=غور في داهية من وشي، مش طايقة اسمع صوتك، غور!

نظر لها بإستغراب فهو معتاد على فتيات يستيقظن بابتسامة أو حتى بدلال طمعاً في المزيد، لكن هذا الهجوم كان غريباً

فتحدث بعضب

=أنتي بتتكلمي كده ليه يا بت أنتي؟ أنتي اتجننتي؟

أومأت برأسها وهي تضحك ضحكة هستيرية مكسورة، وقالت بكلمات لم يفهم مغزاها في البداية

=عندك حق أنا فعلاً اتجننت، اتجننت بالقوي كمان لما بصيت للي أعلى مني وفكرت للحظة إن في قلوبهم رحمة.

مد حاتم يده بعفوية ليلمس كتفها محاولاً فهم حالتها، لكنها انتفضت وصرخت فيه بغضب زلزل أركان الغرفة

إياك تلمسني! كفاية اللي عملته قسماً بالله مش هسكت، هبلغ عنك أنت فاهم؟ أنا هاخد حقي منك وميهمنيش أنت مين!

انفجر حاتم بضحكة عالية ومستفزة، قام من على السرير ببرود وبدأ يلتقط بنطاله من على الأرض ليرتديه.

تبلغي عني؟ طيب ابقي رني عليا بقى عشان أتوسطلك في القسم وأنتي بتعملي المحضر وانتي بتقوليلهم جه نام معايا وهو جيبني من بيت دعارة وسخ، انتي بتتنكي عليا ليه ياروح امك؟ هي كانت اول مره؟

شعرت صبا بالانكسار يمزق أحشاءها؛ كل مشاعر الحب القديمة التي كانت تكنها له في صمت تحولت في لحظة إلى كره أسود يحرق الأخضر واليابس،لم تضدق انها تستمع الى هذا الحديث منه هو

انتهى حاتم من ارتداء ملابسه، ثم أخرج حزمة من الأوراق النقدية من جيبه ورماها على السرير بإهمال لتقع بالقرب منها وهو  يرمقها بنظرة متعالية

=يمكن المكان هنا مبييدوكيش فلوس كويسة وده اللي مضايقك خدي دول مني ليكي، اعتبريهم بقشيش. أنا آه مش فاكر أدائك كان إيه إمبارح بس مش مهم، باين عليكي انك تعبتي معايا اوي.
1

نظرت صبا إلى الأموال المنثورة حولها وكأنها جمر نار، شعرت بإهانة فاقت قدرتها على التحمل، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة وهي تنهار بكاءً

=اطلع بره اطلع بررررررررره،انا بكرهههههك!

خرج حاتم وهو يصفر بلامبالاة، تاركاً خلفه روحاً حطمها بغروره، غير مدرك أن هذه الليلة قد تكون بداية لنهاية مملكته الزائفة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

ساد الهرج والمرج في الصالة الكبرى، أصوات تكسير الأثاث وزعيق صلاح الذي كان ينبح كذئب جريح يملأ المكان.

في تلك اللحظة، تسحب انس الي داخل القصر،حتى وصل الي غرفته، ليخلع قميصة سريعا،وخرج  من غرفته الجانبية المخصصة للحرس، وهو يفرك عينيه بتثاقل مفتعل، وكأنه استيقظ للتو على هذا الضجيج.

قرب أنس من صلاح الذي كان يوجه ركلة عنيفة لأحد الكراسي، وقال بنبرة هادئة يغلفها التساؤل

=في إيه يا باشا؟ صوتك جايب لآخر الدنيا، خير؟

التفت إليه صلاح بعيون محتقنة بالدماء، وصاح فيه بغضب جارف

=أنت كنت فين؟

رسم انس علامات الدهشة على وجهه وأجاب بتمثيل متقن

=كنت نايم يا باشا دي مش ورديتي،والجرح تاعبني فانمت شوية وأنا مسمعتش حاجة غير دلوقتي هو حصل إيه لكل ده؟

جز صلاح على أسنانه وهو يمرر يده في شعره بعنف، كأنه يحاول منع رأسه من الانفجار

=غدران هربت! البت هربت يا عمر واكيد فيه حد ساعدها، وكمان قتلوا راجل من رجالتي عند الباب الخلفي!

اتسعت عينا أنس في صدمة مصطنعة احترافية، وتراجع خطوة للخلف وهو يقول بعدم تصديق

=هربت؟! هربت إزاي يا باشا؟ ومين ده اللي له مصلحة يهربها أصلاً؟ هو فيه حد يعرف مكانها هنا غيرنا؟

ضرب صلاح قبضة يده في الحائط وهو يزفر بغضب

=ماعرفش! ماعرفش ممكن تكون عملت إيه أو ممكن يكون الوسخ صاحبها ده عرف يوصلها بس إزاي الفيلا متأمنة كويس!

بدأ أنس يسير بتمهل حول صلاح، وكأنه يفكر معه بصوت عالٍ

=طب اهدى ياباشا، اهدى وانا هجبهالك تحت رجلك.

توقفت حركة صلاح فجأة، ونظر لـأنس بنظرة مرعبة

=البت دي لازم ترجع في اسرع وقت، ولو هو فعلاً الي ليه يد، هقتله واقتلها،عمر، أنت تراجع الكاميرات بنفسك، وتشوفلي التحركات اللي حصلت في الساعة الأخيرة البت دي لو خرجت بره مصر، أنا هخلص عليك انت فاهم!

أومأ أنس بجدية وهو يداري ابتسامة نصر خلف قناع الولاء

=تؤمر يا باشا هقلبلك الدنيا وأعرفلك مين اللي اتجرأ وعمل كده بس اهدى أنت وإحنا هنجيبها هتروح فين يعني؟

تركه أنس واتجه نحو غرفة المراقبة، وهو يعلم جيداً أن الكاميرات لن تظهر شيئاً سوى ما أراد هو أن يظهره، بينما كان صلاح يغلي في مكانه، غير مدرك أن الخاين الذي يبحث عنه يقف أمامه مباشرة، ويحمل اسم أعز رجاله.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جثا جسد صبا المنهك فوق الأريكة المتهالكة، وارتمت في حضن زنوبة التي كانت تبكي لحالها، بينما انتصب جابر أمامها كجدار من الغل، يضرب كفاً بكف ويزمجر بصوت زلزل جدران الغرفة.

=أسيب البيت أنا وخالتك كام ساعة نرجع نلاقيكي ضيعتينا وضيعتي نفسك يا بومة!

ارتفع نحيب صبا الممزوج بالشهقات، ليعاود جابر الصراخ وهو يوجه حديثه لغادة

=أعمل إيه أنا في الراجل اللي كان عايزك بت بنوت ده؟ ده أنا واخد منه لغاية دلوقتي عشر تلاف جنيه عربون أردهم منين دلوقتي يا بت المرة

رفعت صبا رأسها ببطء، ونظرت إليه بعيون غائرة يملؤها الذهول، شعرت وكأن خنجراً طعن كرامتها في مقتل، لتصرخ بصوت مبحوح من كثرة البكاء

=هو ده كل اللي همك؟ الفلوس؟! مش همك شرفي اللي ضاع؟ مش همك إني اتكسرت؟

انفجرت ضحكة جابر الساخرة، ضحكة مقززة جردتها من إنسانيتها تماماً

=شرف إيه يا أم شرف؟ أنا آخر حاجة أفكر فيها هو شرفك اللي ضيعتيه، وياريتك خدتي تمنه حاجة تستحق! الشوية اللي رماهملك تحت رجلك ميكملوش خمس بواكي يا بت الفقرية! ده الراجل كان هيدفع فيكي نص مليون عشان أول مرة نص مليون يا غبية! مع إنك متستاهليش ربعهم!

لطمت صبا على وجهها بانهيار، وقامت تترنح وهي تصرخ في وجوههم

=ارحموني بقى ارحمونيييييي! حرام عليكم أموتلكم نفسي عشان ترتاحوا؟"

اندفعت صبا كالمجنونة نحو غرفتها، وتبعتها زنوبة بسرعة لتغلق الباب خلفهما.

ساد صمت ثقيل في الصالة، قطعه صوت غادة وهي تتحسر بصوت مسموع

=هنعمل إيه دلوقتي يا جابر؟ السبوبة الكبيرة طارت، والراجل مش هيسكت على فلوسه.

زفر جابر غضبه في الهواء وهو يمسح وجهه بعنف

=معرفش يا غادة بت أختك ضيعت مننا ملايين! البومة دي كانت هتدخلنا نص مليون في ليلة واحدة، تخيلي بقى في كل مرة بعد كدة كان هيحصل إيه!

سكنت ملامح غادة فجأة، وارتسمت على وجهها نظرة شيطانية، ثم مالت على أذن جابر وقالت بخبث تقشعر له الأبدان

=جاتلي فكرة عملية صغيرة ترجعها بت بنوت زي ما كانت، ولا من شاف ولا من دري.

اتسعت عينا جابر بدهشة تحولت سريعاً إلى سعادة شيطانية

=يابن الشياطين! الفكرة دي كانت رايحة من دماغي فين؟ بس أنتي تعرفي حد مضمون يعملها وما يفتحش بقه؟

جلست غادة تعتدل في جلستها بغرور

=عندي اللي يبيع نفسه عشان الفلوس متقلقش أنتي ناسي الدكتور اللي كنا بنوديله البنات زمان عشان نقول للرجالة إنها أول مرة ويدفعوا أكتر؟ هنوديها عنده هي ساعة زمن وترجع فابريكا.

=بس هي هترضي؟

=ترضى ولا مترضاش غصب عن عين أبوها! مش كفاية هنعملها العملية بفلوسنا ونستر عليها عشان نعرف نستر نفسنا؟

خلف الباب الموصد، كانت صبا ملقاة في حضن زنوبة، والدموع تحفر أخاديد على وجهها الشاحب، وصوتها يخرج ممزقاً من أثر الخيبة.

=خد مني الحاجة الوحيدة اللي كانت فاضلالي يا زنوبة خدها ورمالي تمنها كأني ماليش قيمة.

تنهدت زنوبة بمرارة وهي تمسد على شعرها

=اهدي يا صبا اهدي يا حبيبي وخلينا نفكر بعقل، الوجع مش هيرجع اللي راح.

=أنا كنت مستنية اليوم ده معاه كنت صاينة نفسي علشانه، حفظت على شرفي عشانه هو بس! مكنتش عايزاه ياخده مني كدة يا زنوبة مكنتش عايزاه يشوفني رخيصة. ده كسرني كسرني أوي أوي حسسني إني مجرد ليلة وخلصت أنا كنت بشوف فيه الأمان، أتاريه كان هو السكينة اللي هتذبحني.

قبلتها زنوبه،وهي تقول بحب

=معاش ولا كان الي يكسرك ياحبيبتي، متقوليش كده

=لا هو كسرني يا زنوبة، كسرني لما خد الي هو عايزه ورماني، كسرني لما عاملني معالمة اي واحدة وسخة بتفتح رجليها لكل راجل شوية

شعرت زنوبة بالخجل والحزن من حديثها، لتتحدث صبا سريعاً

=زنوبة متزعليش مني انا اسفة، انا مش قصدي عليكي، انا عارفة ظروفك، عارفة انها مش بأيدك زي ماهي مش بأيدي.

ازالت زنوبة دموعها، وهي تقول بإبتسامة كاذبة

=سيبك مني، انا كويسه، قوليلي انتِ هتعملي ايه

نظرت صبا امامها بقسوه، وهي تقول بغضب

=هفضحة، وحياة كل ذرة حب جوايا الي اتحولت لكره لهفضحه يا زنوبة، مش بس هبلغ عنه لا، انا هفضحه في كل حته، هخليه يشوف جبروت الست الي تكره بعد ما كانت بتعشق

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

دخلت حليمة ردهة القسم بخطوات واثقة، يجلجل صوت كعب حذائها العالي فوق البلاط البارد، وخلفها يسير الشاب ببرود مستفز يضع يديه في جيوبه وكأن الحادث لا يعنيه.

وبمجرد أن أذن لهما العسكري بالدخول، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع ضابط يرتدي بذلته الميري بهيبة صارمة.

توقفت نظرات الضابط ونيس فوق وجه حليمة لثوانٍ طالت، كانت ملامحها مألوفة لديه بشكل أثار ريبته، ظل يفتش في دفاتر ذاكرته حتى لاحت له صورة من مشاجرة حامية أمام منزلها.

فتحدث بدهشة وابتسامة مريبة

= هو إنتي؟

رمقته حليمة بنظرة مستنكرة، ترفعت بحاجبها وهي تتفحص ملامحه الجادة خلف مكتبه.

=إنت تعرفني؟

نهض ونيس من خلف مكتبه، والتف حوله ببطء حتى وقف أمامها مباشرة، متجاهلاً وجود الشاب تماماً، وقال بنبرة تحمل ذكريات صدام قديم

=أنا ونيس أبو ملك صاحبة حسن ابنك.

اتسعت عينا حليمة وتذكرت فوراً ملامح الرجل الذي تشاجر معها سابقا، لترتسم على وجهها علامات الغيظ

=هو إنت؟ أه طبعاً افتكرت هو اليوم باين من أوله!

ابتسم ونيس بقسوة، وابتسامته لم تكن تحمل أي ود، ثم التفت فجأة نحو الشاب الواقف خلفها، وسأله بنبرة رسمية جافة

ها جايين في إيه؟

حاول الشاب تقمص دور الضحية، فأنزل كتفيه ورسم نظرة صعبنيات متقنة وهو يشير لسيارته المحطمة في الخارج

خبطتني يا باشا بعربيتها  الكبيرة دي، وكسرتلي ضهر العربية كله ونازلة كمان تطول لسانها عليا وتشتمني

لم تتمالك حليمة أعصابها، فانتفضت تصرخ في وجهه بغضب عارم

كداب! إنت اللي وقفت مرة واحدة قدامي في نص الطريق السريع طبيعي اخبط فيك! إنت اللي غلطان!

هنا، فقد ونيس صبره، فهبط بيده بقوة فوق سطح المكتب الخشبي، ليصدر دوياً جعل الجميع يصمت فجأة.

=بسسسس! إيه إحنا قاعدين في سوق؟ إنتي فاكرة نفسك فين يا مدام؟ وإنت يا أستاذ الزم حدودك في الكلام!

ساد الصمت لثانية، قبل أن يكمل ونيس وهو ينظر لحليمة بتحدٍ

الموضوع بسيط إحنا هنعمل محضر، ومعاينة، وهتتحولوا للنيابة بكرة الصبح لو مخلصتوش ودي.

ساد صمت ثقيل بعد تهديد ونيس الصريح بالنيابة والحجز، تلاقت نظرات الشاب المذعورة بنظرات حليمة التي حاولت جاهدة الحفاظ على قناع البرود رغم دقات قلبها المتسارعة خوفاً من المبيت في ذلك المكان.

تحدث الشاب بنبرة مرتجفة، متنازلاً عن دور الضحية الذي لعبه منذ قليل

=لا لا حبس ونيابة إيه يا باشا؟ خلاص أنا متنازل الفدا في الحديد، مش عايز محاضر ولا عايز حاجة، أنا متنازل يا فندم!

رمقته حليمة بنظرة استعلاء، ثم وضعت قدماً فوق الأخرى وهي تعدل من وضع حقيبتها الفاخرة، وقالت بكبرياء مصطنع لتداري اضطرابها

=تمام وأنا كمان متنازلة، محصلش حاجة أصلاً عشان نضيع وقتنا في محاضر.

شعر ونيس بنفور شديد من نبرتها المتعالية؛ فغرورها أعاد له ذكريات مريرة مع شخصيات تشبهها في التسلط.

زفر بضيق ونظر إليهما بصرامة وقاحة

=تمام طالما اتصافيتوا يبقى وجودكم هنا ملهوش أي لازمة، تقدروا تمشوا.

لم ينتظر الشاب كلمة أخرى، بل اندفع نحو الخارج وكأنه نجا من حبل المشنقة.

أما حليمة، فعدلت هندامها وتحركت بخيلاء نحو الباب، لكنها تسمرت في مكانها حين أتاها صوت ونيس الساخر من خلفها

=مبلاش الغرور اللي مش لايق عليكي ده يا مدام؟

التفتت إليه بصدمة ذهلتها عن الكلام، واتسعت عيناها وهي تسأله باستنكار

=نعم؟ إنت بتقول إيه؟

تقدم ونيس خطوتين والشرر يتطاير من عينيه، وقال بغضب مكتوم

=لا أنا مبكررش كلامي مرتين، وأنا متأكد إنك سمعتيه كويس، فبلاش ترسمي الحبتين دول عليا دي حركات لآموخذة الناس الجعانة اللي بتمسك فلوس بعد شوقة، فبتعمل في الناس اللي كان بيحصل فيها زمان!

شهقت حليمة وكأن صاعقة أصابتها، لكنه لم يعطها فرصة للرد، بل أكمل بلهجة قاسية كالجلد

=مش عشان اتداس عليكي بالجزم زمان، تقومي تدوسي على الناس دلوقتي.

انفجرت "حليمة" بصراخ جريح غطى على شعورها بالانكسار:
"إنت اتجننت يا بني آدم إنت؟ إنت إزاي تكلمني كده؟

= انا اتكلم زي ما انا عايز ياروح امك إنتي في قسم، يعني بكلمة واحدة أقدر أحبسك دلوقتي ، بس أنا بنصحك نصيحة لوجه الله بلاش تتكبري، يمكن اللي بتتكبري عليهم دول تحتاجيهم في يوم من الأيام.

ظل ونيس ثابتاً، ينظر إليها بشفقة جردتها من كل جبروتها، بينما كانت أنفاسها تتلاحق ومشاعرها تتخبط بين الغضب العارم والرغبة في البكاء من صدق كلماته التي لمست جرحاً دفيناً داخلها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تقف في المطبخ، والبهجة تراقص ملامحها لأول مرة منذ خمسة أشهر؛ فمنذ رحيل والدها، هجرت المطبخ والطبخ.

كانت رائحة الطعام الشهي تملأ الأرجاء، بينما تصدح أغنية حالة حب لإليسا، وهي تدندن معها بانسجام وتتمايل بخصرها مع الأنغام وهي تقلب القدر.

فجأة، شعرت بذراعين قويتين تحاوطان خصرها من الخلف، فشهقت بصدمة أوقفت دقات قلبها للحظة، قبل أن يهمس أنس في أذنها بصوت يقطر عشقاً وخبثاً

=مش عارف إيه أحلى من التاني ريحة الأكل، ولا صوتك، ولا جسمك الفاير اللي بيتهز قدامي ده؟

التفتت إليه غدران ووجهها يشتعل حمرة، وقالت بلهجة لوم رقيقة

=حرام عليك يا عمر وقفت قلبي!

أحكم قبضته عليها وجذبها نحوه حتى تلاقت أنظارهما، ومرر يده على جسده بجرأة وهو يقول بوقاحة محببة

=وإنتي وقفتي حاجة تانية يا قلب عمر..

أغمضت عينيها بخجل، وحاولت الابتعاد عنه بتوتر وهي تقول

=عمر عمر مينفعش كده، إحنا مش متجوزين وكفاية اللي حصل قبل كده.

زفر أنس بغضب مكتوم وهو يهز رأسه، ثم انحنى على وجهها هامساً

=يعني لما أكتب عليكي مش هتقولي لا؟

أومأت برأسها بخجل شديد، ليبتسم أنس بنصر وقال

=يبقى جهزي نفسك يا طري ساعة زمن بالكتير وأرجعلك بالمأذون.

استدار ليغادر، لكن صدمتها أوقفته وهي تهتف باستغراب

=استنى يا عمر! أنت اتجننت؟ رايح فين ومأذون إيه؟

رفع حاجبيه بدهشة

=إنتي مش عايزة تتجوزيني؟

ردت بتوتر

=لا طبعاً يا حبيبي عايزة بس هنتجوز إزاي وسط الظروف دي؟ ولوحدنا من غير أهلي ولا أهلك؟

اشتعلت عيناه بغضب طفيف وهو يقول بحدة

=ينعل ميتين أم أي ظروف! وبعدين يا حبيبي موضوع أهلي أنا فهمتك إننا هنعدي المشاكل اللي حولينا الأول وهعرفهم وكمان متنسيش إن أنا لسه شغال عند صلاح عشان ميشكش في إنك معايا.

انقبض قلبها بخوف وقالت بقلق

=كل ما بتنزل عشان تروحله قلبي بيتقطع عليك يا عمر.

ضحك أنس بخبث، وانحنى يقبل موضع قلبها من فوق ثيابها وهو يهمس

=سلامة قلبك يا طري متقلقيش على حبيبك، حبيبك يهدلك الدنيا كلها تحت رجلك.

ابتسمت بحب وطبعت قبلة سريعة على شفتيه، فابتعد عنها وهو يستغفر بصوت عالٍ ويتجه للباب

=يارب يارب صبرني الساعتين دول يا طري عشان مدخلش قبل كتب الكتاب يارب!

تعالت ضحكاتها، فالتفت إليها متوعداً

=اضحكي اضحكي! عليّ الحرام ماهيعدي الليل غير وإنتي بتصوتي عشان حد يلحقك من تحت مني!

تحدثت غدران بصراخ خجول

=عمرررر بس بقى الله!

فتح الباب وقال بسخرية وهو يغمز لها

=عمر هيقطعك حتة حتة يا قلب عمر بس أرجعلك آه، فيه فستان فوق كنت مجهزة لليوم ده، هتلاقيه في الدولاب لونه أبيض ومعاه طرحته البسيه مع الطرحة يا غدران، إنتي فاهمة؟

تحدثت غدران بسعادة عارمة فستان فرح؟!

أومأ لها وهو يرسل لها قبلة في الهواء

=آه يا طري فستان فرح اطلعي بقى جهزي نفسك واستنيني.

كاد يخرج، فنادته بدلال أنثوي أوقفه في مكانه

=عمووري
1

تسمر مكانه ورآها تقترب منه حتى تعلقت برقبه، وهمست أمام شفتيه

=ممكن أطلب منك طلب؟

حاوط خصرها بتملك وقال

=لو طلبك ده هيوصلنا للسرير يلا بينا.

ضحكت بخبث وقالت

=تؤتؤ مش السرير يا عموري أنا بس عايزاك لو ينفع تخلي معتز يكون شاهد على جوازنا.

في لحظة، تحولت ملامحه للغضب من ذكر اسم رجل آخر، فأنقض على شفتيها بقبلة عنيفة حتى أدمى طرفها، فصرخت ألما، ليفصل القبلة ويقول بفحيح غاضب

=هو مش أنا قولت لميتين أمك متجبيش اسم أي دكر على لسانك؟

لمست شفتيها بألم وقالت بدموع

=حرام عليك يا عمر كل شوية تعورهم، ارحمني!

حاول الابتعاد لكنها حاوطت وجهه ثانية وقالت برجاء

=يا حبيبي معتز ده أخويا ده معايا من الحضانة يا عمر، بالله عليك يا حبيبي لتكمل فرحتي وتجيبه.

تحدث أنس بغيرة

=متتعدلي يا مَرة! فرحتك إيه اللي تكمل براجل غيري؟

=فرحتي هتكمل وأنا في حضنك لما أبقى على اسمك يا حبيبي بس بالله عليك عشان خاطري يا عمووري.

انصهر أنس أمام دلالها، فزفر بغضب وهو يضع شروطه

=ولا سلام ولا كلام! وهتقعدي بعيد عنه يجي عشرين متر تشوفيه من بعيد بس، فاهمة؟

قفزت بفرح وهي تصرخ

=بحبك بحبك!

عض أنس شفته السفليه وهو ينظر إليها بخبث

=أوووف أرجع بس وأنططك أنا بطريقتي هاتي ميتين أمه منين ده؟

ابتسمت بحب وأعطته العنوان، ليغادر وهو يخطط لليلة لن تنساها أبداً.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
اقتحمت صبا ممر القسم الضيق بخطوات مرتجفة، كانت تشعر بأن الجدران تطبق على أنفاسها، وأن نظرات العساكر والمخبرين تخترق جسدها كأنها عارية تماماً.

كانت يداها ترتعشان لدرجة أنها لم تستطع إحكام قبضة يدها على حقيبتها الصغيرة، ووجهها الشاحب كان يغزوه عرق بارد رغم برودة الجو.

وقفت أمام مكتب الضابط، الذي كان منكباً على بعض الأوراق، ولم تجرؤ حتى على النطق، حتى رفع عينيه بحدة ورمقها بنظرة فاحصة لاحظت من خلالها انكساراً فاق كل وصف.

=ادخلي يا آنسة واقفة بعيد ليه؟ تعالي قولي شكوتك.

تقدمت صبا ببطء، وجلست على طرف الكرسي وكأنها مستعدة للهرب في أي لحظة.

ابتلعت ريقها الذي جف في حلقها، وحاولت جاهدة إخراج صوتها الذي خرج ممزقاً ومرتعشاً

=عايزة عايزة أعمل محضر يا باشا.

نظر إليها الظابط باهتمام، وترك القلم من يده، مائلاً بجسده للأمام قليلاً ليشجعها على الحديث

محضر إيه يا بنتي؟ حد سرقك؟ حد اتعرضلك في الشارع؟

أغمضت صبا عينيها بقوة، وكأنها تحاول استجماع شجاعة لم تعد تملكها، ثم انهمرت الدموع من عينيها بغزارة وهي تهمس بكلمات زلزلت هدوء الغرفة

عايزة أعمل محضر اغتصاب حاتم المرسي اغتصبني يا باشا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
هناك صرخات لا يسمعها البشر، لكنها تترك ندوباً في الروح لا تمحى. في ليلة واحدة، سقطت الأقنعة؛ فالذي ظنناه ملاكاً حارساً لم يكن إلا ذئباً يرتدي ثوب النجاة فلا تثق في يدٍ مُدت إليك في الظلام، فربما كانت هي نفسها اليد التي أطفأت النور.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

ارتجفت مفاصل رأفت حين وقع الاسم على أذنيه، وكأن صبا ألقت في وجهه قنبلة موقوتة.

اتسعت عيناه بذهول امتزج بالرعب وهو يتمتم

- حاتم المرسي؟ صاحب إمبراطورية شركات المرسي؟
+

أومأت صبا برأسها في انكسار، فازداد شحوبه وتقدم نحوها خطوة وهو يهتف بشك

- أنتي متأكدة من اللي بتقوليه ده يا بت أنتي؟ أنتي عارفة الاسم ده معناه إيه؟

انفجرت صبا في نوبة بكاء مريرة، وشهقاتها تقطع أنفاسها وهي تؤكد بمرارة

والله هو والله ما بتبلى عليه.

وقف رأفت أمامها مباشرة، ملامحه تتصلب بغضب مكتوم وتوتر واضح، ثم رمقها بنظرة فاحصة من الأعلى إلى الأسفل وقال بنبرة مسمومة بالتريقة

- وأنا إيش يضمن لي إنك مش جاية تتبلي عليه؟ واحد بمركزه وشهرته ونفوذه واعذريني يعني، فرق المستوى بينكم يخلي أي حد يقول إنك بتلفقي له قضية علشان قرشين!

انفجرت الصرخة من أعماق قلبها المقهور

- ما هو فرق المستوى ده هو اللي خلاه يعمل كده! هو اللي خلاه يفتكر إني حتة لحمة مالهاش صاحب فينهش فيها ويرميها أنا مش هوسخ سمعتي وأجيب لنفسي الفضيحة!

زفر رأفت بضيق، وحاول أن يستعيد وقاره كضابط، فسألها بخشونة

-اغتصبك فين وإمتى؟
تعلثمت صبا، وجال في خاطرها طيف الكباريه الذي سيسلبها آخر ذرة تعاطف، فقالت بوجل

- كـ.. كان جاي مع صحابه بيتنا معرفة قديمة مع جوز خالتي، ولما مالقاش حد موجود هجم عليا.

ضيق رأفت عينيه، ونبرة الشك تزداد في صوته

- يغتصبك في بيتك؟ وصحابه راحوا فين؟ اتبخروا؟

ابتلعت ريقها المر، والارتباك ينهش ملامحها

- لا أنا قولت لهم إن خالتي وجوزها بايتين بره، فمشوا بس هو رجع تاني لوحده، واغتصبني ومشي النهاردة الصبح.

صمت رأفت للحظات، ونظراته تقول بوضوح إنه لا يصدق حرفاً، فصرخت صبا بجنون وهي تنهار تماماً

- أنا مش كدابة! والله العظيم ما كدابة! لو مش مصدقني شوف!

وبحركة يائسة، جذبت مقدمة عباءتها بعنف لتكشف عن صدرها، فتراجع رأفت بصدمة حين رأى الجسد المشوه بآثار أنياب وحش بشري.

سارعت صبا بإغلاق ثوبها وهي تنكمش على الكرسي بنحيب يقطع القلب.

جلس رأفت أمامها بقلة حيلة، وقال بنبرة هادئة هذه المرة

- بصي يا بنتي أنتي شكلك بنت حلال ومش قد الناس دي. المرسي دول وحوش السوق، وحاتم ده بالذات مابيرحمش مش هتعرفي تاخدي منه حق ولا باطل، وهتطلعي أنتي الخسرانة في الآخر.

قالت بغضب مشتعل وسط دموعها

- يعني أسكت؟ أسيبه يكسرني ويمشي يكمل حياته عادي وأنا أموت كل يوم؟

رد بنصح بارد

_في كل الأحوال، حقك مش هيرجع منه.

انتفضت صبا واقفة بكرامة جريحة

- أنا عايزة أعمل المحضر حقي يرجع أو ما يرجعش، دي حاجة تخصني أنا!

زفر رأفت بضيق، ثم نهض قائلاً

_طيب تعالي ورايا.

تبعته وهي تسأل بحيرة

_إحنا رايحين فين؟

أجابها بصرامة دون أن يلتفت

_للمقدم حرب هو اللي يقدر يشيل الليلة دي، أصل عيلة المرسي حبايبه قوي.

اقتحم رأفت المكتب، فقفزت فتاة تدعى سوسو مبتعدة عن المقدم حرب، وهي تحاول لملمة فستانها الفاضح.

صاح حرب بغضب وهو يضبط هندامه

-الله يخربيت امك يا رأفت! إيه دخلة المخبرين دي يا ابني؟

رد رأفت بضحكة ساخرة مريرة

- الله يخرب بيت أمك إنت يا ابن المرة! شاقط سوسو من الحجز وفي المكتب عيني عينك!

غمز له حرب بوقاحة باردة

- بروق على نفسي يا صاحبي يومين مابين الأقسام والمحاضر، مفيش رحمة؟

ثم نادى على العسكري ليأخذ سوسو التي مرت بجانب صبا، ورمقتها بنظرة خبيثة وهي تضحك بوقاحة

- منورة يا حلوة أول مرة ولا إيه؟

تجمدت صبا في مكانها من شدة القرف، بينما كان رأفت يقول لحرب

- جبتلك حد من طرف حبيبك

وثف خاتم من مجلسه، وهو يرفع بنطاله، وهو يقول بسخريه

_حبايب مين انا حبايبي كتير

حاتم المرسي،اغتصب البت دي .

توقفت حركة حرب تماماً وهو يربط حزامه، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة مشوبة بالغضب وهو يهمس

- المرسي؟

ثم نقل بصره إلى صبا بوقاحة لم تخفِ إعجابه بجسدها

_والله يا جدعان عنده حق الفرس يستاهل!

شهقت صبا وتراجعت للخلف بذعر، فنهره رأفت بحدة

- حرب، احترم نفسك! أنا جبتهالك عشان عارف اللي بينك وبينهم فبلاش استظراف.

لوح حرب بيده ببرود وهو يشعل ده سجارة

- خلاص يا عم روح أنت ريحه وسيبها لي، أنا هعرف أحقق معاها كويس.

رأفت بغضب:

أريحه فين يا هايج أنت؟ اعدل لسانك بس هقول إيه، اللي يتربى مع عز الشايب وزياد لازم يطلع كده.
2

خرج رأفت، فتمسكت صبا بذراعه برعب

_متسبنيش معاه!

ضحك رأفت وهو ينصرف

_ماتخافيش ده بتاع نسوان أه، بس مالهوش في الغصب.

تركها ورحل، لتبقى صبا وجهاً لوجه مع ذئب آخر ببدلة ميري.

نظر إليها حرب بنظرة غامضة، ثم أشار للكرسي بهدوء مخيف

- اقعدي يا قطة ما تقلقيش، مابعضش أنا. احكيلي بقى بالتفصيل حاتم عمل فيكي إيه بالظبط؟

جلست صبا على طرف الكرسي، جسدها يرتجف كعصفور بلله المطر، بينما استند حرب بظهره إلى مقعده الجلدي الضخم، ينفث دخان سيجارته ببطء وهو يراقبها بنظرات صقر يحلل فريسته.

ساد الصمت لثوانٍ كانت بالنسبة لصبا دهرًا، قطعها حرب بصوته الرخيم الذي يحمل نبرة مستهزئة

- ها قوليلي بقى، حاتم باشا عمل فيكي إيه؟ بس ركزي في كل كلمة، عشان الاسم اللي نطقتيه ده كفيل يوديكي ورا الشمس لو ثبت إنك بتألفي.

بلعت صبا ريقها بصعوبة، وقالت بصوت متهدج

- والله ما بألف هو جه البيت، لجوز خالتي بس استغل إني لوحدي، و واغتصبني.

مال حرب بجسده للأمام، ووضع السيجارة في المنفضة، ثم شبك أصابعه أمام وجهه وقال ببرود

- بيتكم ده فين؟ وفي أي منطقة؟ وشغال إيه جوز خالتك اللي حاتم المرسي شخصياً يجيله لحد البيت عشان معرفة قديمة؟

ارتبكت صبا، وشعرت أن أنفاسها تضيق

- جوز خالتي هو هو كان شغال في المعمار، وكان بيورد رمل وزلط لشركاتهم زمان.

رفع حرب حاجبًا واحدًا بسخرية لاذعة

- ياسلام؟ زلط ولا مخدرات ياروح امك؟

بدأت الدموع تترقرق في عينيها من جديد وهي تشهق بصدمه

_مخدرات!

_ايه جوز خالتك شغال معاهم في المخدرات؟

- لالا قسما بالله، احنا ملناش دعوه بيهم، احنا في حالنا، أنا ماليش ذنب في اللي حصل! هو اللي جه وهو اللي هجم عليا!

وقف حرب فجأة، ودار حول المكتب حتى وقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها شمّت رائحة سجائره وعطره القوي.

انحنى بمستواها وقال بهدوء مخيف

- بصي يا شاطرة أنا وحاتم ما وراناش غير بعض، وبيني وبينه حسابات قديمة وتار بايت،يعني لو كلامك ده صح، أنتي هتبقي هدية من السما ونزلتلي عشان أكسره بيها بس لو كدابة، أو جاية من طرف حد تاني يزقك عليه، قسماً بالله ما هرحمك وهخليكي تتمنى الموت وما تلاقيهوش.

ارتعبت صبا من تهديده، وصاحت بقهر

- أنا لا تبع حد ولا أعرف حساباتكم! أنا واحدة شرفها ضاع، وجاية أطلب حقي من الحكومة لو الحكومة مش هتنصفني، قولولي أمشي!

نظر حرب لآثار العنف التي كانت تداريها بعباءتها، تلك العلامات الزرقاء على عنقها، ثم قال بلهجة غامضة

- الحكومة بتنصف اللي معاه الحق ياحلوه المحضر هيتعمل، وهتتحولي للطب الشرعي حالاً بس خليكي فاهمة، لو الطب الشرعي قال إن فيه رضا منك ، أو إن الكلام ده متألف، أنا أول واحد هرميكي في الحجز.

انتفضت صبا من مكانها وقالت بإصرار

موافقة وديني للطب الشرعي، وديني لأي حتة بس المهم حاتم المرسي يتحبس!

ابتسم حرب ابتسامة جانبية باردة، ورفع سماعة التليفون ونادى على العسكري الذي سيأخذها، ووضع السماعة ونظر لصبا نظرة أخيرة، نظرة كانت مزيجاً من الشك والإعجاب والوعيد، وقال بصوت خفيض

- لو طلعتي صادقة يا اسمك إيه؟

ردت بصوت خافت

_صبا.

_لو طلعتي صادقة يا صبا أوعدك ان حاتم المرسي هيقضي الي باقي من حياته هنا!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان معتز يقف أمام مرآة الصالة يظبط ياقة قميصه، حين زلزل جرس الباب هدوء منزله بضربات متتالية توحي بمصيبة.

زفر بضيق وذهب ليفتح

- مين يا اللي بتخبط كده؟ ما تستنى ياعم انت

فتح الباب، ليجد أمامه كتلة من الغضب المتجسد في رجل لا يعرفه، كان أنس يقف بعينين تشتعلان شراراً، وبمجرد أن وقع بصره على معتز سأله بصوت كالفحيح

- أنت معتز الفاروق؟

رد معتز بدهشة

_أيوه أنا أنت مين؟

لم يتلقَّ رداً بالكلمات، بل وجد يداً قوية كالفولاذ تطبق على ياقة قميصه وتسحبه بعنف للخارج.

_انت لسه هتسأل ياروح امك

صرخ معتز وهو يحاول التملص

_يا عم أنت يا مجنون! أنت واخدني فين؟ سيب الهدوم هتتقطع!

لم يلتفت أنس، بل استمر في سحبه، حتى وصل إلى سيارته الضخمة، وفتح الباب الخلفي وقذفه بداخلها بقوة.

ارتمى معتز فوق المقعد ليجد بجانبه رجلاً عجوزاً يرتدي جبه وقفطاناً، يجلس منكمشاً على نفسه ويرتجف رعباً.

نظر معتز للمأذون بذهول وسأله بصوت واطئ

- هو أنت كمان مخطوف؟ هو فيه إيه بالظبط؟

ثم صرخ في أنس الذي كان يهم بركوب مقعد القيادة

- يا عم أنت فهمني واخدنا على فين؟ أنا عايز أفهم!

استدار أنس في مقعده، وأخرج سلاحه ببطء وبرود مرعب، وصوبه نحو جبهة معتز قائلاً

- عليا الحرام كلمة كمان وهصفي نفوخك هنا. أنا أساساً مش طايقك، فـ ابلع لسانك ده بدل ما أقطعهولك!

بلع معتز ريقه بصوت مسموع، وانكمش في حضن المأذون الذي كان يتمتم بالمعوذات، وأطبق معتز شفتيه تماماً وهو يرتعد.
1

أخرج أنس هاتفه، وضغط أرقاماً بسرعة، وما إن جاءه الرد حتى صرخ بغضب مكتوم

- عليا الحرام يا ابن المرة لو ما جيت تشهد على جوازي دلوقتي، لهطلع سديهاتك كلها قدام مراتك، ياع*ص وهات عز الوسخ معاك تيجوا على شقة الزمالك اللي كنا بنسهر فيها قدامكم عشر دقايق!

أغلق السكة بعنف، وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية شقت سكون الشارع.

ساد صمت مميت داخل السيارة، لم يقطعه إلا صوت أنفاس المأذون اللاهثة، حتى تشجع معتز وقال بصوت مرتعش يحاول استعطافه

- يا بشا هو حضرتك عايزني في إيه طيب؟ أصل فيه مأذون، وأنت لسه طالب اتنين شهود فأنا دماغي بتروح لحتة ما ينفعش تروحها خالص يعني.

نظر إليه أنس عبر مرآة السيارة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خبث شيطانية، وقال بنبرة هادئة مرعبة

- جهز نفسك يا عروسة إنت عندك حق، أنا دخلتي النهاردة!

اتسعت عينا معتز بصدمة، وبحركة تلقائية وضع يديه على بنطاله يحميه بذعر، وفتح فمه ليصرخ ويعترض، لكنه توقف تماماً حين سمع صوت تكة شد زناد السلاح الذي رفعه أنس مرة أخرى ببرود.

صمت معتز فوراً، ونظر للمأذون ببيأس وهو يهمس

_هي الحاجات دي مش كت حرام ولا ايه

نظر له المأذون بقلة حيلة، ليقول معتز ببكاء ذائف
1

_هو انت صم وبكم ولا انت الصدمه خرستك ولا ايه، طب اقرالنا الفاتحة لغاية لما نوصل
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتح حاتم عينيه ببطء، والصداع ينهش رأسه كالمسامير.
3

شعر بوجود بجانبه، التفت ليجد تلك الفتاة التي لا يتذكر حتى اسمها، نائمة بجواره عارية تماماً، ترتسم على وجهها ابتسامة نصر بلهاء.

زفر بغضب وقرف، ودفعها من كتفها بخشونة وهو يصيح

- أنتي! قومي فزي مسمعتيش؟

تمطعت بدلال وهي تفتح عينيها قائلة بصوت نعس

_صباح الخير يا باشا إيه اللي صحاك بدري بس؟

لم يرد عليها، بل انتفض من السرير، ولف الفوطة حول خصره بسرعة وهو يشعر بالغضب من كل شيء حوله، فخذا المشروب اللعين الذي شربه في هذا المكان ليلة امس مازال يؤلم رأسه.

انحنى والتقط بنطاله الملقى على الأرض، وأخرج منه رزمة من الأموال، وألقاها في وجهها على السرير بمهانة وهو يقول بغضب

- خدي دول وأطلع من الحمام مشوفش وشك في الشقة، فاهمة؟

تركها مذهولة ودخل الحمام، فتح المياه الباردة لتنهمر على جسده.

لكن المياه لم تكن كافية لغسل عقله الذي بدأ فجأة يستعيد شريط الأحداث.. لم تكن أحداث هذه الفتاة، بل أحداث تلك الفتاة الأخرى صبا.

فجأة، اتسعت عيناه بصدمة تحت رذاذ الماء، وتوقف تنفسه وهو يهمس بعدم تصديق

- أنا أنا عملت إيه؟

بدأت الذكريات تنهمر عليه أقوى من انهمار الماء؛ صراخها، توسلها، رعبها في زاوية الغرفة، ثم جسده الذي كان ينهش فيها بلا رحمة.

مرر يديه على وجهه بعنف وهو يحاول تكذيب ما يراه في عقله

- لا مستحيل،انا خرفت ولا ايه

لكن الصدمة الأكبر التي شلت حركته تماماً، حين تذكر صرختها وهي تنطق اسمه بوضوح

_حاتم بالله عليك لا

تجمد مكانه وهو يمرر يده في شعره المبلل بتوتر قاتل

- كانت بتصرخ باسمي؟ يعني عارفاني؟

حاول استجماع شتات ذاكرته، أين رآها؟ هل هي من المنطقة؟ هل هي ابنة أحد يعمل عنده؟ لكن عقله كان مشوشاً تماماً.

وما أرعبه بجد، وما جعل قلبه يخفق بشدة لدرجة الألم، هو ذلك المشهد الذي تراءى له بوضوح الدماء البكاء الذي انقطع فجأة من شدة الوجع.

اتسعت عيناه برعب حقيقي وهو يتمتم بشفاه مرتجفة

- دي كانت بنت بنوت!

خرج من تحت الماء وهو ينهج وكأنه كان يغرق، وقف أمام المرآة ينظر لوجهه الذي صار غريباً عنه، وبدأت ملامح صبا تتردد أمام عينيه كطيف يطارده.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل تلك الغرفة الضيقة كانت الإضاءة البيضاء تنعكس على وجه صبا الشاحب، وكأنها تسلط الضوء على عارٍ لم تكن هي صانعته.

أشارت لها الطبيبة ببرود اعتادته سنوات العمل

- اطلعي على سرير الكشف يا بنتي فكي العباية، وافتحي رجلك واسترخي متقلقيش

شعرت صبا أن الكلمة الأخيرة هي سخرية مريرة من وضعها.

كيف تسترخي وهي تشعر أن جسدها كله أصبح مسرحاً للجريمة؟ صعدت فوق السرير المعدني البارد، الذي أرسلت برودته رعشة قاسية في عمودها الفقري.

عندما بدأت الطبيبة في إجراءات الكشف الموضعي، أغمضت صبا عينيها بقوة، وكأنها تحاول الهروب لداخل رأسها، بعيداً عن يدي الطبيبة التي كانت تتحرك بدقة مهنية تفتقر لأي لمسة حنو.

انهمرت الدموع من زوايا عينيها، صامتة ومحترقة، وهي تشعر بانتهاك جديد، لكنه هذه المرة باسم القانون.

شعرت بقهر لا يوصف؛ فمنذ ساعات قليلة كان هناك وحش ينهش هذا الجسد، والآن هناك أدوات طبية باردة تفتش في بقاياه لتثبت للدنيا أنها ضحية.
_مش مصدقه ان كل ده بيحصلي بسببك، ده انا كنت مستعدة اعيش تحت رجلك! فتحت رجلي، وبقيت في المكان ده بسببك.

تمتمت صبا بصوت مبحوح وهي لا تزال مغمضة العينين

توقفت يد الطبيبة للحظة، ونظرت لوجه صبا المنكمش، رأت شفة صبا السفلى وهي ترتجف بعنف، فقالت بنبرة أخف حدة قليلاً.

- معلش يا صبا خلاص قربنا نخلص،انا عارفة ان الوضع صعب،بس ان شاء الله هتخدي حقك

قالت صبا بقهر من بين أسنانها

- حقي؟ هو أنا لسه ليا حق؟ أنا جثتــي هي اللي بتكشفوا عليها دلوقتي. أنا اتدفنت خلاص يا دكتورة.

في تلك اللحظة، كانت الطبيبة تأخذ العيانات الأخيرة، وصبا تشعر بكل حركة وكأنها خنجر يغرس في روحها.

لم تكن تشعر بالألم الجسدي بقدر ما كانت تشعر بـ العري النفسي.

كانت تتخيل نظرات الناس، ونظرة حاتم الذي كان في يوم حبيبها، ومالك فؤدها، وحتى نظرة الظابط حرب الذي كان يراها مجرد وسيلة لينتقم من عدوه.

انتهى الكشف، فجذبت صبا ملابسها بسرعة جنونية، وكأنها تحاول استعادة سترها المفقود.

جلست على طرف السرير، وضمت قدميها لصدرها وهي تجهش بالبكاء بصوت مسموع هذه المرة، بكاءً كان يخرج من أعماق روح محطمة.

قالت الطبيبة وهي تدون في تقريرها بخط سريع

- تم إثبات وجود تهتكات حادة، وكدمات ناتجة عن مقاومة عنيفة العينات هتأكد هوية الجاني.

نظرت صبا للفراغ، ومسحت دموعها بظهر يدها بخشونة، وقالت بجمود مفاجئ
1

- مش محتاجة عينات عشان أعرف مين اللي عمل كده.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت صبا من الغرفة، وخطواتها ثقيلة كأنها تجر جبالاً خلفها، لتجد حرب واقفاً في الممر، ينتظرها بابتسامة غامضة، بينما هي كانت تشعر أن العالم كله لم يعد يسع صرخة واحدة من صرخاتها.

زأر فيهم انس بقوه ليترجلوا.

نزل المأذون يلملم أطراف عبيته برعب، بينما تسمر معتز في مقعده، تلمع عيناه بذكاء ممزوج بذعر حقيقي.

زفر أنس بضيق وقرر أن يخرجه بالقوة، لكن معتز تشبث بكرسي السيارة كأن حياته معلقة به، وصاح بهستيريا

- لا مش هنزل! خد عربيتي خد محفظتي خد أي حاجة بس سيب لي شرفي يا عم أنت!
1

توقف أنس مكانه، ورمقه بنظرة خالية من التصديق وهو يتمتم

- شرف إيه يالا أنت عبيط؟ أنت صدقت نفسك؟

تمسك معتز بهدومه وهو يرتعد

- أومال جايبني شقتك ومعاك مأذون واتنين شهود ليه؟ هشطفك؟

ضحك أنس ضحكة غاشمة ساخرة، وجذبه من قفاه كأنه يقتلع شجرة

- طب تعالى يا متشطف تعالى ده أنت ليلتك بيضاه!

سحبه بالقوة وصعد به السلم ومعتز يملأ العمارة صراخا

- لااااا شرفي يا ولاد الكلب!
الحقونيييي!

ثم التفت للمأذون المذهول وصاح فيه

ما تتكلم يا حج أنت ولا أنت تكملة عدد؟ والله هتخش النار على سكوتك ده!

وصلوا للشقة، وما إن فتح أنس الباب حتى اندفعت غدران نحوه بلهفة وقلق

- عمر! في إيه؟!

توقف معتز عن الصراخ فجأة، واتسعت عيناه بصدمة وهو ينظر لغدران وكأنه يرى بعثاً من الموت

- غدران؟

لم يكد ينطق اسمها حتى تلقى لكمة قوية من أنس أطاحت برأسه جانباً، وقال أنس بفحيح غاضب

- هعديها لك عشان أول مرة اسمه يخرج من بوقك مرة كمان وهجيبلك اللي يعمل فيك اللي كنت متخيل إني هعمله، فاهم؟

ثم التفت لغدران، فتلاشت نيران غضبه وحلت مكانها نظرة انبهار؛ كانت ترتدي الفستان الأبيض الذي اختاره لها، وتضع الطرحة فوق رأسها كأنها قطعة من ضوء القمر.

اقترب منها وحاوط خصرها قائلاً بحب جارف

- ملاك نازل من السما النهاردة عشاني.
ابتسمت بخجل وقالت برقة

تؤ عروسة. عروستك ومستنية عريسها من بدري بس هو اتأخر عليها قوي.

طبع قبلة سريعة على جبينها وهمس

حقك عليا مش لاقي ولا مأذون في البلد، جبت ده بالعافية.
أومأت برضا ودلال

خلاص سامحتك.

هنا عادت وقاحة أنس تطل برأسها، فقال بخبث

تؤ شكلك لسه زعلانة.

نفت ببراءة

لا والله مش زعلانة.

دفعها ببطء نحو الحائط وهو يهمس بدلال

وأنا بقول زعلانة، وهصالحك حالاً.

مال عليها يقبلها بعمق، ناسياً العالم ومن فيه، وغدران التي ذابت بين يديه بادلته القبلة بشغف، حتى قطع تلك اللحظة صوت ساخر من خلفهم

- إيه ده؟ إحنا اتأخرنا وجينا على الدخلة ولا إيه؟

كان زياد يقف بضحكته المستفزة، وبجانبه عز الشايب، بينما كانت جمرة تقف بملامح محرجة.
2

نظر زياد للمأذون ومعتز اللذين كانا يحضنان بعضهما بذهول وهما يتابعان المشهد، فقال بسخرية

- دي دخلتين في بعض شكلها!

ضربت جمرة كتف زياد قائلة

زياد عيب هيك! الله!
4

انسحب أنس من القبلة بسرعة، واقترب من زياد يعانقه وهو يهمس في أذنه بحدة

اسمي عمر فاهم؟

رد زياد باستغراب

عمر إزاي يا ابن المرة؟ وجواز إيه ده اللي مرة واحدة ومين دي؟

أنس: هقولك بعدين.

ثم سلم على عز الذي كرر نفس السؤال بفضول.

اقتربت جمرة من غدران، وسلمت عليها قائلة بحب

ألف مبروك الله يهنيكي حبيبتي، وتكوني سعيده ديما.

عانقتها غدران بلهفة

الله يبارك فيكي أنتي سورية؟

أومأت جمرة بابتسامة، فقالت غدران بحماس
1

الله! بحب السوريين موت أنتي من النهاردة صاحبتي.

ليا الشرف أكيد نصير صحاب.

كان زياد وأنس يراقبان محبوباتهما بهوس واضح، حتى مال أنس على غدران وقال بهمس

- يلا يا طري خدي جمرة واقعدوا جوه، وأنا هجيب لك الورق تمضي عليه.

تدللت غدران

خليني معاك يا عمر.

رمقها بنظرة آمرة، فزفرت بضيق وسحبت جمرة خلفها واختفتا في الداخل.

بمجرد اختفائهما، اقترب عز وسأل

إيه بقى موضوع عـ...

قاطعه معتز الذي استجمع شجاعته واقترب من أنس بغضب

- أنت مين؟ وأنت اللي كنت خاطفها؟

أخرج أنس سجارة وأشعلها ببرود مرعب، وقال بنبرة حادة

- أنا عمر الهواري يا روح أمك ولا مش أنا اللي كنت خاطفها، أنا اللي أخدتها من اللي كان خاطفها فبلاش حمقتك دي عليها، عشان حمقتك على حاجة تخصني بتزعلني وأنا واحد دمي حامي ومحدش يتحمق على حريمي غيري فابلع ريقك واقعد على جنب!

نظر الي زياد في نهاية حديثه، وقال بغضب

_تعالي يازوز عايزك، لو معاك حاجة ياعزوز افرك عقبال ما اجي، جمال اخوك يا ابن المره مره في حياتك

سحبة الي الغرفة المجاورة، ليسحب عز معتز، وهو يقول بمزاح

_تعالي بس متقفش كده مالك

جلسو علي الاريكة، ليخرج عز الحشيش من جنب بنطاله،ليشهق المأزون بصدمه،ليقول عز باحترام ذائف

_منورنا يا مولانا، تاخد جوان؟ ولا يجبلك ذبحة احنا مش ناقصين
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرج حاتم من شقته، يشد ياقة قميصه بضيق، والصداع لا يزال يفتك برأسه.
3

كان ينوي الهروب من ذكريات ليلته السوداء، لكنه بمجرد أن فتح باب الشقة، تجمد مكانه.

أمام الباب مباشرة، وقف جيش من العساكر يتقدمهم المقدم حرب، الذي كان يستند إلى الجدار ببرود، وعلى وجهه ابتسامة صفراء وهو يقول بسخرية

- الي واحشني

زفر حاتم بضيق شديد، وغمغم بحدة

- يا بويا على دي ميتين أم اصطباحة!

ضحك حرب بتهكم وخطا خطوة لداخل الطرقة

- لا لا يا حتومة عيب، ده بدل ما ترحب بيا وتسألني تشرب إيه؟ دي أصول الضيافة برضه.

رد حاتم بغضب وعينيه تشتعلان

- معنديش سم أشربهولك أخلص يا حرب عايز إيه؟

رسم حرب على وجهه علامات التأثر المصطنعة وقال

- أبداً أصلك وحشتني، وحلمت بيك حلم خير الله ما اجعله خير، فقلت آجي تفسرهولي بنفسك.

ابتسم حاتم بسخرية لاذعة ورد ببرود

- لا من غير تفسير ولا وجع دماغ.. ابقى خد دش سخن قبل ما تنام وغطيها كويس وأنت مش هتحلم تاني.

كتفه حاتم ببرود وكان يهم بتخطيه لينصرف، لكن يد حرب القوية قبضت على ذراعه بعنف، واستحالت نبرته لصرامة مخيفة

- على فين ياحلتها؟ أنت مطلوب القبض عليك!

نفض حاتم يده بسرعة وغضب، واقترب من وجه حرب حتى تلاقت أنفاسهما، وقال بفحيح ساخر

- هو أنت يا ابني مابتشبعش؟ كل يومين تقبض عليا وأعلم عليك وأخرج

ثم مال على أذنه وهمس بنذالة يضرب بها على الوتر الحساس

- بس أنا عازرك برضه بس أنا مالي؟ مراتك هي اللي حبت حضني وارتاحت فيه حد قالك تجوعها؟

لم يتمالك حرب أعصابه، فجرت الدماء في عروقه كالبركان، واندفعت قبضته لتستقر بقوة في وجه حاتم وهو يصرخ بجنون

- يا ابن الوسـخة
1

ترنح حاتم للخلف، لكنه استعاد توازنه بسرعة ورد اللكمة لحرب بعنف أكبر وهو يزأر

- ماتجبش سيرة أمي يا ابن الع*ص

اشتبك الاثنان في معركة ضارية، قبل أن يندفع العساكر ويطبقوا على حاتم، مكتفين ذراعيه خلف ظهره بالقوة. مسح حرب الدماء عن فمه وقال بغلّ ظاهر

- نزلوه على البوكس يلا

نزل حاتم وسط حراسة مشددة، وما إن وطئت قدماه الشارع حتى أصابه الذهول؛ كان المكان يضج بعشرات الصحفيين والمصورين، وفلاشات الكاميرات تنهش وجهه من كل جانب.

نظر حاتم حوله بذهول، ثم التفت لحرب الذي كان يقف خلفه بابتسامة خبث منتصرة.

أدرك حاتم الآن أن حرب هو من استدعى الصحافة، ليجعل فضيحته تريند الساعة قبل حتى أن يصل للقسم.

صرخ أحد الصحفيين وهو يوجه الميكروفون نحو حاتم:

- حاتم بيه! إيه ردك على اتهامك باعتداء وحشي على بنت غلبانة في بيتها؟

كانت الكاميرات تسجل كل لحظة في عين حاتم التي توسعت بصدمه،فهو كان يظن ان حرب يقبض عليه بلا سبب، او بالمخدرات الذي يعزم انهم يتاحرون بها، لكنه لم يتوقع ان تكون هذه الفتاه بلغت عنه
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل الغرفة، كانت جدران المكان تشهد على دقات قلب غدران التي كادت أن تخترق صدرها من فرط التوتر.

كانت تجلس بجانب جمرة، تفرك أصابعها بارتباك شديد كطفلة تائهة.

ابتسمت جمرة برقة وحاولت ممازحتها لتخفيف حدة الموقف وقالت

- يا روحي عليكي لا تقلقي، الموضوع كلياته متل شكة الدبوس وما بياخد وقت.

أغمضت غدران عينيها بقوة وارتجفت شفاها وهي تهمس برعب

- خايفة خايفة أوي يا جمرة.

احتضنتها جمرة بحنان لتبث في روحها بعض الطمأنينة

- لا تخافي يا عمري أنتي بتحبيه مو هيك؟

أومأت غدران بخجل شديد، فابتسمت جمرة وقررت أن تخرجها من حالة الكسوف تلك بسؤال مشاكس

- طيب يا عروس، خبريني شو محضرة تلبسي اليوم؟

نظرت إليها غدران باستغراب وسألت براءة

- محضرة إيه يعني؟ مش فاهمة.

شرحت جمرة وهي تغمز لها

يعني وين الهدوم اللي رح تلبسيها بعد الفستان؟ قميص النوم مثلاً؟
1

انكمشت غدران على نفسها وقالت بخجل

- "لا مفيش ماليش أي هدوم هنا غير الفستان ده، والترنج اللي جيت بيه بس.

استغربت جمرة للحظة من وضعها، لكنها لم تطل التفكير، بل ابتسمت وقالت

- ولا يهمك بتعرفي إنك محظوظة، معي شي ينفعك؟

فتحت جمرة حقيبتها اليدوية وأخرجت منها قطعة ثياب كانت كفيلة بجعل وجه غدران يشتعل نيراناً؛ قميص نوم أحمر ناري، بظهر مكشوف تماماً عبارة عن سلاسل رقيقة، وبالكاد يستر ما يجب ستره.
2

ناولته لغدران قائلة بصدق

_تفضلي يا روحي، أنا لساتني شاريته وما لبسته ولا مرة لا تقلقي.

تلقفته غدران بيدين مرتعشتين ونظرت له بصدمة

- إيه ده؟! عمر أكيد مش هيشوفني كده مستحيل!

انفجرت جمرة بالضحك وقالت بوقاحة محببة

- ولي عليكي! لا رح يشوف، ورح يشوف أكتر من هيك كمان!

ثم ربتت على كتفها بحب وأردفت

_اليوم عرسك يعني اتمتعوا ببعض وافرحوا بليلتكن.

نظرت غدران للقميص بتوجس، بينما كانت جمرة تشجعها بإيماءة من رأسها، فزفرت غدران وقالت بقلق

- حاضر هحاول ألبسه، بس هو إيه اللي خلى القميص ده معاكي في الشنطة أصلاً؟

ضحكت جمرة بصوت مرتفع وقالت

- أصل أنا ما كنت بالبيت، أنا وزياد كنا رايحين عالفندق، لأن عندنا بالبيت حظر تجول وما بناخد راحتنا.

لم تفهم غدران قصدها تماماً، فقالت جمرة بمزاح

_موضوع طويل ما رح تفهميه هلق.

أمسكت غدران يد جمرة وقالت بحب

_أنا حبيتك أوي يا جمرة شكلك طيبة.

ردت جمرة بابتسامة دافئة

_وأنا كمان حبيتك من قلبي الله يسعدك ويرزقك بالذرية الصالحة يا رب.

دعت غدران خلفها بابتسامة، ثم سألتها بفضول

_وأنتي عندك أطفال؟

فجأة، خبت ملامح جمرة وحل الحزن محل المرح، نظرت إلى بطنها وغامت عيناها بذكريات مؤلمة حاولت جاهدة ألا تترجمها لدموع.

قطع تلك اللحظة صوت حمحمة قوية من خلف الباب، ثم طرق أنس ونادى باسمها

_غدران.

قالت غدران بصوت مرتبك

_ادخل يا عمر.

دخل أنس وبيده ورقة الزواج، وعيناه تلمعان بانتصار غريب، اقترب منها وناولها القلم

- امضي يا حبيبي يلا

نظرت غدران للورقة بفرحة طاغية، لكنها لاحظت شيئاً فاستفسرت باستغراب

- أنت لسه ممضتش ليه؟ ولا كتبت اسمك؟

رد أنس باستعجال كاذب وهو يتجنب النظر في عينيها

- ما قولت أخلصك أنتي الأول بس وبعد كده هشوف نفسي أنا يلا يا حبيبي امضي بقى خلينا نلحق نطلع للناس.

أومأت غدران بلا مبالاة، ووقعت باسمها بسرعة وهي تشعر أنها توقع على صك امتلاكها للعالم.

بمجرد أن انتهت، جذبها أنس لحضنه بقوة وهمس بحب وشوق

- هطردهم من بره وجايلك ياطري.

ضحكت غدران بخجل وهي تراه يخرج مسرعاً، بينما علقت جمرة بوقاحة وهي تلاحظ لهفة أنس

- هاد مو مستني لحتى تلبسي القميص شكله رح يخلص عليكي بالفستان!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دوى صوت صفعة قوية على وجه صلاح، جعلت رأسه يترنح جانباً.

صرخ أيمن بصوت جهوري هز أركان المكتب

- بقالك يومين يومين كاملين ما تعرفش عنها حاجة! أنت عارف ده معناه إيه يا غبي؟

وضع صلاح يده على وجنته المشتعلة، وقال بصوت يملؤه الألم واليأس

- يا عمي أنا قلبت عليها مصر كلها البت فص ملح وداب، كأن الأرض انشقت وبلعتها

رد أيمن بغضب وهو يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً

- تكون راحت للولا صاحبها أكيد هو اللي مهربها ومداريها عننا!

هز صلاح رأسه بنفي قاطع

- روحتله والولا أول ما شافني مسك في خناقي وكان هيموتني وهو اللي بيسألني عن غدران كان باين عليه قوي إنه ما يعرفش حاجة، الولا ده بره الليلة دي خالص.

ضرب أيمن بقبضته على سطح المكتب الخشبي بعنف

- هتكون راحت فين يعني؟ البت دي لازم تلاقيها، ولما تلاقيها تقتلها يا صلاح! أنت فاهم؟

اتسعت عينا صلاح برعب، لكن أيمن أكمل بفحيح مخيف

- ما ينفعش تعيش ثانية واحدة بعد كل اللي عرفته مش كفاية إنك يا غبي قولت لها على موضوع المخدرات؟ خربت بيتنا بلسانك

أطرق صلاح رأسه في الأرض يشعر بالخزي والعار، بينما استمر أيمن في تهديده بأنفاس متلاحقة

- معاك يومين يا صلاح يومين اتنين بس، لو ما جبتليش جثة البت دي، هتبقى جثتك أنت اللي مكانها مفهوم؟

ساد الصمت لثحظة قبل أن يضيف أيمن بنبرة مسمومة

- دور ورا أقرب ناس ليك الخيانة مابتيجيش غير منهم. شوف اتسطلت وبُحت لمين بمكانها وغفلك وهربها؟

وقعت كلمات أيمن على أذني صلاح كالصاعقة.

بدأ شريط الأشخاص يمر أمام عينيه، ولم يجد في نهايته سوى اسم واحد.. عمر.

لكنه سرعان ما نفض الفكرة برأسه وقال بعدم تصديق

- مفيش غير عمر اللي يعرف مكانها بس ده مستحيل! عمر ده كان هيموت نفسه عشاني

أخرج أيمن سيجارته وأشعلها ببرود، ثم نفث دخانها في وجه صلاح وقال بسخرية لاذعة

- هيموت نفسه عشانك يمكن بس لما يلاقي حتة لحمة حمراء قدامه وببلاش، يبقى يموت نفسه عشانها هي مش عشانك! ده غير الملايين اللي معاها، دي تطمع اللي ما يطمعش يا مغفل.

سكت صلاح، وبدأت شكوك عمه تتسلل إلى عقله كالأفاعي.

هل يعقل أن عمر هو من طعنه في ظهره؟ هل كانت كل تلك التضحيات مجرد تمثيلية للوصول لغدران؟ ورغم أن قلبه كان يصرخ بأن عمر لا يفعل ذلك، إلا أن غريزة البقاء بدأت تسيطر عليه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتحت صبا باب الشقة بيد ترتعش، كانت روحها محطمة وجسدها ينزف وجعاً وقهراً بعدما تركت قسم الشرطة.

لم تكد تخطو خطوة واحدة للداخل حتى وجدت غادة خالتها تقف أمامها كأنها شيطان ينتظر فريسته، وعيناها تطلقان شرراً.

دون مقدمات، هوى قلم قوي على وجه صبا، صوته رن في أرجاء الصالة الفارغة إلا من بقايا رائحة الدخان والخمور من الليلة الماضية.

صرخت صبا وهي تضع يدها على وجهها، لكن غادة لم تكتفِ، بل هجمت عليها وجذبتها من خصلات شعرها بقوة جعلت رأس صبا ينحني للخلف بألم فظيع.

لتقول غادة بصوت يملؤه الغل

_عملتي اللي في دماغك يا بنت الكلب؟ رحتي بلغتي عنه؟ فضحتينا وخربتي بيوتنا
1

صرخت صبا ببكاء مرير وهي تحاول فك قبضة خالتها

=سيبيني سيبيني يا خالتي ابعدي عني! ده دمرني اغتصبني يا خالتي، كسرني! ارحميني وسيبيني في حالي!

لكن قلوبهم كانت أشد قسوة من الحجارة. لم تتركها غادة، بل انهالت عليها بالضرب في كل مكان تطوله يدها، وهي تصرخ بغضب أعمى

-ارحمك؟ ومين يرحمنا إحنا؟ بكرة يجي يقفلنا الكباريه ويرمينا في الحبس، وناكل من الزبالة مش كفاية ضيعتي المصلحة وضيعتينا معاكي!

على صوت الصراخ والعويل، خرجت زنوبة تجري من المطبخ، ارتمت بينهما وهي تحاول سحب صبا من تحت يد غادة التي كانت تضرب بجهل وقسوة.
لتتحدث برجاء ولهفة

=خلاص يا أبلة غادة! بالله عليكي يا سيبيها هتموت في إيدك! امسحيها فيا أنا حقك عليا أنا، بس سيبي البت!

بصعوبة شديدة، استطاعت زنوبة سحب صبا التي كانت شبه فاقدة للوعي من فرط الضرب والقهر، وأدخلتها الغرفة بسرعة وهي تغلق الباب خلفهما.

ارتمت صبا على الأرض، وصوت شهقاتها يقطع القلب، وقالت بنبرة ميتة

_سيبيني يا زنوبة سيبيني تموتني وأرتاح أنا تعبت، الموت أرحم لي من العيشة دي.

من خلف الباب المغلق، جاء صوت غادة وهو يزلزل المكان بوعيد يملؤه الحقد

_هقتلك يا روح أمك ماتقلقيش! قسماً بالله العظيم لهطلع كل اللي عملتيه ده من جتتك اصبري عليا يا صبا، ما بقاش غادة إن ما خليتك تتمني الموت وما تلاقيهوش!

عانقت زنوبة صبا سريعا،وهي تسمعها تتمتم بغضب

_هو السبب، هو السبب في كل ده، بكرهه، بكرهه يارب بكرهه، اتعريت بسببه وفتحت رجلي قدام الغريب بسببه، واتزليت بسببه

بدئت في ضرب وجهها، وهي تقول بغضب

_يارتني ما شوفته، يارتني ما شوفته ولا حبيته، انا بكرهه

عانقتها زنوبه سريعا، وهي تقول ببكاء

_اهدي اهدي ياصبا،اهدي بالله عليكي ياحبيبتي، انتي هتخدي حقك منه، حقك هيرجعلك والله صدقيني.

نفت لها، وهي تقول بسخريه

_حقي في ايه بالظبط، حقي في قلبي الي قعد يحبه تلات سنين، ولا حقي في شرفي الي ضاع، ولا حقي في جسمي الي اتعرى قدام الغريب ولا حقي في الضرب الي اضربته بسببه حقي في ايه ولا ايه ولا ايه، بس تعرفي انا الغلطانه، انا الي مكنش ينفع ابص لفوق،انا بالنسباله واحده شمامه، متربيه مع رقاصه وقواد يبقى هتكون ايه اكيد بت زباله اخرها ليله وكام قرش

شعرت زنوبة بالقهر من لهجة صديقتها، لتقول ببكاء

_متقوليش كده، ده انتي احسن وانضف واحده في الدنيا كفاية انك حفظتي على نفسك

ارتفعت ضحكات صبا، وهي تقول بسخريه.

_والي حفظت على نفسي علشانه دبحني يا زنوبة
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد أن أغلقت غدران باب الغرفة خلفها، ساد الصمت للحظة قبل أن يقطعه عز وهو يمد يده بلفافة الحشيش نحو أنس، وعلى وجهه ابتسامة فخر

- خد يا عريس فخر تصنيع بلادنا، اتمزج وسمعني أحلى سلام.

التقط أنس السيجارة ووضعها بين شفتيه وهو يضحك بمزاح

- عليا الحرام شقيقي اللي فاهمني!

ثم انحنى نحو المأذون، وهمس في أذنه بنبرة حادة حتى لا يسمعه معتز

- كده كله تمام يا شيخنا؟

أومأ الشيخ برعب، ووقع أنس الورقة بسرعة البرق باسمه الحقيقي ثم دس الورقة في جيب المأذون وأشار للباب بصرامة

- يلا بقى كلو على بيته، منردهلكوش في الأفراح عشان مش هكون فاضي لأي حد لشهرين تلاتة قدام!

اتسعت عينا زياد وعز ومعتز بصدمة، وهتف زياد بعدم تصديق

- يا ابن المرة! أخدت مصلحتك مني وهترميني بره؟

غمز له أنس بوقاحة وهو ينفث دخان سيجارته

- مقدرش يا زوز هو أنا أشبع منك أبداً؟

ثم زفر الدخان عمداً في وجه زياد أمام نظرات معتز المشمئزة.

اندفع معتز متحدثاً بقرف

- أنتو مين؟ وبتعملوا كده ليه؟ وغدران فين؟ أنا عايز اتكلم معاها!

لم يتردد أنس، بل هوى بلكمة سريعة على وجه معتز صرخ بعدها بغضب

- دي التانية التالتة هقطعلك لسانك يالا، أنت فاهم؟

تعالى صوت الصياح، مما دفع غدران وجمرة للخروج من الغرفة بفزع.

صاح زياد وهو يحاول تهدئة أنس

- براحة يا عمنا في إيه؟ امسك العقل!

ثم التفت لمعتز وسأله

أنت أخوها؟

رد معتز بغضب ووجع

لا صاحبها!

انفجر زياد بضحكة ساخرة مريرة

خخخخخخخخخ يصاحبها!

اندفعت جمرة ووقفت بجانب زياد قائلة بحدة

زياد! بس عيب هيك

رد زياد بسخرية

بس إيه؟ بيقولك صاحبها!

ثم وجه نظرة حادة لمعتز

أنت مفيش حد معلمك الأصول ولا إيه يالا؟ صاحبها إيه دي بقت على اسم راجل يعني اسمها مش ما يعديش على لسانك، ده ما يعديش على دماغك أساساً!

نظر معتز لغدران بكسرة، فلاحظ أنس ذلك، فالتف نحوه وسد عليه الرؤية

- عينك يا وحش عينك عشان ما فقعهاش!

اقتربت غدران ووقفت بجانب أنس، وأمسكت ذراعه برجاء

- عمر براحة شوية. معتز أخويا، وأنا وهو مكنش لينا إلا بعض وبابا، ومن بعد ما بابا مات مابقاش ليه غيري . بالله عليك سيبني أكلمه يا عمر.

كانت عيناها تلمع بالدموع، فزفر أنس بضيق وهو يشيح بوجهه

- مش هنفتح جلسة حكايات النهاردة بعدين نبقى نشوف الموضوع ده.

ضحك زياد بسخرية وقال

عداك العيب يا أبو الرجولة الله يهني عليك يا عم.

اقترب زياد وقبل أنس كوداع، ثم سحب جمرة خلفه وهو يصيح بصوت عالٍ

- سبع شهور لو ما عزمتنيش على سبوع ابنك هاجي أعملك كشف هيئة.. يلا!

تعالت ضحكات عز وهو يتبع أخاه للخارج، أما معتز، فقد نظر لغدران بابتسامة حزينة هادئة

- ألف مبروك يا غدران ربنا يهنيكي ويسعدك.

ابتسمت غدران وهي تمسح دمعتها

الله يبارك فيك يا..

وقبل أن تنطق معتز، وضع أنس يده على فمها بقوة، فضحك معتز بمزاح وهو يتجه للباب
1

-خلاص يا عم متزعلش أوي كده أنا همشي عشان تاخدوا راحتكم سلام!

بمجرد أن استقر لسان القفل في مكانه، تحولت ملامح أنس إلى شيء آخر، شيء يفيض بالهمجية والامتلاك.

استدار بجسده ببطء نحو غدران، التي كانت لا تزال تقف مذهولة من سرعة الأحداث.

كان أنس ينظر إليها بعينين يملؤهما نهم جائع، بكل وقاحته.

سحب نفساً عميقاً من سيجارته، وزفر الدخان ببطء وهو يقترب منها بخطوات ذئب يحاصر فريسته، ثم قال بصوت أجش يقطر وقاحه

- أخيراً كتبنا الكتاب ، والباب اتقفل، ومبقاش فيه غيري وغيرك يا طيري

ارتجفت غدران من نبرته، وشعرت أن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً.

همست بتوتر وهي تحاول العودة لغرفة النوم

- أنا أنا هروح أغير الفستان، جمرة سابت لي حاجة البسها

ضحك أنس ضحكة خفيضة، وبحركة مباغتة، قبض على رسغها وجذبها نحوه بعنف حتى اصطدم صدرها بصدره الصلب.

همس بوقاحة بجانب أذنها

- تغيري إيه؟ ملهوش لازمه،لسه هتتعبي نفسك، كده كده هتبقي زي ما امك ولدتك كمان شويه

شهقت غدران من جرأة كلماته، وحاولت دفعه برفق وهي تقول بوجل

-عمر براحه في ايه؟

نفى لها، وهو ينحنى ليقبلها،وهو يقول بخبث.

- لا ياطري النهارده، ولا في راحه ولا براحه

لم تستوعب غدران ما قاله، لكنها وجدته يرفعها فجأة بين ذراعيه، وكأنها لا تزن شيئاً.
1

صرخت بخفوت وهي تتشبث بعنقه، ليدخل بها إلى غرفة النوم ويقذفها فوق السرير.

ارتمت فوق الملاءات البيضاء، بينما وقف هو أمامها يبدأ في فك أزرار قميصه بلهفة.

لكن صوت هاتفة اخرجه من شروده، ليزفر بغضب،وهو يقول بصرامه

=كويس انك رنيت من اولها علشان اقفل ميتين امك

كان علي وشك غلقة، ولكن اسم ابنه جعله يجعد حاجباه بأستغراب، ليرد سريعا وهو يقول بتوتر

_حسن مالك ياحبيبي، بترن متأخر كده ليه؟

استمع الي صوت ابنه الباكي

_تيتا يابابا، تيتا مش بترد علينا
4

توسعت عين انس بصدمه، وهو يرتدي قميصه مره اخره، وهو يحمل مفتاح سيارته، تحت أنظار غدران المصدومه

_مبتردش ازاي؟وامك فين؟

غادر المنزل وغدران مازالت تنظر في اثره بصدمه، لا تفهم الذي حدث للتو، ومن هذا وماذا حدث
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد الصمت داخل مكتب التحقيق، صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت دوران مروحة السقف المتهالكة وصوت أنفاس حاتم الثائرة.

كان يجلس على الكرسي الحديدي، الكلبشات تلمع في يديه، ووجهه يحمل آثار لكمة حرب وكأنها وسم عار.

أمام المكتب، كان الضابط المحقق رأفت يضع ملف القضية أمامه، وبجانبه حرب الذي كان يستند إلى الحائط ببرود، يراقب حاتم بنظرات شماتة لا تخفى على أحد.

بدأ رأفت التحقيق بصوت رسمي جاف

- حاتم أنت عارف التهمة الموجهة ليك؟ المدعوة صبا العاشوري اتهمتك في محضر رسمي بالاعتداء عليها واغتصابها في منزلها. إيه ردك على الكلام ده؟

رفع حاتم رأسه ببطء. كانت عيناه حمراوين من فرط التوتر والتفكير الذي نهشه منذ الصباح.

نظر إلى حرب الذي كان ينتظر منه الإنكار المعتاد، ثم نظر إلى الورق أمامه.

لم يكن حاتم يرى الورق، بل كان يرى وجه صبا وهي تصرخ باسمه، يرى دماءها التي وصمت رجولته.

فجأة، وبصوت هادئ ولكنه يقطر غضباً من نفسه، قال حاتم

- أيوه يا باشا حصل.
وووووووووو.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
اتسعت عينا حرب بذهول، واعتدلت وقفته فجأة وهو ينظر إلى حاتم بعدم تصديق.
2

لم يكن يتوقع هذا الاعتراف الانتحاري؛ لقد رسم في مخيلته سيناريو طويلاً من الإنكار والمراوغة، لكن حاتم قرر ببساطة أن يلقي بنفسه في الهاوية.
+

أما الضابط رأفت، فقد توقفت يده التي كانت تعبث بقلم فوق المكتب.

ساد صمت مطبق لثوانٍ، كأن الكلمة التي نطق بها حاتم كانت ثقيلة لدرجة أنها أوقفت الزمن.

أمال رأفت رأسه قليلاً، وضيق عينيه وهو يسأل بتشكك

- حصل دي كلمة كبيرة يا حاتم أنت واعي للي بتقوله؟ أنت بتثبت التهمة على نفسك، متأكد إنك مش عايز توكل محامي قبل ما نكمل؟

_محامي ايه يارافت! ما الراجل معترف على نفسه اهو! وكمان من غير اعتراف، الطب الشرعي قال كل حاجة!

قال حرب بغضب، وضحك حاتم ضحكة مكتومة، مريرة، خلت من أي مرح، ثم قال وهو يثبت نظره في عين حرب

- مكنتش محتاج كل ده ياحرب، مش حاتم المرسي الي يهرب من حاجة عملها، شيلتي اشيلها ولوحدي، بس لو عاملها فعلاً، ودي انا واخدها غصب، مش زي الي جت تتحايل عشان تجرب

هنا، لم يستطع حرب الصمود أكثر، اندفع خطوة للأمام وصاح بصوت غاضب مكتوم

- أنت اتجننت يلا ولا ايه؟

كان على وشك لكمة ولكن وقف رافت بينهم سريعا، ثم نظر إلى العسكري الواقف خلف الباب

- خد المتهم على الحجز

وقف حاتم، سحب جسده المثقل بالهموم، وبينما كان يتحرك للخارج، نظر بصدمه الى والده ووالدته الواقفين امامه، تحدث والده بغضب

_متقلقش انا كلمت المحامي وهو جي في السكة

نفى له حاتم وهو يقول بصرامه

_مش محتاج محامي يابابا، انا اعترفت علي نفسي

ما انهى حديثه حتى سقطت على وجهه هذه الصفعه القويه من والدته التي صرخت بقهر
2

_ياما قولت ان عيشتك مع ابوك هتضيعك، عملتلك ايه، عملتلك ايه الغلبانه دي علشان تقتلها كده، خلاص وساختك عمتك، خليتك تشوف كل الستات زي بعض يا حاتم
1

نظر الي الارض بخزى لتتابع والدته حديثها

_روح الله يسامحك يابني، الله يسامحك، بس انا مش مسمحاك يا حاتم،، وهقف في صف البنت دي ضدك حتي لو هوكلها اكبر محامين في البلد، علشان تربية ابوك تنفعك

تراجع حاتم خطوة للخلف، وعيناه مسمرتان في الأرض، بينما كان والده، يغلي غضباً، ليس من فعلة ابنه الشنيعة، بل من ضعفه في الاعتراف وكسره لكبرياء العائلة أمام الضباط.

-انتي اتجننتي يا ست انتي؟ بتضربيه قدام الناس؟ وبعدين تقفي مع مين؟ ده ابنك! لحمك ودمك!

التفتت إليه الأم بوجع يفيض مرارة، وصرخت في وجهه

- لحمي ودمي اللي أنت لوثته بفلوسك وجبروتك! أنت اللي علمته إن كل حاجة بتتشري، وإن كسر النفوس شطارة،والبجاحة روشنة، النهاردة هو ما كسرش البنت دي بس، هو كسرني أنا،وانا شايفة ابني متهم في تهمة زي دي وخد شرف بنت ملهاش في اي حاجة.

تحرك العسكري وسحب حاتم من ذراعه ليقتاده إلى الحجز.

مشى حاتم بجسد مرخي، كأنه يساق إلى حبل المشنقة، ولم يلتفت خلفه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان أنس يشق الطريق بسيارته كالمجنون، يده تضغط على المقود بقوة وعقله يغلي بصورة والدته.

لم يكن يرى الطريق أمامه، بل يرى تقصيره الذي كاد أن يودي بحياة الشخص الوحيد الذي يحبه بصدق.

وصل أنس إلى الفيلا، صعد الدرج ركضاً، ليجد ابنه حسن واقفاً يبكي أمام الغرفة.
3

لم يمهله الوقت، بل اندفع للداخل ليجد الطبيب يلملم أدواته وحليمة تقف بجانبه ملامحها مضطربة.

سأل أنس الطبيب بلهفة وخوف

- طمني يا دكتور، مالها؟ إيه اللي حصل؟

رد الطبيب وهو يغلق حقيبته برسمية

- متقلقش، الضغط كان واطي شوية خلاها تفقد الوعي، أنا كتبتلها شوية أدوية هتظبطلها الضغط، وياريت تهتم بالأدوية القديمة شوية وكمان الأكل.

التفت أنس إلى حليمة بغضب، عيناه تشتعلان شرراً وهو يسأل بصرامة

- هي مكنتش بتاخد العلاج؟

ارتبكت حليمة وقالت بتوتر وهي تتهرب من نظراته

- لا لا إزاي؟ كانت بتاخده طبعاً!

لم يعلق أنس، بل انتظر خروج الطبيب ليدخل إلى أمه انحنى فوقها، قبل رأسها بضعف وهمس

ألف سلامة عليكي يا حبيبتي حقك عليا

وبمجرد أن سمع صوت الباب يُفتح وحليمة تدخل، انتفض من مكانه.

جذبها من ذراعها بعنف، جرها إلى غرفتهما وأغلق الباب بقوة كادت تخلعه، ثم صرخ بغضب

- انتي إزاي مش مهتمة بأدوية أمي؟ أمال أنتي هنا بتعملي إيه؟

ابتسمت حليمة بسخرية وقالت بغضب

- لا والله يا أستاذ أنس؟ شكلك أنت اللي نسيت أنا هنا بعمل إيه! أنا هنا مراتك يا أنس مراتك مش خدامة لأمك!

لم يتمالك أنس نفسه، هوت يده على وجهها بصفعة قوية أطاحت بها أرضاً، وصاح

- عليّا الحرام لو متعدلتي واتكلمتي عدل لهكون دفنك تحت رجلي أنتي فاهمة؟

سحبها من يدها ليوقفها أمام وجهه، تابع بغضب ساخر

- جوز مين يا روح أمك؟ هو أنتي هترسميهم عليا؟ ما أنتي عارفة وأنا عارف إن أنا ولا طايقك ولا عايزك على ذمتي أساساً!

هنا، فقدت حليمة أعصابها وصرخت والنار تنهش صدرها

- أمال عايز مين؟ غدران حبيبة القلب؟

توسعت عينا أنس بصدمة، تجمد مكانه وهو يحاول استيعاب كيف وصل إليها هذا الاسم، لكنها لم تتركه يفكر بل تابعت بسخرية

- إيه فاكرني نايمة على وداني ومش عارفة حاجة؟ أنت اللي فضحت نفسك بنفسك يا شاطر أنت اللي قولت اسمها وأنت فوقي ومعايا!

شعر أنس براحة غريبة؛ فهي لا تعرف الحقيقة كاملة، تعرف فقط أن هناك امرأة يحبها اسمها غدران فقال لها بسخرية لاذعة

- آه يا روح أمك هي دي اللي عايزها. وأقولك اللي في نفسك؟ اتجوزتها يا حليمة! يعني بقى ليها فيا زي ما ليكي بالظبط، وكلها أسبوعين وتبقى هنا.

صدمت حليمة، بدأت تضرب صدره بجنون وتصرخ

- اتجوزتها؟ اتجوزت عليا يا زبالة؟

قبض على يديها بقوة وقال بغضب مكتوم

- عليّا الحرام أنا ماسك نفسي عنك بالعافية فمتخلنيش أتجنن عليكي، الزبالة ده هو الي لمك انتِ وامك من الشوارع يا روح امك،وانتو مشركتوش لا، عضيتو الايد الي اتمدتلكم كمان!

ردت حليمة بغل وقسم

- قسماً بالله لطربقها فوق دماغك! ده حقي، حقي الي ابوك ضحك علي ابويا واخده منه

سحبها أنس من شعرها بقوة أكبر، حتى تقوّس ظهرها وأصبح وجهها في مواجهة عينه مباشرة، وقال بفحيح مرعب

- سرق مين يا روح أمك؟ هو أنتي هترسميهم عليا يابت؟ أبوكي هو اللي كان بيقامر بفلوس الشركة وضيع نصيبه في القمار والنسوان، ولولا أبويا اللي لحقة واشترى منه أسهمه عشان الفضيحة متخرجش بره العيلة، كان زمانك أنتي وأمك بتشحتوا قدام الجوامع! جاية دلوقتي تعملي فيها صاحبة حق؟

بصقت حليمة الكلمات بغلّ رغم ألمها

- كدب! أبويا عمره ما عمل كده، أبوك هو اللي استغل ظروفه ووقعه والشركة دي أنا ليا فيها نصيب اما وابني، ومش هسيبهولك لا أنت ولا السنيورة بتاعتك، وهنزل اشتغل في الشركة انت فاهم! !

رمى أنس رأسها بعيداً عنه بتقزز، وكأن يده تلوثت بلمسها، ثم اتجه نحو الخزانة يخرج ثياباً أخرى وهو يقول ببرود

- نصيبك خدتيه في الألماس والهدوم والمظاهر الكدابة اللي عايشة فيها، وإذا كان على الشغل في الشركة، فده بُعدك! أنا مش هسلم رقبتي لواحدة عقرب زيك تلدغني من ضهري.

وقفت حليمة، تعدل خصلات شعرها المبعثرة بيديها المرتجفتين، وعيناها تلمعان بجحود لا ينطفئ

- ماشي يا أنس أنت اللي بدأت. فاكر إنك لما تتجوز عليا وتجيبها هنا إنك كسبت؟ أنا هخلي حياتك وحياتها اسود من بعض وابنك هخليه يكرهك ويكرهها، وهعرفه إن أبوه رمى أمه عشان واحدة من الشارع!

التفت إليها أنس كالبرق، وعروق رقبة بارزة من شدة الغضب

- لو فكرتي تدخلي حسن في قرفك، أو توصلي له صورة وحشة عني، قسماً بالله يا حليمة هرميكي في اي مصحة وأطلع ليكي شهادة معاملة أطفال، وأحرمك منه ليوم الدين أنتي عارفة إن يدي طايلة، فمتجربيش صبري!

ساد الصمت لثوانٍ، صمت مشحون برغبة كل منهما في تدمير الآخر.

حليمة كانت ترى في أنس البنك الذي يمول طموحاتها وجوعها للمال، وأنس كان يرى فيها الخطيئة التي اضطر للارتباط بها إرضاءً لطلبات والده وحفاظاً على سمعة العائلة.
1

أنهى أنس ارتداء ثيابه، ثم نظر إليها بنظرة أخيرة محتقرة

- أنا خارج راجع لأمي، وأنتي تغوري من قدامي دلوقتي، مش عايز أشوف وشك في أوضتها طول الليل ولو عرفت إنك قصرتي في لقمة واحدة ليها، الحساب هيكون عسير.

خرج أنس وصفع الباب خلفه، تاركاً حليمة تشتعل من الداخل.

جلست على طرف السرير، تمسح دموع القهر بظهر يدها، ثم التقطت هاتفها واتصلت بوالدتها

- ألو يا ماما أنس اتجوز عليا! الكلب اتجوز عليا وبيقول إنه هيجيبها تعيش هنا كمان أسبوعين لا يا ماما، مش هسكت، أنا هخرب البيت ده على دماغه ودماغها لازم نعرف هي مين وفين، لازم أحرق قلبها قبل ما تتبسط بفلوسنا!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت زنوبة تقف أمام حوض المواعين، تشمر عن ساعديها وتدعك الأطباق بعنف وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة، حتى اخترق هدوء المكان صوت غادة الحاد وهي تصرخ

- بت يا زنوبة! أنتي يا زفتة!

نفضت زنوبة يدها من الصابون بسرعة، ونشفتها في طرف مريلتهاوهي تركض للخارج

- نعم يا أبلة غادة جيت أهو، تأمري بإيه؟

أخرجت غادة رزمة من المال كانت تخبئها في صدرها، ومدت يدها بها لزنوبة وهي تقول بتنبيه صارم

- خدي يا بت تروحي دلوقتي حالا للأسطى عنتر، تديله الفلوس دي وتقوليله بقيت الفلوس هتوصلك كمان يومين، وتاخدي منه وصل باللي استلمه فاهمة ولا أعيد تاني؟

التقطت زنوبة الفلوس بعينين تلمعان بالفضول

- فهمت يا ابله مسافة السكة والوصل يكون عندك.

بمجرد أن خرجت زنوبة، التفتت غادة إلى جابر الذي كان يجلس بجوارها يفرك يديه بتوتر، وسألته بهمس

- كلمته؟
رد جابر وهو يهز رأسه

- أيوه، وقالي إنه على وصول، زمانه تحت.

لم يكد ينهي كلمته حتى ارتفع صوت جرس الباب. قفز جابر من مكانه ليفتح، ودخل رجل خمسيني، ملامحه باردة، يحمل حقيبة جلدية سوداء.

قامت غادة ترحب به بلهفة

- أهلاً يا دكتور فتحي نورتنا، اتفضل يا دكتور.

رد فتحي باختصار وعملية

- أهلاً بيكي فين الحالة اللي هنعملها العملية؟ مش عايز تضييع وقت.

أشارت غادة نحو الغرفة المغلقة وقالت بنبرة خبيثة

- جوه اهي جاهزة وزي الفل.

فتحت غادة الباب بعنف، لتدخل هي وجابر والدكتور خلفهما.

كانت صبا ممددة على السرير، غارقة في كوابيسها، لتستيقظ مفزوعة على هذا الاقتحام الجماعي.

نظرت إليهم بعينين جاحظتين من الخوف، ورأت الغريب الذي يرتدي قفازات طبية ويخرج أدواته المعدنية الباردة
2

صرخت صبا برعب وهي تنكمش على نفسها

- في إيه؟ مين ده؟ وأنتوا داخلين عليا كده ليه؟

اقتربت غادة منها، وأمسكتها من كتفها بقوة وهي تقول بغضب وقسوة

- ده الدكتور يا روح أمك اللي هيداري فضيحتك والوساخة اللي حصلت فيكي، جبتلك اللي هيصلح اللي انكسر عشان نعرف نرفع راسنا في الحارة تاني!

استوعبت صبا الكارثة؛ يريدون محو أثر الجريمة بعملية ترقيع قسرية لإخفاء معالم ما فعله حاتم، وكأن شيئاً لم يكن.

انتفضت صبا بجنون محاولة الهرب

- لا! مش هتعملوا فيا حاجة! سيبوني أخرج من هنا!

لكن جابر كان أسرع، انقض عليها وشل حركتها وهو يفتح قدميها، بينما أحكمت غادة قبضتها على يديها وهي تضغط بجسدها فوقها لتثبيتها على السرير
1

صرخت غادة في الدكتور

- بسرعة يا دكتور فتحي اخلص قبل ما حد يسمع صوتها!

بدأ الدكتور يقترب بآلاته، وصراخ صبا يكتتم تحت يد غادة الغليظة
1

_لا سيبوني، سيبوني ابوس ايديكم، ياماما الحقينيييي،الحقيني يامامااااااا

كانت تصرخ بقهر باسم والدتها المتوفاه، وهي تشعر بيد الطبيب التي تمزق ملابسها السفليه، لتتحرق سريعا، وهي تصرخ بقهر

_ابوس ايديكم،ابوس ايديكي ياخالتي، انتي كده بتقتليني ابوس ايدكيييييي،حد يلحقنييييييي

لم تأبه غادة لتوسلات صبا التي كانت تمزق نياط القلب، بل زادت من ضغط يدها على فهمت البنت حتى كادت تقطع أنفاسها، وهي تهمس بفحيح مرعب بجانب أذنها

- أمك ماتت وشبعت موت يا بت، ولو كانت عايشة كانت هي اللي غرزت السكينة في رقبتك عشان تداري عارك اخرسي بدل ما أخلي جابر يخلص عليكي ونرتاح من الهم ده كله!

كان جابر يطبق على قدميها بقسوة، وعيناه تتهربان من النظر على جسدها العاري امامه، بينما بدأ الدكتور فتحي يخرج حقنة البنج الطويلة ببرود تام، وكأنه يتعامل مع قطعة جماد وليس مع روح تُنتهك للمرة الثانية.
2

صرخت صبا صرخة مكتومة أخيرة وهي ترى سن الحقنة يقترب منها، بتقول بلا وعي منها

- ياحاااااتم

استمعو الي صوت رجل يأتي من الخارج مع صراخها الذي لم يستمعو اليه، كان صوت رشيد، الذي قتح الغرفه وهو يقول بصدمه

_انتو بتعملو ايه

ابتعد جابر سريعا عن صبا، وهو يقول بخوف

_رشيد بيه

ما ان رأته صبا، حتي صرخت برجاء

_الحقنييييي، الحقنيييي ابوس ايدك

اقترب جابر من رشيد، وهو يقول بتوتر

_منور يا بيه، منور

لكن رشيد لم يكن معه، بل كان مع جسد صبا العاري امامه، اغلقت صبا قدميها سريعا، وهي تبكي بقهر على جسدها الذي اصبح مباح لكل الواقف امامها
3

_انتو بتعملو ايه في البت؟

قال وهو يقترب منها، ليقول جابر بتوتر

_لا ياباشا، ده احنا كنا بنجهزهالك

صرخ رشيد بغضب

_انت مش قولت انها بنت بنوت

اومأت غاده، وهي تقول بتوتر

_ايوه ياباشا والله كانت، بس حصل شوية لغبطة كده و

_هشششش مش عايز صداع، بره كلو بره

قال بغضب ليخرج الجميع الي الخارج، لتعتدل صبا سريعا على الفراش، وهي تختضن قدميها تعانقهم بقهر وبكاء، ليجلس رشيد بجانيها، وهو يمرر يديه علي ظهرها، لتصرخ برعب، وهي تبتعد عنه

_مالك بس يا حلوه؟ هو انا لسه جيت جمبك؟ وبعدين ما انتي مطلعتيش مختومة اهو؟ يعني فيه الي ركب وداق، امال مكبراها عليا ليه؟
1

ما ان استمعت الي حديثه حتي بكت بقهر اكثر، وهي تشهر بالانكسار بداخلها انها وصلت الى كل هذا بسبب حبيبها

_انا هلحقك من الي عايزين يعملوه فيكي

نظرت له بأمل ليتابع حديثه

_بس بشرط

_شرط ايه؟

قالت ببكاء، ليقول بوقاحه

_تكوني بتاعتي

برغم شعورها بالأشمئزاز، بسبب فرق العمر بينهم، ولكنها قالت

_تتجوزني؟

ارتفعت ضحكاته الساخره، وهو يقول بعدم تصديق

_اتجوزك؟ لا ياحلوه انا مش بتاع جواز! ولو كان ليا فيه كان الأول لما كنتي بختمك لكن دلوقتي لا، انا عايزك ليا هتيجي تعيشي عندي من غير جواز

شهقت بصدمه، وهي تصرخ بقهر

_في الحرام؟

_وهو يعني الي ركب قبلي كان بالحلال ياروح امك؟ هديكي علي كل نومه الي تعوزيه، وكل ما تدلعيني اكتر، كل ما هدفعلك اكتر، بس انتي تحاولي تبسطيني

مظزت له بقهر، وهي تصرخ ببكاء

_اطلع برهه، بررره

_هطلع يا روح امك، بس فكري كويس، انا لو سبتك مش بعيد خالتك تقدمك كل يوم لراجل شكلك، يعني تكوني تحت واحد بس طول عمرك، احسن ما تقضي حياتك كل يوم تحت واحد تاني
1

قبلها قبله علي الهواء، قبل مغادرته، وهو يقول بخبث

_سلام يا قطه

ما ان خرج، حتى بدئت صبا بضرب وجهها بقوه، وهي تصرخ بضياع والم وقهر، لا تعلم ماذا تفعل اين تذهب
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة ونيس، كانت الأجواء مشحونة لدرجة الانفجار.

ونيس واقف وعروق رقبته بارزة من شدة الانفعال، بينما ملاك طليقته كانت تجلس على طرف الكرسي ببرود مستفز، واضعة قدماً فوق الأخرى، وهي تعدل نظارتها الشمسية التي رفعتها فوق رأسها بغرور، وكأنها في زيارة رسمية لمكان لا يليق بمقامها.

رمت ملاك حقيبة يدها على الطاولة وقالت بنبرة متعالية

- بقولك إيه يا ونيس أنا مش جاية هنا عشان أسمع موشحات أنا قررت، ملك لازم تيجي تعيش عندي الفترة الجاية البنت كبرت، ومحتاجة تكون في بيئة مستواها أحسن من كدة، وسط ناس من توبها، مش في الشقة دي!

انفجر ونيس بضحكة هستيرية، ممزوجة بمرارة وغضب، وخبط بيده على المكتب بقوة

- مستواها أحسن؟ أنتي الي بتقولي كده ! أنتي اللي بقالك سنين بتشوفيها في الأعياد والمناسبات زيها زي أي حد غريب؟

وقفت ملاك ورفعت رأسها بتكبر، ونظرت إليه باحتقار

- أنا كنت مشغولة ببناء مستقبلي، ومكاني في الجمعية بتاعتي وفي المجتمع بيفرض عليا التزامات أنت عمرك ما هتفهمها يا ونيس، ملك دلوقتي محتاجة أم تعلمها إتيكيت، تعلمها تلبس إيه وتروح فين، مش تعيش هنا مع أب كل همه يجمع قرشين ويجري ورا القضايا.

اقترب منها ونيس بخطوات واسعة، وعيناه تشتعلان غضباً، وصاح في وجهها

- أنتي أبعد ما تكوني عن الأمومة يا ملاك! أنتي طول عمرك مهملة، مبيفكرش في دماغك غير النادي، واللبس، والفلوس، والمنظرة الكدابة. ملك عندي هنا بتكبر بحب وبأصل، مش بمظاهر فاضية زيك،بنتي مش هتروح تعيش مع واحدة معندهاش قلب، واحدة باعت بيتها وجوزها عشان تروح تجري ورا المظاهر!

لوت ملاك فمها بسخرية وقالت ببرود

- المظاهر اللي بتعيب عليها ده هي اللي هتخلي ملك حد في المجتمع، مش هسيبها تطلع زيك معقدة وعندها مبادئ ماتت وشبعت موت،أنا هاخد ملك يا ونيس، وبالقانون لو لزم الأمر.

هجم عليها ونيس بكلماته كأنها طعنات

- قانون إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنتي نسيتي إنك أنتي اللي سبتيها؟ أنتي نسيتي إن البنت كانت بتعيط بالليالي وأنتي مش في دماغك؟ ملك مش سلعة يا ملاك، ملك روحي وعليّا الحرام ، لو فكرتي بس تلمسي شعرة منها أو تاخديها لمجتمعك الوسخ ده، لهكون قاصص لسانك اللي مبيعرفش غير لغة الفلوس.

تراجعت ملاك خطوة للخلف، اهتز غرورها قليلاً أمام هذا الطوفان من الغضب، لكنها سرعان ما استعادت قناع التكبر وقالت وهي تحمل حقيبتها

- هنشوف يا ونيس هنشوف مين فينا اللي هيضحك في الآخر. بس افتكر، ملك خسارة فيك وفي عيشتك دي.

تركته وخرجت بخطوات رنانة، بينما ظل ونيس واقفاً في منتصف الصالة، صدره يعلو ويهبط، ينظر إلى صورة ابنته ملك المعلقة على الحائط، وهو يقسم في سره أن يحميها من جبروت أمها ومنظرتها، حتى لو كان الثمن حياته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استيقظت غدران من نومها لشعورها بقبلات متفرقها علي وجهها ويد تعبث في جسدها، تأوهت بألم وهي تحاول فتح عينيها المثقلتين، كان جسدها يشعر بإرهاق غريب وكأن أحداث الليلة الماضية كانت حبلاً التف حول عنقها.

لم تكن الرؤية واضحة في البداية، لكنها شعرت بأنفاس أنس الحارة تلفح وجهه وهو يهمس بجانب أذنها بصوت أجش

- صباح الخير ياطري

فتحت عينيها تماماً لتجده ينظر إليها بهيام يخفي خلفه عاصفة من التملك، لكن ملامحه كانت تحمل آثار تعب وسهر.

ابتعدت عنه قليلاً وهي تحاول استعادة شتات نفسها، وقالت بنبرة يملؤها العتاب والخوف

- أنت كنت فين يا عمر؟ ومين؟ ومين اللي كانت تعبانة وبتموت دي؟ أنت سبتني ونزلت تجري أنا كنت هموت من الرعب.

أمسك أنس يدها وقبلها بقوة، ثم سحبها لتعتدل في جلستها وهو يقول بمراوغة

-ده ابن صاحبي المتوفى، جدته ست كبيرة مقامها من مقام أمي، جاله هبوط حاد وكان لازم أكون جنبههم ملهمش غيري ياحبيبي

نظرت إليه غدران بشك، فكرة ابن صديقه لم تدخل عقلها بسهولة، لكن نظرات أنس كانت كفيلة بإخراس أي سؤال آخر.

اقترب منها مجدداً، يحيط خصرها بذراعيه وقال بوقاحة وهو يزيح خصلات شعرها

- انسي بقى كلو وانسي اللي حصل إحنا دلوقتي مع بعض أنا عطشان لك يا غدران، وعطشي ده محدش هيروحه غيرك النهاردة.

ارتبكت غدران وحاولت تغيير المجرى وهي تشعر بيده تتجول بجرأة فوق جسدها

- أنس براحة، أنا لسه صاحية ومش فاهمة حاجة وبعدين انت باين عليك تعبان اوي، ومنمتشمن امبارح، ادخل ارتاح

ضحك أنس ضحكة خفيضة وهو يلقي بجسده فوقها، دافناً وجهه في عنقها، وقال بصوت مخمور برائحتها

- ما انا هرتاح اهو ياطري،هرتاح وهريحك خالص.

كان على وشك تقبيلها، ولكن هاتفه جعله يغنض عيناه بغضب، وهو يصيح بصراخ

_هخخخخ، ينعل ميتين ام دي بوسة، هو في ايه.

اخرج هاتفة المضيئ بأسم صلاح، لتنطر له غدران برعب، وهس تقول بتوتر

_رد

رد على الاتصال ليستمع الي صوته الغاضب

_اقفل الاقيك قدامي.

لم يعطيه وقت للرد لتمسك غدران يديه، وهي تقول برعب

_هو عايز منك ايه يا عمر؟ انا خايفة، مبتروحش بالله عليك

اعتدل من فوقها، وهو يعدل ملابسه، ليقول بغضب

_نهايتة قربت متقلقيش،فاضلو تكة معايا بس، اوصلها، وهجبهولك تحت رجلك هنا

كانت تنظر له بقلق، ليقترب منها وهو يحاوط وجهها، ليقبلها ينهم، وهو يحاول روي اشتياقه لها، ليبتعد عنها، وهو يقول بغضب
3

_عليا الحرام لقطع، شركات الاتصالات كلها قبل ما ارجعلك، ساعة بالكتير وجيلك
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل مكتب أيمن المرسي، كان الدخان الكثيف يملأ الأرجاء، وصوت ضربات أصابعه على المكتب الرخامي تشبه دقات طبول الحرب.

كان وجهه محتقناً، وعيناه تلمعان بشرر الغضب، بينما يجلس أمامه المحامي شاكر الذي كان يمسح حبات العرق عن جبينه بتوتر، واضعاً ملف القضية أمامه.

ضرب أيمن المكتب بقبضته حتى اهتز كل ما عليه، وصاح بصوت رعدي

- يعني إيه يا شاكر؟ يعني إيه الواد يروح في الرجلين بالشكل ده؟ أنا دافعلك ميزانية دولة عشان تقولي اعترف؟

تنحنح شاكر بأسى وقال بنبرة مهزوزة

- يا أيمن بيه، الموضوع خرج عن سيطرتي حاتم بيه مش بس اعترف في القسم، ده صمم على اعترافه قدام وكيل النيابة ! قال إنه كان رايح لجوز خالتها عشان يصفّي حسابات، ولما ملَقاش حد في البيت غيرها حصل اللي حصل.

قام أيمن من خلف مكتبه، وبدأ يروح ويجيء في الغرفة كالنمر الحبيس، ثم التفت للمحامي بحدة

- اتصرف يا شاكر! اقلب الحق باطل، قول إنه كان تحت ضغط، قول إن البنت هي اللي استدرجته، اتصرف!

هز شاكر رأسه بيأس

- ماينفعش يا بيه، الاعتراف مسجل ومنطقي مع تقرير الطب الشرعي ومعاينة النيابة. مفيش ثغرة قانونية واحدة تطلعه بعد اللي قاله الحل الوحيد ملوش علاقة بالقانون.

توقف أيمن ونظر إليه بضيق

- قصدك إيه؟ اخلص!

اقترب شاكر من أيمن وهمس بخبث

- الحل الوحيد إن البنت تتنازل،لو صبا راحت النيابة وقالت إن البلاغ كيدي، أو إنها كانت بتتبلى عليه، أو حتى لو تم الصلح في هتك العرض والتنازل عن الشق الجنائي القضية مش هتكون موجوده لو مفيش مجني عليه بيطالب بحقه، المحكمة هتمشي ورا التنازل.

ضيق أيمن عينيه بتفكير شيطاني، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة

- يعني نشتريها؟

رد شاكر

- نشتريها، نهددها، نكسر عينها المهم إنها تظهر قدام النيابة وتقول أنا كدابة،والنوعية دي من الناس غلابة يا بيه، قرشين حلوين ينسوها اللي حصل، ولو منفعش يبقى نخلي أهلها هما اللي يضغطوا عليها بطريقتنا.

سحب أيمن نفساً طويلاً من سيجاره ونفثه في الهواء، ثم قال ببرود

- تمام. روح أنت يا شاكر، وانا هشوف الموضوع ده بنفسي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد السكون الغرفة سكون موحش لم يقطعه سوى شهقات صبا المتلاحقة التي كانت تخرج من صدرها كأنها نـزعات الموت.

كانت تجلس فوق الفراش الذي شهد محاولة ذبح كرامتها، جسدها يرتجف بعنف، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من العذاب.

بدأت الأصوات تتردد في أذنيها كأنها سياط تجلد روحها صوت غادة، وصوت جابر وهو يكتفها ببرود، وضحكة رشيد الساخرة وهو يعرض عليها أن تبيع جسدها في الحرام لأنها لم تعد بختمها، وقبل كل ذلك... صورة حاتم.

حاتم الذي نادته في لحظة وجعها، حاتم الذي كان أمانها فأصبح هو الجلاد الذي فتح عليها أبواب هذا الجحيم.
همست بصوت مكسور

- خلاص يا صبا.. مبقاش ليكي مكان.. لا في الدنيا ولا في قلوب الناس.. الكل عايز ينهش فيكي.

وقعت عيناها على سكينة الفاكهة الصغيرة التي كانت موضوعة على الطاولة الجانبية، ربما تركتها غادة هناك سهواً.

لمعت النصل المعدنية تحت ضوء المصباح الشاحب، وكأنها تناديها، تعرض عليها الخلاص الوحيد من نظرات الاحتقار وذل الحاجة ووساخة الأهل.
2

مدت يدها المرتعشة، التقطت السكينة ببطء.

لم تعد تشعر بالخوف، بل شعرت ببرودة غريبة تسكن قلبها.

تذكرت كلام رشيد

تكوني تحت واحد بس طول عمرك، احسن ما تقضي حياتك كل يوم تحت واحد تاني

وتذكرت وجه أمها.

- أنا جايلك يا ماما.. مش هسيبهم يبيعوا ويشتروا فيا تاني.. سامحيني.

بإصرار يائس، وضعت نصل السكينة على عروق يدها اليسرى. ضغطت بكل قوتها، لم تشعر بألم الجرح، فآلام روحها كانت أشد بآلاف المرات.

شقت الجلد بعنف، لتنفجر الدماء بغزارة، صابغة الملاءات البيضاء بلون القهر الأحمر.

لم تكتفِ بذلك، بل فعلت الشيء نفسه في يدها الأخرى وهي تشعر ببرودة تسري في أطرافها، ورؤيتها تبدأ في الضبابية.

ارتمت بجسدها على السرير، تنظر إلى السقف بابتسامة باهتة مكسورة، بينما بدأت الدنيا تسودّ من حولها.
وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
انفتح الباب ببطء، ودلفت زنوبة وهي تحمل صينية الطعام، تبتسم بمرارة وهي تتمتم بكلمات مواساة أعدتها مسبقاً لتهدئة روع الصغيرة.

لكن الابتسامة تجمدت، والصمت الذي كان يسكن الغرفة فجره صوت ارتطام المعدن بالأرض؛ تناثرت الأطباق وتدحرج الطعام فوق السجاد، بينما سقطت الصينية من يد زنوبة المرتجفة.

تسمرت عيناها على جسد صبا الملقى كعصفور ذبيح، والدماء التي تحولت من قطرات إلى بحرٍ قرمزي يغرق الفراش والأرضية.

- صبااااااا!

صرخت زنوبة صرخة شقت سكون البيت، وركضت نحوها بجسد يترنح من الصدمة.

ارتمت على ركبتيها بجانب الفراش، لا تدري ماذا تفعل، يداها ترتجفان وهي تحاول لمس وجه صبا الشاحب الذي غادره اللون تماماً.

- صبا ردي عليا يا صبا، ليه عملتي في نفسك كدة؟ياصبا ردي عليا، يانهار اسود يانهار اسود

بدأت تلطم على وجهها بهستيرية وهي تصرخ بأعلى صوتها منادية غادة

- ياابلة غااااااادة! إلحقيني يا ابلة غادة! صبا ضاعت صبا بتموت يا ناس! الحقونااااااااي!

ثوانٍ قليلة وكانت غادة تقتحم الغرفة، لتقف مشلولة عند العتبة.

تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى المنظر.

لم تنطق بكلمة في البداية، بل جحظت عيناها وهي ترى نصل السكينة الغارق في دماء ابنة أختها.

- صبا؟

همست غادة بصوتٍ مرعوب، قبل أن تندفع هي الأخرى نحوها، تحاول بجهد جهيد أن تكتم جروح معصميها

بوشاحها، وهي تصرخ في زنوبة

- بس يابت اخرسي، روحي شوفي أي حد يلحقنا ولا اطلبي الاسعاف، البت دمها بيتصفه!

كانت غادة تضغط على الجروح بكل قوتها، و زنوبة دموعها تنهمر بغزارة،

- مش هتموتي يا صبا فوق عشان خاطري متعمليش فينا كدة!

تعالت الأصوات في المنزل، واجتمع الجيران على صرخات زنوبة العالية التي لم تتوقف.

وفي لحظات، كانت سيارة الإسعاف تشق صمت الليل بصرير سرينتها المدوية، ليحملوا جسد صبا النحيل فوق المحفة، تحت نظرات الجيران المليئة بالهمس والفضول، ونحيب زنوبة الذي لم يهدأ، بينما كانت غادة تركب بجانبها في سيارة الإسعاف، تنظر إلى وجه صبا الغائب عن الوعي وتدعو بقلبٍ يرتجف ألا تكون هذه هي النهاية.

في ممر المستشفى الضيق، كانت الرائحة تزداد ثقلاً بمرور الوقت.

زنوبة كانت واقفة بعيداً قليلاً، تستند بظهرها إلى الحائط الشاحب، دموعها لم تجف وهي تنظر إلى باب غرفة العمليات برعب، تهمس بآيات قرآنية ودعوات مرتجفة

_يا رب استرها يا رب قومها بالسلامة، دي غلبانة وملهاش حد يا رب.

على الناحية الأخرى، كانت غادة تجلس وبجانبها زوجها جابر، الذي كان يشتعل غضباً وقلقاً، ليس خوفاً على حياة صبا، بل خوفاً من الفضيحة وضياع السبوبة
جابر التفت لغادة وقال بصوت خفيض ممتلئ بالقهر والغل

- شوفتي؟ بت اختك كانت عايزة تضيعنا وتضيع نفسها معاها وتخلص من الدنيا وتلبسنا إحنا في حيطة بقى ده جزات الي بنعمله علشانها؟

غادة ردت عليه بصوت فحيح الأفاعي، وعيناها تلمعان بغضب شيطاني

- بت الكلب! مفكرة إنها لما تعمل كدة هتعوج ايدينا ؟ عايزة تضيع علينا كل الفلوس دي؟ والراجل اللي دافع وواثق فينا ده نقوله إيه؟ نقوله البنت استخسرت روحها فينا وقطعت شرايينها؟!

جابر ضغط على أسنانه وقال بغل

- اسمعي يا غادة البنت دي أول ما تفوق وتشم نفسها، نديها لي رشيد بيه على طول. ياخدها كدة بحالتها، اهي لو ماتت بعد كدة تموت عنده، إحنا ملناش دعوة، ميبقاش لينا يد في حاجة المهم نخلص من همها وناخد قرشنا.

غادة هزت رأسها بالموافقة وهي بتزم شفاهها ببرود

- عندك حق، هي مش وش نعمة ولا وش عز، هي اللي اختارت.

كانت زنوبة ترمقهما بنظرات تفيض بالقهـر والخذلان، تكاد لا تصدق أن تلك القسوة تنبع من بشر، بكت بمرارة وهي تشاهد صبا المسكينة تنهشها أنيابُ ذئابٍ يرتدون ثوب الأهل، بينما القلوب قد خلت من كل رحمة.

وفجأة، انشق سكون الممر بخروج الطبيب وهو يمسح حبات العرق عن جبينه إثر المجهود الشاق، وما إن رأته زنوبة حتى اندفعت نحوه بلهفة وتوسل، وصرخت بصوتٍ مخنوق

- طمنا يا دكتور! صبا عملت إيه؟ هي كويسة؟ طمني بالله عليك!

تطلع الطبيب إليهم بجمود ومهنية، ثم أجاب بصوتٍ هادئ لكنه حازم

- الحمد لله، قدرنا نوقف النزيف والجرح كان عميق بس ربنا ستر وموصلش للأوتار الأساسية، هي دلوقتي تحت الملاحظة.

صمت الطبيب قليلاً، ثم وجه بصره نحو غادة وجابر بنظرة حادة تحمل الكثير من الشك، وأضاف

- بس خلي بالكم، دي محاولة انتحار واضحة وصريحة. لازم تتعرض على دكتور نفساني في أسرع وقت لأن حالتها النفسية مدمرة، وهي خطر على نفسها. إحنا هنبلغ المستشفى تفتح محضر رسمي بالواقعة.

ارتعدت أوصال زنوبة من الخوف، ومسحت دموعها بطرف ثوبها وهي تسأله بوجل

- طب هي هتفوق إمتى يا دكتور؟

أخرج الطبيب دفتر الوصفات الطبية، ودون فيه بضع كلمات بسرعة فائقة، ثم ناولها الورقة قائلاً

- مش قبل بكرة، ودي أدوية مهمة جداً ومحاليل لازم تيجوا فوراً من الصيدلية اللي بره، وفيها مهدئات قوية عشان لما تفوق متكررش اللي عملته تاني. اتفضلوا، وياريت تجيبهم بسرعة مفيش وقت نضيعه.

خطفت زنوبة الورقة من يده بلهفة وكأنها تمسك بطوق نجاة، وقالت

- أنا هجيبهم يا دكتور، أنا هجري أجيبهم!

اومأ الطبيب وهو يبتعد، لتقول زنوبه بلهفة

_هات ياعم جابر فلوس اجيب العلاج

ارتفعت ضحكات جابر، وهو يقول بسخرية

_فلوس ايه يا حيلتها؟ وانا اجبلها علاج ليه! هي مش هي الي عملت كده في روحها خلاص انا مالي؟

لطمت زنوبة بقوه،وهي تقول بقهر

_حرام عليك، حرام عليك البت بتموت، ابوس ايدك هان اجبلها العلاج، قوليله حاجة يا ابلة غادة

لكن غادة جلست على الكرسي الحديدي خلفها، وهي تقول بلا مبلاه

_انا مالي ياختي، ماله وهو حر فيه

ارتفعت بكائها، وهي تقبل يد جابر بتوسل

_ابوس ايدك يا عم جابر، ابوس ايدك،طب اعتبرهم سلف، وانا قسما بالله هردهم، بس نجيب العلاج للبت

ابتسم جابر بخبث، وكأنه اخيرا وصل لغايته

_خلاص يدام سلف يبقى ماشي، بس هترديهم دلوقتي!

_دلوقتي ازاي، انا معيش فلوس

_لا ياحلوه ما انتي مش هترديهم فلوس، انتي هترديهم بجسمك الجميل ده

نظرت له زنوبة بصدمه، وهي تقول بخوف

_جسمي ايه انت قصدك ايه؟

تابع جابر حديثة بمكر

_قصدي الي فهمتيه يا شاطرة، هتروحي لواحد، هتشوفي شغلك معاه وكده هيبقي ردتيلي الفلوس

ساد صمت ذهولي قطعته أنفاس زنوبة المسموعة، كأن صاعقة هبطت عليها من سماء الممر الضيق.

اتسعت عيناها بذهول وانقبض قلبها من فرط البشاعة، نظرت إلى جابر الذي وقف منتشياً بدناءته، ثم التفتت إلى غادة التي لم يحرك جفنها هذا العرض الوضيع، بل ظلت ترمق أظافرها ببرود وكأن الأمر لا يعنيها.

قالت بصوت يرتجف من الصدمة والقرف

- أنت بتقول أنت عايز تستغلني عشان كام مليم أجيب بيهم علاج للي بتموت جوه؟ ده أنت معندكش ريحة الدم ولا النخوة!

اجابها جابر ببرود وهو يضع يده في جيبه

- والله ده اللي عندي انتي حيلتك إيه غير اللي قولتلك عليه؟ أهو منها تنقذي صاحبتك، ومنها تستنفعي إنتي كمان ها؟ قولتي إيه؟ البت تعبانة جوه والدكتور قال المحاليل دي دلوقتي.

نظرت زنوبة إلى الورقة التي في يدها، ثم إلى باب الرعاية المركزة حيث ترقد صبا بين الحياة والموت.

شعرت بتمزق في روحها، لتقول ببكاء وهي تبكي بحرقة وتصرخ في وجه غادة

- إنتي ساكتة ليه؟ عجبك اللي جوزك بيقوله ده

رفعت رأسها بملل وقالت بنبرة حادة

- والله يا زنوبة جابر أدرى بمصلحته، وبعدين إنتي اللي عاملة فيها الخضرة الشريفة، هي يعني اول مره ليكي؟

أطبقت زنوبة عينيها بقوة، وانهمرت الدموع على وجنتيها كشلالٍ من القهر.

شعرت بجدران المستشفى تضيق عليها، وبأنفاس جابر الكريهة تحاصرها.

كانت الورقة في يدها ترتعش، وصورة صبا وهي غارقة في دمائها لا تفارق خيالها.

خضعت، ليس ضعفاً بل تضحيةً مريرة، وضعت كرامتها تحت أقدام النذالة لتعيد النبض لقلبٍ أوشك على التوقف.

قالت بصوتٍ ميت، غاب عنه الرنين

- ماشي يا جابر موافقة هات الفلوس أجيب العلاج الأول، وأنا هعمل اللي أنت عايزه بس البت تعيش.

تحدث بابتسامة انتصار صفراء وهو يخرج رزمة من المال

- أيوه كدة، خليكي ناصحة. الفلوس أهي، هاتي العلاج واديه للممرضة، وعشر دقايق تلاقيني مستنيكي قدام باب المستشفى عشان أوديكي للراجل مش عايز تأخير

خطفـت زنوبة منه المال بقرف، وجريت نحو الصيدلية الخارجية وكأنها تطارد السراب.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل أمام فيلا صلاح، الأجواء كانت هادئة بشكل مريب، الهدوء الذي يسبق العاصفة.

وبمجرد أن خطت قدماه الصالون الرئيسي، لم يجد صلاح في استقباله، بل وجد أربعة من رجال الأمن الضخام يخرجون من خلف الأعمدة كالأشباح

_صلاح باشا فين؟

قال أنس بصوت هز أرجاء المكان، لكن الرد جاء صاعقاً؛ ففي لمح البصر، هجموا عليه دفعة واحدة.
لم يكن أنس صيداً سهلاً؛ اندفع كالثور الهائج، ركل الأول في صدره ولكم الثاني بقبضة حديدية، لكن العدد كان أكبر من قدرته على المقاومة. طرحوه أرضاً، وبدأوا في سحبه بعنف نحو الدرج المؤدي إلى البدروم نفس البدروم الذي شهد عذاب غدران قديماً.

_خخخخ، سيبني يا ابن المره، اوعوووو

تحدي أحد الرجال وهو يحكم قبضته على عنقه

_اخرس خالص، احنا معندناش اوامر بقتلك فمتخليناش نخالفها

رموه داخل الغرفة الرطبة المعتمة، رائحة العفن والذكريات المؤلمة تفوح من الحوائط. أحضروا السلاسل الحديدية وبدأوا بتكتيف يديه إلى الأعلى خلف ظهره وهو معلق بمسمار ضخم في الحائط، ورجليه تم ربطهما بقوة لتقييد حركته تماماً.
1

_عليا الحرام، لهكون قاتلكم يولاد المره انت وهو، بتتكترو عليا.

صرخ أنس وهو يبصق على الأرض بغل، وجسده يتلوى محاولاً الفكاك من السلاسل التي حفرت في جلده

دخل صلاح، ليصيح انس بغضب

_صلاح باشا هو في ايه؟

اشار صلاح للرجال بالخروج، ليخرحو، واقترب من انس، وهو يقول بصرامة

_غدران فين يا عمر؟

تصنع انس الاندهاش، ليقول بإستغراب

_غدران ايه ياباشا؟ انا لسه ملقتهاش

ابتسم صلاح بقسوه،وهو يقترب منه، ليقول بغضب

_ولااااا، مش عايز لف ودوران، محدش كان يعرف مكان غدران غيرك، يعني انت الي هربتها، ودتها فين!

ادرك انس من حديث الواقف امامه، انه يشك به فقط، ليقول بهدوء

_ياباشا انا معرفش عنها اي حاجة، وانا ههربها ليه! انا شغال عندك انت!

لم يكد أنس ينهي جملته حتى باغتته صفعة مدوية على وجهه من يد صلاح الغليظة، جعلت رأسه يرتطم بالحائط الحجري خلفه.
2

تأوه أنس بحدة، لكنه سرعان ما أعاد رأسه ببطء، ونظر لصلاح بعينين حمراوين كالجمر، والدم يسيل من جانب فمه.

_دي عشان بتستغفلني.
2

قالها صلاح بصوت فحيح وهو يخلع ساعته ويضعها في جيبه، ثم أكمل

_ قولي وديتها فين والمهزلة دي تخلص، بدل ما أخلي رجالتي يتسلوا عليك بطريقتهم.

ضحك أنس ضحكة مستفزة، ممزوجة بوجع مكتوم، وقال من بين أسنان جزّ عليها بقوة

- ياباشا صدقني معرفش، معرفشششش

جن جنون صلاح من برود أنس، فقبض على شعره وجذب رأسه للخلف بقوة جعلت عظام رقبته تطق
1

- هتقول يعني هتقول! أنت عارف إني ممكن أدفنك هنا وما حدش هيسأل عنك انطق! البنت فين؟

استجمع أنس قوته، وبالرغم من تقييد يديه، حاول الاندفاع برأسه للأمام ليضرب جبهة صلاح، لكن السلاسل منعته، فصرخ في وجهه بغضب جارف

- قولتلك معرفش! دور عليها عند اللي ليهم مصلحة ياخدوها منك أنا الراجل بتاعك اللي ضحيت بنفسي علشانك ده جزاتي؟ اضرب اضرب كمان يا باشا، بس الحقيقة مش هتتغير بضربك ده!

استشاط صلاح غضباً، والتقط سوطاً جلدياً كان معلقاً على جانب الغرفة، وراح يهوي به على جسد أنس بكل ما أوتي من قوة.
2

كل ضربة كانت تمزق قميصه وتترك أثراً حارقاً على جلده، وأنس يشد على أسنانه حتى كادت تتحطم، رافضاً أن يخرج منه أنين ضعف واحد.
1

كان أنس يحترق من الداخل، ليس من الألم، بل من فكرة أن غدران الآن وحيدة وتنتظره، وأن أي زلة لسان منه ستكون نهايتها.

كان الوجع ينهش جسده، لكن صورة وجهها وهي نائمة كانت هي الدرع الذي يحميه من الانهيار أمام سياط صلاح.
1

توقف صلاح وهو ينهج، ونظر لأنس المحني الرأس بجسد يرتجف، وقال بنبرة مهددة

- دي كانت البداية بس هسيبك تفكر في الظلمة دي شوية، ولما أرجع، لو منطقتش هخليك تتمنى الموت وما تلقهوش.

خرج صلاح وأغلق الباب الحديدي، ليغرق القبو في ظلام دامس، وصوت أنفاس أنس الثقيلة والمجروحة هو الوحيد الذي يكسر الصمت، وهو يهمس لنفسه بوعيد

- وربي وما أعبد يا صلاح لادفعك تمن كل ضربة خدتها بس اخرج من هنا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان معتز يجلس على أريكته، دخان سجائره يتصاعد بكثافة ليملأ أركان الغرفة المعتمة.

كانت عيناه شاردتين في الفراغ، لكن عقله كان يسير في اتجاه واحد ذلك اليوم المشؤوم في محل عمه عنتر.

عاد به الزمن ليومين مضيا، حين كان يجلس مع عمه يتبادلان أطراف الحديث، وفجأة، انفتح الباب لتدخل زنوبة. كانت ترتدي عباءة سوداء مفتوحة، تنسدل بإهمال مقصود لتكشف من تحتها عن قميص أحمر ضيق يبرز تفاصيل جسدها بشكل صارخ.
2

_إزيك يا عم عنتر؟

قالتها بابتسامة واسعة وهي تقترب.

رد عنتر بترحيب وهو يزيح بعض الأوراق من أمامه

_إزيك يا زنوبة تعالي يا بنتي اقعدي.

جلست زنوبة فوق الكرسي المقابل لمعتز مباشرة، تضع قدماً فوق الأخرى بجرأة، وقالت وهي توجه نظراتها لعنتر

_تسلم لي يا رب أبلة غادة بتقولك خد الفلوس دي، وبقية الفلوس أول الشهر بإذن الله.

أومأ عنتر بالموافقة ومد يده ليأخذ منها المبلغ، لتكمل هي بنبرة فيها رجاء

_بس عايزة وصل بالله عليك يا عم عنتر

_ماشي يا بنتي، هقوم أكتبلك الوصل جوه وأجيلك.

قالها عنتر وهو ينهض، تاركاً معتز مع تلك الفتنة التي تجلس أمامه.

بمجرد أن اختفى عنتر، تحولت نظرات معتز إلى ماسح ضوئي يتفحص كل إنش في جسدها. مال بجسده للأمام، وقال بنبرة يقطر منها الخبث والوقاحة

- الأحمر على الأسد يمنع الحسد يا بطل.

انتفضت زنوبة في مكانها، واتسعت عيناها بغضب وهي تلم عباءتها عليها قائلة بحدة

- نعم؟! بتقول حاجة يا جدع أنت؟

ضحك معتز ضحكة صفراء، وأخرج سيجارته من فمه وهو ينفث الدخان في اتجاهها، وقال بوقاحة أشد

- جرى إيه يا بطل؟ مالك مش طايقة دبان وشك ليه كده؟ هو الكلام الحلو بقا يزعل اليومين دول؟ ده أنا حتى قولت كلمة حق.. والأحمر واكل منك حتة.

وقفت زنوبة بغضب، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال

- الزم حدودك يا جدع أنت واعرف أنت بتكلم مين!

لم يهتز معتز، بل قام هو الآخر وخطا خطوة نحوها، هامساً بصوت أجش:

- شكلك شرس، وانا بموت في الناس الشرسة

كادت أن ترفع يدها لتصفعه، لكن دخول عنتر بالوصل جعلها تتراجع وهي ترتجف من الغيظ، بينما عاد معتز لمكانه ببرود شديد، وكأن شيئاً لم يكن.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتحت صبا عينيها ببطء شديد، شعرت بوزن ثقيل يجثم فوق صدرها، ورائحة المعقمات النفاذة تخترق أنفاسها الضعيفة.
1

كانت الرؤية مشوشة، وسقف الغرفة الأبيض الناصع يبدو وكأنه يطبق عليها.

حاولت تحريك يدها، فشعرت ببرودة الكانولا المغروسة في وريدها.

في تلك اللحظة، تدفقت الصور إلى عقلها كشريط سينمائي محطم الصراخ، الوجع، واللحظة التي استسلمت فيها للسواد وهي تتمنى ألا تعود أبداً.

انكمشت ملامحها فجأة، وبدأت أنفاسها تتسارع بصوت مسموع.

لم تكن دموع فرح بالنجاة، بل كانت دموع قهر وحرقة. أغمضت عينيها بقوة وهي تهمس بصوت مبحوح يكاد يخرج من بين شفتيها المرتجفتين

- ليه؟ ليه رجعتوني تاني؟ أنا كنت خلاص ارتحت ليه سيبتوني عايشة؟

انفجرت في بكاء صامت، بكاء يهز جسدها النحيل بالكامل.

كانت تشعر بخيبة أمل قاتلة، كأن الموت نفسه رفض أن يخلصها من جحيمها.

غطت وجهها بيدها المرتجفة وهي تنحب بقهر

- يا رب خدني أنا مش عايزة الدنيا دي، مش عايزة أشوف حد حرام عليكم سيبوني أموت!

كانت كل شهقة تخرج منها تمزق صدرها أكثر من أي جرح جسدي.

كانت تشعر أنها سجينة في جسدها، وسجينة في واقع لا يرحم، وأن نجاتها هذه لم تكن إلا بداية لفصل جديد من العذاب الذي هربت منه بكل قوتها.

استمرت في بكائها المرير، رافضة حتى النظر حولها في الغرفة، وكأنها تعاقب العالم بصمتها ودموعها التي لا تتوقف.

انفتح باب الغرفة ببطء، ودخلت عبير بخطوات مترددة، تفرك يديها ببعضهما والقلق يكسو وجهها.
1

رفعت صبا عينيها المثقلتين بالدموع، ونظرت إليها باستغراب لثوانٍ، تحاول استجماع شتات ذاكرتها وسط الضباب الذي يلف عقلها وفجأة، لمعت شرارة المعرفة في عينيها.

تذكرت ذلك اليوم المشؤوم في المستشفى، تذكرت وجه هذه السيدة وهي تبكي على ابنها حاتم بعد الحادثة.

انتفض جسد صبا تحت الغطاء، وتحولت نظرات الانكسار إلى غضب عارم.

_جاية عايزة إيه؟

صرخت صبا بصوت شرخ صمت الغرفة، وهي تحاول الاعتدال رغم ألم جسدها.

_عايزاني اتنازل عن القضية صح؟ جاية تطلبي تمن شرفي عشان ابنك يخرج؟

تنهدت عبير بتعب وجلست على طرف الكرسي المجاور للسرير، وقالت بنبرة هادئة ومكسورة

- مش هكدب عليكي أنا في الأول لما روحتلك البيت كنت عايزة أطلب منك تتنازلي، بس لما عرفت إنك حاولتي تموتي نفسك وإنك هنا في المستشفى، الدنيا اسودت في عيني مبقتش عارفة أقولك إيه، أنا حتى كنت مكسوفة أجي أبص في وشك.

شاحت صبا بوجهها للجهة الأخرى بخزي وكسوف، ودموعها تسيل بصمت، بينما أكملت عبير بتعجب وهي تتفرس في ملامحها

- أنا بس عمالة أسأل نفسي أنا شوفتك فين قبل كده؟ الملامح دي مش غريبة عليا
صمتت عبير لبرهة وهي تعتصر ذاكرتها، ثم شهقت بصدمة

_افتكرت! أنتي البنت اللي جيتي وكنتي منهارة وبتعيطي يوم حادثة حاتم في المستشفى! هو أنتي تعرفيه؟ كنتوا تعرفوا بعض؟

هزت صبا رأسها نفياً بقوة وهي تنشج بالبكاء

_لا منعرفش بعض محصلش.

استغربت عبير وأصرت بفضول الأم التي تبحث عن خيط يفسر كابوس ابنها

_إزاي منعرفش بعض وأنتي كنتي بتموتي من العياط يومها؟ لا يا بنتي، أكيد في حاجة قوليلي، تعرفي حاتم منين؟

ومع ضغط عبير المستمر، انفجرت صبا بالحديث وكأنها تفرغ سماً في جوفها

- _أيوه أعرفه! بس هو ما يعرفنيش حاتم ده هو اللي أنقذني زمان من واحد كان عايز يتحرش بيا في الشارع، دافع عني زي الأسد وقتها وخدني في حمايته فضلت السنين دي كلها شايلاه في راسي إنه البطل اللي حمى شرفي

شهقت صبا بشهقة مكتومة وأكملت بمرارة فاقت كل وصف

- كنت بشوفه سندي اللي معرفوش مكنتش أعرف إن البطل اللي أنقذني من التحرش زمان، هو نفسه اللي هيكبر ويغتصبني ويدفن راسي في الرمل ويخليني أتمنى الموت كل ثانية! ابنك هو اللي كسرني يا حجة كسرني أكتر من اللي كان هيتحرش بيا زمان!

سقطت الكلمات على مسامع عبير كالصواعق، تراجعت بجسدها للخلف وهي تضع يدها على فمها بذهول، تنظر لصبا بغير تصديق، بينما استمرت صبا في بكائها الهستيري وهي تصرخ

- عرفتي ليه كنت بموت في المستشفى يومها؟ وعرفتي ليه كنت بموت النهاردة؟ عشان الوجع لما بيجي من اللي كنت فاكراه أمان بيموّت.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يكن يقطعه إلا صوت شهقات صبا التي تمزق نياط القلب.

كانت عبير تنظر إليها بذهول، وصورة ابنها تتهاوى أمام عينيها لتتحول إلى صورة وحش كسر أنقى ما في هذه الفتاة.

لم تتحمل عبير رؤية هذا الانهيار، تحركت ببطء وجلست على حافة الفراش، ومدت يدها المرتجفة لتمسح دموع صبا، لكن صبا تراجعت بخوف.

- متخافيش مني يا بنتي والله العظيم ما هأذيكي.

قالتها عبير بصوت مخنوق بالبكاء، ثم سحبت صبا برفق إلى حضنها، ولفّت ذراعيها حولها بقوة.

في البداية، تصلب جسد صبا، لكن مع دفء حضن عبير وصوت بكائها هي الأخرى، استسلمت صبا وألقت برأسها على كتفها، وانفجرت في بكاء مرير وكأنها وجدت أخيراً الصدر الذي كانت تبحث عنه لتبثه أوجاعها.

ربتت عبير على ظهرها بحنان قائلة

- حقك عليا يا بنتي حقك فوق راسي أنا اللي أسفة إني خلفت اللي يكسر بخاطرك ويدبحك بالشكل ده يا ريتني ما جيت أطلب سماح، أنا المفروض كنت جيت ابوس علي راسك انك تسامحيه بس.

ابتعدت صبا قليلاً ونظرت في عيني عبير بذهول، لتقول عبير بتصميم ونبرة صادقة

- اسمعيني يا صبا من النهاردة أنا معاكي مش ضدك. لو الكل وقف مع حاتم عشان يخرج، أنا هقف معاكي عشان ياخد جزاءه،مش عشان أنا مابحبش ابني، لا بس عشان أنا ست زيك، وعارفة إن اللي عمله ده ملوش غفران عند ربنا ولا عندنا، وابني راجل يعني لازم يدفع تمن غلطته.

مسحت عبير دموع صبا ببراحة يدها وأكملت

- انتي مش لوحدك، ومش عايزة أشوف نظرة الكسوف دي في عينيكي تاني اللي المفروض يتكسف ويغطي وشه هو اللي عمل فيكي كدة، مش انتي،أنا هفضل جنبك لغاية ما تقومي بالسلامة، وحقك هيرجع، ودا عهد عليا قدام ربنا.

شعرت صبا لأول مرة منذ الحادثة ببصيص من الأمل، وبأن ثقل الجبال الذي كان فوق صدرها بدأ يتلاشى قليلاً أمام صدق كلمات هذه الأم التي اختارت الحق على حساب ابنها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تذرع الصالة ذهاباً وإياباً، خطواتها سريعة ومضطربة، وهاتفها لا يفارق يدها.
1

تضغط على زر الاتصال للمرة الألف، لتستمع لنفس الرسالة المسجلة الباردة

_الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح حالياً.

صوت شهقاتها المكتومة كان يملأ المكان، ومعتز جالس على الكنبة يراقبها بعينين حمراوين من قلة النوم، حتى نفد صبره وصاح بها بغضب

- ما تهدي بقى يا غدران! خيلتيني رايحة جاية.

توقفت غدران فجأة ونظرت إليه، وعيناها غارقتان في الدموع، وقالت بصوت يرتجف

- أهدى إيه يا معتز؟ أنت مش حاسس بالنار اللي في قلبي! عمر مرجعش بقاله يومين، يومين يا معتز! برن عليه تليفونه مقفول، ده عمره ما عملها أبداً.

زفر معتز بضيق وتعب، وفرك وجهه بيديه محاولاً التماس أي عذر لتهدئتها

- يا بنتي ما يمكن مشغول مع صلاح في مصلحة تقيلة، وصلاح مبيحبش التليفونات تفتح في الشغل الحامي تلاقيه بس معندوش شبكة أو التليفون فصل منه.

نفت غدران برأسها بقوة وهي ترتمي على الكرسي بجانبه، منهارة تماماً

- لا يا معتز لا استحالة عمر يغيب عني كل ده من غير ولا كلمة أنا قلبي واكلني عليه، حاسة إن في مصيبة حصلت صلاح ده مش سهل، وأنا خايفة يكون عرف حاجة.

انفجرت في نوبة بكاء هستيرية، تغطي وجهها بكفيها وتنتحب برعب

- لو جراله حاجة بسببي مش هسامح نفسي أنا اللي خليته يدخل العش ده تاني.

تغيرت ملامح معتز قليلاً، ورغم عصبيته إلا أن منظر انكسارها حرك بداخله شيئاً من الشفقة. اقترب منها ووضع يده على كتفها بحذر يحاول تهدئتها، وقال بنبرة لينة لأول مرة

- خلاص بقى يا غدران، وحدي الله. عمر سبع ولا يتاكلش بسهولة، تلاقيه بس متحاصر في شغلانة وهيفك ويرجع يصدعنا امسحي دموعك دي، أنا هقوم أروح أسأل بطريقتي وأشوف الدنيا فيها إيه بس وحياة أغلى عندك اهدى عشان تعرفي تفكري.

رفعت غدران عينيها إليه برجاء الطفلة التي تبحث عن أمان

- بجد يا معتز؟ هتدور عليه؟ طمني يا معتز، قولي إنه كويس.

أومأ لها معتز وهو ينهض بجدية

- هجيبلك قراره، بس خليكي هنا ومتحركيش من مكانك، لغاية لما ارجع هه

اومأت له بإبتسامة مرتعشة، ليعانقها بإطمئنان،وهو يقبل جبهتها بحب اخوي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مرت ساعات الجحيم على أنس في ذلك القبو المظلم، حتى بدأ يفقد الوعي من شدة الألم والإرهاق.

لم يقطعه من دوامة غيبوبته إلا دلو من الماء المثلج صُبّ فوق رأسه دفعة واحدة، فانتفض جسده المقيّد بعنف وهو يسعل ويحاول التقاط أنفاسه.
1

فتح عينيه بصعوبة ليرى خيال صلاح يقف أمامه ببرود، ويحمل سيجارته التي يتصاعد دخانها في الغرفة الرطبة. قال صلاح بنبرة متهكمة

- صباح الخير يا عمر نمت كويس؟

كتم أنس غضبه في أعماق قلبه، وأحس برغبة عارمة في تحطيم عنق هذا الرجل، لكنه رسم على وجهه ملامح الانكسار والضعف الزائف، فهو يعلم أن المواجهة الآن انتحار.

قرر في سره أن كل قطرة ماء وكل ضربة سيعيدها لصلاح أضعافاً مضاعفة.

جلس صلاح على كرسي خشبي وُضع أمامه، ووضع رجلاً فوق الأخرى بتكبر وغطرسة، ثم مال برأسه قائلاً

- لسه برضو مش عايز تتكلم؟ لسه مصمم إنك متعرفش مكانها؟

رد أنس بصوت مبحوح ومتهالك، يملؤه الخضوع المزيف

- ياباشا أنا قولتلك اللي عندي كله أنا فعلاً معرفش هي فين لو كنت أعرف كان زماني قولت من أول ضربة أنا مش حمل عذاب تاني يا صلاح باشا.

زفر صلاح بغضب وهو ينهض بعصبية، يبدو أن هدوء أنس وإطاعته الزائفة لم تقنعه.

اقترب منه وبلمحة خاطفة، وبكل قوته، وجه لكمة عنيفة لأنس بظاهر يده التي يزينها خاتم ذهبي ضخم ذو فصوص حادة.
2

شعر أنس بتمزق جلده عند وجنته، وبدأ الدم يتدفق بغزارة على وجهه. صرخ صلاح بهستيرية وهو يمسكه من ياقته الممزقة

- أنت لسه مصدق نفسك يالا؟! مصمم تخليني أقتلك عشان تنطق؟ فكرك الحركات دي بتدخل عليا؟ وحياة أمي لو غدران مرجعتش النهاردة، هقطعك حتت وأرميك للكلاب!

بدأ صلاح يكيل له الضربات في بطنه وصدره، وأنس يتلقى الضربات بجسد متهالك، لكنه في كل مرة يرفع رأسه الملطخ بالدماء ويهمس بنفس الكلمات

- معرفش معرفش مكانها اقتلني وبرضو هقولك معرفش، انا معرفش مكانها

كان صلاح يضرب بجنون، بينما كان أنس يبتسم من الداخل بمرارة؛ فكل ضربة يتلقاها كانت تزيد من وقود انتقامه الذي سيحرق به صلاح قريباً
1

بينما كان صلاح يهمّ بركل أنس مرة أخرى، انفتح الباب الحديدي فجأة ودخل أحد رجاله لاهثاً، وملامح القلق واضحة على وجهه

- صلاح باشا! في واحد بره اسمه معتز، قالب الدنيا وعمال ينده على واحدة اسمها غدران، ومصمم يدخل الفيلا بالعافية ويقول إنها هنا!

تسمر أنس في مكانه، وجحظت عيناه برعب حقيقي هذه المرة. معتز؟ بيدور على غدران بره؟ صرخ عقله بالسؤال الذي كاد يقتله.

غدران من المفترض أنها في بيته و معتز يعلم، فكيف يأتي معتز إلى هنا ليبحث عنها؟
1

زفر صلاح بغضب وضيق، وألقى السوط من يده وهو ينظر لأنس بنظرة شك قاتلة

- معتز؟ وبيدور عليها هنا؟ إنتو بتلعبوا بيا يا ولاد الكلب؟

خرج صلاح بسرعة من القبو وخلفه رجاله، وأوصدوا الباب الحديدي بقوة خلفهم، تاركين أنس في دوامة من الجنون

_غدران فين؟

هسيس أنس لنفسه بذهول، وبدأ الشك ينهش قلبه؛ هل اقتحم رجال البيت وخطفوها؟ أم أن هناك طرفاً ثالثاً دخل اللعبة؟
1

بدأ أنس يتلوى بعنف وسط سلاسله، متجاهلاً الآلام المبرحة التي تفتك بجسده.

سحب يديه المربوطتين إلى الأعلى بقوة جنونية، مما جعل السلاسل تحفر في جروحه النازفة أخدوداً من الوجع.
1

- "آآآه.

صرخ بصوت مكتوم وهو يشد السلسلة بكل ما أوتي من عزم، لدرجة أن المسمار المغروز في الحائط بدأ يهتز قليلاً.

كان العرق الممزوج بالدماء يغطي وجهه، وصدره يعلو ويهبط من فرط المجهود.

حاول سحب رسغه الأيمن ليفلته من القيد الحديدي الضيق، فتمزق جلده وسال الدم بغزارة على الحديد، لكن القفل كان أقوى منه.
1

"يا بن المرة

صرخ بغضب عارم وهو يضرب الحائط بظهره ويحاول فك قدميه، لكن الضرب الذي تلقاه كان قد نال من قوته.

سقط برأسه للأمام وهو ينهج بضعف، والدموع تفر من عينيه ليس ألماً، بل قهراً وخوفاً على غدران.
1

خرج صلاح إلى حديقة الفيلا بخطوات واسعة، وكان معتز يقف هناك وسط الحرس، ملامحه مهتزة ومصطنعاً حالة من الهياج والجنون، يصرخ بأعلى صوته

- اوعي يالا انت وهو، اوعى،انا عايز اقابل الكلب الي مشغلكم

وقف صلاح أمامه والشرر يتطاير من عينيه، أشار لرجاله بالتراجع، ثم اقترب من معتز وقال بصوت هادئ ومخيف

- هو انت مبتزهقش يلا؟ مش قولتلك كذا مره معرفش مكانها

معتز، الذي كان يمثل دور القلق المخدوع ببراعة، هجم على صلاح لكن الحرس أمسكوا به، فصرخ في وجهه

- غدران بقالها اكتر من تلات شهور مختفية، ومحدش ليه مصلحة في ده غيرك، اخلص وقول ودتها فين

ابتسم صلاح بسخرية مريرة، وهو يقول بخبث

- وانت جي تدور عليها بعد تلات شهور!؟

ارتبك معتز قليلاً لكنه استمر في تمثيله

- انا بدور عليها من زمان، بس انا متأكد ان انت الي اخدتها

زفر صلاح بغضب والتفت لرجاله وقال بصرامة

- انا مليش خُلق ليك، خدوه أرموه بره

دفع الحرس معتز بقوة نحو الخارج بينما كان معتز يحاول المقاومة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عادت صبا إلى غرفتها بجسد منهك وروح محطمة، كانت تجلس فوق سريرها مسندة ظهرها إلى الحائط، تنظر إلى الفراغ بعينين غاب عنهما بريق الحياة.

انفتح الباب ودخلت زنوبة وهي تحمل صينية طعام تفوح منها رائحة فرخة مطبوخة بعناية، ورسمت على وجهها ابتسامة حماسية كاذبة لتداري بها ما في قلبها.
2

- يلا يا ست البنات.. عملتلك فرخة بحالها أهو، كلو عشان خاطر عيونك وعشان تردي حيلك وتخفي بسرعة.

قالتها زنوبة وهي تضع الصينية بجانبها، ثم مدت يدها بآلية لدرج الكومودينو وأخرجت علب العلاج.

فتحت زنوبة شريط البرشام ومدت يدها لصبا قائلة بحنان مبالغ فيه

_يلا يا حبيبتي، افتحي بوقك عشان تاخدي العلاج اللي قبل الأكل ده.

ناوبتها صبا البرشام ببرود شديد، وابتلعتها بصمت بينما ساعدتها زنوبة على شرب الماء.

نظرت صبا إلى الأكل المترف والعلاجات الغالية، ثم رفعت عينيها لزنوبة وقالت بنبرة خافتة لكنها حادة

- جبتي فلوس العلاج والأكل ده منين يا زنوبة؟

ارتبكت زنوبة وتوترت ملامحها، وبدأت تقلب في طبق الشوربة بملعقة في يدها لتهرب من نظرات صبا، وقالت بمزاح مصطنع

- وأنا هجيب منين بس يا حسرة؟ ده جابر.. جابر اللي جابه وبعت الفلوس.

قربت زنوبة المعلقة من فم صبا، لكن صبا أزاحت يدها بقوة وغضب، وصرخت بمرارة

- جابر؟ أنتي مصدقة نفسك يا زنوبة؟

توترت زنوبة أكثر وحاولت النهوض، لكن في تلك اللحظة، ومع حركة رأسها، انزاحت العباءة قليلاً لتكشف عن علامات زرقاء وحمراء واضحة في رقبتها، بصمات واضحة لليلة عنيفة.

تسمرت عينا صبا على تلك العلامات، وشعرت بطعنة في قلبها.

لم تكن صبا غبية، فهمت فوراً الثمن الذي دفعته زنوبة مقابل هذه الوجبة وهذا الدواء. انفجرت صبا بالبكاء وهي تشير لرقبة زنوبة قائلة

- ليه عملتي كدة؟ ليه يا زنوبة؟

انهارت حصون زنوبة، وسقطت الملعقة من يدها، وشاركتها البكاء بنحيب يقطع القلب، وهي تحاول مداراة رقبتها بيدها المرتجفة

- مكنش قدامي حل تاني يا صبا.. مكنش قدامي حل!

ارتمت صبا في حضنها وهي تصرخ بانهيار

- بعتي نفسك تاني عشاني؟ ضيعتي نفسك عشان تشتريلي لقمة ودوا؟ يا ريتني كنت موّت ولا شوفتك كدة!

نفت زنوبة برأسها وهي تحتضنها بقوة وانكسار، وقالت بصوت مجروح

- لا يا صبا.. متقوليش كدة.. أنتي أغلى عندي من نفسي ومن أي حاجة. أنا كدة كدة ميتة، بس أنتي لازم تعيشي.. لازم تقومي وتقفي على رجلك.

قطع كلامهم الموجع صوت ارتطام عنيف هز باب الشقة، تبعه صوت تحطم زجاج النوافذ وكأن إعصاراً اقتحم المكان.

لم تفق صبا وزنوبة من صدمتهما حتى انفجر باب الغرفة ودخل أربعة رجال ملثمين بملابس سوداء، لم ينطقوا بكلمة، بل انهالوا بالضرب المبرح على كل ما طالته أيديهم.
1

تعالت صرخات زنوبة وهي تحاول حماية صبا بجسدها، لكن أحد الرجال جذبها من شعرها وألقاها بعنف بعيداً لتصطدم بالخزانة وتسقط فاقدة للوعي، بينما هجم الآخرون على صبا، لم يرحموا ضعفها ولا مرضها، بل كالوا لها الركلات في كل أنحاء جسدها وهي تصرخ بألم مكتوم ونزيف جروحها يعود من جديد.
1

توقف الضرب فجأة حينما أشار قائدهم لهم، اقترب من صبا الجاثية على الأرض بضعف، وجذبها من ذقنها بقوة ليرغمها على النظر إليه، ثم همس بجانب أذنها بفحيح مرعب يقطر شراً

- حاتم باشا بيمسي عليكي.. وبيقولك دي قرصة ودن صغيرة عشان عرفتي طريق المستشفى واتخطيتي حدودك على أسيادك يا وسخة.

بصق على وجهها وأكمل بوعيد قاطع

- معاكي يومين اتنين بس.. لو مروحتتيش وتنازلتي عن القضية دي، المرة الجاية مش هنضرب.. المرة الجاية هنخلص عليكي أنتي وكل اللي ساكنين معاكي في الزريبة دي. فهمتي؟

ألقى برأسها لتصطدم بالأرض، ثم أشار لرجاله وانسحبوا بسرعة البرق كما دخلوا، تاركين الشقة محطمة وغارقة في الصمت الذي لم يقطعه سوى أنين صبا الممزوج بدموع القهر، وهي تنظر لزنوبة الملقاة بلا حراك، وتدرك أن جحيم حاتم وعائلته لن يتركها حتى يقضي على ما تبقى من أنفاسها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مر أسبوعان، ثم دخلت في الثالث، والبيت أصبح كالقبر المهجور.
2

كانت غدران تجلس في زاوية الغرفة، جسدها الذي كان يضج بالحياة ذبل تماماً، وعيناها غارت من كثرة البكاء والسهر.

كلما سمعت رنين الباب ، يقفز قلبها ظناً منها أنه أنس، لكن الخيبة كانت تصفعها في كل مرة.

كانت الأفكار السوداء تنهش عقلها
1

هل قتله صلاح؟

لم تعد تحتمل هذا الصمت القاتل، قررت أن تكسر عزلتها وتبحث عن طوق نجاة، ولم يأتِ في بالها سوى جمرة.
1

أمسكت الهاتف بيد ترتعش، وبحثت عن رقم جمرة والدموع تغشي رؤيتها. ضغطت زر الاتصال، وبعد جرسين، جاءها صوت جمرة الهادئ الودود

- صباح الخير غدران، كيفك، اشتقتلك

بمجرد أن سمعت غدران صوتاً تعرفه، انفجرت في بكاء مرير حال دون خروج الكلمات من حنجرتها.

انتفضت جمرة في مكانها، وتحولت نبرتها فوراً إلى القلق

- غدران! شو في؟ طمنيني صار شي؟

حاولت غدران استجماع أنفاسها وقالت بصوت متقطع ومنهار

- عمر يا جمرة عمر مرجعش البيت بقاله تلات أسابيع تليفونه مقفول ومعرفش عنه حاجة أنا بموت من الرعب يا جمرة، بالله عليكي قولي لزياد يساعدني، هو صاحبه وأكيد هيعرف يوصله أنا ماليش حد غيره يا جمرة، لو جراله حاجة أنا هضيع!

شهقت جمرة بصدمة، وأدركت أن الأمر جلل، فقالت بسرعة وحزم محاولةً طمأنتها

- يالله! تلات اسابيع؟ وساكتة لهلق؟ راح اخبر زباد ونيجي لعندك لا تخافي، ما راح نتأخر

أغلقت غدران الخط وارتمت على الأرض وهي تشهق، تشعر بأن روحها معلقة بخيط رفيع، بانتظار زياد الذي يمثل أملها الأخير في كشف سر اختفاء أنس.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان حاتم يجلس في ركن الزنزانة، مسنداً رأسه إلى الحائط البارد، وعيناه غائرتان في الفراغ.

لم يكن يرى القضبان أو الوجوه الكالحة من حوله، بل كان يرى وجه صبا وهي تصرخ تحت يده، صدى صوتها المبحوح وهي تستنجد كان يتردد في أذنه كالجرس الذي لا يتوقف.

لأول مرة يشعر بمرارة الندم تنهش قلبه، لأول مرة يدرك أن البطولة التي كان يدعيها دُفنت في تلك الليلة المشؤومة.
قطع خلوته صوت خشن يقترب منه
1

- إيه يا عم مش بكلمك؟

رفع حاتم عينيه باستغراب ممزوج بغضب مكتوم، ونظر للرجل الذي يقف أمامه بوقاحة، وقال بحدة

- في إيه يا عم أنت؟ هو أنا كلمتك ولا جيت جنبك؟

تعصب الرجل وتأهب وهو يصيح

- مالك بتتعصب علينا كدة ليه يا عمنا؟ أنت مش عارف أنا مين ولا إيه؟ شكل نمرتك دي محتاجة تتظبط!

نهض حاتم بوقفة صلبة، والشرر يتطاير من عينيه

- لا يا عم معرفش، ومش عايز أعرف أنت مين غور من وشي الساعة دي!

في لحظة، نهض كل المساجين الموجودين في الحجز عدا واحد كان نائماً في الركن البعيد، وأحاطوا بحاتم. كمل الرجل كلامه بتحدٍ

- لا ده أنت شكلك عايز تتربى بقى!
رفع الرجل يده ليلكم حاتم، لكن حاتم كان أسرع؛ وبضربة خاطفة وقوية، هوى بقبضته على وجه الرجل فأسقطه أرضاً.

تعالت جلبة المساجين وبدأ الهرج، وهنا انتفض الرجل النائم في الركن، صائحاً بصوت جهوري أرعب الجميع

- خخخخ! مالك يا ابن الـع*ص أنت وهو؟ هو الواحد ميعرفش يتخمد شوية منكم؟

ساد الصمت فجأة، وتراجع المساجين بخوف وجلسوا في أماكنهم بسرعة.

اقترب الرجل الذي ضربه حاتم من ياسر وقال بتوتر

- اعذرني يا معلم ياسر بس المستجد ده شكله عايز يشوف نفسه علينا.

نظر ياسر لحاتم من أسفل لأعلى باستغراب وغضب، ثم قال للرجل

_طب غور من وشي دلوقتي

ووجه كلامه لحاتم بصرامة

_تعالى أنت هنا.

اقترب حاتم وجلس بجانبه وهو يزفر بغضب، فقال ياسر بسخرية

- لا متتعصلجش عليا يا عم أنا فيا اللي مكفيني مش ناقص.

نظر إليه حاتم باستغراب من لهجته، فمد ياسر يده وقال برجولة

- ياسر الشيمي.
مد حاتم يده بتردد وقال

_حاتم المرسي.

توقف ياسر عن الحركة فجأة، ونظر لحاتم بدهشة

- أنت ابن أيمن المرسي؟

حاتم بدهشة أكبر

_أنت تعرف أبويا؟

ضحك ياسر بمزاح وتهكم

- طبعاً أعرفه! هو في حد شغال في الحشيش والكيوف ميعرفش أبوك؟

شحب وجه حاتم، وتجمدت الدماء في عروقه

_إيه؟ بتقول إيه؟

رد ياسر باستغراب

- إيه أنت متعرفش إن أبوك شغال في المخدرات ولا إيه؟ ده أكبر تاجر صنف في البلد، واسمه بيسمع في كل حتة!

نفي حاتم برأسه بجنون وهو مصدوم، الكلمات وقعت عليه كالصخرة التي حطمت ما تبقى من صورته عن عائلته.

تذكر كلام أمه وتحذيراتها التي كان يظنها مجرد مبالغات والآن تأكد أن القذارة التي غرق فيها لم تكن منه فقط، بل هي إرث عائلة كاملة تعيش في الوحل.
ووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت سمر تجلس على طرف الفراش، عيناها مثبتتان على نقطة وهمية في الفراغ، وعقلها يغزل خيوط المؤامرة التي ألقاها عادل في أذنها بالأمس.
1

كانت تدرك أن اللعبة خطيرة، لكن طمعها كان أكبر من خوفها.

قطع حبل أفكارها صوت باب الحمام وهو يفتح، ليخرج صلاح والماء يقطر من جسده، يلف منشفة حول خصره بكسل.

لمعت عينا سمر بخبث، وقررت أن تبدأ العزف على أوتاره الآن.

اقتربت منه بخطوات واثقة، وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تهمس بنبرة تقطر عشقاً مزيفاً

- وحشتني يا حبيبي

ابتسم صلاح بخبث وهو يبادلها العناق، ويده تعبث بشعرها

- لحقت أوحشك؟ ده أنا لسه سايبك.

أومأت له بدلال وهي تطبع قبلة رقيقة على عنقه، بادلها القبلة بشغف وشوق، لكن عقل سمر لم يكن معه؛ كان يتحرك في ممرات المصالح والفلوس. ابتعدت عنه قليلاً وهي تتصنع الفضول والقلق، وسألته

- لسه ملقتهاش يا صلاح؟ ملهاش أي أثر؟
زفر صلاح بتعب وضيق وهو يبتعد عنها ليقف أمام المرآة يمشط شعره، وقال بصوت مجهد

- ولا كأن الأرض انشقت وبلعتها قلبت عليها الدنيا وما فيش فايدة. حتى عمر، كنت شاكك فيه، بس الوا بين الحياة والموت تحت إيدي وكل يوم بيحلف إنه ما يعرفش مكانها.

اقتربت منه مرة أخرى، ووقفت خلفه تضع يديها على كتفيه وهي تنظر لانعكاس وجهه في المرآة، وقالت بخبثها المعهود

- طب بقولك إيه يا حبيبي إنت مش خايف لغدران تبيع ممتلكاتها لأي حد؟ أو تتنازل عنهم عشان بس تحرق قلبك وتحرمك منهم؟

توقف صلاح عن تمشيط شعره فجأة، والتفت إليها بصدمة وجحوظ عينين

- تبيع؟ تبيع إزاي يعني؟! ومين اللي هيشتري منها وهي هربانة كدة؟

رسمت سمر على وجهها علامات القلق المزيف وقالت بتمثيل متقن

- يا حبيبي الغدر ملوش حساب، وأكيد هي دلوقتي بتفكر إزاي تكسر شوكتك. ممكن تبيع لأي حد بره، أو تتنازل عن كل حاجة لشخص يوقف حالك، وساعتها مش هتطول منها لا حق ولا باطل.

وقع كلامها عليه كالصاعقة، تراجع بجسده وجلس على المقعد خلفه بذهول، والتمعت في عينيه نظرة رعب حقيقي وهو يتمتم

- دي ممكن تعمل كدة فعلاً! غدران تعملها طب هنعمل إيه؟ كدة كل حاجة ضاعت، وتعب السنين كله هيروح لغيري!

ابتسمت سمر ابتسامة انتصار داخلية، فقد وصل السم إلى العرق المطلوب. اقتربت منه بهدوء وجلست بجانبه، ممسكة بيده بحنان مصطنع وقالت

- اتغدى بيها قبل ما تتعشى بيك يا صلاح إنت معاك توكيل عام بيع لنفسك كل حاجة بالتوكيل ده دلوقتي، وبسرعة قبل ما هي تسبقك بخطوة. ساعتها كل حاجة هتكون بتاعتك إنت، ومحدش يقدر يفتح بقه.

نظر إليها صلاح بتردد، لكن الطمع بدأ يسيطر على ملامحه.

- بس التوكيل ده ممكن يعملي مشاكل لو عرفت تثبت إني بيعت لنفسي وسرقتها

- سرقة إيه يا حبيبي؟ إنت بتحمي حقك وحق عيالنا الي جاين من واحدة مجنونة هربانة! إحنا نكتب العقود بتواريخ قديمة، وأنا أعرف محامي يظبط الدنيا دي كلها في ساعة زمن. المهم تمضي وتخلص، عشان نأمن مستقبلنا قبل ما غدران تظهر وتدمر كل حاجة.

هز صلاح رأسه ببطء، وعيناه تلمعان ببريق الطمع المظلم، وهو يقول

- عندك حق يا سمر هي اللي بدأت، والبادئ أظلم. كلميلي المحامي ده، أنا مش هستنى لما أضيع بسببها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دخلت صبا إلى القسم بخطوات ثقيلة، كأنها تجر خلفها جبالاً من الهموم لا جسداً أهلكه النزيف والوجع.

كان وجهها شاحباً كبشرة الموتى، وعيناها اللتان غادرهما البريق غارقتين في بحر من الدموع المكتومة.

كانت تنظر إلى جدران القسم الباردة وتشعر بالضيق يخنق أنفاسها، فكل ركن هنا يذكرها بضعفها، وبأنها مجرد ضحية في لعبة كبار لا يعرفون الرحمة. كانت تحدث نفسها بقهر يمزق أحشاءها
انها لن تحتمل اكثر من ذالك، يكفي ما حدث معها حتى الان، كادو يقتلوها في المره السابقه، لن تنتظر اكثر من هذا.
1

قلبها يعتصر ألماً كلما قفزت صورة حاتم أمام مخيلتها. حاتم الذي وهبته نبضها، فكان هو الجلاد الذي فتح لها أبواب الجحيم ببروده وخذلانه. كانت تشعر بغصة في حلقها وهي تفكر

- يا ريتني مت يا حاتم قبل ما أشوفك، إنت اللي كنت أماني، كله نهش فيا بسببك انت

نطر لها رأفت باستغراب، وهو يقول بقلق

_صبا صح؟

اونأت له ليتابع حديثه

_خير في حاجه ولا ايه؟

نفت له وهي تفول برجاء

_عايزة اقابل حرب بيه ارجوك

نظر الى حالتها المتعبه، ليومأ لها وهي يقول بهدوء

_حاضر، هو بيمر على المساجين تحت، خشي استني في المكتب وانا هديه خبر

اومأت له، وهي تدخل الي مكتب حرب، لينزل رأفت الي الأسفل، ويفتح الباب الحبس الأنفرادي على حرب الذي كان يعتلى فتاه، يقبلها بنهم، وهي تبادله القبله بشغف مماثل
1

_الله يخربيت امك! في الانفرادي ياحرب!

ابتعد حرب عن هذه التي اسفله، ونظر الي رأفت وهو يقول بغضب

_هو انت معكنن على ميتين امي في كل مره كده ليه؟ مش لاحق اعمل حاجة
1

_خخخخ امال لو لاحق، يبني دانت مبتقعدش في مكتبك، ده مفيش واحده في الدعارة معدتش من تحت منك

زفر حرب بغضب، وهو يشعل السجاره الخاصه به

_ولااا انا مش فايقلك، اخلص قول عايز ايه، وغور من وشي علشان مش فاضيلك

_صبا الي رافعة قضية على حاتم المرسي جاتلك فوق وشكلها مش متظبط خالص، اطلع شوف عايزة ايه

تصلبت معايرة من حديث رأفت، ليوما له سريعا، وهو يقف ليرتدي بنطاله المرمي بعشوائية على الارض، مع ذهاب رأفت، لتقترب هذه الفتاه منه، وهي تقول بدلال

_باشا

همهم لها بلا اهتمام لتتابع حديثها بغضب مدفون

_هي مين دي الي جت فوق وانت اتجننت عليها كده تعرفها؟

كانت علي وشك مد يديها لصدره العاري، ولكنه منعها سريعا، وهو يسحبها من شعرها

_خخخخ مبقاش غيرك يا بت الش***الي تحقق معايا، انتِ مال امك هي مين! انتِ كل الي ليكي فيه هو مزاجي وبس ياروح امك انتِ فهمه!

تأوهت بصوت مرتفع، وهي تصيح بغضب

_ليهه، هو انا نومه بس بالنسبالك
1

_واقل من النومة كمان ياروح امك، ومش بالغصب، انتي الي جيتي بمزاجك وركبتي، يعني مغصبتكيش يا حلوه.

دفعها بعيد عنه بقوه، وهو يصيح مع ذهابة

_كلكم صنف واحد، نسوان وسخه، تروحو لكل ركوبة جديدة شوية.

صعد حرب بخطوات سريعة، يغلق أزرار قميصه بآلية وغضب مكتوم، وصورة صبا لا تفارق خياله تلك الفتاة التي رأى في عينيها شرارة تحدٍ نادرة، هل انكسرت فعلاً؟

فتح باب مكتبه بقوة، لتجفل صبا الجالسة على طرف الكرسي كأنها تجلس على جمر.

تجمدت نظراتهما للحظات؛ هو بملامحه الحادة والمبعثرة أثراً لما كان يفعله بالأسفل، وهي بملامحها المحطمة التي يكسوها الذل والخوف.

حاول استعادة هدوئه المزيف، واتجه نحو مكتبه وجلس ببرود وهو يرمقها بنظرة فاحصة

_ إزيك يا صبا؟

لم تنطق بكلمة، اكتفت بإيماءة بطيئة ورأسها يميل لأسفل، وكأن رقبتها لم تعد تقوى على حمل كرامتها الجريحة.

جلس امامها، ربع إيده وقال بصوت أجش

_ خير إيه اللي جابك في وقت زي ده وبالشكل ده؟

رفعت عينيها المليئة بالدموع، وقالت بصوت يرتجف، منكسر لدرجة الوجع

_أنا أنا كنت جاية وعايزة من حضرتك حاجة

قبل أن تكمل، قاطعها بصرامة هزت أركان الغرفة، وكأنه يقرأ أفكارها

_اسمعي يا صبا هسمع منك أي حاجة غير إنك تقوليلي عايزة اتنازل.

سقطت نظراتها للأرض فوراً، وازداد انكماش جسدها، ليتأكد ظنه.

اشتعلت النيران في صدره، ليس حزناً عليها بل غضباً من هؤلاء الذين استطاعوا كسر شىء ظنه لا ينكسر. سألها بغضب مكتوم

_هددوكي بإيه؟ قوليلي ولاد الوسخة دول عملوا إيه عشان يخليكي تيجي لحد هنا وتبيعي حقك؟

نفت برأسها بقوة وهي تنفجر في بكاء مرير، شهقاتها كانت تقطع نياط القلب، وقف حرب من خلف مكتبه ببطء، ودار حوله ليجلس على الكرسي المقابل لها مباشرة، مقلصاً المسافة بينهما، وقال بنبرة حاولت أن تكون هادئة لكنها مشحونة بالتهديد

_ قولي يا صبا متخافيش هددوكي بإيه؟ أنا هنا، ومحدش يقدر يلمس شعره منك طول ما إنتي تحت حمايتي.

رفعت وجهها الباكي، وعيناها الحمراوان تلتقي بعينيه السوداوين، وقالت بمرارة

_محدش هددني أنا اللي اكتشفت إني مش قدهم مش هقدر عليهم يا حرب بيه دول حيتان وأنا مجرد سمكة صغيرة وسطهم.

رد عليها بصرامة وثقة

_بالعكس! إنتي أقوى منهم بكتير دول خوافين وضعاف، وبيستخبوا ورا فلوسهم، استحالة يعرفوا يعملوا معاكي حاجة طول ما إنتي صاحبة حق الحق بيقوي يا صبا

ابتسمت صبا ابتسامة باهتة، ممزوجة بانكسار يذبح، وقالت بصوت هامس

_ويعمل إيه الحق مع الفقير يا حرب باشا؟ الحق معاهم هما، في نفوذهم وفلوسهم وعلاقاتهم أما أنا؟ أنا مجرد واحدة متسواش في نظرهم مفيهاش حاجة لو قتلوني حتى عشان يوصلوا لمصلحتهم وأنا مش هستنى لما يقتلوني أنا أو حد من أهلي لو عليا أنا، مكنش فرق معايا، الموت أهون من اللي عيشته، بس أهلي لا مش هضحي بيهم عشان خاطر حق ضاع أصلاً.

زفر حرب بغضب، ثم انتصب واقفاً، وخطا خطواتٍ وئيدة في أرجاء المكتب وهو يحاول جاهدًا كبح جماح أعصابه والسيطرة على ثورته، قبل أن يلتفت إليها فجأة قائلاً بنبرةٍ غريبة

_ عارفة من أول مرة شوفتك فيها عجبتيني.

برقت عيناها باستغراب وصدمة، ورفعت رأسها بذهول، فابتسم هو بمزاح خشن ليخفف حدة الموقف

_ لا متفهمنيش غلط عجبني فيكي إصرارك، وشرفك اللي في زمن مبقاش فيه ريحة الشرف واحدة غيرك كانت راحت هددته وأخدت منه قرشين وسكتت، لكن إنتي مسكتيش، خوفتي على كرامتك وسمعتك اللي حاول يسرقهم منك وقليل أوي اللي شبهك يا صبا.

عاد للجلوس قبالتها مرة أخرى، وثبّت نظراته الثاقبة في عينيها وهو يقول بجدية تامة

_متخليش تهديدهم يكسرك ومتخافيش، أنا جمبك ومش هسيبك غير لما حقك يرجعلك تالت ومتلت ومش بس عشان أنا نفسي أكسرهم من زمان، لا عشان إنتي تستاهلي إن حقك يرجعلك فعلاً، وتستاهلي تشوفي راسهم في التراب.

سكتت صبا لثواني، كأن كلامه أعطاها جرعة أكسجين في غرفة مخنوقة، فسألها بنبرة أوضح

_دلوقتي قوليلي مين فيهم اللي كلمك؟ ومين اللي وصلك التهديد ده بالظبط؟

ترددت صبا، لكن نظرات حرب كانت تمنحها أماناً مزيفاً أو حقيقياً، لم تعد تدري، لكنها فتحت فمها لتقول بإنكسار

_حاتم بعتلي رجالة على البيت ضربتني وهددوني اتنازل.

احمرت عيناه كالجمر المشتعل وهو يشتم هذا الحقير تحت انفاسه، ليقول بوعيد

_ورحمة امي، لهخليه يعيش الباقي من عمره في السجن
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بدأت غدران في نوبة بكاء مريرة، وارتمت في حضن جمرة التي كانت تضمها بحنان وتحاول تهدئتها بلهجتها الناعمة قائلة

_روقي يا عمري، وحدي الله يا غدران إن شاء الله ما بوه إلا كل خير، لا تشغلي بالك هيك وتقطعي قلبنا.

بينما كان زياد يتحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر واضح، وعروق جبهته بارزة من شدة القلق، فجأة توقف وانفجر فيها بغضب

_جوزك بقاله تلات أسابيع غايب! تلات أسابيع يا غدران وإنتي لسه فاكرة تقوليلي دلوقتي؟!

ارتجف جسد غدران وزاد بكاؤها وهي ترد بتلعثم وتوتر

_ أنا أنا مكنتش مركزة من خوفي كنت مرعوبة، مكنتش عارفة أعمل إيه ولا أروح لمين الدنيا اسودت في عيني.
1

مرر زياد يده في شعره بغضب عارم، فتدخلت جمرة زوجته قائلة بلهجة حادة ومستنكرة

_زياد! طول بالك عليها، شبك عم بتصرخ بوجها؟ البنت فيها اللي مكفيها، ارحم ضعفها شوي!
1

جلس زياد على المقعد بضيق وزفر بعمق، ثم سأل غدران وهو يحاول كتم غيظه

_هو راح فين آخر مرة؟ قوليلي بالتفصيل

قالت غدران من بين شهقاتها

_صلاح صلاح رن عليه وقاله يجيله ضروري، وعمر قالي ساعة بالكتير وهكون عندك ومن ساعتها مرجعش، وتليفونه مقفول.

هنا استشاط زياد غضباً وضرب الطاولة أمامه وهو يسب بصوت منخفض

_يبقى أكيد عمل فيه حاجة ابن الـعر* عليا الحرام لو عمله حاجة لكون دافنه تحت رجلي!

انتفض واقفاً بسرعة وهمّ بالخروج، فقامت جمرة خلفه بقلق ونادته بسورية قلقة

_على وين يا زياد؟ وين رايح بهالليل؟

التفت إليها والشرر يتطاير من عينيه

_ هكون رايح فين يعني؟! هروح لابن الـوسخة أشوف صاحبي فين وأجيبه!

استوقفته جمرة برجاحة عقلها وقالت

_ تروح هيك؟ وتسأل عليه بصفتك شو؟ يا زياد اقعد واهدى، خلينا نفكر برواق وبدون جنان الغضب ما بيوصل لنتيجة، والزلمة ماله سهل.

تراجع زياد وجلس بغضب، ثم أخرج هاتفه بسرعة واتصل بـ عز، وبمجرد أن فتح الخط قال بصرامة

_ هات إبراهيم وتجولي حالا على شقة انـــ عمر أغمض عيني وأفتحها ألاقيكم قدامي، فاهم؟!

صمت للحظة يستمع للرد، ثم تغيرت ملامحه وظهرت ابتسامة باردة وخطيرة وهو يقول

بدر جه؟ طيب كده جبرت أوي هاتوه معاكم بالمرة تمام، مستنيكم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرج حرب من مكتبه كالإعصار، يطوي درجات السلم في ثوانٍ معدودة، والنيران تنهش في صدره.

لم يكن يرى أمامه سوى وجه حاتم القبيح.

وصل إلى الزنزانة وصاح في العسكري بجهارة

_افتح الزنزانة دي فوراً!

دخل حرب بخطوات مهتزة من فرط الغضب، وجد حاتم مستلقياً على الأرض ببرود.

لم يمهله ثانية واحدة؛ انقض عليه وجذبه من ياقة قميصه بقوة رفعت جسده عن الأرض، ثم سدد له لكمة مدوية في فكه جعلت طعم الدم يغزو فمه.

تأوه حاتم بصدمة ووجع وهو يترنح، لكن حرب لم يتوقف، صرخ فيه بغضب جارف

_ ما كفاكش اللي عملته فيها يا ابن الـوسخة؟ بعتلها رجالتك لحد بيتها يضربوها ويهددوها كمان؟!
1

استعاد حاتم توازنه بصعوبة، وبغريزة الكبرياء التي لم تكسرها القضبان، رد لحرب الضربة وهو يصيح بجنون

_أنت عبيط يالا؟! أنت إزاي تمد إيدك عليا؟! أنت عارف أنا مين؟!

لم تزد هذه الكلمة حرباً إلا وحشية، سدد له لكمة ثانية أقوى من الأولى أطاحت به أرضاً، وانقض فوقه قائلاً بفحيح مرعب

_ أنت اللي إزاي تمد إيدك عليا يا روح أمك؟! بتمد إيدك على ظابط يا ابن المرسي؟ ده أنا هخليك تكمل بقية عمرك تعفن هنا في السجن.

هرع السجناء في الزنزانة ليفصلوا بينهما بصعوبة، تقدم ياسر وحال بين حرب الهائج وحاتم المنبطح أرضاً وهو يقول بمهادنة

_ خلاص يا باشا استهدي بالله.

دفع حرب ياسر بعيداً عنه، ووقف يلهث، يعدل قميصه المبعثر ونظراته تنحر حاتم نحراً، وقال بصوت هز جدران الزنزانة

_ برضه مش هتتنازل يا زبالة وجلستك بعد يومين، وهتتسجن يعني هتتسجن يا حاتم عليا الحرام لجيب حقها منك تالت ومتلت، وهندمك على اليوم اللي اتولدت فيه.

استدار حرب ليرحل والشرار يتطاير من عينيه، ولكن أوقفه صوت حاتم الساخر وهو يمسح الدم عن شفتيه، ضحكة صفراء خرجت من بين أنفاسه المقطوعة وهو يقول

_وياترى بقى بتعمل كل ده عشان حقها فعلاً؟ ولا عشان صدمتك في حبيبة القلب الي مش عارف تنساها؟
1

تصلب جسد حرب تماماً سكنت حركته كأن صاعقة ضربته.

تحولت نظراته في لحظة من الغضب الساطع إلى ظلام دامس، هدوء ما قبل العاصفة الذي ينبئ بمصيبة.

التفت ببطء شديد، وعيناه قد استحالتا إلى جمر مشتعل، واقترب من حاتم الذي كان يبتسم بانتصار واهم.
اقترب حرب حتى صار أنفه يلامس أنف حاتم، وقال بصوت منخفض جداً، وهو الصوت الذي يسبق الموت دائماً

_عليا الحرام يا ابن المرسي، لخليك تشاركها طربتها وقريب اوي، وهتشوف.
1

التفت وغادر وهو يستمع الي صياحه الغاضب

_انا مبعتش حد لصبا، مش حاتم المرسي الي يبعت رجالة تضرب حريم، ياحرب باشا
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد مرور ساعات ، كان صلاح يجلس في مكتب فخم، يفوح منه عبير الورق الرسمي.

جلست سمر بجانبه، تضع قدماً فوق الأخرى بزهو، بينما يجلس المحامي رفعت خلف مكتبه الضخم، يقلب في الأوراق التي أمامه بنظرات فاحصة.

قال المحامي بنبرة هادئة ورسمية

_التوكيل سليم تماماً يا صلاح بيه، والتواريخ القديمة اللي سمر هانم اقترحتها هتحمينا قانونياً، لأنها هتثبت إن البيع تم قبل خلافاتكم الأخيرة بفترة طويلة.

هز صلاح رأسه بقلق لم يستطع إخفاءه تماماً

_ يعني كدة يا متر مفيش أي ثغرة تقدر تمسكها عليا؟ غدران مش سهلة وممكن تقلب الدنيا لو عرفت.
1

ابتسم المحامي رفعت ابتسامة صفراء وقال بثقة

_في القانون يا فندم، العقد شريعة المتعاقدين، وبما إنك معاك توكيل بيع لنفسك ولغيرك، فإنت مغطى تماماً. إحنا هنثبت إنك اشتريت منها الأراضي والمصنع كاش، وهنعمل عقود ابتدائية ونهائية بتواريخ قديمة، وبكدة حتى لو ظهرت غدران هانم، هتلاقي نفسها بتطالب بحاجة مابقتش ملكها أصلاً.

مالت سمر بجسدها نحو صلاح، وقالت بصوت مسموع

_ شوفت يا حبيبي؟ قولتلك المتر رفعت ديب في الحاجات دي امضي بقى وخلصنا من الصداع ده، عشان نعرف نعيش حياتنا ونركز في مستقبلنا.

ناول المحامي صلاح القلم، فترددت يده للحظة، لكن بريق الطمع كان أقوى. وقع صلاح بيده المرتجفة على أول ورقة، ثم الثانية، حتى انتهى من تحويل كل ممتلكات غدران إلى اسمه.

وضع المحامي الأوراق في دوسيه خاص وقال بلهجة منتصرة

_مبروك يا صلاح بيه دلوقتي أقدر أقولك إنك بقيت المالك الوحيد لكل شبر، وغدران هانم لو رجعت، هترجع ضيفة في بيتها مش أكتر.
1

ضحكت سمر بانتصار، وقالت وهي تنظر لصلاح

_ ها يا حبيبي مش كدة أحسن؟ كدة غدران لو فكرت تظهر، مش هتلاقي حتى هدومها اللي كانت بتلبسها.

تنفس صلاح الصعداء، لكن قلق غريب سكن حلقه، قام ووقف وهو يقول:

_ تمام يا متر خلص كل الإجراءات وسجل العقود دي فوراً، أنا مش عايز غلطة واحدة

خرج صلاح وسمر من المكتب، وفي تلك الأثناء، كان هاتفها يهتز في جيبها.

أخرجته لتجد رقم عادل، لتغلق سريعا بتوتر،وترسل له رسالة بخبث

_انا لسة طالعة من عند المحامي، مبروك ياحبيبي، اول خطوه في خطتنا نجحت
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة انس، كان الجو مشحوناً برائحة السجائر والقلق الذي يكاد يُرى بالعين المجردة. دخل بدر بوقاره المعهود وعباءته الصعيدية التي تزيد من هيبته، يرافقه عز وإبراهيم الذين بدت عليهما علامات الاستعداد لكل شيء.
1

أغلق زياد باب الغرفة على غدران وجمرة ليعزل صوتهما المكتوم، ثم التفت لرجاله وجلس وسطهم كالقنبلة الموقوتة.

وضع بدر يده على عصاه الغليظة، ونظر لزياد بعينين تقدحان شرراً، وقال بلهجته الصعيدية القوية

_هو اني كل ما ادلى علي مصر تكون في مصيبة چديده يا ابن المحروج؟ مبتزهقش واصل؟

زفر زياد بغضب، وهو يقول بعدم تحمل

_المصايب هي الي ملزماني يا بدر، معرفش ماضية معايا عقد شراكة ولا ايه

_زياد الموضوع كبير، احنا لو روحنا لي صلاح ده هيشك فينا!

قال عز بعقلانية، ليشاركة ابراهيم الرئي

_ومش بعيد يسأل علينا كمان ويفهم كل حاجة! الموضوع ده عايز يتخططله صح!

اخرج زياد سجائرة واشعل واحده وهو يقول بغضب

_الجماعة بتاعت انس قالتلي انها كانت محبوسة في بادروم في الفيلا بتاعت الخ*ل ده، بتقولي البادروم وره مكتبه في نص الصالة، بتحرك كتاب معين بيتفتح، اكيد هو حابس انس فيه، بس المشكلة ان احنا لو دخلنا جبناه، هيتأكد ان انا عارفين، وان هو الي هرب الحماعة بتاعتة
1

أومأ بدر برأسه وهو يضيق عينيه بتفكير، ثم ضرب بعصاه على الأرض بقوة وقال بصوته الجهوري

_بجولك إيه يا ولد أخوي الحديث ده واعر، وإذا كان البادروم جوه الدار فده معناه إننا داخلين عركة في عِقر داره. بس فكّر معاي زين، لو دخلنا بوش مكشوف هنتكشف، يعني لازم نلعب على المداري

نفث زياد دخان سيجارته بغضب وعيناه تلمعان ببريق الموت

_مداري ايه يابدر! هو انا لسه هستنى رحمته ابن الوسخة!
1

تدخل عز بسرعة محاولاً تهدئة الأجواء

_زياد، بدر عنده حق،احنا نروح ونسأل عليه عادي، كأننا اخواته، ولو عصلج معانا،ساعتها نقوم خناقه.

نظر إبراهيم لزياد وقال باقتراح

_بالظبط كده،احنا حتي نروح من غير الرجالة! نروح احنا الأربعة كده بس، وكأننا بندور على اخونا الغايب بقاله اسبوعين تلاته، ومن المفترض ان هو شغال عند الراجل ده.

هز زياد رأسه بغضب

_تمام! يبقي يلا بينا!

تحرك الأربعة كأنهم كتيبة صامتة، الغضب يحركهم والحذر يلجمهم.

انطلقت السيارة نهشت الطريق حتى توقفت أمام أسوار فيلا صلاح المرسي.

كانت الفيلا تبدو من الخارج هادئة، لكن خلف جدرانها تكمن القذارة كلها.

نزل زياد، وتبعه بدر بهيبته الصعيدية التي تجعل أي حارس يرتعد، ثم عز وإبراهيم.

تقدموا نحو البوابة الضخمة، حيث اعترض طريقهم ثلاثة حراس مدججين بالنظرات الحادة.

تكلم زياد بصوت حاول جعله طبيعياً لكن نبرة التهديد غلبت عليه

_صلاح بيه موجود؟ قولوا له إخوات عمر الهواري الشغال عنده هنا وعايزينه في كلمة.

تبادل الحراس النظرات، ودخل أحدهم ليخبر صلاح، بينما وقف بدر يستند على عصاه وينظر للحراس باحتقار، وقال هامساً لزياد

_اي كل الحرس دي؟ هو عيل للدرچة؟

بعد دقائق، فُتحت البوابة وسُمح لهم بالدخول.

استقبلهم صلاح في الصالة الواسعة، وكان يجلس ببرود وعلى وجهه ابتسامة لئيمة، وبجانبه سمر التي كانت ترمقهم بنظرات متفحصة.
1

قال صلاح وهو يشبك أصابعه

_أهلاً خير يا رجالة

تحدث زياد بغضب

_عمر فين؟

تصنع صلاح عدم المعرفة، وهو يقول بهدوء

_عمر بقاله فترة مجاش الشغل، وأنا اللي كنت هسأل عليه.

تقدم زياد خطوة، وعيناه تجوبان الصالة تبحثان عن المكتبة التي وصفتها غدران، وقال بصرامة

_عمر غايب بقاله تلات أسابيع يا صلاح بيه، وقبل ما يجيلك كان قاعد معايا، وانت رنيت عليه، وقولتله يجيلك، ومن ساعتها تليفونه مقفول، فجايين نعرف هو فين، عشان إحنا مش هانمشي من هنا غير بيه.

شعر صلاح بالتوتر من نبرته العاليه، ليقول بتوتر

_هو فعلاً جالي، وانا ساعتها بعته لشغلانه وكان مفروض يرجع من اسبوع ولسه مرجعش! واخباره اتقطعت عني!

فطن عز كذبته، ليقول بغضب

_شغلانة ايه دي؟ عمر مبيروحش اي شغلانه من غير ما يقولنا!

وضع صلاح قدم على الأخره بتكبر، يحول اخفاء خلفه توتره

_وهيقولك ليه على اسرار شغله؟ ده شغل مهم بيني وبينه مش مفروض ان حد يعرفه

صمتت قليلا،وهو يحاول استخراج اي كذبة من عقلك، ليقول بتوتر

_المهم اصبرو لبكرة، لو مرجعش، انا هسافر بنفسي اشوفه

كان زياد علي وشك التقزم منه بغضب ولكن هنا تدخل بدر، وضرب بعصاه على الرخام بقوة أحدثت صوتاً رن في أرجاء المكان، وقال بلهجة هزت كيان صلاح

_تمام، جدامك للمسا بتاع بكره، اخوي لو مكنش جدامي، انت الي مش هيطلع عليك صُبح، بينا يا رچاله.

غادر القسر وخلقة عز وابراهيم وزياد الذي صاح بغضب

_ايه الي انت عملته ده يابدر! انت سلمتله

صعد بدر الى السياره، وهو يقول بعقلانيه

_الواد ده باين عليه چُبنة جوي، متخافش، صاحبك هيكون في داره بكره بليل اني متأكد، زي ما اني متأكد ان هو عارف مكانه، اصبر لما بكره يعدي، مجتش من ليلة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان الصباح يزحف بخيوطه الأولى الباهتة حين تسللت صبا من فراشها، أنفاسها متهدجة وعيناها لم تذق طعم النوم.

ارتدت ملابسها بسرعة ورعشة يدها تفضح خوفها، ثم توجهت نحو غرفة زنوبة التي كانت تنتظرها خلف الباب وهي تحمل طرحتها بتركيز شديد.

ساد الصمت المطبق في أرجاء البيت، باستثناء صوت دقات قلبيهما المتسارعة.

همست زنوبة بصوت خافت جداً وهي تضع يدها على كتف صبا

_بشويش يا صبا جابر لو صحي وعرف إننا رايحين المحكمة من وراه، هيقلب الدنيا مجزره ده حلف ميت يمين إن مفيش خروج، انا معرفش انتِ مصممة تروحي ليه.

أومأت صبا برأسها بوجع، وقالت بهمس محتر

_لازم أروح يا زنوبة حرب بيه قالي إن النهاردة اليوم اللي حقي هيرجع فيه، لو مروحتش هفضل طول عمري مكسورة، وجابر وغادة مش هيفهموا ده دلوقتي.

بدأتا تتحركان كالأشباح في الممر الضيق.

مرت صبا أمام غرفة جابر وغادة وتوقفت للحظة حين سمعت صوت كحته العالية، فتجمدت في مكانها وكتمت أنفاسها، بينما زنوبة كانت تراقب باب الغرف الأخره الموارب، وهي تدعو الله في سرها ألا يستيقظ احد الآن.

وضعت زنوبة يدها على مقبض الباب الخارجي، وأدارته ببطء شديد يملؤه الحذر، صوت تزييق الباب الخفيف جعل قلوبهما تقفز من مكانهما.

نظرت كل منهما للأخرى برعب، لكن لحسن الحظ، لم يتحرك أحد بالداخل.
بمجرد أن خطتا خارج عتبة البيت، أسرعتا في النزول على السلالم بخفة، وما إن وطأت أقدامهما الشارع حتى سحبت نولة نَفساً طويلاً وقالت بتوتر

_يلا يا صبا، مفيش وقت المحكمة بعيدة ولازم نكون هناك قبل ما الجلسة تبدأ وقبل ما حد هنا يحس بغيابنا ويقلب الدنيا علينا.

كان الجو بارداً، وصبا تشد على عباءتها بقوة، وكأنها تستجمع شجاعتها المبعثرة. نظرت نحو نهاية الشارع وقالت بيقين جريح

_يارب قويني أنا مش عايزة غير حقي، وبس.

سارتا بخطوات سريعة نحو الطريق الرئيسي للبحث عن وسيلة مواصلات.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت شمس الصباح تضرب بقسوة في قضبان الحديد المحيطة بسيارة الترحيلات، حيث وقف حاتم والكلبشات تنهش في معصمه، مربوطاً بذراع العسكري الذي كان يرقب الموقف بملل.

ملامح حاتم كانت غريبة، لم يكن فيها انكسار المجرم، بل كان فيها برود غريب يقف خلفه بركان من الندم المكتوم.

وقف والده أمامه، يغلي من الغضب والخزي، وصاح فيه بصوت سمعه الحراس

_فرحان دلوقتي؟ أدي آخره طيشك وجدعنتك الي ملهاش لازمة اعترافك اللي اعترفته ده هو اللي هيرميك في السجن، ضيعت اسمي بوساختك!
1

رد حاتم ببرود صخري، وعيناه لا ترمشان

_مش فارقة معايا المهم إني مهربتش من اللي عملته، والاعتراف ده هو الحاجة الوحيدة الصح اللي عملتها في حياتي.

في تلك اللحظة، لم تتمالك والدته نفسها، فارتمت في أحضانه وهي تجهش بالبكاء، تضمه كأنها تحميه من المصير المظلم الذي ينتظره، وقالت بنحيب يمزق القلب

_ليه عملت كدة يا حاتم؟ ليه تقهر قلبي عليك يا ابني وتيتم عيني منك؟ حرام عليك اللي بتعمله فينا وفي نفسك!

بادلها حاتم الحضن بصعوبة، ويداه المكلبشتان تلتفان حول كتفها، بينما انجذب العسكري معه قليلاً.

همس في أذنها بصوت منهك، مشحون بالصدق لأول مرة

_حقك عليا يا ماما حقك عليا في كل حاجة عملتها، وفي كل كلمة قولتيها لي زمان وأنا مصدقتكيش فيها وكنت فاكر إني أعرف أكتر منك بس قسماً بالله يا حبيبتي، كل ده هيتغير حاتم اللي جاي غير اللي راح خالص.

ابتعدت عنه قليلاً، نظرت في عينيه باستغراب وهي تمسح دموعها بكفها المرتجف

_قصدك إيه يا حاتم؟

تحولت نظرات حاتم فجأة، وانتقل بصرُه نحو والده بنظرة غضب عارمة، نظرة تحمل اتهامات وسنوات من القهر، وقال بلهجة ذات مغزى

_كله بأوانه يا ماما كله بأوانه.

ثم التفت إلى شقيقته جنة التي كانت تقف منهارة بجانبهما، وقال بصوت حازم

_خلي بالك على ماما يا جنة وانتي يا ماما خلي بالك من جنة.

جذبه العسكري بصرامة وهو يفتح باب السيارة الحديدي

_ما تيلا يا جدع انت كفاية كفاية نكد كدة، اخلص!

بينما كان العسكري يدفعه لداخل الصندوق المظلم، صاح حاتم بجنة بلهفة أخيرة قبل أن يُغلق الباب

_جنة! خلي بالك عليها لو مطلعتش! خلي عينك وسط راسك يا جنة!

اما عند ياسر، الذي كان مكلبش مع عسكري اخر بالداخل، وهو يشرب سجارتة المحشية بالحشيش، ليقول العسكري برعب

_قسما بالله انا سجني علي يدك، ما تخلص

زفر ياسر الدخان، وهو يقول بغضب

_حد قلكم تعملو الجلسة الصبح بدري كده؟ وبعدين انا متعود، معرفش اركز غير لما اتمزج، مش كفايه حرمني من النسوان.
1

انهي حديثه لينظر الى طه اخاه اقترب منه وهو يستند على عكازة، بسبب قدمه اليسرى المصابه وبجانبة شموع التي كانت تزغر بغضب

_ياسر،الحمدالله ان انا لحقتك، متقلقش المحامي طمني بالكتير اوي ست تشهر

لكن ياسر لم يكن معه، بل كان مع هذه الواقفه، وهي تتهزب من عيناه، وتهز جسدها بغضب،ظل نظره عليها، وهو يقول بغضب

_فك الكلبش يا حسنين

تحدث حسنين بصدمه

_نعم يامعلم؟ انت عايز تسجني؟!

_حسنين عشر دقايق بالكتير وهرجعلك، وبعدين انا ياسر الشيمي، يعني دخلت سجون قبل ما انت تتعين، وبعدين طه جمبك، ده اكبر ضمان ان انا رجعلك، اخلص بقى

زفر حسنين بتوتر، فهو لا يستطيع ان يرفض اي طلب لي ياسر، ما ان فك الكلبش حتى سحب ياسر شموع من يديها بقوه، وحصرها على الحائط الذي خلفهم، لينهال على شفتاها يقبلها بفوه، ويداه تقربها منه اكثر واكثر، حتى دفعته شموع بقوه، وهو يصيح بغضب

_اوعى انت اتجننت!

ابتسم بخبث، وهو يهمس لرغبه، ويديه تفرص خصرها

_وحشاني لسان امك الطويل يازبده

تاوهت بهمس وهي تبعد يديه عن جسدها وهي تهمس بغضب

_ايدك لاكسرهالك! وبعدين اي زبدة دي، قولتلك مليون مره اسمي شموع شموع ايه مبتفهمش

يعشق شراستها وقوتها ، نفى لها وهو يعدل حجابها، يدخل هذه الخصلات الشارده إلى الداخل
1

_زبده وبتسيح بين ايديا يازبده، وبعدين يابت المره انا مش قولت متبينيش شعرك ده!

ابتسمت بغرور وهي تقول بخبث

_وانت مالك؟ ابينه اقصه اقلع الحجاب خالس، انت مالك

_خخخخخخ، ليه شيفاني رفعهم يابت المره؟

قال بغضب، ثم تابع حديثه بهمس،وهو يسحبها اليه بقوه، حتى تلامست اجسادهم

_انا هموت وارفع حاجة تانية، بس الوقت مش مناسب، بس مش مهم، هانت

_ده لما تشوف حلمة ودنك

قالت بغضب، ليهمس بخبث،وهو يمرر يديه على صدرها

_لا وحياتك، ده لما اشوف حلمة تانية خالص، الا قوليلي لسه بتلبسه احمر ولا غيرته

اغمضت عيناها بألم من حركاته، لتدفع يديه، وهي تصيح بغضب

_اوعى ايدك لحسن قسما بالله اصرخ واحنا في القسم واقول بيتحرش بيا

عض شفتاه وهو يقول بخبث

_اوووف ياما نفسي اخليكي بتصرخي بجد، بس هانت ست شهور في السجن، عليا الحرام ست شهور ويوم هتكوني تحتي

برغم غضبها الداخلي من حديثه، لكنها ابتسمت بخبث،وهي تقول

_ست شهور ويوم هكون تحت حد تاني يا ياسر

لم تتوقع رد فعله، فهو صفعها بقوه،وهو يقول بغضب

_عيارك فلت يابت الشيمي، انتِ بتاعتي يامره! اتولدتي على ايدي، وهتفضلي بتاعتي!

ما ان فاقت من الصدمه، حتى ضربت صدره بقوه

_لا انا مش بتاعتك، انا مش بتاعت واحد اتجوز تلات مرات

برغم مراوغتها، ولكنه فهم غيرتها، حاوط وجهها، وهو يقول بخبث

_كنت بطفي الي بتعمليه فيا، مكنتيش هتستحملي الي عايزك فيه ياحبيبي، مكنش عندك حاجة ادخله فيها اعملك اي طيب
1

ضربت صدره بغضب وخجل لترتفع صوت ضحكاته، وهو يقول بوقاحة

_جهزي نفسك بقى ياعروسة، لحسن انا هطلع جعانلك، يعني تجهزيلي نفسك كده علشان ده حرمان
خمستاشر سنه يازبدة
1

ابعدت بديه عن جسدها وهي تتحدث بجديه وغضب

_وانا مش عيزاك يا ياسر، ولو اخر راجل في العالم مش هتجوزك.

برغم انكسار ثلبه من حديثها، ولكنه تحدث بمزاح

_وايه الي جابك للي مش عيزاه يا روح امك!

ردت بغضب

_امي! امي حلفت عليا لو مجتش مع طه، هتقعدني من الجامعة!

_حماتي عمتي حبيبتي

نظرت له بغضب وكانت على وشك الذهاب، ولكنه اوقفها وحصرها على الحائط سريعا، وهو يقول بهمس

_رايحة فين! هتمشي كده مش هتريحيه!

_هو ايه؟

قالت بإستغراب، ليضع يديها على بنطاله، وهو يقول بخبث

_ده،الي هيموت عليكي يازبدة

شهقت بخجل وهي تسحب يديها سريعا، وكانت على وشك الصراخ، ولكنه قبلها بقوه، وهو يمتص شفتاها داخل فمه بمتعه، يبتلع جميع اعتراضتها، حتي فصل القبلة لتأخذ انفاسها، وهو يقول بوقاحة

_زبدة، زبدة يخربيت امك.

_بكرهك يا ياسر بكرهك

صاحت بغضب، وهي تبتعد من امامة سريعا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أمام باب المحكمة، كانت الحشود تتدافع، لكن صبا كانت تقف في ركن بعيد، منكمشة على نفسها بعباءتها السوداء، وزنوبة تمسك بيدها بقوة لتثبتها.

لم تمر دقائق حتى وصلت سيارة الترحيلات، وحدثت جلبة كبيرة حين هبط حاتم المرسي محاطاً بالحراسة.

عيني صبا التقت بعينيه للحظة؛ هو نظر إليها بنظرة طويلة، غامضة، خالية من التحدي الذي اعتادت عليه، وهي ارتمت في حضن زنوبة من فرط الرعب والارتباك.

في تلك اللحظة، شق الزحام حرب بزيّه الميري وهيبته الطاغية.

اقترب من صبا، وقف أمامها كالحصن المنيع، وقال بصوت هادئ ومنخفض

كويس انك جيتيي، ما تبصيش وراكي وافتكري إنك مش لوحدك.

هزت صبا رأسها بضعف، ودخلوا جميعاً إلى قاعة الجلسة.

ساد صمت مهيب حين دخل القاضي، وجلس حاتم خلف قضبان القفص.

كانت عائلته تجلس في الصفوف الأولى، والتوتر يكاد يفجر المكان.

بدأ المحامي في سرد دفوعه، محاولاً التشكيك في شرف صبا وادعاء أنها فعلت ذلك طمعاً في المال.

وقف سريعا المحامي الخاص بصبا،الذي تم توكيلة بواسطة حرب، ليرد على كلمات المحامي القذرة، فنهض واقفاً وقال بصرامة هزت القاعة

_سيادة القاضي، النيابة قدمت كافة الأدلة، بما فيها اعتراف المتهم المسجل في محضر التحقيق، والتقرير الطبي الذي يثبت تعرض المجني عليها للعنف. أي محاولة للتشكيك في سمعة الضحية هي محاولة رخيصة للهروب من العدالة.

نظر القاضي إلى حاتم وسأله بوقار

_حاتم ايمن المرسي هل لديك ما تقوله قبل النطق بالحكم؟

ساد صمت قاتل والد حاتم كان ينظر إليه بحدة محذرا.

اما صبا فكانت تنظر اليه، وهي تبكي بانهيار، لا تصدق ان حبيبها هنا! انه فعل بها كل هذا!

وقف حاتم، وأمسك بقضبان القفص، وقال بصوت واضح وصل لكل ركن في القاعة

_أنا معترف بكل اللي عملته صبا مغلطتش، أنا اللي غلطت في حقها وفي حق نفسي.

شهقة عالية خرجت من كل من في المحكمك، من اعترافة، بينما ضرب القاضي بمطرقته منادياً بالهدوء.

تنفس حرب الصعداء وهو ينظر لصبا التي انهمرت دموعها، ولكن هذه المرة كانت دموعاً مختلفة، لا تعلم هل هي دموع حزن ام فرح.

بعد مداولة قصيرة، عاد القاضي ونطق بالحكم

_حكمت المحكمة حضورياً على المتهم حاتم ايمن المرسي بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عما أسند إليه

ضجت القاعة بالصراخ،ارتفعت صرخات عبير، وجنة ذهبت الي اخاها سريعا، وهي تبكي بانهيار، ووالده خرج من القاعة والغضب يعميه.

أما صبا، فقد سقطت مغشيه عليها في أحضان زنوبة، التي ارتفع صراخها برعب
1

_صباااا
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان ونيس يقف أمام بوابة المدرسة، يستند إلى سيارته وعيناه معلقتان بباب الخروج، والابتسامة لا تفارق وجهه وهو يتخيل ركض ابنته ملك نحوه لترتمي في أحضانه كعادتها.

مر الوقت، خرج جميع الطلاب، وبدأت البوابة تخلو من الضجيج، لكن ملك لم تظهر.

بدأ القلق ينهش في قلبه، فدخل إلى المدرسة بخطوات سريعة المتعثرة، وتوجه إلى مكتب الإدارة. سأل السكرتيرة بأنفاس متهدجة

_بنتي ملك ونيس في سنة تانية الطلاب كلهم خرجوا وهي لسه مطلعتش، هي فين؟

نظرت السكرتيرة في السجل بهدوء، ثم أجابت ببرود قتله

_يا فندم ملك مامتها جت أخدتها من نص اليوم، قالت إن عندها ظرف طارئ ومضت في سجل الانصراف المبكر وأخدتها.

وقع الخبر على ونيس كالصاعقة، تراجع خطوة للخلف وهو يشعر أن الأرض تميد به. طلقته ملاك فعلتها! نفذت تهديدها بخطف البنت وحرمانه منها.

انفجر ونيس بغضب عارم هز جدران المكتب، وصاح في وجه السكرتيرة والمديرة التي حضرت على صوت صياحه

_إزاي؟! إزاي تسمحوا لها تاخدها من غير ما تكلموني؟! أنا اللي واصي عليها، الورق هنا! إنتوا عارفين إنتوا عملتوا إيه؟ إنتوا سلمتوا بنتي لواحدة مريضة!

حاولت المديرة تهدئته قائلة بعقلانية جافة

_يا فندم اهدا لو سمحت، دي في النهاية أمها، ومعاها شهادة ميلاد تثبت ده، إحنا قانوناً منقدرش نمنع أم إنها تاخد بنتها من المدرسة، خصوصاً إن مفيش حكم محكمة يمنعها من الرؤية أو الاستلام.

ضرب ونيس بيده على المكتب بقوة أطارت الأوراق

_قانون إيه وزفت إيه؟! أنا هوديكم في داهية المدرسة دي هقفلها بالشمع الأحمر! بنتي لو جرالها حاجة أنا مش هرحم حد فيكم!

أخرج هاتفه وبدأ يتصل بـملاك بجنون، لكن الخط كان مغلقاً.

شعر بالاختناق، فخرج من المدرسة يجري نحو سيارته وهو يصرخ في الفراغ

_والله ما هرحمك يابت العر*

قاد سيارته بجنون نحو بيت أهلها، وفي عقله تتصارع الأفكار هل هربت بها خارج البلاد!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتحت صبا عينيها ببطء، والرؤية مشوشة أمامها، لكن سرعان ما هجمت عليها ذكريات المحكمة والقاعة والحكم وصوت المطرقة الذي دق في رأسها كالمسمار.

انتفضت صبا مفزوعة على سريرها، تنفست بصعوبة ودموعها بدأت تنهار بغزارة وهي تصرخ باسمه

_حاتم حاتم ضاع يا زنوبة! حاتم ضاع!

أسرعت زنوبة نحوها وضمّتها بقوة وهي تحاول تهدئتها

_أخيراً فوقتي يا حبيبتي؟ وحدي الله يا صبا، نشفتي دمي عليكي من ساعة ما وقعتي في المحكمة.

استمرت صبا في بكاء هستيري وهي تتشبث بملابس زنوبة

حاتم، حاتم مستقبله ضاع يا زنوبة ضيعته بإيدي، عشر سنين هيروحوا من عمره بسببي أنا السبب!
1

نظرت لها زنوبة بغضب ونترت يدها قائلة

_يستاهل ! يستاهل وأكتر كمان هو اللي عمل في نفسه كدة، بعد ما ضيعك وكسر قلبك وأخد أغلى ما تملكي، جاية دلوقتي تعيطي عليه؟

نفت صبا برأسها وهي تضرب صدرها بوجع

_لا يا زنوبة أنا اللي ضيعته،انا الي عملت فيه كده، يارتني موت قبل مايشوفني مكنش حصل كل ده يارتني موت.

صاحت زنوبة فيها بحدة

_وهو مقالش كدة ليه يا صبا؟ مقالش كدة ليه لما خد شرفك بإيده وسابك للكلاب تنهش فيكي؟ مقالش كدة ليه لما بعت لك رجالة تضربك في بيتك عشان تتنازلي؟ فالح بس لما أغمى عليكي في المحكمة يقعد يزعق ويصرخ زي المجنون عشان يشوفك!
2

توقفت صبا عن البكاء فجأة، واتسعت عيناها بعدم تصديق وهي تمسح دموعها بكفها المرتجف

_إيه؟ حاتم عمل كدة؟ حاتم صرخ عشاني يا زنوبة؟

أومأت زنوبة بضيق وهي تكمل كلامها

_أيوه، أول ما وقعتي وجسمك ساب، قعد يزعق ويضرب في حديد القفص ويخبط في العساكر عشان يخرج يشوفك، لولا إنهم سيطروا عليه وخدوه بالعافية على الترحيلات،وحرب بيه، الله يكرمه، شالك وكان ناوي يطير بيكي على المستشفى، بس خالتك غادة، الله يجحمها، اكتشفت إننا خرجنا وحلفت ميت يمين لو مكنتش قدامها في اللحظة دي لتقول لجابر ويطلع عنينا، فخليته يروحنا هنا، وهو اللي شالك وطلعك لغاية السرير ده.

عادت صبا للبكاء بانهيار أكبر، فسألتها زنوبة بذهول وعدم تصديق

_إنتي لسه بتحبيه يا صبا؟ لسه بعد كل اللي عمله فيكي وبسببه، لسه فيه في قلبك حتة ليه؟

قالت صبا بقلة حيلة وصوت مكسور

_مش بإيدي يا زنوبة مش بإيدي! كل ما أحاول أكرهه، أحبه أكتر مش قادرة أشوفه محبوس، أنا بموت من جوايا أنا مسمحاه، مسمحاه في كل حاجة بس خليه يطلع بالله عليكي!

لم تحتمل زنوبة رؤية صديقتها تنهار بهذا الشكل، فجذبتها لتعانقها سريعاً وهي تمسح على ظهرها

_اهدي يا حبيبتي اهدي حرام عليكي نفسك، إنتي تعبانة والوجع اللي إنتي فيه ذه كتير عليكي.

فجأة، انتابت صبا نوبة كح شديدة ومؤلمة، جعلت جسدها الهزيل ينتفض.

وضعت يدها على بطنها بتلقائية وهي تتأوه بألم حاد ومفاجئ، وشعرت بغثيان مرير يغزو حلقها.
8

لم تستطع المقاومة، فدفعت زنوبة وقامت تجري نحو الحمام بسرعة لترجع ما في جوفها، بينما بقيت زنوبة مكانها، تنظر في أثرها بقلق ورعب.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جلست حليمة على طرف الكرسي، جسدها يرتجف ودموعها تسيل في صمت وقهر، بينما كانت والدتها تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، وصوتها يجلجل باللوم والتقريع
1

_شوفتي؟ مش قولتلك بكرة يرميكي زي الكلبة؟ وأهو عملها! راح اتجوز عليكي، وكلها يومين والست الجديدة تتدلع، وإنتي يرميكي بره ويطلقك!
2

شهقت حليمة بانكسار وهي تمسح دموعها بطرف طرحتها، لكن أمها لم تأبه لضعفها وتابعت بقسوة

_بتعيطي دلوقتي؟ بتعيطي على إيه يا ختي؟ ما خلاص، كل حاجة راحت شقاكي وفلوسك وفلوس ابنك هتيجي السنيورة تاخدهم على الجاهز، وتعيش في خيرك وإنتي تتفرجي!

انتفضت حليمة فجأة، واشتعلت شرارة الغضب في عينيها رغم الدموع، وقالت بحدة

_على جثتي! فلوسي وفلوس ابني محدش هيقرب منها.

لوت أمها فمها بسخرية لاذعة

_وده هتعمليه إزاي يا فَالحة؟ ده إنتي عبيطة، لا فيه ورقة ولا حاجة باسمك ولا باسم الواد! البت الجديدة دي يومين بس وهتضحك عليه وتخليه يكتب لها كل حاجة ياما قولتلك خليه يكتب لك أي حاجة تأمنك وانتي اللي مسمعتيش

انهارت حليمة بالبكاء مرة أخرى وصاحت

_قولتله! قولتله ياماما وهو اللي مرضاش، كان بيقفل الموضوع ويتعصب عليا!

شوحَت أمها بيدها في الهواء بغضب

_ده عشان إنتي هبلة! معرفتيش تسحبيه وتضحكي عليه بكلمتين اقعدي بقى اتفرجي وفلوسك إنتي وابنك بتضيع قدام عينيكي!

سألتها حليمة بيأس وبكاء

_طب أعمل إيه يا ماما؟ أروح لمين ولا أعمل إيه في المصيبة دي؟

هدأت الأم فجأة، وقعدت بجانب ابنتها

_اصبري بقى خليني افكر هنعمل ايه في المصيبة دي

ظلت تنظر للفراغ بتركيز، وعقيد حاجبيها يشي بفكرة شيطانية بدأت تنضج في رأسها.

سادت لحظات من الصمت الثقيل قبل أن تلتفت لحليمة وقالت بنبرة خفيضة ومريبة

_هو مش جوزك كاتب نص أملاكه باسم أمه؟

أومأت حليمة بألية وهي تمسح أنفها:

_أيوه كاتب لها النص.

لمعت عين الأم بخبث وقالت

_بس يبقى الحل بسيط مضيها!

اتسعت عينا حليمة بصدمة وزهول، وتراجعت للخلف

_إيه؟! أمضّيها؟

زجرتها أمها بغضب وهزتها من كتفها

_ أيوه إنتي لسه هتتصدميلي؟ مضيها من غير ما تاخد بالها، ولا حتى بصميها وهي نايمة، المهم إن كل اللي معاها يكون بتاعك إنتي.،هو ده الحل الوحيد اللي يخليكي تكسري مناخيره هو والبت اللي اتجوزها، ويأمن مستقبل ابنك.
1

سكتت حليمة، وبدأت تفكر في كلام أمها الكره الذي تكنه لحماتها، وخوفها من ضياع كل شيء، والغيرة التي تأكل قلبها من زوجة زوجها الجديدة، كلها بدأت تتجمع لتصنع منها امرأة أخرى.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تجلس على الأرض، ساندةً رأسها إلى حافة الفراش في تلك الغرفة التي باتت تضيق بجدرانها عليها.

عيناها تورمتا من فرط البكاء، وصورة انس وهي تودعه عند الباب لا تفارق مخيلتها.

كانت تهمس لنفسها بصوت مبحوح

_اتأخرت يا عمر تأخرت أوي يا حبيبي يا رب ردهولي سليم، يا رب ماليش غيره.

تعبت من كثرة التفكير، وشعرت أن روحها تنسحب منها مع كل دقيقة تمر. وفجأة، كسر سكون الشقة صوت مفاتيح تتحرك في القفل، ثم صوت فتح الباب بهدوء مريب.

انتفضت غدران من مكانها، قلبتها يدق بعنف كطبول الحرب.

ركضت نحو الصالة وهي تحبس أنفاسها، وما إن وصلت حتى شهقت شهقةً هزت أركان المكان، وتسمرت قدماها للحظة من هول المنظر.

كان انس يقف عند الباب، يسند بجسده على الإطار وكأنه جبل آيل للسقوط.

ثيابه الممزقة كانت غارقة بالدماء، ووجهه الذي تعشقه مشوهاً بالكدمات والجروح التي تنزف بغزارة.

_عمر!!!

صرخت باسمه وهي تندفع نحوه بقلب مفطور، وما إن اقتربت منه ولفحتها أنفاسه المجهدة، حتى رفع عمر عينيه المثقلتين ونظر إليها بنظرة أخيرة حملت كل الحب والألم في آن واحد.

حاول أن ينطق اسمها، لكن قواه خانته تماماً.

تداعى جسده كبنيان هُدمت قواعده، ليسقط بجسده الثقيل في حضنها، غائباً عن الوعي تماماً، بينما تلطخت ثيابها بدمائه وهي تصرخ بهيستيريا

_عمررررررر!
وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
ارتمت غدران على الأرض وهي تحتضن جسده المتهالك، تضع رأسه فوق حجرها، ويداها ترتجفان وهي تمسح الدماء عن وجهه بجنون، وكأنها تحاول مسح الألم نفسه.
بدأت تهزه بقوة، وصوتها يخرج متقطعاً بين الشهقات
1

=عمر! رد عليا يا عمر فتح عينك عشان خاطري.

حاولت غدران استجماع قوتها الضئيلة؛ فالمكان عند الباب غير آمن وبرودة الرخام ستزيد حالته سوءاً.

وضعت ذراعه الثقيلة حول عنقها، وسندت بظهرها على الحائط وهي تحاول رفعه.

كانت أنفاسه تخرج بصعوبة، يئن أنيناً خافتاً يمزق نياط قلبها، ومع كل خطوة كانت تشعر بوزنه يزداد وكأنه يسحب روحها معه، حتى استطاعت بصعوبة بالغة أن تدخله الغرفة وتمدده على الفراش.
1

هرعت نحو هاتفها، يدها كانت ملطخة بدمائه مما جعل شاشة الهاتف تنزلق من بين أصابعها.

ضغطت بسرعة على رقم جمرة.
جرس يرن مرة مرتين ثلاث لا رد.

=رُدي يا جمرة أبوس إيدك رُدي!

صرخت في الهاتف وهي تضعه على أذنها وتنظر لانس الذي بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة، عيناه تفتحان وتغلقان في صراع مرير مع الغيبوبة.

عاودت الاتصال مراراً لكن دون جدوى، فما كان منها إلا أن ألقت بالهاتف وانفجرت في بكاء هستيري وهي تجلس بجانبه على حافة الفراش.

أمسكت يده الباردة وقالت بنبرة يائسة:

=أنا هطلب دكتور لازم حد يجي يشوف الجروح دي يا عمر، أنت بتموت مني!

ما إن سمع كلمة "دكتور" حتى ضغط على يدها بوهن شديد، وفتح عينيه نصف فتحة، محاولاً استعادة وعيه المغيب. قال بصوت واهن، يخرج من أعماق ألمه:

"لأ مفيش دكاترة مفيش راجل يدخل البيت
2

بكت غدران بحرقة وقالت:

"يا حبيبي أنت تعبان، مش وقت غيرتك دي خالص، أنت بتنزف!"

قاطعها بصعوبة وهو يغمض عينيه وكأن الوعي ينسحب منه للأبد

=غدررااان، انا كويس، مفيش اي دكر بدخل هنا لغاية لما افوق، خليكي جمبي وانا هكون كويس.

سكنت حركته تماماً بعد هذه الكلمات، انخلع قلبها وهي تراه يستسلم للظلام مرة أخرى، لكن كلماته الأخيرة رغم قسوتها وهذيانها أيقظت فيها شيئاً من القوة.
1

مسحت دموعها بظهر يدها المرتجفة، وقالت بصوت هامس وعزيمة ولدت من رحم الخوف

=انا معاك ياحبيبي مش هسيبك

نهضت غدران بسرعة البرق، توجهت نحو الحمام وأحضرت حقيبة الإسعافات الأولية ووعاءً به ماء فاتر.
3

بدأت يداها تعملان بآلية مدهشة رغم الرعشة التي لم تفارقها.

  بدأت تقص قميصه الملتصق بدمائه بحذر شديد، لتشهق مرة أخرى وهي ترى جسده؛ لم تكن مجرد جروح، بل كانت علامات ضرب مبرح، سحجات زرقاء وأرجوانية تغطي صدره وظهره، وجرح غائر في جنبه كان هو المصدر الرئيسي للنزيف.

=يانهار اسود! ايه كل ده!! ربما ينتقم منك ياصلاح اللهي تنشل

  وضعت يدها على جبينه لتجده يغلي.

=حرارتك نار يا عمر!

همست برعب وهي تبدأ بوضع الكمادات على رأسه وتحت إبطيه، محاولةً خفض تلك الحمى التي بدأت تنهش جسده المنهك، وبدأت بتنظيف الجرح الغائر بالمعقم.

مع كل لمسة منها، كان أنس عمر يئن بوجع مكتوم، وجسده ينتفض تحت يدها، مما جعل دموعها تنهمر مجدداً.

=أنا أسفة،وجع ثواني وهترتاح،استحملني يا حبيبي معلش حقك عليا

مرت الساعات وغدران لم تغمض لها جفن، كانت تراقب تنفسه كأنها تعد أنفاسه المتبقية في الحياة.

تغيّر الكمادات، وتقيس نبضه كل عشر دقائق، وتهمس في أذنه بكلمات حب ورجاء بأن يبقى معها.

كان جسده يرتجف من أثر الحمى، وهي تضمه إليها محاولةً منحه دفء جسدها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقفت صبا في المنتصف، جسدها يتحرك بآلية ميتة، كبندول ساعة محطم.

كانت أضواء الملونة تتقاطع فوق وجهها الشاحب، وكأنها سياط من ضوء تجلد ملامحها الجميلة التي غطاها مسحوق تجميل ثقيل، يخفي وراءه انكسار سنوات.

تنهدت بعمق وهي تدور، تحاول أن تفصل وعيها عن المكان، أن تصبح مجرد جسد يتمايل بينما ترحل روحها بعيداً.
2

لكن فجأة، شعرت وكأن الأرض قد مالت تحت قدميها.

ارتجفت الرؤية أمام عينيها؛ الأضواء التي كانت تتراقص تحولت إلى دوائر ذهبية مشوشة تطارد بعضها البعض. شعرت بـدوار مفاجئ جعل رأسها يثقل وكأن صخرة استقرت فوق كاهلها.

توقفت الحركة الانسيابية لجسدها لثانية، وتعثرت قدماها ببعضهما.

في تلك اللحظة، داهمها ألمٌ حاد في أسفل بطنها، انقباضة غريبة وعنيفة جعلتها تكتتم صرخة في حلقها.

وضعت يدها بتلقائية فوق بطنها، تضغط بجلد وكأنها تحاول تهدئة ثورة داخلية لا تفهم سببها.

=مالك يا بت؟ وقفتي ليه

جاء صوت جابر رسمي حاداً كالسكين من ركن الغرفة، وهو يرمقها بنظرات نارية وينفث دخان شيشته في الهواء.

حاولت صبا أن تستجمع شتات نفسها، ابتلعت ريقها الذي صار مراً كالشراب القديم، وهمست بصوت متهدج

=دايخة بطني بتتقطع، مش قادرة أصلب طولي.

ردت جابر بقسوه

=ليه ياروح امك؟ مانتي كنتي لسه كويسه؟ اتحركي يابت بلا دلع ماسخ
1

عادت صبا تحاول الحركة، لكن الوجع كان يزداد، شعور بالغثيان يرتفع من جوفها ليخنق أنفاسها.

انحنت قليلاً وهي تلهث، والعرق البارد يغطي جبينها، بينما استمرت الموسيقى في العزف، غير مبالية بتلك الروح التي كانت تتهاوى ببطء في منتصف الصالة.

=اااااااه

صرخت بألم مع سقوطها في منتصف الصاله مع ارتفاع صيحات الزبائن المنزعجه، لتقترب منها زنوبه سريعا، وهي تقول برعب

=صبا مالك ياحبيبتي في ايه؟

=بطني بتتقطع يازنوبه، مش قادره استحمل بمووت

نظرت زنوبه الي وجهها المبلل من العرق برعب، قبل ان يدفعها جابر بقوه للخلف، وشد قبضته علي شعر صبا الصارخه

=قومي ياروح امك انتي هتموتيلي هنا

=بالله عليك ياعم جابر سيبها، سيبها البت بتموت

لكنه لم يستمع لها بل دفعها داخل الغرفه، وهو يقول بصراخ

=مش كفايه الفضايح الي عملتيها، جايه تفضحينا هنا، هي الناس جايه تتمزج منك ولا يتنكد عليها جتك القرف

حاولت زنوبة ان تدخل اليها سريعا ولكن منعها جابر

=انتي رايحه فين ياروح امك! انجري استعجلي سوسن خليها تنزل بدل الي جوه دي يكشي تموت َنخلص منها
1

اما داخل الغرفة كانت صبا تخرج كل ما ببطنها في سلة المهملات وهي تتأوه بصوت مرتفع

=اهههه مش قادرة يارب مش قادرة انا بموت

اسندت رأسها على الفراش وهي جالسة في الارض تبكي بشهاقات مرتفعه ويديها تمسد علي بطنها بحنان
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

اهه

استمعت غدران الي صوت تأوهات انس لتفزع من نومها، وهي تقترب منه سريعا

=حبيبي، براحه ياحبيبي انت تعبان

قالت وهي تسعاده على الجلوس، مالت عليه لترفع جسده ولكنها شهقت بصدمه عنذما شعرت بيديه التي تمسد على صدرها
1

=وحشوني اوي، همرمغ وشي فيهم امتى بقي انا تعبت
2

لم تستطيع الابتعاد بسبب اسنادها اليه، لتقَل بغصب

=في واحد اول ما يصحى من النوم يقول كده بالله عليك

شعرت بقبلاته في مقدمة صدرها، وهو يقَل بخبث

=لما يصحى علي الجنة دي يبقي يقول كده واكتر كمان

ما ان انتهت من اعداله حتي ابتعدت عنه قريبا، وضعت شفتاها على وجنته حتى تستشعر حرارته وابتعدت تحت نظرات انس المصدومه

=انتي بتعمل ايه؟

بقيس حرارتك ياحبيبي، بس الحمدالله نزلت خالص اهو

=انتي بتقيسيها غلط علي فكرة!

قالها بخبث لتقف امامه، وهي تقول بعدم فهم

=امال مفروض اقيسها ازاي؟

=كده

قال وهو يسحبها اليه ليلتقط شفتاها داخل شفتاه يقبلها بلهفه وجوع تحت صدمتها، كانت تحاول الابتعاد عنه حتى لا يتألم، ولكن زمجرته الغاضبه منعتها من ذالك، لتستلم بجانبه، وهي تمرر يديه في شعره تبادله القبله بشوق.

=غدران

قال اسمها بلهفة بين قبلاته، ويديه لا ترحم جسدها المشتعل بلمساته الحاره عليها، همهمت بمتعة، ولكن عندما شعرت بتجرأ حركاته، ابتعدت عنه بصعربه، وهي تقول برجاء

=لا، لالا

ارتفعت انفاسه، وهو ينطر لها بغضب

=لا ليه ياطري، وحشتني ؟

عدلت ملابسها وهي تبتعد عنه سريعا

=ياحبيبي انت تعبان، ولازم تاكل علشان تاخد علاجك، مش وقته ده خالص، انا هقوم اعملك اكله تروم عضمك

غمز لها بخبث، وهو يعض علي شفتاه بإيحاء

=طب ما انا قدامي بطاية اهي هتروم عضمي بس هي عايزه تسبني وتمشي

ابتسمت له وهي تقترب منه بدلال، حتي اصبحت امامه، حاوطت وجهه، وهي تقول بخبث

=تقوم بس بالسلامه، والبطاية دي هتعيشك ليله ولا الف ليله وليله، تبقي كويس وانا هدلعك اخر دلع

حاوط خصرها، وهو يهمس امام شفتاها

=العب! ده انت طلعت شديد بقى

اومأت له، وهي تقبل شفتاه بسطحيه

=اوي اوي هو انت لسه شوفت حاجك، انت شوفت غدران الغلبانه بس، بس مشوفتش المدلعه الي هتجننك انا هخليك متقدرش تبعد عن حضني ساعة واحده
1

كان على وشك تقبيلها ولكنها دفعته بقوه للخلف، وهي تفر من امامه قائله بخبث

=تؤتؤ قولنا ايه؟ لما تخف هتاخد جيزتك كلها، دلوقتي هتقعد تستناني لغاية لما اخلص الغداء
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان حاتم يجلس في ركن هادئ، يريح ظهره إلى الجدار الخشن، وعيناه سارحتان في سقف الزنزانة وكأنه يحاول اختراق قضبانها بخياله.

كان شارد في هذه الفتاه ومع فعله بها، حتى الان لا يستطيع تقبل ما فعله بها، لا يستطيع مسامحة نفسه

لم يكن من هواة المشاكل، لكن ملامحه الرجولية ونظرته الصامتة كانت تستفزه عطوه ، الذي كان يظن أن السجن مملكة يحكمها بالبلطجة.

اقترب عطوه بخطوات ثقيلة، يتبعه اثنان من رجاله كظله.

وقف أمام حاتم مباشرة، وحجب عنه الضوء القليل المتسلل من النافذة العالية.

"قوم يلا، نضف العنبر ده عايز اشوفه بيوبرق، بدل الاشكال وسخة الي الواحد بقى يشوفها"

قالها عطوه بنبرة مستفزة وهو يبصق على الأرض بجانب قدم حاتم.

رفع حاتم نظره ببطء، لم يتحرك جسده، لكن عينيه كانت تلمع ببرود مخيف. أجاب بهدوء مريب:

=الكلام ده تروح تقوله لي امك يلا، تيجي تنضفلك العنبر وبعديها تروق على الرجالة.
1

اشتعلت النار في صدر عطوه، مد يده ليقبض على ياقة قميص حاتم بغل، وفي لحظة خاطفة، انتفض حاتم كالفهد.

بلمحة بصر، قبض على معصم عطوه ولواه بقوة جعلت الأخر يصرخ من الألم، ووقف في مواجهته كالجبل.

=ايدك يا ع*ص لتتعاص رجوله، الحبتين الي عايز تعملهم دول ياروح امك، تروح تعملهم علي اي حد غيري انت فاهم!
1

هجم رجال نصار في وقت واحد، لكن صوتاً جهورياً شق صمت الزنزانة

=عليا الحرام الي هيتحرك من مكانه لكون مسففه الكبانية كله النهاردة!

كان هذا ياسر، الذي اندفع كالإعصار ووقف بظهره لظهر حاتم، مشكلاً معه درعاً بشرياً لا يُخترق. مسح ياسر وجهه بنظرة حادة وقال بلهجة متحدية:

=حاتم تبعي ياعطوة والرجولة اللي بتستعرضها دي، روح بيعها في حتة تانية،ومتنساش نفسك عشان مفكركش بالقديم بطريقتي ياروح امك! ولو ناسي الي هيجان عندك يشهد بعلامتي عليه!

اشتعل الموقف، وتكهرب الجو في الزنزانة، وضع عطوة يديه بين قدميه برعب، وهو يبتلع ريقه، يتذكر ما فعله ياسر به في المره الاخيره
1

كان حاتم يقبض على قبضته بقوة مستعداً للكم الأول، بينما ياسر يوزع نظراته كالنار على الجميع، مستعداً لخوض المعركة للنهاية من أجل صديقه.

تراجع رجال عطوة خطوة للخلف، مع حديث عطوه

=انا مكنتش اعرف انه تبعك يامعلم! بس الي تشوفه نعفو عنه عشانك!

كان علي وشك الذهاب ولكن اقترب ياسر منع واخرج من جيب سرواله السجائر

=يلا ياروح امك غور

ذهب هو و حاتم على فراشهم ليعطيه ياسر سجاره، وهو يقول بمزاح

=عفر ياعم

اخذ حاتم السجاره وهو يشعلها بصمت، حتي قال بفضول

=هو انت عملتله ايه علشان يخاف اوي كده

نفث ياسر دخان سجارته وهو يقول بجرائة

=خوفت ينساني فا علمتهوله عشان كل ما يستعمله يلاقي علامه ياسر الشيمي عليه، واي مرا يدخلها تعرف انه متعلم من الشيمي
1

ارتفعت ضحكات حاتم، الذي قال بعدما تصديق

=علمت عليه ازاي؟

=لا دي اسرار بقى، بس لو عايز تشوف، هوريك لايف

ارتفعت ضحكاتهم التي اشعلت الغضب في صدر عطوه أكثر فهو يتمني ان يرد الصاع صاعين لي ابن الشيمي ولكن تاره اصبح مع هذا اللعين الاخر أيضا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
زوز!"

قالت جمرة وهي تقف امام زياد الذي ترك شيشته، وهو ينظر اليها من اسفلها الي اعلاها، حيث كانت ترتدي فستان ابيض اللون طويل للغاية بأكمام طويلة، وتضع وشاح علي شعرها، ولكن يظهر المثير من شعرها

هبد زياد الشيشة علي الطاوله امامه، وهو يسحبها لتدخل الجزاره، وطرد كل من في الداخل

=بره يلا انت وهو!

خرج الجميع سريعا، تحت نظرات جمرة الخائفه

=زياد شو في؟

=فيه كتير ياروح امك! انا مش قولتلك تداري شعر اهلك ده

حاول تخبئة خصلتها تحت الحجاب، تحت تذمرها

=عم تضل تزحلق وما عم أعرف لِفها، وبعدين قتلك مية مرة ما بدي اتحجب يا زياد!

اغلق باب الغرفة الصغيرة التي داخل الجزاره عليهم، وهو يحاصرها على الحائط

=لازم تتحجبي يامره! لازم تتحجبي عشان مش كل يوم هقتلك كام واحد!

نفت بيأس من حركات زوجها، لتحاول الخروج من الحوار، وهي تدفعه برفق

= طب بعد شوي، خليني روح، اكيد رنا وسمر فلتانين عم يدوروا عليّ

ولكنه لم بهتم بحديثها، بل بدء في تقبيل رقبتها بعدما فك وشاحها عن رأسها مره اخره

=خليهم يدورو

=زياد لا وحياتك، وحياتك مافي وقت خليني روح، بدي اجيب كل الأشياء قبل فرح سليمان بليل اهه

تأوهت بألم عندما شعرت بقرصته على صدرها عندما نطقت اسم سليمان لتضحك بصوت مرتفع على غيره زوجها

=مش هترتاحي غير لما اقصلك ميتين امه صح؟

نفت له وهي تقبله بحب، ويديها تحاوط وجهه

=والله ما بقصدي، ياحبيبي الكلام بيطلع هيك!

=لا يدام بيطلع هيك يبفى نطلعو بقى!

قال وهو يخلع عنها فستانها بلا اهتمام بتذمرها، حتي القاه بجانبها

=زياد شو عم تعمل يا مجنون! زياد احنا في الجزارة وحياة الله بعد يا مجنون

ولكنه لم يكن معها بل كان مع جسدها العاري امامه، اقترب ليقبل رقبتها وهو يهمس بشوق

=لو خايفة سلي وقتك قلعيني، عشان مش هتطلعي من هنا غير لما اعلم لسانك ده الادب، وهو مش هيتعلم الادب غير لما يفتكر هو بتاع مين، وانا هفكره

نطرت له برجاء، ولكنه لم يهتم، وضع يديه على زراير قميصه، لتظفر بغضب، وهي تعلم انه لن يسمح لها بالذهاب

خلعت عنه قميصه، ببطئ، ولكنها شدت قذفتها على قميصه، عندما شعرت بحركات يديه بين قدميها

=زياااد

همهم لها بخبث، وهو يزيد من حركات يديه، لتغمض عيناها بنشوه، وهي تسند راسها للخلف تقرب نفسها من يديه اكثر وأكثر

=زياددد

ابعد يديه عنها سريعا عندما شعر باقترابها، ليبتعد عنها وهو يعدل ملابسه امام المرأه الصغيره التي امامها، تاركها تنظر له بالم وحاجة

=زياد!! ليش بعدت

انتهي من ارتداء ملابسه ليقول بخبث

=يلا ياحبيبي عشان متتأخرش عليهم تلاقيهم بيدورو عليكي

=زياد بالله ما تعمل هيك؟ راح اروح هيك؟

=هيك الي هو ازاي ياقلب زياد، مانت زي الفل اهو، هو انت عايز مني حاجة؟

اومأت له كثيرا بألم، ليقترب منها، وهو يقول بخبث

=عايزة ايه؟

نفت بخجل، وهي تقول برجاء

=وحياة الله!

=ايوه وحياة الله ايه قول ياحبيبي

كان يستفزاها بكل ما يحمله من جهد، لتحاوط وجهه، وهي تقبله بلهفه، حاوط وجهها وهو يبادلها القبله، لتمسك يديها تضعها مكان ما تريد، لكنه ابعدها سريعاً، وهو يقول بخبث

=طب ينفع السرقة دي؟ مش قولنا قولي عايزه ايه

عضت شفتاها بخجل، وهي تقول برجاء

=المسني!

نفى لها، وهو يجلب فستانه من الأرض امامها

=لا ياوتكة! عشان تتعلمي متقوليش اسم اي دكر غيري تاني!

شهقت بصدمه من حديقه، وهي تنفي برجاء

=زياد وحياة الله ما تقول هيك! زياد دخيل الله اريدك!!

كان يتحكم بنفسه بقوه، يتمنى ان يأخذها اسفله الان، ولكنه امسك نفسه بشق الأنفس

=لا قولنا مش هترتاحي علي ايدي النهارده!

اقترب منها ليساعدها على ارتداء الفستان وهو يستمع الي همسها المترجي

=زياد دخيل الله!

كان يتصنع انه لم يستمع اليها، وهو يحاول التحكم بذاته حتى انتهى من مساعدتها في ارتداء ملابسها ليساعدها على الوقوف، وهو يهمس بخبث

=لو تعبانه قوي، افكسي للخروجه دي، واطلعي ياوتكة خدي دش ساقع، هيريحك.

اشتعل الغصب في عيناها، وهي تقول بغضب

=قول هيك! انت عملت كل هيك حتى ماروح معهم صح؟

=لا مش صح ياروح امك! انا لو مش عايزك تروحي مش هتعتبي بره باب البيت، بس انا سايبك بحاجتك علشان لسان ميتين امك ده يتعلم ان ليه حاكم،ويلا اخفي علي فوق علشان عليا الحرام مانتي رايحة في حته ياجمره، يلا اخفي!

نظرت له بغضب، وهي تتوعدله بداخله، َذهبت خلفه الي منزلهم سريعا؛
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
طُرق الباب بخفة شديدة، قبل أن تطل حليمة بوجهٍ رسمت عليه وداعة مصطنعة، وابتسامة هادئة لم تعتدها صفصف منها. كانت تحمل في يدها صينية صغيرة عليها كوب ماء وعلبة الدواء.

=مساء الخير يا ماما قولت أجي أطمن عليكي وأديكي  الدوا بنفسي.

قالتها حليمة وهي تقترب بنعومة، وتجلس على طرف الفراش بجانب حماتها.

نظرت لها صفصف باستغراب واضح، رفعت حاجبها وقالت بنبرة حذرة

=حليمة؟ خير يا بنتي إيه الأدب اللي نزل عليكي فجأة ده؟ ده أنا قولت انك اكيد في النادي من الصبح

تنهدت حليمة بتصنع، وأنزلت عينيها للأرض كأنها نادمة، ثم أمسكت يد صفصف وضغطت عليها برقة

=حقك عليا يا ماما  أنا فكرت في كل اللي حصل وقولت لنفسي وبعدين؟ إحنا مالناش غير بعض، وأنا تعبت من المشاكل والشد والجذب اللي مبيخلصش أنا عايزة نكون إيد واحدة، ونقرب من بعض بجد، وعايزة أصالح أنس وأخلي حياتنا هادية مش كفاية اللي بنشوفه بره؟

لمعت عين صفصف بفرحة لم تستطع إخفاءها، فالكلمات لمست وتراً حساساً في قلبها كأم ربتت على يد حليمة بحنان وقالت

=والله يا بنتي ده أحسن حاجة عملتيها،عين العقل! ربنا يصلح حالك وحال جوزك ويهدي سركم يا رب أنا ميهمنيش غير إني أشوفكم ملمومين ومبسوطين.

في تلك اللحظة، كانت حليمة تراقب ملامح الفرحة على وجه صفصف ببرود تام.

كانت تبتسم في وجهها، لكن عينيها كانت تلمع بذكاء حاد ومكر؛ فكل كلمة نطق بها لسانها كانت مجرد طُعم في صنارتها.

كانت تفكر في داخلها

افرحي ياختي افرحي وصدقي ده أنا هخليكي تمشي ورايا وأنتي مغمضة لحد ما أوصل للي أنا عايزاه.
1

ساعدتها حليمة في أخذ الدواء بتمثيل متقن، وهي تقول بصوت ناعم

=ألف سلامة عليكي يا ست الكل بكره تشوفي حليمة تانية خالص، المهم إنك ترضي عني.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مرت ليلة قاسية، لم يكن الصمت فيها راحة، بل كان ثقيلاً كالجبال فوق صدر صبا.

غابت ملامح العالم ولم يتبقَ سوى أنينها المكتوم وصوت دقات قلبها المجهد.

في الصباح الباكر، ومع تسلل خيوط شمس باهتة من شباك الغرفة الصغير، انفتح الباب بهدوء حذر.

دخلت زنوبة وهي تحمل صينية صغيرة عليها رغيف عيش وقطعة جبن وكوب شاي دافئ، كانت ملامحها تحمل مزيجاً من الإشفاق والقلق والترقب.

وضعت زنوبة الصينية جانباً، واقتربت من الفراش حيث كانت صبا ملقاة كعصفور بلله المطر، وجهها شاحب كالأموات، وهالات سوداء حفرت مكانها تحت عينيها.

هزت زنوبة كتف صبا برفق وهي تهمس بصوت منخفض

=صبا يا حبيبتي، اصحي فوقي معايا.

فتحت صبا عينيها ببطء شديد، شعرت وكأن أجفانها ملتصقة ببعضها.

حاولت الاعتدال لكن جسدها كان خائراً تماماً، وكأن العظام قد فارقتها. همست بصوت مبحوح

=زنوبة
ردت زنوبة وهي تسند ظهرها بالوسائد

=قومي ياصبا جابر نام والبيت هدي لازم تاكلي لقمة عشان تقدري تقفي على رجليكي، انتي وشك بقى أصفر زي الليمونة.

مدت زنوبة يدها بقطعة صغيرة من الخبز، لكن صبا أمالت رأسها بعيداً بتعب، والدموع تترقرق في عينيها

=مش قادرة يا زنوبة ريحة الأكل بتقلب معدتي اكتر

أصرت زنوبة بلهجة حانية ولكن حازمة

=عشان خاطري، ولو قطمة واحدة  انتي من امبارح منزلة كل اللي في بطنك كلي يا حبيبتي عشان تخفي

نظرت صبا إلى يد زنوبة، ثم إلى بطنها التي كانت تؤلمها بنبضات خفيفة ومستمرة.

أخذت القطعة الصغيرة وبدأت تمضغها بآلية، لكن غصة في حلقها جعلت البلع عسيراً.

=انتي لازم تروحي للدكتور، نعرف ايه سبب كل ده

ابتسمت صبا بسخريه وهي تقول بمرارة

=وهنجيب فلوس الدكتور منين

تنهدت زنوبه بتعب، وهي تقول بقلة حيلة

=علي رايك هنجيب منين

صمتت قليلا ثم قالت بتذكر

=انا عندي فكرة، بس هي ممكن متعجبكيش

نظرت لها صبا قليلة لتفهم مقصدها، لتتفي سريعا

=قسما بالله يا زنوبة لو عملتيها هقطع معاكي، انا مش هروح اكشف بفلوس بعتي بيها نفسك! انا لو هموت اهونلي، زنوبه انا عايزة امشي من هنا، انا تعبت كلها كام يوم والحيوان ده هيرجع وهيبقي عايز ياخودني زي ما قال

تنهدت زنوبه بتعب، وهي تقول بكسره

=هنروح فين بس يا صبا، وهنجيب منين

=ضعطت صبا علي يديها وهي تقول بأبتسامه

=سبيني انا هتصرف انا عندي فكرة متخرش الماية

نظرت لها زنوبة بتفكير بسبب هذه الابتسامة الشيطانية
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

فتحت نيرة باب الفيلا الضخم بترنح، وصوت كعب حذائها العالي يرتطم بالأرضية الرخامية بغير انتظام. كانت تتمايل وهي تدندن بكلمات أغنية صاخبة بصوتٍ منخفض وضاحك، ملامحها مرخية بفعل السهر، وشعرها مبعثر فوق كتفيها بطريقة توحي بالاستهتار.

لم تكد تخطو خطوات داخل الردهة الواسعة حتى تجمدت مكانها؛ كانت الأضواء الخافتة تكشف عن صورة والدتها الجالسة فوق المقعد المخملي، واضعةً قدماً فوق الأخرى، وتراقبها بنظرات حادة كالصقر.

قطعت رشا الصمت بصوتٍ يقطر غضباً

=أهلاً يا ست الهانم شرفتِ  سهر ومسخرة وقلة قيمة، وانتي عارفة إن عيون الكل علينا، كنتي فين لغاية دلوقتي!

ضحكت نيرة بسخرية وهي تلقي بحقيبتها على الأريكة
1

=يوووه يا مامي بدأتِ المرشح؟ كنت مع صحابي، بنفك عن نفسنا شوية.

انتفضت رشا واقفة، واقتربت منها بخطوات سريعة

* تفكّي عن نفسك؟ انتي بتضيعي من إيدنا كنز! بِيُطلك ومستهترة ومش عاملة حساب لحاتم ولا لأبوه،حاتم لو شم خبر بسهرك ده استحاله يوافق انه يتجوزك، ولا لو حد من طرف أبوه شافك، الفلوس دي كلها هتطير!

اشتعلت عينا نيرة بالغضب، وصرخت وهي تحاول استعادة توازنها

=حاتم؟ حاتم مين يا مامي اللي خايفة عليه؟ انتي ناسية إن البيه مسجون؟ عايزاني أدفن نفسي بالحيا وأقعد أستنى واحد ورا القضبان؟ أنا مش هتجوز واحد مسجون!
1

لم تتردد رشا، بل رفعت إصبعها في وجهها بحدة، وقالت بنبرة يملؤها الطمع والجشع

=مسجون ولا مش مسجون، المهم الفلوس! حاتم ده مش مجرد راجل، ده بنك متنقل يا غبية، أبوه قعدته في الدنيا مش هتطول، هيعيش له شويه وهيموت، وساعتها كل العز ده هيبقى تحت رجليكي.

اقتربت رشا أكثر، وهمست بفحيح كالأفاعي

=فوقي يا نيرة أنا مهما أخدت من أبوه دلوقتي، مش هيجي ربع اللي انتي هتورثيه وتتحكمي فيه لما تبقي مراته، الجوازة دي هي اللي هتعيشنا ملوك طول العمر، فاهمة ولا لا؟

تراجعت نيرة خطوة للخلف، تنظر لوالدتها وكأنها تكتشف وجهاً جديداً من القسوة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يلا يا حبيبي دي كمان علشان خاطري

قالت غدران بدلال لي انس، ليمد شفتاه، ارتفعت ضحكاتها فهو هكذا من وقت ما انتهت من اعداد الطعام، لا يتناول اي طعام الا بعدما تقبله
1

انحنت عليه وقبلته بسطحيه لتمد المعلقه ليبتلعها سريعا

=كفاية يا غدران مش قادر

=طب لقمة كمان!

=مش قادر ياطري والله انتي بتزغطيني كده كفايه

ارتفعت ضحكاتها وهي تومأ له، وضعت الاناء جانبا، ليحاوط خصرها، وهو يقول بخبث

=اكلنا نحلي بقى

=مش قولنا لما تخف؟

اومأ لها وهو يمرر يديه على جسدها بلهفه

=طب ما في حاجة تعبانة برضو وعايزة ترتاح، ولازم انتي الي تريحيها

=هي ايه دي؟
1

قالت بهمس خبيث، ليشاركها الهمس

=ميشو

ارتفعت ضحكاتها، لتدفعه على الفراش سريعا، وهي تحاصره اسفلها

=لا ميشو يبقى نعالجو طبعا ده الغالي

نظر لها بصدمه، وهو ينظر لها بعدم تصديق
1

=يخربيت امك! انتي اتحولتي كده امتي يابت يخربيتك!!!

ارتفعت ضحكاتها وهي تساعده في خلع بنطاله

=ياحبيبي قولتلك لسه التقيل وره، انت لسه مشوفتش حاجة

نظر الي يديها، وهو يقول بوقاحه

=يعني اول مره انتي هتسوقي والله ماينفع
2

=انا بس هدلع حبيبي شويه! مش هسوق ولا حاجة، فا سيبلي نفسك خالص وشوف حبيبتك هتعمل ايه
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت جنة من باب الكافية يلفح وجهها هواء الليل البارد، كانت خطواتها سريعة، كأنها تهرب من ضجيج المكان بالداخل إلى سكون الجراج.

أخرجت مفاتيح سيارتها من حقيبتها وهي تزفر بتعب، باحثةً عن لحظة هدوء واحدة قبل أن تعود لمنزلها.
لكن، وقبل أن تلمس مقبض باب السيارة، انشق الظل عن جسدٍ مألوف يقف ببرودٍ قاتل أمامها.

تسمرت قدامها، واعتصرت مفتاح السيارة في قبضتها حتى كادت أسنان المعدن تجرح كفها،إنه مصطفى

تحدثت بزفير حاد وعينين متقدتين

=أوف وبعدين بقى في القرف ده؟ إنت إيه اللي جابك هنا يا مصطفى؟

حاولت أن تتخطاه بكتفها لتركب سيارتها، لكنه تحرك بسرعة وسد طريقها، ثم امتدت يده لتمسك بمعصمها بقوة، وهو يتحدث بنبرة مرتعشة بين الرجاء والإصرار

مش هتمشي يا جنة لازم تسمعيني، أنا مش جاي أتخانق، أنا جاي أصلح كل حاجة أنا لسه بحبك.

في لمح البصر، نفضت يدها من قبضته بعنف وكأنها تخلصت من أفعى سامة، ودفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ في وجهه بصوتٍ مخنوق بالغل.

=حبك برص يا شيخ! سيب إيدي دي متلمسنيش تاني إنت إيه؟ معندكش دم؟ معندكش كرامة؟

حاول الاقتراب ثانيةً
=يا جنة اديني فرصة، كل الناس بتغلط أنا عرفت قيمتك لما بعدتي، البيت وحش من غيرك، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع.

ضحكت جنة ضحكة هستيرية، ضحكة خالية من أي مرح، شابتها مرارة السنين التي ضاعت معه.

ترجع لمين؟ إنت نسيت إنت عملت إيه؟ نسيت لما كنت عايز تبيعني لمديرك عشان ترقيتك وعشان شوية فلوس؟ إنت مكنتش جوزي، إنت كنت قواد قواد عايز يقبض تمن مراته!
2

تحدث بصوت خفيض محاولاً الدفاع عن نفسه

=والله كان غصب عني مكنتش قاصد، الشيطان وزني وكنت فاكر إن الموضوع مجرد كلام وتعدي.

قاذفته بحسم كحد السيف

=لا، إنت كنت قاصد، وعارف بتعمل إيه كويس. أنا مش بس كرهتك يا مصطفى، أنا بقرف من نفسي لمجرد إني كنت في يوم شايلة اسمك،كل ما ببص لبنتك وبشوفك ليها بحس ان انا بكرهها، الفلوس اللي كنت هتاخدها من ورايا دي كان تمانها كرامتي وعرضك  اللي إنت معندكش فكرة يعني إيه أصلاً.

أدارت ظهرها له، وفتحت باب السيارة بسرعة البرق قبل أن يستوعب صدمته من كلماتها، تحدقت وهي خلف المقود، تنظر له من النافذة

لو شفت خيالك ورايا تاني، متلومش غير نفسك. إمشي يا مصطفى، إمشي عشان ريحة الماضي بقت تخنقني، واحمد ربنا ان حاتم لغاية دلوقتي ميعرفش احنا اطلقنا ليه.

انطلقت السيارة بصريرٍ حاد، تاركةً إياه خلفها يبتلعه ظلام الجراج، بينما كانت هي تحاول جاهدة أن تلتقط أنفاسها وسط دموعٍ رفضت أن تذرفها أمامه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
اتنفضت شموع من مكانها على صراخ والدتها المرتفع

=ايه يابت الي عملتيه ده انتي اتجننتي

ادركت شموع مقصد والدتها، ولكنها تحدثت بتمثيل

=عملت ايه يامه؟

=انتي هتستعبطي يابت؟ بتوافقي على باسم الرواي؟ عايزة تتجوزيه ياروح امك؟

اومأت لها، وهي تقول بغضب

=وفيها ايه يعني؟ هو انا مش بنت زي باقي البنات ومن حقي اتجوز؟

=من حقك تتجوزي ياروح امك! بس الي هتتجوزيه موجود وكلنا عرفينه!

شعرت بالغضب يكتسح داخلها من حديث والدتها لتصرخ بغضب

=لا ياما انا معرفهوش، وباسم هو الي انا موافقة عليه وهو ده الي هتجوزه!

لم تدرك مالذي حدث، ولكن في دقيقة واحده كانت والدتها امامها تسحب شعرها بقوه

=انتي اتجننتي يابت شكلك، عايزة تروحي تتجوزي اخو الي رمى خطيبك في السجن!

تأوهت شموع بألم، وهي تحاول الابتعاد عن والدتها

=انا مش مخطوبة وقولتلكم مليون مره لو ياسر اخر واحد مش هتجوزه، مش هتجوز واحد اتجوز بدل المره تلاته، وباسم ملهوش دعوه بحوارات صالح وياسر هو براها وجه اتقدملي وجدي خيرني وانا وافقت يبقى ملكيش دعوه

تنهدت والدتها بتعب، وهي تصرخ بتعب

=هتقومي الدنيا يابت الكلب، هتولعي في الشارع اكتر ماهو والع، انتي فاكره لما يطلع ويلاقيكي اتخطبتي لواحد غيره هيسكت؟ ده مش بعيد يدبحهولك في نص الحاره يابت، منك لله يابت بطني منك لله

=بتدعي عليا ليههه؟ هو انا الي بعته؟ انا الي روحت اتجوزت صاحبه؟ انا الي سيبته واتجوز تلات رجاله قدام عينه وقهرته؟ روحي ادعي عليه هو، انا بعمل زي ماهو عمل، انا بت بنوت والف من يتمناني، يعني لما هختار هختار واحد راجل يحبني واكون اول حب في حياته

ارتفعت ضحكات سيده، وهي تقول بقهر

=متتمحقيش اوي على راجل دي ياختي، عشان انا وانتي عارفين ان مفيش ارجل من ياسر الشيمي في المنطقة هنا، وكلها كام شهر يرجع، وهيقلبك الراجل الي انتي بتتكلمي عليه ده مره وقدام عينك، ولو علي اول حب، انا وانتي عارفين ان قلب ياسر مدقش غير ليكي يابت بطني

نظرت الي انكسار ابنتها، وهي تقترب منها قائلة بهدوء

=انا عارفة انك مش بتحبي باسم وانتي بتعملي كده عند في ياسر، بس فكري فيها يابنتي محدش هيخسر غيرك، لما هتلاقي نفسك تحت راجل مبتحبهوش ومجبوره تديه حقوقه، هتلاقي نفسك خسرتي، وبعدين عيلة الراوي مش سهله، واكيد حبه ليكي ده وراها لعبه، هو مش هيعادي اخوه علشانك!!

كانت مقتنعة من حديث والدتها، ولكنها صرخت بغضب

=الحب هيجي مع العشرة، واذا كان علي ياسر، يرجع لي مراته الي لسه علي زمته! وياريت تقفلي كلام في الموضوع ده ياما
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في مكتبٍ يفوح منه عطر الورق القديم وسجائر السيجار الرخيصة.

تحدث المحامي بنبرة خافتة تحمل الهزيمة

=للأسف يا صلاح بيه مقدرتش أسجل الأملاك دي باسم حضرتك، لما روحت الشهر العقاري.

تصلبت ملامح صلاح، ومال بجسده للأمام وكأن الكلمة لم تصل لمسامعه بشكل صحيح.

=نعم؟! يعني إيه مقدرتش؟ الأوراق معاك، والتوقيعات جاهزة، والفلوس اللي طلبتها عشان تخلص

مسح  المحامي حبات العرق عن جبينه

=المشكلة مش في الإجراءات يا فندم، المشكلة في العقود نفسها. الممتلكات اللي حضرتك بعتها لنفسك بالتوكيل اللي معاك، هي أصلاً متباعة لشخص تاني من أسبوع بالظبط!

ساد صمت ثقيل في الغرفة، كأن الهواء سُحب منها فجأة،شعر صلاح ببرودة تسري في أطرافه، تحولت في ثوانٍ إلى نارٍ تشتعل في صدره،انتفض من مكانه وضرب المكتب بيده بكل قوته، حتى اهتزت المحبرة وتناثرت الأوراق.

تحدث بصراخ وغضب عارم

=إنت بتقول إيه يا بني آدم إنت؟! متباعة لمين؟ ومين اللي باعها؟!

تحدث بتلعثم وهو يفتش بسرعة بين الأوراق

=أنا زيك اتفاجئت، بس العقود اللي اتسجلت في الشهر العقاري أقدم من عقودنا وبصحة توقيع نافذة لحظة واحدة أشوفلك الاسم

بدأ المحامي يقلب الصفحات بعصبية وصلاح يزفر كالثور الهائج، وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة الغضب والترقب.

وأخيراً، توقفت يد المحامي عند ورقة معينة، فقرأ الاسم بصوتٍ متهدج.

المحامي

الاسم المكتوب هنا أنس العطار.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت تجلس امام المرآة، وهي تمسد على فمها بألم لتقول بتذمر

=حرام عليك يا عمر بوقي وجعني اوي!
2

رفع انس عيناه من جهازة اللوحي الذي امامه، نظر لها وهو يقول بخبث

=مش انت الي قولت هدلع الغالي ياطري؟ ودخلت بتوقلك؟

زفرت بغضب، وهي تمتم بألم

=مش للدرجادي بجد اي كل ده!

=اي كل ده اي بالظبط؟ حجم ولا مجهود؟؟

=انت قليل الادب قسما بالله!
2

صرخت بخجل،لترتفع ضحكاته، وهو يقول بعدم تصديق

=لالالا كسوفك الي طالع من بوقك ده بعد الي كان فيه من شويه مينفعش خالص

غطت وجهها بخجل، وهي تنفي بندم علي فعلتها

=انت حتي شعري مرحمتهوش!

=هو ينفع فرس من غير لجام يا طري؟ مينفعش طبعا!
2

عاد الي جهازه اللوحي وهو يتابع تسجيلات الكاميرا يشاهد مع حدث معها في غيابة، نظر الي زياد وبدر وباقي الرجال عندما اتو ولكنه شعر بالراحه من عدم جلوسها معهم.

ولكن مشهد جعل الحرائق تشتعل في صدره، وثبتت عيناه الغاضبه عليه.

كانت مشهدها وهي تحتضن معتز وهي تبكي في احضانه
وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
عاد الي جهازه اللوحي وهو يتابع تسجيلات الكاميرا يشاهد مع حدث معها في غيابة، نظر الي زياد وبدر وباقي الرجال عندما اتو ولكنه شعر بالراحه من عدم جلوسها معهم.

ولكن مشهد جعل الحرائق تشتعل في صدره، وثبتت عيناه الغاضبه عليه.
1

كانت مشهدها وهي تحتضن معتز وهي تبكي في احضانه

كان شارد بالفيديو امامه، حتى انه لم يلاحظ جلوسها بجانبه، وضعت غدران شفتاها على وجنتيه تجس حرارته، لتقول بإبتسامه

=الحمدالله حرارتك نزلت خالص اهو، ممكن بقى تحكيلي ايه الي حصل بالظبط والزفت ده عمل ايه؟

نظر لها بغضب، وهو يرفع جهازه الوحي امامها حتى تشاهد الفيديو، لتشاهده باستغراب، وهي تقول

=اي؟ ده معتز! جه يطمن عليا لما كلمته عشان كنت مرعوبه عليك!
1

حديثها زاد غضبه اكثر بداخله، ليصيح بصوت مرتفع

=يطمن عليكي جوه حضنه؟

ايقنت غضبه الظاهر في عيناه، فابتلعت ما بجوفها بتوتر، وهي تقول بارتعاشه

=عمر معتز ده زي اخويا قسما بالله، انا مكنش قصدي احضنه!

=خخخخخخ اخوكي ولا ابوكي! كل ما عنده بتاع مدلدل ملكيش تعدي من قدامه!
6

توسعت عيناها من الفاظه الخادشه، لتصيح بغضب

=عمر! انا قولتلك ده زي اخويا، وانا كانت حالتي صعبه كنت قلقانه عليك ومش لقياك!

القي الجهاز اللوحي بعيدا، وهو يقف علي قدمه

=بتدوري عليا جوه حضنه ياروح امك؟

كان يشعر بالغضب يتملك منه اكثر واكثر، لتقف امامه وهي تحاول تهدئته

=عمر، انت مكبر الموضوع! انت ليه مش فاهم ان انا شيفاه زي اخويا!
+

=وانتي ليه مش فاهمة ان حياتك القديمه دي اتغيرت، ليه مش فاهمه انك بقيتي مع راجل مش هيسمح لي اي ع*ص يشم ريحتك حتى!

كام يتحدث وهو يضغط علي يديها بقوه، لتصرخ بالم، وهي تصيح

=ليهه؟ كنت محبوسه ولا مسجونه! انا ليا حريتي وحياتي ولا انت ناوي تحسبني

اغاظه حديثها اكثر، ليصيح بغضب

=خخخخ حريتك دي جوه حضني، جوه بيتك، بس بره كده دي معرفهاش، ولو حريتك اني اجيبك من حضن كل خ*ل شويه يبقي تنسيها!

اقترب منها اكثر، وهو يتابع بهمس حاد كالافعي

=احمدي من خلقك مرا، وخلاني مش عارف اكسر ميتين امك عضمة عضمة

دفعها علي الفراش خلفها، وهو يقول بخبث

=بس سهلة، انا عارف هطلع غضبي ده في مين، كان نفسي من زمان وهو كتبها علي نفسه الخ*ل
1

قال واتحرك من امامها سريعا تاركها تنظر له بصدمه
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان صلاح ينهش أرض المكتب بخطواته المتسارعة، كفهدٍ حُبس في قفصٍ من الزجاج.

سحب سيجارته بعنف وكأنها أنفاسه الأخيرة، والدخان يتصاعد ليعانق ملامحه الغاضبة التي تشنجت عروقها.

كان الصمت في الغرفة لا يقطعه سوى رنين ساعته الحائطية، وفجأة، انفتح الباب ليدخل صبري بظهره المنحني وأنفاسه المقطوعة.

صرخ صلاح بصوت يشبه فحيح الأفعى

"=أهلاً يا سي صبري لسه فاكر؟ أنت عارف الساعة كام دلوقتي ولا وقتك بفلوس ووقتي ببلاش؟
1

تحدث صبري وهو يرتعد وهو يمسك حقيبته

حقك عليا يا صلاح بيه والله الطريق كان واقف، والمعلومات مكنتش بتطلع بالساهل أنا آسف يا باشا.

اقترب صلاح منه وضغط على مخارج حروفه

=خلصني مش عايز أسمع أعذار. أنس العطار عرفت عنه إيه؟ انطق!

بلع ريقه بصعوبة

=أنس العطار ده مش حد سهل يا باشا ده حوت من حيتان السوق، وكل ناس السوق بتعمله ألف حساب،صاحب أكبر شركات الحديد والصلب في البلد، ومن عيلة العطار العيلة اللي المرحوم والدك كان شريك مع،ابنهم زمان.
1

تسمر صلاح في مكانه، وشحب وجهه فجأة كأن روحاً شريرة سكنته.

انفتحت أبواب ذاكرته على صور قديمة، لم ينسها أبداً. صرخ صرخة هزت أركان المكتب، وبحركة هستيرية، مد يده ليكتسح كل ما على المكتب من ملفات، هواتف، وتحف رخامية، لتتحطم على الأرض بصوتٍ مدوٍ.

صرخ بجنون وصوت متهدج

قول كده، ابن العطار! بقى هو هو اللي رجع يخلص الحساب القديم؟ بقى بينتقم مني أنا؟
1

ثم التفت لـ صبري وعيناه تشتعلان بالغل

=معاك صورته؟ وريني شكله

تحدث صبري بذعر وهو يتراجع للخلف

=لا يا باشا صدقني حاولت، الراجل ده زي الشبح. رغم إنه مالك السوق وكل الناس عارفة اسمه، بس ملقتش له ولا صورة واحدة في أي مكان كأنه بيمسح أثره أول بأول.
1

لم يحتمل صلاح الكلمات، قبض على ياقة قميص صبري بقوة، وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة الغيظ.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان معتز في قمة استثارته، صوت الخبط العنيف على باب الشقة كان يتردد في أرجاء المكان كأنه دقات طبلٍ طائشة.

لم يكن يرى أمامه من فرط العصبية، ظن أن أحد الجيران أو المتطفلين.

تحرك بخطوات واسعة، وعروق رقبته ناتئة من الغضب، ويده تمتد لترباس الباب بعنف وهو يزفر أنفاساً حارقة.
1

تحدث معتز بصراخ يهز الممر

=إيه يا حيوان أنت وهو؟! خلعتم الباب! اللي بيموت ده يصبر ثانية، فيه إيه؟!

فتح الباب بقوة وهو مستعد للشجار، لكن الكلمات تجمدت على لسانه.
1

تلاشت ملامح الغضب فوراً، وحلّت مكانها لمعة فرحة طفولية لم يستطع كبتها.

كان انس واقفاً أمامه، الذي غاب طويلاً.
تحدث معتز بابتسامة عريضة وذهول

=عمر؟! أنت رجعت، حمد لله على السلامة!

تقدم معتز بعفوية ليحتضنه، لكنه لم يلحق.

في جزء من الثانية، كانت قبضة انس الحديدية تهوي على فك معتز بقوة أطاحت برأسه للخلف، ليرتطم بكتف الباب لم تكن مجرد ضربة، كانت انفجار غلٍ مكبوت.

تحدث بصوت يخرج من أعماقه كأنه بركان

=ده انا الي هخليك توحشنا كلنا يا خ*ل

سقط معتز على الأرض، والدم يسيل من طرف فمه، وهو ينظر لعمر بذهول وعدم استيعاب، محاولاً التقاط أنفاسه المخطوفة.

تحدث معتز بألم وتلعثم

=فيه إيه يا عمر؟ أنت اتجننت؟

انقض عمر عليه، مسكه من ياقة قميصه ورفعه بعنف

=خخخخ، ده انا الي هجنن ميتين امك، مش هخلي الدكتور يعرف يخيط فيك حته، بتدخل بيتي وانا مش فيه يا ع*ص وبتحضن مراتي؟

تحدث معتز بصدمة وهو يحاول الدفاع عن نفسه

انت بتعمل كل ده عشان كده، يا عمر افهم غدران أختي! احنا متربيين سوا، هي كانت بتعيط ومحتاجة حد يواسيها، والله ما فيه في دماغي اللي أنت فاهمه ده!
1

كان عمر يجهزه للكمة ثانية وعيناه تشتعلان غيرة

=خخخخ اختك دي عند امك يلا! انت شكلك يلا متعلمتش الرجوله ولا الأصول ! وانا بقى هعلمهوملك.
1

لكمه بقوه،وهو يصيح بغضب

=انا هخليك تشوفها تدير وشك النحيه التانيه يا خ*ل

كان معتز يحاول الدفاع عن نفسه ولكن لكمات انس كانت اقوي منه بكثير

استمع انس الي رنين هاتفه المستمر، ليخرجه، ليسب بغضب وهو يجيب عليه

=نعم يا ع*ص انت كمان

ارتفعت ضحكات زياد، الذي قال بخبث

=مالك ياوحش بتنهج كده ليه اتكلمت في وقت غير مناسب ولا ايه

ادرك انس مقصده الخبيث، ليصيح بغضب

=مش ناقصة ميتين امك عشان مجيش انهج فوقيك انت، اخلص

=خخخخ هو ايه الي اخلص يا يابن المره هو انا فوقك وعايزني اجبهم! مجتش الليلة بتاعت سليمان ليه؟ مانت عارف اننا عاملين ليلة للرجالة قبل الحنة بكره والفرح

زفر انس بغضب، وهو ينظر للذي يحاول الوقوف امامه

=نسيت ياعم، هجيلك، في خناقة بس هخلصها واجيلك

شعر زياد بالقلق عليه، ليقول برجوله

=خناقة مين ياعم؟ وفين؟ اجيلك الرجالة كلها هنا!

ارتفعت ضحكات انس،وهو يقول بسخريه

=لا مش مستهله، ده الولا التوتي بتاع كتب الكتاب

=ارتفعت ضحكات زياد، وهو يصيح

=اوعى الولا الملون ده، هاتو معاك ياعم بعد ما تخلص ضرب، هاته نروق عليه بنفسينا ده جبر هنا وجايبلنا صنف ايه مفيش منه
1

نظر انس الي الواقف امامه، وهو يقول بسخريه

=دي قعدة رجالة يازوز، اجيبه يعمل ايه ده هيروح مننا

ما ان فهم معتز ان الحديث عليه، حتي اقترب منه سريعا، وهو يصيح بسعاده

=انا هاجي معاه يا معلم عم زوز انا سمعت انك عايزني
5

ارتفعت ضحكات زياد حتي انه شعر انه علي وشك التوقف عن التنفس
1

=معلم عم زوز! لا ده حكايه، مستنيكم ياوحش متتاخروش

اغلق انس المكالمه، وهو يقول للواقف امامه بغضب

=قدامك خمس دقايق تكون لبست

=ما انا لابس اهو

قال معتز وهو يشير الي ملابسه، لينظر له انس بصدمه، وهو يقول بسخريه

=انت عايز تيجي معايا بالشورت ابو ورده ده؟

اكد معتز علي حديثه، ليصيح انس بسخريه

=خخخخ ده مش بعيد جبران يركبك لو عملتها، امشي ياعم الله يسهلك البس حاجة، لحسن انت متعرفش انت رايح تقعد مع مين روح

=بس اوعي تضحك عليا وتمشي وتسيبني؟

قال معتز بتحذير وهو يتحرك من امامه ليضرب انس كف علي الاخر بصدمه

=عيل صغير، قسما بالله واخد معايا عيل صغير، بس يلا بركه، يارب الولا جبران يخليه مرا بحق.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
=بقولك يا وتكه

قال زياد لجمره الجالسه علي الفراش امامه، وهي تنظر له بغضب

=نعم

=ماتيجي تلبسيني العبايه لحسن ايدي وجعاني
1

كان يحاول اغضابها بكل مقدرته، ونجح في هذا عندما شاهدها تقف امامه، وهي تصيح بغضب

=انت بتهزر صح!

حاوط خصرها سريعا،وهو يغمز بخبث

=بموت في امك لما بترجعي للمصري

فركت جسدها بقوه وهي تبعد عنه، لتنجح في هذا وهي تقول بغضب

=لا تحاول تحط ايدك على جسمي فهمت؟

=امال احطها فين؟ هنا

قال وهو يمسد علي صدرها، ولكنها دفعت يده بغضب
2

=زياد! انا بتكلم بجد انت نسيت انت عملت ايه! انا بجد زعلانة منك! ومش عايزه اتكلم معاك!

=ماتجيبي بوسة من البوق المصري ده، لحسن ده مبيجيش كتير

كان يغضبها اكثر واكثر، لتصرخ بغضب، من حديثه وهي تجلب القفطان الخاص به حتي تخلص منه

=يعز عليا صراخك الي بيطلع وانتي مش تحت مني ياوتكه

ساعدته في ارتداء القفطان، وهي بتقول بغضب

=تصدق بالله

=لا الله الا الله

=قسما بالله ما شميت ريحة التربيه
1

قالت بغضب، وهي تغلق زراير القفطان لتصرخ بالم عندما شعرت به يقرص مؤخرتها

=المؤدب ده مبيجبش عيال ياروح امك، كنتي عايزة تتجوزي واحد يوقفه جواكي مره كل شهرين ولا ايه.
1

نفت بيأس، وهي تجلب المشط حتى تعدل خصلاته

=مكنتش عايزة اتجوز واحد لسانة اوسخ من عقلة يازوز

كانت تقف على اطراف اصابعها حتى تصل اليه ليحاوط خصرها، وبحركه خبيثه ضغط بجسدها السفلي علي جسده لتشهق بصدمه، وهو يتحدث

=خخخ، لساني ده الي بيكون زي السكر وهو جو**
1

وضعت يديها علي فمه سريعا، وهي تقول بصراخ

=خلااااااص، ابوس ايدك خلاصصص انا اسفة انت زي الفل

=ايوه كده اتظبطي

زفرت بغضب وهي تجلب العطر الخاص به، ووضعته في رقبته، وكعادتها بعدما وضعته، اشتمت رقبته، وهي تقول بهيام

=ريحتك لحالها بتجنن وبتسوى ألف عطر، فما بالك إذا تعطرت فوقها.

نظرت في عيناه،تنظر الحب الذي ينبع من عيناه، ولكن هذا لم يدوم عندما قال بخبث

=ميجيش حاجة في ريحت الغالي والله
1

اغلقت عيناها بيأس، وهي تبتعد عنه

=امشي يا زياد، وحياة الله امشي
1

ارتفعت ضحكاته المستفزه وهو يغادر المنزل امامها، لتقول بغضب

=ماشي يازياد، وحياة الله رح اوريك
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
منورنا با رجالة
1

قال زياد وعز و ابراهيم مع بعضهم بعد صعودهم الي سطح المبنى

=خخخ، جايبنا بدري يا خ*ل وانت قاعد بتتمزج تحت

قال جبران الجالس امامهم بغضب، لترتفع ضحكات زياد، وهو يقول بسخريه

=انت لحقت تقلع يلا! انت على طول معريلنا فخادك كده!

نفث جبران دخان سجارته، وهو يرد بسخريه

=كنت هقلع الشورط كمان بس خوفت علي الغالي ياخد بارد
1

ارتفعت ضحكات الرجاله من حولهم، ليقول بدر بسخريه

=ورينا يا مروح الحزين عتورينا إيه؟ وعتمخطر بيه عاد؟ ده صباعي أطول من خلجة اللي چايبه

ارتفعت ضحكات جميع الرجال من حولهم، ليقف جبران سريعا، وهو يستعد لقلع الشورط الذي يرتديه

=خخخ صباعك! عليا الحرام لهوريك وبعد كده هكيفك بيه يا ابن المره!
3

امسكه ايوب سريعاا، وهو يقول بغضب

=ماتقعد بقى ياروح امك هو انت ماصدقت تقلع!

اعطاه جبر سيجاره، وهو يقول بخبث

=اهدا عاد يا كبيرنا اهدا وخدلك نفس من دي، عتظبط النفوخ وتچيب الراس الأرض دي فركة أخوك، ولد الچبل، ميعرفش سرها واصل غير اللي عچنها

اومأ له جبران وهو يأخذها منه سريعا، ليقول داغر بغضب
3

=وانا يامعلم! ولا انت مبتديش غير للحبايب!

=اخخ ده أنت تبع حبيبي الغالي، وعزك من عزه يا خوي خد يا سيد الرچالة، دي لأچل خاطرك.

اخذ داغر السيجارة سريعا، وهو، يقول الي نوح باستغراب

=مين الي جمبك ده يانوح؟

=ده الشيخ حمد العرباوي ! راجل مجدع اوي قريبي من بعيد شويتين، كان عندي لما كلمتني فا جبتو معايا.
1

مد زياد يديه،وهو يقول بتحيه

=منورنا يا شيخنا، معلش اعذرني من شوية الانجاس دول مشموش ريحة التربية
2

=ما عليك يا ولدي استهدي، أنتم شِباب والشباب كلهم هبة ريح وطيش ما ينلام راعي الصبا

=خخخخ أباي! عتحدثنا عالحيا والأدب يا واد؟ ده أنت كبير العفاشة، وسيد من مشى في العيبة
1

قال جبر بسخريه، ليرد عليه زياد بغضب

=هخخخخ، ليه ياروح امك كنت بركب ديابة شبهك!
2

ارتفعت ضحكات جبر، وهو يقول بسخريه

=الديابة دي مركبنهاش واصل الديابة دي خويي وونيس في الچبال، طول عمري قاضيها في حجر الجبل، عتريدوني أخاوي إيه عاد؟ أهي أي لينة تكسر وحشة الوحدة وتونس القعدة.

=بتونس وحدتك بالديابة، طب ماتجيلي يسطا، هونس وحدتك، بكام واحده انما ايه اوووف كل واحده ترفعهولك اكتر واكتر.

تحدث جبران بخبث،ليصفعه نوح، وهو يقول بقرف
1

=هو انت كل الي في دماغك الستات يا زباله! ماتحترم نفسك!

ضحك جبران بصوت مرتفع وهو يقول بسخريه

=اعذرني يامستر، مش هعمل كده تاني

ضحك جميع الرجال من حوله، ليقول فارس الذي اتى علي حديثهم

=انا هموت واعرف يانوح ازاي شغال في مدرسة داخلي مع بنات لا وبتبات في المدرسة كمان، ومبتحبش الستات ده انا لو مكانك كان زمان نص المدرسة حامل مني.

نظر له نوح بأشمئزاز، وهو يقول بغضب

=هو كل الناس تفكيرها وسخ شبهك كده، وبعدين انا مليش في الستات

=أباي! عتقول إيه يا واكل ناسك ملكش في الحريم! لتكون ليك في الرچالة يا مردوف
2

قال بدر بغضب ظاهر، وهو يقف استعداد لضربه، لكن مسكه العقرب سريعا، وهو يعانقه باشتياق

=استهدى بالله ياعمده مانت عارف نوح، هو ملهوش في النسوان ولا بيحب يلمسهم، وحشتني والله

بادله بدر العناق، وهو يقول باشتياق

=توحشتك يا ابن الرفدي،وتوحشت لسانك العفش.

=الي يشوفكم كده ميشوفكوش من كام سنه وانتو ماسكين بعد ضرب وشتيمه وبتخلصو على بعض

قال فارس بسخريه، ليرد العقرب وهو يجلس بجانبه

=النفوس بتتصافه

=ايوه نفوسكم انتو تتصافه والبت لغاية دلوقتي مش عايزه تبص في وشي، بقالي سنتين ونص حياتي ناشفة منكم لله

ما ان انتهي حديثه حتى قال جبران باسف

=خخخخ سنتين ونص مجبتهومش؟ وحابسهم كل ده ازاي يسطا! ده انا لو عدى عليا اليوم ومريحتهوش في اربعه خمسة معرفش انام

=وكأني شايف زياد زمان

قال عز بسخريه ليوما له زياد وهو يشاركه الحديث

=يلاهوي فاكر، بس انا موصلتش لمرحلة الوسخ ده، ده بيلم بالتلاته حواليه في المره، معرفش جايب الصحة دي منين الخ*ل

=الصحة بقتت تتباع في الصيدليات يامعلم

قال انس الذي دخل عليهم، ليقفو الجميع سريعا، فجميعهم يحبون انس ويحبو صحبته

=عم العيال

قال زياد وهو يعانقه، ليهمس انس في اذنه وهو يبادله العناق

=اسطلي الي جمبي ده عشان ده لو فضل فايق هيعرف الحقيقة ويفضحني

=متقلقش ياوحش

ابتعد عنه لينظر الي معتز الذي يفتح ذراعيه استعدادا لي عناقة

=وحشتني يامعلم عم زوز

ارتفعت ضحكات زياد، وهو يومأ له

=تسلميلي يا امريكاني

=امريكاني؟؟

قال معتز بإستغراب ليوما له زياد، وهو يشرح له مقصده

=مانت ملون تبقي امريكاني جبررر

صرخ في نهاية حديثه، لينظر له جبر بتأهب

=اتوصالي وحياة ابوك

قال وهو يدفع معتز في اتجاه ليأخذه جبر سريعا، وهو يقول برجولة

=مِن عيني يا غالي، أحلى واچب لچل خاطر أغلى غالي تَعال يا ولد الأصول في حِچر أخوك، المحل محلك.

مال جبران عليه، وهو يقول بخبث

=ماتخودني انا علي حجرك يا غالي لحسن وحشتني اوي
1

نظر له معتز بصدمه، يحسب انه يتحدث بحق، ليشاركه داغر الحديث، وهو يقول بحزن

=اخص عليك يا جبران! بعد كل الي ادتهولك عايز تغدر بيا وتخوني؟ هو انا مكيفتكش؟
1

نفي له جبران، وهو يحاوطه في احضانه

=لا طبعا يا حبيبي هو انا اقدر، بس نقول ايه حبيبك مبيكفهوش واحد، وبعدين انت بقيت واسع اوي عايز حاجة ضيقه تمزجني.

=اتفو ملعون أبوكم لابو اللي جمعكم يا رمم! غوروا من قبالي، عفاشتكم سدت الخلق.

صاح بدر بغضب وهو يبتعد للجلوس بجانب حمد، الذي قال بأبتسامة

=لا تشيل في خاطرك، هذا لغى بزارين وجيل طايش، مزحهم غثيث وهرجهم ما يوزن عقل.
1

=قوله ياشيخ، لحسن ده كل ما حد يتنفس جمبه يتقمص

قال نوح بغضب، ليشاركه بدر الصياح

=ااه، مانت علي كيفك حديثهم العفش ياخ*ل

=خخخخ مليون مره اقولك انا مش مخنث يا ع*ص أنا مليش في النوم مع الحريم، مبحبهمش ايه الي مش مفهوم.

=معذور مانت مجربتش، بس لو كنت جربت، اووووف ياجدع اوفففف، عليا الحرام، لهتشغلة كل دقيقة.

طبعا تعلمون من تحدث السافل في هذه الجلسة الذي صعد على سفالة زياد، جبران السافل

كان فارس يجلس وكأنه في عالم تاني، لا يتفاعل معهم، ليقول له انس بصحوبيه

=مالك شايل الهم ليه؟ مشكلتك لسه مخلصتش

زفر فارس بتعب، وهو يومأ بتنهد

=لسه مش طايقة تبص في وشي داخل في السنة بلف حوليها وهي مش موافقه، انا لسه مكتبتش عليها لغاية دلوقتي، واخد البت حجة عشان افضل لازق فيها بس غير كده مش عايزه تلين

ربط انس على ظهره، وهو يحاول التخفيف عليه

=كله مع الوقت هيتحل، وبعدين انت الي عملته مش قليل يا فارس، ده انت كنت راسم عليها حياه غير الحياه

تذكر مع فعله في غدران، ليقول بهمس ساخر لنفسه

=كأني انا معملتش كده، ياتري هتعملي ايه لما تعرفي الحقيقة يا غدران.

نظر الي داغر في نهاية حديثة، وهو يقول بسؤال

=وانت عملت ايه؟ لسه في السر زي مانت

نفث داغر دخان سجارته، وهو يومأ له

=لسه، وشكله هيفضل في السر، دي العيلتين مولعين في بعض اسأل جبر ماهو الي بيبعلهم السلاح، كل يوم في مشاكل وخناق وبيصفو في بعض، بس انا مطمن عليها وهي في حضني بعيد عنهم

=ابوك هيخلص عليك ياداغر لو عرف، وابوها كمان

تنهد داغر بقلق، وهو يقول بثقل

=سيبها علي الله، كل حاجة وليها حل.

=لا انتو ناوين تنكدو علينا هخلع، انا جي اشهيص هنا!

قال ايوب بتمزج، ليشاركه الجميع في قوله، ليقول عز باستغراب

=ولا يا جبران انت مش قولت هتجيبلنا كام حته طريه يرقصولنا.
1

=ما كانو هيجو بس تعبو شويه!

=تعبو فين؟

سأله عز ليجاوب بخبث

=تعبو علي سريري، مانا قولتلهم يعدو عليا نيجي مع بعض، بس شكلي اتغاشمت عليهم شويتين فا فرهدو مني سبتهم وجيت

استمع الي صوت تصفيق مرتفع بجانبه، لينظر الي معتز الذي يقول بسكر

=انت كده

قال وهو يرفع اصبعه بتحيه، وتابع

=وانتو ناس زي الفل ومية مية

=وش بلاه هذا؟ وش غير هرجه وعفش منطقه كديه
1

قال حمد باستنكار، ليقول انس بمزاح

=معلش ياشيخ مبلغش بس والحاجات دي جديدة عليه

اوما له معتز وهو يقف بصعوبه ويسير بترنح

=ايوه ايوه انا مبلغتش، عايز ابلغ
1

سقط بجانب جبران الذي دفعة بغضب، وهو يقول بصياح

=هخخخخ انا مش بتاع بلوغ ياروح امك انا بتاع طهور عايز؟
1

سحبه انس سريعا من جانب جبران، وهو يقوله بضحكات مرتفعة

=تعالى الله يخربيت امك ملقتش غير ده تقع قدامه ده مش بعيد يركبك

دفعة معتز بغضب، وهو يصيح

=اوعيييييي، انا عايز اقلع شبه، الدنيا حررررر

فك سرواله سريعا، وكان علي وشك فك الشورط الخاص به ليمنعه ايوب الذي قال بصياح

=الله يخربيت امك بتعمل ايه حد قالك ورينا اعضائك

اوما له معتز، وهو يقول بسوكر

=انتو مش غرب هورهولكم، هوريكم انا مبلغتش ازاي
4

=لا ده انتو القعدة معاكم تشيلني الذنوب انا همشي

قال نوح وهو يغادر ومعه حمد الذي اعتذر منهم وذهب واما جبران فسند ظهره للخلف، وهو يقول يخبث

=ماتخليه يورينا ياعم، اهو نقيم

=ايوووووه اوعييييييي

قال معتز وهو يدفع ايوب، ولكن قبل ان يخلع لباسة، لكمه بدر سريعا، حتي سقط في الارض، ليقول بدر بغضب

=ماتهمد بجى ياابن الرفدي، حد جالك عايزين ناخد صوره معاه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1

وقف ونيس أمام الباب الخشبي المتهالك في أحد أحياء ضواحي المدينة، أنفاسه متلاحقة وصدره يعلو ويهبط كأنه قطع المسافة كلها ركضًا.

لم تكن دقات قلبه بسبب التعب، بل كانت مزيجًا من الغضب المتفجر واللهفة التي كادت تأكله وهو يبحث عن ملك في كل مكان منذ تلك اللحظة المشؤومة أمام باب الحضانة.

دون تردد، هوى بقبضته على الباب طرقًا عنيفًا، زلزل أركان الممر الضيق.

مرت ثوانٍ كأنها دهر، قبل أن ينفتح الباب مواربًا، لتطل منه طليقته بوجهٍ شاحب سرعان ما تحول إلى قناع من التحدي والجمود فور رؤيته.

ونيس بصوت يرتجف من الغضب المكتوم

=أنا مش هسأل عملتي كده ليه ولا استفدتي ايه هاتي ملك يا مكة، هاتي بنتي وبالذوق بدل ما أهد الدنيا على دماغك ودماغ اللي خلفوكي.

تحدثت مكه بلهجة حادة ومريرة

=مش هتاخدها يا ونيس! كفاية بقى تحكمات البنت مكانها مع أمها، وأنا مش هسيبك تحرمني منها تاني وتعيشها في دوامة مشاكلك.

دفع ونيس الباب بكتفه بقوة لم تتوقعها، ليقتحم الشقة الضيقة وهو يصرخ

=أحرمك منها؟ هو انتي فضيالها اصلاً؟ انتي عيزاها ليه

صرخت مكة وهي تقف في طريقه وتدفعه في صدره

اخرج بره! ملك نايمة ومحدش هيقرب لها أنت فاكر إنك بكلمتين هتاخدها وتمشي؟ البنت دي بنتي أنا كمان، وليا حق فيها أكتر منك!

تعالت أصواتهما، واحتدم الخناق؛ كلمات جارحة تطايرت بينهما كالشظايا، تعيد نبش قبور الماضي وما آلت إليه حياتهما من انكسار.

وفجأة، انقطع سيل الصراخ على صوت بكاءٍ طفولي متقطع قادم من الغرفة المجاورة.

ظهرت ملك عند عتبة الغرفة، تفرك عينيها الصغيرتين بيديها المرتجفتين، وقد بللت الدموع وجنتيها.

بمجرد أن وقع بصرها على والدها، انفرجت أساريرها رغم البكاء، وصاحت بصوتٍ مخنوق

=بابا! بابا!

انطلق ونيس نحوها وتلقها بين ذراعيه، غارسًا رأسه في عنقها الصغير وهو يستنشق رائحتها التي افتقدها، بينما حاولت مكة جذبها من يده وهي تصرخ بهستيرية

=سييها يا ونيس! قولتلك مش هتمشي بيها ملك تعالي هنا، تعالي قولتلك!

تعلقت الصغيرة برقبة والدها بقوة، متمسكة بقميصه وكأنها تخشى أن يختفي ثانية، وبدأت تصرخ وسط شهقاتها.

=لأ يا ماما عايزة أروح مع بابا! خليني أمشي معاه يا ماما أنا عايزة بابا!

تصلبت مكة في مكانها، ويدها ممدودة في الهواء للفراغ، بينما سقطت دفاعاتها أمام إصرار الطفلة ودموعها الصادقة.

تراجعت خطوة للخلف وهي تنظر لهما بانكسار، مدركة أن القوة لن تجدي نفعًا أمام رباطٍ لم تستطع كل الخلافات قطعه.

حمل ونيس ابنته، ودثرها بجاكيته كأنه يحميها من العالم أجمعه، ثم نظر إلى طليقته نظرة أخيرة هادئة، خالية من الغضب هذه المرة، وقال بلهجة حاسمة وهو يتجه نحو الباب

=ملك مش لعبة بيننا يا مكة اللي عملتيه النهاردة مش هيعدي بالساهل، بس دلوقت ملك راجعة بيتها، وبي كده في كلام بينا مينفعش نتكلم فيه دلوقتي.

خرج ونيس إلى هواء الليل البارد، يضم ملك إلى صدره بقوة، بينما كانت هي قد بدأت تهدأ، واضعة رأسها على كتفه، مغمضة عينيها في أمانٍ لم تجده إلا في حضنه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دخل انس الي المنزل، وهو يحاول التحكم في انفعالته، فهو حتى الان يشعر بالغضب كلما تذكر ما فعلته في احضان هذا اللعين بالنسبه اليه.

نظر حوله باستغراب،عندما وجد انوار المنزل منطفئه، ويوجد سكون تام

اشتعل القلق في قلبه وظن ان صلاح وصل الي غدران ليصرخ برعب

=غدرانننننننننن

ولكن مره واحده اشتعلت الأنوار، وظهرت غدران امامه، وهي مرتديه قميص للنوم هالك للتنفاس، لا يخبئ اي شيئ اسفلة، واقتربت منه، وصوت خولخالها يصعد معها حتي وقفت امامه، حاوطت رقبته وهي تقول بدلال
1

. =كده تتاخر عليا؟ هونت عليك تسيبني لوحدي كل ده يا عموري؟

برغم هيقتها الهالكه لانفاسه، لكنه فهم لعتبها ليبعد يديها وهو يتخطاها

=كان عندي مشوار مهم مينفعش يتأجل

شعرت بالغصب من عدم تأثيرها عليه ولكنها لم تيأس، بل وقفت امامه، وصعدت علي قدمه حتي تصبح امام وجهه، وهمست باغواء امام شفتاه

=مشوار اهم من حبيبتك؟ هو انا موحشتكش خالص

كانت يديها الخبيثة تفك ازرار قميصه ليمسك يديها وهو يقول بغضب

=انا مش كده! ولو فكرك هتاكلي عقلي بنومة يبقي متعرفيش جوزك

لم تسمح له بالذهاب بل دفعته على الاريكه، وحاوطت خصره وهي تتابع في دلالها

=نومة ايه الي بتتكلم عليها؟ هوف انا لما جوزي يوحشني واستقبله جوه حضني والبسله حاجة حلوه ابقي بضحك عليه؟ اوبس لا انت مش جوزي، انت لسه مدخلتش عليا
2

قالت اخر حديثها بأغاظة، ثم تابعت فك ازرار قميصة وهي تهبط بقبلتها مع يديها

=يعني مش كفاية سيبت حبيتك في شهر عسلكم ونازل وانت لسه حتي مدخلتش عليها، طب يرضي مين ده عروسة جميلة شبهي كده تتساب لوحدها

نظرت الي عيناه التي اصبحت ممتلئة بالحاجه، لتبتسم بنصر، وهي تبدء في خلع حزام بنطاله

=هو انت مش حاسس بناري ولا ايه؟ مش حاسس ان انا هتجنن عليك؟ ولا عاجبك شوقي ليك، وعايز تجنني اكتر؟

انتهت من خلع حزامه، لينفتح بنطالة وتنظر الي لباسة المنتفخ لتعض شفتاها بخبث، وهي تهمس

=وحشني اوي، هو انا موحشتهوش؟

لم يحتمل انس اكثر من هذا حاوط وجهها سريعا، وهو يقبلها بشوق ورغبه لتبادله القبله، وهي تسارع في خلع ملابسه التي تعيقها للوصول الي ما تريد، فصل انس القبله وهو يقول بغضب بعدما شد قبضته علي شعرها

=عليا الحرام لو هوبتي جمب اي دكر تاني يا غدران

=هششش، هو في اي راجل غيرك في الدنيا ياحبييي؟
1

قالت وهي تمرر اصابعها علي شفتاه، ليقول باستغراب

=خخخخ يابت انتي اتعلمتي كل ده فين! انتي بنت بنوت الله يخربيت امك

ارتفعت ضحكاتها، وهي تمرر اصبعها الممتلئ بلعابها علي صدره العاري

=ياحبيبي لو متعلمتش عشانك اتعلم علشان مين وكمان الحاجات دي مش بالسن دي خبرات، ومراتك بقى استاذة

حملها سريعا، وهو يدلف بها الي غرفتهم

=لا مدام استاذة يبقي نبدء الدرس من اوله بقى، والدخله المتأجله دي، جه وقتها ودلوقتي

شعرت بالفراش اسفلها، وهو يعتليها سريعا، مزق القميص الذي ترتديه ولكنها لم تهتم بل كانت منشغله بقبلته التي تكتسحها ويديه تشد على مفرش الفراش اسفلها ليحمل يديها يضعها علي ظهره، وهو يقول بغضب

=متخلنيش اغير من سرير! ضهر جوزك موجود، خربشي اعملي كل الي انتي عيزاه فيه، بس متسنديش علي حاجة غيري

ارتفعت ضحكاتها من غيرته المجنونه بالنسبه اليها لتومأ لها، وهي تقول بخبث

=ههريك خربشة

=خربشي علشان الليله دي هتمر سوده على ميتين امك، هطلع غيظي كله في جسمك

شهقت بمثيل، وهي تقبل رقبته

=واهون عليك؟ الطري حبيبك تعمل فيه كده؟
4

=اهو الطري ده هموت واعمل فيه كده من يوم ما شوفته
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد الصمت الثقيل أرجاء الصالة، صمتٌ لا يقطعه إلا صوت مروحة السقف المتهالكة وصوت أنفاس جابر الغاضبة وهو يقلب في دفتر حساباته الفارغ.

كانت صبا تجلس في الزاوية، منكمشة على نفسها كعصفور بلله المطر، تتجنب تلاقي الأعين، لكن غادة كانت تراقبها بنظرات حادة كأنها نصل سكين.

ضرب جابر الشيشة على الطاولة الخشبية بقوة جعلت صبا تقفز من مكانها، وصاح بصوتٍ أجش يملؤه الغل

=وبعدين في الفقر اللي ركبنا ده؟ البيت بقاله أسبوع م دخلوش قرش صاغ واحد الزباين اللي كانوا بيجوا طوابير، فجأة الأرض انشقت وبلعتهم!

التفت بنظره نحو صبا وتابع بغضب متفجر

=كله من وشك الفقر من ساعة ما عملتي فيها ميتة والناس بقت تخاف تخطي عتبة البيت، فاكرين إن عندك مرض وهتعديهم! الناس بقت بتلف من الشارع التاني عشان متلمحكيش!

ضحكت غادة ضحكة صفراء، وعدلت من وضع وشاحها وهي تقول بحقد

=مرض إيه بس يا جابر؟ دي باين عليها الندامة من يومها مش بعيد يكون الواد اللي سجنته هو اللي وصى علينا ورجالته قفلوا رزقنا أنت ناسي إنه واصل وقادر؟

توقف جابر لحظة، لمعت الفكرة في رأسه كشرارة شيطانية، وضرب كفًا بكف وهو يقول

تصدقي عندك حق! إزاي دي فاتتني؟ الواد ده ملوش أمان، وأكيد بيصفي حسابه معانا بسبب البت دي!

نهض جابر فجأة، وعروق رقبة بارزة كالحبال، واتجه نحو صبا التي تراجعت للخلف وهي ترتجف:

=يعني لا نافعة في شغل، ولا نافعة في فلوس، وكمان قاطعة أرزاقنا؟

وقبل أن تنطق صبا بكلمة، هوى بيده الغليظة على وجهها بضربة أسقطتها أرضًا، ثم بدأ يكيل لها الركلات والضربات في كل أنحاء جسدها وهو يصرخ
1

=طلعتي عيني! بقيتي شيله علينا وخراب مستعجل! !

صاحت صبا بصوتٍ مبحوح وهي تحاول حماية رأسها بيديها

=اهه ياماما، ابوس ايدك خلاص، ابوس ايدك، الحقني ياخالتي، أنا ماليش ذنب،والله ماليش ذنب!

لكنه لم يسمع، كان يفرغ كل إحباطه وفشله في جسدها الناحل، بينما كانت غادة تقف متفرجة ببرود، بل وتشجعه بنظراتها.

وفجأة، خرجت زنوبة من المطبخ مهرولة على صوت الصريخ، لترتمي فوق صبا محاولة حمايتها بجسدها.

قالت وهي تصرخ وتدفع جابر بصعوبة

=كفاية يا عم جابر! هتموت في إيدك يا راجل اتقي الله! البت غلبانة، حرام عليك!

دفعها جابر بعيدًا لكنها عادت وتشبثت بيده وهي تبكي وتستغيث، حتى تراجع قليلًا وهو ينهج، تاركًا صبا وملقاة على الأرض، تنزف من وجهها بصمت وهي تنظر للسقف بعيون يملؤها القهر، بينما زنوبة تحتضنها وتحاول مسح دموعها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
=عمر

قالت غدران بتعب، وانفاس مرتفعه، ليهمهم عمر وهو يتابع ما يفعله، لتعض شفتاها بتعب، وهي تمرر يديها في شعره

=كفايه بقي انا تعبت اوي
1

رفع وجهه اليها، وهو يقول بخبث

=كفاية؟ دول مكملوش الخمسه!
1

ابتسمت بتعب حقيقي، وهي تشعر وكان جسدها يمر عليه شاحنه

=مش قادرة كفاية، وبعدين ده انت جربت كل الوضعيات واخترعت وضعيات جديدة كمان، تعبت بجد ياعمر

كان يظهر عليها الألم بحق، لياخذها بين احضانه، وهو يتسطح بجانبها

=تعبتك اوي كده

اومات له وهي تسند راسها علي جسده

=اوي ياعمر جسمي وجعني، جنابي ورجلي مش قادرة

قبل راسها وهو يقول باسف

=حقك عليا، بس اعمل ايه، انا كنت زي المحروم، وماصدقت لاقيتك

ابتسمت له وهي ترفع عيناها

=ده انا الي كنت ضايعة وماصدقت لاقيتك ياحبيبي، ربنا يخليك ليا يارب

=ويخليكي ليا ياروح حبيبك

نظر الي المفرش المبقع بدمائها ليغمز بخبث

=اتختمت بختمي خلاص

خبئت راسها في صدره، وهي تهمس بخجل

=خلاص بقيت مراتك رسمي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
=رنا بدي منك خدمة ينفع؟

قالت جمرة الجالسة بجانب رنا في فرح سليمان

=قولي ياقلبي؟

ابتسمت لها جمرة، وهي تقول بخبث

=بدي ياكي تعدي عشر دقايق من هلئ وترني علي ماشي؟

نظرت لها رنا بإستغراب، وهي تقول بعدم فهم

=ارن عليكي ليه؟ مانتي جمبي اهو؟؟

=لالا انا راح اروح على الحمام، وزي ما خبرتك عشر دقايق وترني علي، بس مهما كنسلت مهما حصل خليكي رني ما تسكتي حتي تلاقيني قدامك هون!

برغم عدم فهمها ولكنها اومات له، ابتسمت جمره بخبث وتحركت وكما توقعت، ترك زياد موقعه مع الرجال واقترب منها

=رايحة فين

مثلت التعب، وهي تقول بهدوء

=تعبانة شوي، راح اروح للحمام تبع القاعة

سألها زياد بقلق

=تعبانة مالك في ايه؟

=مابعرف يازياد بس شوي تعبانة

صاحبها زياد الي الحمام، وما ان دخلو حتي حاوطت وجهه وقبلته بلهفه، ليبعدها عنه وهو يقول بصدمه
2

=انتي عبيطة يابت، مش كنتي لسه تعبانة؟

اومات له وهي تعود تقبيله ويدها تعمل علي فك قميصة

=تعبانه من وقت ما شوفتك، من وقت ما ساعدتك تلبس تيابك وانا راح موت عليك

نظر الي يديها التي انتهت من خلع قميصه لها باستغراب، فهي لم تكن جريئة هكذا من قبل، ولكنها لم تدع له وقت للتفكير، بل قبلته بلهفه، ليحاوط وجهها وهو يبادبها القبله بدون ان يلاحظ تعابيرها الخبيثة

=اشتقتلك كتيرر

قالت بنبرة مثارة، وهي تقبل رقبته وهو يقربها منه اكثر وهو يشعر انه علي وشك الانفجار من حاجته تليها، ليرفعها سريعا، حتي حاوطت خصره وهو يقول بخبث

=شكلنا هندي الشياطين الي هنا درس سريع ولا ايه؟
1

ضحكت ضحكة مرتفعة وهو يرفعه عنها فستانها ولكن ارتفع رنين هاتفها ليقول بلا مبلاه

=سيبك منه

ولكنه لم يتوقف لتبعده، ونظرت الي الهاتف الذي يرن للمره العاشرة تقريبا، لتتصنع الاستغراب، وترد

=ايه يا رنا شو بدك؟ اييي والله؟ طيب طيب راح اجيلك حالاً لا ماراح اتأخر لا تخافي

اغلقت معها لينظر اليها زياد بصدمة

=انتي هتمشي وتسيبيني كده

قال وهو يشاور علي بنطاله لتوما له وهي تقول باسف مصطنع

=رنا بدها ياني الحين بره، معلش حبيبي بس راح اعوضك باي
1

قالتها وفرت من امامه سريعا، وهي تضحك بخبث اخيرا استاطعت ارجاع حقها
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انتهت غدران من حمامها مع انس، لتقف امام المرآة وهي تمشط شعرها، لتبتسم بحب عندما وجدت انس يقف خلفها، وهو يعانقها، يقبل رقبتها بحب

=ايه الجمال ده كلو؟

=حلوه بجد؟

قالت بتساؤل ليهمهم لها وهو يتابع تقبيلها

=حلوه بس ده انتي تجنني، سبحان من مصبرني ومطلعك بره حضني دلوقتي

=ده انا مكملتش ربع ساعه براه يا عمر

=كتير ياقلب عمر

التفت اليه، وحاوطت وجهه، وهي تقول بقلق

=ممكن بقي تقول ناوي تعمل ايه مع صلاح، ده عدي شهر علي يوم ما رجعت وانت معملتش حاجة سيبت شغلك وانا مش فهمة اي حاجة

نظر لها بقلق لا يعلم ماذا يخبرها انه سوف يبدء ان ينتقم منه، او انها اخذ منها جميع املتكها بدون ان تعلم ام ماذا يفعل

تنهد بقلق، وهو يحاول التحدث بجديه

=غدران، انا في حاجة مهمة عايز اقولهالك، حاجة كان مفروض اقولها من زمان اوي!

=حاجة ايه؟

قالت بتوتر من اسلوبه لينظر لها برعب لا يعلم ماذا يخبرها، تنهد بخوف، وكان علي وشك اخبارها ولكن شبئ بداخله جعله يرتعب، ليصمت سريعا، وهو يقول

=انا بحبك اوي اوي
1

ابتسمت له بحب، وهي تشعر بالراحه ان هذا ما يريد قوله لتحاوط وجهه، وهي تقول بسعاده

=وانا بموت فيك ياحبيبي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

دلفَت زنوبة إلى الغرفة بخطوات متهيبة، تلتفت خلفها بريبة قبل أن تغلق الباب بالمزلاج.

كانت صبا تجلس على طرف الفراش المتهالك، تحتضن جسدها المنهك من الضرب، وعيناها مثبتتان على الباب بلهفة بائسة.

اقتربت زنوبة ومدت يدها المرتجفة بهاتف جابر الذي استطاعت غافله وسرقته في غمرة انشغاله.

تحدثت زنوبة بهمس مشوب بالحذر

=خدي يا صبا قلبي كان هيقف وأنا بسحبه من جنبه وهو نايم، بس مش فاهمة ، إنتي عايزة التليفون ده في إيه يا بنتي؟ ده لو عرف هيدبحنا إحنا الاتنين!

تحدثت صبا بصوت واهن لكنه حازم

=اسمعي يا زنوبة وهتعرفي كل حاجة بس الأول دوريلي بسرعة على نمرة رشيد ورني عليه.

اتسعت عينا زنوبة بذهول، وسقطت يدها على صدرها وهي تهتف بصدمة

يا مصيبتي! رشيد؟ رشيد مين يا صبا؟ إنتي عايزة الراجل ده في إيه؟

تحدثت صبا بإصرار

=رني بس يا زنوبة مفيش وقت للكلام، رني!

بأصابع مرتعشة، بحثت زنوبة في قائمة الأسماء حتى وجدت الاسم، فضغطت زر الاتصال وناولت الهاتف لـ صبا التي شعرت بمغص حاد في معدتها من فرط الخوف، لكنها تماسكت وهي تضع الهاتف على أذنها.

بعد عدة رنات، جاء صوت رشيد الغليظ والساخر.

=إيه يا جابر الزفت؟ إنت بترن عليا في نصاص الليالي ليه؟ مش كفاية اللي عملته؟

تحدثت صبا بتوتر يقطع أنفاسها

=ألو يا رشيد بيه أنا أنا صبا.

ساد صمت مفاجئ على الطرف الآخر، قبل أن يتحول صوت رشيد إلى نبرة لزجة يملؤها الخبث

=أهلا أهلا بالقمر! ده إيه النور ده؟ صبا بنفسها بتكلمني؟

ابتلعت صبا غصتها، وحاولت مداراة قهرها وغضبها وهي تنظر لـ زنوبة المذهولة، وقالت بصوت متهدج

=أنا أنا موافقة على عرضك يا رشيد بيه.

تحدث رشيد باستغراب

=عرض؟ عرض إيه يا حلوة؟

ردت صبا وهي تغمض عينيها بقوة

=موافقة أجي أعيش عندك في البيت زي ما كنت عايز وأكون بتاعتك.

لطمت زنوبة على وجهها بصدمة، وكادت أن تصرخ لولا أن صبا أشارت لها بيدها بحدة لكي تصمت.

انفجر رشيد بضحكة عالية ومستفزة، ضحكة تقبض قلب صبا كلما تذكرتها.

=أخيراً! أخيراً الملكة وافقت وعقلت؟ ده أنا كنت فقدت الأمل فيكي يا قطة!

ردت صبا بلهفة وقلق

هتيجي تاخدني إمتى؟

=والله يا قمر أنا برا البلد دلوقت في شغل إنتي لو كنتي وافقتي بدري شوية كنت أخدتك معايا وقضينا شهر عسلنا برا، بس ملحوقة.

شعرت صبا بنصل يمزق قلبها، لكنها تابعت بخطة مدروسة

=طب مينفعش تبعت حد من رجالتك ياخدني أقعد في بيتك لغاية لما ترجع؟ أنا مش عايزة أقعد هنا لحظة واحدة.

ضحك رشيد بخبث وقال

=يا أرض احفظي ما عليكي! هتموتي عليا أوي كدة؟ مش هينفع والله يا قمر، لازم أكون موجود عشان أستقبلك بنفسي متقلقيش، شهرين بالظبط وهرجعلك بسرعة.

أغلقت صبا الخط بآلية، وانفجرت في بكاء مرير وقاهر. اندفعت نحوها زنوبة وأمسكت بكتفيها وهزتها بغضب

=إنتي بتعملي إيه في نفسك يا صبا؟ إنتي اتجننتي؟ إنتي لو فاكرة إن أنا هسيبك تبيعي نفسك للراجل ده يبقى بتحلمي! أنا أموتك بإيدي ولا تروحي السكة دي!

تحدثت صبا من بين شهقاتها

مش هبيع نفسي يا زنوبة والله ما هعمل حاجة غلط! أنا لازم أروح هناك لازم أعيش عنده عشان أسرق منه الفلوس اللي هنهرب بيها!

لطمت زنوبة على صدرها برعب حقيقي، بينما استطردت صبا بنظرة يائسة ومنكسرة

=هو ده الحل الوحيد يا زنوبة لازم نسرقه ونهرب بعيد عنهم كلهم يا إما هنموت هنا من القهر والضرب.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
رايحة فين يابت ياشموع؟"

قالت سيدة والدة شموع وهي تنظر الي ابنتها التي ترتدها ملابسها بعجل

=رايحة مع طه الزيارة بتاعت ياسر

توسعت ابتسامة سيده، وهي تقترب منها

=بجد يابت هتروحيله؟

اومات لها شموع، وهي تقول بخبث

=ايوه ياما هروحله، لازم اقوله ان خطوبتي الاسبوع الجاي، هو انا اقدر اعمل اي حاجة من غير ما اخد اذن كبرنا؟

شهقت سيده برعب، وهي تقول بعدم تصديق

=انتي بتقولي ايه يابت رايحة تعملي ايه؟

=زي ماسمعتي ياما، هروح اقول لياسر علي خطوبتي

لطمت سيدة وهي تقول بصراخ

=انتي اتجننتي يابت رايحة لقضاكي برجلك، انتي عبيطة؟

انتهت شموع من ارتداء ملابسها، لتقبل والدتها، وهي تتخطاها

=ده عين العقل ياما

نزلت سريعا درجات السلم لتقف امام كريمة، التي قالت لها بكره

=علي فين العزم يا شموع

ابتسمت له شموع، وهي تقول بكيد

=رايحة لجوزك الزياره

=انتي بتقولي ايه يابت انتي ؟ رايحة لجوزي ليه انتي عبيطة؟

اقتربت شموع منها حتي اصبحت امامها، لتقول ببرائه

=لا دي اسرار بيني انا ويسوره، وبعدين اسأليه هو ليه مصمم ان انا اروح واشوفه شكله مبيقدرش يعدي يومين من غيري ولا ايه.

استطاعت ان تكيدها لتبتسم بخبث وهي تتخطاها ولكن ثبتت في موضعها عندما استمعت الي حديث كريمة

=عرفتي ان هالة مرات ياسر التانية حامل؟ وانها هترجع تعيش هنا تاني؟ اصل جدك هيلزمه يردها.

شعرت وكان حديثها كان كالصخر الساقط علي راسها لتستمع الي ضحكات كريمه المرتفعه التي دخلت الي شقتها وهي تتركها تبكي بانهيار بداخلها
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان الهدوء يلف غرفه النوم، صلاح يذهب في نوم عميق بجانب زوجته سمر، قبل أن يخترق سكون الفجر صوت تحطم عنيف، تبعه صراخ رجال وضجيج تكسير أثاث قادم من الطابق السفلي.
1

استيقظت سمر فزعة، تلملم غطاءها وهي تصرخ

=صلاح! إيه اللي بيحصل تحت ده؟ الحرامية دخلوا البيت!

قفز صلاح من فراشه، والغضب يعمي عينيه، ارتدى جلبابه على عجل وهبط الدرج ركضاً وهو يصيح بصوته الأجش

=إيه اللي بيحصل ده؟ يا ولاد الكلب! إنتوا مين ودخلتوا هنا إزاي؟

توقف صلاح في منتصف الصالة، وتجمدت الدماء في عروقه وهو يشاهد مجموعة من الرجال الأشداء يهشّمون أثاثه الفاخر بمطارق حديدية، ويمزقون السجاد والمفروشات بدم بارد، بينما وقف أحدهم بعيداً يراقب المشهد ببرود.

قال صلاح بصراخ يملؤه الذهول والغضب

"إنتوا بتعملوا إيه في بيتي؟ إنتوا اتجننتوا؟ أنا هوديكم في داهية! اخرجوا بره بيتي حالاً!

من خلف أريكة محطمة، خرج أنس بخطوات واثقة، يرتدي بذرة أنيقة تتناقض تماماً مع الفوضى من حوله، ونظر إلى صلاح بابتسامة صفراء باردة، ثم أشعل سيجارة ونفث دخانها في وجهه قائلاً بلهجة حادة

=قصدك بيتي أنا يا روح أمك

وووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
نظر له صلاح بأستغراب، وكأنه لم يستوعب بعد حديثه، ليقترب منه بعدم فهم، وهو يقول بغضب

_انت بتعمل ايه هنا! هو انا مش صفيت حسابك وطردتك!

ارتفعت ضحكات انس الساخره وهو يقترب منه حتى اصبح امامه مباشراً، ليقول له بفحيح افعى

=متخلقش الي يطرد انس العطار ياروح امك!

توسعت عين صلاح بصدمه، وهو ينظر حوله ليدرك الوضع، ليقول بصراخ

=انت انس العطار!!! انت الي ضحكت علي غدران و اه

صرخ بألم في نهاية حديثه من لكمه انس، الذي صرخ بغضب

=اسم مراتي ميجيش علي لسانك النجس ده، متزودش حسابك معايا ياخ*ل

توسعت عين صلاح بصدمه، وهو يصيح بعدم تصديق

=مراتك! انت اتجوزتها!!! يعني هي كانت معاك فعلا، اهه قول كده طلعتو طبخنها علي بعض عشان تستغفلوني، بس عليا الحرام ما هسيبكم انت فاهم!

كانت يتحدث بغضب ولكن ما اغضبه اكثر هي ضحكات انس الساخره، وهو يقول بسخريه

=اهو انا عايز اشوف اخرك، خلي بالك! انا كنت جاي وناوي اخلص عليك، بس انا هسيبك هسيبك تلعب قدامي كده شويه لغاية لما انا احب ابدء اللعب، يعني حقي منك هسيبه للوقت الي انا مستنيه، بس عشان نصفي الي بيتا ناقص حاجه واحده!

نظر له صلاح باستغراب لا يفهم مقصد حديثه، ولمن هذه الصفعه القويه التي هبطت علي وجهه جعلته يسقط علي الارض ليرفعه انس مره اخره وهو يلوي ذراعه الايمن خلف ظهره

=متخلقش ولا هيتخلق الي يرفع ايده علي حد يخصني، من يوم ما ضربتها وانا مستني اليوم الي هكسرلك فيه ايدك، وده السبب الي خلاني استعجل على كشف نفسي، عليا الحرام هاين عليا اكسرلك دراعك دلوقتي، بس انا محتاجه، وعلي الاقل اليومين دول.

كان صلاح يصرخ بألم وهو يستمع الي صوت كسر يديه، ليتركه انس بعدما تأكد من كسر يديه، وهو يصيح لرجاله

=يلا ارمولي كل الزباله دي بره! مش عايز اي حاجه هنا!

اوما له وجاله وهم يتفرقون سريعاً، يخرجون كل اثاث المنزل، وانس ينظر الي صلاح بنظرات غاضبه، كان يتمنى ان ياخد حقه منه الان، ولكن لكل شيء وقت، ووقته لم يحين.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
توقفت السيارة أمام بوابة السجن الحديدية الضخمة، كانت شموع تجلس بجوار طه، ابن عمها، صمتٌ ثقيل يلف المكان، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المكتومة.

طه يراقبها بقلق، يعلم أنها تحمل في صدرها بركاناً من الوجع والغضب، لكنه لا يجرؤ على التدخل في كبريائها الذي تأبى أن تكسره.

نزلت من السيارة، سحبت وشاحها بقوة فوق رأسها، وكأنها تدرع نفسها به من العالم، ومن ياسر الذي يقبع خلف تلك الأسوار.

دخلت غرفة الزيارة، رائحة المكان خانقة، ممزوجة برائحة الرطوبة والذل،وما إن وقعت عيناه عليها حتى اتسعت حدقتاه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة لم تلمس عينيه

=شموع؟ وحشتك يازبدة ولا ايه؟

ابتسمت شموع بسخرية مريرة، ارتجفت أصابعها في خفية، لكن نبرتها كانت ثابتة كالجبل

لا يا ياسر موحشتنيش جيت عشان عندي خبرين، قولت مفيش حد غيري يستاهل يوصلهم لك.

سلم على أخيه طه بفتور، ثم جلس يحدق فيها بترقب ممزوج بالغل

=أخبار إيه دي اللي جايباها معاكِ؟ انطقي.

نظرت له في عينيه، تلك العيون التي طالما خذلتها، وقالت ببرود قاتل

=طليقتك حامل.

تجمدت ملامحه، وساد صمت موحش، نظر إلى طه بذهول، فأومأ له طه بصمت مؤكد الخبر.

شعر ياسر بدمه يغلي، وبنظراتها المليئة بالقهر والحزن التي تفتك بأعصابه.

=والتاني؟.

أخذت نفساً عميقاً، استجمعت كل ما تبقى لها من كبرياء مزيف، وقالت بصوت مسموع

=خطوبتي على باسم الراوي آخر الأسبوع.

لم يكن الاسم يغادر شفتيها حتى صرخ ياسر بجنون، وقد انتفض من مكانه كالمسعور:

= خخخخ نعم؟! يا روح أمك؟! قوليها تاني كده؟

قالت بتهكم بارد، وهي تعبث بطرف طرحتها

=إيه يا يامعلم؟ السمع تقل عندك في السجن ولا إيه؟ بقولك خطوبتي على باسم آخر الأسبوع بس متقلقش، الفرح مش هيتم غير لما تخرج بالسلامة، عشان تشرفنا وتنورنا.

كانت نيران الغيرة تنهش قلبه، حاول أن يندفع نحوها ليفتك بها، لولا وجود الحراس والمكان الذي قيده، فهجم على يدها يضغط عليها بقسوة، صائحاً بغير وعي

  =أنتِ اتجننتِ يا روح أمك؟! ولا حبستي خلاكِ تنسي أنتِ مين وتخصي مين؟

أبعدت يدها عنه بقوة، ووقفت شامخة، عيناها تقدحان شراراً

=لا يا ياسر، منستش أنا عمري ما كنت ملك حد، ولا بخص حد. أنا طول عمري ملك نفسي، ولو أنت شايف غير كده فدي مشكلتك أنت.

تراجع ياسر للخلف، ضحك ضحكة شيطانية، وعيناه تلمعان بوعيد لا يرحم

=والله وطلعلك صوت كمان؟ ماشي يا شموع كلها أربع شهور وأكون على الأسفلت، وساعتها هتكون مراتي وعلى اسمي، وعليا الطلاق لهربيكِ من أول وجديد.

أكمل وهو يشير بإصبعه في وجهها بتهديد

=الخروف  اللي فرحانالي بيه ده لو عرفت بس إن فيه كلام بينكم، لأقلبهولك مرا في نص الشارع  كله بوقته يا شموع وأنتِ اللي استعجلتِ موته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت صبا ممددة على السرير، ملتفة حول نفسها مثل جنين ميت، يداها تقبضان بقوة على بطنها وكأنها تحاول إخماد ثورة الألم العارمة في أحشائها.

جبينها يتصبب عرقاً بارداً، وملامحها تتقلص بتعبير مؤلم، تخرج من بين شفتيها تأوهات خافتة ومتقطعة، تشئ بوجع لا يطاق.

دخلت زنوبة الغرفة على عجل، دفعها صوت التأوهات إلى حافة الردى، اقتربت من السرير بخطوات مرتجفة، وقلبها ينبض بالخوف

=مالك يا صبا؟ في إيه؟

سألت بصوت مخنوق بالقلق.
التفتت صبا نحوها ببطء، عيناها مغرورقتان بالدموع، وصوتها متحشرج بالبكاء

=وجع كل يوم يا زنوبة مش قادرة حاسة روحي بتطلع، ومش عارفة أرفع راسي من على المخدة من كتر الدوخة.

جلست زنوبة على حافة السرير، واحتضنت رأس صبا بحنان، متمتمة بكلمات مطمئنة

=اهدي يا حبيبتي، اهدي أنتِ أكلتِ طيب؟

سألت وهي تمسح العرق عن جبينها.

هزت صبا رأسها نفياً، وزاد بكاؤها

=كل اللي أكلته رجعته بطني مش مستحملة أي حاجة خالص.

توقفت زنوبة عن الكلام، وشردت نظراتها أمامها، غيوم الشك تتكاثف في سماء أفكارها، كل يوم يمر يزيد من هواجسها، ويؤكد ظنونها القاتمة.

التفتت إلى صبا مرة أخرى، وسألتها بجدية

=صبا ركزي معايا البتاعة جاتلك آخر مرة إمتى؟

نظرت صبا إليها باستغراب، حاولت جاهدة أن تستجمع ذاكرتها المشوشة بفعل الألم، وقالت بصوت متهدج

=أنا أنا لسه واخدة بالي دي بقالها كتير أوي أوي مجتش أنا فاكرة آخر مرة لما جاتلي قبل الموضوع إياه خلصت في نفس اليوم الصبح  يعني من خمس شهور.

احتقن وجه زنوبة، وشحب لونها، تأكدت الآن شكوكها، وأصبح الخوف حقيقة واقعة. أما صبا، فقد انتابها الرعب، وارتجفت قائلة

=زنوبة هو ازاي مجتليش كل ده؟ إيه اللي بيحصلي؟

لم تجب زنوبة على سؤالها، بل قالت بحزم

=قومي البسي لازم نروح للدكتور دلوقتي.

نهضت زنوبة لتساعد صبا على النهوض، لكن صبا تمسكت بيدها وقالت بخفوت

=جبتِ فلوس منين يا زنوبة؟ إحنا معناش حاجة.

نظرت إليها زنوبة للحظة، ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً

=اتصرفت متقلقيش.

نظرت صبا إليها بحزن وقهر، وكأنها قرأت ما يدور في ذهنها، ففهمت زنوبة نظرتها وقالت بسرعة

=مش اللي في دماغك متقلقيش ده جوز خالتك المسطول تقل في الشرب امبارح ونام جمب النقطة اللي لمها فا أخدت منها اللي هيكفي الكشف والعلاج خلصي بقى يلا خلينا نمشي.

ساعدت زنوبة صبا على ارتداء ملابسها، وخرجتا من الغرفة، تاركتين خلفهما علامات استفهام كثيرة، ومستقبلاً غامضاً ينتظرهما.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استيقظت غدران من نومها لشعورها بقبلات رطبة على وجهها ورقبتها، لتهمهم بكسل، وهي تقول بنعاس

= عمر

همهم لها بمتعة، وهو يرفع يديه ليخلصها من فستانها، ويقول باشتياق

= عيون عمر

حاولت بصعوبة فتح عيناها وطرد النعاس منها لتبتسم له، وهي تحاوط وجهه بكفيها

= جيت إمتى؟

قبل يديها التي تحاوط وجهه، وهو يقول بصوت مبحوح من فرط الرغبة

= لسه حالا شوفتك نايمة، قولت أصبّح على الطري بتاعي.

نظرت إليه بتركيز، وقد لاحظت بريقاً غريباً في عينيه، لتقول بفضول

= شكلك مبسوط أوي حصل حاجة ولا إيه؟

أومأ لها وهو يقبلها بحب وشغف:

= حصل حاجات أخيراً عرفت أرجع حقي، مش رجعته بالظبط، بس حطيت إيدي على طرف الخيط، وخلاص كلها كام يوم وأكون عملت اللي في دماغي.

بصت له باستغراب وعدم فهم، وسألته بقلق:

= حق إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة إيه اللي حصل؟

حاول أن يخرجها من الموضوع، واقترب منها بوقاحة وهو يهمس

= يعني أنتِ شايفة إن ده وقت كلام؟ فيه حاجات أهم بكتير من الكلام ده.

انقض عليها يقبلها بحب ولهفة، وهو يحتوي شفتاها داخل شفتاه وحاولت هي أن تتحدث لتوجهه أو تستفسر، لكنه لم يعطها أي فرصة، فبينما كانت أنفاسها تتقطع، قالت بصوت متقطع من أثر قبلاته:
= عمر عمر

لكنه زمجر بغضب، وهو يتابع قبلاته، ويديه اصبحت تمر على منحياتها بإشتياق ورغبه

=ياعمر استنى

ابتعدت بصعوبه، لتحاول التقاط انفاسها، وهو يقبل رقبتها بشوق، ليتحدث بصوته المبحوح

=استنى ايه ياطري، انا لو استنيت دقيقه كمان هنفجر، تعبان حرام عليكي

كانت يديه تتسابق لتخليصها من ملابسها، ولكنها امسكت يديه وهي تقول بتوتر

مينفعش عمر أنا عندي البريود.

تصلب في مكانه، وابتعد قليلاً وهو ينظر إليها بصدمة، ليقول بغضب

=خخخخخخ يعني ايه عندك الزفته!!!

ابتسمت بخجل، ليجلس بجانبها، وهو يقول بغضب

=طب انا اعمل ايه في ده

قال وهو يشر الا مابين قدميه لترتفع ضحكات غدران، وهي تقول بسخريه

=انت الي عملت كده في نفسك انا من بدري عماله اقولك استني ياعمر استني ياعمر وانت مش بتسمعني

ازداد غضبه بسبب دلالها وحركاتها امامه، ليصيح بغضب

=انتي متتكلميش معايا خالص الكام يوم دول، ولا تقفي قدامي اصلا، اقولك اتحجبي مش عايز اشوف جسمك خالص

كان يتحرك في الغرفه بغضب وهو يحاول تحمل الألم القابع بداخله، ولكنه لم يستطيع، لينحني علي الارض سريعا، يلعب ضغط، لترتفع ضحكات غدران وهي تقول بإستغراب

=بتعمل ايه ياحبيبي؟

=اللهم ماطولك ياروح برضو هتقول حبيبي، ماتخرسي بقى

حاولت بصعوبه كتم ضحكاتها داخلها وهي تنظر الي ما يفعله باهتمام
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان ونيس يجلس على مائدة الطعام، يراقب صغيرته ملك التي كانت تعبث بطعامها بملل واضح، عيناها زائغتان لا تقتربان من طبقها.

تنهد ونيس بقلق، ووضع معلقته جانباً، ثم سألها بنبرة حنون

=مالك يا ملوك؟ في إيه يا حبيبة بابا؟ مش بتاكلي ليه؟

نظرت إليه ملك وفي عينيها لمعة حزن طفولية، وقالت بصوت مخنوق

=حسن مجاش الحضانة النهاردة يا بابا.

ابتسم ونيس محاولاً تخفيف الأمر عنها، ومد يده يطبطب على كفها الصغير بحب:

=بس كده؟ يا حبيبتي عادي، يمكن مش في البيت، أو يمكن راحت عليه نومة بكرة هيجي وتلعبوا وتجروا سوا.

نفخت ملك بضيق، وهزت رأسها بالنفي، وتجمعت الدموع في عينيها وهي تضيف بصوت مرتعش

=لأ يا بابا هو مجاش الأسبوع ده كله. والميس بتقول إنه تعبان ومش هيجي دلوقتي خالص

بمجرد أن أنهت جملتها، انخرطت في نوبة بكاء صامتة. لم يحتمل ونيس رؤيتها بهذا الانكسار، فنهض من كرسيه بسرعة وضمها إلى صدره، يمسح على شعرها بحنان

=يا روحي، طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ ليه الحزن ده كله؟

شجت ملك بمرارة وهي تغرس وجهها في أحضانه

=عشان حسن هو صاحبي الوحيد في الحضانة أنا ببقى قاعدة لوحدي من غيره، مش بحب ألعب مع أي حد تاني غيره.

شعر ونيس بقلبه يعتصر لأجلها، فأبعدها قليلاً ونظر في عينيها الواسعتين بحب وطمأنة

=يا حبيبتي، متعيطيش هو هيخف وهيرجع أكيد بكرة يخف ويرجع أحسن من الأول، وهتلعبوا.

مسحت ملك دموعها بكفيها، ونظرت إليه برجاء وتوسل، وقالت بصوت متهدج

=طيب ينفع نروح نزوره يا بابا؟ أنت عارف بيته، أرجوك؟

سكت ونيس للحظة، شرد بذهنه في كلامها، يرى في عينيها الصغيرتين براءة التمسك بمن تحب.

نظر إليها وهي تتحايل عليه بعيونها الدامعة، فلم يجد مفراً من تلبية رغبتها.

تنهد طويلاً، ثم أومأ لها برأسه موافقاً.

لم تصدق ملك أذنيها، انطلقت من بين يديه لتحتضنه بقوة، وهي تصيح بسعادة غامرة:

=بجد يا بابا؟ أحلى بابا في الدنيا! بحبك أوي!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
صوت صفعة قويه نزلت على وجه صلاح تاليها صراخ ايمن

=هو ده الي انت واثق فيه، هو ده الي قولتلي راجل من رجالتي، اهو طالع بيركبك ياروح امك، مكفهوش انه اخد مننا كل حاجه لا كمان مسلم اربع شحنات مخدرات من بتوعنا لغاية دلوقتي، كل ده بسبب غبائك

وضع صلاح يديه السليمه علي وجنتيه وهو يقول بغضب

=وانا كنت اعرف منين، هو الي دخل عليا صح، وانا دورت وراه ملقتش اي حاجه، مكنتش اعرف ان كل ده كذب

ارتفعت ضحكات ايمن وهو يجلس خلف مكتبه يشر بالبراكين بداخله

=مانت غبي، ياما قولتلك الولا ده مش تمام، وانا شاكك فيه اهو طلع شكي صح الولا راجع ياخد حق ابوه مننا ومش هيسكت

اشتعل الغضب داخل صلاح، ليقف امام ايمن وهو يصيح بغضب

ده علي موتي، انا مش هسيبله وقت ياخد حاجه، انا هخلص عليه هو والخاينه الي معاه.

ارتفعت ضحكات ايمن وهو يشعل السيجار الخاص به

=تخلص علي مين يلا! هو انت قد انس العطار! ده يخلص علينا كلنا وبعدين هتخلص عليه ازاي؟ ده انت بقيت على الحديده!

كان حديث ايمن صحيح ليزفر صلاح بغضب، وهو يقول بعدم فهم

=انا الي مجنني عايز اعرف هو سابني عايش ليه! ووقت ايه الي بيتكلم عليه؟

=الي زي انس ده استحاله تعرف هو ناوي على ايه، واكيد هو مستني حاجه معينه تحصل الأول وبعد كده هيخلص عليك

ابتلع صلاح ريقه برعب، ليتابع ايمن حديثه

=المهم انا هكلم الايطاليين هخليهم يأجلو معاد الشحنه الجايه شويه، دي اخر امل لينا عشان نعرف نقف علي رجلينا تاني، الشحنه دي مينفعش اي حد يعرف بيها، ولا حتي رجلتك انت فاهم

اومأ له صلاح بتفهم، وهو يشعر بالرعب بداخله من خطوات انس القادمه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان زياد يعتلي جمره علي الفراش الجديد في منزل سليمان، فلقد اتت العائله باكلمها اليوم حتى تبارك لهم، ولكن عندما طلبت جمره ان تدخل الى الحمام تابعها هذا الوقح سريعاً وما ان انتهت حتى دفعها الى الغرفه المجاوره للحمام، وهو يقبلها بنهم

=زيااد

كانت تتحدث بأنفاس متقطعة وهي تمرر يديها في خصلات شعر، اما يديها الأخره فكان هذا الوقح يشابكها بيديه وهو يقبل جسدها العاري اسفله.

فهو ما ان استمع الى صوتها الخجول لم يستطيع تحمل بعادها عن حضنه اكثر من هذا

كانت تحاول كتم صوت اهاتها، ليهمس بخبث

=متكتمهاش، كيفيني بيها محدش هيسمعك

نفت له بخجل، ليقرص خصرها العاري بغضب، ليرتفع صوت تألمها

=اه

=اموت انا

قالها برغبه، وهو يسرع حركاته على جسدها حتي شعر باقترابه ليبتعد عنها سريعا حتى لا يجلبهم بداخلها، لتنظر له بقهر وهي ترا مائه المجلوب بجانبها، لتقول بحزن

=ليه!

تنهد بحزن، وهو يحاوط وحهها ليقبلها بحنان

=مستهلش عيال دلوقتي ياجمرة! انا مش ناسي ايه العملته، سبيني اعاقب نفسي.

حاوطت وجهه،تفهمه جيدا وتفهم حزنه ووجعه، الاقطت شفتلها داخل شفتاه، وهي تقول بحب

=زياد وحياة الله، لا تكبر الموضوع لهاد الحد انا نسيت والله نسيت، ليه عم تتعب نفسك انت هيك

ابتسم لها، وهو يهبط بقبلاته على جسدها العاري مره اخره

=حبيبي ابو قلب طيب، بس الي عملته مش قليل ياجمره انا كل ما بفتكرك وانتِ سايحه في دمك ببقي عايز اخلص عليا

لم تكن معه لم تستمع اليه من الأساس فهي كانت تغمض عيناها بمتعه، وهي تضغط علي خصلات شعره بقوه، فقبلاته ازداد علي جسدها ويديه لم ترحمها لتقول برجاء

=زياد يكفي هيك احنا مو ببيتنا يازياد

=هو ايه الي كفايه ياوتكه، مانت عارف حبيبك واحد ميكفهوش ده بيستفتح بيه بس كده عشان يسخن وبعدين حتي لو مش بيتنا ادينا بنجدد

مرت الكثير من الوقت وهي اسفله، يسقيها من ماء حبه وشغفه، حتي انتهي ليرتدو ملابسهم لتستمع الي حديثه

=خدي الملايه دي في شنطتك

نظرت له بإستغراب لتقول بعدم فهم

=اخودها ليه

=هخخخ هو ايه الي ليه، مش نمتي عليها؟ اسيب حاجة جسمك كان عليها انتِ اتجننتي

ابتسمت بحب على غيرته الي تعشقها، لتقترب منه، وهي تحاوط وجهه

=تدري شو، كتير بحب عصبيتك وغيرتك، بحب محاوطتك لي يا زياد

حديثها أشعل النار بداخله مره اخره، ليحاوط خصرها و هو يقول بأنفاس مرتفعه

=شكلنا هنفضل ملط طول الليل، ومفيهاش لبس

قال وهو يخلع عنها ملابسها مره اخره تحت صيحاتها الخجله

=زيااااد، انت مجنون والله!

مر الكثير من الوقت، حتى خرجو اخيرا من الغرفه، وهي تختبئ خلفه بخجل ليغمز سليمان الذي وقف امامه وهو يقول بخبث

=صباحية مباركة، يارب سريري يكون عجبك

ضغطت جمره على قميص زوجها من الخلف، وهي تنصهر من الخجل

=خخخخخ اخفى يلا من وشي يلا عشان مزعلكش

ارتفعت ضحكات سليمان وهو يبتعد عنه، لتفر جمره سريعا وتجلس بجانب جدها، اقترب زياد وكان على وشك تقبيل يد جده، ولكنه ابعد يديه سريعا وهو يقول بغضب

=قولتلك لسانك ميخاطبش لساني غير لما تجيب عيل بدل الي قتلته

اغمضت جمرة عيناها بحزن، وهي تتذكر هذا اليوم اللعين، ولكنها نظرت الي زوجها الذي يظهر عليه القهر والحزن، وهو يقول بإنكسار

=حقك ياجدي

نظرت له جمره باعينها وهي تشعر بالنار بداخلها فروحها كالجبل الصامد يظهر عليه اللنكسار الان، حاولت التحدث، ولكن قاطعها صراخ جدها

=جمره مش عايز اسمع صوتك، انتي رجعتيله غصب عننا كلنا الباقي ده كلام رجاله لما يجبلي حفيد بدل الي قتلو يبقى نتكلم.

اقترب زياد منها وهو يحتويها داخل احضانه وهو يستمع الي حديثها

=ليه عم تعمل في نفسك هيك؟

=عشان انتي قولتي بلسانك انك عمرك ما هتكوني متطمنه معايا بعد كده، وانك مش عايزه عيال من واحد شبهي

تذكرت حديثها في هذا اليوم قبل مصالحتهم، لتنفي له سريعا، فهي لم تقصد ولكنه وضع يديه علي فمها وهو يقول بابتسانه منكسره

=خلاص ياحبيبي بقي لينا بيت نتكلم فيه

نظرت الي جدها بغضب، فزوجها يظهر عليه الانكسار والحزن فهو من هذا اليوم اللعين ولا يتحدث معه جده ولا اباه وهذا الشيئ بالنسبه لزياد كبير للغايه
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل ونيس وملك إلى الفيلا الفاخرة، كانت ملك تمسك بيد والدها بحماس وهي تقفز فرحاً.

بمجرد أن طرق ونيس الباب، فتحته حليمة، بملامحها الجميلة لكن ملامحها تحمل ذبولاً خفياً.

رحبت بهم بفتور مهذب، وما إن أخبرها ونيس أنهم جاءوا للاطمئنان على حسن حتى أومأت برأسها وأشارت لهم بالصعود.

في غرفة حسن، انطلقت ملك لتجلس بجوار صديقها المريض، وبدأت تحدثه ببراءة وتطمئن عليه.

في هذه الأثناء، ظل ونيس واقفاً في الردهة، يراقب المكان بعين الفاحص،كان الفضول يأكله، فالتفت إلى حليمة التي كانت تقف بالقرب، وسألها باستغراب

=أستاذة حليمة هو حضرتك مش متجوزة؟

تجمدت حليمة في مكانها، وعقدت حاجبيها بعدم فهم

=نعم؟ ليه بتسأل السؤال ده؟

تحمحم ونيس بحرج، وفرك يده بتوتر

=أنا بعتذر جداً بس يعني، أنا جيت هنا أكتر من مرة وماشوفتش جوز حضرتك أبداً.

ابتسمت حليمة ابتسامة باهتة، كانت مزيجاً من السخرية وانكسار الروح

=أصله مسافر شغله بيحكم عليه يسافر كتير جداً، مبيجيش غير كل فين وفين.

أومأ ونيس برأسه بقلة حيلة وسكت، لكن قبل أن يكمل حديثه، جاء صوت صفاء، والدة زوجها، حاداً وقوياً من الغرفة المجاورة وهي تنده عليها.

استأذنت حليمة منه بخفوت واتجهت نحو غرفة حماتها.
بمجرد دخولها، انقضت صفاء عليها بغضب

=مين ده اللي جه البيت وجوزك مش موجود يا حليمة؟ وإزاي تسمحي لنفسك تقعدي مع راجل غريب في الصالة؟

تنهدت حليمة بقهر، وردت بصوت يرتجف من الغضب

=ده أبو ملك صاحبة حسن جايين يطمنوا عليه! وبعدين بدل ما تزعقيلي، زعقي على ابنك اللي ابنه كان بيموت وهو ولا يعرف حاجة عنه! الواد كل شوية يقوم يسأل عليه وينقهر من العياط!

سكتت صفاء فجأة، وتوترت ملامحها وهي لا تجد ما تقوله أمام هذا الحق.

شعرت حليمة بفيضان من المرارة، وتابعت بصراخ وبكاء خرج من أعماق صدرها

=انا بكرهه  بكره ابنك ده كل يوم أكتر وأكتر! رايح نايملي في حضن واحدة تانية، ورامي ابنه ولا بيسأل عنه ولو أنا أهملت فيه شوية، يولع فيا ولا كأني خدامة عنده! خلاص أنا تعبت تعبت من كل ده!

سقطت دموعها بغزارة وهي تكمل

=أنا كنت بحاول أعمل كل حاجة، دست على نفسي وعلى كرامتي علشانه، وهو عشان غلطة واحدة بس مش عايز يسامحني،ده أنا استحملت غلطات كتير أوي منه! بس كفاية كفاية، كل ده لازم يتغير أنا بجد تعبت!

في الخارج، كان ونيس واقفاً في مكانه متجمداً، تتسارع دقات قلبه، وصوت صراخ حليمة وكلماتها القاسية كانت تصل إليه بوضوح خلف الباب المغلق، تاركة إياه في حالة من الصدمة مما سمع.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل عيادة الطبيبة، كان الصمت يلف المكان، تقطعه فقط أنفاس صبا المتلاحقة ويد زنوبة التي تربت على كتفها بحنو.

انتهت الطبيبة من الفحص، وضعت جهاز السونار جانباً، ونظرت إليهما بأبتسامة بشارة، ثم قالت بصوت سعيد

=مبروك يا مدام انتي حامل في أول الشهر السادس

سقط الخبر على صبا كالصاعقة،اتسعت عيناها بذهول، ثم انخرطت في نوبة بكاء هستيري، وبدأت تلطم وجهها بصدمة، بينما تحاول زنوبة كتم صوتها بدموعها

=يانهار اسود يانهار اسود يانهار اسود

نظرت الطبيبة إليهما باستغراب، وسألت بحدة

=هو في إيه؟! هو حضرتك مش متجوزة؟

نفت صبا برأسها وهي تهتز بقوة، ثم اندفعت نحو الطبيبة، وجثت على ركبتيها تقبل يديها بتوسل مهين

=ابوس ايدك نزليه بالله عليكي يا دكتورة نزليه! أنا مش عايزاه، مش هينفع.!

سحبت الطبيبة يدها بسرعة، ونظرت إليها باحتقار

=لا طبعاً، مينفعش أنزله! وبعدين، مادام خايفة قوي كده، رخصتِ نفسك للدرجة دي ليه؟ أكيد رماكِ بعد ما عمل فيكِ كده! ذنبهم إيه أهلك بالفضيحة اللي أنتِ فيها دي؟

انفجرت صبا في صراخ مكتوم من القهر، وهنا لم تتحمل زنوبة إهانة الطبيبة، فصرخت في وجهها بغضب وانفعال:

=لو سمحتِ اتكلمي معاها أحسن من كده! أنتِ مش عارفة حاجة! اللي قدامك دي اتعرضت للاغتصاب! ولو مش مصدقة، دي قضية كانت معروفة  من ست شهور، واللي اغتصبها محبوس بسببها! الموضوع مش بإيديها، اتقي الله!

تجمدت ملامح الطبيبة، وتلاشت نظرة الاحتقار، وحل محلها انكسار وشفقة.

اقتربت من صبا التي كانت تنهار، وطبطبت على كتفها بصوت خافت

=أنا أنا آسفة، حقك عليا، بجد مكنتش أعرف.

لم تلتفت صبا لأسفها، بل تمسكت بيدها بضعف

=نزليه يا دكتورة أبوس إيدك نزليه

تنهدت الطبيبة بقلة حيلة وقالت

=أنا فاهمة صدمتك، بس مش هينفع أنتِ في أول السادس، الجنين اتكون بالكامل، لو نزلناه هينزل مكتمل، ده مش إجهاض، ده قتل!

شهقت "صبا" وصرخت بقهر، وهي ترتمي في أحضان زنوبه، التي حاولت اسكاتها، وهي تسأل الطبيبة

=هو نوعه ايه؟

نظرت الطبيبة إليها بأسى ثم نظرت لصبا بابتسامة حزينة:

= بنوتة.

اتسعت عينا صبا برعب لا يوصف، انتفضت في حضن زنوبة وبدأت تصرخ بجنون

=بنت؟! بنت إزاي؟! لا لا! أبوس إيدك، مش عايزة بنت! مش هينفع أجيبلهم بنت! أقتلها أنا أحسن ما يقتلوها هم باللي هيعملوه فيها، دول هيضيعوها، ابوس ايديكم نزلوها نزولها متجبوهاش دنيتي دي هيوسخوهاا.

بدأت صبا في الصراخ بجنون وهي تضرب صدرها وتلوح بيديها في الهواء، بينما زنوبة تحاول احتواءها والبكاء يغطي وجههما معاً، حتى خارت قوى صبا تماماً وفقدت وعيها في حضن زنوبة، التي صرخت برعب

=صبااااااااا
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أوقف انس سيارته أمام بوابة الفيلا الفارهة بحدة، ارتطمت الإطارات بالرصيف بقوة كافية لتعبّر عن الغضب المكتوم بداخله، فلقد اتصلت به والدته منذ قليل، واجبرته على المجيئ بغضب.

لم ينتظر طويلاً، خرج من السيارة بخطوات واسعة وعنيفة، ودلف إلى داخل الفيلا،
كان الصمت سيد الموقف، والظلام يلف أرجاء المكان إلا من بعض المصابيح الخافتة.

تنفس الصعداء حين أدرك أن زوجته وابنه في سبات عميق، فهو لا يملك طاقة لأي صدام آخر الليلة، صعد الدرج بخطوات ثقيلة ومزعجة، متجهاً مباشرة إلى جناح والدته.

طرق الباب ودخل دون انتظار، ليجد صفاء تجلس على طرف السرير، ملامحها متصلبة وعيناها تقدحان شراراً وهي تنتظر قدومه. تلاشت ملامح الإرهاق عن وجه انس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة حاول بها تلطيف الأجواء

=إيه يا صفصف؟ وحشتكِ لدرجة إنكِ مش قادرة تصبري للصبح؟

اقترب منها بخطوات واثقة، وجلس  أمامها، يمد يده ليمسك بيدها في حركة معتادة، لكنه لم يكد يكمل حركته حتى تجمدت ابتسامته على وجهه.

لم تكد ثانية تمر، حتى دوت في الغرفة صفعة قوية، مدوية، سقطت على وجهه بكل ما أوتيت من قوة،اتجه رأسه للجانب بفعل قوة الضربة، وشعر بطعم الصدأ في فمه، بينما اتسعت عيناه بصدمة لم يعرف كيف يلملم أطرافها، رفع يده ببطء يلمس خده الذي بدأ يحترق، ونظر إليها بذهول لا يوصف، عاجزاً عن النطق بكلمة واحدة.
وووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
تصلبت نظرات أنس وهو ما زال يضع يده على خده المتحسس لموضع الصفعة، شعر وكأن جدران الغرفة تضيق عليه. لم تكن مجرد ضربة، كانت زلزالاً هز صورته أمام نفسه.

لمعت عيناه بدموع حارة لم يكن ليدعها تسقط لولا ثقل الصدمة، رمش ببطء وهو ينظر لوالدته التي لم تكن يوماً معه بهذا العنف.

=بتضربيني يا اما؟

همس بها بصوت مخنوق، مشروخ، وهو لا يكاد يصدق أن صفاء التي كانت تخاف عليه من نسمة الهواء، هي من أهانته الآن.

لم تعطه صفاء فرصة لاستيعاب الصدمة، بل وقفت أمامه كالبركان الثائر، وصرخت بصوت هز أرجاء الجناح:

= وأكسر راسك كمان! لما تتعوج عليا ومتبقاش ابني الي اعرفو اكسر عضمك، بقالك قد إيه ما دخلتش البيت؟ بقالك قد إيه رامي لحمك ودمك؟ ابنك بيموت بقاله يومين، حرارته ما بتنزلش وهو بيدور عليك، وإنت فين؟

توسعت عين انس بصدمه، فهو لا يعلم بمرض ابنه، فقال بهلع

=حسن؟ حسن مالو في ايه؟

ضحكت صفاء بسخريه وهي تقول بسخريه

=مفجوع عليه اوي ياخويا؟ طب كنت فين وامه بتدور عليك؟
2

نظر الى الارض بخذى، فهي محقه، هو ابتعد عنهم للغايه في الأيام السابقه

=رامي مراتك وابنك وروحت فين يا ابن بطني؟

=شغل
3

قال بهمس كاذب، لتتابع صفاء بصرامه

=عمرك ماكدبت عليا؟ عينك فاضحه كدبك شكل مراتك مكذبتش لما قالت انك راميهم ونايم في حضن غيرها

زفر انس بغضب من حديث زوجته اللعينه التي يود قتلها، لتتابع والدته

=مين دي الي رامي ابنك الي مكنتش تقدر تغمض عينك غير لما يكون في حضنك؟ مين الي نستك اهلك يا ابن بطني؟
1

لا يعلم ماذا يقول هل يخبرها انه تزوج ابنة عدوه؟ انه تزوج ابنة قاتل اباه؟
1

خرج من شروده على صوت والدته

=ماشي ورا واحدة شمال ومضيع نفسك وراها!
2

هنا، انكسر حاجز الصدمة ليحل محله غضب عارم،انتفض أنس من مكانه كالملسوع، وتلاشت نظرة الانكسار ليحل محلها جنون مفاجئ، صرخ في وجه أمه بصوت جهوري أفقدها توازنها للحظة

=ما تقوليش عليها شمال! الشمال دي تبقى مراتي! مراتي على سنة الله ورسوله!
3

ساد صمت مميت لثوانٍ، كأن الزمن توقف. تراجعت صفاء خطوة للخلف، سقطت يدها بجانبها وهي تهمس بعدم تصديق

=اتجوزت؟

اتجوزت من ورايا يا أنس؟ إمتى.. وليه؟
2

حاول أنس أن يلتقط أنفاسه، مسح دموعه بخشونة وهو يحاول استعادة هدوئه المزيف، قال بنبرة حادة لكنها محملة بالألم

=ايوه اتجوزت ايه كفرت؟ اتجوزت اللي قلبي اختارها اتجوزت اللي حسستني إني بني آدم، مش بنك فلوس، انا عملتلكم الي انتو عايزينو زمان واتجوزتها وأنا عمري ما حبتها، وهي كمان عمرها ما حبتني،يعني مغلطتش لما اتجوزت وطلعت من السجن الي حبسني فيه مع واحده مبحبهاش
2

اشتعلت عينا صفاء مرة أخرى، واقتربت منه تضرب صدره بقبضتها وهي تصيح

=سجن؟ حليمة اللي صاينة بيتك وشرفك سجن؟ غدرت ببنت عمك الي ملهاش غيرنا؟ رمتها هي وابنك عشان واحدة لمتها من الشارع؟
3

رد أنس ببرود قاسٍ وهو يمسك يديها ليوقف ضرباتها

=أنا مغدرتش بحد. حليمة عارفة إني مش بحبها، وابني انا هرييه وهخلي يالي منو  لكن حياتي الخاصة ملكي أنا اللي بتقولي عليها شمال دي هي الوحيدة اللي خلتني أحس إني عايش أنا مش هعيش بقية عمري احققلكم في وصيه ملهاش اي لازمه.
4

صاح بغضب وهو يلتف يفتح باب الغرفه مستعد للمغادره ولكن اوقفه سؤال والدته

=مين دي الي ضحكت عليك وخلتك تعلي صوتك على امك يا انس؟
2

ضغطت يد انس على الباب، لا يملك اي جواب لحديثها ليغلق الباب بقوه بدون ان يرد على حديثها

خرج أنس من غرفة والدته والدنيا تدور به، صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة.

لم يتجه للخارج كما كان ينوي، بل قادته قدماه إلى جناح حليمة دفع الباب بهدوء يشوبه الحذر، ليجدها جالسة على مقعدها الخشبي بجانب النافذة، لم تكن نائمة كما ظن، بل كانت تنتظره برابطه جأش تثير الريبة.

نظرت إليه حليمة بطرف عينها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة مسمومة وقالت بسخرية

=نورت البيت يا سِي أنس.. ولا أقول يا عريس؟ مبروك الصدمة اللي أديتها لمرات عمي، صوتكم كان جايب لآخر الشارع.
3

تجاهل سخرتيها واقترب منها بغضب مكتوم

=هو انتي يامرة لسان ميتين اهلك ده مبيتقفلش، ماشيه ترغي وتتكلمي كل شويه؟
2

وقفت حليمة وواجهته بعينين جافتين من الدموع لكنهما مليئتان بالقهر

=أنا مقلتش غير الحقيقة، واللى كنت عايزني أكدب وأقول إنك في شغل وأنت غرقان في العسل مع السنيورة الجديدة؟ ابنك كان بيموت من السخونية يا أنس، كنت بكلمك وتكنسل عليا عشان خاطرها!

=وانتي مال ميتين اهلك انا فين، انشالله اكون في جهنم من امتى وانتي بيفرق معاكي

اشتعل الغضب بداخلها من حديثه، لتصرخ بقهر

=لا بيفرق عشان انا مراتك

ارتفعت ضحكاته الساخره وهو يقول بإستفزاز

=مراتي؟ وده من امتى ياروح امك ماانتي من زمان وانتي عارفه ان انا كل يوم على سرير واحده شكل ولا لما لاقيتي الموضوع داخل في الجد قلقتي علي الفلوس

زاغت عيناها بتوتر، فحقا هذه هي الحقيقه حاولت التحدث بتوتر

=فلوس ايه وقرف ايه، هو انا لما ادور عليك عشان ده حقي يبقى يدور على فلوس

احتد النقاش بينهما، صرخات مكتومة واتهامات متبادلة، أنس يدافع عن حقه في الاختيار، وحليمة تهاجم خذلانه لها كابنة عم وزوجة.

فجأة، انهار كل ذلك الصمود، وانفجرت حليمة في بكاء مرير هز كيان الغرفة، قائلة بصوت مبحوح

=أنا تعبت يا أنس.. كفاية لحد كدة. كرامتي مابقاش فيها حتة سليمة من كتر الجري وراك واشحت الحنية منك. أنا مش قادرة أستحمل أشوف نظرة الشفقة في عين كل اللي حوليا أنا خلاص، طاقتي خلصت.

شعر أنس بوخزة حقيقية في قلبه، تقدم منها ببطء، ولأول مرة منذ سنوات، ضمها إلى صدره بحنان أخوي هادئ. اعتصرت حليمة قميصه وهي تبكي، بينما همس هو بأسى

=حقك عليا يا حليمة أنا أسف على كل لحظة وجع سببتها لك، بس أنتي عارفة والكل عارف إن قلبي مش هنا أنا مش هقدر أكمل معاكي، مش هقدر أظلمك أكتر من كدة وأنا قلبي مع غيرك.

ابتعدت عنه ببطء، مسحت دموعها بظهر يدها وبنبرة قوية رغم الانكسار قالت

=وأنا كمان مش هقدر أكمل.. اللي اتكسر بينا ميتصلحش يا ابن عمي.

نظر إليها بعمق، ثم نطق بالكلمة التي أنهت سنوات من السجن المشترك

=أنتي طالق يا حليمة.

خيم الصمت للحظات، تنفس كلاهما وكأن جبالاً انزاح عن صدورهما. حاول أنس تلطيف الأمر فقال بجدية

=ده بيتك يا حليمة، هتفضلي عايشة هنا معززة مكرمة أنتي وحسن.

رفضت حليمة بشموخ، وهزت رأسها قائلة:

=لا.. مليش قعدة هنا خلاص،البيت ده بتاعك وبتاع مراتك الجديدة لو حبيت تجيبها. أنا هاخد شقة بعيد، هعيش فيها أنا وابني.

اعترض أنس بشدة

=شقة إيه اللي تعيشي فيها لوحدك؟ أنتي مجنونة؟

أصرت حليمة على موقفها، وبعد جدال طويل، وصل أنس لحل وسط وهو يزفر بضيق

=خلاص.. هشتريلك فيلا صغيرة جنب فيلتنا دي، عشان تكوني قريبة من أمي، وعشان ابني يفضل تحت عيني. ده آخر كلام عندي.

لم تجب حليمة، بل اكتفت بنظرة أخيرة حملت كل ذكريات سنواتهما العجاف.

تركها أنس وخرج من الجناح، متجهاً بخطوات أسرع نحو غرفة ابنه الصغير حسن.
دخل الغرفة، ليجد الصغير ممدداً، وجهه شاحب وأنفاسه ثقيلة.

انحنى أنس فوقه، طبع قبلة حانية على جبهته الملتهبة، وهمس بألم

=حقك عليا يابطل

استيقظ حسن علي صوت والده ليعتدل وهو يقول بلهفه

=انس وحشتني اوي يا انس

عانقه انس بقوه وهو يقبل قروة رأسه

=وانت كمان يابطل وحشتني اوي

=متبعدش عني تاني يا انس انا عايز اكون معاك متسبنيش

تنهد انس بثقل وهو يقول بقله حيله

=مينفعش والله يابطل ده شغل ومقدرش اخدك معايا فيه

نفى له حسن وهو يتعلق به يقوه

=لا يا انس مليش دعوه خدني معاك مش عايز اقعد معاهم هنا دول ستات شبه بعض انا راجل شبهك خدني الشغل معاك

نظر له انس بتفكير لا يعلم  هل يأخذه معه ام لا ولكن وجه الصغير المترجي جعله يومأ له ليصرخ الطفل بفرحه ووقف انس يحضر له بعض الملابس حتى يذهبو الى غدران.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل الزنزانة الضيقة، كان حاتم يجلس على طرف سريره المتهالك، الدخان يتصاعد من سيجارته في دوائر رمادية تشبه دوامة أفكاره.

عينيه كانت مثبتة على نقطة وهمية في الفراغ، لكن خلف جفونه لم تكن هناك سوى صورة واحدة.. صبا.

باتت تزوره في أحلامه كل ليلة، تارة يراها تبتسم له وتارة يراها تصرخ في وجهه، حتى أصبحت هاجساً لا يغادر عقله.

تنهد بوجع وغمض عينيه بقوة وهو يهمس لنفسه بمرارة

=ده على اساس انها هتبص في وشك تاني؟ ده إنت لو وقعت تحت إيدها هتقتلك وتخلص عليك.. إنت دمرت حياتها بدم بارد، والنهاردة قلبك بيدق عشانها؟

شعر بقلبه ينتفض داخل صدره، دقات سريعة ومؤلمة أكدت له الحقيقة التي حاول الهروب منها كثيراً.. لقد وقع في فخ حبها، لكن بعد فوات الأوان.

قطع خلوته ياسر الذي جلس بجانبه بعنف، وبحركة خاطفة انتزع السيجارة من بين أصابع حاتم ووضعها في فمه، ساحباً منها نفساً عميقاً كأنه يسحب غضبه كله.

نظر إليه حاتم باستغراب، وحاول كتم ابتسامة باهتة وهو يسأل

=إيه يا ياسر؟ ملامحك بتقول إن الدنيا متقفلة في وشك.. إيه اللي منكد عليك كدة؟

زفر ياسر دخان السيجارة دفعة واحدة، وقال بغضب مكتوم وصوت أجش

=يا أخي ينعل ميتين أم الحريم كلهم! صنف نكدي

ضحك حاتم بقلب مثقل بالهموم، وهز رأسه بسخرية

=هو إنت كمان مشكلتك مع الحريم؟ مفيش حد فينا فالت من السيرة دي؟

رد ياسر وهو يجز على أسنانه

=وهو إحنا مشاكلنا بتبدأ غير بيهم؟ بت المرة بتتعصلج عليا عشان أنا محبوس، وعاملة فيها القطة المخربشة اللي مش عاجبها حالها.. بس ماشي، اطلعلها بس وأنا هعرف أربيها من جديد.

تلاشت ضحكة حاتم وحل محلها شرود حزين، تنهد وقال بنبرة مليئة باليأس

=إنت كلها كام شهر وتطلع وتشوفها وتتحاسبوا.. أما أنا، فـ قدامي عشر سنين يا ياسر،عشر سنين يعلم الله وقتها هطلع ألاقيها فين؟ ومع مين؟ ولا هتكون أصلاً فاكرة إن كان فيه حد في حياتها بالاسم ده؟

انتبه ياسر لنبرة الحزن الصادقة في صوت حاتم، وكأنه تذكر شيئاً ما، فاعتدل في جلسته وقال بفضول

=صحيح يا حاتم.. أنا لغاية دلوقتي معرفش إنت دخلت هنا في إيه بالظبط؟ وإيه حكاية البنت اللي واكلة عقلك دي؟

تشنجت ملامح حاتم فجأة، وشعر بقلق ينهش صدره. خاف من نظرة ياسر لو عرف الحقيقة، خاف أن يرى في عين صديقه الوحيد نظرة احتقار أو غضب بسبب ما فعله بـصبا. وقبل أن يفتح فمه ليبرر أو يكذب، انفتح باب الزنزانة بصرير مزعج.

دخل العسكري ونادى بصوت جهوري

— المسجون حاتم.. زيارة!

انتفض حاتم من مكانه، قلبه كاد يقفز من مكانه،وهو يفكر بداخله ان بالتأكيد والدته واخته هم من في الخارج.

مشى حاتم خلف العسكري بخطوات سريعة، كان قلبه يخفق بشدة وتخيل وجه والدته وهي تنظر إليه بحنان ودموعها تسبقها، كان يحتاج لهذا الحضن ليخفف عنه ثقل الأيام ومرارة الندم على ما فعله بصبا.

وصل إلى مكتب المأمور، وما إن فُتح الباب حتى دخل بلهفة وعينيه تبحثان عن طيف أمه، لكن سرعان ما تجمدت الدماء في عروقه وتحولت ملامح اللهفة إلى قناع من الغضب والكره الشديد حين وقعت عيناه على نيرة الجالسة ببرود وأناقة مستفزة.

قام الضابط من مكتبه وبدأ يلملم أوراقه، وقال بنبرة رسمية يشوبها الاحترام

=هسيبكم مع بعض شوية يا حاتم بيه.. لولا مكانتك ومعرفتي القديمة بيك، الزيارة دي مكنتش هتنفع خالص في غير المواعيد الرسمية.

أغلق الضابط الباب وراءه، فساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى نظرات حاتم النارية. انفجر حاتم بغضب وهو يخطو نحوها

=إيه اللي جابك هنا؟ أنتي إيه اللي رماكي في طريقي تاني؟

كتمت نيرة غيظها من استقباله الجاف، ورسمت على وجهها ابتسامة لعوبه وهي تقف وتتحرك نحوه ببطء، حتى وقفت أمامه مباشرة، وهمست بنعومة مصطنعة

=أخص عليك يا حتومي.. كدة تقابلني بالطريقة دي؟ وأنا اللي جاية عشان أطمن عليك وأشوفك في محنتك دي!

شعر حاتم بقرف يتصاعد في حلقه من رائحة عطرها وطريقتها المستفزة، وقال بحدة

=وأنا مقولتلكيش تيجي، ولا عايز أشوف وشك.

لم تستسلم نيرة، بل مدت يدها وبدأت تمشي أصابعها على صدره بحركات رقيقة، وهمست باشتياق كاذب تلمع به عيناها

=واهون عليك يا حبيبي؟ هو أنا موحشتكش خالص؟ معقولة حاتم ينسى الأيام اللي كانت بينا؟

بكل قسوة، قبض حاتم على يدها وأبعدها عنه بقرف وكأنه يلمس شيئاً ملوثاً، وقال بصوت فحيح

=هو أنا كان فيه بيني وبينك حاجة أصلاً تخليكي توحشيني؟ أنتي كنتي مجرد وقت ضايع، جسم بيكيفني بموافقتك، ودلوقتي حتى القرف مابقتش طايق أحسه ناحيتك.

تغيرت ملامح نيرة للحظة، لكنها سرعان ما استعادت برودها، فهي لم تأتِ من أجل الحب بل من أجل ما يملكه. قالت وهي تلمس شعرها بدلال

=بلاش القسوة دي يا حتومي، انا بحبك، وبعدين إحنا في مركب واحدة،مين الي هتستناك كل السنين دي؟ وبعدين انا اقدر اخرجك في نص المده ونكون مع بعض؟

ضحك حاتم ضحكة ساخرة مريرة هزت أرجاء المكتب

=آآه.. قولي كدة بقا! أنتي مش جاية تشوفي حاتم، أنتي جاية تهدديني، بس اطمني يا نيرة، السجن اللي أنا فيه ده، أرحم مية مرة من إني أشوف وشك.

اقتربت منه مرة أخرى تحاول التمسح به وإغراءه لعل قلبه يلين

=حاتم، بلاش نخسر بعض.. وقسوتك دي مش هتنفعنا

دفعها حاتم بعيداً عنه بقوة كادت تسقطها، وقال بلهجة نهائية:

=أنا كرهت نفسي عشان عرفت واحدة زيك في يوم من الأيام.

تحولت ملامح نيرة للحقد الدفين، وقبضت على حقيبتها بقوة وهي تقول بوعيد

=هتندم يا حاتم.. هخليك تعيطلي بالدموع بس عشان اكون معاك.

​تركها حاتم دون أن يعطيها جواب ، ونادى على العسكري وهو يخرج من المكتب بخطوات واسعة، تاركًا إياها تشتعل غيظًا خلفه، وعقله لا يزال يهمس باسم صبا التي باتت الآن حصنه الوحيد ضد قذارة العالم الذي تركه خلفه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انتهت غدران من وضع مستحضرات التجميل على وجهها، فهي اليوم اخيرا تحررت من هذه الضيفه اللعينه التي منعتها عن زوجها في الأيام السابقه.

استمعت الى صوت المقتاح في الباب لتقف بحماس وهي تنظر الى نفسها في المرآة، كانت ترتدي فستان ابيض اللون بدون حملات صدره الايسر عباره عن بضع خيوط لا تخفي ما اسفلها، وبالكاد طوله يصل الى مقدمة قدمها.

سارت بخطوات سريعه الي الباب واتسعت ابتسامتها عندما وجدت انس امامها ولكن تقلصت ابتسامتها عندما نظرت الي حسن الواقف بجانب اباه وهو ينظر لها ببلاها وفمه مفتوح بلا تصديق من المنظر الذي امامه.

=مين ده

قالت غدران بصدمه لانس الذي تاه في تفاضيل جسدها الظاهر امامه، ولكن حديثها ذكره بالواقف بجانبه ليصيح بغضب

=غوري جوه

اومأت له غدران وهي تدخل الي الغرفه سريعاً بخجل، لينظر انس الس ابنه الذي مازال ينظر في أثر غدران بصدمه

=مين الصاروخ دي يا انس

حمله انس بغضب وهو يثبته على الحائط

=ولا ولاااا دي مراتي يلا

غمز له حسن وهو يقول بخبث

=ليك حق يا انوس، ده انا لو مكانك مش اقاطعنا بس لا ده انا اطفش بيها، دي صاروخخخ صاروخخخ
3

قال اخر حديثه وهو يعض علي شفتاه جاعل انس يحترق بداخله ليقول بغضب

=خخخخ بتعاكس مراتي قدامي ياابن الوسخة، ولا لو محترمتش نفسك هرجعك لي امك انت فاهم!

ظهر الرعب على ملامح حسن لينفي سريعاً وهو يقول بإحترام كاذب

=لالا خلاص يا عمور هعمل كل الي انت عايزو بس خليني معاك.

تنهد انس بغصب وهو يتركه ليسقط على الأرض وهو يصرخ بألم

=انا مين؟

=انت عمو عمر صاحب بابا الله يرحمو وبتخلي بالك مني انا وتيتا

قال حسن ما حفظه اباه ليومأ له انس، وهو يشير الى احد الغرف

=تدخل الاوضه دي ومسمعش حسك لغاية الصبح فاهم؟

ما ان انهى انس كلامه حتي ذهب حسن سريعاً الى الغرفه، ليزفر انس بتعب وهو يذهب الى غرفة غدران.

دخل انس الى غرفة غدران بتعب، وعقله لا يتوقف عن تذكيره بالصفعه التي نزلت على وجهه من والدته، حتى انه لم يشعر بغدران التي جلست على قدمه الا من صوتها

=عمر، انا بكلمك

نظر لها انس بتفاجئ من طريقة جلوسها، ليحاوط خصرها وهو يقول بإبتسامه

=ايه ياطري

=انت مش معايا خالص، انت كنت فين، ومين الي يره ده، وايه الي شاغلك عني كده؟

توترت ملامح انس لا يعلم ماذا يقول، حاول ايجاد كذبه ليقول

=انا كنت في مشوار مهم تبع حسن الي بره ده، ابن صاحبي الله يرحمه اللى  قولتلك عليه قبل كده اللى جدته كانت تعبانه وانا روحتلها يوم فرحنا، هو ابوه ميت وكان عايش مع امه، بس امه مبقتش عايزاه ومشت وسابته فا انا قولت اخده ونحاول نهون عليه ده عيل صغير

تأثرت غدران من هذه القصه التي اخبرها بها، لتقول يحزن

=ياحبيبي، هو في ستات مفتريه كده بس؟ منها لله والله، متخافش ياحبيبي انا هحاول اهون عليه.

=حبيبي ابو قلب حنين.

قال بمشاكسه، وهو يهبط على شفتاها يقبلها بحب لتبادله بشوق فهى حقا اشتاقت اليه بسبب بعده عنها في الأيام السابقه.

مررت يديها في خصلات شعره، وهي تقربه اكثر اليها ويديها الاخرى تحاول تخليصه من سترته.

ولكن اوقفتها يد انس، الذي ابعدها عنه ليحملها ويجعلها تتسطح على الفراش، اتسعت ابتسامتها بحماس وهي تنتظر ان يعتليها، ولكنه قبل حبيبنها وهو يبتعد عنها متسطحا بجانبها

=تصبحي على خير ياطري

نظرت الى ظهره، ثم الي ما ترتديه لتهمس بعدم تصديق

=تصبحي على خير؟

لم يمر دقيقتين وذهب الى ادنوم لتهمس بغلب

=يعني انا عامله كل ده عشان تقولي تصبحي على خير؟

زفرت بغضب وهي تنظر الى ظهره بممل فهي لا تريد النوم، ات الى بالها ان تذهب الى هذا الطفل لترتدي روبها وهي تذهب اليه.

بحثت عنه في غرف المنزل لتجده في الغرفه التي بجانب غرفتها كانت تظن انها ستجده نائم ولكنه كان مستيقظ ينظر اليها.

ابتسمت له غدران بلطف وهي تجلس بجانبه

=عامل ايه ياحبيبي؟

اشار حسن الى نفسه وهو يقول بعدن تصديق

=انا حبيبك؟

اومأت له بلطف ليرتمي سريعا بين احضانها بطريقه افجعت غدران التي احتواته بعدم فهم ولكنها ظنت انه يشعر بفقدان الحنان لتمرر يديها على ظهره وهي تقول بحزن
1

=انت جميل اوي ياحسن، وانا فرحانه اوي انك هتفضل معانا اليومين دول

قالت اخر حديثها بأستغراب بسبب قبلات هذا الفتي على جسدها بطريقه استغربتها للغايه

=وانا كمان فرحان اوي اوي، هو ينفع اطلب منك طلب

=طبعا

قالت سريعا بسبب نبرته المنكسره، ليرسم هذا الخبيث وجه المسكين وهو يتصنع البكاء

=ينفع انام في حضنك اصل انا عمري مانمت في حضن حد قبل كده، وانتي حضنك كبير اوي، قصدي جميل اوي ها ينفع؟
10

شعرت غدران بالتأثر من حديثه لتومأ له بتأكيد، وهي تحتويه داخل احضانها

=طبعا ياحبيبي، النهارده هنام جمبك.

اتسعت ابتسامته الخبيثه، وهو يعانقها بقوه دافن وجهه في منتصف صدرها يتصنع النوم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقفت صبا أمام المرآة المهشمة الأطراف، يداها ترتجفان وهي تضعهما بحذر فوق بطنها التي بدأت تبرز قليلاً، وكأنها تخفي داخلها سراً ثقيلاً يهدد حياتها.
10

كانت تنظر لانعكاس وجهها الشاحب، وعيناها تائهتان بين الرعب والتردد. عقلها يصرخ بها

ارجعي.. بلاش تروحي.. للي كسر قلبك مش هيحن على حتة منك

مررت يدها في شعرها بعشوائية وتوتر، وأنفاسها تلاحق بعضها البعض كأنها في سباق، حتى قاطع خلوتها دخول زنوبة وهي تتلفت حولها بحذر شديد، قائلة بصوت خفيض مستعجل

=يلا يا صبا.. اخلصي ، عايزين نلحق نروح ونرجع قبل ما خالتك وجوزها يصحوا من المنوم اللي حطيتهولهم في الشاي.. يلا بالله عليكي، الوقت بيجري!

هزت صبا رأسها نفياً بقوة، وانهارت فوق طرف السرير وهي تخفي وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مرير

=مش قادرة يا زنوبة.. مش قادرة اروح. مش هعرف أقف قدامه ولا أبص في عينيه.. أنا خايفة يا زنوبة، خايفة أوي.

رقت حالة زنوبة لصديقتها، فاقتربت منها وجلست بجانبها، وضمتها إلى صدرها بحنان وهي تمسد على ظهرها لتهدئ من روعها

=خايفة من إيه تاني بس يا صبا؟ إيه اللي ممكن يعمله فيكي أكتر من اللي عمله؟

رفعت صبا وجهها المبلل بالدموع وقالت بصوت متقطع

=خايفة يكسرني أكتر ما أنا مكسورة،خايفة يرفض اللي في بطني ده ويقولي ماليش دعوة بيكي.

طبعت زنوبة قبلة حانية على رأس صبا وهي تحاول بث الشجاعة في قلبها

=يا حبيبتي اهدي، إحنا مبقاش قدامنا حل غير ده. صدقيني، أنا متأكدة إن شاء الله إن أول ما يعرف إنك حامل مش هيسيبك لوحدك وهيتصرف.. إنتي نسيتي يوم الحكم؟ ده لما أغمى عليكي كان هيتجنن عليكي يا صبا، وكان هيهد الدنيا عشان يوصلك،اكيد ربنا هيحنن قلبه عليكِ انتِ وبنتك اللى ف بطنك، ماهي بنته.

استطردت زنوبة وهي تمسح دموع صبا بطرف اصبعها

=يلا يا حبيبتي بقي، متشككيش نفسك وتتعبيها.. قومي معايا، ربنا مش هيضيع حقك ولا هيسيب الغلبانة اللي في بطنك دي.

نظرت صبا لزنوبة بصمت طويل، وكأنها تستمد منها القوة التي تفتقدها.

فكرت في كلامها، في نظرة حاتم الأخيرة لها، وفي طفلها الذي لا ذنب له. مسحت دموعها بخشونة، واستسلمت ليد زنوبة التي سحبتها برفق لتقوم معها، متجهة نحو مصير لا تعلم عنه شيئاً خلف أسوار السجن الباردة.

في ممر السجن الموحش، كان عم عطية العسكري يمسك بالدفتر وهو ينادي بأسماء المساجين الذين كُتب لهم لقاء أحبائهم في هذا اليوم الصعب.

خرج حاتم من زنزانته بخطوات ثقيلة، اقترب من عطية وهو يشعر بضيق في صدره، ان تكون نيرة هي هذه الزائرة

حاتم بنبرة متعبة

=مين اللي جي يزورني يا عم عطية؟

رد عطية وهو يقلب الورق

=معرفش يا ابني، هي واقفة بره مع اللي مستنيين.

زفر حاتم بغضب، وعروق جبهته برزت من شدة التوتر، فقد ظن أنها نيرة عادت لتلح عليه من جديد، فسأل بخشونة

=يعني اللي بره دي ست ولا راجل؟

عطية بنبرة هادئة

=لا يا ابني، دي بنت صغيرة كدة وشكلها غلبان.

هنا بدأت شكوك حاتم تتأكد، تسارعت دقات قلبه وهو يفكر في جنة أخته، سأل وعينه تلمع بترقب

=محجبة يا عم عطية؟

نفى عطية برأسه وهو يتحرك للأمام

=لا يا ابني، دي بشعرها.

في تلك اللحظة، انطفأت شعلة الأمل في عيني حاتم وحل محلها غضب عارم؛ فهو يعلم أن أخته محجبة، إذن هي بالتأكيد نيرة  صرخ بحدة وجمود

=أنا مش هطلع للزيارة دي يا عم عطية.. ارجع قولها المسجون رافض يشوفك، وقولها ملمحش طيفها هنا تاني، أنا مش عايز أشوفها!
7

أومأ عطية بأسى، وترك حاتم يعود لظلمة زنزانته، بينما اتجه هو بآمال المساجين الآخرين نحو ساحة الزيارة.

على الجانب الآخر، كانت صبا تقف خلف السلك الشائك، يداها ترتجفان وهي تقبض على حقيبتها، وعيناها تدوران بتوتر بين الوجوه الخارجة، تنتظر رؤية ملامحه التي اشتاقت إليها رغم كل الوجع.

فجأة، وقف العسكري أمامها، وبنبرة خالية من المشاعر قال

=انتي اللي جاية لحاتم؟ المسجون رافض الزيارة تمامًا، وبيقولك متجيش هنا تاني.

نزلت الكلمات على رأس صبا كالصاعقة تسمرت مكانها، شعرت وكأن الهواء سُحب من رئتيها، وقلبها الذي جاء محملًا بكلمة واحدة انقسم في تلك اللحظة إلى نصفين.
4

لم تنطق بحرف، بل تراجعت للخلف بخطوات مهزوزة، ثم فجأة انفجرت في بكاء هستيري وركضت نحو البوابة الخارجية بأقصى سرعتها.

في الخارج، كانت زنوبة تجلس على الرصيف تمسح عرقها، وما إن رأت صبا تخرج وهي تنهار وتجري كالمجنونة، حتى انتفضت من مكانها بلهفة وركضت خلفها وهي تصيح بقلق

=صبا! استني يا صبا! حصل إيه يا بنتي؟ عمل فيكي إيه؟ ردي عليا يا صبا!

لكن صبا لم تكن تسمع سوى صدى صوته وهو يرفضها، تجري والدموع تحرق وجهها، هاربة من السجن، ومن الحقيقة، ومن طفل سيولد وأبوه يرفض حتى النظر في وجه أمه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كان أنس يجلس خلف مكتبه الفخم، يحيط به جو من الهيبة والسطوة التي لا تُنازع. كان يمسك بقلمه الذهبي، يوقع على أوراق صفقات بملايين الجنيهات ببرود تام، وكأن مصائر الناس مجرد حبر على ورق.

انفتح الباب ودخل وائل بخطوات سريعة، ليرفع أنس رأسه ببطء، مشيرًا له بيده نحو المقعد قائلًا بنبرة آمرة

=اقعد يا وائل.. إيه الجديد؟

اعتدل وائل في جلسته وقال بصوت خفيض

=في تسليم شحنة مخدرات كبيرة لرجالة أيمن وصلاح النهاردة بالليل.. تحب نبلغ الحكومة ونخلص، ولا هنتعامل إحنا بمعرفتنا.

ترك أنس القلم من يده ببطء مستفز، وسند ظهره على الكرسي الجلدي المريح، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وباردة وهو يرد بكلمة واحدة

=بلّغ.

أومأ وائل برأسه بتردد

=تمام يا بوص..

سكت قليلاً ثم تابع بتوتر

=بس أنا مش فاهم دماغك يا أنس! إنت أخدت منهم كل حاجة، السوق والشركات.. ليه ما نخلصش عليهم ونقفل الملف ده خالص؟"

اعتدل أنس في جلسته فجأة، وبرقت عيناه بغضب مكتوم وهو ينظر لوائل ببرود جليدي

=أقتله؟ لما أقتله هبقى بريحه يا وائل، والموت راحة وأنا مش عايزهم يرتاحوا.. كوني أخدت ممتلكاتهم ده مش معناه إني فقرتهم، اللي زي أيمن وصلاح دول مسنودين بفلوس متشالة وناس كتير ليهم مصالح معاهم.

تابع أنس وهو يشبك أصابعه أمام وجهه بذكاء شيطاني

=أنا بقى هاخد منهم الفلوس دي، وهقلب الناس دي عليهم.. عشان لما أسحب السجادة من تحت رجليهم، ميلقوش مليم يسندهم، ويقعوا تحت رجلي مزلولين بيشحتوا الرحمة، وساعتها بس.. أبقى أفكر أخلص عليهم ولا أسيبهم جثث عايشة.

اتسعت عينا وائل بانبهار حقيقي، وقال بعدم تصديق

=أسطورة.. قسماً بالله أسطورة! إنت بتلعب بيهم شطرنج يا بوص.

ابتسم أنس ابتسامة ثقة الغرور، وقال

=طول عمري يا بني.. المهم، عملت إيه في حوار الفيلا اللي قولتلك عليها؟

رد وائل بعملية وهو يخرج بعض الأوراق

=الفيلة اللي جنب فيلتك علطول  مسكونة للأسف.

لاحظ وائل شرارة الغضب التي اشتعلت في عين أنس، فأسرع يكمل بزهو

=بس متقلقش، اتعاملت مع صاحبها واشتريتها منه بضعف تمنها، وكتبتها باسم ابنك حسن زي ما طلبت.. بتبصلي كدة ليه؟ عيب عليك تلميذك.

أومأ أنس برأسه بجمود، لكن بداخله كان يشعر بالرضا لأنه سينفذ وعده لحليمة ويجعل ابنه بجواره، ثم قال بلهجة قاطعة

=روح اعمل اللي قولتلك عليه.. وجهز عربية من بتوعنا بتوع الصحرا، وجهز نفسك بليل.. هنحضر التسليم من بعيد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في إحدى الشقق المشبوهة، المليئة برائحة الدخان الخانقة، كان مصطفى يجلس على أريكة متهالكة، زجاجات المشروب مبعثرة حوله، وعيناه غائرتان يملؤهما الاحمرار من أثر السُكر الحاد.

كان يترنح في مكانه، ويمسك بقدحه بيد ترتعش، بينما يتمتم بكلمات غير مفهومة قبل أن يوجه نظره لصديقه عمرو القابع أمامه في حالة مماثلة.

قال مصطفى بصوت ثقيل ومقطع من أثر السُكر

=لسه مش عايزة ترجعلي يا عمرو.. كل ما أقرب، تقفل كل الأبواب في وشي.. ليه؟

رد عمرو وهو يسحب نفساً من سيجارته، وضحكة ساخرة مرسومة على شفتيه

=يا ابني ما هو حقها.. أنت ناسي أنت عملت فيها إيه؟ اللي عملته مش شوية يا مصطفى.. أنت حطيتلها منشط في العصير وسيبتها لمديرك.

تجرع مصطفى بقية ما في قدحه دفعة واحدة، ومسح فمه بظهر يده وهو يقول بدفاع يائس

=مكانش قصدي يا عم.. العرض كان ميتفوتش، كنت محتاج الفلوس.. بس أنا اتغيرت، والله اتغيرت!

انفجر عمرو في ضحك ساخر هز أرجاء المكان، ورد بتهكم

=أيوه.. أيوه طبعاً، واضح جداً إنك اتغيرت.. باين على منظرك وأنت مرامي هنا.

أومأ مصطفى برأسه بتصميم أعمى وهو يملأ قدحه من جديد، وعيناه تلمعان بنظرة مخيفة

=أيوه اتغيرت ومش هسيبها تضيع مني.. ولو وصلت إني أهددها ببنتنا عشان ترجعلي، هعملها.. البنت هي اللي هترجعها لبيتي.

هنا، زفر عمرو بضيق ونظر إليه بشيء من الغضب والاشمئزاز

=يا عم ما تفكك بقى وارحمها! هو أنت يعني كنت بتحبها؟ ما إحنا دافنينه سوا.. أنت اتجوزتها بس عشان تعمل مصلحة وعلاقات مع أبوها، لا حب ولا نيلة.

انتفض مصطفى فجأة، وحاول الوقوف لكنه ترنح يميناً ويساراً وكاد يسقط، استند على ظهر الكرسي بكل قوته، وصاح بصوت غاضب أجش

=متقولش كدة! أنا بحبها! يمكن اه في الأول مكنتش بحبها واتجوزتها عشان المصالح.. بس دلوقتي بقت في دمي، ندمت عليها لما بعدت وعرف قيمتها.

سكت لحظة، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس ملوثة، ثم ضغط على أسنانه وقال بتصميم شيطاني وهو ينظر للفراغ

=وهرجعها ليا.. بأي تمن يا عمرو، بأي تمن.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

داخل مخزن قديم تفوح منه رائحة الرطوبة، كان أيمن يقف أمام طاولة خشبية يتفحص سلاحه ببرود، بينما كان صلاح يتحرك في أرجاء المكان ذهابًا وإيابًا، وصوت خطواته السريعة يعكس مدى القلق الذي ينهش صدره.
توقف صلاح فجأة، ونظر إلى أيمن الذي كان يبدو هادئًا بشكل مستفز، وقال بصوت مهتز

=عمي.. أنا قلبي مش مستريح. أنس مش هيسيبنا نتحرك الخطوة دي بالسهولة دي، الراجل ده بقى زي العفريت في كل حتة بنروحها بنلاقي أثره.. تفتكر ممكن يكون عرف بحوار الشحنة؟

لم يرفع أيمن عينيه عن سلاحه، بل أخرج الخزنة وأعاد تركيبها بصوت "تكة" معدنية حادة، ثم قال ببرود

=أنس مين يا صلاح؟ إنت كبرت الموضوع زيادة عن اللزوم. أنس دلوقتي ملبوخ في الشركات اللي أخدها وفي حياته الجديدة.. وبعدين، الشحنة دي ميعادها ومكانها ما يعرفوش غيري أنا وإنت والمورد بس.

اقترب صلاح منه، وهمس بتوجس

=يا عمي.. أنا خايف نكون بنرمي نفسنا في النار.

هنا، ترك أيمن السلاح ورفع رأسه، ونظر لصلاح بنظرة حادة مليئة بالثقة والغطرسة

=اسمع يا صلاح، أنا مرتب كل حاجة بالملي. مفيش جنس مخلوق يعرف طريقنا النهاردة، والرجالة متوزعة في كل المداخل.. الشحنة دي هي اللي هترجعنا للعب من تاني وتوقفنا على رجلينا، ومحدش هيقدر يمنعنا.. لا أنس ولا غيره.

ربت أيمن على كتف صلاح بقوة، وتابع بابتسامة صفراء

=اهدى كدة وجمد قلبك.. النهاردة بالليل هنستلم، وبكرة الصبح السوق كله هيكون تحت طوعنا من تاني.. يلا بينا.

أومأ صلاح برأسه على مضض، لكن ملامح القلق لم تغادر وجهه، وكأن حدسه يخبره بأن الظلام الذي ينتظرهم في الخارج يحمل مفاجأة لم تكن أبدًا في الحسبان.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

=يعني بعد كل ده اطلع من المولد بلا حمص

قال مازن بغضب وهو يلقي هذه المزهرية في الحائط لتصرخ سمر بخوف وهي تقترب منه بتوتر

=يامازن اهدي، اهدي عشان نعرف نتكلم

نظر لها مازن بغصب، وهو يصيح بغضب مشتعل

=اهدى؟ تخطيط السنين كلو راح وبتقوليلي اهدى، اهدى ازاي

دفعها مازن بعيداً عنه وهو يزفر بنار الغضب التي تأكله، بينما تراجعت سمر وهي تعدل ثيابها بارتجاف، تحاول جاهدة استيعاب الكارثة التي حلت فوق رؤوسهما.

=كل ده كان كذب

صرخ مازن وهو يضرب قبضته على الطاولة،

=ازاي كل حاجه تضيع في يوم وليله، انس ده ايه شيطان.

اقتربت سمر منه بصوت منخفض، وعيناها تلمعان بدموع الندم على ضياع السبوبة الكبيرة

=يا مازن والله ما كنت أعرف.. ومكنتش أتخيل إن أنس بلمحة عين يسحب منه كل حاجة ويوقعه في الفخ ده.. صلاح نفسه مصدوم ومش مصدق إنه ضاع!

نظر لها مازن بسخرية لاذعة، واقترب منها حتى تلاقت أعينهما، وقال بفحيح مخيف

=صلاح ضاع؟ لا يا روح أمك، إحنا اللي ضيعنا! إحنا اللي خاطرنا بكل حاجة عشان نطلع بقرشين نعيش بيهم بره البلد، ودلوقتي إنتي بقيتي على ذمة راجل شحات.. أنس مسبلوش حتى تمن الهدوم اللي لابسها!

سمر بصوت مخنوق

=طب والعمل؟ هنعمل إيه؟ صلاح دلوقتى رايح يستلم شحنة مخدرات، بيقول إنها دي اللي هترجعه على رجله تاني.

=شحنة ايه؟

قال مازن بلهفه لتقول سريعا

=شحنة مخدرات هيستلمها النهارده، وبيقول انه هيقدر بيها يقف على رجلو تاني.

توسعت عين مازن بلهفه، وهو يقول بصرامه

=احنا لازم نعرف كل حاجه عن الشحنه دي، لازم نعرف كل حاجه انتي فاهمه

اومأت له بإرتباك، وهي تشعر بالقلق من غضبه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في زاوية ضيقة من غرفتهما الباردة، كانت صبا غارقة في أحضان زنوبة، تشهق بقوة وكأن روحها تخرج مع كل عبرة.

كانت زنوبة تمسح على ظهرها بذعر، وصوتها يرتجف من القلق

=يا صبا.. ردي عليا يا بتي طمنيني، في إيه حصل؟ عمل فيكي إيه عشان تنقهري القهرة دي كلها؟ قالك إيه بس نطق بإيه؟

استمرت صبا في بكائها الصامت المرير، فزادت دقات قلب زنوبة خوفاً وقالت وهي تقبل رأسها

=يا صبا أبوس إيدك فهميني، قلبي محروق عليكي.. طمنيني في إيه؟

خرجت صبا من حضنها ببطء، ووجهها شاحب كالموتى، وقالت بنبرة محطمة

=يا رتني ما سمعت كلامك.. اتكسرت كسرة تانية يا زنوبة، كسرة أقوى من الأولانية بكتير.

هتفت زنوبة بقلق

=حصل إيه؟ انطقي!

صبا بصوت مخنوق

=مرضاش يشوفني.. لما عرف إن أنا اللي بره، مرضاش يطلع.. وقال للعسكري يبلغني إني ماجيش هنا تاني، مش عايز يشوف وشي يا زنوبة.

اتسعت عينا زنوبة بصدمة، وضربت صدرها بيدها قائلة بعدم تصديق

=إيه؟ مرضاش يشوفك؟

أومأت صبا برأسها بانكسار، وابتسامة مريرة ترتسم على شفتيها وسط الدموع

=أيوه مرضاش يشوفني.. أمال كنتي مستنية إيه؟ ياخدني في حضنه ويطمن عليا؟ قولتلك أنا بالنسباله واحدة ما سواش حتى شفقه.. يدوبك واحدة رخيصة خد منها الي عايزو و رماها.

انتفضت زنوبة بغضب وقالت وهي تمسك وجه صبا بكفيها

=أوعي تقولي على نفسك كدة تاني، أنتي فاهمة؟ ده أنتي ست البنات كلهم.. هو يطول أصلاً يلمس طرفك؟

صبا بسخرية لاذعة

=دول كلمتين إنتي بتقوليهم يا زنوبة عشان تصبريني.. بس الحقيقة هو شايفني كدة.

مررت صبا يدها المرتجفة على بطنها وأكملت بوجع

=بس أنا كان كل همي يلحق بنته.. إن شاء الله ياخدها هي بس ويرميني أنا في أي داهية.. أنا مش عايزة بنتي تطلع شبهي يا زنوبة.

عادت صبا لتنفجر في البكاء داخل حضن صديقتها، بينما كانت زنوبة تشعر بنيران الغضب تشتعل داخلها تجاه حاتم، وهمست بفحيح

=هو حاتم ده إيه؟ شيطان؟ منه لله.. ربنا ينتقم منه ومن قسوته دي.

قطع تلك اللحظة دخول جابر الذي وقف ببرود وسخرية، قائلاً بصوت غليظ

=خلصتي يا اختي أنتي وهي فقرة النحنحة دي؟ اخلصي يا روح أمك عشان نمرتك كمان شوية.. الزباين مستنية.

انتفضت زنوبة تصرخ في وجهه بغضب

=تقوم فين؟ أنا قولتلك إن البنت تعبانة ومش قادرة تقف على رجلها!

اقترب جابر بغل وشد صبا من ذراعها لتقف قسراً

=لا.. جو المستشفيات ده هيوقف حالنا ويخسرنا.. يلا يا روح أمك معايا من غير كلام كتير.

كانت زنوبة ستحاول جذبه بعيداً، لكن صبا استسلمت وقالت بصوت مجهد ومنطفئ

=حاضر يا عم جابر.. هلبس وآجي وراك.

مرر جابر يده في شعرها بخبث وهو يبتسم بانتصار

=شاطرة يا روح أمك.. يلا متتأخريش.
1

بمجرد خروجه، اندفعت زنوبة نحو صبا وقالت بغضب مكتوم

=أنتي بتستعبطي يا صبا؟ أنتي حامل! أنتي واعية للي بتعمليه في نفسك ده؟

صبا بانهيار وصراخ مكتوم

=وحياة أمك سيبيني.. أبوس إيدك سيبيني أعمل اللي هو عايزه.. يمكن أسقط وأخلص.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في قلب منطقة جبلية مقطوعة، وتحت ستر ظلام الليل الدامس، كانت سيارتان دفع رباعي تقفان في مواجهة بعضهما، والمصابيح الأمامية مطفأة تماماً.

ساد صمت حذر لا يقطعه سوى أنفاس صلاح المضطربة وهو يراقب أيمن الذي كان يتحدث مع المورد بلهجة واثقة.

على مسافة بعيدة، فوق تلة مرتفعة، كانت تقبع سيارة أنس السوداء.

كان يجلس بداخلها، واضعاً قدماً فوق الأخرى، يراقب المشهد بمنظار ليلي، بينما وائل بجانبه.

فتح أحد الرجال حقيبة كبيرة مليئة بـ القوالب المغلفة، بينما فتح رجل من طرف أيمن حقيبة أخرى مكدسة برزم الدولارات.

انحنى أيمن ليتأكد من جودة البضاعة، وابتسامة النصر بدأت ترتسم على وجهه، هامساً لصلاح

=مش قولتلك كل حاحك هتبقى زي الفل؟

لم يكد صلاح يفتح فمه للرد، حتى انشقت الأرض عن أضواء كاشفة عملاقة وصيحات هزت أركان الجبل

=اثبت مكانك! البوليس محاصر المكان من كل جهة! سلمو نفسكم

في لحظة، تحول الهدوء إلى جحيم،دوى صوت الرصاص في كل مكان، وانهمر الرصاص كالمطر من بنادق قوات الأمن.

سقط أيمن أرضاً وهو يحاول الوصول لسلاحه، بينما صرخ صلاح برعب

=غدروا بينا يا عمي! قولتلك عرفوا!

بدأ تبادل إطلاق نار عنيف، ورجال أيمن يتساقطون واحداً تلو الآخر. صلاح، بدافع الخوف والنجاة، ارتمى خلف صخرة كبيرة ثم بدأ يركض بشكل عشوائي نحو المنحدر الجبلي.

وأثناء ركضه، شعر بحرارة تخترق كتفه وصدره، صرخة ألم مكتومة خرجت منه وهو يترنح، لكنه لم يتوقف.

سقط وتدحرج فوق الرمال والصخور، والدماء تنزف منه، لكنه استجمع قوته الأخيرة واختفى بين الشقوق الجبلية الوعرة التي لا تعرفها السيارات.

أما الرجال والمورد والباقون، فقد وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع فوهات البنادق، وأُجبروا على الانبطاح أرضاً والكلبشات تنهش معاصمهم.

فوق التلة، أنزل أنس المنظار ببطء، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الشيطانية وهو يرى سيارات البوليس تحيط بالمكان. التفت إليه وائل بذهول

=الرجالة اتمسكت يا بوص.. بس صلاح وايمن فصو ملح ودابو، شكلهم اتصابو وهربو في الجبل.

عدّل أنس ياقة قميصه ببرود تام وقال وهو يغلق زجاج السيارة

=كويس، حصل الي كنت عايزو بالظبط

تحركت سيارة أنس في صمت، تاركة وراءها صرخات الملقى القبض عليهم، وأنيناً خافتاً لصلاح وهو يزحف في قلب الصحراء، يصارع الموت والندم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استيقظ زياد من نومه لشعوره بقبلات متفرقه على وجهه،ابتسم بخبث وهو يمرر يديه على جسد المتسطحه فوقه،ويهمس بخبث

=صباح المربى ياوتكة.

مررت انفها في رقبته وهي تقول بهمس

=انا حامل

تصلب زياد في موضعه،وتفتحت عيناه بلا تصديق وهو ينظر الى جمرة المتسطحة فوقه

وووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
ابتعدت جمرة قليلاً لترفع بجسدها فوقه، تراقبه بعينين تلمعان ببريق لم يره منذ زمن، بينما تجمدت ملامح زياد تماماً.
+

الكلمة وقعت عليه كالصاعقة، لم تكن مجرد خبر سار، بل كانت استعادة لشريط أسود من الذكريات حاول دفنه طويلاً.

شحب لونه، وارتجفت يده التي كانت تداعبها قبل ثوانٍ، ليتراجع بظهره مستنداً إلى وسادته وهو ينفث أنفاساً متقطعة، والكلمات تخرج منه بالكاد بصوتٍ مخنوق

=حـ... حامل؟ حامل ازاي؟انتي بتهزري صح

بلع ريقه بصعوبة، وصورة ذلك اليوم المشؤوم تهاجم مخيلته؛ صراخها، الدماء، ونظرات اللوم التي لم تغادر عينيه هو قبل عينيها.

كان خائفاً من تكرار الوجع، خائفاً من أن يكون سبباً في كسرها مرة أخرى.

ابتسمت جمرة برقة، وقد قرأت كل ذرة توتر في ملامحه المخطوفة.

مدّت يديها الصغيرتين تحاوط وجهه، وكأنها تمتص منه ذلك الخوف، وقالت بلهجتها الدافئة

=لا يا زياد، ماني عم أمزح. هالمرة حقيقة.. والله حقيقة.

رأت الدموع تترقرق في عينيه، فتابعت وهي تمسح بإبهامها على وجنته بحنان بالغ

=بعرف شو عم يدور ببالك، وبعرف إنك كنت خايف من هاللحظة وما بدك ياها تصير مشان ما نتوجع سوا متل هداك الوقت.. بس يا حبيبي، ربنا رايد إننا نخلف يا زياد.

سكتت لتميل برأسها وتطبع قبلة رقيقة على جبهته، ثم همست بجوار أذنه

=ربنا اراد نردم على الجرح القديم، ورح ننسى الوجع القديم بضحكة هاد الصغير اللي جاي لا تخاف، هاد هدية من الله إلنا، وما في أحلى من هدايا الرب.

أغمض زياد عينيه بقوة، ثم سحبها إلى صدره في عناقٍ شديد، وكأنه يحاول تخبئتها بداخل ضلوعه من العالم أجمع، وهمس بصوت مرتجف

=خايف ياجمرة خايف اوي

بادلته العناق وهي تشعر بجسده المتشنج اسفل يديها

=من شو ياقلب جمرة؟الي فات كان حادث وانا سامحتك والله سامحتك وهالحين يجي دور اهلنا مش جدو قال ما تحكي معي غير لما يجي الحفيد؟يلا نروح ونخبرو ان انا حامل

كانت تتحدث وهي تسحب يديه بقوه ولكنه اوقفها سريعا وهو يقول بخوف

=حسبي براحه ياجمرة اتحركي براحه

اتسعت ابتسامتها من خوفه الظاهر على وجهه لتومأ له،وهي تتحدث بحماس

=حاضر راح اعمل كل الي بتقول اياه، بس وحياة الله يلا يازياد، بدي نعرف العيله ونتصافى معاهم.

كان ينظر لها بإبتسامة دافئة وسرعان ما انحنى اسفل قدميها وهو يحسس على معدتها الصغيرة،لتمرر يديها في خصلات شعره وهي تقول بسعاده

=سعيد؟

رفع زياد رأسه إليها، وعيناه لا تزالان غارقتين في مزيج من الذهول والامتنان، ثم عاد بجبينه يسنده على معدتها برفق شديد، وكأنه يستمع لنبض الحياة الجديد الذي سيغير أقدارهم.
​استنشق أنفاساً طويلة قبل أن يجيب بصوت منخفض متهدج

=ده انا طاير من الفرحة، مش مصدق ان ربنا سامحني وهيرزقني منك بعيل بدل الي راح

=زياد ماتضل تذكر هالموضوع هيك،حبيبي بالله عليك خبرتك انا نسيت نسيت وسامحتك وحياة الله سامح حالك وارحمها شوي.

صاحت بشفقة وهي تنظر الي زوجها الذي نفى بحزن
6

=مش هقدر يا جمرة انتي سامحتي بس انا مش هقدر اسامح نفسي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استمر صلاح في الزحف فوق الرمال الخشنة، كانت كل خطوة يخطوها تبدو وكأنها ألف طعنة في صدره،أنفاسه كانت تخرج محملة بآهات مكتومة، وعيناه بدأت تغيم بفعل فقدان الدماء والجهد الخرافي الذي يبذله ليهرب من الموت الذي تركه خلفه في قلب الجبل.

الصحراء كانت صامتة، قاسية، وباردة، لا يقطع سكونها إلا صوت حفيف ملابسه فوق الرمل وصوت قلبه الذي يصارع ليبقى نابضاً.

رفع رأسه بصعوبة بالغة، يمسح العرق والدماء عن عينيه، فلاح له في الأفق البعيد بصيص ضوء.. نار هادئة تتراقص وسط الظلام الدامس.

=اه

همس بها بصوت واهن وهو يجر جسده المنهك نحو ذلك الضوء كانت المسافة تبدو له أميالاً، وكلما اقترب، بدأت ملامح خيمة صغيرة تظهر بجانب النار.

على مقربة من النار، كانت تجلس فتاة بملابس بدوية بسيطة، وبجانبها شيخ طاعن في السن، يتدفأان ويتبادلان حديثاً هادئاً، قبل أن يقطع سكين الصمت صوت ارتطام جسد صلاح بالأرض وهو يحاول الوقوف للمرة الأخيرة.

انتفضت الفتاة بـرعب، وصرخت صرخة دوت في أرجاء المكان

=يا بوي! في حد اهنه! في راچل طايح بالأرض!

هب الشيخ واقفاً، والذعر يملأ وجهه وهو يرى ذلك الجسد الملطخ بالدماء يقترب من دائرة الضوء، ركضا نحوه بسرعة، الفتاة تسبق الشيخ بخطوات وهي تلتفت يميناً ويساراً خوفاً من وجود مطاردين.

وصلت إليه وهي تنهج، وانحنت فوقه برعب

=يا ساتر يا رب! مين أنت يا خوي؟ واش صار فيك؟

فتح صلاح عينيه الذابلتين لثوانٍ معدودة، رأى وجوههما القلقة تحت ضوء النار، حاول أن ينطق، أن يطلب النجاة، لكن قواه تلاشت تماماً،سقط رأسه على الرمال، وأطبقت أجفانه وهو يغيب عن الوعي تماماً، تاركاً خلفه بركة من الدماء وأسئلة لا تنتهي في أعين هؤلاء الغرباء.

أمسك الشيخ بيده يجس نبضه وهو يصيح بالفتاة

=بسرعة يا بنيتي! خلينا ندخلوه،و هاتي الماي والشاش.. الراچل عم يروح من بين إيدينا!
3

سحب الشيخ جسد صلاح نحو ظل الخيمة، والأرض تحتهم تشهد على نزيفه الذي لم ينقطع، ارتبكت الفتاة لثوانٍ وهي ترى لون الدماء القاني، لكن صوت أبيها الحازم أعادها لثباتها.

رفع الشيخ غطاءً قديماً ووضعه تحت رأس صلاح، ثم التفت لابنته وصاح بصوتٍ أجش

=يا وضحة! فزّي .. شبي النار بزيادة، وهاتي المرّة والقرض واطحنيهم زين،الراجل جرحه واعر، والدم مش بيوقف!

هرولت وضحة، تحركت كغزالٍ يخشى السقوط، أحضرت وعاءً نحاسياً فيه ماء، وجلست على ركبتيها بجانبه. شقت ثوبه بسكينٍ صغيرة وهي تسمي الله، فظهر الجرح الغائر في كتفه.

قالت وضحة بنبرة يملؤها الخوف والدهشة

=يا بوي، هذا صايبه رصاص! واش اللي جابه لوسط ديارنا وهو بهالحال؟ هذا وراه بلاوي وكاد!
4

رد الشيخ وهو يضغط بخرقة قماش نظيفة على موضع النزيف بكل قوته

=ما هو وقت الحكي يا بنيتي.. الضيف في ذمتنا، ودمه معلّق برقابنا. صبّي الماي الحامية، وعجلي بالكيّ.. ماله حل غير النار تقطع الدم.
2

أمسكت وضحة بطرف سيخٍ حديدي كانت قد وضعته في النار حتى استحال لونه كالجمر المتوقد. ناولت السيخ لأبيها وهي تغمض عينيها بصعوبة، بينما تمتم الشيخ بآياتٍ من الذكر الحكيم.

=تحمّل يا خوي.. هذا وجع الحياة ولا راحة الموت.

وضع الشيخ الحديد المحمي على الجرح. ارتجف جسد صلاح غائباً عن الوعي، وخرجت منه أنة مكتومة رغم فقده للإدراك، وتصاعد دخان خفيف برائحة اللحم المحترق.

وضحة، بقلبٍ يرتجف، بدأت تنثر مسحوق الأعشاب المطهرة فوق الجرح المكوي، وهي تمسح العرق عن جبينه بطرف شالها.

بعد ساعات من التعب، استقر نفس صلاح قليلاً، وإن ظل وجهه شاحباً كخيط الفجر الأول، جلست وضحة تراقب مدخل الخيمة وعيناها تجوب الآفاق السوداء، بينما اتكأ الشيخ على عصاه وسألها

=ها يا بنيتي، واش حاله الحين؟

أجابت بصوتٍ خفيض

=النفس هدي، والحرارة بدت تبرد في جسمه.. بس يا بوي، ملابسه وهيئته ما هي من عربنا. هذا غريب عن السينا، واش اللي رماه في حضن الجبل في هالليل الغبر؟

تنهد الشيخ ونظر إلى النار التي بدأت تخمد

=الغريب لُه الله يا وضحة.. والحين هو ضيف والضيف عنده حق الثلاث، لا نسأله مين هو ولا من وين جاي لين يطيب ويقوم على حيله. خلي عينك عليه، واللي ستره في الخلا، يسترنا ويستره.

غاب القمر وراء الجبال، وبقي صلاح يتنفس بصعوبة في حضن الغرباء، بينما كانت رمال سيناء تحرس سرّه الدامي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

فتح أنس باب شقته بهدوء حذر، كان جسده يئن من فرط التعب وعيناه يغلفهما الإرهاق الذي لم يذقه منذ ساعات.

أغلق الباب خلفه وأسند رأسه عليه لثوانٍ، زافراً زفرة طويلة محملة بكل ضغوط اليوم.. وأخيراً هرب، استغل استغراق غدران في عالمها بجانب حسن وانسحب كاللص.

تحرك بخطوات ثقيلة، يخلع ساعته ويفك أزرار قميصه العلوية وهو يتجه مباشرة نحو غرفته، كان يتخيلها الآن ممددة هناك، بملامحها الهادئة التي تمنحه السلام بمجرد النظر إليها.

فتح الباب ببطء حتى لا يوقظها، لكنه تجمد مكانه..
الفراش كان مرتباً، بارداً، وخالياً تماماً منها.

اتسعت عيناه بضيق، وارتسمت على وجهه علامات الحنق وهو يدرك الحقيقة.

استدار فجأة والشرر يتطاير من عينيه، متجهاً نحو غرفة ابنه وهو يبرطم بصوت خفيض محتقن بالغل

=ماشي يا حسن.. والله ما هسيبك، يا ابن الـوسخة....
5

دفع باب غرفة الصغير بحدة مكتومة، ليجدهما هناك..
حسن، ذلك المحتال الصغير كما يسميه أنس في سره، كان يغط في نوم عميق، وذراعاه الصغيرتان تطوقان غدران بقوة وكأنه يثبّت ملكيته عليها، أما هي فكانت غارقة في نوم عميق، وجهها مدفون في خصلات شعر الصغير، وكأنها وجدت أمانها هناك وليس في أحضان زوجها.
2

وقف أنس عند طرف الفراش، يراقب المشهد بصدر يعلو ويهبط من الغيظ والغيرة التي لا تليق برجل في وقاره، وهو ينظر لابنه الذي سرق منه منقذته في عز احتياجه إليها

لم يحتمل ان ينظر اليهم أكثر،ليحمل حسن النائم من ملابسه بقوه وهو يصيح بغضب

=انت بتعمل ايه ياروح امك

شهقت غدران وحسن بصدمه الذي قال بنعاس

=في ايه في ايه
3

وقفت غدران من موضعها وهي تقول بتوتر

=في ايه ياعمر؟ماسك الولد كده ليه.

لم يهتم انس لحديثها بل صاح بغضب لابنه الخبيث

=نايملي في حضنها،ما ترضعك كمان ياروح امك

=ياريت
5

قال حسن بخبث وهو ينظر الي غدران التي توسعت عينيها بصدمه من قلة حياء هذا الصغير
7

=قصدي يعني يارتها رضعتني وبقت امي بس انا كبير، وكمان انا معنديش ام انت زعلان عشان حضنتني؟بس هي حضنتني عشان انا كنت خايف وزعلان انا طول عمري لوحدي

كان يتحدث ببكاء وتأثر صدقته غدران التي عانقته سريعا وهي تصرخ في وجه انس

=اوعى كده ياعمر اوعى انت شكلك بتستهبل قسما بالله حد يكلم طفل بالطريقه دي، معلش ياحبيبي حقك عليا انا

عانقت حسن الذي ارتمى داخل احضانها،وهو،يخرج لوالده لسانه بخبث

=خخخخخخخخخ

=عمر!!!!!!

صاحت غدران وهي تضع يديها على اذن الطفل

=ايه الي انت بتعملو ده انت اتجننت ده طفل

=طفل ايه بس الله يسترك ده يعرف حاجات انتي متعرفهاش

لم يعطيها فرصه للجواب،بل حملها سريعاً وهو يذهب بها الى غرفتهم واغلق الباب خلفهم بالمفتاح

=عمر عمر سيبني ياعمر انت اتجننت قسما بالله

لم يعطي بال لحديثها بل تابع سيرهم الى الحمام الزجاجي الذي في غرفتهم وهو يقول بخبث

=وفري فركك ده شويه وهنفرك كلنا اهدي بقى

ضربت ظهره بقوه وهي تقول بغضب

=لا مش عايزة وسيبني بقى.

وضعها أنس داخل الحمام الزجاجي وهو لا يزال يحاصرها بجسده، أنفاسه لاهثة وصدره يعلو ويهبط ليس فقط من التعب، بل من الغيظ الذي كتمه من طفله.

أغلق باب الحمام ليعزلهما في مساحة ضيقة، زادت من توترها وارتباكها.

ضغط على ذراعيها بخفة وهو يثبتها أمامه، ونظر إلى انعكاس وجهها المذعور، ثم قال بصوت أجش يملؤه العتاب الممزوج بالرغبة

=بقي تسبينى  وتروحي تنامي في حضن العيل ده

هتفت غدران وهي تحاول دفعه بعيداً

=عمر انت اتجننت ده طفل! والولد كان بيعيط ويقول إنه وحيد وخايف، قلبي وجعني عليه، أنت إيه معندكش دم؟"٪

ضحك أنس ضحكة قصيرة ساخرة، واقترب من أذنها هامساً بنبرة جعلت قشعريرة تسري في جسدها

=طب وانا؟مانا وحيد برضو ومحتاجك اوي

قال بهمس خبيث وهو يمرر يديه على جسدها ،ارتبكت غدران وحاولت استجماع قوتها

=ما انا موجوده اهو،بس انت امبارح بليل قولت انك تعبان ونمت.

قبض أنس على خصرها بقوة وسحبها إليه أكثر، ليلتصق ظهرها بصدره، وقال وهو يدفن وجهه في عنقها يقبله بهوس

=ممم مانا دلوقتي تعبان اوي برضو ومحتاجك اوي اوي

بدأت مقاومتها تضعف أمام لمساته الخبيرة ونبرة صوته التي تحولت من الغضب إلى الحميمية، همست بضعف

=عمر..

قاطعها وهو يديرها إليه، لتقابل عيناه الجائعة، وقال بابتسامة خبيثة

=الطري الي هينسي عمر تعبه دلوقتي

أمسك بخصرها ورفعها لتستند على الرخام البارد، بينما قدميها حاوطت خصره بصدمه من حركته المفاجأه
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ألقى التعب بظلاله الثقيلة على جسد صبا الواهن، فارتمت فوق الأريكة بتهالكٍ شديد، تلاحق أنفاسها المتقطعة وكأنها كانت تعدو في سباقٍ مع الموت، بينما نطق شحوب وجهها بكل الآلام التي حبستها خلف قضبان صمتها.

وقفت خالتها غادة فوق رأسها، عاقدةً ذراعيها بجمود، تتفحصها بنظراتٍ حادة كمديةٍ تخترق جلدها، ثم بادرتها بتساؤلٍ قاطرٍ بالحدة

=انتي مالك يابت انتي فيكي ايه؟ بقالك فترة مفرفرة كده ليه وهمدانة؟ وكل يوم والتاني يغمي عليكي ونقعد نصوت جنبك.. فيكي إيه انطقي!

حاولت صبا استجماع بقايا قوتها لترسم ابتسامة باهتة لا تقوى على الصمود، وهي تمسح حبات العرق التي تجمعت على جبينها، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع

=مالي بس يا خالتي.. مانا زي الفل، ده تلاقيه بس من الحر وضغطي واطي شوية.

لم تنطلِ الحيلة على غادة، فلوحت بيدها في الهواء بسخريةٍ لاذعة وغضبٍ مكتوم قائلة

=حر إيه ياختي اللي يخلي وشك مصفر زي الكركم كده؟ أنتِ هتشتغلينا؟

في تلك اللحظة، اقتحمت زنوبة الغرفة مهرولة، لترتمي بجوار صبا وتضمها في حمايةٍ فطرية، موجهةً حديثها لـغادة بنبرةٍ مدافعة

=مالها بس يا أبلة غادة؟ ما هي زي الفل أهي وقمر، تلاقيها بس مجهدة من شغل البيت.

إلا أن غادة كانت قد تحولت بكيانها إلى صقرٍ يتربص، وفجأة، سمرت عيناها على بطن صبا؛ حيث لاحظت انتفاخاً لم تألفه من قبل.

شعرت صبا بتلك النظرات التي اخترقت سترها، فجذبت وسادة الأريكة بسرعة البرق لتداري بها سرها المكنون.
اشتدت حدة الجنون في عين غادة، فانقضت عليها كعاصفةٍ هوجاء، وجذبت الوسادة بقوةٍ صاعقة وهي تصرخ بصدمةٍ زلزلت أركان البيت

=يا نهار أبوكي أسود ومنيل! أنتِ حامل يا بت؟!

تجمدت الدماء في عروق صبا، وشُلّ لسانها عن النطق وهي تنظر لخالتها برعبٍ جارف. لم تنتظر غادة تفسيراً، بل انهالت عليها بضرباتٍ مسعورة وصيحاتٍ مدوية

=حامل يا روح أمك وساكتة؟ ساكتة لغاية ما بطنك بقت مترين قدامك يا بت الكلب؟ انطقي.. نمتي مع مين؟ نمتي مع مين يا فاجرة؟ وأنا أقول البت مش عايزة تروح لأي راجل ليه وتتآمر عليهم.. اتاريكي في واحد مكيفك ومشبعك

اندفعت زنوبة بجسدها لتحتمي بها صبا من وابل الضربات، وهي تصرخ منتحبة

=نمت مع مين بس يا أبلة؟ اهدي الله يسترك.. دي حامل من الولا اللي اغتصبها!

تسمرت يد غادة في الهواء، واتسعت عيناها بذهولٍ شلّ حركتها وهي تتمتم بنبرةٍ مذهولة

=إيه؟! من الولا ابن البشوات ده؟

أومأت زنوبة برأسها وهي تشد من أزر صبا، فزفرت غادة بغضبٍ أعمى لا يرى سوى العار والمصلحة، وقالت بنفاد صبر

=اللي في بطنك ده لازم ينزل فوراً.. مش ناقصين وقف حال ياروح امك

أجابتها  زنوبة بصوتٍ خنقه البكاء

=مينفعش.. حاولنا والدكتورة قالت مينفعش، خطر على حياتها وممكن تروح فيها.

لوت غادة ثغرها بلا مبالاةٍ باردة، وهي تنهض لتنفض غبار عن ثيابها قائلة

=إن شالله تموت وتغور في داهية! أنا مش هشيل حمل نفر كمان في البيت ده يا روح أمك منك ليها.. خديها اخفيها جوه لغاية ما جابر يجي ونشوف هنهبب معاكي ومع القرف ده إيه.

سندت زنوبة تلك الجسد الذي فارقته الروح، وأدخلتها الغرفة موصدةً الباب خلفهما. هناك، انهارت صبا على الأرض، وانفجرت في نوبة بكاءٍ هستيرية، تكتم صرخاتها بيديها وكأنها تحاول وأد روحها، فلم يكن وجع الجسد من الضرب شيئاً يُذكر أمام مرارة الانكسار الذي سحق قلبها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بدأ النور يتسلل من شقوق الخيمة ليصطدم بعيني صلاح اللتين انفتحا ببطء شديد،شعر برأسه كأنه صخرة ثقيلة، وطنين مزعج يملأ أذنيه،حاول التحرك، لكن صرخة مكتومة أفلتت من بين شفتيه حينما شعر بلسعة النار في كتفه؛ وجعٌ لم يختبره من قبل، وكأن سيخاً من المحمى لا يزال مغروساً في لحمه.
3

أغمض عينيه بقوة وعصرهما وهو يئن

=آآآه.. أنا فين؟ وايه الوجع ده؟

هبّ الشيخ سويلم من ركن الخيمة، واقتربت وضحة بقلق وهي تحمل قدحاً من الماء. وضع الشيخ يده على جبهة صلاح وقال بصوت رخيم

=حمد الله على سلامتك يا خوي.. أنت في أمان، أنت في ديار الشيخ سويلم.

نظر صلاح حوله بذهول، عيناه تائهتان بين وبر الخيمة والدخان المتصاعد من الموقد، ثم استقرت نظراته على وضحة التي كانت ترتدي ثيابها البدوية، فقال بتلعثم ودهشة

=أنتوا مين؟ أنا جيت هنا إزاي؟

ردت وضحة وهي تمد له قدح الماء

=إحنا عرب سينا .. لقيناك طايح في الرمل والدم مغرقك، والوالد سحبك لهنا وداوينا جرحك بالكي والأعشاب.

اعتدل صلاح في جلسته بصعوبة وهو يمسك كتفه المضمد بخرق بيضاء، وبدأ عقله يستعيد شريط الأحداث.. الجبل، إطلاق النار، أيمن الذي سقط، والمطاردة، بدأت ملامح التوتر تظهر على وجهه، وزاغت نظراته وهو يرى نظرات الشيخ الفاحصة التي تنتظر جواباً.

تنحنح الشيخ سويلم وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل تساؤلاً مشروعاً

=يا خوي.. الجرح اللي في كتفك ده جرح رصاص، والوقت اللي جيت فيه والدم اللي نزفته يقول إن وراك حكاية كبيرة. واش اللي جابك لقلب الجبل في السواد ده؟ وايه اللي حصل معاك؟

تجمدت الكلمات في حلق صلاح، نبضات قلبه تسارعت.. هل يخبرهم بالحقيقة؟ هل يقول إنه كان في عملية تهريب أو اشتباك مع الحكومة؟ خشي أن يطردوه أو يسلموه، فابتلع ريقه بصعوبة، وبدأ يتحدث بصوت مهتز يحاول تصنّع الضعف

=أنا.. أنا كنت معدي بالصدفة.. قصدي كنت تايه في الطريق، وطلعت عليا عصابة، كانوا عايزين يثبتوني ويسرقوا اللي معايا، ولما قاومتهم ضربوني بالنار.. هربت منهم وأنا مش شايف قدامي، وفضلت أجري لغاية ما لقيت نفسي هنا.

نظرت وضحة لأبيها بعينين يملؤهما الشفقة، بينما تنهد الشيخ سويلم بعمق وهز رأسه بأسى

=لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتى الجبل ما سلم من قطاع الطرق والنفوس الردية. لا تشيل هم يا ولدي، أنت هين ضيف، والضيف في حمانا لليوم اللي يشتد فيه عودك.

التفت الشيخ لابنته وقال بلهجة آمرة

=قومي يا وضحة.. عدي الزاد للغريب، الراجل جسمه خويان ومحتاج لقمة تسنده.

قامت وضحة لتنفيذ أمر أبيها، بينما استلقى صلاح مرة أخرى وهو يتنفس الصعداء لأنهم صدقوا كذبته، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً.

شعر صلاح بغصة في حلقه وهو يفكر في مصيره القادم، فهو الآن وحيد في قلب الصحراء، مصاب، ومطارد، وبين يدي غرباء لا يعرف إلى متى سيظل سرّه مخفياً عنهم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دلف جنة بخطوات واثقة ولكن مشوبة بالقلق من بوابة القسم، كان صوت كعب حذائها يتردد في الممرات المزدحمة بالرتب والعساكر والمواطنين.

سارت بهدوء وعيناها تبحثان عن مكتبه، حتى وصلت إلى وجهتها ووقفت أمام العسكري المكلف بحراسة مكتب رأفت
تنفست الصعداء وسألته بنبرة رقيقة

=لو سمحت.. رأفت بيه جوه؟

أجابها العسكري باحترام وهو ينظر لهيئتها الراقية

=أيوه يا فندم، موجود.

أخرجت من حقيبتها كارت خاصاً بها ومدت يدها به قائلة

=طيب لو سمحت، ياريت تبلغه إني محتاجة أقابله ضروري.

أخذ العسكري الكارت ودخل المكتب، مرت دقائق قليلة كانت جنة فيها تفرك يديها بتوتر، قبل أن يخرج العسكري ويفتح لها الباب قائلاً

=اتفضلي يا فندم.. الباشا في انتظارك.

بمجرد أن خطت جنة داخل المكتب، هبّ رأفت واقفاً من خلف مكتبه، ولم تستطع عيناه إخفاء تلك اللهفة التي اشتعلت فيهما بمجرد رؤيتها،كان يحمل لها مشاعر خاصة منذ ذلك اليوم الذي رآها فيه في الجلسة، مشاعر ظلت حبيسة ف قلبه وهي لا تدري عنها شيئاً.

استقبلها بترحيب حار وابتسامة عريضة قائلاً

=جنة هانم! يا أهلاً يا أهلاً.. دي الخطوة عزيزة والله، نورتي المكتب كله.

أشارت له بابتسامة خجولة، فأسرع يقول وهو يشير إلى المقعد الجلدي الوثير

=اتفضلي.. اتفضلي ارتاحي. تشربي إيه؟

اجابته بخجل

=ليمون كويس

رفع رأفت سماعة التليفون وطلب بلهجة آمرة

=واحد ليمون، وواحد قهوة زيادة ليا.. بسرعة.

التفت إليها بتركيز شديد، فبدأت جنة. في الحديث وصوتها يرتجف قليلاً من الضيق

=رأفت بيه، أنا بجد مش عارفة أعمل إيه.. حاولت أزور حاتم في السجن النهاردة، بس المسؤولين هناك رفضوا تماماً، وقالوا لي إن عدد الزيارات المسموح بيها الشهر ده خلصت! مع إننا والله ما زورناهوش ولا مرة الشهر ده.

عقد رأفت حاجبيه متصنعاً التفكير وهو يقترب بجسده قليلاً من المكتب

=غريبة فعلاً.. بس جايز يكون حد تاني من قرايبه زاره من وراكوا يا جنة؟ السجن بيسجل الزيارة بالعدد بغض النظر عن مين اللي زار.

ردت جنة بقلة حيلة وعينيها تلتمع بالدموع

=مش عارفة، بس أنا لازم أشوفه.. مفيش أي طريقة تانية أقدر أوصله بيها؟ أي استثناء؟

نظر رأفت إلى عينيها طويلاً، وشعر برغبة عارمة في أن يفعل المستحيل لأجلها، فقال بنبرة مطمئنة

=ولا يهمك.. اهدي بس واشربي الليمون. أنا هحاول بنفسي أشوف الموضوع ده، وهكلم مأمور السجن ونشوف صرفة.. اعتبري الموضوع منتهي.

بدأ رأفت يفتح معها أطراف حديث أخرى ليطيل بقاءها، وهو يتأمل ملامحها بلهفة المحب الذي وجد ضالته أخيراً.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جلس صلاح بجوار النار التي كانت تتراقص ألسنتها في عتمة الصحراء، ملتفاً بعباءة بدوية ثقيلة قدمها له الشيخ سويلم.

كان يراقب وضحة وهي تضع الحطب في النار بهدوء، بينما جلس الشيخ يسبح بمسبحته ويراقب الأفق. الصمت كان سيد المكان، لولا صوت اهتزاز هاتفه الذي خبأه بعناية في جيب ثوبه الداخلي.

اعتذر صلاح بنبرة واهنة، وابتعد خطوات قليلة عن دائرة الضوء بحجة استنشاق الهواء، ثم أجاب بسرعة وصوت هام

=أيوة يا زفت.. انطق

جاءه صوت رجله عبده من الطرف الآخر، لاهثاً ومرتبكاً لكنه يحمل أخباراً مهدئة

=يا باشا حمد الله على سلامتك، إحنا قلبنا الدنيا عليك.. اطمن يا كبير، العيال اللي اتمسكت رجالة، ومنطقوش بحرف عليك، ومرضوش ينطقو شغالين مع مين ومين الي كان جي يستلم، حتى البشوات الي كنا هنستلم منهم ميعرفوش اسمك الحقيقي فا انت في امان، واسمك مجاش في أي حتة.. أنت بالنسبة لهم مكنتش موجود أصلاً.

تنهد صلاح بارتياح، وسكنت ملامح القلق عن وجهه للحظة، لكنه سرعان ما استعاد نبرته الحادة

=تمام.. طب والموضوع التاني اللي قولتلك عليه؟ وصلت لحاجة؟

رد عبده بنبرة غريبة

=وصلت يا باشا.. الولا اللي إحنا ممشينو وراه عرف عنوانه بالظبط، وكلمت البواب هناك ودحلبته بشوية فلوس.. بس الغريب بقى يا باشا في اللي قاله البواب.

عقد صلاح حاجبيه وسأل بضيق

=إخلص يا عبده، قالك إيه؟

أجاب عبده بتردد

=البواب بيقول إن حبيبك اسمه عمر، وإنه متجوز واحدة وعايشة معاه.. بس مش بتنزل خالص، ومحدش بيشوفها غير كل فين وفين وهي معاه.

في تلك اللحظة، تحولت ملامح صلاح تماماً؛ جحظت عيناه واحمرت من شدة الغضب، واشتعلت النيران في صدره لتفوق حرارة الجرح في كتفه. قبض على الهاتف بقوة كادت تحطمه، وصمت لثوانٍ وهو يتنفس بحدة، وعقله ينسج خيوط الانتقام.

قال صلاح بفحيح كالأفعى، وعيناه تلمعان بشرٍ مستطير

= طيب، اسمعني كويس ونفذ اللي هقولهولك بالحرف الواحد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دخلت جنة الغرفة بخطوات وطيدة، تحمل في يدها كوباً من الماء وبعض الأدوية، لكنها تسمرت مكانها حين رأت والدتها عبير ملقاة على السرير، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة وكأنها تُنازع الهواء.

كان وجه عبير شاحباً كالجدران، وعيناها غائرتين يملؤهما انكسارٌ لم تعهده جنة من قبل.

اقتربت جنة وجلست على طرف الفراش، أمسكت يد والدتها الباردة وضمتها إلى صدرها، وهي تحاول جاهدة حبس دموعها التي أبت إلا أن تلمع في عينيها.

قالت عبير بصوتٍ مبحوح وواهن، وهي تتطلع في سقف الغرفة

=شكلي هموت من غير ما اطمن على أخوكي يا جنة.. قلبي واكلني عليه يا بنتي، ونفسي أشوفه برا الحبسة دي قبل ما أقابل وجه كريم.

انفجرت جنة في البكاء، وانحنت تقبل يد والدتها وهي تهز رأسها برفض قاطع

=متقوليش كدة يا ماما.. بعد الشر عنك، أنتِ هتقومي وهتبقي زي الفل، وهنروح سوا نجيب حاتم ونحتفل برجوعه. أنا ماليش غيرك يا حبيبتي، متكسريش ظهري بالكلام ده.

ابتسمت عبير ابتسامة باهتة مليئة بالألم، ورفعت يدها المرتعشة لتمسح دمعة سقطت على وجهة ابنتها، ثم قالت بنبرة الوصية الأخيرة

=اسمعيني يا جنة.. الموت حق يا بنتي، وأنا مش خايفة منه، أنا خايفة عليكم. أخوكي ملهوش غيرك يا جنة، حاتم قلبه طيب بس غشيم، خليكي جمبه، اوعي تتخلي عنه مهما حصل.. أنتِ اللي هتكوني له الأم والأخت والسند.

زادت شهقات جنة وهي تضغط على يد والدتها، فأكملت عبير بصعوبة ومرارة تظهر عند ذكر الاسم

=وأهم حاجة يا جنة.. ابعدوا عن أيمن. أبوكم مش هيجيب لكم غير الوجع والمشاكل، طريق أيمن كله شوك، وأنا مش عايزاكم تضيعوا فيه زي ما أنا ضعت اهربي بأخوكي يا بنتي، عيشوا بعيد عنه وعن قرفه.

ارتمت جنة في حضن والدتها، تبكي بحرقة وهي تشم رائحتها، وقالت من بين شهقاتها

=حاضر يا ماما.. والله حاضر، هعمل كل اللي أنتِ عايزاه، بس خليكي معايا، متسبنيش لوحدي في الدنيا دي، أنا لسه محتاجة لك قوي.

ربتت عبير على رأس ابنتها بضعف، وعيناها تفيضان بالدموع، والهدوء يخيم على الغرفة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تجلس في ردهة شقتها تحاول استجماع شتات أفكارها وسط هدوء المكان، حتى قطع ذلك الصمت رنين جرس الباب المتتالي قطبت حاجبيها باستغراب، فهي لا تنتظر أحداً في هذا الوقت.

توجهت نحو الباب وفتحته ببطء، لتجد أمامها امرأة في مقتبل العمر، تشع حيوية ووجهها يحمل ابتسامة عريضة وصلت لأذنيها، كانت تمسك بين يديها طبقاً مغطى بعناية وتفوح منه رائحة الفانيليا الشهية.

هتفت المرأة بنبرة مرحة للغاية قبل أن تنطق غدران بحرف

=صباح الفل يا قمر! أنا نوال، جارتك الجديدة اللي سكنت في الشقة اللي قصادك.. قولت لنفسي مش معقولة أكون موجودة هنا ومعرفش جارتي العسل دي، قولت آجي أرحب بيكي وأوجب معاكي.
2

نظرت غدران للطبق ثم لنوال بذهول طفيف تحول تدريجياً لابتسامة هادئة أمام هذا الفيض من الطاقة الإيجابية، وقالت نوال مكملة وهي ترفع الطبق قليلاً

=ومعايا بقى كيكة لسه طالعة من الفرن، عملتها مخصوص عشان نكسر بيها الحاجز ونحلي بوقنا.. إيه؟ هتسيبيني واقفة على الباب كده بريحة الكيكة اللي تجوع دي؟

ضحكت غدران برقة وفتحت الباب على مصراعيه قائلة

=أهلاً يا نوال، نورتي البيت والله.. خطوة عزيزة أوي، اتفضلي طبعاً، أدخلي.

دلفت نوال بخفة وهي تتفحص الشقة بإعجاب بسيط، ووضعت الطبق على الطاولة، بينما أشارت لها غدران نحو الأريكة

=اتفضلي استريحي يا نوال.. بجد فاجئتيني بحلاوتك دي، شكراً جداً على الكيكة.

ارتمت نوال على الكنبة بأريحية وكأنها تعرف المكان منذ سنوات، وقالت وهي تعدل جلستها

=يا بنتي إحنا جيران، يعني أهل.. وبعدين أنا قولت جارتي دي شكلها طيبة وهنتفق مع بعض من أول ثانية، وأهو إحساسي طلع في محله.
1

=ده من زوقك ياحبيبتي تشربي ايه؟

اخرجت نوال ااكعك وهي تقول بحماس

=يعني الكيكة دي محتاجه كوبيتين شاي ولا اي رايك؟

اومأت لها غدران وهي تذهب الي المطبخ سريعاً لتعد الشاي ولم تمر عشر دقائق حتى عادت اليها وهي تقول بإبتسامة

=اتفضلي

=تسلميلي ياحبيبتي،عرفيني على نفسك بقي

قالت وهي تعطيها من الكعك لتأخذه غدران وهي تقول بخجل

=انا اسمي غدران المرسي اتنين وعشرين سنه متجوزه عمر جوزي مفروض في كليه سياحه وفنادق بس قعده السنه دي

=زييي انا كمان في سياحه بس انا في رابعه خلاص هتخرج،شكلنا هنكون صحاب حلوين اوي مع بعض

قالت وهي تضرب كتفها بها وتتابع

=انا اسمي نوال المتولي عندي اربعة وعشرين سنه سنجوله رافعه شعال السنجله جنتله

قالت بمزاح لترتفع ضحكات غدران على نبرتها المضحكة
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت الغرفة غارقة في سكونٍ موحش، لا يقطعه إلا صوت أنفاس صبا التي جلست فوق فراشها، واضعةً رأسها فوق ركبتيها اللتين ضمتهما إلى صدرها بحمايةٍ يائسة.

كانت عيناها شاخصتين نحو الفراغ بنظراتٍ شاردة، وكأن روحها غادرت جسدها وبقي مجرد حطامٍ بشريّ لا يحركه شيء.

دخلت زنوبة الغرفة بخطواتٍ متعثرة، وصوت شهقاتها المكتومة يسبقها، اقتربت من السرير ونظرت لصبا بقلبٍ يعتصره القهر، ثم سألتها بصوتٍ مخنوق

=هتعملي إيه يا صبا؟  خالتك مصممة على قرارها هتعملي إيه؟

لم ترمش صبا ولم تلتفت، بل أجابت بنبرةٍ باردة خلت من أي حياة، وكأن الأمر لا يعنيها

=ولا حاجة..

اتسعت عينا زنوبة بصدمةٍ لجمت لسانها لثوانٍ، قبل أن تصرخ بذهول

=ولا حاجة؟! يعني إيه؟ هتسيبيها تعمل اللي هي عايزاه؟ هتسيبيها تقتله وتقتلك معاه؟

أومأت صبا برأسها في صمتٍ رهيب، وهي لا تزال تحدق في اللاشيء.

جن جنون زنوبة، فانتفضت واقفة وهي تصرخ بحرقة وجنون

=أنتِ اتجننتي يا بت؟ أنتِ ممكن تموتي! الدكتورة قالت إن العملية دي خطر عليكي، يعني هتضيعي نفسك.

في تلك اللحظة، انطلقت من بين شفتي صبا ضحكةٌ قصيرة، ضحكةٌ مشحونة بالمرارة والسخرية التي تفوق الوصف، ثم نظرت لزنوبة وقالت وهي تمرر يدها المرتعشة فوق بطنها بنعومةٍ مؤلمة

=وعلى أساس إن أنا كدة عايشة يا زنوبة؟ الموت أحسن واريح لي.. أنا وهي.

تراجعت زنوبة للخلف ووجهها يشحب، وقالت بنبرةٍ يملؤها الغضب والخوف

=أنتِ اتجننتي رسمي يا صبا!

هزت صبا رأسها بهدوءٍ مخيف، وابتسامة باهتة لا تزال مرتسمة على ثغرها وقالت

=لا يا زنوبة.. أنا عقلت، وعقلت قوي كمان. أنا مليش مكان في الدنيا دي، الدنيا دي ضيقة قوي عليا وعلى اللي في بطني، يمكن الموت يريحني من القرف اللي أنا فيه.
2

تطلعت زنوبة إليها بقهرٍ عاجز، وشعرت ببرودةٍ تسري في أوصالها وهي ترى استسلام صبا الكامل للموت.

صمتت زنوبة فجأة، وتاهت عيناها في شرودٍ سريع، وكأن فكرةً ما لمعت في عقلها المشتت.

فجأة، تحولت ملامح زنوبة للإصرار، وتحركت بسرعةٍ نحو المشجب، وجذبت عباءتها وطرحتها وهي تلفهما حول جسدها بعجالة، ثم قالت بصوتٍ حازم

=أنا هتصرف.. مش هسيبك تضيعي كدة.
2

وقبل أن تستوعب صبا ما يحدث، أو تفتح فمها لتسأل، كانت زنوبة قد غادرت الغرفة والبيت كله بسرعة البرق، تاركةً خلفها صمتاً أشد وطأةً مما كان.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تتحرك في المطبخ بخفة فراشة اكتشفت لتو معنى الحرية،رائحة الطعام الشهي تملأ المكان، وهي تدندن مع نغمات أغنية مبهجة تصدر من هاتفها، تتمايل بخصرها وتوزع ابتساماتها على جدران المطبخ الصامتة.

كانت الفرحة تشع من عينيها، وكأن العالم أجمع قد تصالح معها في هذه اللحظة.

قطع هذا التناغم صوت رنين رسالة قصيرة،توقفت عن الرقص، وبابتسامة لم تغادر وجهها بعد، التقطت الهاتف وفتحت الرسالة.

فجأة تجمدت الدماء في عروقها.

سقطت الابتسامة كما تسقط مرآة مكسورة على أرض صلبة. بهت لون وجهها، واتسعت عيناها بذهول مرعب وهي تقرأ الكلمات المكتوبة.

ارتجفت يدها، وأصبح التنفس حملاً ثقيلاً على صدرها، لم تكن مجرد رسالة، كانت زلزالاً هدم كل ما بنته من أوهام.

في تلك اللحظة، دخل زوجها عمر أو هكذا كانت تظن بخطواته الواثقة المليئة لم ينظر حتى إلى وجهها، بل اقترب منها من الخلف وأحاط خصرها بذراعيه في عناق بدا بارداً رغم قربه.

=كده تسيبيني كل ده، بقالي ساعة هموت عليكِ جوه

كانت غدران كالجثة الهامدة بين يديه، لم تشعر بدفء عناقه ولا بلسعة كلماته  فجرحها الأكبر كان بين يديها على شاشة الهاتف.

تركها وابتعد عنها  معطياً إياها ظهره ليتناول كوباً من الماء من الطاولة.

استجمعت غدران شتات روحها المحطمة، وخرج صوتها مبحوحاً، غريباً، وكأنه آتٍ من بئر سحيق

=أنس

=نعم

سكنت يده التي كانت تمتد للكوب،ساد صمت رهيب في المطبخ، ما ان استوعب ما قاله للتو.

ووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ يمكنك سماع دويّ انكسار القلوب فيه. تجمد  أنس في مكانه، ظلت يده معلقة في الهواء تلامس حافة الكوب البارد، بينما كانت الكلمة التي نطقتها غدران لا تزال تتردد في أركان المطبخ كقذيفة أصابت الهدف بدقة قاتلة.
+

​التفت إليها ببطء شديد، ملامحه التي كانت واثقة منذ ثوانٍ تلاشت، وحلّ مكانها قناع من الذهول حاول ترميمه بسرعة، لكن نظرات غدران كانت أسرع،كانت تنظر إليه وكأنها تراه لأول مرة، كأن القناع الذي كان يرتديه طوال فترة زواجهما قد سقط وتحطم تحت قدميها.
3

​تحدث بنبرة حاول أن يجعلها هادئة، لكن ارتعاشة طفيفة في صوته فضحته

=غدران انا هفهمك كل حاجه

كان على وشك محاوطتها ولكنها ابتعدت عنه وهي تصرخ بغضب

=تفهمني؟تفهمني ايه؟تقهمني انك واحد كداب؟تفهمني ان انا كل ده عايشه مع واحد مش موجود؟تفهمني ايه وازاي؟انت مين اصلا؟ عمر ولا انس ولا واحد تالت خالص

ارتفع صراخها اكثر وهي تتابع

=انت مينننن رد عليا انت مينننن

=انا انس يا غدران انس جوزك

نفت بقوه ودموعها تزين وجنتيها

=انت مش جوزي انا معرفكش انا متجوزه عمر عمر الهواري،معرفش مين انس العطار انا معرفكش

توسعت عيناها بصدمه عندما اتت الي عقلها هذه الفثره بتقول بصراخ

=انت ازاي اتجوزتني وانت اسمك انس مش عمر؟ احنا كده مش متجوزين،يعني انت كنت بتنام معايا في الحرام،بقالي اكتر من شهرين بنام معاك في الحرام
9

صاحت في حديثها وهي تضرب وجهها بقوه فهذه الفكره جعلتها على وشك توقف عقلها من الصدمه.

كان على وشك الاقتراب منها ولكن حديثها صدمه وهي تضع يديها على معدتها

=واللي في بطني ده كمان ابن حرام؟
9

=غدران انتي حامل؟

قال انس بصدمه لترتفع ضحكاتها الساخره،وهي تقول بسخريه

=شوفت؟مكنتش عامل حسابك على الصدمه دي طبعا،تلاقيك قولت دي عيله سهله هطلعها من سجنها واضحك عليها وافهمها ان انا بحبها وبعد كده بقى اخد منها الي انا عايزه يومين وارميها،بس للأسف مكنتش عامل حسابك ان انا احمل واعرف حقيقتك،لا والعبيطه عرفت انها حامل عماله تفكر وتخطط تفرحك وتقولك ازاي
6

تراجعت غدران للخلف حتى اصطدمت بحافة الرخام، كانت تنظر إليه بنظرات ممزوجة بالقرف والخوف، كأنها اكتشفت لتوها أنها كانت تأوي ثعبانًا في فراشها. أما هو، فقد تلاشت ملامح الصدمة من وجهه تدريجيًا، وحل محلها غضب غريب، غضب جعل غدران ترتجف أكثر.

​تقدم أنس خطوة واحدة، وهبط بمستواه ليواجه عينيها المحتقنتين بالدمار، وقال بصوت منخفض ومخيف بنبرة لم تعهدها منه قط

=احمدي ربك انك حامل، وان انا مقدر ان انتي مصدومه،عشان لو مكنتش مقدر كان زمانك تحت رجلي دلوقتي
8

ابتسمت بسخريه برغم الخوف الذي سكن بداخلها،ولكنها حاولت عدم اظهار هذا،وهي تقول بصوت مرتفع

=لا الكلام ده كان زمان، انت كلامك ده ميمشيش عليا انت فاهم!
4

=خخخخخ ده يمشي عليكي وعلى الي خلفك كمان يامره انتي هتستعبطي ياروح امك ولا ايه؟ انا مقدر صدمتك بس تخلف انا مش عايز.
6

قال اخر حديثه وهو يحاوط جسدها،ومرر يديه ببطئ على جسدها الذي يرتعش اسفل يديه قائلا بهمس

=كل حته فيكي كلمتي بتمشي عليها، من اصغر حته فيكي لغايه قلبك
4

قال وهو يمرر يديه على موضع قلبها لترتفع انفاسها وهي تلعن جسدها الذي يعاندها وينساق ورا حبيبه

قرب جسده اكثر اليها،وهو ينحني الى رقبتها العاريه امامه قائلا بخبث

=مهما حاولتي تبيني عكس ده بس انتي كلك اذا كان بمزاجك او  لا انتي بتاعتي

قبلاته جعلتها تنسى كل ما يحدث حولها لا تشعر الا بقبلاته الحاره على جسدها ويديه التي تعبث بمفاتنها يجرائه لا تتوقف.
2

شهقت بإرتعاب عندما شعرت به يتمادى في لمساته ولكنها فاقت سريعا،لتدفعه بقوه،وهي تصيح

=متلمسنيشششششس،انت فاهم متلمسنيشششش انا مفيش حاجه تربطني بيك

سقطت الكلمات كالسيف القاطع بينهما، كانت أنفاسها تتسارع بصخب وهي تلملم شتات ثيابها التي بعثرتها لمساته، بينما وقف هو يراقبها ببرودٍ قاتل، وعيناه تلمعان ببريقٍ غاضب
اختفى من امامها قليلاً،ثم عاد وهو يضع ورقه بقوه امامها

=انا اتجوزتك بأسم انس،يعني من اول يوم وانتي مراتي علي سنه الله ورسوله

وضع الورقه من امامها لتنظر لها سريعا وهي تتأكد من ما اخبرها به، ولكن هذا لم يوقف غضبها لتصرخ

=حتي لو انا برضو مش عايزاك، انا عايزه اطلق يا انس طلقني

ثبت في مكانه ليضغط على يديه بقوه بدون ان يلتف ليها،ثم تابع سيره حتى غادر المنزل وهو يغلق الباب بقوه

اما هي فجلست على الأرض وهي تبكي بقوه وبلا تصديق من ما وصلت اليه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
4

وقفت زنوبة أمام باب شقة أم حاتم، وأنفاسها تتلاحق وكأنها كانت في سباق مع الزمن.
3

يدها كانت ترتفع لتدق الجرس ثم تتراجع في الهواء، تردد قاتل ينهش في صدرها، قلبها يدق بعنف، يطالبها بالهروب من جهة، ويذكرها بصديقتها صبا المستسلمة لمصيرها الأسود من جهة أخرى.

كانت عبير و جنة هما طوق النجاة الأخير، الأمل الذي تعلقت به لانتشال صبا من الهاوية. همست لنفسها بصوت مبحوح

=اجمدي يا زنوبة.. مفيش وقت للخوف، صبا ملهاش غيرهم.

أخيراً، استجمعت كل شجاعتها المتبقية ودقت الباب دقات متتالية، قوية، تعكس حجم الهلع الذي يسكنها مرت ثوانٍ كأنها دهر، حتى فُتح الباب، لكن لم تكن عبير ولا حتى جنة، بل كانت فتاة غريبة الملامح تنظر إليها بتوجس.

وقبل أن تنطق زنوبة بحرف أو تسأل عن أصحاب البيت، شق سكون الشقة صراخٌ مزق نياط القلب، صوت جنة وهي تستغيث بنحيب يقطع الأنفاس

— لأ يا ماما.. متسيبنيش يا ماما! والنبي متسيبنيش لوحدي.. فوقي يا حبيبتي عشان خاطري!
4

تجمدت الدماء في عروق زنوبة، بينما اندفعت الفتاة الغريبة بلهفة نحو مصدر الصوت في الغرفة الداخلية، وبلا تفكير، وجدت زنوبة قدميها تقودانها خلفها، لتتوقف عند عتبة الغرفة وتصطدم بمشهد لم يكن في الحسبان

كانت جنة تحتضن جسد والدتها  الممدد على الفراش، جسد بلا روح، شاحب كالشمع، كانت جنة تهزها بعنف، تتوسل إليها أن تفتح عينيها، بينما كانت صرخاتها تملأ أركان الغرفة الضيقة.
2

تراجعت زنوبة خطوة للخلف، وسندت يدها على إطار الباب وهي تشعر بالدوار، الصدمة ألجمت لسانها، وعيناها زاغتا بين جثة عبير وانهيار جنة،لم تكن تبكي على الموت وحده، بل كانت تبكي على حلمها الذي تحطم، وعلى صبا التي كانت تنتظر منها خبراً يحييها.. فإذا بالخبر هو الموت.

همست بذهول وهي تشعر بانهيار آخر حصون أملها

=ماتت؟ الأمل الوحيد راح؟ يا وجع قلبك يا صبا.. هنعمل إيه دلوقت؟

اما في الزنزانة الضيقة، يلفها السواد إلا من خيوط ضوء باهتة تتسلل من بين القضبان، كان حاتم غارقاً في نوم مضطرب، جسده يتصبب عرقاً وأنفاسه مسموعة كأنها حشرجة الموت.

فجأة، انتفض من مكانه كأن صاعقة ضربت جسده، صرخة شقت سكون السجن المرعب، صرخة خرجت من أعماق روحه

=مامااااااا

كان يقفز من فوق سرير السجن بذهول، عيناه متسعتان بجنون وكأنه يرى طيف والدته يتبخر أمام عينه، اندفع نحو باب الزنزانة الحديدي بكل قوته، وبدأ يضرب بجسده ويديه على الحديد الصلب في نوبة هياج غير مسبوقة.

=خرجوني من هنا! أمي ندهت عليا! يا عالم، امي عايزة تشوفني،افتحوا الباب ده! عايز أشوف أمي!
1

استيقظ المساجين على وقع تخبيطه الهستيري، ساد الهرج والمرج في الزنزانة، والكل ينظر إليه بعدم فهم.. ما الذي أصاب هذا الرجل فجأة؟

تقدم منه ياسر بسرعة، وحاول الإمساك بكتفيه ليهدئه

=اهدى يا حاتم! وحد الله يا صاحبي، ده كابوس.. استعيذ بالله!

لكن حاتم كان في عالم آخر، دفع ياسر بقوة ليرتطم بالحائط وصاح بجنون وهو يعود لرزع الباب الحديدي

=ابعد عني يا ياسر! أنا سمعتها.. عيزاني اروحلها،ابعد عنييي

حاول ياسر الإمساك به مرة ثانية، لكن حاتم كان يزق الجميع، يضرب ويصرخ بهستيريا وكأنه فقد عقله تماماً، وبدأ السجانين بالخارج يضربون على الأبواب ليصمتوا، والوضع بدأ يتأزم.

أدرك ياسر أن حاتم لن يهدأ، وأنه سيؤذي نفسه أو يتسبب في كارثة لكل من في الزنزانة،وفي لحظة خاطفة، جذب حاتم من قميصه بقوة، وقرب رأسه منه، ثم ضرب جبهته بجبهة حاتم  بقوة ومدوية هزت كيان الأخير.
6

ارتخت أطراف حاتم فوراً، وتلاشت الصرخة في حلقه، ليرتمي بين يدي ياسر جثة هامدة فاقدة للوعي، ساد صمت مفاجئ وموحش في الزنزانة، بينما كان ياسر يضع رأس حاتم على الأرض بهدوء وهو ينهج بتعب.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في ركنٍ منزوٍ من الغرفة، كانت غدران منكمشة على نفسها كعصفورٍ بلله المطر في ليلة شتاءٍ قاسية، كانت نوبات البكاء تشق صدرها بعنف، وصوت نحيبها المكتوم يمزق سكون المكان، لم تكن تبكي فحسب، بل كانت تنتفض بكيانها كله، وكأن الصدمة قد خلخلت عظامها.

ارتمت في حضن نوال بكل ثقلها، وكأنها تبحث عن مرفأ أخير يحميها من طوفان الأكاذيب الذي غرق فيه عالمها. تشبثت بملابس نوال بأصابع مرتعشة، وصرخت بصوتٍ مبحوح خنقه القهر

=ضحك عليا يا نوال.. طلع مش هو، طلع كل ده كذب في كذب! اللي عشت معاه كل ده وفتحت له قلبي طلع كل ده كذب

كانت نوال تحتضنها بقوة، تمسح على شعرها بمرارة، وتحاول جاهدة أن تحبس دموعها حتى لا تضعف أمام انهيار صديقتها،ضمتها أكثر إلى صدرها وهي تهمس بنبرة حنونة ومطمئنة

=اشهقي يا حبيبتي، فرغي الوجع اللي جوه قلبك عيطي لحد ما النار اللي في صدرك دي تبرد. حقك، والله حقك تصرخي وتكسري الدنيا كمان.

رفعت غدران رأسها قليلاً، وعيناها محمرتان من كثرة البكاء، وسألت بكسرة تدمي القلب

= انا مصدومه اوي ،مش عارفه اعمل ايه، واللي في بطني يا نوال؟ اللي في بطني ده هعمل ايهذبالله عليكي قوليلي انا تعبت.

سحبت نوال نفساً عميقاً، وأمسكت وجه غدران بين كفيها، ومسحت دموعها بإبهاميها وهي تنظر في عينيها بكل حزم

=اسمعيني يا غدران، انتي مش لوحدك انا معاكي انتي قاهمه، يعني استقوي بيا، أنتي مش لوحدك، ولو عايزه رأي عمر الكدب ما بيبني بيت، كان نفسي اقولك كملي معاه، بس مين يعرف ما يمكن يكون بيكدب عليكي في حاجات تانيه واصعب كمان.

توسعت عين غدران بصدمه،برغم تهديدها لي انس ولكنها لا تريد ان تبتعد عنه هي تريده،لتقول بتلعثم

=ب.. بس يع. ني، طب والي في بطني؟

=اجهضيه

قالت نوال يجحود لتنظر له غدران بصدمه وبلا تصديق،لتحمحم نوال بتوتر،وهي تصلح حديثها سريعا
10

=انا مش قصدي ياحبيبتي والله، بس هو انتي هتقدري تجيبي طفل لشخص ضحك عليكي بأهم حاجه واقل حاجه من حقك تعرفيها وهي اسمو،يعني الله اعلم شخصيتو الحقيقيه دي مين شغال ايه وبيعمل ايه،ازاي هتقدري تسلمي نفسك انتي وابنك لي شخص زي ده

هزت غدران رأسها برفض قاطع، والدموع عادت لتغرق وجهها مرة أخرى

=بس ده ذنبه إيه؟ هو اللي اختار أبوه؟ نوال أنا برغم كل اللي عرفته، برغم الوجع اللي في قلبي.. أنا مش قادرة أكرهه للدرجة دي، ومش قادرة أتخيل إني أموت حتة مني ومنه.

​اشتعلت عينا نوال بنظرة حادة، وقالت بنبرة شبه غاضبة
+

=مش قادرة تكرهيه؟ بعد كل ده ولسه في قلبك حتة بتديله عذر؟ غدران.. فوقي! الراجل ده سجنك في كذبة كبيرة، والطفل ده مش هيكون طوق نجاة، ده هيكون الحبل اللي هيخليه يتحكم فيكي العمر كله. أنس  مش هيسيبك لو فضلتي حامل.
3

​سكتت غدران، وساد صمت موحش لم يقطعه إلا صوت شهقاتها،كانت كلمات نوال منطقية ومرعبة في آن واحد، لكن شعور الأمومة الذي بدأ ينمو بداخلها كان يصارع كل منطق. نظرت إلى الفراغ وهي تهمس بضياع

=يعني مفيش حل تاني؟
8

​لم تجد نوال رداً سوى أن ضمتها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان العناق ثقيلاً، مشحوناً بقرار مصيري ينتظر غدران، قرار إما أن يحررها من جحيم أنس، أو يربطها به إلى الأبد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انحدرت شمس الصباح تصبغ رمال سيناء بلون الذهب المعتق، بينما كانت وضحة تخبّ خلف قطعان المعز والخراف، تهشّها بعصاها الأبنوسية برقة لا تخلو من حزم، كان الغبار يتصاعد تحت أظلاف الغنم ليصنع هالة حول قوامها البدوي الممشوق، بجانبها، كان الشيخ سويلم يخطو بوقار السنين، يغرس طرف عصاه في الرمل مع كل خطوة، كأنه يثبّت وتداً في قلب الأرض.

ساد الصمت لبرهة، لم يقطعه سوى ثغاء الأغنام وصوت الريح التي تداعب طرف برقع وضحة، ضاق صدرها بالكلام الذي حبسته لأيام، فالتفتت نحو أبيها وقالت بنبرة حاولت جعلها عادية

=يا بوي.. ماني عارفة لـ مِتى هالغريب بيظل قاطن في مربوعتنا؟ هاد مضا عليه أسبوع وزيادة، ولا عاد لـ دِيرته ولا بيّن نِيّته.
3

توقف الشيخ سويلم فجأة، وكأن الكلمة قد لسعته،استدار ببطء، وتلاقت نظراته الحادة بعيني ابنته، فبدت ملامحه في ضوء الغروب كأنها منحوتة من صخر الجبال الصماء. زجرها بصوت رخيم هزّ سكون الوادي

=عيب يا وضحة! وِيش اللي بتقوليه؟ الضيف ضيف الله، والبيت اللي ما يِدخله ضيف، مامنُّه بركة،نِحنا عرب، والضيف لو قعد دهر، نكرمه ونشيله فوق الرأس، ولا نسأله وين رايح ولا من وين جاي.
2

لم تتراجع وضحة تماماً، بل تقدمت خطوة وهي تشير بيدها نحو الأفق حيث تقع خيامهم

=حقك عليّ يا بوي، ما قَصدي أردّ الشيمة.. بس أنا بسأل من حيرتي، الزلمة غريب، ولا نِعرف له أصل ولا مَـفصل، ولا حكى لنا ليتى هيجعد في ديارنا،القعدة طالت، والناس بدأت تتودود، مِش من طبعنا نِخلّي الغريب وسطنا كِل هالمِدة وإحنا نِجهل عنه كِل شي.

ضاقت عينا الشيخ سويلم، وازداد قبضه على عصاه وهو يرد بحزم قاطع لا يقبل النقاش

=اسمعي يا بِنْت سويلم.. عاداتنا ما تِتغير بـ كلام الناس. الضيف له كرامته، ولين يقرر هو يشد رحاله، يلقى منا غير الترحيب والزاد. لا تِعيدي هالسيرة مرة ثانية، ولا تِخلي الشيطان يِوسوس لك بخصلة ما هي من طبعنا. افهمتي؟
4

أطرقت وضحة برأسها احتراماً، وشعرت ببرد الحزم في صوت أبيها يخرس فضولها. تراجعت خطوة للخلف وهي تتمتم بصوت خفيض

=فهمت يا بوي، أبشر.. ما عاد أفتح هالسيرة.

عادت وضحة تسوق أغنامها، لكن عينيها ظلت معلقة بتلك الخيمة البعيدة القابعة في طرف النجع، تتساءل في سرها عن السر الذي يحمله ذلك الغريب بين طيات ثيابه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
=يا لهوي يا زياد!

قالت جمرة بصدمة عندما شعرت بيد زياد التي غمزتها في جنبها، وما إن التفتت له حتى غمز لها وهو يقول بخبث

=وتكة زياد.. وحشتيني.

نظرت له بغضب وهي تحاول استعادة أنفاسها الطبيعية مرة أخرى

=ولي على قامتي! كان قلبي رح يوقف، حرام عليك!
5

=طب واللي واقف عشانك ده مش حرام عليكي إنتي؟

نظرت إلى ما يقصد لتشهق وهي تنظر إلى خارج المطبخ بخجل، فهي في منزل حماتها

=زياد! لك شو عم تقول؟ نحن مانا ببيتنا، وبعدين أنا شو عملت لحتى يصير هيك؟

قالت وهي تشير إليه، ليحاصرها على الحائط وهو يغمز بخبث

=لا يا وتكة، هو بيشوفك بس بياخد وضع الاستعداد.
5

نفت بيأس وهي تلتفت لتعود إلى طهي الطعام مرة أخرى

=أي وضع الاستعداد هاد ما بيفارقك أبداً!

نظر إلى يديها التي تقلب الكريمة أمامها ليقول بخبث

=مش أصلية الكريمة دي، أنا بعرف أجيب الأحسن منها خلي بالك.

حديثه جذب انتباهها لتلتفت له وهي تقول باستغراب

=كيف يعني مانا أصلية؟ وكيف بتجيب الأحسن؟ ومن وين؟
5

=تعالي معايا أوريكي!

قال وهو يسحب يديها خلفه ولكنها توقفت في مكانها وهي تقول بعدم فهم

=شو أجي معك؟ لا، أنت روح وأنا رح استناك هون.

=على عيني يا وتكة، بس الكريمة دي مش هتيجي غير لما تكوني معايا.

حديثه زاد الاستغراب بداخلها، لتقول بتيه

=كيف ما بتعرف لحالك؟ من وين بدك تجيبها؟

=من هنا.

قال وهو يضع يديه على جسدها لتصرخ بخجل وهي تبعد يديه، وهو يتابع حديثه

=تيجي معايا بس خمس دقايق في الأوضة، وتطلعي بكريمة عمرك ما هتدوقي زيها، دا أنا بفطر عليها كل يوم.

=كريمة إيه دي اللي بتفطر عليها كل يوم يا واد؟
5

قالت مروة والدة زياد وهي تدخل المطبخ، لتخبئ جمرة وجهها في صدر زوجها، وزياد يتحدث بجرأة

كدي كريمة جمرة بتعملها لي كل يوم يا أما، بس إيه.. عسل يا أما عسل.

=طب يبقى هات لي منها أدوق يا واد.
3

=لا يا حجة على عيني والله، بس دي تصدير محلي من المصدر ليا أنا وبس.

فهمت مروة مقصده الخبيث لتقول بخجل

=الله يكسفك يا مفضوح، امشي يلا، امشي من المطبخ لحسن لو سبتك معاها مش بعيد آجي ألاقيك معاها في الثلاجة  امشي!

عض على شفتيه وهو يقول بخبث

=لا وحياتك في الفرن، لحسن ابنك بيعشق السخونية بأنواعها.

ضربته جمرة على ظهره وهي تهمس بخجل

=وحياة الله يا زياد كفي.. حاجة بقى!"

ضحكت مروة بيأس وهي تلوح بيديها في الهواء، محاولةً طرده من المطبخ فعلياً هذه المرة

=يا واد اختشي على دمك، البت وشها بقى زي الطماطم ! غوّر من قدامي يا زياد بدل ما ألطشك بالمغرفة دي.. يقطع الحب وسنينه اللي خلتك بلا حيا كدة.

نفى لها وهو يقول بمكر

=لا يا مرمر اطلعي إنتي يلا عشان اللي هيحصل كمان شوية حاجات للكبار فقط.
4

=زياددددد!

صاحت جمرة بخجل وهي تحاول الابتعاد عنه، ولكنه أوقفها وهو يهمس

=لااا! مكانك، إنتي مش حاسة بيه ولا إيه؟ هنتفضح لو بعدتي عنه!

=بتتوشوشوا في إيه يا عيال؟

صاحت مروة بعدم فهم، لتقول جمرة بتوتر

=لا لا ما في شي، بس زياد بده يخبرني شغلة.. روحي أنتِ يا خالتي وأنا رح كمل الأكل، وأنتِ روحي خلصي تخرط الملوخية.

نفت مروة بيأس وهي تغادر المطبخ، لتبتعد جمرة عن زياد وهي تنظر له بغضب، ولكنه لم يهتم بغضبها، دفعها على الثلاجة التي خلفهما وهو يقبلها بشوق ولهفة.

كانت القبلة كفيلة بإخراس كل كلمات الغضب والاحتجاج التي جهزتها جمرة على طرف لسانها، حاصرها زياد بين جسده القوي وبين برودة الثلاجة، ليتناقض ملمس جسده الساخن مع المعدن البارد خلف ظهرها، تاهت أنفاسها وهي تشعر بيده تتسلل خلف عنقها تثبتها بهيام وكأنه يرتوي منها بعد عطش طويل.

ابتعد عنها سنتيمترات قليلة، جبهته تلامس جبهتها وأنفاسه اللاهثة تداعب وجهها المشتعل، ليهمس بصوت أجشّ

=فراولة.. عليا الحرام فراولة، بس كنت عايز أدوق الاتنين التانيين مش شفايفك دول.

حاولت جمرة استعادة توازنها، ويداها المرتجفتان استقرتا على صدره تحاول دفعه بضعف، وهي تهمس بصوت مبحوح

=زياد.. مشان الله بكفي، مروة هلق بترجع، وإذا شافت منظرتنا هي شو رح تقول؟ بعدين هاد مو وقت شوقك أبداً، الأكل على النار!

ضحك زياد ضحكة منخفضة وخطيرة، وعيناه تلمعان بمكر وهو يمرر إبهامه على شفتيها اللتين تلونتا بحمرة طبيعية زاهية

=يتحرق الأكل وتتحرق الملوخية يا جمرة.. أنا جعان لكِ إنتي، وبعدين إنتي اللي بدأتي، حد قالك تكوني زي القمر!

أرادت أن ترد، لكن صوت وقع أقدام مروة العائدة جعلها تدفعه بقوة هذه المرة

=زياد، ابعد! والله ليجي عز ويشوفك، وقتها مارح تخلص من لسانه.. روح اقعد معهم، يلاه، وانا وعد بس نطلع بيتنا،وبعمل كل مابدك ياه!

عدّل زياد قميصه ببرود يحسد عليه، وغمز لها وهو يبتعد خطوة للخلف قائلاً بخبث

=ماشي بس عايز تصبيرة.
2

=شو تصبيرة؟

غمز لها وهو يقترب منها مرة أخرى

=هاخد اللي باخده كل مرة!

نفت له وهي تحاول الابتعاد عنه، ولكنه لم يسمح لها وهو يسحب ثوبها الداخلي بمهارة حتى أصبح بين يديه، ليعض شفته وهو يقول برغبة
4

=أموت في الأحمر.

تململت جمرة في مكانها وهي تقول بعدم راحة وخجل شديد

=زياد وحياة الله رجعه، ماني مرتاحة بنوب!

اشتم الثوب ثم نفى لها وهو يضعه في جيبه

=هيفضل معايا لغاية لما نطلع بيتنا ويكون جنب بقية هدومك على الأرض، فلو عايزاه بسرعة.. خلصي بسرعة.

كان على وشك الخروج ولكن وقف وهو يقول

=هنزل الجزارة، لو هتعملي كيكة سيبي حتة سادة على جنب ليا وهاتيها معاكي فوق.. هحط عليها أنا الكريمة بتاعتي.
3

خرج زياد وهو يصفر بلامبالاة، تاركاً جمرة تحاول جاهدة تهدئة ضربات قلبها المتسارعة وتعدل هندامها، وهي تدعو الله في سرها ألا تلاحظ حماتها أثر ما جرى.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت حليمة تدور حول نفسها في ردهة الفيلا الجديدة كالفراشة القلقة،الفيلا كانت لا تزال تفوح برائحة الطلاء الجديد والرخام المصقول، لكنها بالنسبة لحليمة لم تكن مجرد جدران، بل كانت مسرحاً لاختبار صعب.

ملك ابنة الخمس سنوات، وصديقة ابنها حسن، قادمة اليوم رفقة أبيها ونيس.

عدلت حليمة وضع زهرية الكريستال للمرة العاشرة، وهي تهمس لنفسها بنبرة متوترة

=يا ربي،انا مش فاهمة انا متوترة كده ليه

دق الجرس، فقفز قلبها بين ضلوعها. أخذت نفساً عميقاً، وعدلت شعرها  أمام المرآة بسرعة،  وحسن ابنها يجري امامها لفتح الباب

=ياحسن استنى انت مستعجل كده ليه

قتحت الباب فكان ونيس يقف هناك ونيس بجانبه ملك وبيده باقة زهور بسيطة وعلبة شوكولاتة.

ارتبكت حليمة، وظهرت حمرة الخجل على وجنتيها وهي تبتعد لتفسح لهما الطريق

=اهلاً.. أهلاً يا ونيس، نورتوا البيت والله، اتفضلوا.. اتفضل

دخل ونيس وهو يشعر فجأة أن المساحة الواسعة للفيلا تضيق عليه. لم تكن ضخامة البيت هي ما ترهبه، بل كانت حليمة في ثوبها المنزلي الأنيق والبسيط، ورائحة البخور التي ملأت المكان بلمستها الخاصة.

تلاقت عيناه بعينيها لثانية واحدة، فشعر بوخزة غريبة في صدره، وسرعان ما خفض بصره وهو يمد يده بالزهور

=مبروك يا استاذه حليمة.. الفيلا ما شاء الله، تتهنوا فيها يا رب. دي حاجة بسيطة.. يعني مقامك أكبر من كدة بكتير.

أخذت حليمة الزهور منه، وتلامست أصابعهما لبرهة خاطفة، مما جعلها تتلعثم

=تسلم يا ونيس.. تعبت نفسك ليه، كفاية إنكم جيتوا. اتفضل استريح في الصالون، هروح أجيب العصير وأجي فوراً.

جلس ونيس على طرف الكرسي، وبينما انطلق حسن وملك يركضان في أرجاء المكان بضحكات طفولية صاخبة، ظل هو يراقب طيف حليمة وهي تتحرك في المطبخ المفتوح.

كان يتأمل طريقتها في ترتيب الأشياء، وحرصها المبالغ فيه على أن يكون كل شيء مثالياً، فشعر بابتسامة دافئة ترتسم على وجهه رغماً عنه.

همس في سره وهو يعبث بمفاتيح سيارته بخجل

=جرى لك إيه يا ونيس؟ مالك بقيت تتوتر قدامها زي العيل الصغير كدة؟

خرجت حليمة تحمل الصينية، وكانت يداها ترتجفان قليلاً، مما جعل أكواب العصير تصدر رنيناً خفيفاً. لاحظ ونيس توترها، فقام بسرعة ليساعدها وهو يقول بصوت هادئ ومنخفض
3

=هاتي عنك يا حليمة.. ملوش لزوم كل التوتر ده، إحنا مش غُرب، ولا إيه؟

رفعت رأسها لتنظر إليه، فوجدت في عينيه نظرة تقدير وحنان لم تعهدها من قبل، فابتسمت بخجل وقالت بصوت خفيض

=أكيد يا ونيس.. إنتوا أهل البيت.

ساد صمت مشحون بمشاعر لم ينطق بها أي منهما،حتى قال ونيس

=معلش جنالكم كده اول ما نقلتو بس نقول ايه على ست ملك مش ساكته

نفت له حليمه وهي تنظر الى الأطفال

=لالا ده انتو نورتوني وكمان حسن برضو مسكتش غير لما كلمتك وعزمتكم تيجو تقضو معانا اليوم،الولاد متعلقين ببعض خالص

نظر اليها والى طريقة حديثها،ليومأ لها،وهو شارد في ملامحها الجميله وكأنه يتعرف عليها للتو

=ونيس انت روحت فين؟

قالت حليمه بسبب شرودو لينفي لها وهو يقول بإبتسامه

=لالا ولا حاجه، كنت عايز اسألك صح اي رايك في الرحله الي الحضانه عملاها للولاد،هترَحي انتي وحسن ولا لا؟

زفرت حليمة بثقل فلقد أخبرها حسن العديد من المرات على هذه الرحله ولكن هي لا تريد الذهاب

=والله يا ونيس مش عارفه،انا مش عايزة اروح، بس حسن مصمم

=ليه بس،ده هيكون وقت كويش مع الولاد،ياريت تيجي واهو الولاد يستمتعو واحنا كمان.

نظرت له قليلا تفكر في حديثه ،لتقول بتوتر

=انت هتروح؟

=لو هتروحي هروح

تورد وجهها من دفئ حديثه لتقول بخجل

=خلاص ان شاء الله نروح مع بعض
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
دلف أنس إلى الغرفة بخطوات مثقلة، يجر خلفه خيبات يومه وتعب قلبه قبل جسده. رمى بسترته بإهمال، والتفتت عيناه تلقائياً نحو تلك القابعة على طرف الفراش؛ غدران، كانت ساكنة تماماً، عيناها معلقتان بنقطة وهمية في الفراغ، غارقة في عالم من الشرود لم يستطع اختراقه بوجوده الصامت.

تحرك في الغرفة، تعمد إصدار صوت بأنفاسه العالية، تحمحم مراراً، لكنها كانت كتمثال رخامي لا يشعر بما حوله. تملكه الضيق من تجاهلها الذي يقتله، فاندفع نحو التسريحة وامسك بمشطها الخشبي ثم هبد به فوق الرخام بقوة أحدثت صوتاً مدوياً هز أركان الغرفة.

شهقت غدران بصدمة، وانتفض جسدها بعنف وهي تضع يدها على قلبها، تطلعت إليه بعيون متسعة يملؤها الخوف والارتباك، لكن ما إن استوعبت أنه هو، حتى تذكرت مرارة خديعته، فاستدارت برأسها سريعاً تشيح بنظرها عنه، وكأن رؤيته باتت تؤذيها.

زفر أنس بغضب مكتوم، ودنا منها بخطوات متعجلة جعلت الأرض تئن تحت وطأتها، وقف أمامها مباشرة وسألها بنبرة مخنوقة

=سرحانة في إيه؟ بقالي ساعة داخل طالع ولا كأني موجود.. قوليلي، عايزاني أعملك إيه عشان تسامحيني؟

لم تنظر إليه، بل جاء ردها كطلقة رصاص اخترقت صدره

=مش عايزة أسامحك.. عايزة حاجة واحدة بس، طلقني

في لحظة، فقد أنس كل ذرة من ثباته الانفعالي. جحظت عيناه وصرخ بصوت زلزل الغرفة، صرخة خرجت من أعماق وجعه

=ميتين أم الكلمة دي متقوليهاش تاني! مسمعهاش على لسانك.. فاهمة؟ طلاق مش هطلق، إنتِ هتفضلي على ذمتي لغاية ما أموت، فاهمة يعني إيه لغاية ما أموت؟

تراجعت غدران للخلف بصدمة من هول صراخه، وارتجفت شفتيها وعيناها تراقبانه بذهول،حاول أنس استجماع شتات نفسه، أغمض عينيه بقوة وزفر بحدة يحاول تهدئة الشياطين التي ثارت بداخله، اقترب منها برفق هذه المرة، وحاوط وجهها بكفيه الكبيرتين، وثبت عينيه في عينيها الدامعتين قائلاً بنبرة يملؤها الانكسار والحب

=عارف إني ضحكت عليكي.. وعارف إن مكنش ينفع أخبي عنك الحقيقة دي.. بس يا غدران، الحقيقة الوحيدة اللي مكدبتش فيها هي إني بحبك، قسماً بالله بحبك يا غدران، وعمري ما كدبت في دي أبدًا.

ترقرق الدمع في عينيها وانسابت عبرة حارة على وجنتها، فما كان منه إلا أن انحنى برأسه، ليمسح دموعها بقبلات رقيقة من شفتيه، هامساً أمام وجهها

=حقك عليّ.. حقك عليّ يا حبيبتي.

انزلق بقبلاته إلى عنقها، يغرس رأسه هناك وكأنه يختبئ من العالم في عطرها، وهمس بصوت ذائب من فرط الشوق

=بحبك.. بحبك أوي.. بحبك أوي أوي يا غدران.

كانت غدران تائهة في صراع مشاعرها، بين كرامتها المجروحة وبين نبضات قلبها التي استسلمت لندائه، لم تشعر بيده التي رفعتها برقة لتستقر فوق الفراش، حتى وجدته يعتليها ببطء، محاصراً إياها بحبه وسطوته، وهو يتابع قبلاته الشغوفة على وجهها وعنقها، هامساً باسمها كأنه ترتيلة مقدسة
3

=غدران..

استسلمت غدران تحت وطأة جسده ومشاعره الجارفة، وكأن حصونها التي بنتها طوال الأيام الماضية انهارت أمام صدق نبرته،شعرت بيده تتخلل خصلات شعرها، تجذبها إليه برفق كأنه يخشى ضياعها، بينما كانت قبلاته على عنقها تارة تطلب الصفح، وتارة أخرى تعلن الملكية المطلقة.
2

​شهقة مكتومة خرجت من أعماقها عندما أحست ببرودة الهواء تلامس بشرتها إثر تمادي يده في إزاحة عائق الثياب، لكنها لم تمنعه، بل ارتخت أطرافها تماماً وتاهت في عالمٍ موازٍ لا يوجد فيه سوى أنفاسه الحارقة وكلماته التي يهمس بها بين القبلة والأخرى

​=سامحيني ياحبيبتي.

​رفعت يدها بتردد، وكأنها لا تزال تخشى مواجهة قلبها، لكنها في النهاية استقرت فوق ظهره، تشد عليه بقوة كأنها تفرغ وجعها وخوفها في قبضة يدها، انهمرت دموعها بغزارة أكبر، لتختلط بقبلاته فوق وجنتيها، فرفع رأسه قليلاً ليتأمل وجهها المحتقن بالحب والألم معاً.

​سحب نفساً عميقاً، وصوته يخرج مخنوقاً ومحملاً برغبة لا تنطفئ

=بصيلي يا غدران.. قولي إنك لسه عايزاني زي ما أنا هموت عليكي.. قولي إنك مسامحة ولو جزء صغير، وأنا هقضي باقي عمري أصالحك في الباقي.

​فتحت عينيها ببطء، كانت نظراتها مشوشة بالدموع والرغبة، وحاولت النطق لكن شفتيها المرتجفتين خانتاها، فاكتفت بجذبه إليها أكثر، ليلتحم جسداهما في عناقٍ طويل أخبره بكل ما عجز لسانها عن قوله؛ أنها رغم الكذب، ورغم الجرح، لا تزال أسيرة هذا الرجل الذي جعلها تحيا وتموت في آنٍ واحد.

​انحنى يغمرها في فيضٍ من الشوق، مستسلماً لجاذبيتها التي لا تقاوم،وهو يستمع الى همسها الباكي

=هسامحك يا انس،هسامحك عشان مش قادره مسامحكش،مش قادره اتخيل ان انا هصحى من النوم وانت مش جمبي، بس انا عايزة اقهم خبيت عليا اسمك الحقيقي ليه؟
2

شعر قلبه بالراحه اخيراً،ليبتسم لها وهو يقول بحب

=هفهمك ياحبيبتي،وعد هفهمك كل حاجه بس يجي وقتو،دلوقتي وقت حاجه تانيه خالص

=وقت ايه؟

قالت بإستغراب ليغمز لها وهو يخلع قميصه

=وقت اسلم على حبيب ابوه الي مسلمتش عليه من ساعه ما عرفت انه موجود هموت وارحب بيه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت غادة تجلس فوق أريكتها المتهالكة، تضع ماصة الشيشة في فمها، وتنفث دخانها الكثيف الذي ملأ الغرفة برائحة المعسل النفاذة.

كانت عيناها نصف مغمضتين، ترقب الفراغ بملل، حتى انفتح الباب فجأة ودخل جابر ينهج من شدة الركض، والابتسامة تشق وجهه من الأذن للأذن.

نظرت إليه غادة ببرود، وأبعدت الشيشة عن فمها وهي تقول بنبرة ساخرة

=جرا إيه يا جابر؟ داخل هبّ ماله وشك منوّر كدة ليه، كأنك لقيت ألف جنيه

ارتمى جابر بجانبها، وأمسك يدها بحماس وهو يهتف بصوت لاهث

=ألف جنيه إيه بس يا غادة! وحياتك دول خمسين ألف حتة واحدة!

اتسعت عينا غادة، واعتدلت في جلستها بلهفة واضحة، ووضعت الشيشة جانباً وهي تسأل

=خمسين ألف؟ إزاي يا راجل؟ ولقيتهم فين

اقترب جابر منها، وصوته يخرج بخفوت محمل بالشر

=كنت بتكلم مع الولا عطية عشان المصيبة اللي عملتها بت أختك صبا.. كنت بقوله يشوفلي دكتور يخلصنا منها ويجهضها، بس قالي فكرة أحلى بكتير وتوزن دهب.

ضاق ما بين حاجبي غادة وقالت باستغراب

=فكرة إيه دي؟ انطق!

لمع الطمع في عيني جابر وهو يقول بلهفة

=قالي إنه عايز العيل ده.. هياخده، وهيدينا فيه خمسين ألف جنيه

تجمدت غادة للحظة، ثم بدأت عيناها تتسعان ببطء، ولم يكن ذلك رعباً، بل كان طمعاً أسود بدأ ينهش في ملامحها وهي تتخيل المبلغ في يدها.

وفي تلك اللحظة، خلف الباب الموارب، كانت صبا تقف متجمدة كأن صاعقة ضربتها،وضعت يدها على فمها لتكتم شهقة الرعب التي أفلتت منها بصدمة، ودموعها تجمدت في عينيها وهي تسمع خاله وزوج خالتها يتاجرون بدمها وجنينها وكأنها بضاعة في سوق النخاسة.
ووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت جنة تجلس على المقعد البلاستيكي البارد أمام غرفة العمليات، تترنح بين شهقاتها ودموعها التي غسلت وجهها.
1

كانت يداها المرتجفتان تفركان بعضهما بعنف، وعقلها لا يكف عن رسم سيناريوهات مرعبة لفقدان أمها.

فجأة، فُتح باب العمليات وخرج الطبيب يمسح وجهه بالكمامة، اقتربت جنة منه بخطوات متعثرة، وصوتها المبحوح يسأل

=أرجوك يا دكتور.. طمنّي، ماما عاملة إيه؟

نظر إليها الطبيب بنظرة غامضة، كانت قذرة ومستفزة، يتأمل ملامحها المنهارة بوقاحة لم تنتبه لها جنة في غمرة وجعها، ثم قال ببرود:

=المرحلة الصعبة عدت.. بس الموضوع مش بالسهولة دي، لو ما فاقتش خلال الساعات الجاية، احتمال كبير تدخل في غيبوبة طويلة.

لم تتحمل جنة الكلمة، أطلقت صرخة مكتومة وانهارت باكية، وفي تلك اللحظة احتضنها رأفت بقوة ليخفي وجهها في صدره، حامياً إياها من نظرات الطبيب التي اشتعل بسببها رأفت غضباً. رفع رأسه للطبيب بعيون تقدح ناراً وقال بنبرة جافة وقاطعة

=تمام يا دكتور.. تقدر تتفضل.

تحمحم الطبيب بارتباك تحت نظرات رأفت القاتلة ومضى. ظلت جنة تنتحب في أحضان رأفت، وكلماتها تخرج متقطعة

=ماما بتروح مني يا رأفت.. ماما هتسيبني وتمشي، أنا ماليش غيرها!

عض رأفت على شفتيه بغضب من نفسه، فقد زلت لسانه في لحظة ضعف وقال

=بس.. بس يا حبيبي، اهدي.

حبس أنفاسه لثوانٍ يخشى أن تكون قد انتبهت، لكنها كانت غارقة في وجعها، فأكمل وهو يشد على ضمها أكثر

=اهدي يا جنة، كل حاجة هتكون بخير والله، متقلقيش.

بعد وقت طويل، بدأت جنة تستوعب وجودها بين ذراعيه، فابتعدت عنه بسرعة، ووجهها تلون بخجل شديد وهي تمسح دموعها

=أنا.. أنا آسفة جداً يا رأفت، مش عارفة عملت كدة إزاي، والله ما كان قصدي..
1

ابتسم لها رأفت بامتنان وطمأنينة

=آسفة على إيه؟ أنا مش متضايق خالص، بالعكس.. الحمد لله إني كنت موجود عشان أقدر أقف جنبك وأخلي بالي منكم.

خجلت جنة وأطرقت برأسها

=شكراً.. بجد مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه. مش عارفة حتى أنا ليه رنيت عليك إنت بالذات، أنا ما أعرفش رجالة كتير، وبابا.. بابا تليفونه مقفول من اكتر من اسبوع.

شعر رأفت بنشوة غريبة وفرحة عارمة تجتاح قلبه حين علم أنها لم تلجأ لأي رجل غيره. ابتسم لها بصدق وقال

=ده حظي الحلو إنك لجأتيلي.. استني ثانية واحدة وراجعلك، حاولي ترتاحي شوية.

أومأت له جنة بضعف، وما إن استدار رأفت حتى تحولت ملامحه من الهدوء إلى قناع من الجحيم، سأل الممرضين بحدة عن مكتب ذلك الطبيب، وما إن عرف مكانه حتى سار بخطوات واسعة، غاضبة، وتكاد تقتلع الأرض تحت قدميه.
دخل المكتب دون استئذان، انتفض الطبيب مذعوراً من هيئته، وقف من خلف مكتبه وقال بتلعثم
4

=فـ.. في إيه يا أستاذ؟

لم يجب رأفت، بل خلع سترته وألقاها جانباً، وتقدم نحوه كالفهد الجريح، صوته خرج كهدير الرعد

=جاي أقولك كلمتين بس.. كلمتين بيني وبينك، يا دكتور.

انكمش الطبيب في كرسيه رعباً وهو يرى عيني رأفت لا تبشران بأي خير، ويد رأفت التي ارتفعت لتغلق باب المكتب بإحكام، معلنة بداية الحساب

لم يكد رأفت يُحكم إغلاق الباب حتى اندفع نحو الطبيب، الذي تراجع بظهره حتى اصطدم بالجدار، قبض رأفت على ياقة قميصه بقوة أثارت الرعب في عيني الرجل، وسحبه ليصبح وجهه أمام وجهه مباشرة، صوته كان يخرج من بين أسنانه المطبقة كهدير وحشٍ متهيئ للفتك

=رفعت عينك في اللي يخصني، وسمحت لنفسك الوسخة دي تبصلها بالطريقة دي.

ارتجف الطبيب، وحاول التحدث بصوتٍ مبحوح

=أنا.. أنا كنت بس بشرحلها  الحالة، والله ما قصدت حاجة.. سيبني يا أستاذ، جنة دي

لم يكد ينهي كلمته حتى كان رأفت يباغته بلكمة قوية في كتفه جعلته يترنج، ثم دفعه بقوة نحو المكتب وهو يصرخ بجنون الرجولة المقهورة
2

=متجيبش اسمها على لسانك يا ع**

اقترب منه رأفت مرة أخرى، والشرر يتطاير من عينيه، وأمسك بياقة قميصه يرفع جسده عن الأرض

=وحياة الي خلقك ووقعك تحت ايدي دلوقتي،لو لمحتك بس معدي من قدامها لهكسح ميتين امك،انت فاهم؟
1

ألقاه رأفت على المقعد بقوة جعلت الطبيب يلهث من فرط الرعب، ثم عدّل رأفت قميصه بهدوء مرعب، ونظر للطبيب نظرة أخيرة حادة كسيفٍ قاطع

=انا مبحبش اقول كلامي مرتين، ف خلي بالك من تصرفاتك كويس هه!

خرج رأفت من المكتب، وأغلق الباب خلفه بقوة جعلت زجاج النوافذ يهتز، تاركاً الطبيب في حالة من الانهيار والذعر، بينما عادت ملامح رأفت للهدوء المصطنع فور أن اقترب من ردهة العمليات، حيث تنتظره جنة، لا يريد أن ترى في عينيه سوى الطمأنينة التي وعدها بها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
3

كان مكتب أنس يغرق في سكون العمل الجاد، إلا أن أعصاب أنس كانت على وشك الانفجار،يوقع الأوراق بحركات حادة، بينما يقف وائل أمامه، يراجع تقارير المتابعة ببرود مهني

=لسه صلاح وأيمن ملهمش أي وجود لغاية دلوقتي، الأرض انشقت وبلعتهم.
1

توقف القلم في يد أنس، ورفعه ليهبد به فوق المكتب بكل قوته، مما جعل القلم يرتد بعيداً،انتفض وائل في مكانه، ليسمع زئير أنس الغاضب

=يعني إيه ملهمش أي وجود؟! أسبوع! بقالكو أسبوع ومش عارفين توصلوا لـ اتنين كلاب زي دول؟ إنت مشغل معاك شوية نسوان؟!
1

احمرّ وجه وائل خجلاً وحرجاً من إهانة أنس الحادة، لكن أنس لم يمهله فرصة للدفاع، بل تابع بصراخ

=زود رجالتك،و اقلب عليهم الدنيا! أنا عايزهم،عايزهم عايشين، فاهم؟! مش عايز حد يلمس شعرة منهم قبل ما يقعوا في إيدي!

=تمام يا بوص، علم وينفذ.

ساد صمت لثوانٍ قبل أن يسأل أنس بحدة

=في جديد تاني؟

=آه، عبير مرات أيمن موجودة في المستشفى من امبارح، دخلت في غيبوبة.

هز أنس رأسه بلامبالاة باردة، وكأن الأمر لا يعنيه في شي

=حاجة تاني؟

=لا، كده خلاص.

رمى أنس الأوراق بضجر ونهض من كرسيه، ثم قال بقرار حاسم

=جهز نفسك، هنتحرك لشركة المرسي كمان ربع ساعة.

اتسعت عينا وائل بصدمة

=ناوي تظهر للكل دلوقتي؟ في الوقت ده؟

أومأ أنس بتحدٍ، والشرر يقدح من عينيه

=أكيد.. صلاح لما يعرف إني أخدت مكانه وبدأت أتحرك هيضطر يظهر.

=تمام يا بوص

خرج وائل مسرعاً، بينما استند أنس بظهره إلى الكرسي، ينظر للفراغ بوعيد

=يومك قرب يا صلاح.

ثم وقعت عيناه على صورة غدران الموضوعة على مكتبه، تبدلت ملامحه القاسية إلى ابتسامة عاشق، فأخرج هاتفه واتصل بها.
3

جاءه صوت غدران مغلفاً بالنعاس

=ألو؟
ابتسم أنس بوقاحة، وهو يهمس:

أموت وادخلو

أجابته بنعاس وعدم فه

=تدخل إيه؟
عض على شفتيه بمكر

=لا ده عايز شرح عملي، وأنا مش فاضي دلوقتي.. بس هعملهولك لما أرجع.

همهمت هي بنعاس غير مستوعب، فضحك أنس 

=لا وحياة أمك بلاش مياصتك دي، لحسن أجيلك دلوقتي أخليكي تهمهمي تحت مني بجد!
1

زفرت غدران بغضب وهي تستفيق

هو إنت متصل عشان تقولي كده يا أنس؟ حرام عليك، صحيتني من أحلى نومة!
1

نظر أنس إلى موضع جسده الذي كان يعاني من وطأة شوقه، وقال بخبث

=طب ما إنتي صحيتيه هو كمان من أحلى نومة، وعايزة تسيبيه تعبان وتقفلي؟

قالت بعدم فهم

=هو مين ده؟
1

أجاب بوقاحة لا تخلو من الخبث

=ميشو.. يهون عليكي بعد كل الدلع اللي دلعهولك إمبارح تسيبيه كدة؟

وقبل أن يكمل، انقطع الاتصال،نظر أنس لشاشة الهاتف بصدمة، ثم ضحك بوقاحة وهو يتمتم

=بتقفلي في وشي يا غدران؟ ماشي يا طري.. وحياة أمك لما أرجعلك لهعرفك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت الغرفة أشبه بزنزانة ضيقة، الهواء فيها ثقيل برائحة الخوف صبا لا تكف عن الدوران حول نفسها، دموعها انهمرت كشلال لا يتوقف، وكلما تذكرت كلمات غادة وجابر عن بيع طفلها، شعرت بأنفاسها تضيق،سقطت على الأرض بتعب، ورفعت عيناها للسماء بضعف

=يا رب حلها من عندك يا رب.. أنا تعبت، متبقاش الدنيا والناس وكل حاجة ضدي.. يا رب ارحمني.

انفتح الباب ودخلت زنوبة بخطى حذرة، فاندفعت نحوها صبا بلهفة المستجير من النار، وسألتها بصوت يرتجف

=ها يا زنوبة؟ عرفتي حاجة؟ سمعتيهم بيقولوا إيه؟

نكست زنوبة رأسها بأسى وقالت بصوت خفيض

=لا يا صبا، مجبوش سيرة الموضوع النهاردة خالص، ده أنا فضلت لازقة فيهم زي ضلهم، بس مقالوش كلمة قدامي.

انهارت صبا على طرف السرير، وانفجرت في نوبة بكاء مريرة وهي تضرب كفيها ببعضهما

=يا رب.. يا رب أعمل إيه؟ قوليلي بالله عليكي يا زنوبة أعمل إيه؟ دول عايزين يبيعوا بنتي! وصلت بيهم الوساخ لكده؟ يتاجروا ببنتي قبل ما تجي الدنيا؟

اقتربت زنوبة منها وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تحاول تهدئتها

— اهدي يا حبيبتي، اهدي يا صبا.. أنا استحالة أخليهم يعملوا كده، طولي بالك وكل حاجة هتتحل بإذن الله.

ابتعدت عنها صبا فجأة، وعيناها تشتعلان بمرارة الخذلان

=مفيش حاجة بتتحل! كل حاجة بتبوظ أكتر.. محدش حاسس بيا ولا باللي في بطني.. حتى هو.. اللي كان مفروض يبقى سندي ويحميني من خالتي وجوزها، لما روحتله عشان يلحق بنته طردني! طردني ومرضاش حتى يبص في وشي.. خد اللي هو عايزه ولما شبع رماني زي الكلبة!

وقفت صبا في منتصف الغرفة بصراخ مكتوم، تخاطب نفسها

=هو أنا رخيصة أوي كده يا زنوبة؟ للدرجة دي مهونش عليه ولا استاهل حتى شفقة؟ بس هيصعب عليه ليه؟ إذا كان أهلي وسندي هما اللي سلموني بإيديهم لكل راجل شوية وعرّوا لحمي قدام الناس.. هيجي الغريب يستر عليا؟ أنا تعبت.. تعبت بجد!
3

هرعت زنوبة إليها واحتضنتها مرة أخرى وهي تهمس بكلمات تصبير:

=اهدي يا حبيبتي، متقوليش كده عن نفسك..

وفجأة، قُطعت لحظة الضعف بصوت جابر الغليظ وهو يقتحم الغرفة

=انفتحلك طاقة القدر يابت المحظوظة،انا كنت ناوي يطلع منك مصلحة صغيرة،بس البيه الكبير جه فتح طاقة الخير علينا،تعالي يلا ياروح امك رشيد بيه عايزك

انتفضت "صبا" من حضن زنوبة، مسحت دموعها بعنف وخرجت بسرعة، لترى رشيد" يقف بزهو، وابتسامة لهفة ترتسم على وجهه، لكن ما إن وقعت عيناه على بطنها البارزة قليلاً حتى تجمدت ملامحه وقال بصدمة

=إيه ده؟!

اقتربت منه صبا بخطى ثابتة رغم الرعب الكامن في أعماقها، وقالت بنبرة متحدية

=أنا حامل.

انفجر رشيد في وجهها زاعقاً

=حامل؟ لا يا روح أمك! أنا قولتلك هاجي من السفر آخدك، بس مكنتش أعرف إن معاكي شيلة! أنا عايزك لوحدك، مش عايز وجع دماغ.

ردت صبا بغضب يغلفه الإصرار

=مفيش لوحدي.. أنا واللي في بطني سوا، يعني لو عايزني هتاخدني بيه، يا تسيبني بيه!

صرخت زنوبة من خلفها برعب

=أنتي بتعملي إيه يا صبا؟ أنتي اتجننتي؟

لكن صبا لم تلتفت، بل أكملت وهي تنظر في عيني رشيد

=هعيش خدامة تحت رجليك، هكون ملكك زي ما أنت عايز، بس المقابل إنك تاخدني أنا وبنتي سوه.
2

صمت رشيد قليلاً، يزن الأمور في عقله، ثم قال ببرود

=خشي غيري هدومك، خمس دقايق وهنتحرك.

اتسعت ابتسامة صبا  برغم الارتجاف الذي يسكن جسدها، وأومأت له بالموافقة ودخلت لتجمع أشياءها، بينما اقترب جابر من رشيد بتمسكن وطمع

=وفين حلاوتي بقى يا باشا؟

أخرج رشيد شيكاً من جيبه، وقع عليه بمليون جنيه، ورماه في وجه جابر وغادة الذين جحظت أعينهم من هول الرقم، بينما كان الطمع يعميهم عن مصير الفتاة التي باعوها.

في الداخل، أمسكت زنوبة بكتفي صبا وهي تبكي

=أنتي اتجننتي يا صبا؟ هتروحي معاه وتبيعي نفسك؟

نظرت إليها صبا بنظرة خاوية وقالت

=وأنا لما صُنت نفسي كسبت إيه يا زنوبة؟ سيبيني.. يمكن لما أبيعها أعرف أعيش أنا وبنتي.. أنا كل الأبواب اتقفلت في وشي، ومبقاش قدامي غير رشيد عشان أنقذ بنتي من جابر وخالتي.
1

ارتدت ملابسها بسرعة، ثم ارتمت في حضن زنوبة للمرة الأخيرة

=خلي بالك من نفسك يا زنوبة..
1

حاولت الابتعاد، لكن زنوبةشدتها بقوة وهي تنتحب، وشاركتها صبا البكاء المرّ؛ كانت خطواتها نحو الخارج ثقيلة، فهي لا تريد الرحيل بهذه الطريقة، لكنها ضحت بكل شيء من أجل روح لم تأتِ بعد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تتحرك في مطبخها بخفة فراشة تداعب الزهور، ترتدي فستاناً بيتياً رقيقاً يتمايل مع حركاتها، وقد تركت لشعرها الطويل الحرية لينساب على ظهرها كنلال من الحرير، كانت تطهو بحبٍّ غامر، وتدندن خلف صوت شادية الذي يملأ المكان بعبق الرومانسية، تتمايل بخصرها مع الألحان وكأنها تحتفل بميلاد جديد لقلبها.
1

قطع خلوتها صوت جرس الباب، فذهبت لتفتح بابتسامة مشرقة، لتجد صديقتها نوال أمامها، رحبت بها بحفاوة وأدخلتها، وما إن استقر بهما المقام حتى قالت "نوال بحماس مصطنع
5

=بصي يا غدران.. جبتلك معايا إيه، مش هتصدقي تعبت قد إيه عشان أوصله.

قطبت غدران جبينها بتساؤل

=إيه ده يا نوال؟

أخرجت نوال شريطاً من البرشام من حقيبتها ووضعته في يد غدران قائلة بنبرة حاسمة

=ده البرشام اللي هيخلصك من الهم ده.. برشام إجهاض، هتاخديه من هنا وكل الكابوس ده ينتهي.
7

تراجعت غدران خطوة للخلف، ونظرت للبرشام في يدها بذعر مكتوم وقالت بتوتر

=بس يا نوال.. أنا

قاطعتها نوال بسرعة وكأنها تبدد مخاوفها

=عارفة إنك قلقانة وخايفة، بس متقلقيش خالص، ده أنا جايباه من عند دكتورة موثوقة وهي اللي اقترحتهولي وشرحتلي كل حاجة، يعني أمان.

هزت غدران رأسها بالنفي وهي تحاول استجماع شتات كلماتها

=يا نوال أنتي مش فاهمة.. الموضوع مبقاش محتاج برشام.

قطبت نوال حاجبيها باستنكار

=مش محتاج إيه؟ أنتي لسه بتفكري؟

ابتسمت غدران ابتسامة رقيقة غلفها الحب، ووضعت يدها على بطنها بحنان قائلة

=أنا خلاص مش هجهض يا نوال.

سقطت الكلمات على مسامع نوال كالصاعقة، فصرخت بذهول

=مش هتجهضي؟! إزاي يعني؟ أنتي جرالك إيه؟

ردت غدران بنبرة هادئة ملؤها اليقين

=أنا سامحت أنس.. هو وعدني إنه هيفهمني كل حاجة، وأنا هستناه وأسمع منه.. أكيد كان عنده سبب قوي يخليه يخبي اسمه الحقيقي عليا، وأنا واثقة فيه.

تملك الغضب من نوال وتغيرت ملامحها للحدة وهي تقول

=بعد كل اللي عمله ده؟! بعد الكذب والخداع ده كله رايحة تسامحيه ببساطة كدة
9

أومأت غدران برأسها بضعف المحب

=أهم حاجة عندي إنه بيحبني، وأنا مش عايزة أكتر من كدة.. وهو صدق معايا في مشاعره، وده عندي بالدنيا.

نظرت إليها نوال بنظرة ثاقبة مشوبة بالسخرية وقالت

=وإيه اللي مأكدلك يا ست غدران إنه بيحبك فعلاً؟ اللي كذب في اسمه، إيه يمنعه يكذب في حبه؟

غامت عينا غدران بلحظة صدق وقلق، لكنها سرعان ما نفضت تلك الأفكار عن رأسها وقالت بإصرار

=أنا متأكدة.. أنا حاسة بحبه ليا في كل كلمة وكل نظرة، القلب مبيكذبش يا نوال.

ربتت نوال على كتف غدران بابتسامة صفراء ساخرة، ثم وضعت البرشام على الطاولة وقالت بنبرة مسمومة
1

=يا رب يا حبيبتي يطلع بيحبك بجد وميطلعش وهم.. بس برضه خلي البرشام ده معاكي، يمكن تكتشفي حاجة تانية كده ولا كده.. أصل اللي يخبي اسمه، أكيد مخبي وراه بلاوي تانية كتير، والاحتياط واجب.
1

تركتها نوال ورحلت، بينما ظلت غدران واقفة تنظر إلى شريط البرشام، والصراع ينهش قلبها بين نغمات شادية الحالمة وكلمات صديقتها المسمومة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خلف القضبان الحديدية، حيث يمر الوقت ثقيلاً كالجبال، كسر حاتم وياسر صمت السجن بضجيج الفرح،كانت الزنزانة تضج بحركة غير عادية، والمساجين يتجمعون في حلقة يملأها الدخان والضحكات العالية اليوم ليس كأي يوم، فهي الليلة الأخيرة لـياسر تحت هذا السقف الخانق.
3

كان حاتم يتحرك بسعاده، يصفق بيديه بحماس ويحث الجميع على الغناء، وعيناه تلمعان بفرحة حقيقية لأجل صديقه، رغم الغصة التي يشعر بها لأنه سيبقى وحيداً.

أمسك ياسر بخرطوشة سجاير، وبدأ يوزعها على المساجين بابتسامة عريضة وزهو، وهو يقول بصوت جهوري

=خد يا غزال.. خد يا شق.. الليلة دي مفيش حد في العنبر يطفي سيجارته، الليلة ليلة خروجي.

ضحك أحد المساجين وهو يلتقط علبة السجائر

=مبروك يامعلم ياسر والله هتوحشنا.

اقترب حاتم من ياسر ووضع يده على كتفه بقوة، وقال بمزاح يخفي وراءه تأثراً

=الف مبروك ياعم خلاص كلها كام ساعه وتشوف الأسفلت

رد ياسر وهو ينظر لحاتم بامتنان وضيق في نفس الوقت

=والله يا حاتم فرحتي ناقصة عشان هسيبك هنا، بس وحياة غلاوتك عندي،كل زياره هتلاقيني قدامك هنا.

حاتم ضحك وحاول يغير مجرى الكلام عشان ميكسرش فرحة صاحبه

=يا عم فكك مني دلوقتي، أنت النهاردة العريس! وزع يا ابن المحظوظة وزع، السجاير دي

بدأ المساجين يغنون بصوت منخفض موال حزين سرعان ما تحول لإيقاع سريع.

انتهت ضوضاء الاحتفال، وهدأ العنبر إلا من صوت أنفاس المساجين المجهدين،كان حاتم يجلس على سريره الحديدي، يراقب دخان سيجارته وهو يتصاعد ويتلاشى في الفراغ، وعيناه غارقتان في بحر من القلق.
2

اقترب منه ياسر وجلس بجانبه، ملامحه لا تزال تحمل بقايا فرحة الخروج، لكنه استغرب حال صديقه

=مالك يا عم حاتم؟ ده أنا قولت هترقص وتغني معايا للصبح، إيه اللي سرحك السرحة دي؟

نفث حاتم الدخان بضيق وقال

=قلقان على أمي أوي يا ياسر.

قطب ياسر جبينه وقال محاولاً طمأنته

=يا عم ما أنت لسه مكلم أختك في التليفون وطمنتك، وقالتلك إنها كويسة وزي الفل

أومأ حاتم برأسه بيأس وهو ينظر للأرض

=أيوه قالتلي.. بس أنا عارف جنة كويس، دي لو الدنيا اتهدت فوق دماغها هتخبي عليا عشان متزودش همي واتعب في حبستي دي.. قلبي مش مطمن.

تردد ياسر قليلاً، ثم قرر أن يفتح الموضوع الذي طالما أجله احتراماً لصداقتهما

=ما تقلقش، إن شاء الله خير.. بس، أنا خلاص خارج بكرة، ولحد دلوقتي رغم كل العيش والملح اللي بينا، أنا معرفش أنت جيت هنا في إيه؟ إيه القضية اللي رمتك الرمية دي؟

تجمدت ملامح حاتم، وشعر ببرودة تسري في جسده. نظر لـ ياسر بتوتر وخوف، صراع داخلي يمزقه؛ هل يخبره ويخسر آخر صديق له، أم يصمت؟ لكنه وجد نفسه مدفوعاً للاعتراف، فربما تكون هذه فرصته الأخيرة لقول الحقيقة

=اغتصاب..

سقطت الكلمة كالقنبلة في أرجاء الزنزانة الضيقة. تجمدت يد ياسر التي كانت تمسك بالسيجارة، واتسعت عيناه بصدمة لا توصف

=إيه؟!

ابتلع حاتم غصة مريرة وأكمل بصوت واهن

=زي ما سمعت.. قضية اغتصاب.. اغتصبت بنت، وأخدت فيها عشر سنين.

في تلك اللحظة، تبدلت ملامح ياسر تماماً. تلاشت نظرة الود والزمالة، وحل محلها قرف شديد واحتقار،وقف من مكانه بسرعة وكأنه لمس جمرة نار، ونظر لحاتم باحتقار وهو يصرخ بصوت خفيض مشحون بالغضب

— خخخخخ،وانا الي كنت مفكرك راجل! ازاي عملت كده؟

اعتلى الخجل ملامح حاتم،وهو يقول بأسف

=مكنتش في وعيي

=خخخ ياوعيي،ده الواحد بيكون شارب ومطين على دماغ ميتين امه وميقدرش يلمس واحده مش حباه ولا طايقه لمسته،ازاي سمحت لنفسك تاخدها غصب عنها ياخ*ل

نكس حاتم رأسه للأرض، ولم يعد يقوى على النظر في عيني ياسر التي كانت تشع وداً منذ دقائق وانقلبت الآن لنيران من الاحتقار. حاول حاتم أن يبرر بصوت مختنق

=صدقني يا ياسر.. أنا ندمان، ندمان لدرجة إني بتمنى الموت كل يوم.. الشيطان عماني، انا نفسي اطلع واعوضها عن كل ده قسما بالله واتأسفلها عن الي عملته ده كله

​بصق ياسر على الأرض بقرف وهو يلم أغراضه البسيطة من فوق سرير حاتم، وكأنه يطهرها من رجس المكان، وقال بنبرة حادة كالموس

=خخخخخ وانت مرة يلا مرة بتعلق غلاطتها على اي حاجه،شكلك متعلمتش الرجوله،عشان انت لو كنت راجل مكنتش بقيت فوق واحده مش عيزاك.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقف صلاح  في خارج الخيمه يمسك هاتفه بقبضة قوية وكأن العظام ستبرز من يده، وعروق رقبته نافرة من شدة الغضب.

صاح بصوت هادر هز أرجاء المكان

=يعني إيه يا روح أمك رجعت في كلامها؟ أمال أنا بعتك ليها ليه؟ عشان تفرجيها على جمال خطوتك؟
8

صمت للحظات يستمع للطرف الآخر الذي كان يرتجف خلف السماعة، ثم قاطعه بحدة وقسوة

=أنا مش عايز مبررات.. قولي إنك معرفتيش تنفذي اللي مطلوب منك وانتي خرصة! مش عايز أسمع صوتك!

أبعد الهاتف عن أذنه قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً يحاول فيه لجم غضبه، وعيناه تلمعان بتفكير شيطاني. أعاد الهاتف إلى أذنه وقال بنبرة هادئة لكنها أشد خطورة من صراخه

=كان نفسي أسيب الكارت ده حبة كمان محرقهوش دلوقتي.. بس تمام، اسمعيني كويس.. بكرة الساعة اتنين بالظبط تكوني عندها في البيت، أنتي فاهمة يا روح أمك؟ اتنين بالظبط.
1

لم ينتظر رداً، بل أغلق السكة في وجهها بعنف، ثم سدد ركلة قوية للرمل بقدمه، وكأنه يفرغ طاقة الغل الكامنة فيه، وزمجر بغضب

=وبعدين معاكي يا غدران؟ ليه مصممة على وجع القلب؟ ليه  مبتخليش الدنيا تمشي سهلة.
2

أخرج هاتفه مرة أخرى، وحاول الاتصال برقم مسجل باسم عمي أيمن لكن الهاتف كان يعطي جرس الانقطاع. زفر صلاح بضيق ونظر إلى شاشة الهاتف بتوعد وقلق مكتوم

=وأنت كمان يا عمي.. اللي معرفش عنك حاجة ولا بترد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقف صلاح  في خارج الخيمه يمسك هاتفه بقبضة قوية وكأن العظام ستبرز من يده، وعروق رقبته نافرة من شدة الغضب.

صاح بصوت هادر هز أرجاء المكان

=يعني إيه يا روح أمك رجعت في كلامها؟ أمال أنا بعتك ليها ليه؟ عشان تفرجها على جمال خطوتك؟

صمت للحظات يستمع للطرف الآخر الذي كان يرتجف خلف السماعة، ثم قاطعه بحدة وقسوة

=أنا مش عايز مبررات.. قولي إنك معرفتيش تنفذي اللي مطلوب منك وانتي خرصة! مش عايز أسمع صوتك!

أبعد الهاتف عن أذنه قليلاً، وأخذ نفساً عميقاً يحاول فيه لجم غضبه، وعيناه تلمعان بتفكير شيطاني. أعاد الهاتف إلى أذنه وقال بنبرة هادئة لكنها أشد خطورة من صراخه

=كان نفسي أسيب الكارت ده حبة كمان محرقهوش دلوقتي.. بس تمام، اسمعيني كويس.. بكرة الساعة اتنين بالظبط تكوني عندها في البيت، أنتي فاهمة يا روح أمك؟ اتنين بالظبط.

لم ينتظر رداً، بل أغلق السكة في وجهها بعنف، ثم سدد ركلة قوية للرمل بقدمه، وكأنه يفرغ طاقة الغل الكامنة فيه، وزمجر بغضب
1

=وبعدين معاكي يا غدران؟ ليه مصممة على وجع القلب؟ ليه  مبتخليش الدنيا تمشي سهلة.
3

أخرج هاتفه مرة أخرى، وحاول الاتصال برقم مسجل باسم عمي أيمن لكن الهاتف كان يعطي جرس الانقطاع. زفر صلاح بضيق ونظر إلى شاشة الهاتف بتوعد وقلق مكتوم

=وأنت كمان يا عمي.. اللي معرفش عنك حاجة ولا بترد.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1

فتحت صبا باب الغرفة خلف رشيد وكأنها تدخل إلى قبرها بإرادتها، كانت الغرفة فاحشة الثراء، فخمة الأثاث، لكنها في نظرها بدت كزنزانة خانقة،التفت إليها رشيد وعيناه تلمعان بشهوة صريحة ووقاحة لم يحاول مداراتها، وقال وهو يخلع سترته
1

=نورتي بيتك يا ست البنات.. دي أوضتنا.

وقفت صبا في مكانها، تبلع ريقها بغصة مريرة كادت أن تخنقها، شعرت ببرودة تسري في أطرافها رغم دفء المكان، وأحست أن أنفاسها تضيق تدريجياً،لاحظ رشيد جمودها وملامح وجهها الممتقعة، فاقترب منها وسألها بنبرة مريبة

=إيه؟ الأوضة مش عجباكي ولا إيه؟

حاولت صبا استجماع شتات نفسها، ونفت برأسها وهي تتجنب النظر في عينيه، وقالت بصوت مرتجف

=لأ.. لأ إزاي؟ دي جميلة أوي.. تسلم إيدك.

ابتسم رشيد بسماجة، ومد يده يمررها على كتفها نزولاً بذراعها في حركة جعلت شعر جسدها يقف رعباً، وبدأ يقترب من وجهها بأنفاسه الثقيلة، فاستجمعت قوتها المتبقية وقالت بتوتر

=مش.. مش هنرتاح الأول من تعب الطريق؟ وبعدين أنا محتاجة أغير هدومي، لسه مش مستوعبة المكان.
1

توقف رشيد قليلاً، ثم ابتعد وهو يضحك ببرود وكأنه يمنحها مهلة قصيرة قبل الصيد

=عندك حق.. ارتاحي وغيري هدومك براحتك، وأنا هنزل أقول للخدم يحضرولنا حاجة حلوة كدة ناكلها الأول.. عايزك فايقة.

بمجرد أن خرج رشيد وأغلق الباب خلفه، انهار الحصن الزائف الذي كانت تبنيه. سقطت صبا على الأرض، وانفجرت في بكاء هستيري مكتوم وهي تضم جسدها بيديها، ثم وضعت يدها على بطنها بحماية، وكأنها تخبئ طفلتها من وحوش العالم.

رفعت بصرها نحو الفراغ، وتخيلت طيف حاتم أمامها، فنادته بقلب محروق

=الحقني يا حاتم.. بالله عليك الحقني! أنا مش عايزة أكون كدة، مش عايزة أبيع نفسي عشان أعيش.. الحقني يا حاتم، أنا بضيع!
1

كانت صرختها مكتومة في صدرها، تتناثر دموعها على سجاد الغرفة الفاخر، وهي تدرك أن المسافة بينها وبين من تحب أصبحت أبعد من مجرد جدران سجن، بل أصبحت مسافة من الانكسار الذي قد لا يُجبر أبداً
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

= قسمًا بالله يا أنس لو ملميتش إيدك لهسيبك تلبس لوحدك وهمشي!

قالت غدران وهي تبعد يديه عن جسدها بينما تساعده في ارتداء قميصه، ليقول ببراءة مصطنعة

= هو أنا عملت حاجة؟ ما أنا محترم أهو!

أمسكت يديه التي كانت تمر على صدرها وقالت بغضب

= وإيدك دي مش تبع الاحترام؟

نفى لها وهو ينحني عليها حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الحائط

= لأ، أصل أنا إيدي بتعشق السفالة، وبالذات مع حتة طرية شبهك.

شهقت بصدمة وهي تقول بلا تصديق

= أنا حتة طرية يا أنس؟
3

انحنى عليها يقبل مقدمة صدرها وهو يقول بخبث

= وأحلى حتة يا قلب أنس.

ابتسمت غدران رغماً عنها، وشعرت بحرارة أنفاسه تخترق مسامها، مما جعل دقات قلبها تتسارع بجنون. حاولت أن تتماسك وهي تضع كفيها على كتفه العريض لتبعده قليلاً، وقالت بصوت هادئ يحاول اصطناع الجدية

= بطل بقى يا أنس.. مش بتقول متأخر على الشغل؟ وبعدين أنت لسه قايلي إنك هتفهمني كل حاجة، ولا عايز تشغلني عشان أنسى؟

رفع أنس رأسه ونظر في عينيها بنظرة غامضة امتزج فيها العشق بمرارة الأسرار، ثم تنهد بعمق وهو يشدها إليه أكثر ويحتضن خصرها، وقال بنبرة انخفضت حتى أصبحت همساً

= أنا لو عليا عايز أحبسك جوه حضني ده ومخليش حد يشوفك غيري، ويولع ميتين أم الشغل! الكذب اللي كذبته عليكي كان عشان أحميكي مش عشان أخدعك.. صدقيني يا غدران، أنس اللي قدامك ده هو الحقيقة الوحيدة في حياتي، أما الاسم والورق فدول مجرد حكاية تانية هحكيها لك لما يجي وقتها.

لمست غدران وجهه بحنان، وكأنها تفتش عن الصدق بين ملامحه، وقالت بعتاب رقيق

= بس أنا مش عايزة أعيش في حكايات، أنا عايزة أعيش معاك أنت.. من غير خوف، ومن غير ما أحس إن في حد ممكن ييجي في ثانية وياخدك مني أو ياخدني منك.
قبّل باطن يدها بعمق وقال بوعد قاطع

= محدش هيقدر ياخدك مني طول ما فيا نَفَس، وحياتك عندي لأعمل المستحيل عشان نعيش أنا وأنتي في أمان.. بس خليكي جنبي، وخليكي واثقة فيا حتى لو الدنيا كلها قالت عليا إني شيطان.

في تلك اللحظة، رن جرس الباب لتقول غدران بابتسامة

= أكيد دي نوال.

= هي مين نوال اللي بقت تنط لك كل يوم دي؟

قالها وهو يسير معها للخارج، لترد بابتسامة

= دي جارتنا بس بنت كويسة أوي، بتيجي تقعد معايا وتونسني لغاية ما تيجي.

نظر لها باهتمام وهي تذهب لفتح الباب، وسألها

= هي اسمها إيه بالكامل؟

= معرفش يا حبيبي والله.

قالتها وهي تفتح الباب لنوال وترحب بها، ليقترب منها هذا الوقح ويقبلها أمام نوال دون خجل، ثم غادر المنزل تاركاً نوال تنظر إليهما بحقد دفين.
بعد قليل من الوقت، انتهت غدران من إعداد العصير لتجلس بجانب نوال التي كانت تنظر إلى الهاتف كل دقيقة باهتمام، فقالت غدران باستغراب
5

= أنتي مستنية مكالمة أو حاجة؟

نفت نوال وهي تقول بقلق مصطنع

= لأ لأ.. مش مستنية حاجة.

فجأة، توالت أصوات الإشعارات من هاتف غدران الموضوع على الطاولة؛ نغمات متلاحقة تشير إلى وصول رسائل كثيرة في آن واحد. حاولت غدران تجاهل الأمر وهي تبتسم بهدوء

=لأ لأ مش مهم، تلاقيها عروض شركات أو رسائل عادية.

لكن نوال اقتربت بلهفة مريبة وقالت محرضة

= لا يا غدران، شوفي في إيه.. دي رسائل كتير ورا بعض، لتكون حاجة مهمة! افتحي شوفي.
1

اقتنعت غدران بكلمات صديقتها، ومدت يدها لتمسك بالهاتف. وما إن فتحت الشاشة حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ كانت صوراً ومستندات، صوراً لأنس مع امرأة أخرى وطفل، وأخباراً كثيرة قديمة عن زواجه وعائلته. سقط الهاتف من يدها على الأريكة، وبدأت أنفاسها تتلاحق بصعوبة قبل أن تنفجر في بكاء مرير وهستيري.
1

مثلت نوال الصدمة ببراعة، واقتربت منها بخبث وهي تضع يدها على كتفها

= في إيه يا حبيبتي؟ إيه اللي شوفتيه عمل فيكي كده؟

ردت غدران وهي تنهار، وصوتها يخرج ممزقاً من بين شهقاتها

=أنس.. أنس طلع متجوز ومخلف يا نوال!

شهقت نوال بقوة، ووضعت يدها على فمها بتمثيل متقن
1

= بتقولي إيه! متجوز ومخلف؟

سحبتها نوال إلى حضنها، وبدأت تهمس في أذنها بسمومها وهي تربت عليها

= مش قولتلك؟ مش قولتلك اللي يخبي اسمه أكيد مخبي وراه بلاوي تانية؟ أهو طلع مخبي مصايب.. يا ترى مخبي عليكي إيه تاني؟ وناوي يعمل فيكي إيه هو ومراته؟

رفعت غدران رأسها وعيناها غارقتان في الدموع وقالت بضياع

= أنا مصدومة أوي.. بجد مش عارفة هو إزاي يعمل فيا كده؟ ده لسه واعدني من دقايق إنه هيحميني! ليه كسرني الكسرة دي؟

نظرت إليها نوال بنظرة انتصار حاولت مداراتها خلف قناع الشفقة وقالت

= شوفتي عشان تعرفي إن كان عندي حق؟ وإنك لازم تسمعي كلامي وتفوقي لنفسك قبل ما يرميكي رمية الكلاب؟

مسحت غدران دموعها بضعف وسألتها

= أسمع كلامك إزاي؟
أمسكت نوال يد غدران بقوة وضغطت عليها وهي تقول بنبرة حاسمة

= لازم تنزلي اللي في بطنك ده فوراً.. متبقيش هبلة وتربطي نفسك بعيل من راجل خاين وكذاب، اخلصي منه عشان تعرفي تاخدي حقك وتخرجي من الورطة دي وأنتي واقفة على رجلك!
ووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
بخطواتٍ واثقة تطحن الرخام تحتها، دخل أنس العطار إلى الشركة، وخلفه يسير وائل بابتسامةٍ باردة، كانت نظرات أنس تفيض بالغطرسة، لا يلتفت يمينًا أو يسارًا، بينما كانت همسات الموظفين تتعالى باستغراب من هيبة هذا الداخل وقوة حضوره.

استقلا المصعد وصولًا إلى الطابق الثلاثين، حيث يقع عرش صلاح المرسي. بمجرد خروجهما، اعترض طريقهما أحد رجال الأمن الضخام، الذي وقف بسماجة قائلًا

=ممنوع يا أستاذ.. الدور ده خاص بصلاح بيه، وهو مش موجود دلوقتي.

توقف أنس، رمقه بنظرة احتقار من أسفل قدميه إلى أعلى رأسه، ثم مال برأسه قليلًا قائلًا بنبرة فحيح

=قولت إيه يا حيلتها؟ أصل مسمعتش كويس.

وضع الرجل يده في جيبه بتكبر، ورد بتحدٍ

= بقولك يلا من غير مطرود.. ده دور صلاح بيه وهو مش هنا.

تعالت ضحكة ساخرة من بين شفتي أنس، وخطا خطوة واحدة جعلته في مواجهة الرجل مباشرةً، وأنفاسهما تتصادم

=ده دور صلاح بيه.. مش كدة؟

أومأ الرجل بصلف، وقبل أن يرمش، هوت صفعة عنيفة من يد أنس على وجهه، صفعة من قوتها أطاحت برأس الرجل جهة اليمين وسمع دويها في الرواق كله، بينما صرخ أنس بحدة
5

=كـ*** أنت وصلاح يابن المـره!
3

صُعق الرجل وهو يضع يده على وجنته التي اشتعلت، وبلمح البصر جذبه أنس من ياقة قميصه بقوة كادت تخنقه، وقال بلهجة آمرة

=هعديهالك المرة دي عشان متعرفنيش.. بس بعد كدة مش هعديها، أنت فاهم؟

هز الرجل رأسه بذعر وخوف شديد، فدفعه أنس للخلف بقرف،صمت أنس لثانية وكأنه يفكر، ثم فجأة أمسك بيد الرجل التي كانت في جيبه، وطلبت عظامها تحت ضغطه العنيف بكسرة احترافية، لتنطلق صرخة ألم مزقت سكون الدور.
قال أنس وهو يلقيه أرضًا كالجثة الهامدة

=وده عشان تتعلم إن أنس العطار محدش بيقف قدامه وهو حاطط إيده في جيبه!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
أكمل طريقه ببرود نحو مكتب السكرتارية،هناك، كانت تقف فتاة ترتدي فستانًا يكشف أكثر مما يستر، تنظر إليهما بذهول.
نظر إليها أنس بلسانٍ لاذع

=هستنى إيه من ابن الوسـ*** ده يعني.. إمام جامع؟
1

ابتسم وائل بشهوة وهو يتفحصها

= بس طلع ذوقه حلو ابن المـ***.. ده شكل الشغل هيحلو أوي!

ثم التفت الى أنس قائلًا بمداعبة

=خليها تدخلنا كمان شوية تدلعنا.. قصدي تشغلنا؟
6

رد أنس  بمزاح وقح وهو يهم بدخول المكتب

=جاي في أي مبولة أنت! لا يا عم أنا بطلتها مش ناقصة نجاسة.
3

دخل أنس المكتب، بينما اقترب وائل من السكرتيرة المذعورة التي سألت برعشة

= أنتو مين؟

أجابها وائل بسخرية قذرة وهو يميل عليها

=سيبك من الأسئلة اللي ملهاش لازمة دي.. وقوليلي بوقك بيستحمل لكام سنتي؟
4

صدمت الفتاة

=يعني إيه؟

اقترب أكثر حتى لامست أنفاسه وجهها

= إيه.. مأكلتيش أيس كريم قبل كدة؟ وبالذات لو بالكريمة!

كان على وشك تقبيلها، حين جاءه صوت أنس الصاخب من الداخل

= تعالالي هنا يابن الهايجة!
6

دخل وائل بسرعة، ليجد أنس يكسر صور صلاح وأيمن المعلقة، ويبعثر محتويات المكتب بجنون،سأله وائل

= بتدور على إيه؟

=دور معايا على أي ورق لتجارة المخدرات هنا ولا هنا.

=وليه التعب ده؟

=طلع منها مرتين، وده معناه إن مهما عملت هيعرف يطلع.. لازم ألاقي ورق عليه إمضته عشان يلبسها.

بدأ الاثنان في قلب المكتب رأسًا على عقب، حتى صرخ أنس بانتصار وهو يرفع ورقة

=أهي!

هرع إليه وائل ونظر للورقة بذهول

=أخيرًا.

وضع أنس الورقة في جيبه ببرود

=ليها وقتها.. ودلوقتي، صورة بقى يا حبيب أخوك.
2

أشار وائل لعينيه

=من عيوني يا غالي.. وبورتريه كمان.

وقف أنس في منتصف المكتب المهشم وسط حطام صور صلاح، والتقط له وائل الصورة،فقال أنس بلهجة المنتصر

=تنزلها وتكتب عليها تم ضم شركات المرسي لشركات العطار،بعد تعرضهم للأفلاس، الخبر ده لازم يملى السوشيال ميديا النهاردة.

= عيوني.

وهما يهمان بالخروج، تذكر أنس شيئًا فالتفت لـوائل

=صح.. في بت كدة عايزك تدور وراها، اسمها نوال مصطفى المحمدي.. عايز كل حاجة عنها قبل بكرة، أنت فاهم؟
4

غمز له وائل  بثقة

=بالليل هيكون تاريخ أمها كله قدامك يا بوص
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت صبا تغالب النوم في فراشها، لكن القلق كان ينهش صدرها كوحش كاسر، نامت بجسد مرتجف، تهرب من واقعها إلى كوابيس أرحم، ولكنها لم تنعم بالهدوء طويلًا؛ إذ شعرت فجأة بلمسات غليظة تتجول فوق جسدها، وقبلات ثقيلة ومقرفة تطبع على عنقها وصدرها.
5

فتحت عينيها بفزع، لتجد راشد جاثمًا فوقها، وعيناه تلمعان بشهوة حيوانية، همس بخشونة

=أنا مش اتفقت معاكي تستنيني أخلص مكالمة متناميش؟

انهارت صبا من داخلها، شعور بالرعب الممزوج بالقرف اجتاح كل ذرة في كيانها. حاولت دفعه بيديها المرتجفتين وهي تتلعثم

=استنى.. استنى بس يا راشد بيه..

لم يعرها اهتمامًا، بل استمر في محاولات تجريدها من ثيابها بعنف، متجاهلاً توسلاتها، أغمضت عينيها بقوة، تحاول الهروب من الواقع، وفجأة لاحت أمام عينيها صورة حاتم وجهه، ضحكته، أمانه. في تلك اللحظة صرخت بانهيار

=لا.. لا مش عايزة! مش عايزة!

وبقوة نابعة من قمة يأسها، دفعته بكل ما أوتيت من عزم، ليتراجع عنها ويسقط بجانبها على الفراش. تحولت شهوته في ثانية إلى غضب أعمى؛ قبض على خصلات شعرها بعنف وجذب رأسها للخلف قائلًا بصوت كالرعد

=بتزقيني أنا يا روح أمك؟ أنتِ اتجننتي؟!
1

انهمرت دموعها بغزارة وهي تتوسل بنبرة محطمة

=بالله عليك.. بالله عليك سيبني، أنا مش هعرف أعمل كدة.. مش قادرة!

لم يرحم ضعفها، بل هوى بصفعة قوية على وجهها أدارت رأسها، وصرخ بوضاعة
2

=عملالي فيها شريفة ياروح أمك؟ هو أنا جايبك من جامع يابت؟ ده أنا جايبك من كباريه!

استمرت في الانهيار والنشيج، بينما أكمل هو بنبرة تقطر سمًا

=مش كفاية إني مستحمل بلوتك اللي في بطنك دي كمان؟

=مش قادرة.. مش قادرة أعمل كدة!
1

جذب شعرها بقوة أكبر حتى صرخت ألمًا، وهمس بفحيح مقزز

=مش بمزاجك يا روح أمك.. أنا دافع فيكي قد كدة عشان تعدلي لي مزاجي، يعني تعملي شغلك صح وتخرسي!

رماها على السرير بعنف شديد، فصرخت بخوف وهي تضم ذراعيها حول بطنها المنتفخة، تحمي جنينها من غدره. نظر إليها بضيق وقرف، وهو يعدل ثيابه قائلًا

=عكرتي لي مزاجي الله يعكر مزاجك.. نسوان غم!
3

خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بعنف. بمجرد أن تأكدت من ذهابه، انتفضت صبا كالمجنونة، جرت نحو الباب وأغلقته بالترباس وهي تلهث، ثم انهارت خلفه على الأرض، وانفجرت في بكاء مرير، تحتضن بطنها وتشهق بصوت مسموع، وكأنها تبكي ضياعها وعمرها الذي سُحل بين كباريهات الشوارع وقسوة البشر.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تجلس على طرف الفراش، جسدها يرتجف ويدها تقبض على شريط البرشام بقوة كأنها تمسك بجمرة نار،بجوارها كوب الماء ينتظر، وفي أذنيها يتردد صدى صوت نوال لازم تنزليه يا غدران.. العيل ده لو جه هيربطك بيه طول العمر.
1

بأصابع مرتعشة، ضغطت على الشريط لتخرج الحبة، وضعتها في كف يدها واستجمعت شتات شجاعتها لترفع الكوب.
2

لكن فجأة انفتح الباب ودخل أنس،تجمدت الدماء في عروقها، واتسعت عيناها بصدمة وهي تخفي يدها خلف ظهرها بسرعة البرق،اقترب منها أنس بخطوات وئيدة، وعينه تشتعل بالشك
1

=مخبية إيه ورا ضهرك يا غدران؟

نفت برعب، وصوتها يخرج متحشرجاً

= مفيش.. مش مخبية حاجة.

لم يقتنع، بل زاد إصراراً وهو يمد يده

= مفيش إزاي؟ وريني إيدك.. وريني مخبية إيه!

قالت بغضب يائس محاولة دفعه

=قولتلك مفيش يا أنس!

لكنه كان أقوى منها، أحكم قبضته على معصمها وجذب يدها بالقوة، لتسقط علبة البرشام وتنكشف الحبة في كفها، نظر أنس للأشياء باستغراب، التقط العلبة وأخرج هاتفه يبحث عن الاسم بسرعة، بينما هي تقف أمامه كالعصفور المبلل ينتظر الذبح.
1

توقف إصبع أنس عن التمرير، ورفع عينه نحوها بصدمة زلزلت كيانه.

=خخخ برشام إجهاض؟! أنتِ عايزة تسقطي؟
4

أومأت برأسها بعنف، وصرخت بانهيار وهي تحاول جذب يدها منه

= أيوه! أيوه عايزة أسقط.. إيه مالك مصدوم كدة ليه؟ أنا مش عايزة عيال منك!

طبق أنس يده على البرشام حتى تهشم في كفه من فرط الغضب، واقترب منها بفحيح مرعب

= ومش عايزة تخلفي مني ليه؟

ضحكت بسخرية مريرة، والدموع تحرق وجنتيها

= لا والنبي بلاش البراءة دي عشان مش لايقة عليك.. أيوه مش عايزة أخلف من واحد شبهك.. واحد كداب وخاين وغشاش! واحد ميعرفش عن الرجولة حاجة عشان يمشي يخبي في نفسه زي الكلاب الـ...

لم تكمل جملتها، إذ هوى بكفه على وجهها بصفعة قوية أسكتتها، ثم جذبها من ذراعها بعنف وقال بصوت كالرعد
4

=أنا أرجل من عيلتك كلها يا بت الـ***!
2

مرر يده بخشونة فوق بطنها وتابع بحقد

=ولو نسيتي، ده يشهد يا روح أمك..

ثم أجبرها بجذب مفاجئ أن تنظر إلى الفراش وصرخ

= وصريخك على السرير ده يشهد!

حاولت الابتعاد عنه بكل قوتها وهي تصرخ في وجهه

= آه.. ما هو ده اللي أنت فالح فيه! هي دي الرجولة بالنسبالك الكيف وبس غير كدة متعرفش.. عشان أنت لا تعرف أصول ولا رجولة!
6

استجمع أنس كل ذرة صبر فيه لكي لا يفتك بها وهي حامل، وزعق بحدة

=غدران!!

بصقت بتبجح وسخرية في صدرها على صدره قائلة

=لا والنبي خوفت.. هموت من الخوف! أوعى إيدك دي.. وتطلقني أنت فاهم؟ تطلقني! عشان مروحش عند مراتك التانية وابنك وأفضحك قدامهم!

توسعت عينا أنس بصدمة ألجمت لسانه.. كيف عرفت؟ من أين أتت بهذه الحقيقة التي ظن أنها دفنت؟ سأل بنبرة منخفضة ومريبة

=أنتِ جبتي الكلام ده منين؟

ردت بغضب وصراخ

= ملكش دعوة! المهم إني عرفت قذارتك!

هجم عليها وجذبها من كتفيها وهو يصيح بجنون

=غدران اخلصي!! عرفتي الكلام ده منين؟!

زاغت عيناها بتوتر نحو هاتفها الملقى على الكومود، التقط أنس الإشارة فوراً، اندفع نحو الهاتف وفتحه، ليجد رسالة من رقم مجهول تحتوي على كل تفاصيل حياته السرية.

شتم بغضب مكتوم وهو يضع الهاتف في جيبه، والتفت نحو الباب دون أن ينظر إليها.
3

خرج من الغرفة كالريح، متجاهلاً صراخها الهستيري ونداءاتها، وبمجرد خروجه من الشقة، أغلق الباب بالمفتاح من الخارج، تاركاً إياها حبيسة جدران وصدمات لا تنتهي
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
على شاطئ البحر، حيث تعانق الأمواج الرمال في سيمفونية هادئة، جلست حليمة تراقب طفلها حسن وهو يلهو بمرح مع صديقته الصغيرة ملك،كانت أشعة الشمس تنسل بنعومة لتنعكس على صفحة المياه، بينما جلس ونيس بجوارها، يختلس النظر إليها من خلف نظارته الشمسية بهيامٍ لم يستطع إخفاءه، وكأن جمال المشهد الطبيعي لم يكن سوى خلفية لجمالها هي

قطع  ونيس حبل الصمت قائلًا بنبرة هادئة

=بس الجو جميل أوي النهاردة.

ابتسمت حليمة برقة وهي تتابع بعينيها الصغار، وأجابته بتأييد

=فعلاً، الجو جميل جداً.. كويس إننا جينا ومفوتناش السفرية دي

اتسعت ابتسامة ونيس وهو يشعر بانتصار صغير، فقال بمداعبة

=شوفتي بقى؟ عشان متسمعيش لدماغك بعد كدة وتفكري في الاعتذار.

أومأت برأسها في خجل، والابتسامة لا تزال ترتسم على ثغرها، قبل أن يقطع خلوتهما حسن وهو يركض نحو والدته لاهثًا

=ماما.. أنا عايز أيس كريم!

لم تتأخر ملك هي الأخرى، إذ ركضت نحو والدهاوالده وقالت بحماس

= وأنا كمان يا بابا.. عايزة أيس كريم!

همت حليمة بالنهوض قائلة

=خلاص، خليكم مكانكم وأنا هروح أجيب للولاد.

لكن ونيس اعترض بسرعة وحزم لطيف

= لا لا، خليكي مرتاحة.. أنا هروح بسرعة مش هتأخر.

حاولت حليمة الرفض مرارًا، إلا أنه صمم على الذهاب، ممسكًا بيد الصغيرين ليتجه نحو المتجر القريب.

مرت دقائق قليلة، وبينما كانت حليمة تجلس وحدها، اقترب رجل غريب وجلس بجوارها دون استئذان، وبدأ يلقي بكلمات الغزل الوقحة.

=هو الغزال قاعد لوحدو كده ليه؟

نظرت له حليمة من اسفله الى اعلاه وهي تقول بغضب طفيف

=انت مجنون ولا ايه؟ انت ازاي تقعد جمبي كده؟

عض الشاب على شفتاه،وهو يقول بخبث

=عندك حق انا مجنون، بس هكون مجنون اكتر لو سبت الفرسه دي لوحدها وخيالها موجود وهيموت ويركب

حاولت حليمة صده بنظرات حادة وكلمات مقتضبة، محاولة الحفاظ على هدوئها كي لا تلفت الأنظار وتتسبب في مشكلة وسط الزحام.

في تلك اللحظة، كان ونيس يراقب المشهد من بعيد، اشتعلت النيران في صدره وهو يرى الرجل يتودد إليها، فاقترب بخطوات واسعة وغاضبة،ومع اقترابه، التقطت أذناه الكلمات الوقحة وجهها الرجل لـحليمة، هنا فقد ونيس السيطرة تمامًا.
انقض ونيس على الرجل كالإعصار، وسدد له ضربة قوية وهو ينهال عليه بالسباب والشتائم.

=الفرسة دي تبقى امك يا ابن الوسخة

ارتبكت حليمة وحاولت جاهدة جذبه بعيدًا وهي تصرخ بصوت مكتوم

=خلاص يا ونيس! سيبه عشان خاطر ربنا.. الناس اتلمت!

تجمع الناس حولهم، وهرع رجال الأمن لفض الاشتباك.،وهم يكبلون رافت ،أخرج هويته العسكرية قائلًا بحزم

=أنا ظابط.. وسعوا كدة!

تركوه الأمن سريعاً،وهم يقولون بإحترام

=احنا متأسفين جدا يافندم،احنا هنسلم الشخص ده للشرطه ووعد الي حصل ده مش هيتكرر تاني

اقتاد الأمن الرجل بعيدًا، لكن النيران لم تخمد في صدر ونيس التفت نحو حليمة وعيناه تقدحان شررًا، وزعق فيها بحدة

= إزاي تسمحي يقف جنبك ويقولك الكلام الوسخ ده؟ واقفة بتعملي إيه؟!
1

نظرت حليمة حولها بخجل شديد من نظرات المارة، وقالت بصوت منخفض ومضطرب

= ونيس.. الناس بتتفرج علينا، أرجوك اهدى.

انفجر ونيس غاضبًا، ولم يعد يرى أمامه

= ميتين أم الناس! ما تردي.. موقفتهوش عند حده ليه وفرجتي عليه الناس؟ ولا كان عجبك الكلام اللي بيقوله؟!
6

وقعت الكلمات على مسامع حليمة كالصاعقة،شحب وجهها وتصلبت نظراتها، ثم تحولت الصدمة إلى كبرياء جريح، نظرت إليه بحدة وقالت بنبرة قوية هزت كيانه

=أنت إزاي تسمح لنفسك تتكلم معايا بالأسلوب ده؟ أنت شكلك نسيت نفسك ونسيت إنك مش أكتر من أبو صاحبة ابني! يا ريت متتعداش حدودك معايا بعد كدة.

ثم انحنت وأمسكت بيد ابنها حسن الذي كان يراقب المشهد بخوف، وقالت بصرامة وزعيق

=يلا يا حسن.. قدامي!

تركت ونيس واقفًا في مكانه تحت تأثير صدمة كلماتها، ومضت بخطوات واسعة نحو الفندق، تاركة خلفها ضجيج الشاطئ وقلبًا يشتعل بالندم والغضب.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
4

وسط هدوء الصحراء الساكن، جلس صلاح داخل خيمة الشيخ سويلم، يتبادلان أطراف الحديث فوق السجاد البدوي المزركش، ورائحة القهوة العربية تفوح في الأرجاء،فجأة، شق صمت الجلسة رنين هاتف صلاح.

أخرج الهاتف بآلية، لكن ملامحه تصلبت تمامًا واتسعت عيناه بصدمة حين قرأ الاسم المكتوب عمي ايمن.

استأذن من الشيخ سويلم بكلمات مقتضبة ومرتبكة، وخرج من الخيمة مهرولاً ليتوارى عن الأنظار خلف الكثبان الرملية. فتح الخط بلهفة وصوت يرتجف

=عمي! أنت فين؟ وتليفونك كان مقفول ليه كل ده؟

جاءه صوت أيمن من الطرف الآخر، صوتًا مخنوقًا يقطر غضبًا ورعبًا

= أنا مستخبي من الرجالة اللي اتسلمت بسبب غبائك أنت والتعبان اللي ربيته معاك يا صلاح! المافيا الإيطالية قالبة الدنيا وعايزة تقتلني،فاكرين إن رجالتهم اتسلمت بسببي أنا!
2

شحب وجه صلاح، وسرى برود في أطرافه وهو يسأل بصدمة

= إيه؟! هو مش الموضوع خلص يا عمي مع الحكومة؟ والضربة عدت؟

رد أيمن بنبرة حادة ويائسة

= خلص مع الحكومة بس مخلصش مع المافيا! الناس دي مبترحمش.. لو ظهرت في أي حتة هيخلصوا عليا فورًا، أنا دلوقتي في حكم الميت بالنسبة لهم!

ابتلع صلاح ريقه بصعوبة، وبدأ الخوف الشخصي يتسلل إلى قلبه، فسأل بصوت خفيض

= طب.. طب وأنا يا عمي؟ أنا موقفي إيه؟

أجابه أيمن وهو يلهث

=أنت مالكش علاقة.. أنا اللي كنت بستلم منهم، وأنا اللي اسمي وصورتي معاهم.. أنت لسه في الأمان لغاية دلوقتي.

تنفس صلاح الصعداء بغير قصد، وشعر ببعض الطمأنينة تخفف ثقل صدره، لكنه سرعان ما استعاد نبرة القلق المصطنعة والتمثيل ليواري أنانيته

=طب وأنت يا عمي؟ هتعمل إيه في المصيبة دي؟ مش هينفع تفضل هربان كدة!

رد أيمن بإنهاك ومرارة

=مفيش قدامي حل غير إني أفضل مستخبي.. لازم أختفي تمامًا عن الأنظار الفترة دي لغاية ما أشوف سكة أخرج بيها من الورطة دي، اقفل دلوقتي يا صلاح وما تتصلش بيا تاني غير لما أنا أكلمك!

أغلق الخط، ووقف صلاحمكانه يحدق في رمال الصحراء، تتقاذفه مشاعر متضاربة بين رغبته في النجاة بنفسه وخوفه من انهيار الإمبراطورية التي بناها عمّه على جثث الآخرين.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1

دخل أنس إلى منزله بخطوات غاضبة، هاتفه ملتصق بأذنه، وصوته يقطع صمت البيت كالسياط

= وائل، أنا عايز كل المعلومات عن الرقمين دول في أسرع وقت، أنت فاهم؟ مكانهم وأساميهم.. ومعاهم نوال اللي قولتلك عليها، عايز كل حاجة تخصها.. تمام، هستناك. سلام.

أنهى المكالمة ليجد غدران تقف أمامه، عيناها تقدحان شرراً

=أنت بتحبسني يا أنس؟ هو أنا مسجونة عندك؟

نظر إليها ببرود قاسٍ وأجاب

=اه مسجونة طول ما أنتِ غبية كدة، وسايبة الكل يضحك عليكي، هتفضلي محبوسة.
3

ضحكت غدران بسخرية مريرة

=عندك حق.. مكنش ينفع أثق في أي كلب معدي كدة.

ارتفعت يد أنس ليلطمها، لكنه قبض عليها في الهواء بقوة، وتحول غضبه نحو أقرب شيء إليه، فقام بلكم مرآة معلقة بجانبه، تهشمت المرايا وتناثرت قطعها، وبدأ الدم يسيل من يده بغزارة، بينما صرخ بجنون

=غدراااااان! تلاشيني يا غدران عشان ربنا وحده اللي يعلم أنا ماسك نفسي عنك إزاي!
3

رغم خوفها الذي ارتجف له قلبها، ونظراتها التي تعلقت بيده النازفة، إلا أنها تماكتت وقالت بتحدٍ

= إيه؟ مالك؟ ما تضربني.. ما أنت عملتها قبل كدة!

ثم اشتعلت الغيرة في عينيها حين تذكرت الاسم

=وبعدين عايز تعرف كل حاجة عن نوال ليه؟ عايز تضحك عليها هي كمان؟

رغم غضبه وتنفسه المرتفع، ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة وشقية

= أه اي رأيك.. مش يمكن هي ترضي تخلف من واحد شبهي؟
1

اشتعلت النار في صدر غدران، وهجمت عليه تضربه وتدفعه من صدره بجنون

=أنت إنسان حقير وزبالة! طلقني.. طلقني عشان مخلعكش! طلقني!

لم يتحمل أكثر، هجم عليها وقبلها بعنف وحش، عاضاً شفتيها بقوة حتى أطلقت صرخة ألم وامتزجت دموعها بدمائه، وحين ابتعد عنها وهو يلهث، صرخت فيه ببكاء

=بكرهك.. أنا بكرهك! ابعد عني وطلقني بقى.. أنت إيه؟ معندكش دم؟ أنا مش عايزاك!

شعر بكلماتها كخنجر يمزق قلبه، لكنه تجاهل كل شيء، حملها بين ذراعيه بقوة وخرج من البيت تحت صراخها وتخبطها.

=نزلني يا انس،بقولك نزلنيي بقى الحقونيييييي

وضعها في السيارة وقاد بسرعة جنونية وهي تصيح وتبكي، حتى وصل بها إلى فيلته.

دخل الفيلا وهو لا يزال يحملها، وسط ذهول والدته التي وقفت تسأل بصدمة

= في إيه يا أنس؟ مين دي؟

تجاهلها تماماً وصعد إلى الطابق العلوي، رمى غدران على السرير، وخرج وأغلق الباب بالمفتاح من الخارج، نزل الدرج بخطوات غاضبة، فأوقفته والدته مرة أخرى

= مين دي يا انس؟ رد عليا! وإزاي تحبسها كدة؟

صرخ في وجهها بغضب مكتوم لم يسبق له مثيل

=أمااااااااه! أنا فيا اللي مكفيني،ابوس ايدك سيبني في حالي!
4

وغادر المنزل تاركها تنظر في اثره بصدمه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد الصمت أرجاء الفيلا الفخمة، وكان الظلام يتخلله ضوء خافت منبعث من بعض المصابيح الجانبية، كانت صبا تتسحب بخطوات حذرة، تمشي على أطراف أصابعها والقلب يقرع صدورها كطبلٍ حربي، استغلت غرق راشد في نومه العميق، وتوجهت صوب مكتبه، المكان الذي يخبئ فيه أسراره وأمواله.

دخلت المكتب وأغلقته خلفها بهدوء، بدأت تبعثر الأوراق وتبحث في الأدراج بلهفة وقلق، تهمس لنفسها لازم ألاقي أي حاجة تخرجني من الجحيم ده  فجأة، وقعت عيناها على الخزنة الحديدية القابعة في ركن المكتب، لمعت عيناها بفرحة يائسة، اقتربت منها وبدأت تحاول تجربة بعض الأرقام أو العبث بالقفل، لكن فجأة، انشق ظلام الغرفة بضوءٍ باهر.

تجمدت صبا في مكانها حين سمعت الصوت الذي يطاردها في كوابيسها
1

= بتسرقيني يا بت الكلب؟
1

كان راشد واقفاً عند الباب، ملامحه مرعبة وعيناه تقدحان شرراً. تراجعت صبا للخلف وهي ترتجف برعب

= راشد بيه.. أنا.. أنا كنت..
لم يترك لها فرصة، انقض عليها كالفهد وجذبها من خصلات شعرها بعنف، فصرخت بانهيار

= أنا آسفة! أنا آسفة قسماً بالله ما هكررها!

لكنه كان قد فقد السيطرة، بدأ ينهال عليها بصفعات قوية هزت كيانها، وهو يصرخ بوحشية
1

=دي غلطتي إني جبت كلبة من الشارع وعملت لها قيمة!

رماها على الأرض وبدأ يركلها في كل أنحاء جسدها، ولم يسلم منها حتى جنينها؛ فقد وجه لها ركلات قاسية نحو بطنها المنتفخة كانت صبا تصرخ من شدة الألم، تحاول حماية بطنها بيديها المرتجفتين.

=خلاص خلاص ابوس ايديك كفاية،ارحمني ابوس ايدك.

=بقى هي دي غلطتي،بتعضي الايد اللي اتمدتلك يابت الكلب.

وفي لحظة دفاع عن النفس، استجمعت ما تبقى من قوتها ودفعت ساقه بقوة، فاختل توازنه وسقط أرضاً.

نظرت حولها بذعر، وقعت عيناها على مزهرية كريستالية ثقيلة، التقطتها بكلتا يديها وهوت بها على رأسه بكل ما تملك من قهر،أطلق راشد صرخة مكتومة قبل أن يسقط جثة هامدة، وبدأت الدماء تسيل بغزارة من رأسه.
1

شهقت صبا من الخوف، تراجعت وهي تنظر ل يده التي سكنت، وانفجرت في بكاء هستيري،لم تضع وقتاً، قررت الهروب فوراً.

خرجت من الفيلا تجري في الشوارع المظلمة، كانت تضع يدها على بطنها التي تعتصرها آلام مخاضٍ مبكر وعنيف، وشعرت بمياهٍ غزيرة تنهمر على ساقيها.
1

كانت تجري وتتعثر، والوجع يمزق أحشاءها، حتى رأت ضوء محل صغير في نهاية الشارع، توقفت أمامه وهي تلهث وتقبض على بطنها، وجهها شاحب كالموتى، نظر إليها صاحب المحل بفزع وقد أشفق على حالتها المزرية، فأسرع نحوها. قالت بصوت متقطع

= أرجوك.. التليفون.. محتاجة مكالمة واحدة.. أرجوك!

مد لها الرجل الهاتف بيده المرتجفة وهو يراقب حالتها بصدمة، بينما قبضت هي على الهاتف كأنه حبل نجاتها الوحيد.

في محل عم علي للأجهزة الكهربائية، كانت زنوبة تجلس وعلى وجهها علامات الضيق، بينما يجلس أمامها معتز يراقبها بنظرات خبيثة، يرفع لها حاجبيه بين الحين والآخر في حركات استفزازية جعلتها تزفر بضيق وغضب.

التفتت زنوبة لـعم علي قائلة بحدة وهي تضع المال

= ماشي يا عم علي، كدة يبقى وصلك نص الفلوس بالظبط.. أبلة غادة بتقولك النص التاني هتبعتهولك كله كمان يومين.

همت بالرحيل، لكن رنين هاتفها برقم غريب استوقفها. نظرت للشاشة باستغراب ثم فتحت الخط

= ألو.. مين؟

تجمدت ملامحها حين سمعت صوت صبا الباكي والمنهك من الألم، فصرخت بخوف

=صبا! مالك في إيه؟ صوتك عامل كدة ليه؟!

سكنت زنوبة لثوانٍ تستمع لما تقوله صبا، ثم اتسعت عيناها بصدمة وصرخت

= أنتِ فين؟ أنتِ فين طيب وأنا هجيلك حالاً!

استمعت للعنوان وهي تهز رأسها بتوتر

= طيب.. طيب خليكي مكانك، أنا هركب أول عربية وأجيلك.!

أغلقت الهاتف وانطلقت خارج المحل بسرعة البرق، ليركض معتز خلفها ويناديها

=استني يا بت.. تعالي أوصلك!

نظرت إليه زنوبة من أسفل لأعلى باحتقار وتخطته دون رد، لكنه اعترض طريقها ووقف أمامها

=هو أنا بقولك هدخل عليكي؟ بقولك تعالي أوصلك بدل ما تتبهدلي في المواصلات!

تجاهلته مرة أخرى وحاولت العبور، لكن معتز وبحركة مفاجئة، حملها بين ذراعيه وسط صراخها المرتفع

=نزلني يا متخلف أنت! نزلني بقولك!
1

لم يعرها اهتماماً، وضعها في السيارة عنوة وركب بجانبها وانطلق وهو يسأل بجدية

= فين المكان؟ اخلصي!

رغم غضبها، قررت زنوبة إعطاءه العنوان خوفاً على حياة صاحبتها،انطلقت السيارة بأقصى سرعة حتى وصلوا للمكان، لتجد صبا جالسة على كرسي أحضره لها صاحب المحل وهي منهارة تماماً.

هرعت زنوبة نحوها واحتضنتها بلهفة

= صبا! صبا مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟

تمسكت صبا بملابس زنوبة وهي تشهق من شدة الوجع

=بموت.. بموت يا زنوبة.. الحقيني!

ترجل معتز من السيارة ونظر لحالة صبا، فصاح بفزع

= دي بتولد! لازم تروح المستشفى فوراً!

انتفضت صبا برعب رغم ألمها وقالت بضعف

= لا.. لا مستشفى لا! مش عايزة أروح مستشفيات.. أرجوكم!
1

استغرب معتز وزنوبة من رد فعلها، فقالت زنوبة بحيرة

= طيب لازم نشوف أي مكان تولدي فيه.. أنا هعرف أولدك، بس محتاجين مكان أمان.

رد معتز بسرعة

=تعالوا شقتي.. قريبة من هنا.

نظرت إليه زنوبة  بغضب وقالت بحدة

= أنت مالك أنت؟ بتتحشر معانا ليه؟

زفر معتز بضيق وصاح فيها

=هو ده وقت تناكتك أنتِ كمان؟! البنت بتموت في إيدينا!
2

وبدون انتظار، حمل صبا التي كانت تصرخ من الآلام التي تنهش أحشاءها، ووضعها في السيارة،جلست زنوبة بجوارها تحاول تهدئتها، بينما كانت صبا تقبض على يدها وتصرخ:

= مش قادرة يا زنوبة.. مش قادرة.. بموووت!

= معلش يا حبيبتي.. امسكي نفسك، قربنا خلاص.. اهدي يا صبا.

وصلوا إلى منزل معتز، فحملها وصعد بها إلى شقته ووضعها على الفراش بعناية،بدأت زنوبة فوراً في تعديل وضعية صبا والاستعداد لتوليدها، والتفتت لمعتز تأمره بحزم وهي تشمر عن ساعديها

= عايزة مية سخنة كتير، ومقص، وفوط نضيفة.. اخلص بسرعة مفيش وقت!

تحول جو الغرفة إلى ساحة معركة، ورائحة الخوف والترقب تملأ الأركان،دخل معتز مهرولاً بالمياه الساخنة والفوط، ووضعهما على الطاولة بجانب الفراش ويداه ترتجفان لأول مرة، بينما كانت زنوبة قد استعادت رباطة جأشها كأنها داية خبيرة، وشمرت عن ساعديها وهي تنظر لـ صبا التي كان وجهها يتصبب عرقاً وشحوباً.

​صرخت زنوبة في معتز وهي تدفعه للخارج

=اخرج بره يا معتز.

​خرج معتز وأغلق الباب، لتبدأ صرخة صبا المكتومة في الصعود من أعماق صدرها. أمسكت زنوبة يدها بقوة وقالت بنبرة حازمة

=بصي في عيني يا صبا.. اسمعيني كويس، مفيش وقت للضعف، أنتِ قوية.. خدي نفس طويل وادفعي لتحت بكل قوتك
1

​كانت صبا تغمض عينيها بقوة كأنها تعتصر الصخر، وصوت أنفاسها المتهدجة يملأ الغرفة، قالت بوهن وضياع

=مش قادرة يا زنوبة مش قادرة انا بموت

=هانت ياحبيبتي،يلا يلا ادفعي لتحت كمان.

قبضت صبا على حواف الفراش حتى كادت تمزقه، ووجهها تحول للون القرمزي وهي تدفع بكل قوتها، ثم ارتمت للخلف تنهج بضياع

= مش قادرة يا زنوبة.. روحي بتتسحب مني.. حاسة إن بطني بتنفجر!

​ردت زنوبة وهي تبلل فوطة صغيرة بماء بارد وتمسح بها على جبين صبا لتفيقها

=كام مره كمان، يلا الراس بدأت تبان اهي

أطلقت صبا صرخة طويلة مزقت سكون الشقة، صرخة ممزوجة بالغل والقهر والوجع، وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء ينزلق منها فجأة، ليعقبه شعور ببرودة مفاجئة وراحة غريبة سكنت أحشاءها.
1

​لم تنتظر زنوبة، سحبت الجنين بحذر، وكان جسده الصغير يغطيه مادة بيضاء ممزوجة بالدماء، لكنه كان ساكناً، ارتعبت صبا وهي تراه صامتاً، وسألت بوهن

= مالها؟ مبتصرخش ليه يا زنوبة؟ بنتي ماتت؟!
​لم ترد زنوبة، بل قلبت الصغير ونكست رأسه لأسفل، وضربت بظهر كفها على مؤخرة قدمه الصغير برفق وحزم،لتصرخ صبا بألم

=بنتي مبتعيطش ليه يا زنوبة بنتي مالها؟

مرة.. ثم الثانية.. وفجأة، شق صمت الغرفة صوت بكاء حاد، صرخة حياة ولدت من قلب الموت.
3

​ابتسمت زنوبة والدموع في عينيها، ورفعت الصغيره عالياً

=اهدي ياحبيبتي اهدي بنتك اهي يا صبا! بنت زي الفل.. صوتها يجيب التايه!

​أسرعت زنوبة بربط الحبل السري بقطعة خيط نظيفة ومغسولة بالماء المغلي، ثم قصته بالمقص الذي عقمته بالنار مسبقاً، وفعلت ذلك بجرأة وثبات، لفت الصغيره بفوطة بيضاء دافئة ووضعته فوراً في حضن صبا التي كانت بالكاد تفتح عينيها،وقالت ببكاء

=بنتي يا زنوبة

اومأت لها زنوبة وهي تساعدها في حمل الطفلة،لتتابع ببكاء

=بنتي انا وحاتم، حتة مني انا وهو، انا بقى في حاجة بتربطني بحاتم يا زنوبة
4

بكت زنوبة على حديث صديقتها،لتنظر صبا الى ابنتها وهي تقول ببكاء

=بس ياحبيبتي بس،متعيطيش ماما هنا ماما هنا ومش هتسيب اي حاجة وحشة تحصلك،ماما هتخلي بالها منك.
3

اغمضت عيناها وهي تستند على الفراش بتعب

=انا تعبانة اوي يازنوبة

=نامي ياحبيبتي،نامي وارتاحي انتي في امان متقلقيش.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جلس أنس خلف مكتبه الفخم، والدخان يتصاعد من سيجارته بكثافة تعكس غليان صدره، كان يزفر الدخان بعنف وكأنه يخرج نيران غضبه، حتى انفتح الباب ودخل وائل.

لم يمهله أنس فرصة للكلام، بل صاح به بغضب

= إيه يا وائل؟ ساعة عشان تجيب كلمتين؟!

اقترب وائل بأسف وهو يضع فلاشة وبعض الأوراق أمام أنس

=حقك عليا يا بوص، الطريق كان واقف.. اتفضل، دي أماكن الخطين، ودي تسجيلات المكالمات اللي جت للخطوط،الخطوط طلعت بتاعت صلاح المرسي.

بمجرد أن سمع أنس اسم صلاح، لمعت عيناه بشر

=هو ابن الوسـخة ده مستعجل على موته ليه؟

أمسك أنس التسجيلات وبدأ في سماع مكالمة أيمن وصلاح، ومع توالي الكلمات، ارتسمت على وجهه ابتسامة مرعبة، ثم التفت لوائل بجمود

=جهز عربيات ينفع تنزل الصحراء دلوقتي حالاً.. وخلي رجالتك مسلحة ومستعدة لأي غدر، أنت فاهم؟
1

أومأ وائل بطاعة وخرج لينفذ الأوامر،ظل أنس يفكر لثوانٍ، ثم أمسك هاتفه واتصل بأدهم جاءه صوت أدهم الضاحك

= ابن العـ*** اللي وحشني!

رد أنس بنبرة خالية من المشاعر

=أدهم.. عايزك في خدمة.

= رقبتي ليك يا غالي، أؤمر.

= في حد من عندك في إيطاليا عايز حد غالي عليا..

و المافيا اللي عندك بيدوروا عليه.

سأله أدهم باستغراب

= حد مين ده؟ ومين اللي عايزه بالظبط؟

وضع أنس سلاحه خلف ظهره وهو يتحرك في المكتب ببطء

=حد مش عايز روحه تطلع غير على إيدي أنا.. المافيا بيدوروا عليه، وأنا هدور معاهم برجالتي،كلملي المافيا هناك، قولهم أنس العطار هيجبهولكم، بس روحه تطلع على إيدي أنا.. والصفقة تتم بينا وبينهم.

استمع أدهم باهتمام، ثم رد بجدية

= اعتبره حصل.. هعمل اتصالاتي وأفهم الموضوع واصل لفين وأرد عليك.

= تسلملي يا عقرب.. سلام.

أغلق أنس الخط، ثم أجرى اتصالاً آخر بشخصٍ آخر جاءه الرد بصوت صعيدي غليظ ولهجة رصينة

= يا مرحب.. يا مرحب بالغالي، كيفك يا ولد العطار؟

=جبر.. عايزك في مصلحة، هيطلعلك منها قرشين حلوين.

هدر صوت جبر بولاء شديد

= رقبتي.. ومن غير فلوس واصل، ده أنت غالي ومن ريحة الغاليين.

= ده عشمي فيك برضه.. هبعتلك صورة راجل، عايز رجالتك تقلبلي عليه مصر كلها.. بس عايزة حي يا جبر، حي .. أنا عارف إن محدش هيعرف يوصل له في الجحور اللي مستخبي فيها غيرك.

رد جبر بثقة الصعايدة

= ابعت صورته يا خوي.. وقبل ما تغمض عينك النهاردة، هيكون راجض تحت رجليك كيف الكلب.. اعتبره في الجراب يا أنس.

= تسلملي يا جبر.. هبعتلك الصورة حالا.

أغلق أنس الهاتف، وعيناه تلمعان ببريق الانتقام، وهو يستعد لبدء رحلة الصيد الكبرى.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة غادة وجابر، كانت الأجواء صاخبة، الموسيقى الشعبية تملأ المكان، والبنات يتراقصن وسط سحب الدخان وضحكات الرجال المخمورين.

فجأة، وبدون سابق إنذار، تحطم باب الشقة بعنف، وانفجر في مكانه تحت ركلات رجال غلاظ،سكتت الموسيقى فوراً، وتعالت صرخات البنات والنسوة، بينما فرّ الزبائن في كل اتجاه كالفئران المذعورة.

دخل راشد، ووجهه يفيض بالشر، وقد لُفّ رأسه بضمادة بيضاء بدأت تظهر عليها بقعة دماء من أثر الضربة التي تلقاها من صبا،تقدم بخطوات ثابتة نحو جابر، وشهر سلاحه في وجهه مباشرة.

صرخ راشد بصوت غليظ

=صبا فين؟؟!

انتفض جابر برعب، ورفع يديه عالياً

=صبا؟ صبا إيه؟ هي مش معاك في الفيلا يا راشد بيه؟

هوى راشد بقبضة يده على وجه جابر، فسقط الأخير أرضاً، وزعق راشد
2

=أنت هتستعبط يا روح أمك؟ ما أنت اللي قايلها تسرقني وتخونني! وطبعاً لما خابت ومعرفتش تفتح الخزنة، هربت وجاتلك هنا.. اخلص وقولي هي فين!

شهقت غادة بصدمة، وضربت صدرها بيديها

=يا نهار أسود! سرقتك وهربت؟ والله العظيم ما نعرف عنها حاجة يا باشا!

التفت راشد لرجاله وأمرهم بصرامة

= اقلبوا الشقة دي.. فتشوا في كل ركن، تحت السراير وفي الدواليب.. عايزها حية أو ميتة!

بينما كان الرجال يعبثون بمحتويات الشقة، التفت راشد لغادةوسألها بحدّة

=وفين صاحبتها؟ زنوبةفين؟

ردت غادة ببكاء ونحيب

= طفشت.. سابتني وطفشت من يومين يا باشا، والله ما نعرفلها طريق!

ابتسم راشد ابتسامة صفراء تقطر سماً

= ده أنتم مخططينلها بقى.. واحدة تسرق وواحدة تطفش عشان تداري عليها!

عاد الرجال وقال احدهم بنبرة خائبة

=مش موجودة في الشقة يا باشا.. قلبناها ومفيش لها أثر.

استشاط راشد*غضباً، وعروق رقبته برزت بشدة، صرخ فيهم

=يعني إيه مش في الشقة؟ أومال هتكون فين؟

ثم وجه نظراته لغادة وجابر اللذين كانا يرتجفان كأوراق الشجر في مهب الريح، وقال لرجاله ببرود مرعب

=روقوهم.. عايزكم تمسحوا بيهم الأرض لغاية ما يعترفوا  البت دي فين.. اخلصوا!
3

أومأ الرجال بطاعة، واقتربوا من غادة وجابر الذين بدأوا يصرخون ويتوسلون، لكن الضربات بدأت تنهال عليهم بلا رحمة، لتتحول سهرة الكباريه إلى ساحة تعذيب ودم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

انطلقت سيارات أنس تشق رمال الصحراء بسرعة جنونية، يتقدمها  أنس وبجانبه  وائل الذي يراقب جهاز التتبع بدقة، توقفت السيارات فجأة أمام مضارب خيام قبيلة الشيخ سويلم، وبمجرد التوقف، ترجل رجال أنس وبدأوا يطلقون النار في الهواء بكثافة، في استعراض قوة أرعب السكون الصحراوي.
1

خرج الشيخ سويلم من خيمته بهيبة ووقار، وخلفه عشرات الرجال المسلحين الذين التفوا حوله، وبلهجة عرباوية  أصيلة قال

=وش عاد هالحس يا ولد؟ ومن أنت حتى تدوس طرفنا ببارودك؟ وش جابك لمضاربنا وعلامك تروع الحريم والورعان؟

ترجل أنس من سيارته بخطوات ثابتة، واقترب من الشيخ قائلاً بجمود

=جيت آخد حاجة بتاعتي عندك يا شيخنا.. وما يصحش حاجة "العطار" تبات في حضن غيره.

أشار أنس لرجاله، فاقتحموا خيمة الشيخ بسرعة يبحثون عن صيدهم. هتف سويلم  بغضب

=مالك عندنا شيء! ولا نعرفك ولا عمرنا سمعنا بك.

ابتسم أنس ببرود

=دلوقتي هتعرف ليا عندك إيه يا شيخنا.

خرج رجال أنس وهم يجرون صلاح المرسي الذي كان يرتجف ذعراً، وقف سويلم في طريقهم وسلّ خنجره قائلاً بحزم

=هذا ضيفي.. ودخل في ذمتي، وما أسلمه لك بهالطريقة وأنا حي! العرب ما تخون الدخيل.

كاد رجال أنس أن يهجموا على الشيخ، لكن أنس رفع يده بإشارة حازمة ليوقفهم، اقترب من الشيخ سويلم حتى وقف أمامه مباشرة، وقال بصوت هادئ ومؤثر

=مقدر كلامك وأصولك يا شيخنا، والضيافة على راسي.. بس اللي أنت بتحميه ده كان حابس مراتي وبيعذب فيها، وسرق ورثها وشقا عمرها.. مش بس كدة، ده بعت لها واحدة تضحك عليها وتخليها تقتل ابنها اللي في بطنها وتسقط نفسها!

اتسعت عينا سويلم بذهول، فأكمل أنس بمرارة

=ده غير إن الفلوس اللي سرقها منها راح اشتغل بيها في السموم والمخدرات، وهربان من الحكومة وجاي يتدارى عندك.. بعد كل ده، لسه شايفه ضيفك يا شيخ العرب؟ لسه شايف إن الع** اللي بيستقوى على النسوان يستاهل الحماية؟

وقع الكلام كالصاعقة على سويلم، نظر لصلاح باحتقار شديد وهو يرى الرعب والخسة في عينيه. تراجع الشيخ خطوة للخلف، وأغمد خنجره قائلاً بشموخ

=حاشا لله.. العرب ما تحمي نذل ولا تستر خاين.. كلامك مابه غلط يا ابني، خذه.. وربنا ينتقم منه ويرجع لك حقك، الدخيل اللي مثله ما له عندنا إلا القبر.

ابتسم أنس ابتسامة قسوة مرعبة، وأشار لرجاله الذين انقضوا على صلاح كالكاسر، وألقوه في مؤخرة السيارة كأنه جثة هامدة، وانطلقت القافلة عائدة وهي تثير الغبار خلفها، تاركة صلاح لمصيره الأسود على يد أنس.
وووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
انفتح باب المخزن القديم الموحش بقوة، ليدخل أنس بخطوات واثقة، يجر خلفه صلاح الذي كان مقيد اليدين، يرتجف رعبًا، وعيناه تائهتان من الخوف،كان أنس يدفعه بعنف، وخلفه يسير وائل ببرود برفقة رجاله المدججين بالسلاح.

في زاوية المخزن، كانت نوال مقيدة ومكممة الفم، ترتجف وهي ترى المشهد أمامها، ألقى أنس بـصلاح تحت قدميها مباشرة، ثم قال بسخرية تقطر سماً
1

=شوفتي؟ جبتلك مين عشان ما تبقيش لوحدك.. ده صلوحة جه يونسك!
1

اتسعت عينا نوال برعب وهي تنظر لصلاح، بينما خلع أنس سترته ببطء وألقاها أرضًا، ثم اقترب من صلاح بخطوات بطيئة وغضب مكبوت، وقال بصوت خافت مرعب

= استعجلت على موتك يا صلوحة.. كنت ناوي أسيبك تلعب شويه كمان شوية، بس انت الي استعجلت على نفسك.

بلع صلاح ريقه بصعوبة، وحاول التماسك رغم ارتعاش صوته

=أنت بتعمل كل ده ليه؟ أنا ما جيتش جنبك ولا أذيتك.. ولا تكون بتعمل كده عشان حبيبة القلب؟ بس اللي ما تعرفوش إن حبيبة القلب دي استعمالي، وأنا دايقها كتير أوي قبلك.
2

تغير وجه أنس تماماً، احتقن بالدم وانفجر بركان غضبه، هجم على صلاح كالأفعى، وأمسك بتلابيبه يصرخ في وجهه بجنون:
1

= ده أنا هفشخ امك هنا يا ابن الشـ....!

انهال أنس باللكمات على وجه صلاح وصدره، صرخات صلاح المكتومة تعالت، بينما أنس يزأر
1

=ده أنت أمك اللي العالم كله دقها لحد ما خر*** وسع من كتر الدق يا ابن العـ....!

ضربات أنس كانت متتالية، قوية، كأنها تفريغ لغضب سنين. توقف فجأة وأمر رجاله

= فكوه!

بعد أن فكوا قيوده، فك أنس الرباط الذي كان يغطي يديه النازفه بسبب جرح زجاج المرآة ، وما إن تحرر صلاح حتى حاول الغدر بـ أنس والاعتداء عليه، لكن أنس كان أسرع، أطاح به أرضاً وصرخ فيه بسخرية

= دافع عن نفسك يا دكر! يلا! ولا أنت ما بتعرفش تشطر إلا على النسوان اللي شبهك؟

ظلت نوال تراقب المشهد برعب شديد، وهي تسمع صوت ارتطام اللكمات بجسد صلاح، حتى سقط صلاح مغشياً عليه، وجهه كتلة من الدماء المتجلطة، تنفس أنس بحدة، ثم صرخ في رجاله
1

=يتربط جنب الشـ... دي!

التفت إلى وائل وسأل بحدة

= جبت الحاجة؟

أومأ وائل بالإيجاب، وأخرج علبتين من الأقراص الطبية. رمى أنس العلب لرجاله وقال بصوتٍ لا يقبل النقاش

= البرشام ده تدوه للوسخة دي، نص حباية الصبح والنص التاني بالليل.. لغاية ما جسمها ينزف ويجيب آخره، ولما تجيب آخرها خالص، هاتولها دكتور يشيل الرحم!
2

انطلقت صرخات مكتومة من نوال خلف كمامتها، بدأت تتحرك بعنف في قيودها، فاقترب أنس منها بضحكة قاسية، أمسك شعرها بقوة ورفع رأسها لتلتقي نظراته المرعبة بنظرات توسلها

= أحمدي اللي خلقك يا مرة.. لأن أنس العطار ما بيضربش نسوان، بس دوقي اللي كنتِ عايزة تدوقيه ليها.. نفس نوع البرشام، ونفس اللي كان هيحصلها هيحصلك.

كانت نوال تبكي بحرقة وتنتفض يميناً ويساراً، بينما رمى أنس العلبة الأخرى للرجال وأشار إلى صلاح الملقى أرضاً

= وده.. تدوه للخـ** اللي في الأرض ده، عشان يبقى خـ** فعلاً.. ما يعديش يوم من غير ما ياخد جرعته، فاهمين؟!
3

قال اخر حديثه بصراخ ليرد الرجال سريعاً

=فاهمين يابوص
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان الظلام يلف زنزانة السجن الضيقة، والهدوء والسكينة يخيمان على المكان، لا يقطعهما سوى غطيط المساجين المستغرقين في النوم،تسلل حاتم بخطوات متهالكة نحو الحمام في عتمة الليل، يبحث عن لحظة خلوة يغسل فيها همومه، وفجأة، وبلا مقدمات، انشقت عتمة الحمام عن أربعة رجال أشداء، انقضوا عليه كالكوابيس، وشلوا حركته تمامًا بعد أن أحكموا قبصاتهم الغليظة حول جسده.
1

تجمدت الدماء في عروق حاتم من الصدمة، واهتزت أركانه، لكن كبرياءه سارع بالانتفاض،بدأ يتلوى ويدفعهم بكل ما أوتي من قوة، صاخبًا بصراخ مكتوم هادر

=أنتم مين يا ولاد الـعر*؟ ابعدوا عني!

في تلك اللحظة، انقشعت الظلال عن وجهٍ مألوف، وجهٍ يقطر غلًا وتشفيًا إنه عطوة، الغريم القديم الذي تجرأ حاتم عليه في أول أيام دخوله الى السجن. كان يقف واضعًا يديه في جيبيه، قبل أن يخرج سكينًا صغيرة يلمع نصلها تحت ضوء المصباح الشاحب، مرتسمة على شفتيه ضحكة ساخرة باردة، وقال بنبرة تملأها الشماتة

=مش كنت تعمل حساب اللحظة دي يا بن بابي ومامي؟ أهو ياسر خرج.. وحقي هاخده منك دلوقتي!

اشتعلت النيران في صدر حاتم، وتملكه غضب عارم أنساه الخوف،تضاعفت قوته وهو يحاول الفتك بالرجال الممسكين به، وصاح في وجه عطوة بصوت يملأه الصياح والتحدي

=أنا مش مستني حد أتحامى فيه يا عـر*! لو دكر بصحيح خلي رجالتك دي تسيبني، ونتعامل راجل لراجل يا ابن المـ****!

احتقن وجه عطوة بغضب أعمى، وعروق رقبة نَفَرت برغبة عارمة في الانتقام، واهتزت نبرة سخريته لتتحول إلى فحيح قاتل وهو يقول

=أنت لسه هتقاوح يا روح أمك؟!

ولم يكد يُنهي جملته حتى غرس السكين بقسوة في بطن حاتم،انطلقت من حنجرة حاتم صرخة ألم مزقت سكون الليل، لكن قبل أن تصل الصرخة إلى مسامع الزنزانة، انقضت يد غليظة من ورائه لتكتم فمه بعنف.
1

توالت الطعنات؛ واحدة، فاثنتان، فثلاثة، فأربعة... عطوة يطعن بحقد أعمى، وحاتم يتلوى بين أيديهم، يصرخ صرخات مكتومة تذوب في حلقه، بينما كانت دماؤه تتدفق بغزارة متسربة على الأرضية الباردة، مستنزفة آخر ما تبقى له من قوة، حتى خانته قواه تمامًا وخر ساجدًا ثم منبسطًا على الأرض كجثة هامدة.
1

تراجع الرجال الأربعة بوجل، ونظر أحدهم إلى جسد حاتم الساكن، ثم التفت إلى عطوة قائلًا بهمس مرتجف

=خلاص يا معلم.. ده شكله خلص خالص!
2

وقف عطوة يتأمل ضحيته بنظرة تقطر تشفيًا، ثم انحنوا وتفل على جسده الملقى في دمائه، وقال بمرارة مسمومة

=ده جزاء اللي ييجي على عطوة المر يا روح أمك!
1

ركل عطوة جسد حاتم الهامد بطرف حذائه، ثم أدار ظهره وخرج بخطوات سريعة يتبعه رجاله، تاركين حاتم مرميًا على الأرض الباردة، يصارع أنفاسه الأخيرة في ظلام الحمام الدامس.

كانت تتحرك بخطوات هادئة وسط جنة خضراء تفيض بالحياة، مروج ممتدة لا تقع العين على آخرها، وأشجار تتراقص أوراقها مع نسمات هواء عليلة، كانت صبا تسير بفسانها الأبيض الناصع الذي يتماهى مع طهر المكان، تاركة خصلات شعرها الأسود مفرودة تتطاير خلفها بحرية، في أحضانها، كانت تحمل وليدتها التي أبصرت النور لتوها، تضمها بوهن دافئ،التفتت حولها، عيناها تتسع بذهول واستغراب شديدين؛ المكان ساحر، غامض، وهي لا تفهم أين هي، ولا كيف وصلت إلى هنا.

فجأة، انشقت الأشجار لتلمح جسدًا مألوفًا يقف على مسافة منها،إنه حاتم، يرتدي ثيابًا بيضاء ناصعة كبياض فستانها.

تلاقت أعينهما، وما إن رأته حتى تحركت نحوه بلهفة، وفي اللحظة نفسها، اندفع هو الآخر يجري نحوها وعيناه تشعان شوقًا.

التقيا في منتصف المرج الأخضر، اقتربت منه وأمالت ذراعيها قليلًا لتُريه قطعتها الصغيرة، وهمست بنبرة يملأها الحب والوعود
1

=بنتنا.

نظر حاتم إلى الطفلة النائمة، وانفرجت أساريره عن ابتسامة دافئة هزت كيانه، وقال بصوت هامس يحمل نبرة إعجاب وحنو

= غزال..
ابتسمت «صبا» بوعود حانية، وأومأت برأسها موافقة على الاسم، ثم ارتمت في أحضانه تبحث عن أمانه،لكن، في لمحة عين، تبددت السكينة؛ شعرت ببرودة غريبة تسري في جسده، وتراجعت خطوة لتتحول ابتسامتها إلى فزع مميت، الثياب البيضاء الناصعة بدأت تتشرب الدماء بسرعة مرعبة، البقع الحمراء القانية تتسع وتلتهم البياض، وهو ما زال يبتسم لها بذات الدفء!
2

ابتعدت عنه وهي ترتجف، لتجده ينزف من كل أنحاء جسده، تهاوى جسده أمامها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، متمسكًا بابتسامته وهو يهمس بضعف

=بحبك.. خلي بالك من نفسك أنتِ وغزال..

سقط جثة خامدة على العشب الأخضر الذي تلطخ بدمائه، فانفجرت صرخة مدوية من أعماق صدرها مزقت سكون المكان
1

=حاتــــم!

فتحت عينيها بحدة، والصرخة لم تنقطع بل امتدت لتملأ أركان الغرفة المظلمة، كانت تنتفض على الفراش بجنون، وعرق بارد يغرق وجهها وهي تصرخ بهستيريا مريعة

= حاتم!.. حاتم!

انتفضت زنوبة الفتاة المستلقية على الأريكة المجاورة، وقامت مفجوعة على صوت الصراخ المرعب، هرعت نحو الفراش، وأمسكت بكتفي صبا تحاول تثبيتها وهي تقول بذعر ولهفة

=بس بس.. اهدي، اهدي في ايه؟ اهدي يا صبا اهدي ده حلم بس!

لكن صبا لم تكن في وعيها، كانت غارقة في تفاصيل الكابوس، وجسدها يرتجف بعنف وهي تواصل صراخها الخارق

= حاتممم!.. حاتممم!

وعلى وقع هذا الصراخ الهستيري، انطلقت صرخة أخرى صغيرة حادة؛ استيقظت الطفلة الرضيعة مفزوعة من صوت أمها وبدأت تبكي بحدة، حاولت زنوبة احتواء الموقف، فجذبت صبا إلى أحضانها تطبطب على ظهرها بقوة وتدعو

= بس بس يا حبيبتي بس.. صلي على النبي مفيش حاجة اهدي، اهدي ده حلم.
1

بدأت أنفاس صبا المتهدجة تهدأ تدريجيًا، واستحالت صرخاتها إلى شهقات متقطعة وموجعة، وهمست بصوت مبحوح والدموع تغرق وجهها

=بنتي.. عايزة بنتي يا زنوبة.

تحركت زنوبة بسرعة فائقة، حملت الصغيرة الباكية من مضجعها وعادت بها فورًا، لتضعها برفق شديد في أحضان أمها وهي تطمئنها

=أهي أهي يا حبيبتي، أهي كويسة أهي.. اهدي بالله عليكي متقلقيش، اهدي.

ضمت صبا ابنتها إلى صدرها بقوة وعنفوان الأمومة، تبكي بصمت وتطبع قبلات مرتعشة على رأسها الصغير حتى بدأت الصغيرة تهدأ، وحينها نظرت إليها زنوبة وقالت بنبرة حانية

= رضعِيها يا حبيبتي دي جعانة.. أنتِ من ساعة ما ولدتي من ساعتين نايمة وهي محتاجة تاكل.

أومأت صبا برأسها بوهن، وأزاحت ثيابها ببطء ثم قربت الصغيرة من صدرها لترضعها،وما إن التقمته الطفلة، حتى أطلقت صبا آهة متألمة وغمضت عينيها بشدة

=ده بيوجع يا زنوبة.. بيوجع أوي!

طبطبت زنوبة على كتفها بأسى ومواساة

= معلش يا حبيبتي، هي بس أول كام مرة.. معلش استحملي.

مررت صبا أصابعها المرتجفة على شعر ابنتها التي كانت ترضع بلهفة وجوع شديدين، وامتزجت دموعها بابتسامة باهتة وهي تقول

=أنا عشانها استحمل أي حاجة.
2

ابتسمت «زنوبة» برقة ودعت لها

= ربنا يخليهالك يا حبيبتي يارب.

ثم تفرست في ملامح الصغيرة وتابعت

= واخدة ملامح أبوها..

اتسعت ابتسامة صبا الممزوجة بالوجع، ونظرت لوليدتها بحب جارف وقالت

= شكلها مصممة تفكرني بأبوها..
1

تنهدت زنوبة بتعب وضيق، وظهرت معالم القلق على وجهها فجأة وقالت

= دلوقتي احنا في مشكلة..

انقبض قلب صبا ورفعت عينيها بقلق، لتتابع زنوبة

= احنا لسه مسجلنهاش، وعشان نسجلها لازم أبوها يعرف يا صبا.

في تلك اللحظة، اهتزت صبا بعنف، وضمت ابنتها إلى صدرها بقوة كأنها تحميها من خطر داهم، وبدأت تبكي بنفي قاطع ومذعور

= لا لا.. هياخدها مني، هياخدها مني يا زنوبة.. هيحرمني منها وهيأخدها مني!
1

انفجرت في البكاء مجددًا، فهدأتها زنوبة بسرعة وهي تمسح على رأسها

= اهدي اهدي يا حبيبتي، محدش هيقدر يأخدها منك.

قالت صبا بنبرة يملأها الرعب الوجودي

=أنا خايفة أوي.. خايفة يحرمني منها.
1

حاولت زنوبة بث الطمأنينة في قلبها قائلة

= يا حبيبتي محدش يقدر يأخدها منك..

صمتت زنوبة لبرهة تفكر بعمق، ثم لمعت في رأسها فكرة فقالت

=طب بقولك إيه؟ إيه رأيك لو روحتي للظابط.. اسمه إيه ده اللي ساعدك؟ أعتقد إن هو أحسن واحد هيساعدك ويقف جنبك.

نظرت إليها صبا بنظرات حائرة ومفكرة، وسألت بتردد

=تفتكري؟

أومأت زنوبة برأسها بثقة

= أكيد.. بصي، أنتِ ارتاحي كده وتقدرى تقفي على رجلك ونروحلو.

أومأت صبا موافقة، لكنها فجأة التفتت حولها تتفحص الغرفة الغريبة بنظرات متسائلة، وقالت

=هو احنا فين؟

ردت زنوبة مفسرة

= احنا في شقة معتز.. بصراحة الولا ده طلع راجل برغم إنه مكنش باين عليه خالص، من ساعة ما جينا واطمن إنك ولدتي وهو مشي وسابلنا الشقة، وكل شوية كده بيرن على الأرضي يطمن.
2

قطبت صبا جبينها باستغراب وقالت

=معتز مين؟

أجابتها زنوبة ببساطة

=معتز ده يبقى ابن أخو الراجل اللي خالتك اللي ربنا يولع فيها مشترية من عنده الأجهزة الكهربائية، مانتِ لما كلمتيني أنا كنت عندهم بدفع القسط.

سكتت زنوبة فجأة، وكأنها تذكرت الأمر الأهم، فتقربت من صبا بملامح يملأها الفضول والخوف وقالت

=إلا صحيح يابت أنتِ إيه اللي حصلك؟ وكنتي عاملة كده ليه؟ ده أنتِ رعبتيني عليكي!

تسمرت صبا في مكانها، واجتاحتها موجة من التوتر والرعب، وبدأت تقص عليها تفاصيل ما حدث بصوت مرتعش، وما إن أنهت كلامها، حتى لطمت زنوبة على صدرها وصرخت بصدمة

=يا نهار أسود!.. يا نهار أسود! ومات؟!
2

قالت صبا بخوف شديد وهي تحضن ابنتها التي غفت أخيرًا في أحضانها

=معرفش.. معرفش يا زنوبة، أنا أول ما شوفتو سايح في دمو جريت!

لطمت زنوبة خدها مجددًا بذهول

=يا نهار أسود.. يا نهار أسود عليا وعلى اللي خلفوني! عشان كده مكنتيش عايزة تروحي المستشفى؟ خوفتي يقبضوا عليكي هناك؟

أومأت صبا برأسها وعيناها تفيضان بالرعب،ساد الصمت لثوانٍ بدت كالأعوام، كانت زنوبة تفكر بقلب نابض من الخوف، ثم حاولت التماسك وقالت

= طب اهدي اهدي، وأنا هحاول أتصرف.. أول حاجة لازم نعرف هو عايش ولا ميت، وقدم فيكي بلاغ ولا لأ.

سألتها صبا بضعف وقلق

=وهنعرف إزاي؟

ردت زنوبة بمحاولة لإظهار القوة

= دي سيبيها عليا أنا هعرفلك.

أومأت صبا بقلق وعيناها معلقتان بوجه ابنتها النائمة في سلام، أرادت زنوبة تغيير مجرى الحديث لتخرجها من تلك الدوامة السوداء، فقالت بنبرة ألطف

= هتسميها إيه؟ احنا لغاية دلوقتي مسمينهاش.

نظرت صبا إلى وجه ابنتها الصغير، وارتسمت ملامح الحلم الذي رأته لتوها في مخيلتها، وقالت بيقين وهدوء

= غزال.. هسميها غزال.

ابتسمت زنوبة من قلبها وقالت

= حلو أوي يا صبا.. ربنا يباركلك فيها يارب يا حبيبتي.

همست صبا بخشوع

= يارب..

نظرت إليها زنوبة بفضول مشوب بالشفقة وسألتها

=كنتي بتحلمي بإيه صحاكي مصروعة كده؟

تطلعت إليها صبا، ومع شريط الذكريات المرعب الذي مر بعقلها، رقرقت الدموع في عينيها وهزت رأسها بنفي قاطع وقوي

=مش عايزة أفتكر.. مش عايزة أفتكر يا زنوبة.. بس يارب يكون حلم.. يارب يكون حلم بس!

دوت صرخات صفارات الإنذار الحادة لتشق سكون ليل السجن المرعب، بينما امتلأت الممرات بقعقعة أحذية الحراس المتراكضة، وسط الفوضى العارمة، كان جسد حاتم ممددًا فوق حمالة الإسعاف، وجهه شاحب كالأموات وثيابه ملطخة بدم قانٍ يتدفق من أثر الطعنة الغائرة في جسده، والمسعفون يهرعون به نحو سيارة الإسعاف القابعة في الفناء الخارجي، والضوء الأحمر والأزرق يتردد على وجهه الغائب عن الوعي.

في تلك الأثناء، داخل عنبر الزنزانة، كان التوتر قد بلغ ذروته، وقف الضابط وعيناه تتطايران شررًا، يذرع المكان جيئة وذهابًا، وصوته يجهر بالوعيد وهو يصرخ في المساجين الواقفين بوجوه جامدة

=مين اللي عمل كده؟ انطقوا!

ساد صمت رهيب، ولم يجرؤ أحد من المساجين على تحريك رمش أو نطق حرف، فكل منهم يعلم ضريبة الاعتراف في هذا المكان،أثار هذا الصمت جنون الضابط، فالتفت فجأة إلى العسكري الواقف خلفه، وزعق بحدة وعصبية مفرطة

=العنبر ده كله يتفتش حتة حتة.. حتى المساجين قلعهم وفتشهم، أنت فاهم؟!

ضرب العسكري حذاءه بالأرض بقوة مؤديًا التحية العسكرية بدقة، وهتف بصوت جهوري

=تمام يا فندم!

التفت الضابط مجددًا نحو المساجين، ونظر إليهم بنظرات يحرقها الغيظ والاشمئزاز، ثم صرخ في وجوههم قبل أن يغادر العنبر بعصبية

=هتجيبولنا المصايب.. منكم لله!

في مستشفى السجن، وتحديدًا أمام غرفة العمليات، كان الضوء الأحمر مضيئًا، يبعث في النفس الرهبة، بالداخل، خاض الطاقم الطبي معركة شرسة لوقف النزيف الحاد وإصلاح ما مزقته الطعنة في أحشاء حاتم.

بعد ساعات طالت كأنها دهر، انطفأ الضوء الأحمر، وخرج الطبيب يجر خطواته المتعبة وهو يخلع كمامته الطبية،كان الضابط بانتظاره في الممر، فتقدم نحوه بسرعة وعلامات القلق والترقب تكسو وجهه، وسأله بلهفة

= ها يا دكتور؟ التقرير إيه؟ طمني عايش؟

تنهد الطبيب بتعب، ونظر إلى الضابط بملامح جادة وهو يجيبه

=الحمد لله، قدرنا نلحقه في آخر لحظة ونوقف النزيف الداخلي، الطعنة كانت قريبة جدًا من الكلى ولحسن حظه مجتش في شريان رئيسي، بس الجرح كان غويط وبسبب النزيف الكتير اللي نزفه دخل في حالة صدمة وعائية.
2

=هقدر استجوبو امتى؟

صمت الطبيب لبرهة ثم تابع بنبرة تحذيرية

=هو حاليًا هيتنقل الرعاية المركزة تحت الملاحظة لغاية ما يفوق ويعدي مرحلة الخطر، لأن النبض لسه مش مستقر.. وممنوع عنه أي استجواب أو كلام نهائي دلوقتي لغاية ما حالته تستقر تمامًا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

وقفَتْ صفصف أمام باب الغرفة، كمرجلٍ يغلي من الغضب، وعروق وجهها بارزة تنبض بالغيظ، التفتتْ إلى الخادمة الواقفة بوجل، وصاحت بها بنبرةٍ حادة هزت أركان الممر

=هاتي يا بت!

خطفت المفتاح الاحتياطي من يد الخادمة المرتجفة بحركة سريعة، ودستْه في قفل الباب تديره بعنف،فتحت الباب على مصراعيه ودلفت إلى الداخل كالإعصار، لتجد غدران مستلقيةً على السرير، بجسدٍ ضئيل منهدّ، وعينين شاردتين في الفراغ، وقد تجمعت الدموع على خدودها مستقرةً فوق وجهٍ شاحب، وعينين متورمتين من فرط البكاء المستمر،
انتفضت غدران فزعة من مكانها ما إن لمحت ذلك الطيف الغاضب يقف أمامها، ووقفت على قدميها المرتعشتين، وقالت بصدمة وصوتٍ مبحوح متحشرج

=إنتي مين؟!

رمقتها "صفصف" بنظرة نارية من أسفل لأعلى، وقالت بجهارة مستنكرة

=انا مين؟أنا أم اللي جابك هنا ياختي.. إنتي اللي مين؟!
2

ابتسمت غدران بمرارة وسخرية تقطر وجعاً، وأجابتها وهي تحبس دموعها

= أنا مرات اللي جابني هنا!

شهقت صفصف بقوة، وضربت صدرها بكفها وهي تصيح بذهول وغيظ

= هو إنتي؟! آه يا خرابة البيوت.. إنتي اللي خليتيه يطلق مراته ويرمي ابنه؟!
2

اتسعت عينا غدران بصدمة ألجمت لسانها لثوانٍ، وسألت بنبرة كاد قلبه يتوقف فيها

= إيه؟! طلقها؟!

ردت عليها صفصف بسخرية وغضب عارم

=آه ياختي، اتمسكني اتمسكني واعملي فيها مصدومة! بصي يا بت إنتي، أنا مبحبش كيد وخبث البنات ده، إنتي فاهمة ولا لأ؟!
2

ارتسمت على شفتي غدران ابتسامة ساخرة من وسط دموعها، وقالت بنبرة مكسورة

= كيد؟ يا ريتني أعرف الكيد والخبث.. كنت عرفت حقيقة ابنك ومكنتش اتجوزته!

اشتعلت صفصف حميةً وحرقةً على ولدها، وصاحت مدافعة

=وهو إنتي كنتي تطولي يا بت؟! ده ابني ده سيد الرجالة وألف من يتمناه!
2

لم تحتمل غدران كثرة الضغوط، فانهارت قواها تماماً، وجلست على طرف السرير تبكي بنحيبٍ مرير يمزق الصدر، وقالت وهي تشهق

=ما أنا حبيته.. حبيته بس هو اللي كدب عليا.. هو اللي استغل ضعفي وحبي ليه!

أمام هذا الانهيار الصادق، بدأ قلب صفصف القاسي يلين رغماً عنها، وشعرت بوخزة من الحنو تشق طريقها وسط غضبها، اقتربت منها وجلست بجوارها على الفراش، وقالت بنبرة حاولت جعلها غاضبة بتمثيلٍ غير متقن
1

= إنتي بتعيطي بجد يا بت ولا بتمثلي؟!

رفعت غدران عينيها المحمرتين، ونظرت إليها بنظرة انكسار بالغة وازداد بكاؤها اشتعالاً، زفرت صفصف بضيقٍ غلبه التعاطف، ومدت يدها وجذبتها إلى حضنها قائلة

=طب خلاص.. خلاص متعيطيش.

قالت غدران وهي تشهق وسط أحضانها

= أنا مش خرابة بيوت.. قسماً بالله أنا مش خرابة بيوت! أنا مكنتش أعرف إنه متجوز ومخلف.. هو ضحك عليا!

تراجعت صفصف إلى الخلف بصدمة، وعقدت حاجبيها قائلة

=إيه؟! ضحك عليكي إزاي؟!

مسحت غدران دموعها بكف يدها وتابعت بروح مجهدة

=هو كان شغال عند صلاح ابن عمي، وصلاح ابن عمي كان حبسني عشان يسرق ورثي، وهو لما عرف أنقذني منه.. وأنا حبيته واتجوزته وكنا قاعدين في شقته التانية، بس هو كان مفهمني إن اسمه عمر.. ومقاليش إنه متجوز!
1

وقع الكلام على مسامع صفصف كالصاعقة تيبّس جسدها وهي تحاول ربط الخيوط ببعضها وفك هذا اللغز المعقد،في تلك الأثناء، نظرت غدران حولها في أرجاء الغرفة بتيه، وتابعت قائلة

= بس اللي مش فاهماه.. هو ليه اشتغل عند صلاح؟ باين أوي إن مستواه كويس.. إزاي يشتغل عند حد؟!

تنحنحت صفصف باستغراب، ودق ناقوس الخطر في عقلها وهي تتمنى بداخلها أن يكون ظنها خاطئاً، فسألتها بوجل

= إنتي بت مين يا بت؟!

استغربت غدران السؤال المفاجئ، لكنها أجابت بتلقائية

= أنا من عيلة المرسي.
1

ما إن تلفظت غدران باسم العائلة، حتى صرخت صفصف مولولة، وضربت صدرها بكلتا يديها بقوة

=يا نهار أسود.. يا نهار أسود! إنتي من العيلة دي؟!

نظرت إليها "غدران" برعب ودهشة، وقالت

=في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!

بدأت صفصف تلطم على خديها بخفة وهي تتمتم بهلع وغضب

=بدأت انتقامك يا ابني.. بدأت اللي بتخططله من وإنت صغير!
1

ازداد عجز غدران عن الفهم، فسألتها بإلحاح وخوف

= انتقام إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة خالص!

نظرت إليها صفصف بنظرة تحولت فجأة إلى مزيج من الغضب والكره المتوارث، وقالت بقسوة

=ليه ياختي؟ هو إنتي متعرفيش إن عيلتك هي اللي قتلت أبو جوزك؟!
2

نزلت الكلمات كالجبال فوق رأس غدران، فخيم السكون على الغرفة لثوانٍ وكأن الزمن قد توقف، تجمدت نظراتها، وقالت بعدم استيعاب

= إنتي بتقولي إيه؟! أنا استحالة أهلي يقتلوا حد.. استحالة!
ضحكت "صفصف" بسخرية لاذعة وقالت

= لا ياختي مش استحالة ولا حاجة.. دول سرقوا جوزي وقهروه لغاية لما مات من القهر على شقى عمره اللي ضاع! ومن ساعتها وابني حالف لينتقم من عيلتك نفر نفر.. وأكيد جوازه منك عشان كده!
7

شعرت غدران بطعنة نافذة في منتصف قلبها، وتملكتها صدمة جعلت أنفاسها تضيق، وقالت بصوت متهدج وعينين تملؤهما الخيبة

= إيه؟! يعني هو اتجوزني عشان ينتقم من أهلي؟! يعني كل ده كان بيضحك عليا؟!
2

انهمرت دموعها بغزارة كالمطر، وتحركت يدها بآلية وتلقائية لتمسح على بطنها بحنوٍ وخوف، لم تفت هذه الحركة الفطنية عين صفصف، فامتلأت عيناها بالشك والوجل، وسألتها بلهفة

= بت.. إنتي حامل ولا إيه؟!

ضحكت غدران وسط دموعها بمرارة، وقالت بنبرة مخنوقة

= غلطة ابنك مكنش عامل حسابها.

ثم شردت ببصرها إلى الأمام، وهجس في صدرها خوفٌ جديد زلزل أركانها، فتمتمت برعب

= هو ممكن يحرمني منه؟ ممكن ياخده ويرميني؟!

لم تجد صفصف كلمات تسعفها للرد؛ فنهضت من مكانها ببطء وسكوت، وخرجت من الغرفة تاركةً إياها خلفها كانت تساؤلات عاصفة تدور في رأسها حول ما سيحدث مستقبلاً، وما عساه ابنها أن يفعل، بينما بقيت غدران في ركنها، شاردة، والشكوك والمخاوف تتكاثر داخل صدرها كأنها وحوش تلتهم ما تبقى من روحها.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت جنة تتحرك في أرجاء الشقة بخطوات مجهدة، وهي تحمل ابنتها الصغيرة روميساء على كتفها، تهزها برفق محاولةً هدهدتها وتنويمها، كان التعب ينضح من عينيها الشاحبتين وهي تتمتم بنبرة يعتصرها النعاس والإرهاق

= حرام عليكي يا روس.. نامي بقى يا حبيبتي، هموت وأنام من الصبح في المستشفى مع ماما.

استمرت في المشير بها جيئة وذهاباً، وفي أثناء مرورها من أمام باب الشقة، تيبّست قدميها فجأة وهي تسمع صوتاً خافتاً؛ صوت حركة غريبة ومحاولة واضحة لفتح قفل الباب من الخارج، تملكها الرعب، وخفق قلبها بعنف، فاقتربت بخطوات بطيئة وجلة يحركها الخوف، ونظرت عبر العين السحرية.

اتسعت عيناها بذهول وصدمة مرعبة حين رأت طليقها مصطفى يقف بالخارج ومعه اثنان من أصدقائه، وهو يحاول فتح الباب عنوة،تراجعت جنة للخلف بسرعة والأنفاس تكاد تنقطع من صدرها، وأسرعت بالدخول إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها وعلى ابنتها بإحكام،أخذت تدور في الغرفة برعب مريع، عاجزة عن التفكير، حتى لمع في ذهنها اسم واحد رأفت.
2

اندفعت نحو هاتفها بيدين ترتجفان، وطلبت رقمه بسرعة. جاءها صوته ثقيلاً يغالبه النوم

=ألو..

صاحت جنة بنبرة باكية ممزقة من شدة الخوف

= رأفت.. رأفت الحقني!

انتفض رأفت في مضجعه، وتلاشى النوم من صوته ليحل محله الفزع

=في إيه يا جنة؟! مالك؟!

أجابت ببكاء هامس مرتجف وهي تتلفت حولها كالعصفور المذعور

= مصطفى.. مصطفى طليقي بيحاول يفتح باب الشقة ومعه اتنين صحابه، وأنا لوحدي.. الحقني يا رأفت بالله عليك!

في الطرف الآخر، سُمع صوت انغلاق باب سيارته بعنف شديد، وصاح برعب غاضب هز سماعة الهاتف

= استخبي في أي حتة واقفلي على نفسك كويس.. أنا خمسة بالكتير وهكون عندك!

ركضت جنة بهلع نحو غرفة الملابس الدريسنج روم، وأغلقت الباب على نفسها وهي تبكي بنحيب مرير، فجاءها صوت رأفت عبر الهاتف يحاول طمأنتها بهدوء حازم

= اهدي يا جنة اهدي.. أنا جاي، مفيش أي حد هيقدر يلمسك، متخافيش.

هزت رأسها بالنفي والذعر يلتهمها، وهي تتذكر كل ما فعله بها في الماضي، ولم يكن يدور في عقلها سوى فكرة سوداء أنه سيؤذيها هو وأصدقاؤه. فجأة، صرخت برعب شديد حين سمعت ضربات قوية وعنيفة تهبد على باب الغرفة بالخارج في محاولة لكسره، وجاءها صوت مصطفى من خلف الباب يصيح

=افتحي يا جنة.. افتحي أنا جاي عشان أتكلم معاكي!

انفجرت جنة في البكاء، فيما كان صوت رأفت يأتي من الهاتف وهو يشتم بغضب عارم، وبالتزامن مع ذلك، انطلقت الصغيرة روميساء في صراخ حاد وخوف شديد،من فرط رعبها على ابنتها، فتحت جنة خزانة الملابس بسرعة، ووضعت الصغيرة بالداخل وأغلقت عليها لحمايتها، ثم خرجت إلى الغرفة بمفردها.

ما إن خطت خطواتها الأولى حتى انكسر باب الغرفة بعنف، واندفع مصطفى إلى الداخل، تجمدت جنة في مكانها تنظر إليه برعب، بينما تصوبت نظراته نحوها بطمع وجشع؛ فقد كانت ترتدي قميص نوم أبيض من الحرير، ناعماً وبدون حمالات، حاولت استجماع شجاعتها المتبقية وقالت بصوت يرتجف

=مصطفى.. أنت لو ممشيتش أنا هبلغ البوليس، أنت فاهم؟!

سمع رأفت كلماتها عبر الهاتف الملقى، فضرب مقود سيارته بغضب أعمى وهو يشتم بصوت عالٍ، وزاد اشتعاله حين تناهى إلى مسامعه صوت أحد أصدقاء مصطفى وهو يقول بخسة

=بس طلع عندك حق يا شقيق.. دي فرسة متتسبش!
2

تغلغل الخوف إلى أعماق جنة، وأخذت تتراجع إلى الخلف بينما كانوا يقتربون منها بخطوات واثقة، وفي تلك اللحظة الحاسمة، انفتح باب الشقة الخارجي بعنف واندفع رأفت كالإعصار،انقض على الصديق الأول لمصطفى وانهال عليه بضربات مبرحة وقاسية، ولم يكد الصديق الثاني يرى ذلك حتى تملكه الرعب وفر هارباً بجلده استمر رأفت في ضرب الولا بعنف مفرط، وحين التفتت عيناه نحو جنة الواقفة برعب وشاهد مظهرها وملابسها، صرخ بغضب غيور حمى الشرايين في جسده
2

=خشي جوه!!!

ركضت جنة فوراً نحو غرفة الملابس، وفتحت الدولاب لتجذب بنتها وتحضنها بقوة إلى صدرها وهي ترتجف،في الخارج، هاجم رأفت مصطفى بعد أن أغمي على صديقه من كثرة الضرب، وبدأ يثخن فيه باللكمات حاول مصطفى رد الضربات وهو يترنح، وقال بخبث

=وأنت مين بقى؟! أنت الجديد اللي المدام مرافَقاه ولا إيه؟!

أعمت العصبية عين رأفت، وزاد ضربه قسوة وهو يصيح فيه

=لا يا روح أمك.. أنا اللي هفشخ أمك هنا دلوقتي!
4

توالت لكماته بقوة وهو يتذكر أنه رآها بذاك المظهر، وشعر بنيران الغيرة والحرقة تأكل جوفه، فأخذ يلكم عين مصطفى بعنف مفرط حتى سقط أرضاً وغاب عن الوعي تماماً.

وقف رأفت في منتصف الغرفة يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويهبط من فرط المجهود والغضب، كانت جنة تراقب الوضع من خلف شق الباب، فاندفعت نحوه بسرعة وارتمت في حضنه تختبئ به وهي تبكي بحرقة، احتضنها رأفت بذراعيه القويتين، وقال بنبرة حاولت العودة إلى الهدوء

=بس.. بس يا حبيبتي، مفيش حاجة اهدي.

هزت رأسها بنفي وجسدها يرتعش، وقالت وسط دموعها

=كان هيعمل فيا حاجة.. أكيد كان هيغتصبني هو والـ...

قاطعها رأفت بغضب عارم لم يستطع كبته، وانحنى يقبلها بقوة وعنف تعبيراً عن كل المشاعر الثائرة بداخله. صدمت جنة في البداية من فعلته، لكنها سرعان ما تاهت معه في تلك المشاعر الجياشة التي اجتاحتها، ورفعت يدها الحرة كانت تحمل ابنتها بالأخرى لتمسك بياقة قميصه بقوة وتقربه منها أكثر،زمجر رأفت برغبة وتملك، وتابع تقبيلها بينما مرت يداه على جسدها، حتى شعر بحاجتها وحاجته إلى الهواء، فابتعد عن شفتيها ليغمر رقبتها بقبلات متفرقة مليئة بالشغف، كانت تائهة تماماً، وشعرت بأن قبلاته تمحو أي أثر للهجوم والخوف في قلبها.

لم يقطعهما عن تلك الحالة سوى ارتفاع صوت عياط الصغيرة شهقت جنة بصدمة واسترجعت وعيها، فابتعدت عنه بسرعة وهي تشعر بخجل شديد يكسو وجهها،احتضنت ابنتها محاولةً مداراة وجهها وجسدها عنه، ونظرت إلى الأرض بإحراج.

اقترب منها رأفت، ومد يده ليرفع ذقنها برفق، ونظر في عينيها قائلاً بحزم

=ارفعي راسك متنزلهاش أبداً طول ما أنا عايش.. إنتي فاهمة؟!

عضت على شفتيها بخجل شديد، وأومأت برأسها موافقة. زفر رأفت بضيق يحاول لملمة شتات أفكاره، وقال

=في كلام كتير أوي أوي لازم نقعد ونتكلم فيه.. تمام؟

أومأت له بخجل مرة أخرى،أخرج رأفت هاتفه من جيبه وبدأ يضغط على الأزرار، فسألته بتوجس

= بتعمل إيه؟

أجابها وعيناه تشعان غضباً

=بطلب البوليس للـخ** ده، عليا الحرام لأبيته في التخشيبة عندي النهاردة!

انتفضت جنة ونفت بسرعة وهي تتوسل إليه

=لأ لأ.. لأ يا رأفت بالله عليك متحبسهوش!

توقف رأفت مكانه، ونظر إليها بصدمة تحولت إلى غضب عارم من طلبها، فصرخ فيها

=ليههه؟! خايفة عليه؟!

انفجرت في البكاء وهي تهز رأسها

= لأ لأ قسماً بالله، بس مش عايزة بنتي تكون بنت مسجون.. بالله عليك يا رأفت، أنا مش عايزة يكون في أي نقطة وحشة في حياة بنتي.. بالله عليك!

رؤية حزنها ودموعها كبحت جماح غضبه، فشعر بالأسى لأجلها، وجذبها إلى حضنه مجدداً وهو يقول بنبرة حنونة

=طب بس.. بس متعيطيش، قولتلك متنزليش دموعك دي وأنا جنبك.

أومأت برأسها وهي تمسح دموعها، فتابع رأفت بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال

= لمي هدومك إنتي وبنتك.

نظرت إليه بصدمة وسألت

=ليه؟ هنروح فين؟

أجابها بعيون ثابتة

=هتعيشي عندي.

تسمّرت جنة في مكانها من أثر الصدمة، وفتحت فمها لترفض، لكنه قاطعها بصرامة وغضب حامٍ

=مفيش مجال للرفض.. أنا مش هسيبك لوحدك، والـخ** ده على الأسفلت.. ومتخافيش، أنا عايش مع أخواتي الاتنين بنات.. يلا يا جنة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في تلك الغرفة الفندقية الضيقة، كان الصمت أثقل من الجدران ذاتها.

جلستْ حليمة على طرف الفراش، عيناها مسمّرتان في الفراغ، وجسدها ساكن تماماً كتمثالٍ من رخام، لكنّ بركاناً من القهر كان يعتمل في صدرها،كلمات ونيس الأخيرة ما زالت تتردد في مسامعها كصفعات متتالية،كيف هان عليها نفسه؟ كيف رآها بتلك الوضاعة ونطق بحقها ما قاله؟ شعرت بغصة مريرة وخناجر تُمزق كبرياءها، وهي التي ظنت يوماً أن هناك من يفهمها دون أن تتحدث.
1

قطع هذا الصمت الحارق اقتراب حسن بخطوات هادئة، لم يكن يتحرك كطفل، بل كمن يحمل هموم العالم فوق كتفيه الصغيرين، جلس بجوارها، ودون مقدمات، أحاط كتفيها بـذراعيه، وضّمها إليه بقوة ونبرة مخنوقة

=ماتزعليش يا ماما.. أنا آسف.

تسمّرت حليمة لثوانٍ، واستغربت نبرته واعتذاره المفاجئ، أبعدته عنها قليلاً برفق، ونظرت في عينيه الصغيرتين محاولةً رسم ابتسامة باهتة على شفتيها

=بتتأسف على إيه يا حبيبي؟ أنت ماعملتش حاجة.
1

نزل كلامها عليه كالجمر، فنفى برأسه بقوة، وظهرت في نبرته خشونة رجولية غير معتادة على سنه

=لا.. أنا اللي زعلتك عشان أنا اللي خليتك تيجي الرحلة دي، وبسببي حصلك كل ده.. بس متزعليش، ولو عايزة نمشي يلا بينا نروح البيت فوراً.

اتسعت عينا حليمة بصدمة ذهلتها عن حزنها، تطلعت إلى ملامحه التي بدأت تقسو بنضج مبكر، وإلى كتفيه اللذين اشتدا في تلك اللحظة. ابنها الصغير كَبُرَ فجأة.. أصبح يملك لغة الرجال وحمايتهم!

لم تتمالك دموعها التي غلبتها، فجذبتْه إلى أحضانها بكل ما أوتيت من قوة، وأخذت تطبع قُبلاً متتالية وحارة فوق رأسه، وكأنها تستمد منه الأمان، وقالت بصوت متهدج من العاطفة
1

=كبرت يا حسن.. كبرت وبقيت راجل اهو.. وهتبقى سندي وضهري في الدنيا.

أومأ حسن برأسه برأس مرفوع، وبجدية صارمة لا تليق بسنه الصغيرة لكنها نابعة من قلب صادق

=أنا راجلك يا ماما.
2

انفجرت حليمة ضاحكة وسط دموعها، وشعرت بغيمة القهر تتشتت قليلاً

=أيوة يا حبيبي.. أنت راجلي وعمري كله.

تأملت وجهه لثوانٍ، ثم تنهدت وهي تقرر الهروب من جدران الغرفة الكئيبة

=يلا بينا ننزل شوية.. إحنا من ساعة المشكلة دي مننزلناش ولا شفنا الشارع.

قفز حسن واقفاً، وصرخ بحماس طفولي عاد إليه فجأة

=بجد يا ماما؟!

أومأت له بابتسامة حانية

=أيوة يا حبيبي.. يلا نقوم نجهز وننزل.

ارتديا ملابسهما سريعا، وبمجرد أن فتحت حليمة باب الغرفة لتخرج، تجمدت خطواتها كان ونيس واقفاً هناك، يرفع يده وتكاد أصابعه تلامس الباب ليطرقه، ملامحه كانت مزيجاً من الندم والارتباك.

لم تمر ثانية واحدة حتى تحرك حسن كالبرق، ووقف بجسده الصغير حائلاً بين أمه وبين ونيس، ورمقه بنظرات غاضبة، حادة وصارمة، نظرات جعلت ونيس يتراجع خطوة للخلف مستغرباً ومربكاً.
1

تنحنح ونيس بخجل، وحاول جلب عيني حليمة وهو يقول بصوت منخفض

=حليمة.. ممكن نتكلم مع بعض شوية؟

قبل أن تفتح حليمة فمها، قاطعه حسن بنفي قاطع وصوت حاد

=أمي مابتتكلمش مع رجالة غريبة! وبالذات لو الرجالة دي بتزعقلها وتقولها كلام وحش.. وبعد إذنك يا عمو عشان إحنا خارجين.
1

أمسك حسن يد أمه ليشدها ويتحرك، لكن ونيس تحرك بلهفة يملؤها الرجاء، وأمسك بطرف يد حليمة وهو يهتف

=عشان خاطري يا حليمة.. كلمتين بس!

في تلك اللحظة، التمعت عينا حسن بشرر الغضب؛ لقد تجرأ ولمس أمه! اندفع بقوة ودفع يد ونيس بعيداً عنها، وصاح بزعيق هز الممر

=ماتلمسش ماما يا عم أنت! وبعدين قولتلك أمي مابتكلمش رجالة.. يعني لو عايز تتكلم، اتكلم معايا أنا.. راجل لراجل!
1

رغم ذهول ونيس من الموقف، إلا أنه وجد نفسه معجباً بشدة بشخصية هذا الطفل الذي يتحدث وكأنه رجل ناضج يذود عن بيته. قرر مهادنته وامتصاص غضبه، فقال بهدوء

=طب يا أستاذ حسن.. ممكن بعد إذنك أقول لحليمة كلمتين؟

رفض حسن بقوة، وربع ذراعيه أمام صدره متحدياً

=أولاً.. اسمها أم حسن ثانياً.. لا ما ينفعش. قولي أنا، وأنا هقولها اللي أنت عايزه.

كانت حليمة تتابع الموقف بصدمة تامة، مشدوهة بين شجاعة ابنها وإصرار ونيس رأت أن الأمور قد تتطور أكثر، فقررت التدخل بلطف

=حسن يا حبيبي.. سيب عمو نشوف عايز يقول إيه، عيب كده.

نظر إليها حسن ببعض الغضب العاتب لأنها كَسرت كلمته، لكنه زفر بقلة حيلة احتراما لها، ثم ربع يديه مجدداً ووقف جانباً وهو يوجه حديثه لونيس بصرامة

=أنا هسمع كل حاجة.. اتفضل اتكلم، معاك أربع دقائق!

نظر إليه ونيس بذهول، وتمتم بسخرية مريرة

=كتر خير أهلك والله!..

ثم التفت بسرعة نحو حليمة، وخطا خطوة باتجاهها قائلاً بنبرة يملؤها الأسف الصادق

=حليمة.. أنا عارف إن أنا غلطت، وعارف إن مكانش ينفع أقول كده.. بس قسماً بالله غصب عني، كلام الولا ده حرق دمي وخلاني مشوفش قدامي.

أومأت حليمة برأسها، وملامحها جامدة تحجب خلفها حزناً دفيناً وعميقاً

=حصل خير يا أستاذ ونيس.. مفيش حاجة.

=لا حصل.. حصل كتير أوي!

قاطعها ونيس بلهفة وهو يرى برودها

=طريقتك وإنك بتبعدي عني بتأكدلي إنك زعلانه."

نفت حليمة بغضب مكتوم، ورفعت رأسها بكبرياء جريح

=أبعد عنك إزاي؟ إحنا مفيش حاجة بنا تخلينا قريبين من بعض أصلاً عشان أبعد!

هتف ونيس معترضاً بنبرة حارة

=لا طبعاً فيه.. حليمة، أنا بحـ...
2

=أستاذ ونيس!

قاطعته حليمة بحسم وقسوة، مانعةً إياه من نطق الكلمة

=أنا لسه طالعة من علاقة فاشلة، وأكيد مش عايزة أكررها تاني.. فياريت بلاش تفتح الموضوع ده تاني خالص. أنت بس أبو صاحبة ابني.. مش أكتر من كده.

التفتت حليمة بكبرياء تاركةً إياه يتجرع مرارة كلماتها، وتحركت في الممر وتبِعها حسن.

وقبل أن يبتعد حسن، التفت إلى الخلف بوجه جامد، ورفع إصبعيه السبابة والوسطى مشيراً إلى عينيه، ثم وجههما مباشرة إلى عيني ونيس.. في إشارة صامتة وتهديد صريح :

=أنا براقبك.. وعيني عليك.
2

ثم التفت ولحق بأمه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

تصلبت غدران في مكانها، وانتفضت واقفة بذعر وهي تراه يدخل الغرفة فجأة،دخل أنس وكأنها ليست هناك، تجاوزها ببرود تام وتجاهل وجودها، وبدأ يخلع قميصه بإهمال ثم بنطاله، وعندما رأت يده تمتد ليخلع ملابسه الداخلية، صرخت بصدمة وخجل، وعيناها تتسعان

=أنت بتعمل إيه؟!

التفت إليها أنس وبملامح يكسوها البرود والوقاحة، أردف متهكمًا

=إيه؟ مالك مصدومة كده ليه؟ هي أول مرة تشوفيه؟ ده بيصبح على جسمك كله كل يوم!

احمرّ وجهها بشدة واشتعلت وجنتاها خجلاً، لتصرخ فيه بنبرة محذرة

=أنت إياك تتكلم معايا بالطريقة دي تاني.. أنت فاهم؟!

نفرت عروق عنقه وهو ينفي برأسه ببطء متوعد، وبدأ يتقدم منها بخطوات ثقيلة،تراجعت غدران إلى الوراء بخوف، حتى اصطدم ظهرها بالحيطة الباردة، حاصرها بجسده الضخم، واستند بيديه بجانب رأسها، هامسًا بخبث

=لا يا روح أمك.. مش فاهم.

نظرت إلى عينيه بمشاعر مختلطة؛ مزيج مهلك من الاشتياق، الحب، والكره، شعر أنس بتلخبطها وضياعها بين يديه، فمال عليها يقبل رقبتها باشتياق جارف وهو يهمس بنبرة متحشرجة

=وحشتيني أوي.. أوي.

بدأت يداه تعبث في مفاتنها بخبث، تاهت معاه في بحور المشاعر والاشتياق التي تملكتهما، لكن فجأة.. لمعت في ذهنها كلمات صفصف وما حدث في الماضي. انتفضت بداخلها قوة القهر، فدفعته عنها بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ باهتزاز

=لا.. ابعد عني! ابعد.. مش هكرر اللي حصل وأكون زي العبيطة تاني!

نظرت إليه بغضب أعمى وتابعت بحدة

=إياك تلمسني ولا تقرب مني، أنت فاهم؟!

اشتعلت عيناه بغضب عارم وهتف بوعيد

=خخخخ.. أنا ميتشرطش عليا يا روح أمك!

كان على وشك أن يتقدم منها ليلقنها درسًا، لكنه ثبت في مكانه كالصنم عندما اخترق صوتها الباكي أذنيه وهي تقول بحزن وقهر

=أنت فعلاً اتجوزتني عشان تنتقم من عيلتي.. من اللي عملوه في أبوك؟

تراجع أنس خطوة ونظر إليها بصدمة واستغراب شديد

=عرفتي الكلام ده منين؟!

ابتسمت بسخرية مريرة وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع

=يعني صح.. اتجوزتني عشان كده فعلاً!

انفجرت باكية بانهيار تام، لم يحتمل مرأى دموعها، فاندفع نحوها بسرعة وحضنها بالغصب،حاولت غدران التملص منه ودفع صدره العاري وهي تصرخ بقهر

=حرام عليك.. حرام عليك ليه عملت فيا كده؟! ده أنا حبيتك بجد.. ليه تضحك عليا يا أنس؟ حرام عليك ده أنا مليش غيرك!
1

شعر أنس بشفقة عارمة وحب جارف يكاد يمزق صدره. حاوط وجهها بكفيه الضخمتين وهتف بلهفة صادقة

=عليا الحرام ما حبيتك ولا هحب غيرك يا غدران! وحياة كل ليلة قضيتها في حضنك وعمري ما حسيت بأحسن منها.. بحبك يا بت بحبك! وكل حاجة عملتها معاكي كانت من حبي ليكي.

نفت برأسها بقوة وهي تصرخ باهتزاز

=بس كفاية.. كفاية كدب بقى! أنا تعبت.. تعبت من كدبك عليا!

أمسك يديها بقوة ووضعها مباشرة فوق نبضات قلبه المتسارعة وهتف بنبرة رجولية حارقة

=طب وده؟ ده كداب؟ ده اللي هيقف من كتر الدق بسبب وجعك منه كداب؟! مش حاسة بيه يا حبيبي؟ طب مش حاسة بلهفتي عليكي وأنا في حضنك؟ مبتحسيش بحبي ليكي وأنا معاكي يا غدران؟ ده أنا ببقى ضعيف أوي أوي وأنا في حضنك.. ببقى عامل زي العيل الصغير!

سكت لثوانٍ، ثم التمعت عيناه بوقاحة وهو يضيف بصوت منخفض

=مش عيل صغير أوي يعني.. الحركات اللي بعملها معاكي دي مش حركات عيال صغيرة!

نظرت إليه بغضب وهي تتنفس بصوت عالٍ ومسموع من شدة حنقها، وفجأة، وقبل أن تستوعب، شالها مرة واحدة وأجبرها أن تحاوط خصره بساقيها، وجلس بها على حافة السرير.

صرخت بغضب وهي تتحرك بعنف محاولة الإفلات

=سيبني.. سيبني هقعد على السرير مش هقعد هنا.. سيبني!

غمض أنس عينيه بألم وصبر ينفد، وقال بأنفاس مرتفعة وحارة لافحة وجهها

=عليا الحرام حركة كمان وهنتكلم وأنا وانتي في وضع مش هيسمحلك تعملي أي حاجة غير إنك تصوتي وبس!

فهمت غدران مغزى كلامه الوقح فورًا، خاصة عندما شعرت بهياجه المنتصب أسفلها مباشرة، مما جعلها تنظر إليه بخجل شديد وهي تشعر وكأنه على وشك اختراق ملابسها،ثبتت في مكانها تمامًا ولم تتحرك.

ابتسم أنس بخبث منتصر وقال

=شاطر يا حبيبي..

بدأ يحركها ببطء شديد وخبث حتى لا تنتبه لما يفعله هذا الوقح، وتابع هامسًا

=عايزة تفهمي إيه يا حبيبي؟

قالت بحزن وعيناها معلقتان به

=كل حاجة.

أومأ لها برأسه وعيناه تتابع حركتها الخفيفة الخبيثة فوقه، وبدأ يتحدث

=أنا اسمي أنس العطار، عندي تلاتين سنة. ورثت شركة واحدة من أبويا لما مات، وكبرتها بشغلي وتعبي وبقوا شركات كتير أوي، أبويا مات وأنا عيل صغير.. مات بجلطة في القلب بسبب اللي عمي وعيلتك عملوه فيه.

نفت بقوة وهي تبكي مجددًا، فمال وقبل رأسها بحنو

=عارف يا حبيبي عارف.. سيبني أكمل،لما أبويا مات حلفت لانتقم من عمي ومن عيلتك كلها، بس لما كبرت شوية عرفت إن أبويا قبل ما يعرف بوساخة عمي كان موصي وكاتب إن أنا مورثش غير لما اتجوز حليمة بنت عمي.. فاتجوزتها، اتجوزتها وأنا عيل تمنتاشر سنة، وبعد ما اتجوزتها بيومين بالظبط.. قتلت أبوها وعمك!

اتسعت عينا غدران بصدمة، بينما تابع هو بغضب وبرود مخيف

=قطعتله فرامل عربيته وهو كان رايح الشركة وكان معاه عمك،وقبل ما يموت بدقيقتين بالظبط كلمته في التليفون وقولتله إن أنا عارف كل وساخته هو وعمك وإن أنا قطعتله فرامل العربية.

ضغط على خصرها بقوة غير واعية من فرط غضبه، لتتأوه بوجع

=آه.. أنس براحة.

أفاق من شروده الغاضب فورًا، وباس شفايفها بلهفة واعتذار

=أنا آسف يا حبيبي..

نظر في عينيها وتابع

=فضلت متجوز حليمة كل السنين دي، وكنت هطلقها بس كل مرة أمي ترفض عشان البت وحيدة وأبوها مات، ففضلت على ذمتي برغم إن أنا عمري ما حبيتها وهي كمان عمرها ما حبتني.. كان كل همها الفلوس وبس، لغاية لما في مرة كان عندي مناقصة مهمة أوي ضد واحد كبير في السوق، عرفت إنه عرض عليها مبلغ كبير لو جابتلو الورق بتاع المناقصة دي، وفعلاً عملت كده وخسرتها بسببها.

توسعت عينا غدران بصدمة وعدم تصديق، ليكمل هو

=ساعتها معرفتش أعمل معاها حاجة عشان عرفت إنها حامل في حسن ابننا.

بمجرد أن أنهى كلامه، شعرت غدران بنار تغلي في جوفها؛ حيث جال في عقلها فكرة أنه كان يضاجع زوجته بنفس الطريقة ويقول لها نفس الكلمات،انتشلها أنس من شرودها المحترق كأنه قرأ أفكارها، فهمس أمام شفايفها بحب خالص

=عمري ما كنت معاها زي ما كنت معاكي.. والكلام اللي بقولهولك عمر ما حد سمعه قبلك يا طري.

حاولت التماسك بأعجوبة حتى لا تنهار أمامه، وابتعدت برأسها قليلاً قائلة بنبرة متحشرجة

=كمل..

تابع وعيناه لا تفارق وجهها

=فضلت أراقب عيلتك من بعيد لبعيد، لغاية لما عرفت إن أبوكي مات قبل ما أنا أقتله.. ساعتها اتعصبت جداً، وعرفت إن صلاح طالب بودي جارد في الفيلا الجديدة، فقررت إن أنا هروح أشتغل عنده لغاية لما أعرف أضحك عليه وأبيعه كل اللي وراه واللي قدامه، وكنت هموت وأعرف هو مخبي إيه في الفيلا دي..

نظر إليها بحب جارف وصل حد الهوس وتابع

=لغاية لما شوفتك.. وعرفت إنه مخبي أحلى حاجة في الدنيا دي كلها،في الأول كنت متعصب من نفسي أوي إزاي أحب بنت اللي قتل أبويا، وكنت ناوي أنتقم منك أنتي كمان.. لغاية لما في يوم سمعت العر*ص ده وهو بيتكلم معاكي وبيحكيلك وبيعترف بكل حاجة، وإن أبوكي ملهوش أي ذنب وإن أبوه هو اللي عمل كل حاجة.
1

سرحت غدران في كلامه وهي تتذكر ذلك اليوم العصيب الذي اعترف لها فيه صلاح بكل شيء.

أكمل أنس بنبرة عميقة التف حولها الصدق

=غدران.. أنا لو كنت لسه شاكك فيكي وكنت عايز أنتقم منك، استحالة كنت شيلتك حاجة مني يا غدران.

قال جملته الأخيرة وهو يمد يده الكبيرة ويمسد بحنو فوق بطنها. نظرت إليه بصدمة بالغة، ونفت برأسها وهي تبكي

=كداب.. أنت بس مكنتش عامل حسابك، وأكيد كل ده كدبة منك!

نفى هو الآخر ولكن برجولة وثقة هزت كيانها

=عليا الطلاق منك بالتلاتة ما كدبت في حرف واحد يا غدران! اللي قدامك ده أنس العطار، وكل اللي قولتهولك ده حقيقي.

سألته بتوتر ومحاولة لالتقاط أنفاسها

=وليه طلقت مراتك؟

ابتسم لها بحب قائلًا

=عشان لاقيت اللي تستحق تكون مراتي فعلاً.. لاقيت اللي عايزها تكون أم عيالي.
1

جعلت كلماته قلبها يدق بعنف وعاطفة جارفة، ونظرت إليه بحب واشتياق واضحين، لكنها همست بخوف متبقٍ بداخلها

=خايفة.. خايفة يكون كل ده كدب وتطلع بتضحك عليا.
3

هز رأسه نفيًا واقترب أكثر

=مفيش كدب تاني يا غدران.. يمكن حكايتنا كانت من الأول غلط بس دلوقتي كل حاجة اتغيرت،بلاش تظلميني يا غدران.. بلاش تبعدي عني، أنتي بعدك عني ده بيقتلني.
2

حاوطت وجهه بيدين مرتجفتين من فرط اشتياقها، وقالت ببكاء مرير

=وبيقتلني أنا كمان.. بيقتلني أوي يا أنس، أنا مش قادرة أعيش من غيرك.. مش قادرة!

ابتسم براحة بالغة وثقة أخيرة أن حبيته لن تتركه مجددًا. في تلك اللحظة، شعرت به يرفع جسدها قليلاً ثم يعيد إنزالها فوق فخذيه،كانت على وشك الالتفات لترى ماذا يفعل، لكنه منعها محكمًا قبضته على وجهها لتنظر إليه فقط وهو يقول

=مفيش بعد تاني يا قلب أنس.. كل اللي جاي قرب.. قرب وبس يا حبيبي.

كادت أن تتحدث، لكنها شعرت فجأة بسخونة جسده العاري تمامًا تحتها! نظرت إلى جسده بصدمة وعدم تصديق وهتفت بذهول

=أنت قلعت إمتى؟! وأنا قلعت إمتى؟! أنت عملت إيه؟!
1

ابتسم بخبث شديد وهو يعدل جلستها فوق جسده العاري ليتثنى له أخذها كما يشاء، وأردف بهمس وقح ومثير

=بقالنا عشر دقائق قاعدة عليه لابسه بعد ما فورتيه.. حرام عليكي ارحميه شوية، ده حتى ميشو غلبان وبيحبك!

وقبل أن تنطق بحرف أو تعترض، قطع كلماتها بقبلة عاصفة تحمل كل معاني الاشتياق والجوع السنين، بينما كانت يداه تمزق فستانها الذي كان قد رفعه عنها منذ قليل، وهو يهمس بنفاذ صبر حارق
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
=كل اللي أنا عايزه يطلع من بوقك دلوقتي.. اسمي.. اسمي وبس!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت زنوبة تقترب من فيلا راشد بخطوات متثاقلة، ترتدي نقابها الذي يخفي ملامحها جيداً، لكنه لا يستطيع إخفاء ضربات قلبها المتسارعة التي تكاد تسمعها من شدة توترها.

وقفت أمام البوابة الضخمة، وأخذت نفساً عميقاً لتجمع شتات نفسها، ثم نادت أحد الحراس بصوتٍ حاولته أن يخرج لهفاً كاذباً

=بقولك إيه يا أخويا!

التفت إليها الحارس، واقترب منها ببطء، ملامحه تعكس الاستغراب الممزوج بحدة الطبع، وهتف بصوتٍ غليظ

=انتي مين يا بت انتي؟ وجاية هنا عايزة إيه؟

حاولت زنوبة أن تبتلع ريقها الجاف لتخفي خوفها الذي يكاد يفضحها، وقالت بنبرة مستعطفة

=أنا قصدك في خدمة يا أخويا.. والنبي.

زفر الحارس بضيق وقلة صبر

=اخلصي.. عايزة إيه؟

أكملت زنوبة تمثيلها بلهفة مفتعلة

=مش عايزين خدامين هنا يا أخويا؟ ده أنا غلبانة ومقطوعة من شجرة ومش لاقية آكل.

نفى الحارس برأسه فوراً وهو يلوح بيده بحركة رافضة

=لا.. مش عايزين، يا ست ربنا يسهلك!

استدار الحارس مغادراً، لكن زنوبة أسرعت تناديه برجاء مصطنع

=ليه بس يا أخويا؟ بالله عليك لتساعدني.. ده أنا عايشة في الشارع!

زفر الحارس بضيق أكبر، والتفت إليها بنبرة حادة

=يا ست قولتلك مش عايزين! وبعدين انتي جاية في وقت غلط خالص، الباشا موصي إن مفيش أي حد غريب يدخل هنا!

في تلك اللحظة، خرج زفير طويل من صدر زنوبة وهي تتنفس الصعداء في سرها؛ لقد تأكدت الآن أن راشد لا يزال حياً. مثلت عدم المعرفة تماماً، وسألت بفضول مسمو

=ليه يا أخويا؟ هو حصل حاجة؟

أراد الحارس أن ينهي الحديث سريعاً، فقال وهو ينظر حوله بحذر

=بنت جت تشتغل خدامة هنا وحاولت تسرق، ولما كشفها ضربته وهربت!

شهقت زنوبة بتمثيل متقن، ووضعت يدها على صدرها كأنها مصدومة

=يا نهار أسود! هي الناس جرى ليها إيه؟ بس بييجوا على الغلبان! طب وهو عمل إيه يا أخويا؟ بلغ عنها؟

ابتسم الحارس بقسوة، وقال بنبرة مليئة بالتهديد

=الباشا ملوش في شغل الحكومة.. الباشا بيحب يجيب حقه بنفسه!

ابتلعت زنوبة ريقها بصعوبة، وشعرت برعشة حقيقية تسري في جسدها من الخوف، وقالت بصوت خافت ومضطرب

=طيب.. تسلم يا أخويا.

استدارت زنوبة مبتعدة عن البوابة بسرعة، وقلبها لا يزال يخفق بعنف، فقد عرفت ما كانت تحتاجه، وأدركت أن اللعبة مع راشد أخطر مما كانت تتخيل.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
1

وقف ياسر سيارته بهدوء أمام البناية التي تقطن بها صبا، أطفأ المحرك، لكن يده ظلت معلقة فوق مقود السيارة لثوان، وعيناه تشخصان نحو مدخل البناية المتهالك، كان ثقل الموقف يربض فوق صدره؛ فالأفكار تتصارع داخل رأسه كأمواج متلاطمة،تنهد بعمق، وحدث نفسه بمرارة

=مهما كان اللي عمله صاحبي، ومهما كانت حجم الغلطة اللي ورط نفسه وورطنا فيها، مش هسيبه، ولازم أكون جنبه عشان نصلح العك ده كله.. ولازم كمان أساعد البنت دي، ملهاش ذنب يداس عليها بالشكل ده.
2

حسم أمره وترجل من السيارة، مغلقًا الباب خلفه بقوة مخرت صمت الشارع، صعد درجات السلم بخطوات ثابتة ممتلئة بالإصرار، حتى وقف أمام شقة صبا،لدهشته، وجد الباب مواربًا بشكل طفيف، ولم يكن بحاجة حتى لطرقه،دفعه برفق ودخل، لتتجمد الخطوات في قدميه، وتتسع عيناه بذهول صاعق مما رأى.

كان المشهد داخل الشقة أشبه بساحة معركة انتهت لتوها. على مقعد خشبي، جلست امرأة وكان ذراعها مكسورًا ومحاطًا بجبيرة بيضاء ضخمة، بينما شاش طبي يلف رأسها بإحكام،وإلى جوارها على الأريكة، رقد رجل يبدو أن جسده بالكامل قد نال نصيبه من الكسور والتكبير، يئن في نومه من شدة الألم.
3

وقع ارتباك شديد في نفس ياسر، وارتسمت على وجهه علامات الاستغراب والوجوم، وقبل أن ينطق بكلمة، انتفضت غادة واقفة بسرعة رغماً عن آلامها المبرحة، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على وجهها الشاحب، وقالت بلهفة وترحيب مصطنع

=أهلاً وسهلاً.. أهلاً يا بيه، نورتنا وشرفتنا يا باشا!

ظل ياسر واقفاً مكانه، ينقل نظراته المستنكرة بينها وبين الزوج الممدد كالجثة، ثم تنحنح وقال بنبرة جافة وعينين تملؤهما الريبة

=هو.. مش ده بيت صبا برضه؟

ما إن وقع الاسم على مسامع غادة حتى شهقت شهقة عالية، واحتلت ملامحها رعب حقيقي، وتراجعت خطوة للخلف وهي تلطم بيدها السليمة على صدرها قائلة بخوف وفزع

=يادي المصيبة! هي بت الكلب دي عملت معاك أنت كمان حاجة يا باشا؟!

عقد ياسر حاجبيه، وتقدم خطوة نحوها وقد تملكه الفضول الممزوج بالقلق، وسألها بنبرة حادة مستفسرة

=هي عملت إيه بالظبط؟!

تحرك جابر على الأريكة بألم، وصدرت منه آهة مكتومة وهو يحاول رفع رأسه بصعوبة، ثم قال بصوت متحشرج يقطر حقدًا ووجعًا

=سرقت الباشا.. الباشا اللي أخدها وسترها عنده بعد الفضيحة الكبيرة اللي عملتها.. وبدل ما تعيش خدامة تحت رجليه وتحمد ربنا، اتغندرت وحاولت تسرقه، لا.. ومش بس كده، دي كانت عايزة تقتله كمان!

وقع الكلمات على ياسر كالصاعقة. شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه، وتلاشت فكرة الضحية التي جاء ليحميها فجأة ليدخل في صدمة لم يتوقعها،اتسعت عيناه وسألهما بلهفة هجومية
2

=وهي فين دلوقتي؟! راحت فين؟

نظرت إليه غادة بعينين تلتمعان برعب صادق، ورفعت يدها السليمة لتصلي بالقسم وهي ترتجف

=معرفش يا بيه.. قسما بالله العظيم ما أعرف هي طفشت فين! طفشت هي والبت زوبة وفص ملح ودابوا.. مانعرفش طريقهم!

تفرس ياسر في وجهيهما؛ كانت ملامح الخوف الصادق، والكسور التي تغطي جسديهما، ناهيك عن رعب غادة الحقيقي من ذكر اسمها، أدلة كافية جعلته يتأكد من صدق حديثهما.

شعر بضيق شديد يخنق أنفاسه، واجتاحت وجهه موجة من الغضب العارم، زفر بحدة وضيق وهو يشعر بالاشمئزاز من هذا المستنقع الذي رمى نفسه فيه، ودون أن ينطق بحرف آخر، أدار ظهره لهما وسبّ الشارع والظروف في سره، تاركاً الشقة خلفه بخطوات سريعة غاضبة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان أنس يتحرك في أرجاء مكتبه كالنمر الحبيس، يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات واسعة سريعة تترجم قلة صبره التي بلغت مداها،كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وعيناه لا تفارقان شاشة هاتفه الموضوع على المكتب، ينتظر رنينه بفارغ الصبر.

زفر وائل بملل وهو يراقب حركة أنس المتوترة، ثم قال بنبرة مستغربة

=أنا مش عارف أنت إيه اللي مأكدلك أوي كده إن جبر هو اللي هيعرف يجيبه؟

توقف أنس عن الحركة فجأة، والتفت نحو وائل، ثم نظر إليه بسخرية لاذعة رسمت ظلالها على شفتيه، وقال

=أصل أنت متعرفش جبر ده يبقى مين يا وائل.. ومتعرفش دماغه فيها إيه.

اعتدل وائل في جلسته، وظهر الاهتمام الجلي على ملامحه وهو يسأل

=مين يعني؟ إيه تاريخه اللي مخلّيك واثق فيه عمياني كده؟

ارتسمت على وجه أنس نظرة إعجاب ورهبة وهو يعود بالذاكرة لما يعرفه عن الرجل، وقال بنبرة هادئة ومؤثرة

=جبر ده اتولد في الجبل.. أبوه كان من مطاريد الجبل، وأمه كانت عايشة معاه هناك في مكان محدش في العالم كله يعرف يوصله ولا يدله طريق، كبر وسط الجبل مع أبوه وأمه، ولما بقى عنده سبع سنين، أبوه وأمه ماتوا وسابوه بطوله، فاترَبى مع المطاريد وكبر وسطيهم، لحد ما بقى أكبر تاجر سلاح في المنطقة، الراجل ده حافظ الجبل وسككه ومغاراته أكتر ما أنت حافظ بيتك اللي بتنام فيه.. ده غير إن

سكت أنس لثوانٍ ليقيس أثر كلماته على وائل، ثم تابع

=جبر هو اللي بيسلم للحكومة كل المجرمين الهربانين منهم في الجبل.. يعني الحكومة لو عجزت وعايزة توصل لأي حد فص ملح وداب، يبقى جبر هو الوحيد اللي يعرف يوصلهم ليه ويسلمهولهم في شوال،وعشان كده سايبينه برة ومبيقبضوش عليه برغم إنهم عارفين ومتأكدين إنه تاجر سلاح.. بس هي كده، مصالح متبادلة.

اتسعت عينا وائل من الصدمة، وظهر الذهول على وجهه وهو يتمتم

=يا نهار أسود.. ده طلع مهم وقوي أوي كده!

لوح أنس بيده بزهو قائلًا

=أمال أنت مفكر إيه؟ ده جبر الـ...

ولم يكد يُنهي جملته حتى قطع الصمت صوت رنين هاتفه القوي والمميز، التفت أنس بلمح البصر، والتمعت عيناه بنصرٍ مسبق وهو يرى اسم جبر يضيء الشاشة. التقط الهاتف وضغط زر الرد بسرعة وهو يقول بلهفة

=ها يا جبر؟ طمنّي.. لقيت الأمانة؟

انطلق من سماعة الهاتف صوت جهوري، خشن، ممتلئ بلكنة صعيدية قُحّة، وضحكة رجولية هزت جدران السماعة وهو يقول

=واااه! عيب يا عمّي.. جبل ما تسألنيي ع الأمانة، ما تسلم عليا الأول؟! كيفك وكيف أحوالك!

ابتسم أنس رغم توتره وقال

=أهلاً يا جبر، حقك عليا، السلام أمانة.. قولي بس، وصلتله؟

تغيرت نبرة جبر إلى الجدية الواثقة التي تلفها الهيبة الصعيدية القديمة، وقال

=أمانتك عاد بقت في حوزتنا، رَبَطناها وِسط المَغارة كيف العِجْل المذبوح. تعالي بكرة عاد اشرب معايّ الشاي في الجبل، وعجبال ما تِقْند راسك بالسميط وتتغدى لقمة زينة معايّ، هيكونوا الرجالة شحنوه وِسط قفص عربيتك وما حدش واعي ليه.

ارتسمت على وجه أنس ابتسامة قاسية مليئة بالتشفي والانتقام، ونطق بنبرة تقطر امتناناً

=كنت عارف ومتأكد إنك أنت اللي هتجيب راسه يا جبر.. ما يجيبها إلا رجالها فعلاً، بس خلي بالك عليه كويس.. أوعى يهرب منكم ولا يغفلكم.

ما إن نطق أنس بالكلمة الأخيرة حتى تحول صوت جبر عبر الهاتف إلى زعير غاضب، ونبرة صعيدية تشتعل كبرياءً وشموخاً، وقال بصوت هز الهاتف

=يِفْلت من مين ياض؟! جرى إيه لعقلك؟! إياكش تكون نسيت مين هو جبر الزعيري ياض؟! ده الطير في السما لو مَرّ من فوق جبلنا بنبقى عارفيّن عدد ريشه! مفيش نملة بتفلت من يد الزعيري.. هستناك بكرة عاد، سلام!
1

أغلق جبر الخط بعنف دون أن ينتظر رداً، فأنزل أنس الهاتف عن أذنه والابتسامة القاسية ما زالت تكلل وجهه، بينما نظر إلى وائل بنظرة انتصار صامتة، وكأنه يقول له ألم أقل لك؟
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت زنوبة من الحمام وهي تجفف يديها بطرف ثوبها، وكانت تهمّ بالتوجه نحو غرفة صبا لتطمئن عليها، لكن فجأة شق صمت الشقة صوت طرقات خفيفة ومتتابعة على الباب الخارجي.

تسمرت زنوبة في مكانها، واحتلت ملامحها مسحة من التوتر والقلق، فما زال الخوف من الملاحقة يسكن قلبها،اقتربت من الباب بخطوات وئيدة حذرة، وألصقت جسدها به وهي تسأل بصوت مرتعش خفيض

=م.. مين؟ مين على الباب؟

جاءها الصوت مألوفاً وهادئاً من خلف الخشب ليزيح عن صدرها جبلًا من الخوف

=أنا معتز.. يازنوبة، افتحي.

تنفست الصعداء وفتحت الباب بسرعة، لتجد معتز واقفاً وبصحبته سيدة أربعينية ترتدي ثياباً رسمية وبيدها حقيبة طبية، بينما كان معتز يحمل في يديه أكياساً كثيرة. قال معتز بنبرة حنونة مهتمة

=أنا جبت دكتورة لـ صبا عشان تكشف عليها وتطمنا كلنا على وضعها.. معلش يا زنوبة، خدي الدكتورة ودخليها ليها جوة.

رغم استغراب زنوبة الشديد من مدى اهتمامه وسرعته في التصرف، إلا أنها أومأت برأسها ممتنة، وقادت الدكتورة إلى غرفة صبا، ثم انسحبت وتركتها تؤدي عملها، وعادت سريعاً إلى الصالة.

وجدت معتز قد توجه نحو المطبخ الصغير، وبدأ يرص الأكياس أمامه على الطاولة. التفت إليها وقال وعيناه تشعان طيبة

=دي فراخ بلدي وحاجات تانية.. أنا أسمع دايماً إن الوالدة الست اللي لسة والدة لازم تاكل فراخ بلدي وتتغذى كويس عشان صحتها ترد ليها.. يبقى اعمليلها أنتِ الأكل ده تمام؟
2

وقفت زنوبة تنظر إليه بذهول، وعقدت حاجبيها باستغراب لم تعد قادرة على كتمانه، فسألته بصوت خافت تملؤه الحيرة

=أنت.. أنت بتعمل كل ده ليه يا معتز؟

توقف معتز عما يفعله، والتدفت نحوها بالكامل. نظر في عينيها بنظرة عميقة، طويلة، ودافئة، ثم قال بنبرة صادقة تخرج من أعماق قلبه

=عشان أنتوا محتاجني.. ويمكن أنا مش متعود أسيب حد محتاجلي وأمشي.. مش عارف، بس كل اللي أعرفه ومتأكد منو إن أنا لو بروحي.. لو بأخر نفس في عمري هساعدك يا زنوبة.
1

في تلك اللحظة بالذات، ولأول مرة في حياتها، شعرت زنوبة بضربة قوية في صدرها؛ كانت دقات قلبها تتسارع بشكل جنوني، واجتاحها إحساس غريب، دافئ ومربك، لم تعهده من قبل قط. توردت وجنتاها وشعرت بأنفاسها تضيق، فسألته بنبرة متلعثمة مرتعشة

=يعني.. يعني إيه الكلام ده؟

زفر معتز بتعب، وفرك وجهه بيده وكأنه يحاول ترتيب فوضى مشاعره، ثم قال بصوت خفيض ومرتبك

=مش عارف.. فيه حاجات جوايا كتير أوي عايز أقولها، بس مش عارف، يمكن خايف.. ويمكن شايف إن الوقت مش مناسب وأنتوا في الظروف دي. بس صدقيني.. أول ما هحس إن أنا جاهز، هاجي وهقولك كل حاجة في وقتها.

استمعت زنوبة لكلماته، ورغم أنها لم تفهم مغزاها تماماً وأخذت تفكر فيها بحيرة، إلا أنها أومأت له برأسها في محاولة لإخفاء خجلها، وقالت بنبرة منكسرة

=أنا عارفة إننا تقلنا عليك أوي وتعبناك معانا.. بس هي كلها يومين بالكتير، وهندور على مكان تاني نروح فيه و...

قاطعها معتز بسرعة وحسم، وظهر الضيق في نبرته من فكرة رحيلها

=أنتِ بتقولي إيه يا زنوبة؟! أنتوا هتفضلوا قاعدين هنا! أنتوا مش متقلين عليا ولا حاجة.. أنا كده كده عندي شقة ثانية بتاعة أبويا وأمي الله يرحمهم في الدور اللي فوقيكم هنا علطول، وأنا عايش وقاعد فيها.. يعني الموضوع مفيش فيه أي تعب ليا. المهم عندي تكونوا مرتاحين ومطمنين.
1

فركت زنوبة يديها بتوتر وخجل شديدين، وأنزلت عينيها إلى الأرض وهي تقول بصوت متحشرج

=ولو برضه.. ما ينفعش نفضل عايشين هنا على طول، الأصول بتقول كده والناس...

قطع معتز حبل أفكارها وهو يتذكر أمراً غاب عن باله وسط هذه المعمعة، فنظر إليها باستغراب شديد وسألها فجأة

=آه صح يا زنوبة.. هو فين جوز صبا؟ يعني من ساعة ما ولدت وهو مسألش عليها خالص.

توتر وجهه زنوبة لا تعلم ماذا تقول هل تخبرة الحقيقة ام تكذب عليه، لم تجد اي كذبة مقنعة لتقول بتنهيدة متعبة

=هقولك،هقولك كل حاجة يا معتز عشان تكون فاهم
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

فتحت جنه باب السيارة وركبت في المقعد المجاور لـ رأفت الذي كان يستند بظهره إلى مقعده وينقر على المقود بقلق ملحوظ. أغلقت الباب والتفتت إليه، مرسلة نظرة حائرة تملؤها الحيرة والاستغراب، وقالت بنبرة متسائلة

=في إيه يا رأفت؟ مشوار إيه ده اللي مهم أوي كده، وصممت إن أنا آجي معاك لوحدي وأسيب روس مع أختك؟ قلقتني في إيه؟

تحرك رأفت في مقعده بعدم راحة، ونظر إليها بنظرات غلفتها الحيرة والتوتر، وحاول انتقاء كلماته بعناية وهو يشيح بعينيه عنها لثوانٍ ثم يعود ليتطلع في وجهها، وقال بصوت متحشرج

=جنه.. أول حاجة لازم تعرفيها وتتأكدي منها إنه بقى كويس الحمد لله، وفاق كمان.. أنا ما رضيتش أقولك أي حاجة غير لما يكون كويس ونطمن عليه تمامًا.

بمجرد أن نطق بتلك الكلمات، انقبض قلب جنه بشدة، وشعرت بوخزة ألم مفاجئة في صدرها وكأن حدسها الأنثوي ينبئها بالأسوأ. تضاعف توترها، واهتز صوتها وهي تسأله بلهفة وخوف

=أخويا؟!
1

أومأ رأفت برأسه ببطء والوجوم يكسو ملامحه، وقال وعيناه تشعان بالأسى محاولاً تمهيد الصدمة

=أخد خمس طعنات في بطنه من يومين.

لم تتمالك جنه نفسها، وانفجرت في صرخة مدوية هزت أركان السيارة، صرخة ممزوجة بالبكاء والنحيب وهي تضع يديها على رأسها بصدمة قائلة بوعيد وصوت مخنوق

=إييييه؟! خمس طعنات؟! خمس طعنات إزاي ومين اللي عمل فيه كده؟! وهو عامل إيه دلوقتي؟ أنطق يا رأفت هو كويس بجد ولا بتخبي عليا؟!

سارع رأفت بالإمساك بيديها يحاول مهدئاً من روعها، ونبرته تحمل كل علامات الطمأنينة

=والله كويس وزي الفل، وفاق كمان وبقى بيتكلم والظابط حقق معاه.. أنا ما حبيتش أفجعك وهو في العمليات، دلوقتي إحنا رايحين له وهتدخلي بنفسك وتطمني عليه، اهدي بس عشان يعرف يكلمك.

لم تتوقف جنه عن البكاء؛ انهمرت دموعها كالسيل الجارف، وظلت تبكي بحرقة طوال الطريق وجسدها ينتفض من أثر الصدمة، ورأفت يختلس إليها النظرات بأسى ويزيد من سرعة السيارة حتى وصلا إلى المستشفى.

ترجلت من السيارة كالمجنونة، وتبعت خطوات رأفت السريعة في ممرات المستشفى حتى وقفا أمام باب الغرفة. دفعت جنه الباب بلهفة، لتجد حاتم جالسًا على السرير الطبي، وجهه شاحب والتعابير المرهقة ترتسم على ملامحه، لكنه كان واعيًا ومستندًا إلى الوسائد بتعب.

لم تنطق جنه بحرف واحد؛ بل ارتمت في حضنه مباشرة، واحتضنته بقوة وهي تبكي بصوت عالٍ وتنشج فوق صدره، وكأنها تعوض الأيام والمخاطر التي عاشتها بعيدة عنه.

رغم الآلام المبرحة التي سرت في جسده إثر ضغطتها، إلا أن حاتم تحامل على نفسه، ورفع يده المرتجفة ببطء ليربت على ظهرها بحنان جارف، وقال بصوت خفيض ودافئ محاولاً طمأنتها

=اششش.. اهدي يا جنه، أنا كويس يا حبيبتي.. أنا موجود جمبك أهو، متعيطيش واحمدي ربنا إنها جت على قد كده.
1

حاوطت وجهه وهي تقول برعب

=انت كويس؟ حاسس بحاجه

نفى لها،وهو يقول بإبتسامة

=انا تمام ياحبيبتي متقلقيش، طمنيني انتِ عليكِ،وروسا عاملة ايه وماما

رسمت ابتسامة كاذبة على وجهها،وهي تقول

=متقلقش ياحبيبي كلنا كويسين وماما كويسة

=اوعي تقوليلها الي حصلي ياجنة،دي ممكن تروح فيها
1

نفت سريعاً،وهي تقول بإطمئنان

=متقلقش ياحبيبي مش هقولها حاجة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

تسللت دقات قلب صبا المتسارعة إلى أذنيها وهي تخطو داخل أروقة القسم الموحشة،كانت الجدران الباهتة والوجوه الصارمة من حولها تزيد من رعبها، فالتفتت يميناً ويساراً بتوجس، ثم اقتربت من "زنوبة" وهَمست لها بصوت يرتجف من الخوف

=زنوبة.. أنا خايفة أوي، يلا نروح بالله عليكي!

أمسكت زنوبة بذراعها بقوة تمنعها من التراجع، وحاولت جاهدة بث الطمأنينة في قلبها قائلة بنبرة حانية ولكن حاسمة

=يا حبيبتي خايفة من إيه بس؟ أنا مش اتأكدتلك إن اللي ينشك في قلبه ده مبلغش عنك؟ وكمان أنا حكيت لمعتز كل حاجة، وهو كمان شايف إن حرب هو أكتر واحد هيساعدك.. مادام الزبالة ده مش راضي يشوفك، حرب هيخليه يشوفك غصب، ويكتب البت على اسمه ويغور في داهية!
1

ساروا خلف معتز الصامت حتى وصلوا إلى مكتب حرب، وفجأة، استقبلهم رأفت واقفاً أمام الباب، ولم تكد عيناه تقعان على صبا حتى عرفها فوراً، فارتسمت على وجهه ابتسامة ترحيب حارة وقال

=آنسة صبا! إزيك؟ أنا رأفت لو فكراني.

ابتسمت "صبا" برقة وخجل، وأومأت برأسها قائلة

=طبعاً فاكرة حضرتك.

التفت رأفت إلى البقية وسألهم بفضول مهذب

=خير.. في حاجة ولا إيه؟

فأجابته زنوبة باقتضاب

=عايزين حرب بيه في موضوع مهم بس.

أومأ رأفت برأسه متفهماً، وقال وهو يمد يده لفتح الباب

=طب اتفضلوا، هو جوه.

دفع الباب ببطء، لكن في تلك اللحظة انطلقت صرخة صدمة مدوية من زنوبة وصبا، والفتتا في لمح البصر بإيحاء سريع يخفين وجوههن،أما معتز، فقد تجمدت عيناه في صدمة عارمة وهو ينظر إلى داخل المكتب؛ حيث كان حرب يعتلي فتاة على الأريكة، وكلاهما مجرد تماماً من الملابس!
استدار حرب برأسه نحو الباب، والتقطت عيناه نظرات معتز المذهولة، فقال بنبرة ساخرة باردة لا تخلو من الوقاحة
3

=اتفضلوا معانا والله!

أغلق رأفت الباب بسرعة فائقة، ووجهه يشتعل حمرة، وتمتم بهمس حانق

=هتفضل فضحنا كده يا ابن الهايجة!

ثم نظر إلى صبا التي كانت تدفن وجهها بالكامل في حضن زنوبة من شدة الخجل والكسوف، فقال بأسف شديد

=معلش يا جماعة.. احم.. مش عارف أقولكم إيه والله.

صاحت زنوبة بغضب عارم لم تستطع كبحه

=هي ازاي المسخرة دي تحصل في القسم؟! إيه القرف ده!

أطرق رأفت رأسه ولم يجد ما يرد به، فهو يعلم تماماً أنها على حق، وأن ما حدث لا يليق بهيبة المكان.

مرت دقائق ثقيلة وهم ينتظرون في الممر، لكن حرب لم يخرج نفد صبر رأفت، ففتح الباب موارباً ليتفاجأ بأن حرب" ما زال مستمراً في فجوره، يقبل الفتاة بشهوة عارمة غير مبالٍ بوجودهم بالخارج!

دفع رأفت الباب بغضب مكتوم وصاح بصوت جهوري

=طب ما تتفضلوا عندي في المكتب!

تبادل الثلاثة النظرات بقلة حيلة، ثم أومأوا له وتبعوه إلى مكتبه حاول رأفت تلطيف الأجواء المحتقنة، فجلس خلف مكتبه وسألهم

=تشربوا إيه؟

اعتذروا جميعاً باحترام رغبة في إنهاء الأمر، لكنه صمم قائلاً

=لا، لازم تشربوا حاجة.

فطلبوا شاي رضوخاً لإلحاحه. أردف رأفت مواسياً

= عقبال ما تشربوا الشاي هيكون حرب خلص شغل وجيه.

هنا لم تتمالك زنوبة نفسها، فانطلقت ضحكاتها الساخرة المجلجلة وهي تقول

=شغل؟! أه.. لا ربنا يكون في عونه، هو الشغل في الفاعل صعب أوي أنا عارفة!

التفت إليها معتز وعيناه تطاير منها شرر الغضب، وقال بنبرة حاسمة مرعبة

=طب نسكت شوية ولا إيه؟

انكمشت زنوبة على نفسها وأومأت له بخوف، فلأول مرة تراه بهذه النظرات المخيفة التي ألجمت لسانها.

وصل الشاي، واحتسوه في صمت ثقيل مرت ساعة كاملة وملامح الزهق والتعب قد ارتسمت على وجوه الجميع، حتى انفتح الباب فجأة ودخل حرب كان قميصه مفتوح الأزرار الأولى، وبدت عليه علامات الانتعاش، فقال بابتسامة واسعة

=تأخرت عليكم؟

رد معتز بوقاحة بالغة وضيق واضح

=ساعة ونص! أنت مفروض تاخد جايزة قسماً بالله.

نظر إليه حرب من أسفله إلى أعلاه بنظرة متفحصة متجاهلاً هجومه، ثم التفت إلى صبا واقترب منها بابتسامة ماداً يده

=صبا.. عاملة إيه؟

نظرت صبا إلى يده الممدودة، وهمت بأن تمد يدها لتصافحه، إلا أن زنوبة لقطت الحركة بسرعة، فأمسكت بيد صبا وجذبتها للخلف قائلة بفضاضة

=لا متسلميش.. الله أعلم إيده كانت فين من شوية!

تغيرت ملامح حرب فوراً واشتعل غضباً وصاح

=في ط
2

وقبل أن يكمل كلمته، كان رأفت قد وضع يده على فم حرب بسرعة فائقة وهو يقول منقذاً الموقف

=نتكلم في المهم ولا إيه؟

أبعد حرب يد رأفت عنه بغضب وعصبية، وتوجه بنظره إلى صبا قائلاً

=في إيه يا صبا؟

أخذت صبا نفساً عميقاً، وبدأت تسرد له قصتها وما تريده منه بالتفصيل،ومع نهاية حديثها، اتسعت عينا حرب بصدمة بالغة وقال

=خلفتي منه؟! وليه منزلتيهوش؟!

أجابت صبا بنبرة يكسوها الحزن والانكسار

=مينفعش.. عرفت متأخر أوي، كان اتكون جوايا خلاص.. معرفتش أنزله.

زفر حرب بغضب عارم وهو يتحرك في المكتب، ثم قال

=طيب يا صبا.. أول حاجة مينفعش بنتك تتكتب على اسم حاتم غير لما يكتب عليكي.

صرخت صبا بصدمة وخوف

=إيه؟! يكتب عليا إزاي؟ ده استحالة يوافق، ده مش راضي يشوفني!
1

انتفض "حرب" من مكانه بغضب أعمى وصاح ملوحاً بيده

=خخخخخخ.. وهو بمزاج ميتين أهله؟! أنا هخليه يكتب عليكي ونسجل البت، وهطلقك منه كمان متقلقيش!

أدخل يده في جيب بنطاله ليخرج هاتفه المحمول، لكن مع سحبة الهاتف، خرجت قطعة ملابس داخلية نسائية باللون الأحمر الصارخ وسقطت جزئياً!
1

شهقت صبا وزنوبة بخجل شديد، ووضعتا أيديهما على أعينهما بسرعة،تدارك حرب الموقف بملامح جامدة، وحشر القطعة الحمراء داخل جيبه مرة أخرى، وتنحنح قائلاً ببرود

=احم.. ده تبع الشغل، متخدوش في بالكم.
3

ضغط على أزرار هاتفه ووضعه على أذنه، وما هي إلا ثوانٍ حتى قال بنبرة ودودة ومنافقة

=كامل بيه.. واحشني!.. والنبي يا باشا كنت قاصدك في خدمة.

صمت لبرهة يستمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع بابتسامة

=ده من عشمي فيك يا باشا.. عايز زيارة مخصوصة في مكتب حضرتك لـ حاتم المرسي.

سكت حرب مجدداً مستمعاً، وفجأة.. اختفت ابتسامته تماماً، وتبدلت ملامح وجهه إلى الصدمة والوجوم، وقال بنبرة متغيرة

=وده حصل امتى؟!

تسلل القلق إلى قلب صبا، وانتصبت في جلستها تنظر إليه باهتمام وترقب شديدين، تتمنى لو تستمع إلى ما يقال خلف الهاتف.
تابع حرب بجدية

=طيب.. هيرجع امتى إن شاء الله؟

استمع للرد ثم قال

=طيب خلاص.. إن شاء الله آخر الأسبوع هكون عندك، تسلملي يا باشا.. تسلملي.

أغلق الهاتف والتفت إلى صبا التي كانت تأكلها الحيرة، وقال لها باقتضاب

=آخر الأسبوع هنروح وهنخلص الموضوع ده.

تنفس الكل الصعداء، وابتسمت زنوبة بامتنان قائلة

=تسلم يا باشا والله، مش عارفة أقولك إيه.. ألف شكر.

نهضت زنوبة ومعها معتز وهما يستعدان للمغادرة، وتبعتهما صبا لكن الخوف كان ينهش قلبها، فلم تستطع الصمت أكثر، وتوقفت قائلة بنبرة مرتعشة

=هو.. هو ليه مينفعش نروح بكره أو بعده؟ هو في حاجة؟

نظر إليها حرب، وكان يفهم تماماً مدى قلقها وخوفها على حاتم، فصاح بها بغضب لينهي إلحاحها

=مش بتاعتك دي! آخر الأسبوع تجهزي وخلاص!
2

عضت صبا على شفتيها بخجل وانكسار، وأومأت برأسها بينما تجمعت الدموع في عينيها لتصبح على وشك البكاء، ثم استدارت وغادرت المكتب مسرعة برفقة زنوبة ومعتز.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
استيقظت غدران من نومها وهي تتأوه بألم، تشعر وكأن شاحنة مرت على جسدها جعلتها تشعر بكل هذا التعب.

= آه..

تأوهت بألم وهي تعتدل على الفراش، نظرت حولها فلم تجد أنس، لتزفر بتعب وهي تحاول الوقوف من مكانها حتى تذهب إلى الحمام.

وما إن دلفت إلى الداخل، حتى قالت بتعب

= والله يا أنس لما تجيلي.. حرام عليك مش قادرة.

بدأت في خلع ملابسها ووقفت تحت مرش المياه الساخنة تحاول أن تهدئ ألم جسدها.

ما إن انتهت، حتى لفت جسدها بمنشفة صغيرة وهي تخرج من الحمام، ولكنها شهقت بفزع عندما وجدت الجالس على الأريكة وهو يضع قدماً فوق الأخرى، ويحمل كوباً به قليل من المشروب وهو ينظر إليها بوقاحته المعتادة.

= خخخخ عليا الحرام أحلى عرض شوفتو في حياتي يا طري!

= أنت هنا من إمتى؟

قالت غدران بصدمة، ليقول بوقاحة

= من ساعة لما تجيلي يا أنس وأهو أنس جالك يا طري.

= أنت شوفت كل حاجة؟

أومأ لها وهو يقترب منها بخطوات وقحة

= كل حاجة يا طري، من أول حتة وقعت من على جسمك لغاية آخر حتة.

حاصرها على الحائط وهو يشم رقبتها، لتتحدث بتوتر:

= ومعملتش صوت ولا عرفتني إنك هنا ليه؟

بدأ في تقبيل صدرها العاري وهو يحاول فك رابطة المنشفة، قائلاً بخبث

= أعمل صوت وأضيع عليا العرض النار ده؟ هو أنا هشوفك كل يوم وأنتِ بتقلعي قطعة ورا قطعة كده قدامي يا طري؟

= أنس!

قالتها صارخة ليحملها بين يديه وهو يقول بخبث

= اللي تاعب أنس يا طري.

فركت جسدها بين يديه بقوة وهي تقول برجاء

= أنس أنا تعبانة أوي قسماً بالله مش قادرة.

ثبت في موضعه وهو يقول بقلق

= مالك يا حبيبي؟ في إيه؟

= جسمي كله متكسر، ما صدقت أرتاح شوية بعد ما أخدت دش.

حاوطت وجهه وتابعت

= خليها وقت تاني يا حبيبي أنا مش قادرة.

اومأ لها وهو يضعها على الفراش، وقال بحنين

= خليكِ هنا متتحركيش.

قالها ثم ذهب إلى غرفة الملابس، اختفى داخلها قليلاً، ثم ظهر وهو يحمل ملابس لغدران. ساعدها على الوقوف لتقول بتوتر

= أنس أنا هلبس لوحدي يا حبيبي.

= بس يا بت!

صاح بغضب وهو يجلس أمامها ليرفع قدمها وهو يساعدها في ارتداء ملابسها الداخلية، ولكنها شهقت بصدمة عندما شعرت به يقبل قدميها صعوداً إلى أعلى وهو يرفع ملابسها، لتقول بتوتر

= أ... أنس!

= الحتة الطرية بتاعته.
2

قالها بصوت متحشرج من فرط الحركة وهو يساعدها في ارتداء بنطالها، ليقف أمامها وهي عارية من الأعلى ليقول بتعب

= يارب.. يارب أنت العالم يارب.

ساعدها في ارتداء باقي ملابسها وهو يحاول بكل طاقته أن يتحكم بنفسه، وما إن انتهى حتى قال بتعب

= ارجعلك بس.. عليا الحرام يا غدران لأكون رابطك في السرير أسبوع!

حاوطت وجهه وهي تقول بخبث

= أموت في الشراسة موووت.

= يا بت!

صاح بغضب، لترتفع ضحكتها وهي تقول بخبث

= قلب البت.

= عليا الحرام يا غدران لو ما اتعدلتي لهفشخ أمك دلوقتي ومش هيفرق معايا تعبك، أنا مقدر حملك فاتعدلي!

أومأت له بخوف تمثيلي وهي تقول بدلال

= حاضر يا حبيبي، بس برضو هستناك على نار.

نفى بيأس وهو يستعد للمغادرة قائلاً

= مش هرجع البيت النهاردة، بكرة زي دلوقتي هرجعلك عشان مسافر.

اتسعت عيناها بصدمة وهي تقترب منه سريعاً

= مسافر فين وليه؟

قبل جبهتها وهو يقول بحب

= سفر شغل يا حبيبي متقلقيش، هحاول ارجعلك بسرعة.

وفقط تركها وغادر، وهي تقف لا تعلم لماذا تشعر بكل هذا القلق.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

جلست صبا على المقعد الخشبي داخل مكتب الضابط، وتشبثت بذراعيها حول طفلتها الصغيرة وكأنها تحتمي بها من قلقها العارم،كانت أنفاسها متسارعة، وعيناها مثبتتين على الفراغ بنظرات تائهة ملؤها الرعب من المواجهة الوشيكة، في المقابل، كان حرب يجلس وعلامات الوجوم تكسو وجهه، يراقب صمتها بترقب.

قطع هذا الصمت الساكن تحرك كمال الذي نهض من مقعده بوقار ململمًا أوراقه، ثم التفت إليهما قائلًا بنبرة عملية

=طيب، أنا هضطر أمشي عشان عندي تفتيش.. حاتم دقايق وهيكون هنا.

نهض حرب على الفور، وتقدم منه بخطوات ممتنة وهو يقول

=تسلم يا كامل بيه.. مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي كامل وهو يجيبه ببساطة

=ولا شكر ولا حاجة.. بس متنساش توصل سلامي لسيادة اللواء.

أومأ حرب برأسه مؤكدًا

=يوصل يا فندم، تعبناك معانا.

تحرك كامل وغادر المكتب، لتجد صبا نفسها في مواجهة أفكارها التي تنهش رأسها نهشًا. تضاعف توترها، وراحت ضربات قلبها تتسارع وهي تتساءل في رعب ماذا سيحدث بعد قليل؟ وكيف سيتصرف حاتم حين يراها؟

التفتت فجأة صوب حرب، وقالت بنبرة مرتعشة يملؤها الرجاء

=حرب باشا.. هو ينفع أقابل حاتم لوحدي؟

اتسعت عينا حرب بصدمة واضحة، وعقد حاجبيه بذهول مستنكرًا طلبها

=إيه؟! تقابليه لوحدك إزاي؟!

انهمرت الدموع في عينيها وهي تنظر إليه بتوسل حار

=معلش.. أنا عايزة أشوفه لوحدي لو ينفع.. أرجوك.

زفر حرب بضيق وغضب مكتوم، محاولًا السيطرة على انفعاله أمام إصرارها، ثم أومأ لها برأسه على مضض. استدار وخرج من المكتب، وفي تلك اللحظة بالذات، كان حاتم يقف في الممر الخارجي مخفورًا بالعسكري، والقيود الحديدية تقيد معصميه.

توقف حرب أمامه، ورمقه بنظرات حادة تشتعل بالاحتقار، ثم قال بنبرة هادرة لفحت وجه حاتم

=وساختك مابتخلصش.. بالعكس، دي بتزيد أكتر وأكتر!

التفت حرب إلى العسكري بنبرة آمرة جافة

=فكه.. وخليه يدخل لوحده.

أومأ العسكري بطاعة وبدأ في فك القيود، بينما كان حاتم ينظر إليهما بملامح جامدة وعينين تملؤهما الحيرة وعدم الفهم،لم يكن يستوعب من جاء ليقابل، ولا ما الذي يحدث حوله في هذا المكان.

فتح حرب باب المكتب بحدة وأشار له بالدخول،خطا حاتم خطوة إلى الداخل، وما إن تجاوز عتبة الباب حتى تسمر في مكانه وكأن الأرض قد ابتلعت قدميه، تجمدت الدماء في عروقه وشخصت عيناه بصدمة ذهلت لها جوارحه؛ حيث نهضت صبا من مكانها ببطء، تقف أمامه بعيون دامعة تلمع بالقهر، وهي تحمل بين يديها طفلة صغيرة.. طفلتهما.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
وقف حاتم مذهولاً، شُلت أطرافه وعجز عقله عن استيعاب المشهد، كانت صبا تقف أمامه، والدموع تحفر مجاريها على وجنتيها، تشع من عينيها نظرة شوق حارقة تكاد تلتهم سنوات البعد.
3

وقبل أن يفتح فمه ليتكلم، قاطعته بلهفة مستبسلة، وصوت يرتجف بالخوف

=أنا عارفة إنك مش طايق تشوفني، وعارفة إن مكنش مفروض أجي بعد ما طردتني ورفضت تقابلني!
2

اتسعت عينا حاتم بذهول تام، غرق في حيرة قاتلة ولم يفهم حرفاً مما تقوله،طردها؟ متى؟ وأين؟ حاول المقاطعة ليستفسر، لكنها لم تمنحه فرصة للاستنشاق، بل استرسلت ببكاء مرير وهستيري، تتخلله شهقات مرتفعة تقطع نياط السمع

=بس قسماً بالله أنا لو كان عليا مكنتش جيت! لو المصيبة هتيجي فيا أنا بس كنت استحملتها، ولا غُرت في داهية لوحدي!

حاولت التقاط أنفاسها اللاهثة، وهي تشير بيديها المرتعشتين نحو الصغيره التي تلفها بين ذراعيها، مكملة بصوت مبحوح

=بس دي.. دي ذنبها إيه؟ أنا كده كده يا هتسجن يا هتقل.. يعني مش هطول، مش عايزة أسيبها ورايا، مش عايزاها تضيع زي ما أنا ضعت! لو سبتها لخالتي هتضيّعها، وأنا مش عايزة كده.. مش عايزة!

تسمرت نظرات حاتم على تلك الكتلة الصغيرة الملتفة بالدثار، شعر ببرودة تجتاح جسده، فرفع عينيه ببطء شديد نحو وجهها الباكي، وهتف بعدم فهم وصدمة ألجمت حواسه

=انتي بتقولي إيه؟ مين دي؟

مدت صبا يديها المقيدتين بالصغيرة أكثر نحوه، وكأنها تسلمه روحها، وقالت بنبرة قطعت نياط قلبه

=سمّي.. وشيل بنتك يا حاتم!
2

في تلك اللحظة، شعر حاتم وكأن جداراً من الجليد انهار فوق رأسه، توقفت دقات قلبه تماماً، وتجمدت الدماء في عروقه، نظر إلى الطفلة بصدمة غامرة، ثم عاد وبصق نظراته الصامتة نحو صبا دون أن يحرك ساكناً أو يمد يده ليأخذها.

فسرت صبا صمته القاتل وجسده المتصلب بأنه تكذيب لها، فاشتد بكاؤها وصرخت بلوعة وقهر

=قسماً بالله بنتك! قسماً بالله ما حد لمسني لا قبلك ولا بعدك.. والله العظيم بنتك!
2

تحركت شفتـا حاتم أخيراً، وانفجرت دمعة حبيسة من عينه وهو يتأمل ملامح الطفلة الهادئة، ليهمس بصوت متحشرج

=مصدقك.. مصدقك يا صبا..

انحدرت دموعه بغزارة، وصاح بنبرة تجمع بين البكاء والذهول

=بنتي؟ أنا بقى عندي بنت؟!

أومأت له برأسها وسط فيضان دموعها، وقالت بتبرير مرتعش

=أنا مش بدبسك.. قسماً بالله أنا حاولت أنزلها.. حاولت كتير، بس هي كانت ماسكة فيا! ده حتى لما حاولت انتحر هي مماتتش، وفضلت ماسكة فيا!

توسعت عينا حاتم برعب حقيقي، وارتفعت أنفاسه بسرعة وجنون وهو يتخيل أنها كانت ستضيع منه ومن الحياة للأبد. نسى كل شيء، واندفع يطوق وجهها بكفيه بلهفة طاغية، هاتفاً بقلق حاد
3

=انتي كويسة؟ حصلك حاجة؟!
3

رمقته صبا بذهول شديد، شلتها لهفته البادية في عينيه وخوفه الحارق عليها، فأومأت برأسها بعدم فهم، ثم همست برجاء متوسل

=هتاخدها؟

أعاد حاتم نظره إلى الطفلة، وشعر بغصة تهز كيانه، فقال بنبرة متهدجة وعاطفة مبعثرة

=شيلهالي يا صبا..
4

أومأت طائعة، واقتربت لتساعده على حملها بالطريقة الصحيحة، ومع اقترابها، لامست يدها دون قصد موضع الجرح الحديث في بطنه، فخرجت منه آهة مكتومة بهمس وجع، لكنه اضغط على أسنانه كابتاً ألمه، متناسياً جرحه أمام جرح روحه الذي التأم الآن.

ما إن استقرت ابنته بين ذراعيها وضمها إلى صدره، حتى انهار تماماً، انسابت دموعه بغزارة فوق وجه الصغيرة، وبدأ يقبلها بنهم واشتياق جارف، متمتماً بأسف يمزق الصدر
2

=أنا آسف.. أنا آسف يا حبيبتي.. آسف...

تسمرت صبا في مكانها، تراقبه بصدمة وتأثر شديد لم تتوقعه من هذا الرجل الصلب،فجأة، تحركت الطفلة وبدأت بالبكاء، فارتعدت أوصال حاتم وهتف بقلق وخوف أبويّ طازج

=في إيه؟ هي بتعيط ليه؟!

نفت صبا برأسها مسرعة وهي تسحبها من بين يديه برفق

=ما تقلقش، هي صحيت بس..

   قربت الصغيرة من صدرها، وبدأت تهدهدها بحنان وتطبطب على ظهرها بخفة، حتى سكنت الطفلة وعادت للنوم مجدداً تحت أنظار حاتم التي غلفها الشوق، والاهتمام، والحب الظاهر كالشمس.

تلفتت صبا حولها تبحث عن مكان آمن تضع فيه ابنتها، فلمحت أريكة قريبة، فتقدمت بخطوات حذرة ووضعتها عليها بلطف، التفتت عائدة نحو حاتم الذي كان يتابع كل حركة من حركاتها بتركيز وانتباه شديدين.

وقفت أمامه، وأمسكت بيده، وهمت بالانحناء لتقبيلها، لكنه انتفض وشَد يده بسرعة وصدمة عارمة، بينما كانت تقول ببكاء وذل

=أبوس إيدك يا حاتم.. أبوس إيدك الحقها وخدها، أنا مش عايزة منك أي حاجة تانية قسماً بالله و..

لم تدع الشفاه مجالاً للكلمات؛ قاطعها حاتم وهو يهبط نحو شفتيها بـقبلة عنيفة، عاصفة، تحمل كل  الشوق الجارف، والحب، والاشتياق الناري الذي كتمه لسنوات،تيبس جسد صبا وصعقت بالكامل، تنظر أمامها بعينين متسعتين من المفاجأة.
8

ابتعد عنها مسافة ضئيلة، محاوطاً وجهها بكفيه وعيناه تتأملان ملامحها بهيام، ليهمس بتملك

=بس أنا عايز حاجات كتير يا صبا.. أنا عايزك انتي.. عايزك انتي وبنتنا!

همست بصدمة ولم تصدق مسامعها
1

=إيه؟ عايزني؟

أومأ لها برأسه مؤكداً، وعاد يمسك يدها بحب جارف

=أنا من يوم ما اتحبست وأنا مش بفكر غير فيكي.. هموت وأشوفك  واخدك في حضني واتأسفلك،كل ليلة كانت بتعدي عليا في السجن مكنتش بحلم غير بيكي، ومكنتش بفكر غير فيكي!
6

هزت رأسها بعدم تصديق، وارتفعت أنفاسها وهي تائهة في ملامحه

=أنت بتقول إيه؟ بتفكر فيا إزاي وأنت طردتني لما جيت أقولك إني حامل؟!

نفى بقوة وإصرار، وعيناه تلمعان بالصدق

=مكنتش أعرف إنك انتي! قسماً بالله ما كنت أعرف إنك انتي! أنا لو أعرف إنك انتي كنت طلعت.. ده أنا نفسي أشوفك!
1

لم تحتمل صبا كل هذا الضغط العاطفي؛ تيقنت من صدق عينيه، فانهارت باكية بقوة، مفرغة سنوات القهر والخوف. حاصر وجهها بكفيه مجدداً، وهتف بحنان يفيض رقّة
3

=بس يا حبيبتي.. بس اهدي بالله عليكي.. اهدي ما تعذبنيش أكتر من كده.

مسح دموعها بإبهاميه، ونظر في أعماق عينيها برجاء

=هتسامحيني يا صبا؟ هتسامحيني وتخليني أصلح غلطتي وأجمعك في حضني انتي وبنتنا؟

أطالت النظر إليه، تقرأ في ملامحه وعوده، قبل أن تنطق بنبرة حاسمة التوت بها شفتاها

=أيوه.. أيوه موافقة يا حاتم!
3

اتسعت ابتسامته بارتياح عميق، وزفر نفساً طويلاً كمن رُدت إليه الحياة

=روح حاتم اللي اتردتله لما بقيتي في حضني..

جذبها نحو صدره في عناق قوي، وبادلته العناق بلهفة، لكنه فجأة أطلق تأوهاً متألماً تملص من بين شفتيه. ابتعدت عنه فوراً بقلق وذعر

=مالك؟ في إيه؟!

حاول موازنة وقفته ونفى بتوتر

=مفيش حاجة.. أنا تمام.

=تمام إيه؟ أنت موجوع! في إيه يا حاتم؟

   لم تنتظر إجابته، بل امتدت يدها لترفع التيشيرت الخاص به، لتشهق بصدمة ورعب وهي ترى الشاش والرباط الطبي الذي يلف بطنه، والدم الذي بدأ يتسرب ويظهر أثره على الضمادة.

بكت بهلع

=إيه ده؟ إيه اللي حصل؟ في إيه؟!

أمسك وجهها مهدئاً

=اهدي.. اهدي مفيش حاجة، أنا كويس قسماً بالله كويس.

   نفت بقوة وصراخ مكتوم

=أنت مش كويس! أنت متعور.. مين اللي عمل كده؟ وإيه اللي حصل؟!

كان يتأمل ملامح ذعرها وخوفها عليه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حب عذبة، وقال بعدم تصديق حلو

=خايفة عليا؟ خايفة عليا بعد كل اللي عملته يا صبا؟
3

تسمرت صبا في مكانها، ونظرت لعينيه بثبات ويقين

=حبي ليك مش بإيدي يا حاتم.. حاولت أوقفه كتير بس مقدرتش، كل يوم كنت بصحى بحبك أكتر بكتير!

شعر بغصة فرح تملأ جوفه، وقال بهمس دافئ ونبرة واعدة

=هعوضك.. قسماً بالله يا صبا لأعوضك عن كل حاجة وحشة حصلتلك وأنا مش هنا! وكل حد داس عليكي هفرمه تحت رجليكي.

التفت حوله بسرعة، فلمح قلماً على المكتب القريب، التقطه وأمسك كفها، وبدأ يكتب رقماً على يدها وهو يقول بجدية حازمة

=ده رقم تامر صاحبي.. كلميه وخليه يجي في أقرب وقت يا صبا، انتي فاهمة؟ في أقرب وقت! لو ينفع النهارده يجي كمان.. هو اللي هيعرف يتصرف.
4

نظرت صبا إلى الرقم المكتوب على يدها، ثم رفعت عينيها إليه وأومأت برأسها طائعة ومستسلمة لحمايته.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الغرفة الهادئة، كانت جنة تجلس على السرير، ساندةً ظهرها إلى الوسائد وهي تحضن ابنتها الصغيرة النائمة برفق، تداعب خصلات شعرها الصغير في حنو،وعلى الجانب الآخر من السرير، كانت روان وسلمى تجلسان متربعتين، والحديث يتفرع بينهن في مواضيع شتى، من ضحكات عابرة إلى تفاصيل يومية بسيطة.

فجأة، خفضت جنة بصرها نحو ابنتها، ثم رفعته ببطء نحو السلوى والونس اللذين وجدتهما في الفتاتين، وقالت بنبرة حاولَتْ جعلها عادية، لكن الخجل صبغها برقة

=هو... هو  رأفت متجوزش لحد دلوقتي ليه؟
3

توقفت الكلمات فجأة بين روان وسلمى،التفتت الأختان نحو بعضهما البعض، وتبادلتا نظرة سريعة، قبل أن تلتفتا نحو جنة بابتسامتين حملتا كل أنواع الخبث والمزاح. مالت روان بجسدها للأمام قائلة بنبرة ممتدة

=ممممم... وعايزة تعرفي ليه بقى يا ست جنجون؟

احمرّت وجنتا جنة بشدة، وتهربت بعينيها يمينًا ويسارًا وهي تفرك يدها بتوتر

=عادي يعني... بسأل، مفيهاش حاجة!

لم تتمكن روان من كبت ضحكتها الطفولية، فضحكت بصوت عالٍ ومالت على جنة تحضنها من كتفها وهي تقول

= يا لهوي! ده أنتِ بقيتي زي الطماطماية خلاص! خلاص يا سلمى اسكتي متكسفيهاش أكتر من كده.
1

ضربتها جنة بخفة على كتفها وهي تحاول إخفاء وجهها المشتعل

=بجد أنتوا باردين أوي!

علت ضحكات الفتاتين في الغرفة، قبل أن تشير سلمى بيديها قائلة بجدية ألطف

= خلاص، خلاص هقولك.. رأفت يا ستي متجوزش عشان ماما الله يرحمها حبيبتي كانت تعبانة أوي في أيامها الأخيرة، وهو كان على طول مشغول بيها وبمراعاتها، ومكانش عنده أي وقت لا يحب ولا يتحب، حياته كلها كانت ومستمرة بين الشغل والمسؤولية.

استمعت جنة بإنصات شديد، وشعرت بوخزة من الشفقة والتقدير تتسلل إلى قلبها تجاه ذلك الرجل الصارم انتبهت روان للمعة عيني جنة، فغمزت لسلمى قائلة بخبث

= بس شكله لقى اللي يحبها وتحبه يا سلوم!

انتفضت جنة بخجل غاضب، وقالت بنبرة متلعثمة وهي تكاد تبكي من فرط الحرج

= يا لهوي عليكم بجد! هو أنتوا بتمسكوا في الكلمة؟ أنا غلطانة أصلاً إن أنا قعدت معاكم.. أنا همشي.

عدلت من جِلستها بحذر، وحملت ابنتها النائمة بعناية فائقة، ثم غادرت الغرفة متوجهة إلى غرفتها الخاصةتلك الغرفة التي استقرت فيها منذ أن وطأت قدمها منزل رأفت.

تسطحت  على السرير بجانب صغيرتها، دثرتها جيدًا، وحاولت إغلاق عينيها،مرت ساعة... ثم ساعتان... والوقت يزحف ببطء شديد وهي تتقلب في فراشها بلا فائدة، لم تكن تفهم سبب هذا الأرق، أو ربما كانت تدرك في أعماقها أنها فقط تنتظر سماع صوت قفل الباب الخارجي؛ تريد أن تطمئن أنه عاد سالماً قبل أن تغط في النوم.

وفجأة، في سكون الليل، انبعث صوت تكة المفتاح في باب الشقة، تلاها صوت انغلاقه الهادئ.

انتعش قلبها، وتحركت غريزتها قبل عقلها،خرجت بخطوات شبه صامتة لتقف خلف الستارة الكثيفة التي تفصل بين الممر والصالة، وقفت تراقب طيفه الطويل وهو يخلع سترته بإرهاق، تتأكد ب عينيها أنه بخير... وظلت تابعه بنظراتها حتى تحرك واختفى عن ناظريها في الممر المؤدي لغرفته.

تنفست الصعداء واستدارت لتعود، لكنها شهقت بصدمة عارمة تجمدت في حلقها عندما شعرت بذراعين قويتين كالفولاذ تحاوطان خصرها من الخلف، وجسده الدافئ يلتصق بظهرها، انحنى برأسه قريباً من أذنها، وقال بنبرة رجولية حملت خبثاً بالغاً
3

= مش عيب نراقب الناس من بعيد كده ولا إيه؟

التفتت في حوزته بنظرها، وأنفاسها متلاحقة من الخوف

= خضتني يا رأفت! حرام عليك.
1

ثبت عينيه الحادتين عليها، وامتزجت في نظراته مشاعر الحب الجارف بالرغبة والوقاحة المحببة، وقال وهو يشدد قبضته على خصرها

=خضيتك؟

أومأت برأسها بدلال لم تقصده، فتابع وهو يبتسم بجرأة

= اخص عليا.. ازاي بس أخص الفرس ده؟ لا ده أنا لازم أصالحك حالاًّ.
1

وقبل أن تستوعب، انحنى وحملها فجأة بين ذراعيه، شهقت وهي تتمسك بعنقه، وبدأ يسير بها في الممر المؤدي إلى غرفته تملصت بخفة قائلة بنبرة متوترة

= لا لا.. أنا مش زعلانة خلاص، نزلني.

دخل بها الغرفة، ودفع الباب بقدمه ليغلق بقوة، ثم قال بنبرة حاسمة

= لا، أنا حاسس إنك زعلانة.
3

ولم يضعها على السرير، بل أجلسها فوق الطاولة الخشبية الكبيرة الموجودة في غرفته، ووقف هو بكامل قامته وجسده العريض بين رجليها، محاصراً إياها بالكامل، ينظر إليها بعينين يشع منهما الهوس والحب الصريح.

بلعت ريقها بتوتر وقالت بصوت مرتعش

= أنت.. أنت بتعمل كده ليه؟

لم يجب بكلمات؛ بل سقطت نظراته على عنقها العاري الأبيض، انحنى عليها بجسده، وطبع قبلة دافئة قاسية أطلقت قشعريرة في جسدها، وقال بنبرة متقطعة لاهثة

=عشان بحبك..
1

ثم مال ليقبلها مرة أخرى في بقعة مجاورة

=وبموت فيكي..
2

وتابع بقبلة ثالثة أعمق

=وعايز أتقدم لك..
ثم همس بجرأة وهو يغرس شفتيه عند منبت كتفها
4

=وعايزين نخاوي البت.
3

تأوهت جنة بألم خفيف في نهاية حديثه أثر الضغطة القوية القاسية التي طبعها على رقبتها، ونظرت إليه بتوتر وأنفاسها تتصاعد وتهبط بسرعة

= ر.. رأفت...

ابتسم بخبث وهو يهمس

= فرستي..

وانحنى يلتهم شفتيها في قبلة طويلة وعميقة، لم يترك لها فيها أي مجال للاعتراض أو التراجع، مستمتعاً بقلة حيلتها بين يديه، ولم يبتعد إلا عندما شعر بحاجتها الماسة للهواء.

تراجع إنشاً واحداً وظل يقبل عنقها برغبة جامحة مسترسلاً

=أنا لازم أكتب عليكي في أقرب وقت.. أنا مبقتش قادر خلاص.
2

حاولت جنة دفعه برفق عن صدرها لتوفر مساحة للحديث، ونظرت في عينيه بقلق حقيقي غمر ملامحها

=طب وبنتي؟.. ليه تكتب على نفسك وتتجوز واحدة كانت متجوزة قبلك.. ومخلّـ...
1

ولم تكمل؛ إذ استقرت كفه العريضة فوق فمها بقوة، وتحولت ملامح رأفت في ثانية واحدة إلى الغضب العارم، وعروق جبهته برزت وهو يقول بصوت منخفض حاد كالسّم

=جنة.. بالله عليكي بلاش نتكلم في الموضوع ده، بنتك هعاملها كأنها بنتي، بس بلاش كل شوية تفكريني إنك كنتِ تحت راجل غيري في يوم من الأيام.. بلاش، الموضوع ده بيحرقني من جوة!

أومأت برأسها بتوتر وخوف من نبرته، وجسدها يرتجف. عندما رأى خوفها، خفف ضغط يده، فبادرت قائلة بأسف

=حاضر.. حاضر، حقك عليا.

سكتت لثوانٍ وهي تتأمل ملامحه الثائرة التي تحاول الهدوء، ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت

=بس عشان نقفل الموضوع ده خالص وميتفتحش تاني.. لازم تعرف أنا اتطلقت ليه.

تغيرت تعابير وجهه مجدداً للرفض وكأنه على وشك أن يصرخ بها لتصمت، لكنها رفعت يديها الصغيرتين بسرعة ووضعتهما على فمه، وقالت بنظرة رجاء استعطافية

=عشان خاطري يا رأفت.. لازم تعرف.

نظر إلى عينيها المستجدية، فتنهد بتعب، وقبل كف يدها الموضوعة على فمه، انحنى وحملها مجدداً من فوق الطاولة، وتوجه بها إلى السرير ليجلس ويجلسها فوق فخذيه، محاطةً خصرها بذراعيها. نظر إليها وقال بصوت أجش

= احكي يا جنة.. خلينا نقفل ميتين أم الموضوع ده.

تحركت بتوتر فوق ركبتيه وقالت

= هحكيلك.. كده؟ بالوضع ده؟

غمز لها بخبث، ومال على أذنها يهمس

=وماله الوضع يا فرس؟ عشان تحسي بيه.

سألته ببلاهة وتوتر

=احس بإيه؟

أعاد الغمزة قائلاً بوقاحة محببة

= هيكون بإيه يا فرس؟ بحبي ليكي طبعاً.
2

فهمت مغزى كلامه الجريء، فاحمر وجهها، لكن ملامحها سرعان ما انطفأت وحل محلها الحزن والكسوف وهي تبدأ في النبش في ماضيها

=أنا اتجوزت مصـ...

وضع يده على فمها بسرعة مجدداً، وقال بغضب مكتوم

= اسمه ميجيش على لسانك! احكي من غير ما تجيبي اسم العرْ* ده.

ارتعدت قليلاً من خشونة صوته، فأومأت برأسها وتابعت بصوت مرتعش

= اتجوزته سنتين بالظبط.. كان معايا في الجامعة، وبرغم إن بابا حذرني منه كتير عشان مش من مستوانا الاجتماعي واقل مننا بكتير، بس أنا مسمعتش الكلام.. كنت شايفه إن الحب كفاية نبني بيه حياتنا،اتجوزنا، وأول سنة كان كويس جداً معايا، حنين ومراعي وفي كل الصفات الحلوة.. لغاية ما حملت في روميساء.

صمتت للحظة تجمع شتات نفسها، وعيناها بدأت تترقرق بالدموع

=كأنه اتحول، أو ظهر على حقيقته لما ضمن إني حملت وبقيت مربوطة بيه، بقى كل همه فلوس أهلي.. بدأ يستغل بابا وحاتم وياخد منهم مبالغ، وساعات يستغل طيبة ماما وياخد منها فلوس، ده غير إنه سرق من دهبها وهي سكتت عشان متعمليش مشاكل.. لغاية ما بدأ يبيع دهبي كله وأنا برضه بسكت عشان البيت ميتخربش.. لغاية ما جه بعد ولادتي بكام شهر...

نظرت إلى رأفت بقلق، ورأت فكه يتحرك بقوة دليلاً على الضغط على أسنانه،أغمضت عينيها وهي تتذكر ذلك اليوم الأسود

=اليوم ده قالي إنه عاملي مفاجأة حلوة أوي، وإني لازم أجي وراه على عنوان فندق، وأسيب البنت عند ماما،لما روحت العنوان ودخلت الأوضة.. لقيت مديره اللي في الشغل قاعد معاه هناك، هو فهمني إنه قاعد معاه شوية وماشي، وشربنا عصير.. بس معرفش إيه اللي حصل بعدها، بدأت أحس بدوخة غريبة، وجسمي كله مبقتش حاسة بيه، وبرغم كده.. كنت لمحت النظرات اللي بينهم، كأنهم مستنيني أغمى عليا خالص.
1

استطردت وعبرة سقطت على وجنتها

= قومت بسرعة وحاولت بكل طاقتي اللي فاضلة إني أجري برة الأوضة، وطلعت الممر وبقيت أخبط على كل البيبان اللي حواليا لغاية ما الناس طلعت ولحقوني منهم.

كانت كل كلمة تخرج من فم جنة تقطر كالنار الملتهبة داخل صدر رأفت تضاعف سواد عينيه واشتعلت رغبة القتل الشرسة في عروقه. كفكفت دموعها وتابعت ببكاء

= لما فوقت تاني يوم، كنت في أوضة دكتورة كانت نزيلة في الأوضة اللي جنبهم، خدتني عندها طول الليل ولما روحت أواجهه.. حاول يضحك عليا ويقولي إنه مكانش فاهم حاجة وميعرفش إن المدير حاططلي حاجة في العصير، وإنه كان حاططله هو كمان! بس بعد كده عرفت إن المديرة بتاعه كان مديله فلوس، ده غير الترقية اللي كان هياخدها لما... لما ينام معايا ليلة! أنا هددته يومها إني لو مطلقنيش وبعد عن طريقي هعرف حاتم باللي حصل.. وهو من يومه بيترعب من حاتم.. فخاف وطلقني.
1

أنهت حديثها وهي تنظر برعب إلى وجه رأفت كان يضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتكسر، وعيناه مثبتتان على الفراغ أمامه، وعقله ينسج طريقة إنهاء حياة ذلك المدعو مصطفى.

قال رأفت بنبرة قاسية جافة خالية من أي رحمة

= قولتيلي إنك مش عايزة بنتك تطلع تلاقي أبوها مسجون.. مش كده؟
2

أومأت له برأسها بخوف وصمت فتابع وهو يقف فجأة من على السرير، تاركاً إياها، وعيناه تشعان شراً

= بس مفيهاش حاجة لما تكبر.. تلاقيه ميت!
6

انقبض قلبها برعب، وقالت وهي تلحق به بنظراتها

= رأفت! أنت بتقول إيه؟!
1

التفت نحو الباب، وقال بصوت هز جدران الغرفة

= عليا الحرام ما هيطلع عليه شمس!
2

وتحرك بخطوات واسعة وعنيفة نحو الخارج،قفزت جنة من على السرير وخرجت وراءه وهي تصرخ باسمه بأعلى صوتها والدموع تنهمر كالشلال

=رأفت! رأفت عشان خاطري لاااا!

لكنه لم يلتفت، وخرج من باب الشقة صافعاً إياه خلفه بقوة أرعبت سكون الليل.

وفي شقته المبعثرة التي تفوح منها رائحة التبغ والركود، كان يجلس بملابس منزلية مسترخياً أمام شاشة التلفاز،
وفجأة، دوت في الممر الخارجي خطوات ثقيلة سريعة، لم تكن خطوات زائر عادي، بل كانت أشبه بقرع الطبول في ساحة إعدام.

قبل أن يستوعب مصطفى الصوت، انبعث دويٌّ هائل اهتزت له جدران الشقة؛ لقد رُكل الباب الخشبي بقوة غاشمة حطمته من مفصلاته، ليتطاير القفل ويسقط الباب داخلياً محدثاً صوتاً مروعاً.

انتفض مصطفى من مكانه برعب، وتراجع للخلف وعيناه متسعتان ذهولاً وهو يرى جسداً ضخماً كالسد المنيع يقتحم المكان كان رأفت عيناه لم تكن عيون بشر، بل كانت كتلتين من الجمر المشتعل، وعروق عنقه وجبهته ظاهره تكاد تنفجر من فرط الغضب.

بلع مصطفى ريقه وتراجع خطوة أخرى وهو يتلعثم برعب

=أ... أنت تاني؟!  انت عايز ايه؟ وإزاي تدخل هنا كده؟!

لم يمنحه رأفت ترف الإجابة أو حتى التقاط الأنفاس،اندفع نحوه كالعاصفة، وفي لمح البصر كانت قبضته الفولاذية تطبق على ياقة قميص مصطفى ليرفعه عن الأرض تقريباً، ثم دفعه بقوة رهيبة نحو الحائط الخلفي ارتطم ظهر مصطفى بالحائط بقوة جعلت صرخات الألم تخرج من جوفه، وقبل أن يستفيق، هبطت قبضة رأفت الأولى على فكه ليتحرك وجهه بعنف وتتدفق الدماء فوراً من فمه.

=عايز ايه؟

هدر رأفت بصوت رجولي حاد ومخيف، صوت يخرج من أعماق صدره المشتعل بالنار

= جي أخد روحك يا عر*! يا اللي بعت عرضك وشرفك عشان كام قرش!

شحب وجه مصطفى تماماً، وتملكه رعب الموت عندما أدرك أن سرّه الأسود قد انكشف، وأن الرجل الذي أمامه ليس سوى بركان هائج لن يوقفه أحد حاول الدفاع عن نفسه ورفع يديه المرتعشتين

= انت حاتم الي بعتك؟حاتم عرف؟ أنا مطلقها.. أنا ماليش دعوة بيها خلاص!
5

ضحك رأفت ضحكة ساخرة مرعبة، ثم لكمه لكمة قاسية أخرى في بطنه جعلت مصطفى ينحني متأوهاً، ليسحبه رأفت من شعره بعنف ويرفع وجهه ليتطلع في عينيه المليئتين بالهوس والوعيد

=حاتم مين يا روح أمك؟!  حاتم ده بالنسبة للي هعمله فيك رحمة!

انهمرت دموع الرعب من عيني مصطفى وبدأ يتوسل بنبرة ذليلة وهو يشعر بضلوعه تكاد تنكسر تحت ضغط يد رأفت

= أبوس إيدك.. أبوس رجلك سيبني! أنا كنت غبي.. الشيطان وزّني.. المدير هو اللي قالي...

ولم يكمل كلمته؛ إذ هبطت ركلة قاسية من حذاء رأفت الثقيل على ركبته أصدرت صوتاً مكتوماً، ليصرخ مصطفى صرخة مزقت سكون الليل وسقط على الأرض يلتوي ويئن بـذل.

انحنى عليه رأفت، وبدء في دفع رأسه في الحائط العديد من المرات

=وحياة دموعها الغالية اللي نزلت بسببك.. وحياة الخوف اللي عيشتها فيه.. لـهخليك تتمنى الموت وماتطولهوش.

ضرب وجهه العديد من المرات في الحائط حتى تلون الحائط بدمه،وتركه يسقط على الأرض كالجثة الهامدة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان اليلٌ الدامس يلفّ الجبل، وصمتٌ مهيب لا تكسره سوى عجلات السيارة وهي تطحن الحصى والرمال أسفلها، توقفت السيارة، وانبعث من فوانيسها خيط ضوءٍ شاحب يشق عتمة المكان.
2

فتح أنس الباب وهبط، ليرتطم ببرودة الجو الجبلي القارس، لكن نظراته سرعان ما تحولت إلى وجوم وهو يرى رجالاً مدججين بالسلاح يقفون كالأشباح في استقباله، وكأنها جبهة حرب مصغرة في قلب الصحراء.

من بين الظلال، تقدم شيخ الزعايرة بخطوات واثقة، وعمامته وجلابه الصعيدي يرفرفان مع نسمات الهواء، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه القاسي وهو يهتف بلهجته الصعيدية الصرفة القديمة

=يا مرحب بالغالي.. يا مرحب بيك يا ولد الأصول.

اقترب منه أنس بخطوات سريعة، وعوضاً عن السلام التقليدي، ارتمى في حضنه يعانقه بقوة، لكن صوت نبرته كان يقطر غضباً وضيقاً من وعورة الطريق

=ينعل ميتين أُم اللي يفكر يجيلك يا جدع! إيه.. قاعد في بيت العفريت؟!

ضحك جبر ضحكة رجت أرجاء الجبل الصامت، وربت على كتف أنس بقوة قائلًا

=چيت كذا مرة وولا مرة حفظت وعرفت تيچي لوحدك في كل مرة لِزم ابعتلك حد يچيبك ويرشدك .
1

تحرك الاثنان جنباً إلى جنب نحو الداخل، بينما أنس يلتفت حوله بقلة حيلة ويقول

=أعمل إيه ما أنت اللي عايش في أماكن غريبة
دلفا إلى داخل المضافة الجبلية، وما إن وطأت أقدامهم الغرفة حتى تجمدت نظرات أنس، هناك، في زاوية الغرفة، كان أيمن ملقى على الأرض الصلبة، مربوطاً بالحبال كالمتاع، والفزع يملأ عينيه خلف الكمامة التي تخرس صوته.

التفت أنس إلى جبر بنظرة إعجاب وتقدير، وقال بنبرة ممتنة

=ما يجيبها إلا رجالها

هز جبر رأسه بثقة واعتزاز وهو يضع يده على صدره

=عيب عليك.. احلم بس، وهيكون كله تحت رچليك يا خوي.

رد عليه أنس بنبرة كلها رجولة وأصالة

=ده العشم برضه يا جبر، تسلملي يا حبيبي.. طيب هخلع أنا بقى، خلي الرجالة تحطه في العربية.
5

تحولت ملامح جبر فجأة إلى الصرامة، وارتفع صوته بزعيق صعيدي غاضب يأبى الإهانة في بيته

=أنت اتخوت في نفوخك إياك؟! تيچي بيتي وتمشي من غير ما نعمل معاك الواچب؟ شكلك نسيت أصول الزعايرة عاد!

ضحك أنس محاولاً تهدئة ثورة كرم صاحبه

=لا يا عم منستش ولا حاجة، بس أنا طريقي طويل وعايز الحق الوقت.

قاطعه جبر بلهجة حازمة لا تقبل النقاش، وهو يشير بيده نحو أيمن الرابض في الأرض يرتعد رعباً

=طويل ولا جصير مش هتمشي غير لما تاخد واچبك.. ده أنا دابحلك خروف مخصوص! ولما تروح.. ابقى حاي بالعِچل ده!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
2

كانت الغرفة الضيقة تفوح برائحة الدفء المألوف، بينما جدرانها تكاد تضيق بالبهجة التي تموج في صدر صبا كانت تتحرك بخطوات راقصة، عيناها تلتمعان ببريق غريب وجسدها يتهادى أمام مرآتها المكسورة الطرف، والابتسامة اتسعت على وجهها لتتحول إلى ضحكة خافتة نابعة من أعماق قلبها المحب،كانت غارقة في تفاصيل غدٍ متخيل، حياة جديدة تجمعها بحاتم تحت سقف واحد، كأن كل العواصف التي مرت بها تلاشت في لحظة.
6

على الفراش، كانت زنوبة تجلس بجسد منهك، تحتضن الصغيرة غزال التي غطت في نوم عميق ووديع،راقبت زنوبة حركات صبا بذهول ممزوج بالتعب، وهزت رأسها قائلة بنبرة ساخرة متألمة

=اتجنيتي يا حبيبتي.. اتجنيتي وأنتي في عز شبابك!

لم تتردد صبا، بل اندفعت نحوها بخطوات سريعة، وجثت على ركبتيها أمامها وهي تمسك بيديها وتتوسل بلهفة طفولية

= اضربيني يا زنوبة.. اضربيني، اقرصيني، اعملي أي حاجة عشان أصدق إن اللي حصل ده بجد!
2

لم تكذب زنوبة خبرًا، فالتفتت إليها بملامح جادة متهكمة وقالت

=من عيني يا حبيبتي!

وفي لمح البصر، امتدت يد زنوبة لتقرصها في فخذها قرصة قوية وجامدة. انتفضت صبا من مكانها وصرخت بوجع وهي تمسك موضع القرصة
4

=آه! ليه كده؟!

ردت زنوبة ببراءة مصطنعة وهي تعدل من وضعية غزال في حضنها

=مش قولتيلي اقرصيني؟ أديني قرصتك أهو!

زفرت صبا بتعب وضيق وهي تحاول تهدئة الألم، وتمتمت حانقة

=عيلة باردة بجد..

ساد الصمت للحظات، تلاشت فيها الضحكات وعادت الملامح الجادة لتسيطر على وجه زنوبة. نظرت إلى صبا بعمق، وخرج صوتها هادئًا مشوبًا بالقلق

=أنتي متأكدة من قرارك ده يا صبا؟ متأكدة إنك هتقدري تسامحيه بعد كل اللي عمله؟
2

تسمرت صبا في مكانها، وشردت عيناها بعيدًا وكأنها تسترجع شريطًا طويلًا من الآلام،ظلت صامتة لثوانٍ بدت كالعمر، قبل أن تنظر لزنوبة وتقول بنبرة دافئة خالية من أي ضغينة

=أنا مزعلتش منه عشان أسامحه يا زنوبة.. أنا لما شوفتُه حسيت إن أنا نسيت كل حاجة عملها، كل اللي افتكرته إن ده حبيبي.. حبيبي اللي بحبه وبموت فيه.
1

تأثرت زنوبة بالكلمات، لكنها لم تدع الأجواء تصبح كئيبة، فمدت يدها بخفة ووضعتها على خد صبا، وقالت بنبرة تمثيلية شاعرية

=وإيه كمان يا ست شادية؟ قولي.. قولي!

اشتعلت عينا صبا بالغيظ، وضربت يد زنوبة بخفة وهي تصيح بغضب طفولي

=بجد عيلة فصيلة! والله ما هحكيلك حاجة تاني!

ضحكت زنوبة وقالت وهي تحاول تهدئتها

=خلاص خلاص.. كملي.

قاطع حديثهما صوت طرقات خفيفة على الباب، قبل أن ينفتح ويطل منه معتز. نظر إلى صبا مباشرة وقال بلهجة رسمية

=تامر صاحب حاتم بره عايزك.

انتفضت صبا واقفة، واجتاحتها موجة من القلق واللخبطة  التفتت حولها كأنها تبحث عن شيء تائه، ثم نظرت إلى زنوبة بعينين حائرتين،طمأنتها زنوبة بنظرة واثقة وقالت بصوت منخفض

=اطلعي وأنا هحط غزال وهاجي وراكي.

أومأت صبا برأسها مستسلمة، وخرجت إلى ردهة المنزل،كان هناك شاب يقف في انتظارها، يرتدي ملابس مرتبة ويفيض وجهه بالاحترام والجدية،ما إن رآها تدخل حتى وقف من مجلسه على الفور، وقال بنبرة عملية مهذبة

=أستاذة صبا.. صح؟

أومأت صبا برأسها وأجابت باحترام متبادل

=أيوة.. اتفضل يا أستاذ تامر.

جلسا متقابلين، وعاد تامر يتحدث بجدية تامة

=أنا روحت لحاتم السجن، وهو طلب مني إن أنا آخدك لشقتُه اللي في الزمالك، وكمان أمشي في إجراءات تسجيل البنت.. بس..

سكت فجأة وهو ينظر إليها بقلق، مشفقًا من رد فعلها، لكن صبا قطعت حيرته وأكملت بثقة وعينين ثابتتين

=لازم نتجوز الأول.. عارفة يا أستاذ تامر وموافقة، واتفقت مع حاتم على كده.

تنفس تامر الصعداء، وارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح واضحة وهو يقول

=طيب الحمد لله، مادام متفقين أنا هشوف الإجراءات ونتمم الجواز ونسجل البنت.
5

هزت صبا رأسها بهدوء، ثم ترددت لثوانٍ قبل أن تقول

=خلاص تمام.. بس في حاجة كمان يا أستاذ تامر.

انتبه إليها تامر باهتمام، فأكملت بنبرة حاسمة

=أنا عايزة أتنازل عن القضية بتاعة حاتم.. أكيد مش هكون فرحانة وجوزي محبوس.
2

اتسعت عينا تامر، ولمعت فيهما فرحة عارمة غير مصدقة. ابتسم بشكل واسع وقال بنبرة حماسية

=بجد؟! أكيد أكيد بكره على طول هروح آخد المحامي ونقدم طلب التنازل ونشوف إيه اللي هيحصل.

أومأت له صبا بابتسامة خفيفة وقالت

=إن شاء الله خير.

وقف تامر مستعدًا للمغادرة وقال

=طيب، أنا هستناكي تحت تكوني جهزتي أنتي والبنت عشان تروحي الشقة.. هي جاهزة.

انقبض قلب صبا بتوتر مفاجئ، والتفتت لتجد زنوبة قد خرجت للتو من الغرفة. تدخلت زنوبة بسرعة لإنقاذ الموقف وقالت وهي توجه حديثها لتامر

=خلاص يا أستاذ تامر، انزل أنت وهي خمس دقائق بالكتير وهتنزل وراك.

أومأ تامر لهما باحترام واستدار مغادرًا. وبمجرد أن أُغلق الباب خلفه، التفتت صبا إلى زنوبة وعيناها مليئتان بالرجاء والقلق، وسألتها

=هتيجي معايا؟

رسمت زنوبة على وجهها ابتسامة حانية وهادئة، لكنها هزت رأسها بالرفض وقالت

=ده بيتك أنتي وجوزك يا حبيبتي، مينفعش آجي أعيش معاكم.

ازداد القلق في بريق عيني صبا، واقتربت منها قائلة بنبرة متخاذلة

=يعني إيه؟ هتسيبيني؟

ربتت زنوبة على كتفها بحنان وقالت مؤكدة

=يا حبيبتي مش هسيبك، وهبقى آجي أشوفك.. بس مينفعش آجي أعيش معاكي، ده بيت جوزك.
3

نظرت إليها صبا بنظرات طويلة قلقة، تحمل عبء المجهول القادم، قبل أن تومئ برأسها في صمت مستسلمة للأمر الواقع.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
داخل جدران المخزن المهجور، تمدد الظلام في الأركان، ولم يكن يكسره سوى ضوء خافت مسلط فوق رأسَي أيمن وصلاح المقيدين بحبال غليظة إلى كراسي خشبية متهالكة.

وقف أنس يتابع المشهد ببرود قاتل، كأنه قاضٍ ينتظر لحظة النطق بالحكم بعد عقود من المماطلة،في تلك اللحظة، تحرك وائل بخطوات هادئة حتى وقف خلفه، ثم انحنى قليلاً وهمس في أذنه بنبرة خافتة

=الدكتور خلص عملية نوال.. هنعمل فيها إيه؟

لم يحرك أنس رأسه، بل ظلت عيناه الصقريتان مثبتتين على وجه أيمن الذي كان يرتجف رعباً، نطق أنس بهمسٍ قاصٍ، حمل من القسوة ما يكفي لتجميد الدماء في العروق

=ارميها قدام شقة أهلها.

أومأ وائل بطاعة وجدية، ثم تراجع للخلف ليتوجه إلى رجاله بالخارج وينفذ الأمر دون نقاش.

تحركت خطوات أنس ببطء نحو صلاح. وقف أمامه مباشرة، يتأمله بنظرات تقطر سخرياً وهو يضع يديه في جيوبه. مالت شفتيه بابتسامة متهكمة وهو يقول

=إيه يا صلوحة؟ جاتلك ولا لسه؟
1

رفع صلاح عينيه المتعبتين الثقيلتين، ينظر إليه بإنكسار، وقد تملكه شعور خانق بالذل والعجز، عاجزاً حتى عن الرد.

اقترب أنس خطوة إضافية، وامتدت يده لتقبض على قماش قميصه عند صدره بقوة، ممعناً في إذلاله، ثم قال بنبرة خبيثة ومتهكمة

=كبر شوية أهو.. لأ، إحنا في تقدم ملحوظ! ده أنت هتبقى حلم كل خو* ابن وسخة شبهك كده.. بس اتقل عليا شوية، عليت الحرام لأخليك مرة بحق وحقيق.

نفضه بقسوة ليتراجع صلاح برأسه للخلف مستسلماً لمهانته.
استدار أنس والتحمت نظراته بوجه أيمن، في هذه اللحظة بالذات، شعر أنس وكأن والده قد مات الآن، ليس قبل سنوات طويلة، شعر بكل غصة، بكل قهرة، وبكل دمعة حبسها في عينه طوال حياته تتجمع كتلة واحدة مشتعلة في صدره.

تقدم منه بخطوات واثقة، ووقف أمامه شامخاً كأنه ملك الموت. قال بنبرة هادئة لكنها مشحونة بالوعيد

=إزيك يا أيمن باشا؟.. طبعاً أنت عارف أنت هنا ليه؟

مد يد وبحركة سريعة خشنة، نزع قطعة القماش التي كانت تكمم فم أيمن. ما إن تحررت شفتاه حتى انطلق صوته المرتعش يملأ الفراغ بالرجاء الخائف

=أنا ماليش دعوة.. قسماً بالله ماليش دعوة! ده طارق أبو صلاح هو اللي عمل كل حاجة.. هو اللي اتفق على كل حاجة، أنا ماليش ذنب!
1

ارتسمت على وجه أنس ابتسامة ساخرة، وأومأ برأسه عدة مرات ببرود وكأنه يستمع لقصة مكررة ومملة

=أيوة.. أيوة، عارف طبعاً.. هو أنت هتقولي؟ ما أنا عارف.

سكت أنس لثوانٍ، خيم فيها صمت رهيب على المكان، طغى فيه صوت أنفاس أيمن المتلاحقة،حدق فيه أنس بعيون تشتعل بنار قديمة، وتابع بصوت رخيم يحمل ثقل السنين

=بقالي عشرين سنة بحلم باللحظة دي.. إني أخلص عليكم كلكم، وأرجع حق أبويا منكم، عشرين سنة والنار بتاكل فيا وأنا شايفكم عايشين ومبسوطين بفلوس أبويا.. بس خلاص، قيامتك قامت يا أيمن.

التفت أنس ليمسك بجردل حديدي ثقيل كان موضوعاً جانباً، تقدم نحو أيمن وبحركة مفاجئة وسريعة، سكب محتواه فوق رأسه وجسده بالكامل، كان الخليط اللزج المكون من العسل واللبن والسكر ينساب ببطء على وجه أيمن، مغرقاً ثيابه،
تراجع أنس خطوة، وتابع بنبرة تشبه الفحيح

=فكرت كتير أوي أقتلك إزاي.. أي موتة هتكون مريحة ليك، فملقتش غير الموتة دي.

انحنى أنس ليرفع قفصاً حديدياً صغيراً، كان يضج بالحركة.. قفصاً مليئاً بمئات الحشرات الصغيرة المقززة التي تتلوى بداخلة.
2

شخصت عينا أيمن برعب لا يوصف، واهتز جسده بعنف يحاول الفلات من قيوده وهو يصرخ بهستيرية

=لأ.. لأ.. لأ! أبوس إيدك.. أبوس إيدك اضربني بالنار أو ادبحني وخلصني! متعملش فيا كده.. أبوس إيدك يا أنس!

لم يتحرك في أنس ساكن، ولم تطرف له عين. تقدم ببرود تام، وفتح باب القفص ليقلبه فوق رأس أيمن.

انطلقت صرخات أيمن الممزقة تملأ أرجاء المخزن المهجور، صرخات رعب حقيقي والحشرات تتساقط بغزارة وتنتشر فوق وجهه وجسده المغطى بالخليط اللزج.

وسط هذا الصراخ الهستيري، انحنى أنس هامساً في أذنه ببرود مرعب

=الحشرات دي هتفضل تاكل في العسل اللي على جسمك.. لغاية ما تدخل جوه جسمك نفسه.. وتخلص عليك.
1

التفت أنس بوجهه نحو صلاح، الذي كان يتابع ما يحدث أمام عينيه وجسده ينتفض بالكامل من فرط الرعب والصدمة. نظر إليه أنس وقال بلهجة حاسمة

=وأنت بقى.. مكتوب عليك تشوف الكل بيموت جنبك واحدة واحدة.

نظر أنس إلى وائل الذي كان يقف قريباً، وأشار بإصبعه نحو صلاح قائلاً

=يتفرج على خاله وهو بيموت قدامه.. ولو عينه اتقفلت ثانية واحدة، أنت عارف هتعمل إيه.

ضرب وائل كفاً بكف وأومأ برأسه باحترام شديد

=تأمر يا بوص.

ألقى أنس نظرة أخيرة باردة على أيمن الذي كان يصرخ من الألم والرعب والحشرات تبدأ في غزو جسده، ثم استدار بخطوات هادئة نحو مخرج المخزن، وقبل أن يخطو إلى الخارج، التفت بوجهه قليلاً وقال لوائل بنبرة خالية من أي مشاعر

=لما يموت.. كلمني.

خرج أنس، تاركاً خلفه أصوات الصراخ والذل تبتلعها عتمة الليل.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تسللت خيوط الليل العاتمة عبر الممر الضيق المؤدي إلى المخرج الخلفي للفندق، حيث كانت خطواتهما الصغيرة تتعجل الهرب في حذرٍ شديد،كانت الأجواء المحيطة بهما مشحونة بالتوتر، وصوت أنفاسهما يتردد في الممر الخالي كإيقاع هارب، التفتت ملك بذعر، تلفتت حولها وعيناها تلمعان بقلق طفولي لم تستطع إخفاءه، ثم همست بنبرة مرتعشة

=أنا خايفة بابا يزعق يا حسن..

توقف حسن لثوانٍ، والتفت إليها بملامح حملت رجولة مبكرة وشجاعة بدت أكبر من سنوات عمره الصغيرة، أمسك يدها بقوة ليحثها على الاطمئنان، وقال بصوت حازم وهادئ

=ما تقلقيش يا ملك، إحنا مش هنروح بعيد.. إحنا هنروح البحر، ده قريب قوي وأنا معاكي ما تخافيش.
2

انسابت كلماته كبلسم هدأ من روعها قليلاً، فتابعوا السير معاً بخطوات متقاربة تحت ضوء أعمدة الإنارة الخافتة التي بدأت تظهر مع خروجهما إلى الشارع المحاذي للشاطئ،كان نسيم البحر البارد يلفح وجهيهما، وشعرت ملك بأمان غريب وهي تسير بجانبه وتستشعر دفء كفه الممسكة بكفها نظرت إليه بعينين تملؤهما العاطفة الصادقة، وقالت فجأة بنبرة جياشة بالامتنان

= أنا بحبك اوي يا حسن.. أنت الوحيد اللي عمرك ما اتريقت عليا وعمرك ما ضربتني، وعشان كده أنت صاحبي الوحيد.

تباطأت خطوات حسن، والتفت نحوها بالكامل دون أن يفلت يدها. نظر في عينيها بنظرة مليئة بالحب الصادق والمسؤولية، وقال بنبرة واثقة نابعة من قلبه الصغير

=وأنا كمان بحبك.. ولما أكبر هتجوزك.
1

اتسعت عينا ملك بفرحة عارمة، واهتزت ملامحها بحماس طفولي نقي وهي تسأله للتأكد

=بجد؟ بجد هتتجوزني وهنفضل مع بعض على طول؟

أومأ حسن برأسه في جدية ورجولة واضحة، وابتسامة واثقة ترتسم على شفتيه وهو يجيبها

=أيوه.. وهنخلف عيال كتير كمان.
ولم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى اندفعت ملك نحوه تعانقه بحب شديد، وضمت ذراعيها حول عنقه، فيما بادلها هو العناق بحنان، محاولاً إحاطتها بحمايته في تلك اللحظة الدافئة.

لكن تلك البراءة لم تدم طويلاً لتكتمل؛ فقد حدث هذا الموقف بالكامل تحت أنظار مجموعة من الشباب الذين كانوا يقفون على مقربة منهما،كانت نظراتهم وقحة، تملؤها الدناءة والتقزز وهم يراقبون الطفلين،تبادل الشباب الإشارات الخبيثة فيما بينهم، ثم بدؤوا بالتحرك بخطوات مريبة، يقتربون منهما حتى حاصروهما، سأل أحدهم بنبرة مسمومة ولزوجة خبيثة
1

=رايحين على فين يا حلوين كده؟

انقبض قلب حسن، وتحركت غريزة الحماية لديه بسرعة الصاعقة؛ سحب ملك خلف ظهره ليداريها بجسده الصغير عن أعينهم، ورفع رأسه بنبرة حادة محاولاً إظهار القوة

=أنت مالك؟ إحنا مش بنتكلم مع ناس غريبة!

تحرك حسن بسرعة ليمسك يد ملك ويمضي بها مبتعداً، إلا أن الرجل خطى خطوة واسعة وسد طريقهما تماماً، مانعاً إياهما من الحركة، قال بضحكة مستفزة

=اهدى بس يا وحش.. مالك سخن علينا كده ليه؟ ده إحنا عايزين نفسحكم!

أشار الرجل لبقية رفاقه بإيماءة سريعة، وفجأة، تحول الموقف إلى كابوس مرعب،اندفع الشباب نحوهما، وارتفعت الأيادي الغليظة لتنتشلهما عن الأرض رغماً عنهما،انطلق صراخ ملك الحاد يمزق سكون الليل، وبدأت تبكي بهستيريا وهي تحاول الفلات، في حين كان حسن يقاوم بكل ما أوتي من قوة طفولية، يضرب بيديه وقدميه ويصرخ برجولة لم تنكسر رغم الرعب

=سيبونا.. سيبونا! أنا هقول لأنس عليكم.. سيبونا!

لم يكترث الذئاب لصراخهما أو توسلاتهما؛ وبقسوة بالغة دفعوا بهما داخل سيارة كانت تنتظر على قارع الطريق، وأغلقوا الأبواب بعنف، لتنطلق السيارة مسرعة تشق عتمة الشوارع.
2

استمرت الرحلة المرعبة وسط بكاء ملك المستمر وصراخ حسن المحتقن، حتى توقفت السيارة أخيراً في منطقة مهجورة، نائية وموحشة،أُنزلا من السيارة بالقوة ووُدفعا نحو مبنى متهالك، كانت ملك تصرخ بأعلى صوتها، وعيناها المغرورقتان بالدموع تبحثان عنه وسط الظلام

=الحقني يا حسن! خليه يسيبنيييي!

وكان صوت حسن يأتيه رداً على صراخها، مبحوحاً ولكنه يحمل إصراراً مستميتاً على طمأنتها

=ما تخافيش يا ملك.. أنا مش هسيبك!

دفعوا بهما داخل شقة خالية تماماً من الأثاث، باردة الجدران، وألقوا بهما بعنف على الأرض الصلبة، وبينما كانت ملك تنكمش على نفسها من الخوف، انقض الرجال على حسن، بدأوا بربط وثاقه بإحكام بينما كان هو يصرخ بملء حنجرته، يتلوى ويقاوم بكل قوته، محاولاً يائساً الإفلات من حبالهم للوصول إلى ملك وحمايتها.

ولكنه تصلب في موضعه،وهو ينظر الى الرجال يقطعون ملابس ملك حتى اصبحت عارية اسفلهم،وهي تصرخ بخوف
3

=حسن الحقني ياحسنن،انا عايزه بابا، الحقنيييي

بدأ حسن في البكاء برعب،وهو يحاول الوصول اليها ولكن قوته الصغيره لا تساعده،ليصرخ بقهر

=سيبوهااا،سيبوها بقييي

لا يعلم كم مر من وقت وهو ينظر الى هؤلاء الرجال وهم يغتصبون هذه الصغيرة حتى انها توقفت عن الصراخ وهو يتابع ما يفعلون بصراخ وببكاء،حتى ثبت في موضعه عندما استمع الى صراخ احدهم

=الله يخربيت اهلك يامحسن البت ماتت

وكان هذا اخر ما سمعه هذا الصغير قبل ان يفقد الوعي.
ووووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
الصوت الخافت للمفتاح وهو يدور في القفل كان النغمة التي جعلت قلب غدران  ينتفض قبل جسدها فتحت عينيها ببطء، مشوشة، لتلمح خياله المألوف يعبر العتبة،في ثانية واحدة، تبخر كل الخمول، انتفضت من فراشها، وبخطوات متلاحقة هربت من فوق السجادة لتلقي بنفسها بكامل ثقلها عليه،
ارتمت في أحضانه وهي تهتف بنبرة مخنوقة من الشوق

=أنس!

لم يتردد لثانية؛ أحاطها بذراعيه القويتين، يرفعها قليلًا عن الأرض ويدفن وجهه في عنقها، مستنشقًا رائحتها التي غاب عنها، ليهمس بصوت أجش رخيم

=الحتة الطرية بتاعة أنس...
5

تراجعت برأسها قليلًا، ورفعت كفيها الصغيرتين لتحاوط وجهه، وعيناها تعاتبه بعشق واضح

=اتأخرت عليا.. قلتلي يوم واحد بس، بقالك تلات أيام بعيد عني!

ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يتأمل ملامحها المفتقدة، وبحركة سلسة ومباغتة، رفعها تمامًا لتطوق خصرها بساقيها حول جسده، وسار بها خطوات معدودة نحو غرفة الملابس وضعها برفق فوق الطاولة الخشبية المنتصفة للغرفة، لتصبح في مستواه تمامًا، ثم التفت يفتح خزانته ليخرج ملابس بديلة وهو يقول

=حقك عليا يا طري.. كان عندي موضوع مهم لازم أخلّصه عشان أفوّقلك.

مالت بجسدها للأمام قليلًا، تتابع حركاته باهتمام وشغف غطى على عتابها

=موضوع إيه ده؟ وخلّصته؟

التفت إليها، وعيناه تلمعان بسعادة حقيقية لم تستطع الخطوط المرهقة حول عينيه إخفاءها، وقال بنبرة هادئة

=خلّصته.. مبقاش فاضل غير حتة صغيرة بس، دي أحبالها طويلة.. بس المهم إن أنا خلّصته.

لمحت تلك اللمعة النادرة في عينيه، فابتسمت برقة وقالت بنبرة حانية

=حساك مبسوط..

أومأ لها مؤكدًا، وتحرك خطوتين ليقف بين ركبتيها تمامًا، مقتربًا بجسده حتى كاد يلتصق بها، وهمس وهو ينظر في عمق عينيها

=مبسووط أوي أوي.

امتدت يدها تلقائيًا لتحاوط وجهه مرة أخرى، وعيناها تفيضان بالحب

=ربنا يديم انبساطك يا حبيبي.

تحركت يداه لتقبض على خصرها بحميمية، مقربًا إياها أكثر، وهمس بصوت منخفض وعميق قبل أن تذوب المسافة بينهما

=هيمدها طول مانتِ جمبي ومعايا يا طري..

وانحنى يلتهم شفتيها بقبلة طويلة، امتزج فيها لذه الشوق بالجوع المتراكم لثلاثة أيام، لم تكن غدران أقل منه لوعة؛ تخللت أصابعها خصلات شعره الكثيفة تثبته، بينما هبطت يدها الأخرى بجرأة نحو أزرار قميصه، تفكها واحدًا تلو الآخر بتمهل مثير، مبادلة إياه القبلة بشغف ورغبة مشتعلة.

حين شعرت بأنفاسهما تتقطع وحاجتهما للأكسجين تزداد، تراجع أنس ببطء، لكنه لم يبتعد. ظل وجهه ملاصقًا لوجهها، يوزع قبلات صغيرة ساخنة على وجنتيها، أرنبة أنفها، وجبينها، وهو يهمس برغبة واضحة

=ناخد دش.. ونطلع نشوف كنا بنقول إيه قبل ما أسافر؟

عضت غدران على شفتها السفلية بجرأة، ونظرت إليه بتحدٍّ داعب حواسه، وهي تمرر كفها بنعومة فوق صدره العاري العريض، وهتفت بنبرة هامسة مستفزة

=هممم.. وجبت الحبل؟

ابتلع أنس ريقه بصعوبة، وشعر بموجة من الحرارة تجتاح جسده أثر دغدغة أصابعها على صدره. تشتتت أنفاسه وتلاحقت وهو يسأل بذهول مصطنع

=حبل إيه؟!

اقتربت أكثر، حتى كادت شفتيها تلمس شفتيه، وهمست بنبرة لعوب

=إخص عليك.. نسيت؟ أنت مش قلت هتربطني؟
2

مال برأسه ليقتنص شفتيها مجددًا تعبيرًا عن جنونه بجرأتها، لكنها كانت أسرع منه؛ تراجعت بجسدها للخلف فوق الطاولة، ورفعت سبابتها تحركها يمينًا ويسارًا بدلال يمنعه من الاقتراب

=لأ لأ.. أنت شكلك نسيتني خالص.

تراجع أنس خطوة للوراء، وعيناه تتأملانها بوعيد مثير، وببطء، امتدت يده ليفك حزام بنطاله، ساحبًا إياه ببطء وهو ينظر إليها بابتسامة خبيثة

=حبل؟ وده موجود..

مالت برأسها إلى الجانب قليلًا، وعيناها تتسعان بابتسامة انتصار وإعجاب

=دا أنت جاهز بقى!

لم يمهلها وقتًا للرد؛ تقدم ورفعها بين ذراعيه دفعة واحدة، محتضنًا جسدها إليه وهو يتجه بها نحو الحمام، وقال بنبرة حملت مزيجًا من التعب والشغف المتفجر

=لو مش جاهز للطري بتاعي هجهز لمين؟ تعالي بس ناخد دش الأول لحسن أنا تعبان أوي.. وبعد كده نطلع نشوف هنربطك إزاي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في مكتب مأمور السجن، كان الهواء ثقيلًا جلست صبا على مقعد خشبي ، تطوق ذراعيها حول جسدها كأنها تحمي نفسها من المكان، وعيناها زائغتان بين حوائط الغرفة وضجيج القيود بالخارج.

على الجانب الآخر، كان حاتم يقف بملابس السجن بجانبه وقف محاميه يراجع الأوراق الأخيرة، وتامر، صديقه المقرب، الذي كان يوزع نظرات قلقة بين حاتم وصبا.

صدح صوت المأذون الرتيب وهو يغلق دفتره الكبير

=بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. ألف مبروك يا جماعة.

لم تكن هناك زغاريد، ولا ملامح فرح، فقط زفرة ثقيلة خرجت من صدر حاتم وهو ينظر إلى صبا بنظرة محملة بالأسى والرجاء.

تنحنح المحامي وهو يلم أوراقه وحقيبته، وحاول تلطيف الأجواء قائلًا بنبرة هادئة

=كده تمام يا جماعة.. إن شاء الله بكره بالكتير نقدر نروح نكتب البنت في السجل المدني ونطلع لها شهادة الميلاد باسم الأستاذ حاتم.

لمعت عينا صبا ببريق من الأمل وسط دموعها المحبوسة، والتفتت للمحامي تسأله بلهفة

=الحمد لله.. طب وإجراءات التنازل؟ هنبدأ فيها إمتى عشان حاتم يخرج؟

ساد صمت مفاجئ وقاتل في الغرفة، تجمدت ابتسامة المحامي الدبلوماسية، وتحاشت عيناه النظر إلي صبا، ليلتفت تلقائيًا وينظر إلى تامر بنظرة مليئة بالقلق والتردد.

لاحظ حاتم هذا التبادل السريع للنظرات، فضاق حاجباة والتفت إلى صديقه وسأله بنبرة حادة ومرتابة

=في إيه يا تامر؟ بتبصوا لبعض كده ليه؟

أخذ تامر نفسًا عميقًا، وتقدم خطوة نحو حاتم وصبا، وقال بصوت منخفض ومتهدج يحمل أسفًا كبيرًا

=للأسف.. ما ينفعش صبا تتنازل يا حاتم.
2

وقعت الكلمة على رأس صبا كالصاعقة،اتسعت عيناها بصدمة ورعب حقيقي، وانتفضت من مكانها وهي تتراجع للخلف، قائلة بصوت مرتعش وخوف هز كيانها

=إيه؟! يعني إيه ما ينفعش؟! ما ينفعش اتنازل ليه؟!

تدخل المحامي بسرعة يحاول تدارك الموقف وهدير بكائها الذي بدأ يعلو، وقال بنبرة مهدئة

=اهدي يا مدام صبا.. القضية بتاعتك الحق العام فيها مابيسقطش بمجرد التنازل الشخصي بعد صدور الحكم الفعلي.

انهارت صبا تمامًا، وهبطت دموعها بغزارة وهي تضع كفيها على وجهها، وتهتف بخوف وضياع

=يعني ايع؟طب وأنا إيه الحل؟ أنا عملت كل ده عشان يخرج؟!

لم يحتمل حاتم رؤية رعبها وانهيارها؛ رغم القيود ورغم وجود العساكر، تقدم خطوتين سريعتين نحوها وقبض على كفيها المرتعشتين بين يديه الدافئتين، وضغط عليهما بقوة يحاول بث الأمان في جسدها المنتفض، وقال بصوت حانٍ ومبجول

=اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا صبا عشان نسمع المحامي.. اهدي يا روحي أنا معاكِ.

مسحت صبا دموعها بيدها الحرة ونظرت للمحامي بعيون حمراء متوسلة، لينظر إليهما المحامي بجدية ويقول مستعرضًا طوق النجاة الأخير

=الحل الوحيد والشرعي قدامنا دلوقتي.. إننا نطلب استئناف على الحكم،ولو الاستئناف ده اتقبل ونزلنا جلسة، ممكن القاضي ساعتها يديله براءة أو يوقف التنفيذ، لما يعرف باتمام الزواج رسميًا ووجود طفل محتاج لأبوه.. ده الكارت الوحيد اللي في إيدينا دلوقتي ونسب نجاحه كبيرة بعد الورقة دي.
6

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ساد الهدوء ممر الفندق الطويل، باستثناء صوت خطوات حليمة  المرتبكة، كانت تقف أمام باب غرفة ونيس، تفرك كفيها بتوتر واضح، قبل أن ترفع يدها المرتعشة وتطرق الباب عدة طرقات متتالية وسريعة.
4

بعد لحظات، فُتح الباب ببطء، وظهر ونيس وعيناه غارقتان في النعاس، وشعره مبعثر أثر النوم،لكن بمجرد أن وقعت عيناه على حليمة، انقشعت غشاوة النوم عن وجهه وارتسمت على شفتيه ابتسامة ترحيب دافئة

=حليمة! أهلاً أهلاً.. اتفضلي ادخلي.

نفت حليمة برأسها بسرعة وهي ترتسم ابتسامة باهتة ومتوترة، وتتراجع خطوة للخلف

=لا لا، تسلم يا ونيس.. بس معلش ناديلي حسن، عايزة آخده وننزل نشتري شوية حاجات قبل ما نرجع مصر بكره.

تلاشت ابتسامة ونيس فجأة، وحلت مكانها ملامح ذهول تامة. نظر إليها بعينين متسعتين وقال بصدمة

=حسن؟! هو مش حسن وملك عندك في الأوضة؟!

وقعت الكلمات عليها كالمياه المثلجة،تملكت الصدمة والخوف من ملامح حليمة، وشعرت بركبتيها تكادان تحملانها، فهتفت بنبرة مرعوبة

=عندي إيه؟! هما مش المفروض عندك أنت هنا من بدري؟!

نفى ونيس برأسه بسرعة وجسده يتصلب من الفزع

=لا طبعاً! ملك جتلي وقالتلي إنها رايحة تقعد عندك في الأوضة عشان تلعب مع حسن!

وضعت حليمة يدها على صدرها وهي تشعر بأنفاسها تضيق، وقالت بصوت يرتجف بشدة

=وأنا حسن قالي نفس الكلام! قالي إنه جاي يقعد عندك ويلعب مع ملك!

تبادل الاثنان نظرة مرعوبة، نظرة اختصرت كل السيناريوهات المظلمة التي دارت في عقليهما في تلك اللحظة،انهمرت الدموع فجأة من عيني حليمة، وبدأت تبكي بخوف وهي تشهق
2

=ابني فين يا ونيس؟! العيال راحت فين؟!

حاول ونيس التماس توازنه رغم الرعب الذي ينهش قلبه، فأمسك بذراعيها يهزها برفق كأنه يطمئن نفسه أولاً

=طيب اهدي.. اهدي يا حليمة ، ممكن يكونوا نزلوا تحت في اللوبي أو أي مكان.. تعالي ننزل ونشوفهم حالاً.

تحركا بخطوات شبه راكضة نحو المصعد، ونزلا إلى بهو الفندق، بدآ يبحثان في كل زاوية، خلف المقاعد، وفي قاعات الجلوس، والصياح بأسمائهما بنبرات مخنوقة، ولكن دون جدوى.

توجها بسرعة نحو موظف الاستقبال ، وسأله ونيس بلهفة وصوت مرتفع

=لو سمحت.. ما شفتش طفلين، ولد وبنت صغيرين نزلوا لوحدهم من شوية؟

نظر الموظف إليهما بأسف وهز رأسه نفياً

=لا يا فندم، للأسف ما شفناهمش.. ما مرش علينا أطفال لوحدهم خالص.

هنا انهارت حليمة تماماً، وجلست على أحد المقاعد تخفي وجهها بين كفيها وتنتحب بصوت مسموع، بينما كان ونيس يدور حول نفسه، وعيناه تملأهما الخشية والاضطراب، يمسح حبات العرق التي تصببت من جبينه رغم برودة التكييف.

حاول ونيس استجماع شتات نفسه مجدداً، فاقترب من حليمة، وأمسك بيدها ينهضها وهو يقول بنبرة حاول جعلها قوية

=تعالي يا حليمة.. قومي معايا، ممكن يكونوا راحوا ناحية البسين يتفرجوا، تعالي ندور عليهم هناك.

تعلقت حليمة بكلماته كالغريق، وتحركا معاً بخطوات متسارعة وخائفة باتجاه الأبواب الزجاجية المؤدية إلى باحة الفندق الخارجية، لعل وعسى يجدون أثراً لصغيريهما أمام البسين.

بحثو عليهم امام حمام السباحة، وفي المياه ولكن لم يجدوهم،لتنهار حليمة باكيه وهي تجلس على الأرض المبللة بجانيها وقف ونيس لا يصدق كل مايحدث حوله.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
الهدوء الذي لفّ الغرفة لم يدم طويلاً،انطلق رنين الهاتف المزعج ليمزق الصمت، فزفر أنس بغضب مكتوم وفتح عينيه ببطء،تحرك بحذر شديد وهو يتعدل في نومته، محاولاً ألا يقلق سكون غدران المستسلمة للنوم في حضنه كطفلة صغيرة.
4

مد يده والتقط الهاتف من فوق الكومودينو، ليدق اسم أدهم على الشاشة، تنهد بنفاذ صبر؛ فهو يعلم تمامًا سبب هذا الاتصال اللعين في هذا الوقت.

ضغط على زر الرد، وقال بنبرة غارقة في النعاس والضيق

=ألو..

انفجر صوت أدهم عبر الخط، هادراً بزعيق وعصبية

=ادخلو ياروح امك،أنت لقيت أيمن وخلصت عليه يا أنس؟!

رغم جدية الموقف، ارتسمت على شفتي أنس ابتسامة برود مستفزة، وأجاب برتابة

=وأنتم كمان واحشني يا أدهم..

صاح أدهم بغضب أشد

=أنت هتستعبط يا أنس؟! دول مافيا مش هزار! أنت مش خليتني اتفق معاهم إنك هتسلمهولهم

مسح أنس وجهه بكفه الحرة، وقال بنبرة يملأها الإرهاق

=أدهم.. أنا منمتش بقالي تلات أيام، ولسه مغمض عيني مكملتش كام ساعة.. فانزل من على دماغ ميتين أمي دلوقتي.

لم يتراجع أدهم، بل تابع بزعيق

=هو أنت فاكرها لعبة؟! بقولك دول مافيا ميعرفوش هزار وممكن يقلبوا الدنيا علينا!

هنا تبخر النعاس من عيني أنس فجأة، وحلت مكانه قسوة باردة اشتهر بها، وقال بنبرة جامدة تخلو من الخوف

=يا مرحب بالمشاكل..

سكت لثوانٍ، ثم تابع بثقة

=أنا مقتلتوش.. موجود عندي في المخزن حي ممتش، لو عايزين يجوا ويشوفوه بنفسهم يامرحب بيهم.
2

تنهد أدهم عبر الهاتف بصوت عالٍ ومسموع، محاولاً السيطرة على روعه، ثم قال

=طيب.. متتهورش معاه وسيبه زي ما هو. هكلمهم وأقولهم، وأرجع أقولك عملت إيه.

رد أنس باقتضاب

=تمام.. اخلع بقى.

وقبل أن ينتظر رداً، أغلق الخط في وجهه، ألقى الهاتف جانباً، وعاد ليمدد جسده برفق، جاذباً غدران إلى أحضانه مجدداً.، تحركت بضعف، وهمست بنبرة ناعسة دون أن تفتح عينيها

=أنس...

همهم لها بحب دافئ

=الحتة الطرية بتاعتي

بدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها المبعثرة، يداعبها بحنو، لتهمس بضعف وهي تتحرك في حضنه

=إيدي وجعاني أوي يا انس
2

أدار عينيه ليهبط بنظراته نحو معصميها، حيث بدت علامات ربط الحزام واضحة على بشرتها الناعمة، رفع يدها إلى شفتيه، وقبّل موضع الألم برقة، ثم قال بنبرة حملت خبثاً ومكراً

=مش أنتِ اللي صممتِ يا طري؟

توردت وجنتاها خجلاً رغم النعاس، ودفنت وجهها في عمق صدره العاري وهي تهمس باحتجاج

=مش عايزة أعمل كده تاني..

مال برأسه نحو عنقها، وعض بشرتها برقة ومشاكسة وهو يهمس بصوت رجولي منخفض

=موعدكيش ياطري.. أنا الوضعية دي دخلت مزاجي خلاص.

رفعت يدها الصغيرة لتضرب صدره العريض بخفة وعتاب، فارتفعت ضحكاته الرجولية الدافئة متجانسة مع سكون الغرفة،انحنى يشد اللحاف جيداً، دافناً جسدها العاري تحت غطائه الوثير ليحميها من برودة الغرفة، وما هي إلا دقائق حتى استسلمت غدران للنوم العميق مرة أخرى بين ذراعيه.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفتها الجديدة جلست صبا على طرف السرير، واضعة وجهها بين كفيها والدموع تنساب من بين أصابعها بهدوء، بجانبها كانت زنوبة تجلس مستندة إلى ظهر السرير، وهي تطوق بذراعيها الصغيرة غزال النائمة بعمق على رجليها.

تنهدت زنوبة بتعب، ونظرت إلى صبا قائلة بنبرة حانية ولكن نفاذة الصبر

=أنا عايزة أعرف أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟!
رفعت صبا رأسها، وعيناها محمرتان، وقالت بصوت متقطع وخافت أثر البكاء

=خايفة..

لوت زنوبة فمها وقالت بقلة حيلة

=خايفة من إيه طيب؟ هو مش المحامي قالك إن النقض اتقبل والجلسة كمان يومين؟

أومأت صبا برأسها ببطء وهي تمسح أنفها بطرف كمها، لتابع زنوبة بلهجة واثقة

=وكمان قالك إن احتمال كبير جداً يخرج!

عادت صبا لتومئ مجدداً دون أن تتوقف دموعها، فصاحت زنوبة بتعب فكاهي

=أمال بتعيطي ليه بقى؟! هو أنتِ غاوية نكد؟ عندك دموع زيادة يعني وعايزة تخلصي منها؟!
4

اعتدلت صبا في جلستها، ونظرت لزنوبة بملامح يملأها القلق قائلة

=خايفة يحصل حاجة وميخرجش.. خايفة أوي يا زنوبة.

امتدت يد زنوبة الحرة تطبطب على كتفها بحنان، وقالت لها

=إن شاء الله هيخرج.. اهدي أنتِ بس وفكري في الحلو مش الوحش، واهدي يا حبيبتي.

رفعت صبا عينيها نحو السقف، وقالت بنبرة مليئة بالأمل والدعاء

=يارب.. يارب أنت العالم يارب..

ثم التفتت لزنوبة وتابعت بضيق

=أنا مش عارفة مين باصصلي في حياتي كده.
2

اشتعلت ملامح زنوبة بالغضب والهجوم، وقالت باحتقان

=هيكون مين غيرها؟! إلهي وربنا يولع فيها.. خالتك الأرشانه هي وجوزها!

لوت صبا شفتيها بقرف وقالت مقاطعة

=بس بس.. افتكري لنا حاجة عدلة بالله عليكي، مش ناقصة قرف على المحبس ده!
4

هزت زنوبة رأسها موافقة

=والله عندك حق، بلاش نكدر نفسنا بسيرتهم الجربانة..

ثم التفتت بعينيها تتأمل أركان الغرفة وتابعت ببهجة

=بس بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك يا صُبا.. الشقة جميلة أوي أوي!

تلاشت غيوم الحزن عن وجه صبا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة قائلة بفخر

=عجبتك؟.. عجبتني أوي أوي أنا كمان، ذوقه حلو أوي حبيبي.. كل ما فيه جميل.
2

غمزت لها زنوبة بخبث ومحبة، وقالت تداعبها

=وإيه كمان يا ست شادية؟ أشجينا!

تنهدت صبا بعمق، وسرحت بعينيها وهي تقول بهيام وعشق

=هيححح.. كتير كتير! طوله وعرضه، شكله، رجولته، صوته، وكل حاجة.. كل حاجة فيه قمر، يلاهوي قمر! حتى الوشم اللي على إيده ده، يلاهوي يلاهوي لما مسك إيدي كده كان هيغمى عليا خلاص! ولا لما حضني وبقيت في حضنه.. يلاهوي أنا معرفش مموتش إزاي ساعتها!
2

كانت تتحدث بلهفة وحب جارف تلمع به عيناها، بينما كانت زنوبة تستمع إليها بسعادة غامرة، تنظر إليها وكأنها ابنتها الصغيرة التي عانت كثيراً وأخيراً تطمئن عليها وعلى قلبها.

مدت زنوبة يديها وحاوطت وجه صبا بحنان، وقالت وعيناها تلمعان بالدموع

=ربنا يرجعهولك بالسلامة يا حبيبتي يارب، وأطمن عليكي بقى وأشوفك أسعد واحدة.

ابتسمت صبا بدفء، وقبل أن تنطق بكلمة، انطلق صوت طرقات خفيفة على باب الشقة.

قطبت صبا حاجبيها مستغربة وقالت

=إيه ده؟ هو أنتِ مستنية حد؟

نظرت إليها زنوبة بلا تصديق وقالت بضحكة ساخرة

=أنا اللي مستنية يا بت الهبلة؟! ده بيتك يا بت أنتِ

ضربت صبا جبهتها بخفة وقالت باحراج

=آه صح.. طب استني.

قامت صبا متوجهة نحو الباب وفتحته، لتجد تامر واقفاً ويبتسم لها برقي قائل قائلًا

=مدام صبا.. إزيك؟

ردت صبا بترحيب

=إزيك يا أستاذ تامر، اتفضل ادخل.

نفى تامر برأسه بسرعة قائلًا

=لا لا شكراً، أنا بس جيت أديكي شهادة الميلاد بتاعة غزال.. معلش اتأخرت عليكي بس مكنش عندي وقت أروح للمحامي أستلمها منه.

مد يده بالورقة الرسمية، فأخذتها صبا بلهفة وهي تقول بامتنان

=لا لا ولا يهمك.. ده كفاية تعبك معانا، تعبناك أوي.

ابتسم تامر بود وقال وهو يستدير للمغادرة

=مفيش تعب ولا حاجة.. إن شاء الله يوم الجلسة الصبح هعدي عليكي عشان تحضريها.

أومأت له صبا برأسها شاكرة

=إن شاء الله، تعيش يا أستاذ تامر.

أغلقت الباب فور رحيله، والتفتت مستندة بظهرها على الخشب. رفعت الورقة أمام عينيها، وهبطت نظراتها مباشرة على الاسم المدون بالخط الأسود العريض
غزال حاتم أيمن محمود المرسي

لم تتمالك صبا نفسها؛ انطلقت من حنجرتها صرخة سعادة مجنونة هزت أرجاء الشقة، وضمت الشهادة إلى صدرها بقوة وهي تقفز بطفولية، ثم راحت تقبل الورقة مراراً وتكراراً والدموع هذه المرة دموع فرح غسلت كل خوفها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان رشيد يتحرك كالنمر الحبيس، خطواته الثقيلة تحفر الأرض، وعيونه تطلق شرارات الغضب التي جعلت الرجال الواقفين أمامه يبتلعون ريقهم برعب، يتبادلون نظرات متوجسة، وكل منهم يتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن تقع عينا رشيد عليه.
4

فجأة، توقف رشيد، والتفت إليهم بعروق نافر وجه ممتد بالغضب، وصرخ بصوت زلزل أركان المكان

= بقالكم شهر بتقولولي بندور؟ الأرض انشقت وبلعتها ولا إيه ؟! حتت عيلة تدوخكم الدوخة دي،ولا انا مشغل عندي نسوان مش عارفة تشتغل.

تقدم خطوة واسعة نحو أحدهم، فارتد الرجل إلى الخلف تلقائيًا وهو يرفع يديه بخوف

=يا رشيد بيه، والله العظيم ما قصرنا، إحنا قلبنا عليها الدنيا، ورجالتنا في كل شبر في البلد...

قاطعه رشيد وهو يضرب الطاولة بقبضته ضربة روتينية هزت أركان الغرفة، وصاح بهستيرية

=أنا مش عايز أسمع مبررات! صبا لازم تيجي، فاهمين؟ صبا لو ما جتش تحت رجلي هنا قبل الشمس ما تطلع، هكون دافنكم مكانها! أنا رشيد، حتة عيلة تلوّي دراعي وتستغفلني؟! اتصرفوا،  انشالله تفتشوا في بطن الأرض، لازم تلاقوها!

تنحنح رجل آخر من الخلف، والذعر يملأ نبرته وهو يحاول تهدئة العاصفة

= يا باشا، إحنا واصلين لأبعد مما تتخيل... حتى بيت خالتها مراقبينه أربعة وعشرين ساعة، ومفيش حد بيدخل هناك من غير ما نعرف، ورجالتنا  عينيهم في كل حتة ممكن تخطر على بالك.. هي فص ملح وداب!

التفت إليه رشيد ببطء قاتل، وعيناه تضيقان بجنون، ثم اقترب منه حتى كاد يلامس وجهه، وهمس بنبرة فحيح الأفاعي التي هي أشد رعبًا من صراخه

=فص ملح وداب؟ مفيش حاجة بتدوب وأنا موجود يا روح أمك.. بيت خالتها، بيت عمتها، الشوارع، الحارات.. تفتشوا حتى في جيوب الناس! لو لمحت واحد فيكم جايلي وإيده فاضية المرة الجاية.. ما يلومش غير نفسه،غوروا من وشي!
2

انفض الرجال من أمامه يهرولون نحو الخارج كأنهم يفرون من حقل ألغام، تاركين خلفهم رشيد وهو يتنفس بصعوبة، وعقله يغلي بأفكار الانتقام.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت غدران تقف في شرفة غرفتها، تستند ببراح على السور الحديدي، وتغلق عينيها نصف إغلاق وهي تستنشق الهواء العليل الذي يداعب وجهها، في يدها كوب من العصير البارد ترتشف منه ببطء، وتستمتع بتلك اللحظة النادرة من الهدوء والراحة، كأن العالم كله قد توقف عن الدوران ليعطيها هدنة قصيرة.

قطع هذا السكون رنين هاتفها،أخرجته من جيبها ونظرت إلى الشاشة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية دافئة عندما رأت اسم معتز  ضغطت زر الرد ورفعت الهاتف إلى أذنها قائلة بنبرة مشبوبة بالمشاكسة والدلال

= أخيرًا؟ اللي نساني ومبقاش يسأل فيا افتكرني؟

لكنها لم تجد من الطرف الآخر المزاح المعتاد؛ بل جاءها صوت معتز مشحونًا بقلق غريب وهلع مكتوم وهو يقول بسرعة

= غدران.. هو أنتِ جوزك مش اسمه عمر؟ مين أنس ده؟!

اتسعت ابتسامة غدران، وأخذت رشفة أخرى من عصيرها ببرود وهي تدور بجسدها في الشرفة، ثم قالت بنبرة هادئة

= ده حوار طويل كده.. هبقى أحكيهولك لما أشوفك، بس هو اسمه أنس فعلاً.

تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وهبطت يدها بالكوب لتمسك به بقوة، عندما سمعت معتز يتابع بنبرة أكثر جدية وغرابة

= هو أنتِ بعتيله الشركات يا غدران؟

خفق قلبها فجأة وبدأت الطمأنينة تتبخر من صدرها. عقدت حاجبيها وقالت بصدمة ونفي قاطع

= بعتله إيه؟ لا طبعًا! شركات إيه اللي أبيعهاله؟!

قال معتز باستغراب ودهشة شديدة

=أمال إيه الصورة اللي هو متصورها في مكتب باباكي الله يرحمه دي؟ الخبر مالي السوشيال ميديا بقاله فترة بس أنا لسه شايفه حالا!.. متصور في المكتب ومكتوب إن تم ضم شركات المرسي مع شركات العطار بعد تعرض عائلة المرسي للإفلاس!
3

تثمرت غدران في مكانها كأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميها، تجمدت الدماء في عروقها، وسقط كوب العصير من يدها لينكسر على أرضية الشرفة وتتناثر شظاياه، دون أن تهتم، تلاشت كل ذرة راحة، وحل محلها خوف مرعب جعل الكلمات تخرج من فمها متلعثمة ومتقطعة

=ابعـ.. ابعت.. ابعت لينك البوست كده يا معتز.. ابعته حالاً!

شعر معتز بمدى رعبها، فقال بنبرة جادة

= حاضر، هقفل وأبعته لك أهو.

انقطع الاتصال ، وثوانٍ معدودة حتى اهتز الهاتف بمعلنًا عن وصول الرابط،تجمعت الدموع في عينيها وهي تفتح الرابط بأصابع ترتجف بعنف.

فتحت الصفحة، لتجد صورتـه.. واقفًا بكبرياء وثقة عمياء داخل مكتب والدها الراحل، المكتب الذي كان محرمًا على أي غريب،قرأت السطور المكتوبة تحت الصورة مرة واثنين وثلاثة، والصدمة تخرس لسانها،أنفاسها صارت متلاحقة وقوية كأنها تختنق، وبدأت تبكي بقهر وغليان داخلي وهي تهمس لنفسها بذهول وعدم تصديق
6

= ضحك عليا.. ضحك عليا تاني.. سرقني.. سرق كل حاجة!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقف رأفت أمام باب مكتب حرب، يده معلقة في الهواء كأنها خُشّبت، وثقل أنفاسه يكاد يمزق صدره من فرط التوتر،كان يعلم يقينًا ما ينتظره خلف هذا الباب، فالأجواء مشحونة، والأنباء التي يحملها كفيلة بقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع، أغمض عينيه، سحب نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه بقوة لعلّه يستجمع شتات شجاعته، ثم دفع الباب وتأهب للحديث فورًا.

لكنه تجمد مكانه، وانعقد حاجباه بذهول تلوّن بالغرابة وهو ينظر إلى الأريكة الجانبية هناك، كان يعقوب يتمدد براحة تامة تليق بمنتجع سياحي لا بمكتب رئيس مباحث، ممسكًا بكيس من اللب يزقزق فيه ببرود لا مثيل له، بينما عيناه شاخصتان في شاشة هاتفه يتابع شيئًا ما باستماتة، وعلى الجانب الآخر، خلف المكتب، كان حرب جالسًا، غارقًا في قراءة أوراق قضية مهمة بين يديه، واضعًا كفّه على جبينه دون أن يرفع رأسه حتى.

تطلع رأفت إلى المشهد، ثم أشار بيده نحو الأريكة وقال بذهول ونبرة ساخرة

= الولا ده بيعمل ايه هنا؟

دون أن يزيح حرب عينيه عن الأوراق، أجاب بنبرة رخيمة جامدة قاطعة

= قابض عليه.

انفجر رأفت ضاحكًا بصوت عالٍ تردد صداه في أركان الغرفة، وعقب بتهكم

= كده وقابض عليه؟! أُمّال لو جيبو تفسحو بقي كان هيبقي عامل ازاي؟!

ثم التفت صوب يعقوب، وضيّق عينيه قائلًا بنبرة عارفة

=هي برضو الي بلغت عنك؟

اعتدل يعقوب في جلسته ببطء، ونحّى كيس اللب جانبًا وهو ينفث زفرة حانقة، وقال بنبرة ممتعضة

= يا عم ينعل ميتين أم النسوان.. بت المَرة كل ما تتخانق معايا تبلغ عني وانا بحشش! انا تعبت!

هز رأفت رأسه بتعب وأسف، وعاتبه قائلًا

=ما انت الي عامل في نفسك كده، ما تسيبها وريح نفسك يا ابني.

انتفض يعقوب فجأة، واحتقن وجهه بغضب عارم وهو يصيح

=لااا.. كلو إلا أم كيان!

عقد رأفت حاجبيه باستغراب تام وقال

=كيان مين يلا؟

غمز يعقوب بعينه بخبث ومكر ملوّحًا بيده

= ابني مستقبلاً إن شاء الله.

نفى رأفت برأسه بيأس من حالته، وأشار له نحو الباب بصرامة

=طب اخلع يلا روح.. مش ناقصينك.

لوى يعقوب فمه باعتراض قاطع صائحًا

=خخخخ عليا الحرام ما هخلع! انا حرب قالي انه هيجيبلي غدا ووزة حلوه كده من السجن تحت وازازتين بيره، وهلف سجارتين حشيش
2

.فتحت بوقك دقيقتين  شيلتني تلات تهم!

قال حرب بقلة حيلة ونفاد صبر، في حين حدّق رأفت بيعقوب بصدمة حقيقية، والتفت حوله قائلًا بذهول

= يا ابني هو ده مكتب ولا غرزة؟!

لم يعر حرب كلامهما اهتمامًا، وظل ممسكًا بأوراقه، فتقدم رأفت نحو يعقوب وصاح به بغضب

= اخلع يلا!

رد يعقوب بعناد وتحدٍّ

= مش هخلععع.. انا حضرتو خلاص!

برقت عينا رأفت بغيظ

=هو ايه؟!

ابتسم يعقوب بخبث والتوت شفتاه وهو يقول بوقاحة

= الي تحت السوسته.

اشتعل رأس رأفت غضبًا، وجذب هاتفه من جيبه بسرعة، وبدأ يتصنع البحث في قائمة الأسماء وهو يصيح مهددًا بصوت مسموع

= انا هجيب الي هيلم ميتين أهلك.. زياد الشايب.. زياد الشايب.

أخذ يعقوب يصفق بيديه بابتسامة عريضة طائشة وهو يقول

= اوعى بقى البرنس الكبير! رنلو.. خليه يجي يتمزج معانا.

نظر إليه رأفت بصدمة شلت تفكيره، وتمتم بذهول

=يا ابني هو انت ملكش كبير؟!

أجابه يعقوب ببرود جاف وهو يشير لأسفله

=لا ليا.. كبيري تحت السوستة.

احمرّ وجه رأفت من شدة الغيظ، وعاد ينظر في شاشة هاتفه هاتفًا بوعيد

=عز الشايب.. عز الشايب.

في لمح البصر، انتفض يعقوب من مكانه واقترب من رأفت بلهفة وخوف حقيقي، وقال بتوسل سريع

= لا لا.. عز اخويا لا! ده يفشخني قبل ما ادخل علي البت.. ياعم يرضيك؟!
4

دفع رأفت كتفه بقسوة وقال

= اخلع يلا.

تمتم يعقوب وهو يتراجع للخلف

=ماشي

وتظاهر بالخروج، لكنه في خطوة مباغتة، التفت وبحركة سريعة خبيثة شد بنطلون رأفت لأسفل يوقعه أرضًا، وهو يقول بضحكة ماكرة

= خليه يشم هو يا عم ليكمكم!
5

=يابن الوسخخه!

صرخ بها رأفت بغضب أعمى، لكن يعقوب كان قد انطلق كالسهم خارج المكتب وأغلق الباب خلفه،في تلك الأثناء، رفع حرب عينيه أخيرًا، ينظر إلى رأفت بصمت تام ونظرات خاوية خالية من أي رد فعل.

أسرع رأفت برفع بنطاله وإصلاح هندامه، وخنق الدنيا كله يملأ وجهه، تقدم بضع خطوات وجلس على الكرسي المقابل لحرب، وبادره قائلًا بنبرة محتقنة

=مالك مش طايق نفسك ليه؟

هز حرب رأسه نفيًا ببرود، وأجاب باقتضاب

=مفيش.. تعبان من الشغل، بس كنت لسه هنزل الحجز اخد البت جواهر واروح.

تطلع إليه رأفت بنظرة مثقلة بالتعب والشفقة، وقال بلوم

= انت مبتزهقش ياحرب من عيشتك دي؟

تحولت نظرات حرب فجأة إلى حدة الصقر، ونطق باقتضاب حذر تحذيري

= رأفت!

لوّح رأفت بيده متراجعًا

=خلاص خلاص.. خلينا في الي انا جتيلك علشانه

أرجع حرب ظهره للخلف، وقال ببرود

=ارغي.

انقبضت ملامح رأفت، وعاد التوتر ليتملكه بصورة أشد، وفرك كفيه ببعضهما قائلًا بصوت متهدج

=حاتم..

ما إن وقع الاسم على مسامع حرب، حتى تبدلت ملامحه تمامًا؛ ألقى بالقلم الذي كان بيده بقوة فوق المكتب، وانتصب في جلسته قائلًا بعينين متسعتين

=ماله؟!

ابتلع رأفت ريقه بصعوبة، ونطق الكلمات كأنها جمر يخرج من فمه

=عايز اتجوز اخته.

=خخخخخخخ!

كان هذا الصوت  الحاد هو كل ما خرج من فم حرب، قبل أن ينتفض واقفًا من على كرسيه، ويلف من حول المكتب ليقف وجهًا لوجه أمام رأفت، وصاح به مستنكرًا

= انت اتهبلت ولا ايه؟!

وقف رأفت هو الآخر، رافضًا التراجع، وقال بنبرة حاسمة

=لا يا حرب متهبلتش.. انا حبيت!

ضيق حرب عينيه بغضب وازدراء

=ملقتش غير دي وتحبها؟!

هتف رأفت بدافع يملأه الشغف

=مالها دي؟!

اقترب حرب منه خطوة، وشرايين عنقه تكاد تنفجر وهو يذكره بالماضي الدامي

=مالها؟! دي الي بسبب اخوها انا قتلت اختك!
3

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ارتسمت فيه ظلال ذكريات قديمة ومريرة على وجه رأفت تيبست ملامحه، ثم قال بنبرة هادئة لكنها مشحونة بغضب دفين

= دي مش اختي.. من يوم ما دفنتها بايدي وقلتلك دي مش اختي.. الي اجيبها من علي سرير راجل تاني متبقتش اختي!
2

انفجر حرب صائحًا بوجهه، وصوته يزلزل جدران الغرفة

=جبتها من علي سرير الي عايز تتجوز اختو! انت فاهم انت بتعمل ايه؟!
1

صاح رأفت في المقابل، معلنًا عصيانه وتشبثه برغبته

= فاهم وعارف وبحبها وعايزها!

حدق فيه حرب بنظرات نارية، غضب وخذلان يمتزجان في عينيه، وقال بسخرية لاذعة

= لا دانت شكلك اتجنيت فعلاً..  وعشان كده مفتحتش بوقك لما صبا جت؟كنت عارف انه في المستشفى؟ وجي عايز ايه بقي؟

تطلع إليه رأفت بنظرة رجاء أخيرة، ونطق بطلبه

=عايزك تكلم عمي معايا عشان يجي معايا نتقدم لي اخوها في السجن.

دوت ضحكات حرب في المكتب، ضحكات هزلية مريرة، ثم قال متهكمًا

= عايزني اروح لي ابويا اقولو ايه؟ ازيك يا سيادة اللوا.. كنت عايزك معايا في مشوار نروح نجوز رأفت لي اخت الي مراتي خانتني معاه؟!

لم يتحمل رأفت المزيد؛ جمع أغراضه وهاتفه بحدة من فوق المكتب، وتحرك نحو الباب وهو يقول بثقة تامة

=قولو زي ما تقولو،انا عارف انك هتعرف تقنعو ياحرب، وعارف انك هتقف جمبي زي مابتقف جمبي علي طول.

لم يجبه حرب بكلام،رمقه بنظرة غضب عارمة، واندفع يسبقه خارجًا من المكتب، متوجهًا بخطوات واسعة ثائرة نحو الحجز في الطابق السفلي.

وصل حرب إلى الباب الحديدي، ودفعه بقوة وعنف صائحًا بنبرة هزت الممر

=جواااااهر

انتفضت جواهر من مكانها بذعر، وعدّلت من جلستها بسرعة قائلة بولاء مشوب بالخوف

= أمرك يا باشا!

دون أن ينطق بكلمة أخرى، جذبها حرب من ذراعها بغضب مفرط واندفاع أعمى، يجرها وراءه وهو يغادر مبنى القسم كالإعصار.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت رشا تجلس في ركن صالونها، تحاول جاهدة أن تبدد غيمة القلق الجاثمة فوق صدرها، بينما جلست ابنتها نيرة إلى جوارها شاردة الذهن،ساد الصمت أرجاء المكان لولا رنين الهاتف المفاجئ الذي مزق ذلك السكون، التقطت رشا الهاتف بوجل، وضعت السماعة على أذنها مستمعة للطرف الآخر، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى شحب لونها تمامًا، وانتفضت واقفة في مكانها كمن صعقتها الكهرباء.
2

وقفت رشا مذهولة، وتحدثت بنبرة حادة غلفتها الصدمة

= وده حصل امتى؟!

صمتت لبرهة، تتنفس بصعوبة وصدرها يعلو ويهبط وهي تستمع إلى رد المتصل، قبل أن تنفجر فيه بغضب عارم صبغت حرارته صوتها

= وازاي يا متخلف متقوليش غير دلوقتي؟! جاي تقولي لما اتجوزها؟! أعمل إيه أنا دلوقتي؟!

أمام هذا الانفعال المفاجئ، نهضت نيرة هي الأخرى، وقد تسلل الرعب إلى عينيها، واقتربت من والدتها بخطوات متوجسة تسألها بقلق

= في إيه يا ماما؟

لم تلتفت رشا إليها ولم تعرها أي اهتمام، بل ظلت مستغرقة في مكالمتها، وعيناها تدوران في الغرفة بجنون وهي تسأل المتصل بنبرة لاهثة

= أنهي شقة؟ ومين ده اللي بيطلعلها كل يومين؟!

استمعت إلى الإجابة السريعة من الطرف الآخر، وقاطعت حديثه بحدة وهي تضغط على أزرار الهاتف لإنهاء المكالمة:

=طب اقفل.. اقفل وأنا هتصرف!

أنزلت رشا يدها وهي تكاد تخترق الهاتف بأصابعها من فرط التوتر، لتجد نيرة تقف أمامها مباشرة، وقد تملكها الخوف وهي تكرر سؤالها بلجاجة

=في إيه يا ماما؟

التفتت رشا إليها، ورمقتها بنظرة نارية ممزوجة بالغل والندم، وصاحت فيها بمرارة

=ضيعتيه من إيديكِ يا متخلفة! أهو اتجوز واحدة تانية.. ياما قولتلك خليكِ لزقالوا!

وقعت الكلمات على مسامع نيرة كالصاعقة، وفهمت على الفور أن حديث والدتها لا يدور إلا عن رجل واحد تملكتها حالة من الغضب المكبوت والدفاع عن النفس، فصرخت في وجه أمها بعينين مشتعلتين

= وأنا أعمل إيه يعني؟! ما أنتِ شوفتي لما روحتلو طردني! ولما روحتلو تاني مرضيش يشوفني.. أعمل إيه أكتر من كده يعني؟!

زفرت رشا بغضب وضيق شديد، وشوحت بيدها في الهواء محاولة إسكاتها، وهي تدور حول نفسها في الغرفة لتبحث عن مخرج لهذه الكارثة، وقالت بنبرة حاسمة متوعدة

=طب اسكتي.. اسكتي وسيبيني أفكر وهشوف هعمل إيه.. لحسن حاتم لو ضاع مننا كل حاجة هتضيع! مش كفاية أبوه اللي مختفي ومعرفش عنو أي حاجة!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان الصمتُ يلفُّ مكتب انس الفاخر، لا يقطعه سوى صرير قلمه الفخم وهو يوقّع على كومة من الأوراق أمامه بتركيز تام، قطع هذا السكون دخول وائل الذي تقدم بخطوات حذرة، ووقف أمام المكتب ممتلئًا بالوجوم. تنحنح وائل وقال بنبرة منخفضة

=أدهم جه هو والناس اللي تبعه.. أخدوا جثة أيمن ومشيوا.

لم يرفع أنس عينه عن الأوراق، واكتفى بهزة رأس خفيفة إيماءة برودٍ تام، وتابع التوقيع دون أن تنقطع حركة قلمه السيالة، ثم سأل بنبرة رخيمة هادئة

=وصلاح؟

رد وائل بسرعة وهو يشبك يديه خلف ظهره

=مكمل جرعته.. مبيفوتش يوم يا باشا.

أومأ أنس مرة أخرى، وأغلق ملفًا أمامه، ثم قال وعيناه تتطلعان إلى الفراغ بنظرة حادة

=بكره هروح وأشوفه.

في تلك اللحظة، انطلق صوت رنين هاتفه المحمول فوق المكتب التفت أنس إلى الشاشة، وارتسمت على وجهه أمارات الاستغراب والدهشة حين قرأ الاسم المكتوب

التقط الهاتف، وفتح الخط بنبرة هادئة يملؤها التساؤل

= ألو.. يا حليمة؟
2

لم يأته صوتها طبيعيًا، بل جاءه عبر السماعة صوت انهيار مروع، وبكاء مرير يمزق الصدر،صرخت من بين دموعها مستغيثة

=الحقني يا أنس!

انتفض أنس من مقعده في ثانية واحدة، وتصلب جسده وعيناه تشتعلان قلقًا، وقال بنبرة جهورية

= مالك في إيه؟! الولا حصله حاجة؟!

جاءه صوتها الغارق في النحيب وهي تكاد تبتلع الحروف من شدة الرعب

= مش لاقية حسن يا أنس.. بدور عليه من الصبح مش لقياه!

لم ينتظر أنس سماع كلمة أخرى، تحرك كالإعصار خلف مكتبه متوجهًا نحو الباب بخطوات واسعة، وخلفه وائل الذي تحفز فورًا وتابعه دون فهم،صرخ أنس في الهاتف بغضب عارم وعروق عنقه تكاد تنفجر

=من الصبح؟! وجاية تقوليلي دلوقتي؟! مكلمتنيش من الصبح ليه؟!

لم يسمع منها سوى نشيج وبكاء متواصل زاد من ثورته، هبط إلى الأسفل، وخرج من مبنى الشركة بسرعة جنونية، ليركب سيارته وخلف المقود وائل الذي انطلق بالسيارة بأقصى سرعة مستشعرًا الخطر.

زعق أنس في الهاتف مجددًا

=إنتي فين؟!

ردت حليمة بصوت متقطع يرتجف

=أنا لسه في الغردقة.. تبع رحلة حسن.

أغلق أنس الخط في وجهها بعنف دون أن ينطق بكلمة أخرى، وأشار لوائل بيده بحدة، لتشق السيارة طريقها الطويل والمليء بالتوتر والصمت الثقيل نحو الغردقة،مر الوقت بطيئًا كأنه دهر، والساعات تمر وأنس يغلي في مقعده وعيناه تلمعان بشرر لا يرحم.

أخيرًا، فرملت السيارة بقوة أمام الفندق الشهير في الغردقة، ترجل أنس منها وعاصفة الغضب تسبقه، ودلف إلى البهو الواسع بخطوات مرعبة،وقع نظره فورًا على حليمة وهي تقف في وسط البهو، منهارة تمامًا والدموع تغرق وجهها، ويقف إلى جوارها ونيس ممسكًا بهاتفه، يجري اتصالاته بلهجة جادة وصوت منخفض محاولًا تدارك الموقف.

ما إن أبصرت حليمة طيفه، حتى جرت نحوه بضعف، وصاحت بنبرة مكسورة

= أنس!

تطلع إليها وعيناه تشتعلان غضبًا، وسألها بصوت كفحيح الأفعى

= وصلتوا لحاجة؟

هزت رأسها يمينًا وشمالًا بنفي يملؤه الرعب، وقالت بصوت متحشرج

= كاميرا الفندق جابتهم وهما خارجين من الفندق بس.. مفيش حاجة تانية.

أومأ لها أنس ببطء شديد، نظرة عينيه تحولت إلى برود قاتل، واقترب منها خطوة واحدة، وهمس بتهديد زلزل كيانها

=حسابك معايا لما ألاقي ابني يا حليمة.. عليا الحرام لو ابني حصله حاجة لادفنك مكانك!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت تفوح من حارة السيدة زينب رائحة الدم الطازج الممتزجة بعبير الفحم المشتعل، حيث  دكان جزارة الشايب كشاهدٍ على فتوة المنطقة وصراعاتها، دخل ياسر  بخطوات عتبة المذبح، تلمع عيناه ببريقٍ خاص وهو ينظر إلى رفيق دربه، يتقدم ببطء، واضعًا يديه في جيبيه، ويقول بنبرة تملؤها الملامة

= مع إنك عيل خو* ومجتش تسأل عليا لما طلعت، بس أنا جتلك أهو!

كان زياد يجلس على مقعده الخشبي المعتاد، ينفث دخان الشيشة ببطء، وبمجرد أن وقعت عيناه على ياسر، انتفض واقفًا، وترك لي الشيشة من يده، وصاح بنبرة حادة غاضبة
3

=طول ما أنت ماشي في طريقك الوسخ ده، مش هسأل عليك يا ع*ص!

لكن ما إن هدأ الصدى في المكان حتى اندفع زياد نحو ياسر ليحتضنه بقوة بالغة، معبرًا عن لهفة الصاحب لصاحبه، وهو يهمس في أذنه

=كفارة يا صاحبي..

بادله ياسر العناق بذات القوة، وربت على ظهره ضاحكًا بامتنان

= عم العيال يا عم..

من خلفهما، حيث تتأرجح الذبائح، كان هناك جسدٌ معلقٌ من رجليه، لا يرتدي سوى شورت قصير، وعارٍ من بقية جسده، تحرك الجسد فجأة وصاح بنبرة باكية مستنكرة
2

= هو أنتو بتحضنوا بعض وسايبني كده؟!

التفت ياسر بصدمة، اتسعت عيناه وهو يتطلع إلى هذا المشهد، فلم يلمح جبران المعلق كخروف مستعد للسلخ إلا الآن،ينظر إليه بذهول ويقول

= يخربيت أهلك! إيه اللي علقك كده؟!

عاد زياد إلى مقعده بهدوء مريب،  وهو يمسك بالشيشة مجددًا، وسحب نفسًا عميقًا، بينما استرسل جبران في توسلاته

=يا عم غلطت يا عم.. خليه ينزلني بقى، أنا متعلق كده من الصبح.

التفت ياسر إلى زياد، محاولاً استعطافه بنبرة هادئة

=نزله يا زوز معلش..

سحب زياد نفسًا قويًا من الشيشة، ثم خرجه بغضب وهو يصيح

= خخخخ.. عليا الحرام ما هنزله غير لما يجيله البواسير العر* ده!

وجه ياسر نظراته اللائمة إلى جبران المعلق

= أنت عملت إيه يا ابني؟

صاح جبران بقلة حيلة محاولاً التبرير

=قسمًا بالله ما كان قصدي! أنا شفت الجماعة بتاعته وكلمتني سوري، العشم أخدني وقولتلها يؤبرنيييي..
4

لم يكد جبران ينهي كلمته الأخيرة حتى اندفع زياد نحوه ووجّه إليه صفعة قوية على وجهه جعلت جسده يتأرجح، وهو يصرخ به

=شاطر إنك صحيت ناري تاني! عليا الحرام أنت بايت هنا النهارده وأنت متعلق كده يعر*!

صرخ جبران بوجع ملتفتًا إلى ياسر

= يا ياسر خليه ينزلني، أنا ملط من الصبح!

ابتسم ياسر بسخرية لا مبالية، ويتكئ على الطاولة قائلاً

= جبران حبيبي.. أنا بقالي عشرين سنة عارفك، العشرين سنة دول عمري ما شفتك لابس، أنا على طول شايفك ملط.. إيه الجديد؟!
1

زفر جبران بغضب عارم، وتحركت رجلاه المعوّقتان في الهواء

= يا جماعة بقى يا جماعااااه.. عندي خروجة مهمة قسمًا بالله!

نظر إليه زياد بضيق ويسأله

= خروجة إيه دي يا خو*؟

تابع جبران بلهفة

=عندي ليلة مع واحدة شاقطها من على الفيس يا عم، نزلني أخلص الليلة وارجعلك!

اشتعلت عينا زياد بالغضب، ويقف مجددًا مهددًا

=لو قومت دلوقتي، هعمل حاجة واحدة بس.. هحطلك الشيشة دي في...

قاطعه ياسر مهدئًا وهو يمسك بذراعه

= بس بس بس.. إيه؟ استهدي بالله كده!

نظر جبران إليهما بغيظ شديد، ثم يلتفت لياسر بنبرة توسل جديدة

=طب انا عايز سيجارة.

اخرج ياسر علبة سجائره، ويسحب منها واحدة واقترب ليضعها في فم جبران، لكن الأخير التفت قائلًا

= لأ.. أنا عايزها محشية!
2

ضربه ياسر بكف يده على وجهه بخفة مستنكرًا

= تصدق يلا إنك تستاهل؟ ده أنت عيل ابن عر* صحيح!

في تلك اللحظة، دخل يعقوب إلى الدكان بخطوات متبخترة، يرفع يده مشيرًا إلى زياد بتحية حارة:

=الرجولة والجدعنة يعني.. معلم السيدة زينب كلها!

زفر زياد دخان الشيشة الكثيف في وجهه وهو يقول بنبرة جافة

=كنت فين يا ابن المرة؟

اجابه يعقوب بابتسامة خبيثة

=مشوار صغير كده لغاية حرب..

ضحك ياسر ملمحًا بمزاح

= هي لسه بتبلغ عنك كل ما تتخانق معاك؟

غمز يعقوب بعينه ويقول بثقة

= أصل إحنا الحب عندنا مختلف شوية.

علق ياسر متهكمًا

= حب إيه يا ابني ده أنت شايل الهم!

تنهد يعقوب مصلحًا بياقة قميصه، وقال بنبرة مسرحية

=الهموم زي الجبال بس بتروح أول ما بشوف أم العيال.. شيكسسسس!
6

أطلق كلمته الأخيرة بصوتٍ عالٍ التفتت على أثره هدية التي كانت قد وقفت في مكانها على بُعد خطوات، تنظر إليه بغضب عارم وتسرع بخطواتها نحو بيت يعقوب.

تغيرت ملامح يعقوب فورًا وقال بارتبا

= طيب.. هخلع أنا!

مشى يعقوب خلفها بسرعة، ليجدها واقفة تنتظره في منتصف مدخل البيت، وعيناها تطبخان غيظًا، نظرت له بحده

= عارف؟ أنا بعد كده هبلغ عنه هو كمان اللي بيطلعك ده!

تقدم يعقوب بخطوات سريعة وحاصرها بين جسده والحائط، نظر في عينيها مباشرة وقال بنبرة منخفضة مفعمة بالرغبة

= عليا الحرام بحبك..

نظر في عينيه بغضب محاولة المقاومة

= آه.. وعشان كده فضلت صحابك عليا ورحت تقعد معاهم؟!

مرر يعقوب يده ببطء على خصرها، مقربًا إياها منه، وقال بخبث

= يا بت صحاب مين؟ هو حد يسيب البطة دي ويروح يقعد في قعدة ناشفة كده؟ ده الولا توتوس كان معاه حوار كنا بنحله.

لوحدت هدية بيدها متهكمة

— آه.. وأنت بقى الحامي اللي بترجعلهم حقهم؟

اقترب يعقوب من فمها حتى تكاد تتلاقى أنفاسهما، وقاا بنبرة تحدٍّ رجولية

=خخخ عندك رأي تاني يا مرة ولا إيه؟ خخخخ مش راجل أنا ولا إيه؟

تغيرت ملامح هدية فجأة، وحاوطت وجهه بكفيها قائلة بعشق جارف

=فشررر.. ده أنت سيد الرجالة كلهم!

مالت عليه تقبله بشوقٍ جارف، ليبادلها يعقوب القبلة بعنف، ممسكًا بجسدها ومقربًا إياه من جسده، بينما تتحرك يداه بوقاحة واستكشاف على منحنيات جسدها، وهي تبادله الشوق الشوق مماثل ويديها تعبث في خصلات شعره فجأة، لمحت هدية بطرف عينها امرأة تقف في الشارع وتتطلع نحو يعقوب بصدمة وذهول.

ابتدعت هدية عن يعقوب بسرعة، والتفتت نحو المرأة وهي تصرخ بها بغضب

=جرى إيه يا مرة؟ مبحلقة فيه كده ليه؟ ما تيجي تبوسيه بالمرة!
2

ظلت  المرأة متنحة في مكانها تنظر ليعقوب، فتحركت هدية خطوة للأمام وصاحت بها مهددة

=غوري يا مرة من وشي بدل ما أطلع ميتين أهلك.. غوري!

فرت  المرأة هاربة برعب، فضحك يعقوب بخبث، وانحنى ليحمل هدية بين ذراعيه قائلاً

=حبيبي الشرس..

بدأ بصعود السلم بها وهو يهمس

= تعالي نطلع عشان وحشاني أوي، ومش كل شوية حد هيجي يشوفني..

انهى حديثه وهو يقبلها وهو  يصعد السلم، وهي تبادله القبلات بحرارة وذراعاها حول عنقه حتى وصل إلى باب الشقة، وفتحه بيده الحرة دون أن يفصل قبلتهما، ليدخل ويغلق الباب بقدمه، ثم يتجه مباشرة نحو الكنبة في الصالة ويجلس واضعًا إياها فوق ركبتيه، مستمرًا في تقبيلها،اما هي فلم تبخل عليه بشغفها فكانت تبادله القبله بلوعه ومب،ويديها تمر أسفل قميصه على صدره العاري.

ابتعد يعقوب عن فمها قليلاً وهو يتنفس بصعوبة، ونظر إليها بعينين ذابلتين

=كنتي وحشاني يا بنت المرة..

مسد بيده بجرأة على صدرها وتابع بنبرة متوسلة وقحة

=مش ناوية ترحمي ميتين أمي بقى وتخليني أكتب وأدخل على أمك؟ مبقتش قادر!

صحكت هدية بدلال، وهي تميل لتقبل رقبته بنعومة، مما جعله يميل برأسه للخلف مستمتعًا بالمتعة

= يا حبيبي طب وأنا أعمل إيه؟ أبويا هو اللي مش موافق.. قالي لما تخلصي تعليمك، وكمان أنت عارف هو مش موافق عليك أنت بالذات.

اطلق يعقوب ضحكة ساخرة وقال بوقاحة

= خخخخ.. محسسني إن أنا غريب! خخخ ده أنا كنت بغيرلك وأنتي صغيرة.. ده أنا حافظه من ساعة ما كان قد كده لغاية لما بقى قد الملبن وجاهز يتاكل أكل!

في هذه اللحظة فتح باب الشقة فجأة ودخلت مروة وهي تحمل بعض الأغراض، لتصيح بتعب وصدمة فور رؤيتهما

=يلاهوي علياااا! نفسي أغيب شوية مرجعش ألاقيك في وضع مخل يا ابن أختي!

وققت هدية من على ركبتيه وهي تحاول ترتيب ملابسها، بينما قال يعقوب بخبث مفرط

=مقدرش والله يا مرمر.. دي طاقة مكبوتة لازم تطلع!

عدلت هدية خصلات شعرها وهي تقول بوقاحة صريحة

= آه.. طاقة بتطلع تهدني أنا!
1

بحلقت  مروة فيها بصدمة عارمة، ولم تستطع اعتياد هذه الوقاحة، فهزت رأسها بقلة حيلة قائلة

=تربية يعقوب.. هستنى إيه من تربية يعقوب؟

رد يعقوب مدافعًا بوقاحة واعتزاز

= مالها تربية يعقوب يا خالتي؟ طلعتها راجل مع أي دكر، وبطاية تتاكل أكل معايا أنا!

قالت هدية على يعقوب مجددًا، تطبطب على صدره بدلال وقالت

=قلب البطاية..

لطمت مروة على صدرها بخفة وصاحت

= يلاهوييي عليا! يا بت.. يا بت اصبري لما يتجوزك طيب!

ردت هدية بضيق طفولي

= حاضر يا خالتي حاضر..

اشارت مروة نحو الأرض وهي تقول

= اقعدي طري البتنجان لغاية لما أرجعلك، هروح أنده البت رنا.

جلست هدية على الأرض وبدأت في العمل، بينما جلس يعقوب أمامها مباشرة، يراقبها باهتمام ونظرات وقحة لا تفارق جسدها،نظرت إليه هدية بضيق وسألته

=أنت هتفضل قاعدلي كده؟

اجابها بنبرة خبيثة غامضة

=أنا مش متحرك من هنا النهارده.

زفرت بغضب واستمرت في تطرية الباذنجان بيديها أمام عينيه، اما يعقوب فكان يبتلع ريقه بين الحين والآخر، متخيلًا حركات يديها في سياقات وقحة للغاية، وعندما أمسكت هدية بالسكين فجأة لتقطع العنق الأخضر للباذنجانة، فزع يعقوب ووضع يديه بسرعة بين فخديه وصاح برعب
1

=لآآآآآآ!
في تلك اللحظة دخلت مروة وبرفقتها رنا، لتصرخ مروة بخوف من صيحته المفاجئة
2

= في إيه يا ابن المصروعة خضتني؟!

اطلعت هدية إلى يعقوب بخبث شديد وقالت لمروة

= لأ لأ يا خالتي متخديش في بالك.. أصل هو كده، التفكير الوسخ بيجيب لصاحبه المشاكل!

وجه يعقوب إليها نظرة مهددة وقال

= أنا تفكيري وسخ يا مرة؟ ماشي.. لينا دخلة أزنقك فيها، اتقلي عليا!

قالت رنا بخجل شديد، وهي تحاول تهدئة الأجواء

=يا ابني يا ابني احترم نفسك قدام أمك حتى!

التفتت إليها هدية مصححة بنبرة جافة

=خالته يا اختي.

ردت رنا موضحة

=مش رضعتو وهو صغير؟

علق يعقوب بوقاحته المعهودة وهو يغمز لهدية

=خالتي رضعتني وأنا صغير.. وهدهد هترضعني وأنا كبير!

قبل أن يتمكن أحد من الرد على يعقوب، دوي صوت انغلاق باب بعنف شديد من الشقة العلوية، مما جعل جدران البيت تهتز.

قالت هدية بقلق

= يا ساتر.. في إيه؟

نظرت مروة إلى رنا بأسى وهي تقول بنبرة خافتة

=الخناقة هتبدأ.. ربنا يستر.

في الشقة العلوية، كان الوضع مشتعلًا وقف زياد وعيناه تتطاير منهما الشرار، وأمامه تقف جمرة ترتعش من الخوف والرعب،صرخ زياد في وجهها بزئير مرعب

=هو أنا  مش قولت لميتين أمك طول ما في أي دكر في البيت متتكلميش سوري؟!

رجعت جمرة خطوة للخلف، وتحدثت بنبرة خائفة:

=وحياة الله نسيت

هبد زياد بكف يده بقوة مفرطة على الطاولة الخشبية حتى كادت تنكسر، وصاح بعصبية

= يعني إيه نسيتي؟! هو أنا كل يوم هفكر ميتين أهلك؟!

تراجعت خطوة أخرى للوراء، ووضعت يديها تلقائيًا على بطنها، وكأن شريط الماضي القاسي يتكرر في ذهنها بكل تفاصيله،نظرت  إليه بعينين باكيتين وقالت بنبرة متوسلة

=زياد.. أنا حامل.. ما رح تعمل يلي صار من قبل صح؟ أنت قلتلي إنك كنت معصب وقتها.. بس هلق لأ يا زياد، كرمال الله!

تغيرت ملامح زياد للحظة وهو يتذكر ما اقترفت يداه في الماضي، جز على أسنانه بغضب مكتوم، ثم أشار بيده نحو الممر وقال بنبرة حادة

=ادخلي أوضتك واقفلي عليكي!

تحدثت جمرة بخوف ونبرة متحشرجة

= زياد..

صرخ زياد بأعلى صوته حتى عروق عنقه كادت تنفجر

=ادخلي ميتين أم الأوضة واقفي على أهلك!

التفت جمرة وذهبت برعب نحو الغرفة واغلقت الباب وراءها
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان الممر الطويل للمستشفى بدا وكأنه لا ينتهي، كان أنس و ونيس، وحليمة يركضون بقلوب مرتجفة، تسبقهم خطواتهم المتعثرة وعيونهم الزائغة التي تبحث عن أي أمل وسط هذا الكابوس،لم تكن مجرد أقدام تجري، بل كانت أرواحاً معلقة بخيط رفيع من الخوف والرجاء.
1

فجأة، لمحوا طبيباً يرتفع قبالتهم عند مكتب الاستقبال، يراجع بعض الأوراق بملامح مرهقة،تعلقت به أبصارهم كغريق يتشبث بقشة، فأسرعوا نحوه، يلهثون ويكاد الخوف يقطع أنفاسهم.

تحدث أنس أولاً، وصوته يرتجف بشدة، وعيناه تتوسلان الطبيب قبل كلماته

=دكتور! ابني.. ابني جه هنا؟ ومعاه بنت صغيرة!

رفع الطبيب رأسه، ونظر إلى ملامحهم المذعورة، ثم تنهد بهدوء يحاول من خلاله بث بعض السكينة في قلوبهم وقال بنبرة متزنة

= آه.. أهلاً بحضرتك، حضرتك والد الطفل؟

أومأ أنس برأسه بلهفة دون أن يقوى على الكلام، ليكمل الطبيب موضحاً

=في شخص لقاهم مرميين في الشارع وجابهم هنا علطول، الولد كويس الحمد لله، مفيش أي إصابات خطيرة.. بس هو جاله صدمة عصبية شديدة، ولما فاق من الإغماء قعد يصوت ويصرخ بشكل هيستيري، فاضطرينا نديه مهدئ عشان ينام ويرتاح.. بس اطمنوا، هو مفيهوش أي آثار تعذيب أو اعتداء جسدي.
2

وضعت حليمة يدها على صدرها وهي تطلق زفيراً طويلاً، وامتزجت دموعها بابتسامة ارتياح شاحبة، بينما تنهد أنس بعمق وكأن جبلاً قد انزاح عن عاتقه، متمتماً بكلمات الشكر لله.

لكن في تلك اللحظة، كان هناك قلب آخر يتلوى رعباً خطى ونيس خطوة إلى الأمام، وعيناه تجولان بين الطبيب وأنس، وقد تضاعف خوفه  سأل بصوت متحشرج، يكاد يخرج من أعماق حلقه

=طب.. وبنتي؟ بنتي يا دكتور؟ طمني عليها أرجوك!

تلاشت النبرة الهادئة من وجه الطبيب فوراً، وحلت مكانها ملامح القلق والشفقة، نظر إلى الأرض لثوانٍ، وعجزت الكلمات عن الخروج من فمه وهو يرى نظرات الرجاء في عيني الأب المكلوم،أخذ نفساً عميقاً، ثم نظر لونيس بنظرة انكسار وقال بنبرة هادئة ملؤها الحزن والأسى

= أنا آسف جداً يا أستاذ.. بس بنت حضرتك اتعرضت لعملية اغتصاب قاسية ولفترة طويلة جداً.. جسمها الضعيف مستحملش كل ده.. البقاء لله.
ووووووو
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
جمدت الكلمات الدماء في عروق الجميع، وكأن الزمن توقف فجأة في ذلك الممر البارد،هزّ ونيس رأسه يميناً ويساراً بحركة بطيئة، وعيناه متسعتان بجنون، ينظر إلى الطبيب بعدم تصديق وكأنه يتحدث بلغة لا يفهمها،تراجع خطوة للخلف وهو يتمتم بصوت مبحوح

= ماتت إيه؟ واغتصاب إيه؟ أنت.. أنت بتقول إيه؟!
3

في تلك اللحظة، لطمت حليمة وجهها وضعت يديها على فمها بصدمة ذهول، وانفجرت في بكاء مرير وانهيار تام، لتملأ صرخاتها المكتومة أرجاء المكان، أما ونيس، فقد تجمد في مكانه ينظر إليهم بعدم فهم، وكأن الصدمة ألجمت عقله ولسانه، غير مستوعب لحجم الكارثة التي هبطت فوق رؤوسهم،فجأة، تحول ذهول ونيس إلى بركان من الغضب الأعمى،اندفع نحو الطبيب بعنف، وقبض على تلابيب قميصه يدفعه بقوة نحو الحائط، وهو يصرخ في وجهه وعروق رقبة بارزة

= أنت بتقول إيه؟! أنت اتجننت يا جدع أنت ولا إيه؟ بنتي مين اللي ماتت؟! أنت شكلك متخلف ومش فاهم حاجة!
1

أسرع أنس نحو ونيس يحاول فك قبضته عن الطبيب بلهفة وخوف، وهو يجذبه للخلف قائلاً بصوت باكٍ

= اهدي.. اهدي يا ونيس استهدي بالله!

نفض ونيس يد أنس عنه بعنف شديد، وهو يصرخ بهستيرية وعيناه تطلقان شرراً

= اهدي إيه؟! أنت مش سامع المتخلف ده بيقول إيه؟! بنت مين اللي ماتت؟ أنا بنتي كويسة.. أنا متأكد إنها كويسة! بنتي ممتش.. بنتي مش هتموت وتسيبني!

ومع صرخته الأخيرة، ارتفع عواء حليمة وبكاؤها بمرارة أشد، فالتفت إليها ونيس وعيناه حمراوان كالجمر، وصاح فيها بصوت زلزل الممر

= متعيطيششش! متعيطيش كده وتفولي عليها! ملك كويسة.. ملك كويسة أنا عارف!

بدأت قواه تخونه فجأة، وشعر بسخونة تسري في جسده المتصلب،سقط بجسده يستند إلى الحائط، وبدأ يتهاوى ببطء حتى جلس على الأرض، وقال بهمس وضياع وهو ينظر للفراغ

= أنا بنتي كويسة.. ملك مش هتسيبني لوحدي.. لا.. هي أحن من إنها تسيبني لوحدي..

شعر أنس بشفقة تمزق نياط قلبه وهو يرى صديقه ينهار بهذه الطريقة المرعبة. اقترب منه وجثا على ركبتيه أمامه، ووضع يده على كتفه قائلاً بنبرة مخنوقة بالدموع

= استهدي بالله يا ونيس.. استهدي بالله وادعيلها يا صاحبي..

نظر إليه ونيس مطولاً بنظرات تائهة، ثم بدأ يقف بصعوبة بالغة،كان يشعر أن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، وكأن عظامه تحولت إلى رماد،تحامل على نفسه وخطا خطوات متثاقلة نحو الطبيب الذي كان يقف متأثراً، وقال بلعثمة وخوف طفولي

= عـ.. عا... عايز.. عايز أشوفها..

نظر إليه الطبيب بعيون ملؤها الشفقة والأسى، وأومأ برأسه ببطء قائلاً

= اتفضل معايا المشرحة من هنا..
7

بمجرد أن وقعت كلمة مشرحة على مسامع ونيس، شعر بطعنة خنجر مسموم في منتصف قلبه، انقبضت ضلوعه بألم فيزيائي حاد، لكنه تحرك خلف الطبيب آلياً كجسد بلا روح.

ساروا في ممرات أكثر عتمة وبرودة، حتى دخلوا إلى تلك الغرفة المشؤومة،وقبل أن يشير الطبيب إلى مكانها، انقادت خطوات الأب بفطرته نحو سرير معدني يقبع في الزاوية، يرقد فوقه جسد صغير مغطى بالكامل بملاءة بيضاء.

تقدم ونيس بخطوات مرتجفة، ومد يده التي كانت تهتز بعنف ورفع الغطاء ببطء،في تلك اللحظة، سكن كل شيء حوله، رأى وجه ابنته ملك.. ملاكه الصغير.. لكن الجسد لم يكن كما تركه؛ كان غارقاً في آثار اعتداء وحشي أزرق وأحمر، يروي قصة عذاب تفوق قدرة البشر.
1

انحنى فوقها، وهز كتفها برفق شديد، وكأنه يوقظها للمدرسة، وقال بنبرة هادئة غريبة

= ملك.. قومي يا ملوك.. يلا يا حبيبتي..
1

سكت لثوانٍ ينتظر جواباً، لكن لم يأتِ سوى الصمت المطبق، نظر إلى ملامحها بوجع يعصر روحه، وتابع بابتسامة مكسورة ترجو معجزة

= يلا يا حبيبة بابا عشان نروح.. يلا قومي معايا..

لم تتحرك،هنا، انفجرت السدود في عينيه، وبدأت الدموع تتدفق بغزارة تنهمر على وجهها الشاحب، واهتز صوته وهو يقول

= ملك.. ملك أنتِ سبتيني بجد؟ زي ما المتخلف ده بيقول؟!

انهار تماماً،سقط فوق جسدها، وضاعف من احتضانها بقوة وهو يصرخ بقلب ممزق

= لا يا ملك لا يا حبيبتي! بالله عليكِ.. ده أنا ماليش غيرك! ما تسيبينيش.. ما تسيبينيش يا ملك.. ما تسيبينيش لوحدي يا حبيبتي!

بدأ يشهق كطفل صغير فقد أمه في زحام مرعب، وأخذ يقبل وجهها وجبينها بقسوة ولهفة، كأنه يحاول ضخ الحياة فيها من جديد، أو كأنه يودع قطعة من قلبه تُدفن أمامه،كان الطبيب الواقف بعيداً يداري وجهه، وعيناه تلمعان بالدموع، عاجزاً عن تحمل قسوة المشهد.

استمر ونيس في نحيبه وهو يهمس لجسدها الهامد

= هونت عليكِ؟ هونت عليكِ يا حبيبتي تسيبيني لوحدي؟ ده أنا لسه مشبعتش منك يا ملك.. يارتني ما سيبتك تمشي.. يارتني ما طلعتِ بره حضني يومها يا حبيبتي.. يارتني!
8

ثم تراجعت عيناه لتسقط مرة أخرى على آثار الاعتداء والوحشية التي تشوه جسد طفلته،في جزء من الثانية، تحولت دموع الضعف والانكسار في عينيه إلى نظرة غضب جحيمي، نظرة اسودّت معها الدنيا في وجهه،تشنجت ملامحه، وقال بصوت حاد كالشفرة، أقسم فيه بكل ما يملك

= بس وحياتك عندي.. وحياتك عندي لأدفنهم وراكي يا قلب أبوكي.. قسماً بالله لأقطع جسمهم حتة حتة وهمَّ صاحيين!
4

وعاد يرتمي فوق صدرها، يضمها إلى قلبه بكل ما أوتي من قوة، يبكي بجنون، ويطبع قبلاته المتتالية على جبينها البارد، بينما كان ممر المستشفى بالخارج يضج بالصمت، إعلاناً عن ولادة رجل جديد.. رجل غسلته الدموع، ووُلِد من رحم الانتقام.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت صبا تتحرك في أرجاء الغرفة بنشاط يمتزج بالتوتر، وعيناها تلتفتان بين الحين والآخر نحو السرير، حيث ترقد ابنتها الصغيرة غزال مستسلمة لنوم عميق،خطت نحو الدولاب، وفتحته  تبحث بين الملابس بتركيز، بينما كان هاتفها موضوعاً على السرير ومفتوحاً على مكبر الصوت، لتملأ الغرفة نبرات زنوبة الصاخبة،قالت صبا وهي تخرج قطعتين من الملابس وتتفحصهما

= يا بنتي أنا لسه راجعة من عند الكوافير دلوقتي أهو، قسماً بالله!

أتاها صوت زنوبة من الهاتف مشحوناً بالغيظ

= طب ما أنا بكلمك من الصبح يا صبا مابترديش ليه؟!

زفرت صبا وهي تضع الملابس على الفراش بجانب الهاتف، وتابعت مدافعة عن نفسها

= قسماً بالله الكوافير كان زحمة موت معرفتش أرد عليكي.. وانتي عارفة أنا أصلاً متأخرة وعايزة أخلص قبل ما حاتم ييجي، هو مفروض هيطلع النهارده.

تبدلت نبرة زنوبة في الحال إلى نبرة خبيثة ومطاطة وهي تقول

= إيوا بقى يا عم! طب مش كنتي بعتيلي البت عشان متقطعش عليكم؟

كانت صبا في تلك اللحظة تقف أمام الدولاب تختار قميصاً من قمصان النوم، فالتفتت نحو الهاتف وقالت بجدية تحاول اصطناعها

= زنوبة بس بجد احترمي نفسك.. إحنا أكيد مش هنعمل قلة الأدب دي!

قالت آخر كلماتها ونظرت إلى القميص الذي في يدها بسخرية مبطنة، لياتيها رد زنوبة الفوري والساخر

= لا وحياة أمك! ده الراجل في السجن بقاله ييجي ست سبع شهور، يعني عنده طاقة عايزة تطلع!

عضت صبا شفتيها بخجل شديد، وشعرت بحرارة ترتفع في وجنتيها، فقعدت على طرف السرير وقالت بنبرة خفيضة

= يا زنوبة بس بالله عليكي.. أنا خايفة لوحدي.

ردت زنوبة بنبرة مطمئنة ودافئة

= يا بت خايفة من إيه؟ ده جوزك وحبيبك، يعني دي حاجة تفرحك إنه هيطلع وهيكون في حضنك النهارده.

شردت صبا لثوانٍ، ثم تنهدت وقالت

= أيوة وفرحانة أوي قسماً بالله.. بس خايفة برضه، كل ما بفتكر إن إحنا ممكن يحصل ما بيننا حاجة بتوتر أوي كده وجسمي بيتكلبش!

قالت زنوبة بهدوء ومواساة

= ده بس عشان انتي بتفكري في اللي حصل بينكم زمان.. بس يا حبيبتي زمان غير دلوقتي، النهارده انتي مراته يعني حلاله،وبعدين يا ختي فين كلامك لما حضني ولما باسني؟ أهو هيطلعلك أهو وهيهريكي بوس لغاية لما تقولي كفاية!
2

أنهت زنوبة كلامها بضحكة ساخرة، فزفرت صبا بتوتر ممزوج بالخجل وقالت مقاطعة

= طب بس بس كلامك ده! واختاري معايا.. الأحمر ولا الأسود؟

شهقت زنوبة بقوة عبر الهاتف وقالت بصدمة

= يخرب بيت أهلك! هتلبسي للراجل أسود في أول ليلة بينكم يا بت؟! هي ناقصة غم؟!

انكمشت ملامح صبا بقلق وقالت بسرعة

= خلاص.. ألبس الأحمر؟

ترددت زنوبة لثوانٍ ثم قالت بتوتر

= مش عارفة.. بس حساه قديم أوي، عايزين حاجة جديدة كده.. معندكيش ألوان تانية؟

ردت صبا وهي تبتسم بتذكر

= عندي.. ما انتي عارفة إنه بعتلي فلوس مع تامر عشان لو نقصني حاجة، نزلت جبت هدوم.

صاحت زنوبة بإعجاب

= جدعة يا بت! طب عندك ألوان إيه جديدة؟

قامت صبا واقفة مرة أخرى واندفعت نحو الدولاب تفتش بلهفة وهي تقول

= هممم مش عارفة.. عندي واحد موف غامق كده شوية.. قصير أوي يعني يدوبك يوصل لأول رجلي، وفي جنب من تحت عريان.. يعني فيه سلاسل كده مش قماش، ومن فوق شفاف من الصدر كده ومن غير كمام وضيق أوي من فوق، بس الحتة اللي تحت منفوشة شوية.

انطلق صياح زنوبة الحماسي من سماعة الهاتف

= أوعى يا جامدددد! حلو ده.. البسيه يا بت، بس يارب يا ختي ميقطعلكيش السلاسل دي!

التقطت صبا القميص الموف وهي تعض على شفايفها، وقالت بخجل شديد

= احترمي نفسك يا بت!

ضحكت زنوبة بصوت عالٍ وقالت

= ماشي يا ختي هحترم نفسي.. هحترم، طيب أنا هقفل بقى وانتي البسي كده وحطي مكياجك وظبطي نفسك، ويبقى صوريلي وابعتيلي أوعي تنسي.. مش حاتم بس اللي هيشوف هه!

ضحكت صبا وقالت

= ماشي يا حبيبتي.

تابعت زنوبة بنبرة جادة هذه المرة

= طيب يا حبيبتي خلي بالك على نفسك.. وصبا، زي ما قولتلك لو غزال تعبتكم رني عليا هاجي آخدها، أنا أصلاً بتلكك عشان أقعد معاها.. قلب خالتها.
1

نظرت صبا بطرف عينها إلى ابنتها النائمة وضحكت بهدوء قائلة

= لا لا متقلقيش، غزال صاحية معايا من الصبح في الكوافير، يعني هتنام لبكرة.

ردت زنوبة بنبرة تقطر خبثاً ومشاكسة

= لا يا حبيبتي.. ماهي لما تسمع الأصوات لما تطلع مش هتعرف تنام منكم!

اتسعت عينا صبا بصدمة وصرخت بخجل قاصف وهي تغلق الخط بسرعة

= يا لهويييي! اقفلي يا بت اقفلي

بعد قليل من الوقت كانت تجلس أمام مرآتها، تضع اللمسات الأخيرة من مساحيق التجميل بهدوء لم يدم طويلًا، يدها ترتعش قليلًا وهي توزع أحمر الشفاه، وعيناها تراقبان انعكاس وجهها بقلق غامض، فجأة، قطع هذا الهدوء صوت جرس الباب وهو يرن بعنف متتالٍ،تملّكها التوتر، وانتفضت من مكانها وهي تهمس لنفسها بخوف

=يلاهوي .. ليكون حاتم رجع بدري قبل ما أخلص لبس؟

تحركت بسرعة نحو الباب، فتحته وهي تحاول رسم ابتسامة هادئة، لكن جسدها تجمّد حين رأت أمامها امرأة غريبة، وخلفها رجل يرتدي معطفًا طبيًا، وترافقهما امرأتان ضخمتان بنظرات تفيض بالشر.

تراجعت صبا خطوة للخلف، ونظرت إليهم بتوتر بالغ وقالت بنبرة مرتجفة

=أيوه.. مين حضراتكم؟

ركزت عينيها على المرأة الواقفة في المقدمة؛ شعرت بوخزة في ذاكرتها، وكأن ملامح هذه المرأة مألوفة لديها، وكأنها رأتها في مكان ما من قبل، لكن قبل أن تسترسل في تفكيرها، اندفعت المرأة إلى الداخل بقوة، زاحمةً صبا في كتفها لتدخل هي ومن معها، وصاحت بنبرة سوقية حادة

=إيه يا روح أمك؟ مش فاكراني؟
1

اتسعت عينا صبا بصدمة وجفل جسدها من هذا الأسلوب الفج، فتراجعت وهي تحاول الحفاظ على تماسكها وقالت

=حضرتك بتتكلمي كده ليه؟ لا أنا مش عارفاكي، ويا ريت تتعاملي معايا كويس وتفهميني في إيه!

لوحت المرأة بيدها في الهواء بسخرية عارمة، وتقدمت منها بخطوات تهديدية قائلة

=أنا يا ختي أم اللي جابلك الشقة دي وقعدك فيها! اللي إنتي ضربتيه في ضهره وخنتيه مع صاحبه!

وقعت الكلمات على مسامع صبا كالصاعقة،تحول اهتمامها وفضولها سريعا إلى صدمة مروعة، تلاشت الدماء من وجهها وهي تهز رأسها جاهدة للنفي وقالت بذهول

=خونته؟! خنت مين؟ أنا مخونتش حد!

اقتربت منها رشا وعيناها تطايران شررًا، وصاحت بغضب أعمى

=إنتي هتستعبطي يا روح أمك؟ وصوت المسخرة والآهات اللي طالعة من الشقة دي، واللي الجيران كلها سمعوها واشتكوا منها.. ده إيه يا بت؟ ده إنتي ريحتك فاحت!

انفجرت صبا في بكاء قاهر، وصرخت بأعلى صوتها وهي تشعر بالظلم يمزق أحشاءها

=محصلش! قسما بالله محصلش! أنا استحالة أخون حاتم.. استحالة!

ابتسمت رشا بسخرية خبيثة، ولوت فمها وهي تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل وقالت

=هنشوف يا حبيبتي.. هنشوف ونتأكد بنفسنا.

تراجعت صبا إلى الخلف بخطوات متعثرة، وقد تملكها الرعب من نظرات رشا الخبيثة، وسألت بنبرة باكية مستجدية:

=تشوفوا إيه بالظبط؟ أنا مش فاهمة حاجة.. إنتوا عايزين مني إيه؟

ضاقت عينا رشا وهي تقترب أكثر، وقالت بنبرة تقطر سمًا

=أصل أنا ابني حبيبي لما الناس اشتكتله، وقالوله إن صاحب عمره اللي المفروض يصون شرفه بيروح لمراته كل يوم البيت، لا.. وبيغيب جوه وبيسمعوا أصوات وسخة.. كلمني يا حبيبي وهو مقهور، وقالي أجيب الدكتور وأتأكد من اللي اتقال ده!

استمعت صبا إلى الكلمات وكأن خنجرًا يغرس في صدرها. اهتزت الأرض تحت قدميها وهي تصرخ بإنكار

=إنتي كدابة! حاتم استحالة يعمل كده.. حاتم واثق فيا!

ردت رشا بقسوة وهي ترفع حاجبها

=إنتي كسرّتي ثقته يا روح أمك لما كسرتي ضهره!

=محصلش.. لأ لأ!

   صرخت صبا بقوة، والتفتت محاولة الركض بسرعة لتختبئ في غرفتها وتغلق الباب على نفسها، لكن المرأتين الضخمتين كانتا أسرع منها،هجمتا عليها كالكابوس، وقبضتا على يديها بقوة غاشمة شلّت حركتها،راحت صبا تفرك وتتلوى بين أيديهما وهي تصرخ بهستيرية

=إوعوا.. إوعوا سيبوني! سيبوني !

التفتت رشا إلى المرأتين وأشارت إلى الأريكة ببرود تام وقالت

=إرموها على الكنبة دي عشان الدكتور يشوف شغله.. وقلعوها هدومها!

طرحتاها أرضًا فوق الأريكة بجفاء، وجردتاها من ملابسها وسط صرخاتها الممزقة وتوسلاتها التي تدمي القلوب

=لأ.. لأ أبوس إيديكم! أبوس إيدكم أنا مش خاينة.. أنا معملتش حاجة!
في تلك اللحظات المرعبة، انفتح باب الذاكرة اللعين ليعيدها إلى ماضٍ أسود؛ تذكرت حين فعلت بها خالتها الأمر ذاته، وأحضرت لها طبيبًا ليهتك سترها بذات الطريقة البدائية المهينة.

جلس الطبيب أمامها بين رجليها، ولم تكن نظراته مقتصرة على الكشف الطبي، بل كانت عيناه تتفحصان جسدها العاري بشهوة دنيئة وتقزز مرعب، بدأت صبا تنتفض وتفرك جسدها بعنف لتتخلص من هذه القبضة، وارتفع صراخها وبكاؤها القاهر وهي تشعر بلمسات يديه التي لم تكن بريئة أبدًا؛ لم يكن يكشف عليها، بل كان يستغل موقفها ويتحرش بها جهارًا نهارًا.

صرخت بأعلى ما في حنجرتها مستغيثة:

=الحقونيييي! حد يلحقني.. أبوس إيديكم أبعدوه عني!

نزلت صفعة رشا القوية على وجه صبا لتلجم صرختها، وهدرت فيها بغضب

=اخرسي يا روح أمك! اخرسيييي!

انكفأ وجه صبا جانبًا، وتابع دموعها الهطول بقهر، وفي تلك الأثناء، اخترق جدار الصمت صراخ طفلتها الصغيرة من الغرفة المجاورة، إذ استيقظت مفزوعة على صوت صراخ والدتها وعياطها المستمر، مما زاد من لوعتها وعذابها.

مرّ الوقت ثقيلًا كأنه دهر، والطبيب يمعن في انتهاك كرامتها وجسدها تحت غطاء الفحص،وأخيرًا، ابتعد عنها وهو يخلع قفازه الطبي ببرود، والتفت إلى رشا قائلًا

=مفيش أي علاقة تمت قريب خالص.

نظرت رشا إليه بلا مبالاة؛ لم تصدمها النتيجة، فهي في أعماقها كانت تعرف وتتأكد من شرف صبا، لكنها فعلت كل هذا لغاية واحدة أن تدمر صبا، وتزرع الشك والكره بينها وبين حاتم، وتكسر كبرياءها إلى الأبد.

أما صبا، فكانت ممددة على الأريكة بلا حراك، لم تعد تصرخ، ولم تعد تبكي، كانت شاخصة ببصرها نحو الفراغ، عيناها خاويتان تمامًا من أي تعبير، وكأنهم ذبحوها في تلك الشاشات وتركوها جثة هامدة.. جسدًا باردًا بلا روح.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
جلس أنس على الأريكة وعروقه تكاد تنفجر من فرط الغضب، يطحن أسنانه ببعضها وعيناه تشتعلان شرارًا،فجأة، اهتز الهاتف في يده للمرة الخمسة آلاف، معلنًا عن اتصال جديد من رقم غدران،وبملامح يكسوها الضيق، ألقى الهاتف بإهمال على الطاولة أمامه، ثم التفت بجسده نحو ونيس القابع بجواره في صمت مميت.

وجّه أنس نظراته الحادة إليه وسأله بنبرة حادة

=رجالتك وصلت لإيه؟

نفى ونيس برأسه في توهة وضياع تام، وكأنه يسبح في عالم آخر، وأجاب بصوت خافت مرتعش

=مش عارفين يوصلوا لحاجة.. مفيش ولا كاميرا جابتهم.

زفر أنس بغضب عارم، ونهض يتحرك في أرجاء الغرفة بخطوات واسعة مشحونة بالتوتر، كان يشعر بنيران مستعرة تأكل قلبه وتكاد تحرق صدره،لم يحتمل هذا العجز، فأخرج هاتفه الآخر بسرعة وضغط على عدة أزرار ليجري اتصالًا، وما إن جاءه الرد حتى هتف بحدة

=بقولك إيه يا داغر؟ أنت في الغردقة ولا سبت الخدمة فيها؟

جاء صوت داغر من الناحية الأخرى، ممتزجًا بنبرة من الاستغراب والدهشة

=إيه يا عمنا؟ لا لسه فيها.. في حاجة ولا إيه؟

لم يتمالك أنس نفسه، وبدأ يسرد له ما حدث بغضب أعمى وصوت هادر، ليتغير حال داغر فورًا ويشتعل هو الآخر، وجاء صوته غاضبًا وصادمًا

=خخخخخ! مين ولاد العر* دول؟!

رد عليه أنس بقلة حيلة وغيظ مكتوم

=أنا متصل بيك عشان لو تعرف تساعدنا نوصلهم.. أنا وزعت رجالتي وونيس كمان  أبو البنت اللي ماتت  بس محدش عارف يوصل لحاجة،قولت يادام أنت بتخدم هنا، أكيد عارف ناس.

انفجر داغر قائلًا بغضب شديد وحسم

=طب اقفل.. اقفل وأنا هشوف كده وهقولك، ومتقلقش.. هجيبهملك في شكاير!

أغلق أنس الخط، وتنفس الصعداء محاولًا تهدئة روعه، ثم عاد ليجلس بجوار ونيس، كان ونيس ينظر إلى كفي يديه بصدمة وذهول، وعيناه غائبتان عن الوعي.. كأنه ما زال غير مستوعب أنه قبل بضع دقائق فقط كان يوارى ابنته التراب ويدفن قطعة من روحه.

رقّ قلب أنس لحاله، فاقترب منه قليلًا وتحدث بنبرة هادئة محاولًا مواساته

=استهدى بالله يا ونيس.. هي راحت عند اللي مفيش أحن منه.

رفع ونيس عينيه ببطء ونظر إليه بضياع تام، ملامحه يكسوها الصمت المطبق وعلامات الانكسار،حاول أنس أن يستحثه على الحديث سائلًا

=هتعمل العزا إمتى؟

في تلك اللحظة، تحول الضياع في عيني ونيس إلى وميض مرعب من الغضب والغل، ونظر إلى أنس بقوة وهتف بنبرة تقطر بالانتقام

=لما أدفن اللي قتلوها الأول!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت زنوبة تتحرك في أرجاء الشقة بهدوء، حتى اخترق سكون المكان صوت رنين جرس الباب، تحركت بخطوات وئيدة نحو الباب وفتحته، لكنها تجمدت في مكانها وشخصت عيناها بصدمة ألجمت لسانها،أمامها كان يقف شاب، لم ينظر إلى وجهها في البداية بل هتف بعفوية وضيق وهو يدلف خطوة للأمام

=إيه يا عم معتز؟ هو لازم أجيلك لحد عندك عشان ترد عليا؟!

رفع الشاب بصره ليلتقي بوجهها، فبترت الكلمات في حلقه، وارتسمت على ملامحه علامات الذهول وهو يحاول جاهدًا تذكر أين رأى هذا الوجه من قبل.+، أما هي، فكانت ذاكرتها حية، حية لدرجة الموت؛ عرفته فورًا.. إنه ذلك الزبون الدائم الذي كان يتردد على غادة، ولم يكن يطلب سواها هي بالاسم.

اتسعت عينا الشاب فجأة حينما لمعت الفكرة في رأسه وتذكر كل شيء، رفع إصبعه يشير إليها وفتح فمه ليتحدث، لكن زنوبة كانت أسرع منه، فهتفت بنبرة مرعوبة ومستعجلة

=معتز في الشقة اللي فوق!

ولم تنتظر منه ردًا، بل دفعت الباب بكل قوتها وأغلقته في وجهه،استندت بظهرها إلى الخشب الصلب، وانهارت قواها لتنزلق على الأرض وهي تلطم خديها بكتمان، والدموع تنهمر من عينيها كالشلال.. كانت تقرأ في تلك اللحظة نهاية حكايتها مع معتز، وتعرف أن كل شيء قد انتهى الآن.

في الأعلى، فاروق معتصم وعلامات الخبث والانتصار ترتسم على وجهه،طرق الباب بقوة، وما إن فتح معتز حتى بادر فاروق  بنبرة غامزة وساخرة

=إيه يا عمنا؟ مش كنت تقولّي إن ليك في الشمال؟ بس طلعت خبيث أنت!

نظر إليه معتز باستغراب وعقد حاجبيه بعدم فهم قائلًا

=شمال إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!

ضحك فاروق بخبث ورد

=والله، يا عم مانا عرفت كل حاجة.. مانا خبطت عليك تحت والبت فتحتلي.

اتسعت عينا معتز بصدمة، واعتقد للوهلة الأولى أن فاروق فهم الأمر بشكل خاطئ لمجرد أن زنوبة تسكن في الأسفل، فقاطع تفكيره محاولًا التوضيح بسرعة أن زنوبة مجرد مستأجرة وتعمل في محل عمه

=يابني لا أنت فاهم غلط.. ده...

لكن فاروق قاطعه بضحكة مستفزة وهو يلوح بيده

=فاهم غلط إيه يا عم؟ على أساس إن أنا معرفهاش؟ ده أنا حافظها!

ازداد استغراب معتز وتحول الأمر إلى ضيق، وسأله بنبرة حادة

=حافظ إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.. هو أنت تعرف زنوبة؟

غمز له فاروق من جديد وتحدث بنبرة وقحة

=عارفها؟ ده أنا حافظها.. ده أنا مكنتش بنام مع غيرها لما بروح بيت الدعارة اللي هي شغاله فيه!

في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق معتز اتسعت عيناه بجنون وهبطت الصدمة على رأسه كالصاعقة، وبدون وعي، هجم على فاروق كالمجنون، ودفعه بقوة البرق نحو الحائط المحاذي له، وقبض على تلايب ثيابه بعنف وهو يصرخ بغضب أعمى وعروق رقبته تكاد تنفجر

=نمت مع مين يابن الكلب أنت؟! أنت مجنون؟!

ارتعد فاروق خوفًا من هيئة معتز الثائرة، وحاول التراجع وهو يرفع يديه مدافعًا عن نفسه

=في إيه يا عم أنت ماسكني كده ليه؟ أنا بقول الحقيقة قسماً بالله! هو أنت متعرفش إنها بياعة وشغالة في بيت دعارة؟!

سكنت الحركة فجأة في جسد معتز..ارتخت أصابعه القابضة على قميص فاروق، وهوت يداه لجانبيه ببطء،تراجع خطوة إلى الخلف وهو ينظر إلى صديقه بأعين زجاجية مصدومة، مشلول التفكير، غير قادر على استيعاب أو تصديق الكلمات التي دمرت عالمه في ثانية واحدة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان حاتم يصعد درجات السلم يركض قفزًا، لم يمتلك الصبر حتى لانتظار المصعد،كان قلبه ينبض بعنف، ليس بسبب المجهود، بل من فرط الشوق والحماس اللذين يملآن صدره؛ وأخيرًا خرج من السجن، وأخيرًا سيعود إلى حضن حبيبته ويكون معها.

وصل إلى باب شقته، لكن خطوته تعثرت فجأة حين وجد الباب مواربًا بشكل غريب، وازداد قلقه حين اخترق مسامعه صوت صراخ ابنته الرضيعة العالي والباكي،دخل الشقة برعب ينهش قلبه، وتوجه سريعًا نحو غرفة النوم، ليتجمد مكانه من هول المنظر.

كانت صبا مسطحة أمام العراء على الاريكة ، نصفها السفلي عارٍ تمامًا، وعيناها شاخصتان أمامها في صمت مميت، والدموع تنساب على خديها بلا توقف.

اندفع نحوها برعب وجثا على ركبتيه، ثم رفعها بين يديه يضمها إلى صدره وهو يهتف بلهفة وخوف

=صبا! صبا مالك يا حبيبتي؟ في إيه يا صبا؟!

لكن صبا لم تحرك ساكنًا ولم تجب، كانت في عالم آخر من القهر، نظر إليها بقلق بالغ، وتزامن ذلك مع تصاعد صوت بكاء ابنته الذي بدأ يمزق أعصابه، نهض بسرعة وتوجه إلى سرير الصغيرة، حملها وحاول تهدئتها وهو يعود بها سريعًا إلى صبا، ويهتف بقلق متزايد

=صبا ردي عليا يا حبيبتي.. ردي في إيه طمنيني!

لم يلقَ منها أي رد أيضًا، وضع ابنته  التي هدأت ونامت أخيرًا في حضنه  برفق على الأريكة المجاورة، ثم اقترب من صبا مرة أخرى وحاول أن يمد يده ليشيلها، لكنها انتفضت فجأة وابتعدت عنه بانهيار، وهي تصرخ بأعلى صوتها بنبرة تملؤها الكراهية

=سيبنييييي! سيبنيييي ابعد عني.. ابعد عني أنا بكرهككك.. بكرهككك! منك لله.. منك لله!

تراجع حاتم بصدمة، وعيناه متسعتان بعدم فهم، وحاول تهدئتها قائلًا بلعثمة

=صبا اهدي.. اهدي يا حبيبتي وفهميني في إيه؟ اهدي!

انفجرت صبا بضحكة ساخرة مريرة وسط دموعها المتلاحقة، وقالت بقهر يقطع القلب

=في إيه؟! في إن طلبك اتنفذ متقلقش! في إن أمك سمعت كلامك وجابت دكتور يقعد ما بين رجليا يشوفني نمت مع راجل غيرك ولا لأ!

شعر حاتم وكأن الأرض تميد به، تراجع خطوة وصاح بصدمة تامة

=أنتِ بتقولي إيه؟! امي مين ودكتور ايه؟!

ردت عليه بصراخ هستيري مساوٍ لصرخاته

=بقول اللي حصل! مش هو ده اللي أنت طالبه؟ مش هو ده اللي أنت قلتلها تعمله؟! بقى بتشك فيا أنا؟ بتشك فيا أنا مع صاحبك؟! أنا أنام مع صاحبك؟! ده أنت لما عملتها رحت بلغت عنك وأنا روحي فيك.. هنام مع راجل غريب؟! هو أنا بالنسبالك وسـخـة أوي كده؟!

كان حاتم يستمع إليها وتتقاذفه أمواج عدم الفهم، لكن مع توالي كلماتها وربط الخيوط ببعضها، استوعب الكارثة.. استوعب أن رشا هي من خططت ونفذت هذا الجرم. تملك الغضب منه وصاح بعيون جاحظة

=رشا؟! رشا هي اللي جت؟!

أجابت ببكاء مرير وصوت مبحوح من فرط القهر

=آه جت.. وعملت اللي أنت طلبته! جت وجابت دكتور يتحرش بيا وهو بيلمسني، مش بيكشف عليا! ولما حاولت أصوت عشان حد يلحقني من تحت إيديه ضربتني بالقلم! بقى بيتحرش بيا وأنا مش قادرة أعمل حاجة.. مش قادرة! منك لله.. منك لله أنا بكرهك.. بكرهك! استحملت كل حاجة.. استحملت لما بعتّ ناس تضربني، واستحملت اغتصابك ليا.. تعمل فيا كده ليه؟! ليه بتكرهني كده؟! منك لله!

لم ينطق حاتم بحرف واحد، لم يستطع حتى النظر في عينيها، دارت الدنيا من حوله، والتفت بجمود ثم ركض خارج الشقة بسرعة وبخطوات متعثرة، تاركًا إياها خلفه في مكانها، تتلوى من الألم وتبكي بقهر يمزق الحجر.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
انتفض أنس من مكانه بسرعة وعنف بمجرد دخول داغر من الباب،كانت ملامحه تغلي غضباً، وعيناه يتطاير منهما الشرار وهو يصرخ بضيق مكتوم

=اتأخرت كده ليه يا داغر؟! عرفت هما مين؟!

كان داغر واقفاً وأنفاسه متلاحقة، ملامحه متيبسة وعروق عنقه بارزة، وفي تلك اللحظة تحديداً، ومن بين بركان الغضب الكامن في صدره، انطلقت لهجته الصعيدية الأصيلة، حادة وقوية كطلقة رصاص

=خخخخ.. ده أنا مِعرفتش يغمضلي عين واصل ولا اجعد جبل ما اعرفهم، ولاد العر* دول!

أخرج داغر من جيبه ظرفاً سميكاً وألقاه فوق الطاولة بعنف، لتتناثر الصور التي كانت بداخله، وفي غضون ثانية، نهض ونيس مسرعاً من مقعده، ومد يده ليلتقط الظرف بلهفة، وأخذت عيناه تتنقلان بين الصور بتركيز شديد، بينما استمر صوت داغر يعددهم بحسم

=أول واحد اسمه بهجت، والتاني اسمه محسن، والتالت اسمه طِلبة.. التلاتة صحاب وساكنين في منطقة واحدة، وعرفنا عنهم كل حاجة.

رفع ونيس عينيه عن الصور ونظر إلى داغر، وقد بدأ القلق يتسرب إلى نبرة صوته وهو يسأله بوجل

=قبضتوا عليهم؟

تبدلت ملامح داغر، وهبطت حدة نبرته لتتحول الى مكسورة، تشوبها خيبة أمل واضحة وهو يهز رأسه نفياً

= للأسف لا.. هجمنا على بيوتهم بس مش هناك، هربوا!

لم يقو أنس على تمالك نفسه، إذ أعماه الغضب تماماً، وفي لحظة جنون ركل المقعد الذي أمامه بكل قوته، ليرتد الكرسي جافاً ويرتطم بالأرض بعنف، وهو يصرخ بـ غل

=أحا بقى!

حاول داغر تهدئة الأجواء سريعاً وهو يوزع نظراته بين أنس وونيس قائلاً

=ما تقلقوش، إحنا مراقبين كل حاجة، إذا كان المطارات أو الشوارع.

بدأ أنس يتحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً كالذئب الحبيس، ومرر يده في شعره بعنف وعصبية، وعروق يده بارزة بشدة وهو يلتفت نحو داغر ويقترب منه بنبرة حارقة

=مش كفاية يا داغر.. مش كفاية!

أخرج أنس هاتفه من جيبه بسرعة وضغط على الأزرار بانفعال، ثم وضعه على أذنه وهو يزفر بضيق،أجزاء من الثواني وجاءه صوت أيوب من الطرف الآخر؛ صوت يفيض بالترقب والفكاهة وهو يمازحه باستهزاء

=الرجولة كلها بتكلمني؟ عم العياللللل!

لم يكن أنس في حالة تسمح له بتقبل أي مزاح، فأجابه بنبرة جافة وقاطعة

=مش وقته يا أيوب، عايزك في حاجة ضروري.

شعر أيوب بحدة النبرة في صوت أنس، فاعتدل في جلسته وتحول صوته إلى الجدية وإن لم تخلُ من روحه الساخرة

= احلم يا أخويا.

أخذ أنس يسرد لأيوب تفاصيل ما حدث باختصار شديد، وصوته يرتعش من فرط الغيظ طوال الشرح، حتى وصل إلى النهاية ليهتف بأمر حاسم ووعيد واضح

=أيوب.. مفيش حاجة تطلع من عندك من المينا من غير ما تتفتش يا أيوب، أنت فاهم؟ مفيش أي مركب تعدي من تحت إيدك!

جاءه صوت أيوب واثقاً وهادئاً، يطمئنه دون تردد

= عيب عليك ما تقلقش، أنا كده كده مش هطلع من المينا اليومين دول عشان معنديش رحلات، فـ حط في بطنك بطيخة صيفي وما تقلقش.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ارتجت جدران الشقة فجأة إثر دويّ عنيف، وتحطم باب الشقة الخشبي وتناثرت شظاياه معلناً اقتحاماً غاشماً. انتفضت رشا من مكانها مذعورة، وخفق قلبها برعب شديد وهي ترى حاتم  يدلف إلى الداخل وعيناه تشتعلان بجمر الغضب المكبوت، ويثبت نظراته القاتلة عليها.

تراجعت خطوة للوراء، وقد تملكتها الصدمة وامتزجت ملامحها بالخوف وهي تهمس بنبرة ترتجف

=حاتم! أنت.. أنت طلعت؟!

حاولت سريعاً أن تلملم شتات نفسها المتهاوية، ورسمت على شفتيها ابتسامة باهتة مصطنعة، وتقدمت نحوه بخطوات متخاذلة ممتدة الذراعين لعناقه وهي تقول بنبرة متوددة

= أهلاً يا حبيبي.. أهلاً.

لكنه لم يمنحها الفرصة؛ وبمجرد أن اقتربت منه، دفعها في صدرها بقوة أطاحت بها للوراء، فترنحت وهي تنظر إليه بذهول، ليزأر في وجهها بصوت هادر

=إيه اللي وداكي عند مراتي؟!
تصلبت الدماء في عروقها، وتملكها توتر قاتل بعدما أدركت أنه عرف بكل شيء،بلعت ريقها بصعوبة وحاولت الدفاع عن نفسها بكلمات متلعثمة

=هي.. هي قالتلك؟ ده.. ده أنا روحت أطمن عليها يا حبيبي! أنت ماتعرفش الجيران بيقولوا عليها إيه.. دول...

قاطعها صوته الرعدي الذي هز أركان المكان وهو يصرخ بغيظ حارق

= اخرسييييي! أنا مراتي دي أشرف منكِ يا ش****!

اتسعت عيناها بصدمة مروعة، ووقعت الكلمات عليها كالصاعقة، فصاحت بنبرة تجمع بين الذهول والإهانة

= أنت بتشتمني يا حاتم؟ بتشتم أمك؟!

كانت النيران تلتهم صدره وتكاد تحرقه كلما مرت أمام عينيه تفاصيل ما فعلته بزوجته، فصاح بها بغضب أعمى وغلّ ينضح من نظراته

=أم مين يا مرة أنتِ؟ هتعمليهم عليا يا وسخة؟!

صمت للحظات يلتقط أنفاسه الثائرة، ثم تابع بنبرة حملت وعيداً بارداً

= حظك إن أنا مبضربش نسوان.

تنحّت عن صدرها غمة ثقيلة، وتنهدت براحة مؤقتة وظنت أن العاصفة قد مرت، لكن تلك الراحة تبخرت تماماً وتحولت إلى رعب خالص حين سمعته يتابع بابتسامة خبيثة

= بس لو جبت نسوان يضربوكي.. مش مشكلة، ولا إيه؟

شاخت ملامحها من الخوف وهي تستمع إلى نبرته الآمرة وهو يلتفت نحو الباب ويصيح بحسم

=ادخلوا!

انفتح الممر ودلفت منه مجموعة كبيرة من النساء ضخام البنية، بملامح غليظة وقاسية. تراجعت رشا إلى الخلف برعب حقيقي، والتصق ظهرها بالجدار وهي تسأل بقلق وخوف يمزق حلقها

= أنت.. أنت هتعمل إيه؟!

لم يفت نظراته الذعر الذي يكسوها، بل تراجع إلى الخلف بخبث شديد، وجلس على المقعد واضعاً قَدماً فوق الأخرى بمنتهى البرود، ثم أخرج هاتفه وقام بتشغيل الكاميرا ليوثق كل شيء، وأشار بيده إلى النساء قائلاً ببرود

= عيشوا.

وفي ثوانٍ، هجمت النساء عليها دفعة واحدة كالموج الهائج، وانهلن عليها بالضرب المبرح واللكمات دون أي رحمة أو شفقة، تعالت صرخات رشا المذعورة والمتوسلة، يمتزج فيها البكاء بالعويل وهي تستغيث تحت وطأة الضربات المتتالية،
وفي منتصف المعركة، خفض حاتم هاتفه ووضعه في جيبه، ثم تقدم بخطوات بطيئة وواثقة وسط حلقة النساء، وأشار إليهن بالتوقف مؤقتاً،انحنى نحوها وقبض على خصلات شعرها بقوة وعنف، ورفع رأسها الدامي لتواجه عينيه المتصلبتين، وقال بقوة ناطقة بالوعيد

= اسم الدكتور إيه؟!

نظرت إليه بعينين شبه مغمضتين يكسوهما الضياع والألم، ولم تجب، فشد خصلات شعرها بقوة أكبر حتى كاد يقتلعه من جذوره، فصرخت متألمة بينما هدر في وجهها

= اخلصي يا مرة.. اسم الدكتور إيه؟!

انفجرت باكية ولم تقو على التحمل أكثر، فلفظت الاسم بصوت متحشرج باهت

=اسمه يوسف عيادته في المعادي في ***

بمجرد أن سمع الاسم، ترك شعرها بقسوة ليرتطم رأسها بالأرض، والتفت إلى النساء مشيراً إليهن ببرود وهو يغادر الشقة

= كملوا عليها.

ترك الشقة وخلفه دوي صرخاتها المستغيثة تتلاشى تدريجياً، وعقله لا يفكر سوى في أمر واحد: الوصول إلى ذلك الطبيب.

دلف حاتم إلى عيادة الطبيب كالإعصار الذي لا يبقي ولا يذر، لم يلتفت لأي من نداءات السكرتارية أو نظرات المرضى المذعورة، بل دفع باب الغرفة الداخلية بقدمه لينفتح على مصراعيه مُحدثاً دويّاً مهيباً.

انتفض الطبيب من خلف مكتبه بذهول، ولكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة، كان حاتم قد انقضّ عليه كالنمر المفترس، قبض على ياقة قميصه وهوى بقبضته الحديدية على وجهه، ليتطاير الدم من فمه ويرتد الطبيب إلى الخلف محطماً المكتب بما عليه.

=ده انا هقلبك مره يا ابن العر*

موجة من الغل الأعمى كانت تحرك حاتم، فكلما تذكر ما اقترفه هذا الرجل مع زوجته، تضاعفت قوته،انهال عليه بالضرب المبرح، لكمات متتالية وقاسية في وجهه وصدره، والطبيب يصرخ مستغيثاً دون جدوى، حتى خارت قواه تماماً وسقط أرضاً يئن تحت وطأة الدماء.

لم يكتفِ حاتم بذلك، بل سحل الطبيب من قفاه وعبر به نحو سرير الكشف الطبي الموجود في زاوية الغرفة،رفعه بجسده الهامد وألقاه فوقه، ثم سحب الحبال الطبية السميكة الموجودة في العيادة، وبسرعة مذهلة ربط يديه وقدميه في أطراف السرير الحديدية بإحكام شديد، حتى أصبح الطبيب شاخصاً ببصره، عاجزاً عن الحراك كلياً.

=ابوي ايدك ابوس ايدك كفاية انت مين

انحنى حاتم  وهو يلهث، ملامحه خالية من أي رحمة وعيناه تلمعان ببرود قاتل، ومـد إيده ومزق بنطلون الدكتور بعنف ليتخلص منه تماماً، وسط رعب الطبيب الذي بدأ يدرك المصير الأسود الذي ينتظره وأخذ يتوسل بصوت مرتعش ومتقطع

— هـ.. هموت في إيدك.. أبوس إيدك سيبني! أنا عملت إيه؟!

لم يمنحه  حاتم  إجابة، بل التفت ببرود وسحب من فوق طاولة الأدوات الطبية مشرطاً حاداً يتلألأ تحت الضوء.

اقترب منه بخطوات ثابتة، ووقف بين قدميه كقاضٍ ينفذ حكماً بالإعدام، ونظر إليه بنبرة فحيح مرعبة هزت كيان الطبيب

=انا الي هريحك من الي تعبك يا خو*

لم يستغرق الأمر ثوانٍ؛ وبحركة خاطفة وقاطعة لا تعرف التردد، غرس المشرط ونفذ وعيده وبتر ما بين رجليه تماماً.
انفجرت في أرجاء العيادة صرخة دوت كصاعقة رعدية، صرخة ألم بشري غير محتمل، اخترقت الجدران قبل أن يفقد الطبيب وعيه تماماً ويسقط في غيبوبة من شدة النزيف والألم الصادم.

وقف حاتم ينظر إلى الدماء التي غطت المكان ببرود تام، ثم ألقى المشرط ملوثاً على الأرض، و
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في زاوية شاحبة من غامق غرف المستشفى، كانت حليمة تجلس على طرف المقعد، ملتصقة بسرير ابنها حسن،كان حسن جاحظ العينين، شاخصاً ببصره نحو الفراغ أمامه، يغرق في صمت مطبق ومخيف كأنه انفصل عن العالم بأسره.
= يا حسن يا حبيبي.. بالله عليك طمني، رد عليا يا حسن!

لم يحرك حسن ساكناً، لم تطرف عيناه، ولم يلتفت نحوها أصلاً، بل ظل مسمراً نظراته نحو اللاشيء بجسد متصلب.

انفطرت كبدها من مرارة صمته، فاندفعت في بكاء مرير، بقلب محروق وهي تنشج بنبرة ممزقة

=يا حبيبي أبوس إيدك.. أبوس إيدك طمني! طب بصلي.. بصلي بس يا حسن!

لكن جسده ظل كالصخر، لم يمنحها أي رد فعل أو إشارة تدل على أنه يسمعها، تعالت شهقاتها وازدادت وتيرة بكائها، ونهش قلوبها العجز وهي تراه في هذه الحالة المزرية بعد كل الأهوال والظلم الذي عاشه ورآه بعينيه.

لم تحتمل مسافة الصمت بينهما، فتقدمت نحوه بلهفة وعاطفة جياشة لتضمه إلى صدرها علّ دقات قلبها ترمم انكساره، لكن بمجرد أن لامست أصابعها كتفه، انتفض حسن بعنف ورعب جارف، ورفع يده ليدفعها عنه بقوة أسقطت قلبها قبل جسدها.

انكمش حسن على نفسه بذعر هائل، وزحف مبتعداً عنها فوق السرير حتى تراجع إلى أقصى زاوية في الغرفة، ملتزقاً بالحائط وهو يتنفس بهستيرية وعيناه تدوران في محجريهما خوفاً.

تسمّرت حليمة في مكانها، ونهضت ببطء وهي تنظر إليه بصدمة مروعة، ويدها معلقة في الهواء، فارتجفت شفاها بهلع وهي تعجز عن تصديق ما تراه

=حسن.. حسن أنت خايف مني؟! حسن.. أنا ماما يا حبيبي!

لم يعر كلماتها انتباهاً، ولم تشفع لها أمومتها عنده في تلك اللحظة؛ بل كان ينظر إليها بنظرات تفيض بالرعب الخالص، متمسكاً بالحائط ويرجع برأسه للوراء كلما تحركت أنشاً واحداً.

استقر في وجدان الأم المحطمة فهمٌ قاسٍ؛ أدركت أن لمستها باتت تؤذيه، وأن اقترابها يجدد في روحه العذاب فتراجعت خطوة إلى الخلف، وتجمدت في مكانها تماماً وهي ترفع يديها المستسلمتين لتطمئنه، قائلة بنبرة تدمي القلوب

=طب خلاص.. خلاص أنا مش هلمسك، ما تخافش.. بس ارجع السرير يا حبيبي، ارجع ما تقعدش على الأرض كده هتبرد.

ابتعدت حليمة عدة خطوات إلى الوراء، مفسحة له المجال ومتنازلة عن رغبتها في ضمه، لتؤكد له برحيل جسدها أنها لن تقترب منه مجدداً.

وعندما عاين حسن ابتعادها وشعر بالأمان النسبي، تحرك ببطء وحذر شديد، وعاد ليتسحب نحو السرير وهو لا يرفع عينيه الخائفتين عنها ثانية واحدة، أما هي، فكانت واقفة تراقبه بنظرات يملؤها الشفقة والتمزق، قبل أن تنهار تماماً وتسقط في نوبة بكاء مرير ومكتوم وهي ترى فلذة كبدها غريباً عنها.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقف يعقوب خلف طاولة الجزارة الخشبية الثقيلة، ممسكًا بساطوره الذي يرتطم بقطع اللحم بقوة ونغم رتيب يعكس قسوة ملامحه وجديته الصارمة،كانت الدماء تلطخ مئزره الأبيض، وعيناه مركزتان على عمله بدقة، قبل أن يخترق هذا الضجيج صوتٌ مألوف أنثوي رقيق ينطق باسمه من خلفه

=يعقوب...

التفت يعقوب ببطء، لتقع عيناه على هدية وهي تقف أمامه وتنظر إليه بهدوء،لم تتزحزح نظراته عنها، بل أمال رأسه قليلًا ووجه نظرة حادة، صارمة للفتى الصغير الذي يقف بجواره يعاونه في تقطيع اللحم، وقال له بنبرة رجولية آمرة

=اخلع.

لم ينتظر الفتى ثانية واحدة؛ لملم نفسه سريعًا وتحرك مبتعدًا ليترك الجزارة لهما،في تلك اللحظة، تقدمت هدية نحو يعقوب بخطوات سريعة، ليقابلها هو بملامح تشتعل غضبًا، وهتف بصوت منخفض ومكتوم لكنه يحمل وعيدًا شديدًا

= مش قولت لميتين أهلك قبل كده، طول ما أنا واقف مع أي دكر متلمحش طيفك؟ وبعدين ماشية لوحدك كده رايحة فين يا روح أمك؟

ابتسمت هدية بخبث ودلال، ولم تهتز أمام غضبه، بل ردت ببرود مستفز

=يعني أنا غلطانة إن أنا جيت أشوفك؟ استغليت إن أبويا الحمد لله جاله مكالمة في نص الطريق وهو جايبني من الدرس، فقالي أكمل لوحدي وهو راح الشغل.

ما إن أنهت كلماتها حتى تحولت ملامح يعقوب إلى ذهول غاضب، وخرجت منه شهقة حانقة

=خخخخخخ أحاااا! هو أنتِ مشيالي لوحدك؟!

انكمشت هدية مكانها وظهر الخوف في عينيها فجأة، وقالت بلهفة وتوتر وهي تحاول تهدئته

=دي مش حتة كبيرة قسماً بالله! دي من أول الحارة بس.

ترك يعقوب الساطور من يده بقوة ليرتطم بالخشب محدثًا صوتًا مدويًا، وصرخ فيها بغضب أعمى

=ومرنتيش على ميتين أمي ليه؟ إيههه؟ معكِش رصيد؟!

نفت برأسها سريعا وتلعثمت بتوتر

=مش مستاهلة يا يعقوب.. ده هي حتة صغيرة والله.

اقترب منها خطوة ونظر في عينيها بشرر يتطاير

=خخخخخخ والحتة الصغيرة دي مفيهاش رجالة إيه؟ اتخصوا؟!

ابتلعت هدية ريقها، لكن دلالها الأنثوي غلب خوفها، فابتسمت فجأة ونفضت توترها، ثم رفعت يديها بجرأة لتحاوط رقبته بذلال شديد، واقتربت حتى لفتحت أنفاسها وجهه، وهمست أمام شفتيه مباشرة

= لا يا حبيبي متخصوش.. بس محدش يقدر يرفع عينه فيا عشان عارفين كويس أوي أوي أنا بتاعة مين.

جز يعقوب على أسنانه، محاولاً بكل ما أوتي من قوة ألا يستسلم لحركاتها ونظراتها التي تذيب صرامته، وقال بنبرة خشنة وهو يحاول إبعادها

=طب اظبطي واقفي عدل عشان أنا مش رافعك في الشقه.. إحنا في الجزارة فاظبطي!

تغيرت ملامح هدية إلى الغضب والقمص، وابتعدت عنه بعنف وهي تضرب الأرض بقدمها

=تصدق بالله؟ أنا غلطانة إن أنا جيتلك.. قسماً بالله غلطانة!

شارب يعقوب بسبابتها في وجهها محذرًا وعيناه تتسع

= هديييية.. صوتك!

وقبل أن ترد، انشق السكون بدخول حاتم، تيبس يعقوب في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية وهو ينظر إلى الواقف أمامه، ثم التفت سريعًا إلى هدية ودفعها بخفة نحو الخلف قائلًا بنبرة آمرة حازمة

= اخفي على الأوضة اللي جوه!

تحركت هدية سريعًا واختفت داخل الغرفة الداخلية، وما إن غابت عن الأنظار حتى اندفع يعقوب نحو حاتم كالإعصار، وارتمى في حضنه بقوة وهو يصرخ بفرحة عارمة

=وحشتني يا ابن العر*!

بادله حاتم العناق بذات القوة والاشتياق، وهو يضحك ويربت على ظهره

= وأنت كمان يا خو*!

ابتعد يعقوب وهو يضحك بصخب وسأله بفضول

= طلعت إمتى؟!

=لسه الصبح، وقولت آجي أشوفك.. وحشتني يا عمنا.

سحب يعقوب كرسيًا خشبيًا سريعًا ودفعه نحوه وهو يقول بلهفة

=اقعد يا عم اقعد.. طلعت إزاي؟ أنت مش كان محكوم عليك بعشر سنين؟!

انفجر حاتم ضاحكًا بصوت عالٍ ملأ أركان الجزارة، وقال ملوحًا بيده

=ربك لما يريد يا عم! وبعدين أنت زعلان إن أنا طلعت يا عمنا ولا إيه؟

ضحك يعقوب من قلبه وصاح وهو يضرب كتف حاتم بمزاح

=عيب عليك يا بن المرة.. ده أنا مقدرش أكمل يومي من غيرك!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتح أنس باب غرفته بخطوات متثاقلة،  كان جسده يئن من فرط التعب والإنهاك بعد يوم طويل وشاق، يغلق هاتفه المحمول وزفراته الحارة تملأ الفراغ، بعد مكالمة عقيمة مع أيوب الذي كان يسأله بلهفة عن أي جديد، لكن الإجابة كالعادة كانت لا جديد يُذكر يدخل الغرفة وعيناه تكاد تنغلقان من الإرهاق، لكنه لم يكد يخطو خطوتين حتى تفاجأ بغدران تقف أمامه فجأة، وعيناها تتطاير منهما شرارات الغضب، وهتفت فيه بحنق

= أنت شرفت أخيراً؟!

لم يمنحها أنس أي رد، بل تجاوزها بنظرات ميتة محاولًا التوجه نحو الفراش، لكنها لم تكتفِ، بل وقفت في طريقه وتابعت بصوت مرتفع

= كنت فين؟ هو أنا مش برن عليك بقالي يومين؟!

زفر أنس بضيق ونفد صبره، وقال بنبرة غاضبة يكسوها تعب قاتل

= غدران.. أنا على آخري.

ضحكت غدران بسخرية واستفزاز، ولوحت بيدها قائلة

= دي لعبة جديدة من لعبك دي ولا إيه؟

في تلك اللحظة، نفد كل مخزون الصبر لديه؛ اندفع نحوها وقبض على يدها بقوة أحكمت حصارها، ونظر في عينيها بحدة وهو يرفع صوته محذرًا

= غدران ما تظبطي! مالك في إيه؟!

نترت يدها بحقد ونظرت إليه بغضب أعمى وصاحت

= في إنك واحد حرامي!

تجمد أنس في مكانه، واحتلت الصدمة ملامحه لثوانٍ قبل أن تتحول إلى بركان من الغضب، وهتف بذهول صاخب

= حرامي؟! أنتِ اتجننتي؟!

صرخت غدران بأعلى صوتها، والدموع تترقرق في عينيها من فرط القهر والغل

= أنت اللي هتبقى اتجننت لو فاكر إنك هتعرف تضحك عليا زي كل مرة!

بلغ أنس ذروة غضبه، وصاح فيها بقوة زلزلت أركان الغرفة وهو يجز على أسنانه

= أضحك عليكي في إيه؟ ما تخلصي وتقولي في إيهههه؟!

انفجرت غدران صراخاً في وجهه وهي تشير بأصبعها إليه

=في إنك سرقتنييي! في إنك بعتلي ممتلكات بابا وأخدتها لنفسك من غير ما تقولي! في إنك واحد طماع وحرامي.. عرفت في إيه؟! وأكيد طبعاً كنت بتكنسل عليا اليومين اللي فاتوا عشان عرفت إن أنا عرفت، فمش عارف تقول إيه!

ساد الصمت فجأة.. صمت ثقيل ومخيف، ظل أنس واقفًا يبص لها لفترة طويلة، وعيناه تحملان نظرات غامضة ممزوجة بالخيبة والصدمة من اتهامها، فجأة، ترك يدها ببطء وبدون أن ينطق بحرف واحد، استدار واختفى من أمامها مدشًا لغرفة الملابس

صاحت غدران وراءه بهستيرية وهي تلتفت يمينًا ويسارًا

= أنت رايح فيننننن؟!

لم يمر سوى دقيقة واحدة حتى خرج أنس مجددًا، وفي يده حافظة جلدية بها مجموعة من الأوراق،اقترب منها وبعنف غاضب رمى الورق في وجهها لتتناثر الأوراق حولها وعلى الأرض، وصاح بغضب هادر

=ممتلكاتك رجعالك من أكتر من شهر! كتبتها باسمي عشان صلاح كان عايز يسرقك ويكتبها لنفسه، فسبقته بخطوة.. وبما إنك مكنتيش تعرفي حاجة، معرفتش أقولك أي حاجة!

هبطت عينا غدران نحو الأوراق المتناثرة على الأرض بصدمة ألجمت لسانها، ونظرت إلى عقود التنازل الموقعة باسمها منذ فترة، بينما تابع أنس كلماته بنبرة كبرياء قاتلة وعزة نفس هزت كيانها

=أنس العطار يدي حريمه.. مياخدش!

نظرت إليه غدران بملامح تحولت تمامًا إلى الندم والوجع، وامتلأت عيناها بدموع الحزن على تسرعها، فتحت فمها وكانت على وشك أن تتحدث لتعتذر منه، لكنه لم يمنحها الفرصة، بل سبقها بقسوة ونبرة حاسمة لا رجعة فيها

=  احنا حياتنا دي مبقتش نافعة وشكك فيا ده انا زهقت منه،يخلص حوار ابني وأطمن عليه.. وهنطلق.

تركها أنس واقفة في وسط صدمتها وذهولها، وجسدها يرتجف من وطأة كلماته الأخيرة، واستدار مغادرًا الغرفة بأكملها، تاركًا خلفه حطام علاقة دمرتها الظنون.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
فتحت صبا باب الشقة وهي تحمل ابنتها الصغيرة بين ذراعيها، تلملم ما تبقى من كرامتها لترحل، لكن خطوتها الأولى تيبست في الفراغ عندما وجدته أمامها مباشرة، كان حاتم يقف على عتبة الباب، ملامحه مجهدة وعيناه تعكسان تعباً غامراً.

تطلع إليها بذهول واستغراب، ونظر إلى الطفلة النائمة على صدرها، ثم قال بنبرة حائرة

= أنتِ رايحة فين؟

رمقته صبا بنظرة مغلفة بالقرف والاشمئزاز، ونطقت بنبرة حادة ممتلئة بالمرارة

= ابعد عني!

لم يسمح لها بالمرور؛ بل مد يده وبحركة لطيفة ولكن حاسمة، دفعها برفق إلى الداخل، خطوة تلو الأخرى، حتى تراجعت إلى ردهة المنزل، دخل حاتم خلفها وأغلق الباب، حابساً هروبها، ثم قال بصوت هادئ يحاول به احتواء ثورتها

= صبا.. اهدي، اهدي وخلينا نتكلم.

ترقرت الدموع في عينيها، وامتزجت بحرقة قلبها وهي تنظر إليه بصوت مخنوق

=نتكلم؟! إحنا مفيش بينا كلام.. أنا كل اللي عايزاه منك إنك تطلقني، أنت فاهم؟!

هز حاتم رأسه رافضاً وبشدة، وتقدم نحوها محاولاً الإمساك بيدها ليهدئ من روعها، لكنها تراجعت إلى الخلف بسرعة، مبتعدة عن لمسته. لم ييأس، بل تابع بنبرة رجاء

= صبا، أنتِ مش فاهمة حاجة.. اهدي كدة وخليني أفهمك.

انفجرت صبا فجأة، وصرخت بملء صوتها في وجهه، صرخة خرجت من أعماق وجعها

=تفهمني ايه

تحولت ملامح حاتم في ثانية واحدة إلى الغضب التام، واشتعلت عيناه بنيران القهر وهو يقاطع صراخها بهدير غاضب

= أفهمك إني أنا مش خو*! أفتح رجل مراتي قدام اي دكر؟!

ابتسمت صبا بسخرية لاذعة، تنظر إليه بعينين زجاجيتين، وقالت بنبرة باردة

= آه.. ما أنا عارفة.

أطلق حاتم زفيراً حاداً ومكتوماً من شدة الغضب، وبحركة سريعة أخرج هاتفه من جيبه،قام بتشغيل مقطع فيديو ووضعه أمام عينيها مباشرة،انقبضت ملامح صبا وهي تنظر إلى الشاشة؛ كان الفيديو يعرض رشا والنساء ينهلن عليها بالضرب المبرح وهي تستغيث.

اتسعت عينا صبا بصدمة شلت تفكيرها، ونقلت نظراتها الذهولة بين الشاشة ووجهه، وهمست بعدم تصديق

= يعني إيه؟

قال حاتم بصوت يرتجف من بقايا الغضب والانفعال

= مقدرتش أقعد ولا ارتاح غير لما حقك يرجع! قسماً بالله ما سبتها تعمل كدة يا صبا.. ده أنا أعري نفسي وأغطيكي، أنتِ شرفي وعرضي يا صبا!

عند تلك الكلمة، انهارت الحصون التي بنتها صبا طوال الأيام الماضية،تخاذلت قواها تماماً، ولم تعد قدميها قادرتين على حملها، فبدأت تنسد بظهرها على الحائط وهي تنفجر في بكاء مرير وشهقات متتالية تنم عن حجم الكسر بداخلها.

أفلت حاتم هاتفه وتحرك نحوها بسرعة فائقة قبل أن تسقط على الأرض، وأسندها بذراعيه محيطاً بجسدها المرتجف، وهتف بنبرة تحولت إلى حنان جارف وخوف حقيقي عليها

=اهدي يا حبيبتي.. اهدي بالله عليكي.. أنتِ حقك رجع، حتى الدكتور.. حولتهولك مرة!

رفعت عينيها إليه، شاخصة بصدمة جديدة ألجمت لسانها. امتدت يداه الدافئتان لتحاوطا وجهها برقة، ومسح إبهاماه دموعها المنهمرة وهو يهمس بنبرة عاشقة، واعدة، ومليئة بالأمل

= اهدي يا حبيبتي.. اهدي وخلينا نتكلم، عشان إحنا الاتنين نقول لبعض كل حاجة.. ونعرف نبدأ حياتنا من جديد.
وووووووو

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا