رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12

رواية لولا الغرام بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثاني عشر 12

«أغمضتُ عيني على طعنةٍ غائرةٍ في عمق روحي، سهمٌ أصاب فؤادي، لم يطلقه عدوٌّ في جبهة الحرب، بل رماه مَن كان يشاركني الخندقَ، يدٌ طالما صافحتُها وكانت مأمني، وعينٌ ظننتُها مرآةً لصفائي، حين انقشعت حجبُ الحقيقة، قلتُ في نفسي، هذا أقصى ما يملكه الحقدُ من ألم، وظننتُ أنك أفرغتَ كل ما في جعبتك من سمومٍ، وأن ضغينتكَ بلغت ذروتها وأتت بأقصى ما لديها، لكنني كنتُ واهمًا، وكم كان وهمي مهلكًا، فقد رأيتك تبتسم على دمي، وتتأمل جراحي بنظرةٍ تتوق لمزيدٍ من الأنين والألمِ، حينها أدركتُ، والذهولُ يخرسني، أن قسوتكَ لم تكن مجرد نوبةِ غضبٍ عابرةٍ، بل عقيدةٌ راسخةٌ في أعماقك،لقد ظننتُك جئت بالنهاية، لكنني استيقظتُ على الحقيقةِ الأكثرِ رعبًا، أن كل ما مضى لم يكن سوى تمهيدًا، وأن رحلةَ الأذى في قلبك لم تبلغْ بعدُ سقفَ طموحها الأسودِ.»
2

بقلمي «روز أمين»
______*______

اجتمعت العائلة بأكملها تلبيةً لرغبة "منير"، الذي استدعاهم لإبلاغهم بقراره النهائي، خيّم على الغرفة صمتٌ ثقيلٌ، وجلس الجميع في ترقبٍ وأعصابًا مشدودة، كأنه قد تحول فجأة إلى قاضٍ مهيب، والكل بانتظار نطق حكمه الأخير.

أما "نهلة"، فكانت تجلس إلى جواره وهي تشعر باختناقٍ شديد، وكأن الهواء قد سُحب من صدرها من فرط التوتر ولوعة الانتظار، التفت إليها والدها، ونظر في عينيها قائلًا بهدوءٍ مخيف:
-أنا سألت على الولد يا نهلة.

بمجرد أن نطق بكلمة "الولد"، انقبض قلبها وشعرت بخيبة أمل مريرة سكنت قلبها،راودها شعورًا وكأن والدها قد تخلى عنها هو الأخر، وانحاز لصف والدتها وإخوتها ليقرر دفن قصة حبها للأبد، وما أكد شكوكها القاتلة هو ملامح وجهه التي امتلأت بالحزن لأجلها وهو يتابع:
-أنا إديت بياناته لحد بثق فيه جداً، وخليته يتحرى كويس أوي عنه وعن كل عيلته.

تعلقت عيناها بخاصتيه، وهي ترجوه بنظراتها المنهكة أن ينطق بالقرار ويرحمها من عذاب الانتظار، فجاء صوته منخفضاً ومحملاً بالأسف:
-للأسف، الولد مش مناسب ليكِ يا حبيبتي.
2

أطلقت "راندا"تنهيدة مريحة ،وأرجعت ظهرها إلى الخلف لتنعكس السكينة على ملامحها التي أصبحت أكثر هدوءًا، بينما هزت الفتاة رأسها ببطء وهي في حالة من الذهول التام، خرجت كلماتها متلعثمة من إثر صدمتها:
-ليه؟ ليه مش مناسب يا بابا؟!

رد عليها بنبرة تقطرُ حنانًا، لكن رائحة الكبرياءُ تفوح منها:
-عشان إنتِ"نهلة الخولي"، ولازم اللي يفوز بيكِ يبقى عارف إنه هيحتفظ بجوهرة نادرة أتمناها ألاف غيره، ويكون مقدر قيمتك وعارف كويس أوي هو جاي يناسب مين.
2

انحنت نحوه بلهفة ورجاء يفيض من عينيها، تحاول التشبث بأي أملٍ وهي تهز رأسها بإنكارٍ:
-بس رشيد بيحبني يا بابا، وكمان هو حد كويس أوي

وتابعت بلهفةٍ وحماسٍ زائد في محاولة لاقناعه:
- رشيد ده أحسن راجل في الدنيا وباشمهندس وشاطر جداً في دراسته، رشيد قدامه مستقبل كبير أوي، صدقني يا بابا.

حاولت بكل طاقتها إقناعه والدفاع باستماتةٍ عن حبها، لكن والدها قاطعها بعقلانية باردة غُلفت بغرورٍ بغيض:
-الشهادة مش دليل على نحاح الراجل وقيمته في المجتمع، ورشيد ده مش هيقدر يقدم لك الحياة اللي تستحقيها يا " نهلة".
3

أمسكت بيده وتوسلت إليه والدموع تطرق عينيها:
-بس أنا بحبه يا بابا، وعمري ما هكون سعيدة غير معاه.

طالعها بجمود وراح يشرح لها الواقع ليقنعها:
-الحب مش كل حاجة يا نهلة، في حاجات أهم بكثير أوي .

سألته بأعين مذهولة من قسوته:
-زي إيه؟

أجابها ببرودٍ تام وعقلانية صارمة هزت كيانها:
-زي المستوى المادي والثقافي والاجتماعي مثلاً، بصي يا نهلة، الجواز مش واحد وواحدة اتقابلوا وحبوا بعض فيقوموا يقرروا إنهم يتجوزوا،
الجواز عيلتين بيناسبوا بعض، ولازم يكون فيه تكافؤ.
2

ارتسم الارتياح على وجوه أشقائها وباتوا يتنفسون براحة، باستثناء "مايا" التي كانت تتابع الفتاة بقلبٍ ينزف لأجلها، بينما استأنف"منير" حديثه بنبرة هادئة ولكنها حاسمة، واضعاً يده فوق يدها الباردة ليمتص ثورتها:
-التكافؤ هو أساس نجاح أي علاقة، بصي يا بنتي، من غير تكافؤ مفيش علاقة ممكن تكمل، الحب في بدايته بيبقى عامل زي شرارة نار قوية بتولع في قلوب العشاق،بتحسسهم بالقوة وبإنهم يقدروا يهدوا الدنيا ويكسروا كل قواعد العقل، علشان بس يكونوا مع بعض.
1

صمت قليلاً ليواصل حديثه بعقلانيةٍ مطلقة،مستندًا إلى خبرته التي اكتسبها عبر السنوات:
- لكن مع أول صدام مع الواقع والمصاريف والمسؤوليات الكتير
وتابع مسترسلاً:
- واختلاف الطباع والعادات،وفرق التربية،الشرارة دي فجأة نورها بينطفي، وما بيفضلش منها غير شوية الرماد اللي بيفضل ماشي ورا الحب لحد ما يخنقه ويموته بالبطيء.

صمت للحظة، ونظر حوله إلى بقية أفراد العائلة الذين كانوا يتابعون الحوار بترقبٍ صامت وأنفاسٍ منتظمة،بعد أن جرى الحديث وفق مرادهم، ثم عاد ببصره إلى "نهلة"قبل أن ينطق بعقلانيةٍ رصينة امتزجت بالهيبة:
-مقدرش أنكر إن رشيد شاب مكافح وهيبقى مهندس شاطر في المستقبل،واللي وصلني إن أخلاقه ممتازة،وأكيد هو عريس مناسب جداً.

قطبت جبينها وترقبت باقي حديثه غير متآملة، فاستأنف هو موضحًا:
-لكن لواحدة شبه ظروفه ومن بيئته اللي نشأ فيها، انتِ اتعودتي على مستوى معين، على عيشة ومتطلبات مجرد ما بتفكري فيها بتجيلك لحد عندك، وده واحد لسه هيبتدي حياته من الصفر، ومحتاج سنين طويلة عشان يقدر بس يثبت نفسه

غاص بنظراته في عمق مقلتيها،ليسترسل في حديثه بنبرة قاطعة كالسيفِ :
-وأنا مش هسيب بنتي تضر نفسها باختيار غلط، ولا هقبل أشوفك وانتِ بتدمري نفسك وأقف أتفرج عليكِ.
3

لمعت عيناه ببريقٍ صارم وهو ينهي كلامه ويحسم الجدال تماماً:
-القرار ده أنا أخدته في المقام الأول عشان مصلحتك،بكرة لما تتجوزي اللي يستاهلك وتعيشي مرتاحة هتعرفي إن أبوكِ كان صح.
وتابع مسترسلاً بصرامة لغلق الحديث وعدم فتحه مرةً آخرى:
-الموضوع ده اتقفل يا نهلة، وقصة رشيد دي مش عاوزها تتفتح،ولا عاوز أسمع إسم الشخص ده مرة تانية.
2

ارتجفت شفتها السفلى، لكن عينيها ظلتا متعلقتين في خاصتاي والدها بكبرياءٍ جريح، وقالت بنبرة حاولت جاهدة أن تجعلها متماسكة:
-كل الكلام اللي حضرتك قولته ده يُحترم، بس بعد احترامي ليك، ولا كلمة منه تعنيني ولا تخصني، أنا بكلمك عن مشاعر، وحضرتك بتكلمني عن ماديات وجاه ومال وفوارق اجتماعية وثقافية.
2

لم يحتمل سامح تمردها الذي يهدد ثوابت العائلة، فاندفع ملوحًا بيده، وخرج صوته جهوريًا غاضبًا:
-طبيعي كلام الباشا ما يعحبكيش، لأن الحياة على أرض الواقع غير أحلامك الوردية اللي ساجنة روحك فيها يا أستاذة نهلة.

كاد أن يواصل سيل توبيخه، لولا والده الذي رفع كفه في الهواء بحركة حاسمة صامتة، آمرًا إياه بالتزام الصمت.

كان يعلم جيدًا تفاصيل التركيبة النفسية لابنته، ويعلم يقيناً أن أي تدخلٍ من والدتها أو أشقائها لن يجدي نفعًا، بل سيزيد من اشتعال عنادها ويضاعفه، لذا أصر أن يمسك بزمام الحوار وحده، محيداً الجميع كصيادٍ خبير يعرف متى يشد الحبل ومتى يُرخيه.

التفت نحوها، وارتسمت على وجهه ملامح عتاب هادئ،قبل أن يسألها بصوت منخفض ومؤثر:
-إنتِ عندك شك في حب بابا ليكِ؟

هزت رأسها نافيةً، وتراجعت حدة صوتها قليلًا ليحل محلها شجنٍ مرير وهي تقول:
-أكيد لا، بس مش كل حب بيفيد صاحبه يا بابا.

وتابعت عن عمدٍ:
-ساعات الحب بيقتل ويخنق.

تحدث إليها بصدقٍ يشع من عينيه،محاولاً استمالتها:
-بس أنا أبوكِ وأكتر حد في الدنيا دي كلها يخاف عليك
2

انبعثت شرارة الغضب من جديد واقتدت في عينيها، لتخرج كلماتها لاذعة كالسياط:
-والدبة اللي قتلت صاحبها هي كمان كانت بتحبه وخايفة عليه.

تصلب جسده، واتسعت عيناه بصدمة وهو يرى ابنته للمرة الاولى تتعدى حدود الأدب معه، سألها بنبرة متهدجة من فرط الذهول:
-انتِ بتقولي لي أنا الكلام ده يا نهلة؟!
1

سقط عنها قناع التحدي فجأةً أمام انكسار والدها، فقبضت على كفيه بقوة ترتجي منه الخلاص، بينما تلمع الدموع الحبيسة في عينيها:
-أرجوك يا بابا حاول تفهمني وتساعدني، مش أنتَ تحب إني أكون سعيدة؟
تنهد بعمق، وربت على يدها بهدوءٍ بارد،محاولاً احتواء حزنها:
-أكيد يا حبيبتي.

انفرجت شفتيها بلهفةٍ وتحدثت بسرعة كمن يمسك بطوق نجاته:
-طب أنا سعادتي عمرها ما هتكون إلا مع رشيد.

تلاشى الهدوء من ملامحه ليحل محله جمودٍ صارم، وهز رأسه برفض قاطع وهو يقول:
-بيتهيأ لك.

ثم أشار بكفه نحو أشقائها الجالسين باسترخاءٍ، وتابع بنبرة واثقة:
-إخواتك وأنا أكبر مثال قدامك على نجاح جواز العقل.

أفلتت يديه فجأةً، ونهضت واقفة وهي تبتسم بسخرية سوداء نسفت كل محاولات الاستجداء:
-ودي أكتر حاجة مخلياني متمسكة برشيد.

ارتسمت علامات الحيرة والوجوم على وجه منير، فلم تمهله الفتاة، بل واصلت تعرية زيف حياتهم بصوت يملؤه الاحتقار،غير عابئة بالتزامها لقواعد الادب والاحترام:
-هو حضرتك مش شايف حياتكم عاملة إزاي؟ أنت وماما مفيش بينكم أي انسجام ولا مودة ، حياتكم عبارة عن روتين مُمل خالي من الحياة.

انتفضت راندا من مكانها كالملسوعة، واشتعل وجهها حمرة وهي تصرخ برعونة:
-إنتِ بنت قليلة الأدب.

نفد صبر منير تمامًا، فصاح بها بحدة هزت جدران المكان:
-نهلة، أوعي تتعدي حدودك في الكلام معايا، ومتنسيش إنك بتتكلمي مع أبوكِ.

وقفت في مجابهتهم جميعًا، وجسدها ينتفضُ بثورة عارمة، وبنبرة متحشرجة بالبكاء ومرارة خذلانٍ لم تتوقعه من أقرب الناس إليها،ألقت بوجعها في وجه والدها قائلة:
-أبويا المفروض يبقى سندي ويخاف عليا أكتر من خوفة من نظرة المجتمع ليه، أبويا المفروض يشوف إيه اللي يسعدني ويقربه مني،مش يحرمني باديه من الانسان الوحيد اللي دق له قلبي.

أطلق رائد ضحكة ساخرة تنضحُ بالمرارة، بعد أن طفح كيله من هذه السذاجة وتفكيرها السطحي،وقال متهكمًا بنبرة تقطر فوقية وكبرياءً فجًّا:
-وهي سعادة جنابِك مش هتتحقق غير لما تجيبيلنا حتة عيل صايع طمعان فينا، وتجبرينا إننا نقبله وسطنا هو وبيئته المنحدرة؟!

التفتت إليه كالنمرة الجريحة، واشتعلت عيناها بالدفاع عن حبيبها الذي تأصل عشقه بعمق قلبها:
-رشيد مش صايع، رشيد أحسن واحد في الدنيا، وأنا لا يمكن أتحول واكون نسخة منكم.
2

تراجعت إلى منتصف المكان، ودارت بجسدها دورة كاملة وهي تتأمل وجوههم الجامدة بنظرات تشع انفعالًا واشمئزازًا، وقالت بصوت متهدج وكأنها فقدت عقلها:
-إنتوا فاكرين نفسكم عايشين؟ أنتوا مجرد تماثيل شمع لابسين بِدل وفساتين سينييه، لا عندكم مشاعر ولا أحاسيس علشان تحسوا وتتعاملوا من خلالها مع الناس، بتبصوا للكل بكبرياء وغرور وكأن ربنا خلقكم من طينة غير طينة البشر.

وتابعت باشمئزازٍ وقد انفجرت دموعها بعد أن فقدت السيطرة عليها:
- أنتوا وحشين من جوه، وحشين أوي.

انتفض سامح واقفًا، وعروق عنقه بارزة من فرط حالة الغضب، والشرر يتطاير من عينيه وهو يصيح كاسرًا ما تبقى من هدوء الحوار:
-إنتِ فعلاً بنت قليلة الأدب، ويظهر إننا كنا غلطانين في تساهلنا معاكِ، واحترامنا لعقلك ونقاشنا معاكِ بعقل وحكمة.

تحدث رفيق بنبرة هادئة، محاولاً احتواء الموقف تحت نظرات والده الصامتة، والتي كانت ترقب المشهد بتمعنٍ شديد:
-اعقلي يا نهلة واعتذري حالاً لبابا، وإحنا مقدرين الحالة النفسية اللي بتمري بيها، علشان كده مش هناخد موقف صارم من كلامك،وهنكتفي بوعد منك إن اللي حصل ده ما يتكررش تاني.

أطلقت ضحكة ممتزجة بالسخرية المريرة، وقد بلغت ثورتها ذروتها، وامتزجت ملامحها بنوبة من الذهول والجنون وهي ترد عليه:
-كتر خيرك يا سيادة المستشار إنك هتعفي عني ومش هتقدمني للمحاكمة.
ثم تابعت بتهكمٍ لاذع:
-ومتشكرة جداً إنك قدرت حالتي، مجنونة بقى ربنا يعينكم.

قرر منير التدخل وقال بصوت حاسم، نابع من قرار قاطع لا رجعة فيه بعد أن درس الموقف بثباته المعهود:
-نهلة، كفاية لحد كده، واطلعي ارتاحي في أوضتك.

التفتت إليه وعيناها تلمعان بدموع القهر، وقالت بمرارة انبعثت من أعماق قلبها الجريح:
-هو فعلاً كفاية لحد كده.

ألقت بجملتها وتحركت بسرعة نحو والدتها، مدت يدها المرتعشة في تحدٍ واضح وصوت غاضب:
-من فضلك اديني تليفوني.

كانت تجلس بكبرياء، واضعةً ساقًا فوق الأخرى،تطلغت إليها بعنجهية مفرطة وهي تقول ببرودٍ مميت:
-مفيش تليفونات لحد ما تعقلي.

لم تحتمل هذه القسوة، فانفجرت باكية وصرخت بهستيرية هزت أركان المكان:
-هاتي تليفوني.

وقبل أن تنطق راندا بكلمة أخرى،قاطعها صوت منير الهادئ، لكنه حاملاً لنبرة الآمر النافذ:
-اديها تليفونها يا راندا.

نظرت إليه بتوجس وقلق واعتراض، لكن منير تابع حديثه بذكاء ودهاء شديدين، موجهاً نظراته نحو ابنته:
-ومن بكرة ترجع لجامعتها، أنا واثق في بنتي، وعارف إنها لا يمكن تعمل حاجة تقلل بيها من قدري أو قدرها
وسألها بذات مغزى:
- مش كده يا نانا؟

أشاحت بوجهها عنه كبرياءً ولم تجب، وظلت يدها ممدودة نحو والدتها. رأت راندا الصرامة في عيني زوجها، فالتفتت إلى سامح وأشارت له قائلة:"
-اديها تليفونها يا سيادة المستشار.
2

امتعضت ملامح "سامح"، وارتسمت معالم الرفض على وجهه، بينما كان الغضب يشعل صدره احتجاجًا على هذا القرار، لكنه في النهاية اضطر للانصياع مستسلمًا للأمر الواقع، مد يده ببطء إلى جيب بدلته وأخرج الهاتف.

هرولت نحوه لتلتقطه، إلا أن سامح سحب يده إلى الوراء بسرعة خاطفة، ونظر في عينيها بوعيدٍ صريح ونبرة تقطر تهديداً:
-ياريت تبقي قد المسؤولية وقد الاسم اللي إنتِ شايلاه، ولو فعلاً خايفة على الولد ده، ابعدي عنه، لأني لو حطيته في دماغي، هخليكِ تقضي الباقي من عمرك تِتحسري عليه وتقولي ياريتني سمعت كلامك يا سامح، مكنش كل ده حصل.

احتقن وجهها بالغضب، واشتعلت عيناها بنيران التحدي وهي تهتف بصوت حاد:
-هات التليفون يا سامح.

سلمها الهاتف على مضض، فخطفته من يده بقوة وركضت نحو الدرج تتخبط بمشيتها بفضل دموعها.

لم تحتمل مايا رؤية صديقتها بهذا الانكسار، وتحركت فوراً لتلحق بها وقلبها يعتصر ألماً عليها. وقبل أن تطأ قدمها أولى درجات السلم، اخترق سمعها صوت راندا الحاد والجهوري:
-مايا.

التفتت الفناة ببطءٍ، لتتابع راندا بكلماتٍ مسمومة تحمل مغزى واضحاً:
-هديها وفهميها إن اللي عملته ده غلط، وإن كلامها قدام باباها بالشكل ده ممكن تدفع تمنه من حريتها والامتيازات اللي بتقدم لها.

تسمرت مايا في مكانها، وباتت تتأمل تلك المرأة بذهولٍ صدم كيانها، تساءلت في عقلها بمرارة:
-أيعقل أن تكون هذه أماً؟! أتريد مني أن أهدد ابنتها وأقايضها بين التخلي عن حب حياتها أو الرضوخ لأوامرهم، وإلا حُرمت من رغد العيش ونعيمه؟!
1

تجاهلت كلماتها، واستدارت لتكمل صعود السلم بخطوات مثقلة بالحزن، بينما التفتت راندا إلى زوجها معاتبةً إياهُ بحدة:
-اللي عملته ده أكبر غلط يا منير، مكنش لازم تديها التليفون، أهي هتطلع تكلم الولد منه.

مال منير بجسده إلى الأمام بهدوء وثقة، التقط من على الطاولة سيجاراً كوبياً فاخراً، وفك غلافه السلوفاني بتمهلٍ شديد قبل أن يشعله،أخذ نفساً عميقاً، وترك الدخان يتصاعد للأعلى، ثم قال برزانة:
-بالعكس يا راندا، ده كان لازم يحصل علشان متحسش إنها محاصرة ومضغوطة من كل النواحي.

نطق رفيق وعلامات عدم الرضا واضحة على وجهه، وهو يقول:
-أنا شايف إننا لازم نتدخل يا باشا.

سأله مستفسرًا يحثه على التوضيح:
-إزاي؟

أجابه بهدوءٍ:
-نبعت نجيب الولد وأقابله أنا ورائد وتامر في مكتب سامح، ونهدده بتدمير مستقبله لو مبعدش عن نانا.

أشار بيده وهو يقول برزانة وحكمة اكتسبها عبر السنين:
-اصبر يا رفيق، خلينا نتابع الموضوع من بعيد ونشوف رد فعل الولد، مش يمكن يطلع محترم وينسحب بكرامته؟
2

ارتفع صوت سامح مشحوناً بالتعالي والكبرياء المتأصل في طباعهم، وقال متهكماً:
-وهي الأشكال اللي زي دي بيبقى عندها كرامة يا باشا؟!

التفتت راندا لتؤيد كلام أبنائها، وقد بدا على وجهها الإصرار والتحفز، فقالت لزوجها:
-أنا رأيي من رأي الولاد يا منير، الولد ده لازم يتهان ويحس بالخطر علشان يعرف مقامه ويبعد.

حافظ على بروده القاتل برغم الضغط عليه، ونظر إليهم جميعاً نظرة ثاقبة وهو يقول:
-اهدي يا راندا، وكل اللي عاوزينه هيحصل، بس بالعقل.

تنهد رفيق بعمق، وكأنه أزاح عن كاهله هماً ثقيلاً، ثم قال لوالده:
-بصراحة يا بابا أنا كنت قلقان جدًا من قرارك، وخوفت توافق على الولد بعد كلامك لنانا المرة اللي فاتت.

ارتسمت ابتسامةٌ ساخرة على شفتي منير، وحرك رأسه في استنكارٍ واضح لتفكيرهم الضئيل وضيق أفقهم الذي عجز عن استيعاب حقيقة الموقف:
-إنت متخيل إني ممكن أضحي ببنتي وأرميها في النار بإيدي علشان خاطر قصة حب تافهة،هتتنسي مع الوقت؟
وتابع مبررًا:
-أختك لسه صغيرة ومحتاجة تتعامل باللين والعقل، مش بالشدة والأمر زي ما أنتوا بتتعاملوا معاها.

ثم صمت للحظة، وتابع بملامح تنضح بالدهاء والمكر السياسي:
-كان لازم أسايسها، وأسأل الأول عن الولد وأشوف مدى تأثيره وخطورته عليها، ولما لقيته شاب عادي ومفيش منه خطر،قررت أبلغها بقراري.

وتحولت ملامحه فجأة إلى الاستغراب والدهشة وهو يضيف:
-بس بصراحة، عمري ما تخيلت إن رد فعلها هيبقى عنيف بالشكل ده.

انفجرت راندا ملقية باللوم كله على عاتقه:
-كل ده بسببك يا منير!، إنت اللي دلعتها بزيادة وحسستها بأهمية رأيها، وأدي النتيجة.
وتابعت بحدة وازدراء:
- البنت بقت متمردة وردودها بقت في منتهى قلة الأدب.

اشتعلت عيناه غضباً، ورد بنبرة حادة مدافعاً عن ابنته:
-دي بنتك يا راندا مش عدوتك علشان تتكلمي عنها بالشكل ده.
2

نظرت إليه وعيناها تلمعان بصدق نابع من وجهة نظرها كأم تريد حماية ابنتها ولو بالقسوة، وقالت بنبرة جادة:
-ما هي علشان بنتي وبحبها وبخاف على مصلحتها بقول لك الكلام يا منير.

تدخل سامح بهدوء رصين ليضع حداً لهذا الجدل العقيم بين والديه قبل أن يتفاقم:
-من فضلكم يا جماعة نهدى، الندم على اللي فات مش هيحل المشكلة، بل على العكس هيعقدها زيادة، خلينا نفكر بالعقل في الخطوة اللي جاية.

أومأ الجميع بالموافقة على رأيه الحكيم، ليعودوا من جديد إلى طاولة الحوار، ينسجون خيوط مؤامرتهم ، ويرسمون خططهم لهدم قصة الحب وتشتيت شمل الحبيبين.
1

******

اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام في بيت السيد"عزام"، بمناسبة عودة "أشرف" في إجازته من الجيش، كانت الأجواء دافئة، اجتمع الأب والأم، والابن الأكبر "علي" الذي جاء بصحبة زوجته لقضاء إجازة الجمعة مع العائلة، بسطت "فاطمة" يدها بحنان، تضع قطعاً إضافية من اللحم في طبق "داليا"، التي تبسمت وهي تقول:
-كفاية يا طنط، حضرتك حطالي لحد دلوقتي نص بطاية ونص حلة محشي.
2

تمتمت بهدوءٍ ونبرة حنون:
-كلي يا حبيبتي واتغذي، انتوا طول الأسبوع في الشغل، وتلاقيكم مقضينها تونة وجبنة.

وجد "علي" فرصة لمداعبة زوجته وأمه، فتحدث بآسى مصطنعًا، وهو ينظر لأمه:
-اسكتي يا ماما، ده أنا معدتي نشفت من يوم ما سبتك، وبعد ما كنت برجع من شغلي ألاقي المحمر وطواجن الرز المعمر، بقيت أطقش لي بيضتين على علبة بولوبيف، ولا علبة تونة وأحمد عليهم

التفتت إليه زوجته ونطقت بنبرة جادة غلفتها الغيرة على مجهود والدتها:
-يا سلام! طب وبالنسبة لريحة الأكل اللي بتبقى مفحفحة ومالية الشقة بمجرد ما نرجع من الشغل؟ دي ماما يا حبيبتي قاسمة نفسها ما بين شقتها وشقتنا، ويومياً تيجي تطبخ لنا .

لوت "فاطمة" فمها ولم تفوت الفرصة لتعيد فتح ما حدث بالماضي، تمتمت بعتابٍ ولوم:
-وكان ليه ده كله من الأول يا حبيبتي؟ ما كنتوا هتقعدوا معايا، وبرضه هترجعوا تلاقوا أكلكم جاهز.

توترٍ أصاب "داليا" و"علي"جراء حديثها، قطعه صوت "الحاج عزام" الحازم، وهو يوجه نظرة تحذيرية حاسمة لزوجته:
-وبعدين يا فاطمة؟ احنا هنعيده تاني ولا إيه؟

تنهدت بحدة وفضلت الصمت،بينما شعر "علي" بالندم الشديد لفتحه هذا الباب الذي كاد أن يفسد ذلك التجمع العائلي، التفت سريعاً نحو شقيقه، حيث كان يتناول طعامه بهدوءٍ وصمتٍ عجيب، غارقاً في عالم آخر وعيناه تشيان بشرود عميق، ليسأله محاولاً تغيير مجرى الحديث:
-ماقولتليش يا أشرف، محمود ابن عمتك عمل لك إيه في موضوع سفرك للسعودية؟

انتبه لحديث شقيقه ورد بنبرة هادئة ورزينة:
-اتفق لي مع الكفيل بتاعه خلاص، ولقى لي وظيفة محاسب في شركة كبيرة هناك، ومرتبها ممتاز الحمد لله، قالي أجهز شهادة البكالوريوس وكل الأوراق المطلوبة، بحيث أول ما أخلص الجيش هسافر على طول أستلم الوظيفة.

وافقه "علي" مشجعًا:
-أحسن قرار أخدته يا أشرف، السفر للسعودية هيفرق جداً في مستقبلك، المرتبات هنا ضعيفة ومبقتش تفتح بيوت.

لم تتقبل "فاطمة" الكلمات، واشتعلت بداخلها غريزة الأم التي ترفض فراق ابنها، فالتفتت إلى "علي" معترضة بحدة:
-ده بدل ما تعقله وتقول له يشيل فكرة السفر دي من دماغه بتقويه يا علي؟

أجابها بهدوء حاول فيه امتصاص غضبها:
-بشجعه للمصلحة يا ماما، لو قعد هنا هيتعب في حياته.

سألته بنبرة لا تخلوا من التحدي:
-ولما هو كده، مسافرتش ليه أنت كمان؟
رد مبرراً موقفه:
-أنا شغلي غير يا ماما، الشركة اللي أنا وداليا شغالين فيها توكيلها أمريكي، ومرتباتها كبيرة ده غير المكافآت والحوافز، والشغل فيها ليه مستقبل كبير، لكن أشرف محتاج واسطة كبيرة علشان يشتغل في بنك أو شركة استثمارية ببكالوريوس التجارة، يا إما مقداموش غير إنه يتعين محاسب في أي شركة أو مكتب محاسبة، ودي مرتباتهم بتبقى معدومة.

تدخل السيد "عزام" مهدئاً الأجواء بوقاره المعتاد، ووجه نظراته المليئة بالحكمة والدفء لأولاده قائلاً:
-ربنا يا ابني يكتب لكم اللي فيه الخير والصالح ليكم، واللي أهم من الفلوس، هو إنكم تتقوا ربنا في شغلكم وفي حياتكم كلها، علشان ربنا يبارك لكم فيها.

تبدد التوتر إلى هدوءٍ وراحة، بفضل كلمات ذلك الحكيم،وتابعوا تناول طعامهم في اجواءٍ رائعة .
*******

كانت تفترش الأرض الباردة بجوار فراشها، منكمشة على نفسها كطفلةٍ ضائعة، تبكي بهستيرية،بينما كان الشعور بالقهر ينهش قلبها ويمزق صدرها دون رحمة، هرعت مايا نحوها بهلعٍ وحاولت جاهدة مساندتها لتنهض وهي تقول بنبرة حانية:
-قومي يا نانا اقعدي على سريرك، متعمليش في نفسك كده.

لم تحرك ساكناً، بل استسلمت تماماً لدموعها المنهمرة بلا توقف، انحنت مايا وجلست بجوارها على الأرض، ثم جذبتها لتسكن إلى أحضانها، كان جسدها ينتفض بعنفٍ بفضل البكاء المرير، بينما كانت ضربات قلبها متسارعة وقوية لدرجة أن مايا شعرت بدقاتها المتلاحقة وهي تطرق صدرها، فامتزجت دموعها بدموع الفتاة وقالت بصوت مخنوق من فرط الألم:
-كفاية يا نانا، كفاية عشان خاطري، قلبك هيقف من كتر العياط.

صرخت بقهرة حارقة خرجت من أعماق روحها الجريحة،لتقول بتمني بفضل يأسها:
-يا ريته يقف ويريحني من اللي أنا فيه يا مايا، يا ريته يقف عشان أريح الكل بموتي.

انتفض جسد الأخرى هلعاً من كلماتها، وضمتها برعب وهي ترد بنبرة متألمة:
-بعد الشر عليكِ، اوعي تقولي كده تاني .

سكتت لبرهة تمسح عنها دموعها بضعف، ثم تابعت بنبرة عتابٍ حزينة :
-ياما قولت لك بلاش منه الحب ده وحاولي تنسي، ياما نصحتك تبعدي عن رشيد، لأني كنت متأكدة إن دي هتبقى النهاية.

عند سماع هذه الكلمات، انتفضت نهلة فجأة وابتدعت مسافة بينها وبين زوجة شقيقها، تراجعت إلى الوراء ونظرت إلى مايا بعينين يشع منهما بريق تحدٍ وعناد وليد اللحظة، دخيل تماماً على شخصيتها الهادئة المستسلمة، وقالت بنبرة حاسمة أدهشت مايا:
-اللي بيني وبين رشيد مش هينتهي غير بالجواز يا مايا، جواز وبس.

وتابعت بقوة بعدما نفضت عنها غبار الضعف وتابعت بنبرةٍ غلفتها قوةٌ وعزيمة لم تعتد عليها من قبل، وكأن الوجع قد ضاعف من إرادتها الحُرة:
-أنا مش هسمح لهم يدمروني ويحولوني لتمثال شمع زيهم، عمري ما هكون نسخة منهم يا مايا، مش هسمح لهم يكسروني ويهدوا حلمي.

تحدثت مايا بنبرة يملؤها الخوف والذعر على مصيرها من طغيان عائلتها:
-أوعي تتهوري وتعملي حاجة تندمي عليها العمر كله يا نانا.
وتابعت بنصحٍ دافئٍ نابعٍ من أعماق حرصها وخوفها الحقيقي على مصلحة الفتاة:
-إخواتك مش هيرحموا رشيد، حتى عمو منير اللي كنتي فاكرة إنه معاكِ، طلع بيهديكِ بس لحد ما يقرر هيعمل إيه.

هبطت الكلمات على قلب نهلة كالصاعقة، فتهدج صوتها بنبرة تبكي لها القلوب القاسية قبل الرحيمة، وقالت بكسرة :
-كلهم باعوني يا مايا، كلهم اتخلوا عني وداسوا عليا بأقدم جزمة عندهم.

واستسلمت لدموعها مجددًا، لتجهش ببكاء مرير وقهر يمزق كيانها بالكامل، ضمتها مايا إلى صدرها في محاولة لتهدئة روحها الثائرة، وقاسمتها البكاء بمرارة على وضعها الذي يمزق نياط الفؤاد.

*******
منذ اللحظة التي عاد فيها، وهو يعزل نفسه داخل جدران غرفته، ورغم محاولات فاطمة المستمرة لحثه على الخروج والجلوس معها ومع والده وشقيقه وزوجته، إلا أنه كان يتعلل دائماً بأن جسده المنهك يحتاج إلى الراحة والنوم هرباً من مشقة تدريبات الجيش، كان يخرج فقط ليشاركهم الطعام فقط، ثم يعود مسرعاً ليلتزم خلوته، والحقيقة أنه لم يكن يبحث عن النوم، بل كان بحاجة ماسة للاختلاء بنفسه، ليحسم ذلك الصراع العنيف الذي يؤرق روحه، أسند ظهره للخلف، ورفع رأسه متطلعًا نحو سقف الغرفة، أطلق تنهيدة طويلة، ثم أغمض عينيه وزفر بحدة، محاولاً إخراج ما في صدره من نار الحيرة والشوق، فجأة، انتفض واقفاًَ واندفع نحو المرآة، تفرس في ملامحه المجهدة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وقال مواجهاً انعكاس صورته:
-قولها يا أشرف، اعترف وقول لنفسك إنك بتحبها.

تعثرت الكلمات في حلقه، وداخلته ريبَة التردد فقال بقلقٍ وريبة:
-بس دي لسه صغيرة، دي تعتبر عيلة بالنسبة لك.

ثم تابع بلومٍ شديد لنفسه وعتاب تملأه الحيرة:
-إعقل يا أشرف، اعقل، لكنه تنهد من جديد، ورد على هواجسه بقلب مغلوبٍ على آمره:
-وهو امتى الحب والعقل كانوا بيجتمعوا مع بعض؟!

زفر بحدة مغلقاً باب الشكوك، وهتف بعزم صلب:
-كفاية تردد، لازم تاخد موقف وتعلن عن حبك للدنيا كلها.

أخذ يتحرك في الغرفة بقلقٍ، مفكراً في الطريقة المثلى التي يعلن بها للجميع عن مشاعره، دون أن يضع نفسه تحت الانتقادات بسبب فارق السن.

عاد إلى المرآة، وركز بنظراته في عمق انعكاس عينيه، ثم قال بكل جرأة وثقة:
لازم تاخد خطوة لقدام قبل السفر، لو قعدت تستنى الوقت المناسب ممكن تخسرها، وتدي فرصة كبيرة لشهاب إنه يستفرد بيها بعد ما تسافر، خصوصاً إنها بتحلم تدخل كلية الطب، ودي هتبقى فرصته اللي هيدخل لها منها.

وعلى الفور، حسم أمره واتخذ قراره، ارتدى ملابسه بسرعة البرق، عازماً على التوجه نحو الوجهة التي ستساعده في تحقيق خطوته الأولى، خطى خارج غرفته باندفاع، ليتفاجأ بوالدته وعلي وداليا يجلسون في فراندة المنزل يرتشفون مشروباً بارداً.

استوقفته والدته بنظرات متفحصة وسألته:
-رايح فين يا حبيبي؟

أجابها دون أن يبطئ من خطواته المتعجلة:
-رايح أزور خالتي عايدة.

عقدت حاجبيها في دهشة، فعايدة و أماني كانتا في ضيافتهم ليلة أمس، لذا سألته باستغراب ممزوج بالشك:
-لحقت خالتك وحشتك؟ ده يدوب عدى سواد الليل!

رد عليها وهو يهبط درجات سلم الشرفة بعجل، محاولاً التملص من حصار اسألتها اللحوحة:
-خلاص بقى يا ماما،انتِ هتفتحي لي تحقيق.

وتحرك نحو البوابة الحديدية الخارجية بسرعة كبيرة، تاركاً شقيقه "علي" يتابعه بنظرات متعجبة، قبل أن يتمتم بفضول:
-ماله ده؟!

علقت داليا بنبرة هادئة محاولة تلطيف الأجواء:
-في إيه يا جماعة؟ انتوا مكبرين المواضيع ليه، خالته ووحشاه ورايح يزورها.

ضيق علي عينيه بتفكير عميق، وحرك رأسه بخبث وهو يقول:
-يكونش عينه على شاهندة، وواخد زيارة خالته حجة علشان يشوفها؟!

انطلقت ضحكة عالية من فاطمة لتبدد ظنونه، وردت بتأكيدٍ وثقة:
-شاهندة دي بالذات آخر واحدة يفكر فيها أشرف، دول من صغرهم وهما مبيطقوش بعض، ودايماً يقول عليها مسترجلة ودماغها ناشفة زي الجزمة القديمة.
******
كان يجلس في ردهة منزلهم، يراقب والده وشقيقه وهما ينخرطان في جولة حامية من لعبة "الطاولة"، بوجهٍ واجماً، يرتسم عليه ثقل حزنٍ وهمٌّ جاثمًا أطفأ بريق عينيه، لاحظ شقيقه انعزاله، فرفع رأسه وهتف بمرح محاولاً إخراجه من صمته:
-مش ناوي تلعب دور معايا علشان أغلبك كالعادة يا هندسة؟

ارتشف جرعة صغيرة من كوب الشاي الدافئ ، ثم أجاب شقيقه بصوت خافت مجهد:
-أنا مكتفي بالفرجة النهارده يا كريم.

اخترق رنين هاتف المنزل سمعهم، كانت بسمة خارجة للتو من المطبخ، وبما أنها كانت الأقرب، رفعت السماعة لتجيب بهدوء:
-ألو؟

على الطرف الآخر، كانت تقف والدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة إثر ما عانته من قهر، قررت في لحظة ضعف واحتياج أن تهرب إلى حبيبها، لتشكو له همها عل صوته يربت على قلبها الجريح، ارتبكت للحظات وتملكتها الحيرة حين سمعت صوت بسمة وكادت أن تتراجع وتغلق الخط، لكنها حسمت أمرها بسرعة، متخذة قراراً صارماً بألا تهرب بعد الآن، فقالت بصوت واضح حاولت جاهدة أن تبقيه متماسكاً:
-مساء الخير.

ردت بسمة التحية بمودة، فتابعت نهلة بنبرة غلفها الرجاء:
-ممكن لو سمحتِي أكلم رشيد؟

سألتها الفتاة بتهذيب وفضول فطري:
-أقول له مين يا فندم؟

أجابتها بنبرة هادئة:
-قولي له نهلة الخولي.

التفتت نحو شقيقها وقالت بنبرة ذات مغزى:
-تليفون عشانك يا رشيد.

اعتدل في جلسته وسألها باهتمامٍ:
-مين يا بسمة؟

أومأت إليه بغمزة دُعابة تلطف بها الأجواء قائلة:
-واحدة اسمها نهلة الخولي.

انتفض واضطربت ملامحه بشكل ملحوظ، وضع كوب الشاي على الطاولة بسرعة وعجالة، ثم تقدم نحوها باسطًا يده ليتناول السماعة، إلا أن بسمة تراجعت بخفة إلى الوراء مشاكسة إياه بابتسامة خبيثةً وهي تستجوبهُ:
-مين نهلة الخولي دي؟ ها؟

خطف منها السماعة بلهفة وقلق كادا يفضحانه، وقال بنهرٍ زائف:
-بطلي رخامة وروحي شوفي ماما عاوزة منك إيه.

أخذ الهاتف ودلف إلى غرفته بسرعة البرق، وما إن أغلق الباب وراءه حتى تنهد بلهفة حارقة وسألها:
-إنتِ فين يا نهلة كل ده؟! كده تختفي وتسيبيني وأنا هتجنن عشان أعرف أخبارك؟

جاءه صوتها مخنوقاً بالدموع، يحمل حنيناً جارفاً للمحبوب:
-وحشتني يا حبيبي.

آلمه بكاؤها وانفطر قلبه لنبرتها الحزينة، فسألها بلهفة شديدة:
-مالك يا حبيبتي؟ أنتي بتعيطي؟

انسابت دموعها بغزارة ولم تعد قادرة على حبسها بمجرد أن شعرت بأمان صوته، فقالت من بين شهقاتها:
-في حاجات كتير حصلت اليومين اللي فاتوا ولازم تعرفها.

ضيق بين عينيه بقلق ينهش صدره، وأحس بانقباضة في قلبه فقال مستفسرًا:
-قلقتيني يا نهلة،قولي لي في إيه؟

أجابته محاولة طمأنته برغم ما بداخلها من ألام :
-هحكي لك على كل حاجة بكرة لما أشوفك في الجامعة.

استفسر بعدم استيعاب:
-طب ليه مش دلوقتي؟

ردت بصوت متهدج وهي تشهق من فرط البكاء:
-مش هقدر يا حبيبي، ممكن ماما تدخل عليا في أي وقت.

ثم تابعت بنبرة تقطر بالعشق والهيام:
-أنا كل اللي عاوزاه إني أسمع صوتك وأطمن بيه، وعاوزاك توعدني إنك مش هتسيبني مهما حصل.

أجابها بثقة مطلقة ويقين يملأ قلبه العاشق:
-أكيد مش هسيبك يا قلبي، حد برضه يسيب روحه؟!

تسللت الطمأنينة إلى أوصالها وبدأت تهدأ تدريجياً، ثم سألته وكأنها طفلة تبحث عن الأمان:
-أنتَ بتحبني يا رشيد، مش كده؟

تعجب من سؤالها المفاجئ الذي يشي بضعفها الحالي، مما جعله يسألها مستغربًا:
-أنتِ لسه بتسألي بعد كل اللي بينا ده يا نهلة؟!

قالت بنبرة سيطر القهر والالم عليها:
-محتاجة أسمع منك اللي يطمني ويريح قلبي.

كان محتاراً للغاية، فكلامها وحالتها ونبرة صوتها المنكسرة جعلت الشكوك تدور في عقله بأن خطراً كبيراً يهدد علاقتهما، كاد الفضول يقتله ليعرف ما جرى، لكنه فضل ألا يضغط عليها شفقةً بحالة الانهيار المسيطرة عليها، فأجابها بنبرة تفيض عشقاً وهيامًا:
-إنتِ حلم عمري وأول حب في حياتي يا نهلة.

ردت بلهفة جارفة وغيرة أنثوية تملكت صوتها فجأة وهي تقول:
-والأخير يا رشيد.

ثم تابعت بنبرة واثقة وصوت يفرض تملكه عليه:
-حب عمرك الأول والأخير، أنا الأولى ومش هيكون في بعدي.

ابتسم بسعادةٍ من غيرة انثاهُ عليه، رغم قلقه الذي سيطر عليه، وأجابها ليقطع شكها باليقين:
-أكيد يا حبيبتي، إنتِ الأولى والأخيرة.

******

وصل أشرف إلى منزل خالته عايدة، وقلبه يدق بقوة، اقترب من الباب وبقايا تردد يداعب أصابعه، قبل أن يستجمع شحاعته ويطرق طرقات خفيفة متزنة فوق الباب،لم يمر سوى ثوانٍ معدودة حتى تحرك المقبض، وانفتح الباب لتطل منه شهيرة، لتقول بملامح وجه هادئة:
-إزيك يا أشرف؟

أجابها بنبرة مقتضبة، يحاول أن يداري وراءها دقات قلبه المتسارعة من شدة التوتر:
-إزيك أنتِ يا شهيرة، خالتي هنا؟

أشارت برأسها نحو الأعلى، لتجيبة بعفوية:
-آه موجودة، فوق السطوح بتأكل الطيور، ادخل اقعد في الصالة وأنا هطلع أندهالك حالاً.

دلف إلى الداخل، وجلس على أريكة خشبية، يفرك كفيه ببعضهما كمن يقبض على جمر الحيرة، بينما صعدت شهيرة تستدعي والدتها، مرت عشر دقائق كأنها دهر من فرط الانتظار، قبل أن يتهادى صوت عايدة، القادم من بين ثنايا ضحكتها البشوشة وهي تهبط الدرج:
-ده إيه النور ده كله يا أشرف، منور يا حبيبي.

وقف إجلالاً وترحيبًا، ليستدعى بصعوبة إبتسامة خفيفة وهو يقول:
-ده نورك يا خالتي.

ربتت على كتفه بحنان ، وجلست إلى جواره وهي تلتفت لابنتها وتقول بنبرة آمرة:
-ادخلي يا شهيرة اغرفي غدا لابن خالتك.

بسط يده سريعاً وهتف بلهفة:
-لسه متغدي حالاً يا خالتي.

سألته بجدية:
-اتغديت بجد ولا بتقول كده وخلاص؟

أكد لها بيقين صادق:
- والله لسه متغدي حالاً.

أشارت لابنتها وقالت بلمحة من عينيها:
-طب روحي اعملي شاي سكر زيادة عشان ابن خالتك.

وما إن غابت الفتاة وراء ستار المطبخ، حتى أطبق الصمت على أركان المكان، تفرست في ملامحه رأته يجلس مرتبكاً، زائغ النظرات، يعيد ترتيب جلسته كمن يجلس على أشواكٍ، ضيقت عينيها وسألته باستفسارٍ:
-مالك يا أشرف؟ قاعد مش على بعضك ليه يا واد؟

أخرج تنهيدة طويلة خرجت من سويداء قلبه، ونظر في عينيها مستجمعاً شجاعة رجلاً قد حسم أمره:
-أنا عاوز منك خدمة يا خالتي.

أجابته بلا تردد والحنان يسبق حروفها:
-عنيا يا حبيبي، عاوز فلوس؟

ابتسم بامتنان، ورد سريعاً:
-لا يا حبيبتي كتر خيرك، الحمد لله معايا.

ساد صمتًا قصيرًا مهد فيه للكلمات، ثم ابتلع ريقه وتابع بجرأة فاجأتها:
-أنا عاوز اتجوز دليلة بنت خالي صادق، وعاوزك تفاتحي خالي في الموضوع وتجسي نبضه تشوف رأيه إيه،عاوز احجزها قبل ما اسافر،وهستناها لما تخلص ثانوي.

اتسعت عينا عايدة دهشةً، واحتلت وجهها ابتسامة غامرة نبعت من فرحة صادقة، وقالت بنبرة تملؤها المشاكسة:
-بتحبها يا واد؟

أطرق رأسه خجلاً، واحتل اللون الوردي وجنتيه قبل أن يهز رأسه إيجاباً، علقت عايدة برضا وثقة:
-هي البت الصراحة تتحب، قمر ومؤدبة وهادية.

تنفس الصعداء، لكن غيمة الخوف من القادم سيطرت على نبرته وهو يسألها بريبة:
-يعني انتِ مش شايفة مشكلة في موضوع السن؟

رمقته بنظرة تعجب واستنكار ،لتقول بنبرة جادة:
- وماله السن؟! دي ما شاء الله عندها 15 سنة، واللي بينكم يا دوب عشر سنين، ده أبوك وأمك بينهم 15 سنة، وأهم زي الفل مع بعض ليهم سنين.

شعر بأملٍ متجدد يضخ الدماء في عروقه، وسألها بلهفة عاشق يخشى ضياع حلمه:
-يعني تفتكري خالي مش هيعترض على النقطة دي؟

طمأنته بوقار:
-خالك بيحبك، ومظنش هيرفض للسبب ده.

انتفض جسده حماساً، وهتف بسعادة عارمة كادت ان تفضح شدة تعلقه بتلك الصغيرة:
-خلاص كلميه النهاردة يا خالتي وشوفي رأيه إيه.

انطلقت ضحكة من عايدة ليرتفع صوتها في المكان، وضربت كفاً بكف وهي تلاطف ابن شقيقتها:
-يا واد اتقل متبقاش خفيف كده.

ثم صمتت لبرهة، مالت فيها برأسها تفكر، وتابعت بنبرة حكيمة:
-هكلمهولك، عنيا، بس عاوز نصيحتي؟ جس نبض دليلة الأول وشوف رأيها إيه، انت عارف خالك، بيحب ولاده جداً وعمره ما غصبهم على حاجة.

انقبض قلبه قليلاً، وشعر ببعض الإحباط يثقل ملامحه، فلوى شفتيه وقال بصوتٍ فاقدًا للحماس:
-وأنا هشوفها فين بس يا خالتي؟

ابتسمت لتبدد قلقه، وقالت بنبرة تقطر حماسًا وأملاً:
-ما تقلقش، خالك بييجي كل شهر بعياله ومراته ويقعد يومين مع جدتك، وحتى لو مجاش وأنت هنا

تابعت باقتراحٍ عقلاني:
- ابقى كلمها في التليفون واسألها.

أطلق تنهيدة أعربت عن مدى توتره، وقال طائعاً مستسلماً لمشورتها:
-حاضر يا خالتي.

احتوت كفه المرتعش بخاصتها، وغمزت له بابتسامة تحمل خبايا المكر الأنثوي،قبل ان تقول بتوصية:
-ابقى خليك حنين معاها في الكلام، البنات بتحب السهوكة.

ثم انفجرت بالضحك، ولم يملك أشرف إلا أن يشاركها ضحكتها الصافية، ليشعر بالحديث معها وكأن نصف الجبل الجاثم على صدره قد انهار، تابعت الأخرى بتعهدٍ:
-وليك عليا يا سيدي أول ما تجيب لي موافقتها، هكلم لك خالك وأقنعه على طول.

أشرق وجهه ببهجةٍ عارمة ملئت قلبه، وقبض على يدها بامتنان جارف وعيناه تلمعان ببريق السعادة:
-ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش منك يا خالتي.
******
في اليوم التالي، كانت باحة المدرسة تضج بالحيوية والنشاط خلال حصة الألعاب البدنية، وقفت دليلة وصديقتها ندى تمسكان بطرفي حبل القفز، تتناوبان على النط بضحكات بريئة صاخبة، انزلق حجاب ندى إلى الخلف قليلاً، فما كان منها إلا أن توقفت بسرعة، وأعادت ضبطه بعناية لتواري خصلات شعرها.

تلك الحركة العفوية جعلت دليلة تتوقف مكانها، أخذت عيناها تتجولان المكان، تتأمل زميلاتها بتمعننٍ وعناية، فرأت أن الكثير منهن يرتدين الحجاب، بينما بقيت هي بشعرها المنسدل، في تلك اللحظة، تحرك في صدرها شعورًا محملاً بالغيرة الحميدة، ورغبة جارفة في أن تكتمل صورتها بالزي الشرعي، خاصة وأن والديها قد اختارا لها منذ عدة أيام ملابس ساترة، واسعة وفضفاضة تليق بالمرحلة الجدبدة التي دخلت إليها.

تذكرت حياتها في السعودية، حيث كانت ترتدي الحجاب كفرض يمليه النظام هناك، لكنها اليوم تشعر برغبة مختلفة، رغبة تنبع من أعماقها لتلبسه طوعًا، وللأبد.

ما إن انتهى اليوم الدراسي، حتى مرت والدتها "منى" لتأخذها في طريق عودتها من العمل، دلفت دليلة إلى البيت، ولمحت والدها جالسًا في الحديقة برفقة شقيقها الصغير "أحمد" يساعده في استذكار دروسه، خطت نحوه بخطوات ثابتة، وقفت أمامه بملامح تنطق بالجدية، وقالت بصوت واضح:
- بابا، أنا عاوزه ألبس الحجاب.

رفع الأب عينيه عن الكتاب، ورمقها بنظرة امتزجت فيها المفاجأة بالاستغراب، وقال وهو يبتسم بدهشة:
-ده إيه القرارات المفاجأة ده يا ست دليلة؟

صمت لثانية يتأمل وجهها، ثم سألها مستفسرًا:
- مين اللي أقنعك بالفكرة دي؟

ردت بثقة وإصرار، وعيناها تلتمعان بالصدق:
- محدش أقنعني يا بابا، أنا اللي عاوزة ألبسه.

أشار بيده إلى المقعد المجاور له وقال بنبرة هادئة:
- اقعدي يا دليلة.

امتثلت لطلبه وجلست إلى جواره، فمال نحوها قائلاً بوقار:
- إنتِ ليه عايزة تلبسي الحجاب؟

أجابته بنضج غير معهود على سنها:
-عشان أنا كبرت ولازم ألبسه، وكمان صاحباتي كلهم لابسينه.

نظر في عينيها بعمق، وسألها بنبرة حاسمة يختبر بها ثباتها:
- فكرتِي كويس في الخطوة دي؟ علشان لو أخدتيها، انسي إنك تقلعيه تاني.

وتابع بعقلانية مغلفة بالرحمة والخوف عليها:
- عشان كده عايزك تفكري الأول، مش عوزك تاخدي القرار في لحظة تسرع، وترجعي تندمي.

ظلت ملامحها ثابتة ولم تهتز، بل ازدادت جدية وهي تؤكد له:
- أنا فكرت وقررت خلاص يا بابا.

في تلك اللحظة، كانت الفرحة تفيضُ من قلبه وتشعُ من عينيه، وفخرٌ عارمٌ يجتاح صدره بقرار ابنته ونضجها، لكنه حرص على ألا يظهر ذلك على وجهه، كان يعلم تمامًا أن الحجاب خطوة مصيرية لابد أن يتخذاها ، وأراد لها أن تشعر بأن القرار نابع من كامل إرادتها وحريتها، دون أي ضغط أو فرض.

كان ينوي داخليًا أن يطلب منها ارتداءه عندما تصل إلى الصف الثاني الثانوي، لكنه فضل أن تأتي الخطوة منها هي، لتشعر باستقلاليتها وقيمة اختيارها.

ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وواسعة لم يستطع تخبأتها، وقال لها بحنان:
- تمام يا حبيبتي، ادخلي جهزي الغدا مع ماما، وبعد ما نتغدى هاخدك وننزل نشتري طرح وتختاري الألوان اللي تحبيها.

تهلل وجه الفتاة، وأشرقت ملامحها بفرحة طاغية كأنها ملكت الدنيا، مالت على وجنة والدها وقبلتها بقوة وهي تقول بامتنان:
- متشكره أوي يا بابا، ربنا يخليك ليا.

استدارت وركضت نحو الداخل بحماس وحيوية يملآن المكان صخبًا، بينما ظلت عينا أبيها تلاحقان طيفها بفخرٍ واعتزاز حقيقيين.

واصل مراقبتها حتى اختفت وراء الباب، ثم تنفس الصعداء بابتسامة راضية، وعاد يكمل المذاكرة لابنه.
******
دلفت إلى ساحة الجامعة بعد أن سمح لها سجانها بالرحيل، وفتح لها قضبان الأسر التي طوقتها لأيامٍ، كان رشيد واقفًا بانتظارها في باحة جامعته، يبحث عنها بعينين يملأهما القلق، ما إن وقعت عيناه عليها حتى تحركت خطاه نحوها بلهفةٍ، لكن قلبه اختطف واعتصر ألمًا حين دقق في ملامحها الحزينة، وعينيها الذابلتين اللتين كشفتا أثر بكاء مرير استمر لأربعة أيام متواصلة.

نظرت إليه بشوقٍ جارف، وتنفست بعمق وكأن روحها المغتربة قد رُدت إليها أخيرًا، فهو بالنسبة لها النبض والحياة، امتدت يداهما لتلتقيا في سلام دافئ، بينما كانت العيون والقلوب تتعانق في صمتٍ أبلغ من أي عناقٍ حقيقي.

لم يستطع رشيد كبح جماح قلقه، فسألها بنبرة متلهفة:
- إيه اللي حصل يا نهلة؟ طمنيني، أنا كنت هتجنن عليكِ، لولا صاحبتك طمنتني شوية وقالت لي إنك واخدة دور برد شديد.

وتابع موضحًا:
- كنت بفكر اتصل بيكِ، بس "رضوى" قالت لي إن التليفون مع مامتك، وما اكذبش عليكِ، ده قلقني أكتر وخلاّني مش مطمن.

أطلقت تنهيدة حارقة، وامتزج شجنها العميق بمرارة الغل والغضب العارم وهي تجيبه:
- الزبالة اللي اسمه يحيى عبدالحق، راح لسامح أخويا مكتبه وحكى له على كل اللي بينا.

اتسعت عيناه بصدمة وذهول شلا أطرافه، مهما تخيل من خسة يحيى وشروره، لم يكن يتوقع أبدًا أن يتدنى به الحال ليصبح بهذا القبح والدناءة.

تمالك نفسه بصعوبة وسألها بصوت متحشرج:
- إنتِ متأكدة إنه يحيى يا نهلة؟

ردت بثقة مطلقة :
-وهيكون مين غيره يا رشيد؟ مين اللي بيكرهك وبيتمنى لك الشر غيره؟

أطرق رأسه في صمت، فقد أصابت بحديثها كبد الحقيقة، اجتاحته خيبة أمل مريرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى قسوة غاضبة، أقسم في سريرته أن ينتقم من يحيى ويضع حدًا لشروره، فالمهل التي منحها له سابقًا كانت أكثر مما يستحق، وقد أثبت أنه لا يستحق الرحمة.

أزاح فكرة الانتقام مؤقتًا لينشغل بسلامتها، وقال لها:
- سيبك من يحيى دلوقتي واحكي لي، إيه اللي حصل لما إخواتك عرفوا؟

نظرت حولها بتوجس وقالت بإرهاق:
-تعالى نقعد في الكافيتريا عشان الموضوع كبير ويطول شرحه، ومش هينفع نتكلم وإحنا واقفين كده.

تحركت معه كتفًا بكتف نحو الكافيتريا، يستمد كل منهما الأمان من ظِل الآخر،في مكانٍ يبعد قليلاً، كانت هناك عينان تراقبانهما بغلٍ وحقدٍ لو تفرق على الجامعة بأكملها لفاض، إنه ذلك الندل، "يحيى" شعللت نار الغيرة في عروقه، واشتعل قلبه غيظًا وهو يراهما معًا، فتمتم بصوت مسموع يملأه فحيحًا كفحيح الأفعى:
- بقى بعد كل اللي عملته ده ولسه بتقابلوا ومكملين في حكاية حبكم التافهة دي؟!

ثم ضاقت عيناه بوميضِ شرٍّ مستطير، وتابع بنبرةٍ حاسمة تقطرُ وعيدًا:
-ماشي يا رشيد، أنا عارف إيه اللي هيكسرك ويخليك تبعد عنها وأنت مذلول وعينك في الأرض.

ثم استدار وتحرك بخطوات سريعة غاضبة، غادر أسوار الجامعة متجهاً نحو المكان الذي يثق تمامًا أن حكايتهما ستنتهي عنده بلا رجعة.

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا