رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1 بقلم امل نصر
رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة امل نصر رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1
رواية قلب خارج القسمة الفصل الاول 1
تفتَّحت عيناها رغماً عنها على جلبة الصغار المعتادة؛ صراخٌ حاد، وخطواتٌ غير مكترثة تدوس أطراف غطائها، ودفشاتٌ عشوائية من أقدام إخوتها غير الأشقاء وهم يتخطون جسدها النحيل.
كانت ترقد هناك.. في ذلك الشق الضيق والفاصل بين السريرين. البقعة التي غدت ملاذها ومضجعها الإجباري كلما جاءت لتقضي يومي الزيارة المفروضين لوالدها. رجلٌ طلق أمها قبل سنوات، ومضى يؤسس عائلة جديدة حافلة بالأبناء، تماماً كما فعلت أمها التي تزوجت هي الأخرى وأنجبت من غيره. أما سلوى، فكانت تلك النبتة التي نبتت في الهامش، تعيش في كنف جدها وجدتها العجوزين، وتتقاسم الأيام بين زيارات مشروطة.
في هذا البيت، كانت تتجرع في كل ثانية إحساساً مهيناً بأنها كائنٌ فائض عن الحاجة، فردٌ غير مرغوب فيه، ومع ذلك تظل مجبرة على المجيء. والمفارقة المريرة أن أمها أيضاً تزورها في بيت جدها كالغرباء، تمر عليها متخففة من قيد الأمومة، تماماً كخالاتها.
أيقنت سلوى، منذ أن وعيت على الدنيا، المعادلة القاسية: إخوتها من أمها لديهم أب وأم يرعيانهم، وإخوتها من أبيها لديهم أب وأم يحيطانهم بالدفء؛ أما هي، فمجرد رقم زائد خارج قسمة القلوب، لا تنال إلا الفتات. وعليها أن ترضى بهذا الفتات صاغرة، وإلا خسرت الجميع ولم تجد من يمنحها قرشاً واحداً. قرشٌ تعلمت مبكراً أنها لا تأخذه منةً، بل تدفع ثمنه مقدماً من صحتها وجهدها في خدمة البيت.. تماماً كما يوشك أن يحدث الآن.
انقطع حبل أفكارها الكئيبة حين اخترق مسامعها صوت زوجة أبيها، بنبرتها التي تقطر طيبةً زائفة، تخفي خلفها قائمة لا تنتهي من أعمال المنزل الشاقة:
ـ يا سلوى.. إنتي يا سلوى! قومي يا بنتي عشان تفطري معانا.
كان لا بد لسلوى أن تطيع النداء وتنهض فوراً؛ فالعصيان هنا تكلفتُه باهظة. وحتى لو كان جسدها النحيل يتوق لجرعة إضافية من النوم، فما نفع البقاء في مضجعٍ لا يعرف للراحة سبيلاً؟ مضجعٌ يترك عظامها كل صباح محملة بآلام الرطوبة وقسوة الأرض.
نهضت بتثاقل، ولملمت ملاءتها وغطاءها المتواضع، طوتهما بعناية لتسندهما عند طرف سرير أحد اشقاءها.
وفي تلك اللحظة، التفتت لتجد ما لم تعتده؛ رأت خارج الغرفة هدى شقيقتها من ابيها تمر من امامها وقد استيقظت وغادرت فراشها! مفاجأة غريبة، فهي اعتادت أن تغط في نومٍ عميق حتى آذان الظهر، تتركها والدتها تنعم بالراحة والدلال، ما دام هناك بديلٌ جاهز يسد الفجوة، ويحمل عن كاهلها عبء البيت بأكمله.
رفعت سلوى يديها، ولمت خصلات شعرها المتمردة برابطة بسيطة، ثم تحركت بخطى وئيدة تغادر الغرفة. كانت الردهة قد خلت حتى من الصغار؛ إذ هرعوا جميعاً يسبقونها إلى المائدة، ليتلقفوا أطباق الطعام المتراصة فوق السفرة الخشبية القديمة، يلتهمون ما عليها بنهم، قبل أن تطأ قدمها المكان
.......................
ساد في البيت جو غريب مشحون بالسرية منذ الصباح. استشعرت سلوى ذلك الشيء الخفي منذ أن استيقظت وتناولت وجبة الإفطار على عجل بحضور والدها قبل أن يغادر إلى عمله.
كانت الأجواء مريبة؛ فزوجة أبيها لا تكف عن الاختلاء بابنتها "هدى" في كل لحظة، وفي كل مرة تباغتهما سلوى في غفلة منهما، تجدهما تتهامسان بكلمات مقتضبة تتلاشى فور اقترابها. كانت تراقب الأمر بحرص وفضول ينهش رأسها، وهي تتنقل بين أرجاء البيت؛ تارة وهي ترفع السجاد لتنظيف الصالة، وتارة أثناء جلي الأواني، أو إعداد الطعام كما تفعل الآن.
لم يكن الهمس وحده مريباً، بل كانت هدى تتزين بشكل مبالغ فيه على غير العادة؛ وأمها تشرف عليها بملامح يملؤها الزهو، وتتفحصها بنظراتها كل لحظة وكأنها قطعة ثمينة تُعرض في واجهة.
انقطع تأمل سلوى المشوب بالشك حين اقتربت منها زوجة أبيها، بابتسامتها اللزجة ولسانها المعسول كالعادة، لتقول بنبرة آمرة مغلفة بالود:
ـ تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي.. معلش همتك معانا بأيدك الحلوة دي تعملي عصير يسقع في الثلاجة، وياريت كمان لو تعملي صينية بسبوسة من اللي قلبك يحبها عشان شكله كدة جالنا ضيوف على غفلة
.
تركتها وزحفت عائدة نحو غرفتها لتكمل الإشراف على ابنتها، بينما بقيت هدى غارقة في مبالغتها بالزينة، لا تكف عن إجراء المكالمات الهاتفية المتتالية مع صديقاتها، تضحك بهمس وتتحدث بنبرة مليئة بالغموض والإثارة.
غادرت زوجة أبيها الغرفة، لكنها لم تلبث أن عادت وقربت تطل على سلوى التي كانت مندمجة في تقليب الأرز. وقفت عند عتبة المطبخ، وتأملتها بنظرات فاحصة قبل أن تخاطبها بذوق مستفز ونبرة تقطر لؤماً:
ـ يوه! إنتي لسة قاعدة في المطبخ يا سلوى؟ تعبينك معانا قوي يا حبيبتي.. معلش كله بثوابه بقى.
لو كانت سلوى تملك ذرة واحدة من الجرأة، لكانت صرخت في وجهها وصبت كل ما يغلي في صدرها من قهر. لكانت واجهت هذه المرأة المستغلة التي تتعمد هد حيلها واستنزاف طاقتها في هذين اليومين اللذين تقضيهما في زيارة والدها، وكأنها ما جاءت إلا لتكون خادمة بلا أجر.
لكن العجز كان أقوى، والحاجة إلى السلام تجعلها تبتلع مرارتها. التفتت إليها، وضغطت على شفتيها لتجبر نفسها على رسم ابتسامة باهتة ومجاملة فرضتها عليها الظروف، وقالت بصوت خفيض تحاول جاهدة ألا يرتجف:
ـ ولا تعب ولا حاجة يا طنط.. عادي، زمان الرز يستوي والكل يكون جاهز.
......................
ارتسمت ابتسامة رضا لزجة على شفتي زوجة أبيها، وهي تتقدم نحوها بخطوات ناعمة، ثم ربتت على كتفها قائلة بنبرة تحمل شفقة مصطنعة:
ـ خلاص يا حبيبتي، روحي أنتِ ارتاحي شواية وغيري هدومك، وأنا هكمل بقية الطبيخ بدالك.
نظرت إليها سلوى بذهول مكتوم؛ فالطعام لم يتبقَّ على نضوجه سوى دقائق معدودة، ومرحلة "آخر تسوية" هي كل ما تحتاجه القدر قبل أن يُصب في الأطباق. كانت سلوى تعرف هذه اللعبة جيداً؛ تمثيلية مكشوفة تمارسها زوجة أبيها ببراعة، لتظهر أمام الأب والضيوف بمظهر الأم المدبرة والزوجة الصالحة التي وقفت في المطبخ وصنعت الطعام بيديها، بينما يضيع جهد سلوى وتعبها في الفراغ.
حاولت سلوى أن تمنعها، وتمسكت بحقها في إكمال ما بدأته، وقالت بمقاومة يائسة:
ـ لا يا طنط ارتاحي أنتِ، خلاص مش باقي غير حاجات بسيطة وأغرف الأكل، أنا هكمله.
لكن الأخرى أصرت بصلابة مغلفة بالود، ومدت يدها لملعقة التقليب قائلة بحسم:
ـ قولتلك روحي ارتاحي يا بنتي.. اسمعي الكلام بقا، متبقاش راسك ناشفة!
أمام هذا الإصرار الفج، شعرت سلوى بالغثيان من هذا النفاق، واضطرت للرضوخ كالعادة. تركت لها المطبخ والأكل وهي تشعر بغصة حارقة في حلقها؛ غصة من يرى مجهوده يُسرق أمامه علانية ولا يملك حتى حق الاعتراض.
جرّت سلوى جسدها المنهك وخطواتها الثقيلة، واتجهت بحيلها المهدود نحو غرفة أختها هدى.
فتحت الباب لتجد هدى واقفة أمام المرآة، وقد انتهت تماماً من ارتداء ثيابها والتزين، وبدأت بنثر رذاذ الـ "بودي سبلاش" بعطر نفاذ ملأ أركان الغرفة. دلفت سلوى بخطى خافتة، ووقفت تتأملها بذهول ممزوج بالمرارة؛ كل هذا البريق والدلال لا يمكن أن يكون عبثاً. لم تطق صبراً، وغلغل الفضول في صدرها ليدفعها نحو السؤال علّها تفك لغز هذا اليوم:
ـ إيه الحلاوة دي يا هدى؟ أنتِ خارجة ولا عندك مشوار مهم؟
التفتت إليها هدى، ورمقتها بنظرة متعالية باردة، ثم عادت لتتفحص زينتها في المرآة وهي تجيب باقتضاب وبرود:
ـ لا مش خارجة.. النهاردة جايلنا ضيوف تبع اهل ماما، وبس.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة قاطعة وضعت حداً للحديث، ولم تكلف نفسها عناء زيادة حرف واحد .
وأمام هذا التجاهل المتعمد والصد الجاف، شعرت سلوى باليأس؛ فانسحبت بهدوء وجلست على طرف الفراش، ممسكةً بهاتفها المحمول القديم لتقلب في رسائله القديمة علّها تشغل عقلها عن التفكير ومشاعر القهر التي تحاصرها.
لكن الاستراحة لم تدم لدقائق؛ إذ انفتح الباب فجأة ودلفت زوجة أبيها بملامحها المتلونة، واقتربت من سلوى قائلة بنبرة تمثيلية تفيض بالمسكنة والرجاء:
ـ معلش يا سلوى يا حبيبتي.. عارفة إنك تعبتي، الشقة لازم تبقا فلة قبل ما الناس يوصلوا. اطلعي يا بنتي انشري السجادة الكبيرة دي ع السطح عشان تتهوى، وبالمرة وأنتِ فوق أملي الطواجن وأكّلي الطيور عشان منسية من الصبح.
اضطرت سلوى للرضوخ كالعادة، وحملت جسدها المنهك وصعدت درجات السلم نحو السطح. بذلت كل ما تبقى من طاقتها لتنشر تلك السجادة الثقيلة التي كادت تقصم ظهرها، ثم اتجهت نحو الطيور، تملأ الأواني بالماء وتضع لها الطعام وسط الغبار المتطاير الذي تغلغل في ثيابها وشعرها.
ما إن انتهت من مهمتها الشاقة وبدأت بالهبوط، حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ لقد وصل الضيوف!
كانوا يدلفون من باب البيت، بينما والدها وزوجته يستقبلونهم بحفاوة بالغة وتراحيب حارة عند المدخل. لزقت سلوى في مكانها فوق درجات السلم، وعجزت عن تحريك قدمها خطوة واحدة إضافية للأسفل. كيف تنزل وتظهر أمامهم الآن؟ كيف تواجه الأغراب بجلبابها المبلل بماء الطيور، وشعرها الأشعث، ومظهرها المزري الذي يفوح تعباً وقهراً؟
غمرتها حسرة حارقة نهشت قلبها، وهي تقارن بين صورتها الحالية وصورة أختها هدى التي تقف في الداخل بكامل زينتها، وعطرها، ودلالها. شعرت بالدموع تغشي عينيها وتحجب عنها الرؤية، فقررت أن تدير ظهرها للموقف كله، وتصعد ثانية إلى السطح لتختبئ هناك حتى ينتهي الكابوس ويرحل هؤلاء الضيوف.
ولكن، وكأن الحظ يعاندها حتى النهاية، تعثرت قدمها بجردل الطعام الفاضي الذي كانت تحمله. اهتز الجردل البلاستيكي الثقيل من يدها، وافلت ليتهاوى من فوق درابزين السلم، ويسقط بقوة مرتطماً بالأسفل، وتزامناً مع ارتطامه، دوت في المكان صيحة ألم حادة أطلقها شاب!
شهقت سلوى برعب، وضربت على خديها بكفيها معاً، وجرت نحو الدرابزين لتستكشف حجم المصيبة التي ارتكبتها. نظرت للأسفل، فالتقت عيناها بشاب وسيم ومهندم للغاية، كان يمسك بمقدمة رجله التي نزل عليها الجردل مباشرة وهو يتأوه.
زاد هذا المشهد من همها وقهرها، وبدافع من الصدمة والخوف، نسيت مظهرها المزري، وتقدمت نحوه بضع درجات تتأسف بعفويتها وتلقائيتها الريفية:
ـ أسفة يا أستاذ.. رجلك بتوجعك أوي؟ يا مصيبتك يا سلوى!
التقت عيون الشاب بعينيها في تلك اللحظة الصادمة، ولأول وهلة، لم يرَ ثيابها المبتلة أو مظهرها المزري، بل انتبه لملامحها النقيّة؛ وجهٌ قمحيّ تتربع على وجنتيه حمرةٌ طبيعية جذابة، تضاعفت بفعل حرارة السطح والجهد الذي بذلته. وشعرٌ ناعم، رغماً عن كونه غير مصفف، إلا أنه تمرد بصورة غجرية عفوية على وجهها، فأضفى عليها سحراً خاصاً. أما عيناها.. فكانتا بسواد صافٍ عميق، ورغم ضيقهما قليلاً، إلا أن نظرة الرعب والبراءة الشاخصة نحوه كانت جميلة بشكل يأسر العين ويسرق الانتباه.
كانت واقفة تتأرجح بين الرغبة في الاختباء وبين لهفتها لتطمئن عليه، بعد أن سقط الجردل بحافته الحادة مباشرة فوق مقدمة رجله. تنفس الشاب الصعداء داخلياً، وحمد الله أنه كان ينتعل حذاءً جلدياً سميكاً، وإلا لكانت الإصابة قد وصلت لكسر مؤكد في إصبعه الكبير على الأقل.
هو الذي لم يتأخر عن الدخول مع عائلته سوى دقيقتين اثنتين ليصفّ سيارته بالخارج، بدا وكأنه نال نصيبه وقدره المحتوم في هذه الوقعة، فقط لتقوده الصدفة إلى رؤية هذه الفتاة الجميلة الجذابة، ويلمح في عينيها ذلك الخوف الصادق عليه.. خوفٌ من الواضح أنها هي السبب فيه.
نسي ألم رجله لثوانٍ، وظل مأخوذاً بتلك العفوية الطاغية، ونبرتها الخائفة التي رنت في أذنيه: "يا مصيبتك يا سلوى!"، قبل أن يستجمع نفسه ويجيبها بنبرة هادئة حملت ابتسامة خفيفة حاول مداراتها:
ـ الحمد لله.. جت سليمة، الجزمة جامدة وشديدة حمت الرجل والوجع بسيط.. متخافيش.
ارتبكت سلوى بشدة أمام نظراته المتفحصة التي كانت موجهة إليها بتمعن. في تلك اللحظة بالذات، ضربتها حقيقة مظهرها؛ تذكرت العباءة البالية المبهدلة التي ترتديها، فابتلعت ريقها وتحشرجت الكلمات في حلقها وهي تحاول أن تخرج صوتها بنبرة طبيعية تخفي خجلها:
ـ بص يا أستاذ.. حاول تدوس عليها معلش عشان أطمن، أو لو تحب أنزل بيك عند صيدلية الدكتورة جورجيت تحت في العمارة، دي شاطرة أوي ولهلوبة وهتتصرف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرحة، وكرر كلمتها بذاك الإعجاب الفطري الذي تملك قلبه:
ـ شاطرة ولهلوبة؟!
ثم عاد يوجه إليها سؤاله من جديد، متشبثاً بمعرفة هويتها قبل أي شيء:
ـ طب اعرف أنتِ مين الأول؟ العمارة دي مفيهاش غير بيت واحد.. بيت الأستاذ عباس.
أجابت بعفوية ودون تفكير:
ـ أيوة.. ما أنا بنته.
ـ بنته!
ردد الكلمة خلفها وعيونه تبرق بلمعة مباغتة. دارت في عقله الأسئلة كالعاصفة؛ يتساءل في سره بدهشة وفرحة لم يحسب لها حساباً: "معقولة؟ معقولة دي العروسة؟! ما هي فعلاً في نفس السن اللي اتوصفلي، ما بين تمنتاشر لعشرين سنة، والباقي إخواتها ولاد صغار.. يا فرج الله! العسل دي تبقى العروسة اللي جاي أشوفها مع والدتي؟!"
ثم عاد يتأملها وعقله يحاول الربط بين مظهرها ومناسبتهم: "بس مالها مبهدلة كدة؟ أكيد مكانتش تعرف بزيارتنا، أو لسة ما استعدتش.. بس هي كدة أصلاً عسل ومش محتاجة حاجة!"
انتبهت سلوى لشروده ونظراته الشاخصة نحوها دون حراك، فضيقت عينيها وقالت بنبرة حملت بعض الضيق:
ـ مالك يا أستاذ تنحت كدة ليه؟ رجلك بتوجعك ولا لأ؟
أجابها وعيناه تفيضان بغزل صريح غير آبه بالوجع:
ـ مش رجلي يا قمر.. دا قلبي هو اللي بيوجعني!
شهقت سلوى داخلها بخضة من تحوله السريع وغزله المفاجئ. في ثانية واحدة، تبخر الخوف واللهفة وحل محلهما غيظ شديد وغضب من جراءته، فصاحت به بنبرة حادة ووجه محتقن بالدم:
ـ سلامة قلبك! وأنا اللي كنت خايفة عليك ونازلة جرى.. الله يسهلك يا أستاذ!
استدارت مغضبة، ودفعت باب الشقة الخشبي لتدخل بسرعة، مستغلة تأكدها من أن الضيوف قد استقروا الآن في غرفة الجلوس بعيداً عن الممر، ولن يلمحها أحد منهم بمظهرها هذا.
دخلت سلوى وهي غافلة تماماً عن أنها تركت خلفها العضو الأهم في تلك الزيارة؛ سليم، الذي ظل واقفاً في مكانه لدرجات، يراقب أثر خطوتها وعينيها الثائرتين حتى اختفت خلف الباب.. المنزل الذي قصده اليوم مخصوصاً مع أهله ليرى العروسة، يبدو أنه وقع في حبها من قبل أن يطأ عتبته
.................................
بعد لحظات
كان سليم يجلس مستنداً إلى مقعده الخشبي، يرتشف من عصير المانجو ببرود مصطنع، بينما يندمج في حديث التعارف التقليدي مع الأستاذ عباس وزوجته، تحيط به والدته وعمته—التي تولت دور "الخاطبة" وجاءت تسعى لتوفيق رأسين في الحلال. وطوال هذا الوقت، كان الحماس يضرب في صدره بعنف، وعقله شارد تماماً مع تلك الفتاة "المنعكشة" التي رآها على السلم منذ دقائق؛ يرتجف شوقاً ليرى كيف سيتحول هذا السحر العفوي القمحي عندما تتزين وتدخل بكامل دلالها.
انقطع حبل أفكاره الوردية على صوت عمته وهي ترحب بحفاوة بالغة بالعروس المقبِلة:
ـ بسم الله ما شاء الله.. قمر يا حبيبتي، تعالي يا هدى يا بنتي سلمي.
التفت رأس سليم بلهفة عارمة صرخت بها ملامحه، لكن تلك اللهفة خبت فجأة، وانطفأت في عينيه اللمعة لتبلغ حد الصدمة والجفاف، وهو ينظر إلى فتاة أخرى تماماً! فتاة بيضاء، مفرطة في مساحيق التجميل، تبث عطراً نفاذاً وتتقدم بخطى مدروسة وهي تحمل صينية البسبوسة.
لم يستطع السيطرة على ذهوله، فخرجت الكلمة منه مقتضبة، جافة، كأنها صفعة في هدوء الغرفة:
ـ مين الآنسة؟
التفتت والدته إليه بقرصة خفيفة في فخذه، ورمقته بنظرة عتاب هامسة: "جرى إيه يا سليم؟ دي هدى العروسة!"، بينما تجمدت ابتسامة زوجة الأب التي كانت تترقب ملامح إعجابه، وتحشرج صوت الأستاذ عباس وهو يعتدل في جلسته قائلاً بدهشة:
ـ دي هدى بنتي يا سليم يا ابني.. العروسة.
وقع الكلمة على سليم كان كالمياه الباردة. تراجع بظهره إلى الخلف، ودارت عيناه في أرجاء الصالة القديمة يبحث عن ملامح تلك القمحية، وأدرك في ثانية واحدة أن هناك شيىا ما غير مفهوم، او ربما حيلة لم يحسب لها أحد حساباً. نظر إلى هدى بنظرة باردة لم يعتدها أحد منه، وقال بصوت هادئ يحمل وراءه عاصفة:
ـ أهلاً وسهلاً يا آنسة هدى.. تشرفنا. بس أنا كان يتهيأ لي إن بنت الأستاذ عباس...... مش هي دي!
