رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11 بقلم ايه عيسي
رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11 هى رواية من كتابة ايه عيسي رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11
رواية المتهمة اللذيذة الفصل الحادي عشر 11
المحامي ملحقش يختفي في ضلمة السطوح؛ ياسر وأحمد وعساكر الدعم حاصروه كأنه عجـــــل هربان ، ونطوا وراه من فوق السطح للبيت اللي جمبه، وبدأت مطاردة هستيرية شقت سكون الحارة. المحامي كان بيجري زي الفار المذعور، بينط فوق العشش ويكسر الأبواب الخشب القديمة، لحد ما نزل لقلب الشارع.
لكن ياسر كان أسرع منه.. وبحركة سريعة ، رمى نفسه عليه، ونزلوا الاتنين فوق أرض الشارع الترابية. ياسر مَدّ إيده، وقبض على رقبة المحامي، ونازل فيه ضرب؛ بوكسات ورا بوكسات غسلت وشه د.م،
والغل مالي عينين ياسر وهو بيصرخ:
- بتموتها قدام عيني يا #### ؟! بتحدفها من فوق السطح يا ### ! ورينا بقى هتهرب إزاي!
العساكر جريت بسرعة، وكلبشوا إيد المحامي ورفعوه من على الأرض وهو متبهدل وبيكح دم.
ياسر مسح عرق جبهته، ونفخ بعصبية وزعق للعساكر :
- شيلوا الزفت ده على البوكس .. على المديرية يلا بسرعة! ومحدش يلمسه لحد ما أجيله!
العساكر جريت بيه، وياسر لف بصدمة نحو أحمد، وعينيه وسعت من هول المفاجأة، وقال بنبرة مشحونة غضب:
- الموضوع بيوسع مننا أوي يا أحمد.. واللعبة كبرت! أنت قولت إنك عارفه بالميللي.. تعرفه منين يا أحمد؟! انطق!
تنهد أحمد وهو بيحاول يستوعب الصدمة، حط إيده على دماغه ووشه كان أصفر زي الليمونة وقال :
- فاكر ساعة الفجر تقريبا .. فاكر لما أنت مشيت وسيبت المديرية عشان تروح مشوار الجبل واللغم؟ أنت قولت لي وقتها استقبل أنت المحامي وفاطمة واعرف منهم الحكاية .. هو ده يا ياسر! هو ده المحامي اللي جابته فاطمة وقتها وجالي المكتب.. كان راجل شكله مبهدل، غبي، ومش بيفهم حاجة في القانون ومقضيها هبل و هبد لدرجة إني قولت لأمها المحامي بتاعك بـ ٢ جنيه ونص! بس هو ده.. هو ده اللي غدر بينا ومطلعش غبي خالص، ده كان لابس قناع عشان يراقبنا من جوا المديرية!
ياسر تنهد تنهيدة تقيلة خرجت نار من جوا صدره، وتقدم بخطوات بطيئة من جثـــ ـــة الأم فاطمة اللي كانت مرمية فوق سقف البوكس، سا.يحة في د.مها وعينيها نص مفتو.حة ببراءة توجع القلب...
ياسر غمض عينيها بإيده ، وهز راسه بأسف وقال:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. ليه قتــ ــلها ؟ ليه؟! الست دي ذنبها إيه في قرفكم ده كله؟! كل اللي شاغل بالي دلوقتي وبياكل في عقلي.. البت الغلبانة دي.. أسيل اللي قاعدة جوا الحجز ومستنية أمها تجيب لها عيش وحلاوة.. هتعرف إزاي؟ واِزاي هقول لها إن أمها اتقتـ ـلت واترمت من السطح؟!
لف ياسر وبص لأحمد بنظرة وقال بصرامة:
- أحمد.. خد القوة و الجثـــ ـــة واِطلع بيها على مصلحة الطب الشرعي فورا، خلص الإجراءات.. وسيبني أنا و الزفت ده في المديرية.. عشان شكلي كدا أنا اللي هقتــ ــلهم كلهم انهاردة و اخلص !
ركب ياسر عربيته وطار بيها على المديرية، وصل والشرر بيطلع من عينه. نزل لزنزانة التحقيق السفلية، وفتح الباب بعنف.. لقى المحامي مكلبش على الكرسي والدم مغرق قميصه.
ياسر مقالش كلمة واحدة.. خلع جاكيته ، وشمر كمامه، وبدأ "غسيل معتبر" على أصوله! ضرب، وركل، ورزع في الحيطة، لدرجة المحامي كان بيصرخ ويزحف على الأرض ويبوس رجل ياسر عشان يرحمه:
- خلاص.. خلاص يا بيه هقول على كل حاجة.. قسماً بالله هعترف، هموت في إيدك!
ياسر سحبه من شعره ورزعه على الكرسي وقال :
- انطق يا روح أمك! قتــ ــلت فاطمة ليه وهي ست غلبانة وملهاش في القرف ده؟!
المحامي بلع دمه وقال بصوت بيبكي ويرتعش:
- أنا مكنتش عايز اقتــ ــلها .. بس الغبية هي اللي جابت الموت لنفسها! الفجر لما أنا انسحبت من القضية وسيبتكم في المديرية، فاطمة اِتجننت وخافت على بنتها أسيل.. ف جات لي على مكتبي تاني بعد الظهر عشان تستنجد بيا وتترجاني مأسيبش البنت.. وأنا ماكنتش موجود في الأوضة، كنت بجيب لها حاجة تشربها عشان أهديها.. الست وهي قاعدة مستنياني، فضولها خلاها تفتش في الورق اللي على مكتبي.. ولمحت ورقة!
ياسر ضغط على فكه وقال:
- ورقة إيه؟!
المحامي كمل برعب:
- لمحت ورقة قديمة مؤرخة من ٢٠ سنة.. عقد اتفاق بيني وبين مدحت على تزوير ورق السلا.ح باسمها، وبصمتي وتوقيعي عليها! فاطمة أول ما شافت الورقة، اتأكدت فعلا إن جوزها مقتو.ل ، و اتأكدت من كلامكم إن مدحت هو القا.تل، وإن أنا الشريك والعقل المدبر للشبكة كلها من زمان! أول ما دخلت الأوضة لقيتها بتترعش والورقة في إيدها.. خافت مني وجريت برا المكتب وهي بتقول إنها هتروح للظابط ياسر وتقوله على الحقيقة!
ياسر جز على سنانه وعروقه ظهرت، فالمحامي كمل بسرعة:
- فكان لازم أنفذ الخطة (ب)؛ بليل روحت الحارة بسرعة، وسبقتكم، و خبطت على فاطمة بحجة إني هصالحها، وسحبتها للسطح عشان أخد منها الورقة القديمة وأخلص منها عشان السر يموت معاها.. وفي نفس الوقت موتها يكون قنبلة دخان تشغلكم في الحارة طول الليل بالتحقيقات و الجثـــ ـــة ، وندِي فرصة لرجالة الشبكة يهرّبوا مدحت من الزنزانة الانفرادي في الهدوء! بس أنتوا قبضتوا عليا!
ياسر فضِل باصص للمحامي بنظرة قرف واشمئزاز ملهاش مثيل، وحس ببرودة وجحود البشر اللي قدامه.. وبص له وعينيه بتطلع رصاص وقال:
- أنتم مش بشر.. أنتم شياطين ماشية على الأرض! تقتــ ــلوا ست غلبانة عشان تداروا على قرفكم طول ٢٠ سنة؟! بس متقلقش يا روح أمك.. اللعبة شطبت خلاص.. ومتقلقش، هتترمي جمب سيدك مدحت في نفس المشنقة الحمرا.. وحبلها هيلف رقبتكم أنتوا الاتنين في يوم واحد.. وغسيلكم هيبقى على إيدي أنا!
بس ياسر مكانش قادر يستحمل يبص في وش المحامي أكتر من كدا، القرف والغل وصلوا لقمّتهم في صدره. قبل ما ينادي على العسكري، ياسر مد إيده وبقوة غاشمة وغل دفين، واداله قلم شديد على وشه طيّر نفوخه وخلاه يصرخ ويسيل د.مه أكتر، وزعق بصوت هز الممر برا:
- يا عسكري!! يا زفت!!
دخل العسكري جري وضرب تعظيم سلام، فياسر شاور بقرف على المحامي وقال بنبرة حادة كالشفرة:
- خد الزفت ده.. اِرميه في زنزانة انفرادي تحت الأرض، واِقفل عليه بسبع أقفال، ومحدش يهوّب ناحيته ولا يدخل له لقمة عيش لحد ما نخلص من القرف ده وييجي أمر النيابة! اِخلص!
العسكري سحب المحامي من قفاه وهو بيتجرجر وبيتأوه على الأرض والباب اترزع وراهم.
ياسر فضِل واقف في الأوضة لوحده، ساند إيديه على الترابيزة الخشب، وراسه مدلدلة في الأرض. تنهد بعمق، تنهيدة تقيلة خرجت منه ، ومسح على وشه بكفوف إيديه وهو بيقول بنبرة مخنوقة :
- يا رب.. أنا هقول للبت دي إيه بس؟! هقول لها إزاي إن أمها اللي سابتها انهاردة راحت لربنا مقتو.لة ؟! يا رب قويني على اللحظة دي.. ربنا يقدرني.
ساب أوضة التحقيق السفلية وطلع خطواته تقيلة كأنه شايل جبال على كتافه، دخل مكتبه، رمى الكاب على المكتب وقعد على كرسيه الجلدي وهو حاسس بضغط الأعصاب هيفجر دماغه، وقال للعسكري برا :
- هات لي المتهمة أسيل سليمان من الحجز حالا ُ.. للمكتب هنا.
عدى دقيقتين.. دقيقتين كانوا على ياسر كأنهم عشر سنين من الانتظار . الباب اتفتح بالراحة، ودخلت أسيل.. خطواتها كانت بطيئة، هادية، وراسها في الأرض.
كانت ساكتة تماماً، مفيش أي تعبير على وشها، ملامحها باهتة ومخطوفة. ياسر أول ما شافها، فسر السكوت ده كله بإنها لسه تحت تأثير الصدمة الأولى، صدمة عمها مدحت وبلاويه اللي اِتكشفتها في حجز المديرية.
ياسر تنهد ، وحاول ينعم صوته الحاد عشان ميخوفهاش، وشاور لها على الكرسي اللي قدامه وقال برفق:
- اقعدي يا أسيل.. ارتاحي.
قعدت أسيل على طرف الكرسي، وفضلت باصة في الأرض وإيديها بتفركهم في بعضها وبتترعش خفيف. ياسر بلع ريقه ، وقال بنبرة مليانة أسى:
- بصي يا أسيل.. أنا مش عارف أبدأ منين، بس كل اللي أقدر أقولهولك دلوقتي.. ربنا يصبرك، ربنا يصبرك على اللي أنتِ فيه ويقوي قلبك ويتحمل الصدمات دي.. الدنيا مش دايماً..
وقبل ما ياسر يكمل جملته اللي بيحاول يمهد بيها الكارثة، رفعت أسيل راسها بالراحة.. عينيها كانت حمرا جداً بس مفيهاش دموع، نظرتها كانت ميتة وجامدة لدرجة تخوف، وبصت في عين ياسر وقالت :
- أنا عارفة يا سيادة الرائد..
ياسر اتسمر مكانه، ضيق عينيه وقال باستغراب:
- عارفة؟! عارفة إيه يا أسيل؟!
أسيل بلعت ريقها بصعوبة، و ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بصوت مخنوق :
- أنا عرفت إن.. إن.. أمي ماتت!
قالتها بكل هدوء... ياسر برّق عينيه بذهول وقال لها بلهفة:
- عرفتِ إزاي؟! مين اللي قالك؟!
أسيل نزلت راسها تاني وقالت بصوت مبحوح:
- سمعت العساكر والضباط برا في الممر وهما بيتكلموا ، قالوا إنها اترمت من السطوح وماتت في الحارة.. وأنا جيالك في الممر اتأكدت من كلامهم.. بس أنا أصلاً كنت حاسة يا سيادة الرائد.. أمي جاتلي في المنام وأنا نايمة الصبح في الحجز، شفتها لابسة أبيض وبتودعني وبتقولي خلي بالك من أخوكي يا أسيل.. أنا قلبي كان حاسس من الصبح إن في مصيبة أكبر مستنياني.. وعرفت واتأكدت من الكلام ده أول ما شفت نظرة عينك دلوقتي.
ياسر بص لها بأسف وشفقة حقيقية، مشاعر إنسانية نبعت من جواه مِعرفش يداريها ولا يخبيها ورا قناع الظابط الصارم. عرف وفهم بذكائه إن أسيل مصدومة لدرجة الجمود، الصدمة لجمت لسانها وعقلها لدرجة إنها مابكتش ولا صرخت .
ياسر قال لها بصوت دافي كله حنان وأسى:
- أنا آسف يا أسيل.. آسف إنك مريتِ بكل ده في وقت واحد .. بس و جلال الله، و عشان دموعك وبراءتك دي، حق أمك وحق أبوكي مش هيروح.. أنا هجيبهم من بق السبع. إحنا أرسلنا والدتك الله يرحمها للطب الشرعي عشان نخلص كل الأوراق والوثائق الرسمية للإجراءات.. وإحنا خلاص أثبتنا براءتك تماماً والتحريات والملف الأزرق بتاعك طلع نضيف و زي الفل.. أنتِ تقدري تطلعي وتخرجي برا المديرية من دلوقتي، ومتقلقيش.. طول ما أنا عايش على وش الأرض، وطول ما النفس ده بيطلع و بينزل، مفيش أي حاجة وحشة هتمسك ولا مخلوق هيقدر يقرب منك أو يأذيكي أبداً.. أنتِ في حمايتي.
في اللحظة دي بالظبط.. السد اللي كان حابس أسيل انهار تماماً.. الجمود اختفى، وملامحها اِتكرمشت، وانفجرت في عياط هستيري .. صوت عياطها ملي المكتب وهي بتخبي وشها في إيديها وبتترعش من فوق لتحت وقالت من بين دموعها :
- أنا.. أنا ماليش حد دلوقتي يا سيادة الرائد! ماليش أي حد في الدنيا دي كلها! أنا المفروض أعمل إيه دلوقتي وأروح فين؟! أنا حتى ماليش مكان أروح له بعد ما بيتنا اتخرب واتشمع! هعيش فين؟ وهربي أخويا الصغير إزاي اللي عايش في محافظة تانية عشان يدرس في الجامعة وميعرفش أي حاجة عن القرف ده؟! أنا إزاي هتحمل كل الحمل ده لوحدي؟! دي أمي.. السند الوحيد اللي كنت بسند عليها في الدنيا ماتت.. ماتت وملحقتش حتى أحضنها أو أودعها.. سابتني ومشيت ومستحيل اشوفها تاني يا سيادة الرائد! ليه بيحصل فيا كل ده؟! أنا ذنبي إيه؟!
نظر ياسر اليها بأسف .. البنت اللي كانت من يومين بتضحك وتهزر وعلى نياتها وعايشة في ماية البطيخ و دمها يلطش، دلوقتي شايلة هموم تهد جبال. ياسر قام من على كرسيه، وقرب منها خطوتين ووطى لمستواها وقال لها :
- متقلقيش أبداً من الناحية دي يا أسيل.. الحكومة وفرت ليكي سكن خاص وأمين بعيد عن الحارة وبعيد عن كل القرف والمصايب دي، مكان مفيش مخلوق يعرفه عشان تبدأي فيه حياتك أنتِ وأخوكي في هدوء.. ربنا يصبرك على المصايب دي و يصبر قلبك ، و بعدين ربنا معاكي أعظم من الكل !
مد إيده وسحب كارت صغير من جيبه، وطلع قلمه وكتب عليه رقمه الخاص، وحطه في إيدها اللي بتترعش وقال:
- وده رقمي الشخصي.. الخاص جداً.. لو احتجتِ أي حاجة، في أي وقت، ليل أو نهار، كلميني علطول وماتتردديش لحظة واحدة.. اِفتكري دايماً إنك دلوقتي في حماية الحكومة.. وفي حمايتي أنا شخصياً.
أسيل مسحت دموعها بكم قميصها بصعوبة، وبصت له وقالت:
- شكراً يا فندم.. بس مين.. مين بعد كدا هيرضى يتعامل معايا أو يبص في وشي وهو عارف إن عمي مجر.م دولي وسفا.ح، وإن عيلتي مليانة دم وقرف؟! الناس مش هترحمني وهيقولوا بنت المجر.مين!
ياسر عينه لمعت بحدة، وهز راسه بقوة وبص في عينها وقال :
- الناس تخرس خالص يا أسيل! اللي يفتح بؤه بكلمة اِقطعي لسانه.. أنتِ أنظف مننا كلنا يا أسيل.. أنتِ أبرأ واحدة فينا وفي الدنيا دي كلها! اِرفعي راسك فوق ومتدليهاش أبداً.. أبوكِ وأمك ماتوا مظلومين و بغدر.. وهما شهداء عند ربنا يا أسيل.. شهداء.. والشهيد راسه بتترفع في السماء.. اِرفعي راسك وماتخافيش من حاجة طول ما أنا ضهرك!
أسيل بصت للكارت اللي في إيدها، وهزت راسها بضعف وامتنان، وقامت وقفت وهي بتحاول تتماسك وتلملم أشلاء روحها عشان تخرج وتواجه الدنيا الجديدة اللي بقت فيها لوحدها..
بعد ما ياسر طمن أسيل وخرجت من المكتب، قعد على كرسيه الجلدي، مسح وشه بكفوف إيديه وهو بيموت من التعب وأعصابه مشدودة . عدت تلات ساعات كاملين من الانتظار المرير اللي بيحرق الدم، مفيش صوت في المكتب غير تكتكة ساعة الحيطة، لحد ما الباب اتفتح ودخل "أحمد".
ملامح أحمد كانت مرهقة وعينه دبلانة. رمى الملف الكرتون الأزرق التقيل على المكتب، ورمى جسمه كله على الكرسي وسند راسه لورا وهو بيتنفَس بصعوبة وقال بصوت مخنوق:
- الملف أهو يا ياسر.. دفنا فاطمة الله يرحمها.. ، وأسيل حضرت معانا الدفنة، كانت عاملة زي الخيال، مبكتش ولا نطقت كلمة لحد ما التراب نزل.. وبعدها أخدناها ووصلناها للسكن الجديد اللي وفرناه برا المنطقة خالص.. متقلقش، البنت وأخوها بقوا في أمان وفي حراسة.
ياسر أومأ رأسه بتعب ، وفتح الملف بسرعة، عينه بدأت تمسح تقارير المعاينة والطب الشرعي، وسأل بنبرة جادة:
- اشرح لي.. الطب الشرعي قال إيه في جثـــ ـــة الأم؟
أحمد تنهد وسند إيده على المكتب وقال ببرود:
- ولا حاجة جديدة يا ياسر.. عملية قتــ ــل صريحة وغادرة، كسر مضاعف في الجمجمة ونز.يف داخلي حاد .. تقرير روتيني مفيش فيه أي خيوط تانية أو مقاومة. الست اتغدر بيها.
ياسر قفل الملف بقوة ، واتأكد إن كلام المحامي واعترافاته تحت ضربه كانت صحيحة ١٠٠٪..
لَف الكرسي وبدأ يشرح لأحمد اعترافات المحامي، وازاي الخدعة بدأت من ٢٠ سنة بتزوير السلاح، وازاي قتــ ــل فاطمة ، عشان لمحت ورقة التزوير في مكتبه.. ياسر جز على سنانه وعينه طلعت شرار وقال بصوت حازم قاطع:
- ودلوقتي.. لازم ولا بد المتهمين دول يتحاكموا في أسرع وقت.. مدحت والمحامي و اللي معاهم .. القضية دي لازم تترفع للنيابة بكرة الصبح بالكتير قبل ما تحصل أي مصيبة تانية! الأفاعي دي لازم تترمي في المشنقة ونخلص!
وفجأة.. وقبل ما أحمد يرد....
الباب اتفتح بعنف ودخل العسكري وهو وشه أبيض كالكفن، ركبه بتخبط في بعضها و قال وهو بينهج:
- يا فندم!! الحقنا يا سيادة الرائد.. المحامي مات!! المحامي مات جوا!!
ياسر قام وقف من على كرسيه زي الملسوع، عينه وسعت بصدمة جنونية، وهجم على العسكري مسكه من قميصه وزعق في وشه بهستيرية:
- مات؟! مات إزاي يا روح أمك؟! أنتم اتجننتوا؟! الراجل ده متفتش ذاتي بالميللي قدام عيني، ومفيش معاه لا حزام ولا رباط جزمة ولا أي حاجة حادة! اِزاي يموت في زنزانة انفرادي حديد مفيهاش مسمار؟! إحنا في مديرية مش في شارع!؟ انطق!!
العسكري بلع ريقه برعب وصوته بيتهتّه:
- يا فندم.. دخلنا نغير له الماية حالاُ، لقيناه.. لقيناه مشنوق وميت! الراجل قطع هدومه اللي لابسها بأسنانه وإيديه حتت، و لفها زي الحبل، وشنق نفسه في حديد الباب العالي! ده قطع نفسه بإيده يا فندم!
ياسر ساب قميص العسكري وبص لأحمد بذهول.. وقبل ما ينطق بكلمة واحدة.. فجأة.. "تك"!!
الكهرباء قطعت عن المديرية كلها!
الأنوار انطفت، وأجهزة الكمبيوتر فصلت، وسكون مرعب ومظلم عَمّ المكان كله.. حتى أنوار الطوارئ اِتأخرت ومشتغلتش!
ياسر عقله اِتنفض، وعروق جبهته برزت في الضلمة، وفهم اللعبة في جزء من الثانية.. سحب مسدسه من جنبه، وجرى لبرا المكتب زي الإعصار، وصوته انشرخ وهو بيزعق في ممرات المديرية الضلمة بأعلى صوت عنده:
- فيه خاين هنا!! خاين كبير جوا المديرية هو اللي قطع النور ، أجروا معايا على الحجز السفلي.. مدحت هيهرب!! مدحت هيهرب يا أحمد!!
ياسر وأحمد جريوا في الممرات الضلمة على كشافات الموبايلات، السلالم كانت عبارة عن كابوس، وصوت الخطوات بيرن . نزلوا للحجز الانفرادي تحت الأرض.. وأول ما الكشافات ضربت على زنزانة مدحت.. كانت الصدمة اللي شلت عروقهم:
الحارس المعين على الزنزانة مرمي على الأرض متصفي بعد ما اتضرب بآلة حادة على راسه.. وباب الزنزانة الحديدي مفتوح على الآخر.. والزنزانة فاضية تماماً!! مدحت فص ملح وداب في وسط الضلمة!
ياسر وقف وسط الضلمة، الكشاف منور ، و وشه عرقان و مليان غضب أعمى، وبص لأحمد و قال:
- اللعبة لسه مشطبتش يا مدحت.. و رب الكعبة ما هسيبك لو هقلب عليك مصر حتة حتة!
يتبع ......
