رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1 بقلم منال سالم
رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة منال سالم رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1
رواية مالك المزرعة الفصل الاول 1
تعالت أصوات التصفيقات المصحوبة بالتهاني الحارة، مع تقدم كل خريجة جامعية نحو منصة التكريم، لتلقي شهادة التقدير الممنوحة لكل من اجتاز ذلك التدريب المكثف والمتخصص في تحسين إنتاج سلالات الدواجن، والذي استمر على مدار ستة أشهر متصلة.
خبت التصفيقات إلى حدٍ ما حينما جاء دور "داليا" وصعدت للأعلى للحصول على جائزتها المعنوية. كالعادة لم تتمكن من دعوة أي فرد من عائلتها لحضور فعاليات نجاح آخر تحققه بمفردها منذ أن تخرجت من كلية الطب البيطري، حيث انفصل والداها وهي في سنٍ صغيرة، واختار كلاهما استكمال مشوار حياتهما مع رفيقٍ آخر، ليتركاها تمضي سنوات عمرها في كنف جدتها لأبيها، والتي تولت تربيتها ورعايتها حتى فارقت الحياة، لتظل ماكثة في منزلها المتسع مع مربيتها المخلصة "علية"، والتي اعتبرتها بمثابة أمٍ بديلة لها، تفرح لفرحها، وتحزن لتعاستها.
صافحت بتهذيب لفيف الأساتذة المهنئين، واستدارت تنظر إلى عدسة الكاميرا وهي ترسم على شفتيها ابتسامة منمقة، لتتلاشى بعدها وتبتعد عن محيط الأنظار وقتما انتقل المصور بعدسته لتخليد ذكرى سعادة خريجة غيرها. بقيت في انتظار التقاط الصورة الجماعية قبل أن تنزوي بالخلف بمفردها، لتراقب الجموع المحتشدة على مسافة منها، كم شعرت بالضآلة والوحدة وهي تتابع نظرات اللهفة والفخر والاعتزاز الممنوحة لرفيقات الدراسة! لقد كانت حرفيًا بمعزلٍ عنهم. بصعوبةٍ اجترت غصة مريرة، وتأهبت للمغادرة دون أن يلاحظها أحد أو حتى يفتقد وجودها.
اتجهت إلى سيارتها الصغيرة لتستقلها، وتركت على المقعد المجاور لها شهادتها ومئزر التكريم الأسود. أمسكت بعدئذ بهاتفها المحمول، لتتواصل مع أمها أولًا وتبلغها بالأخبار السارة، لعلها تشبع بداخلها شيئًا تفتقر إلى وجوده، فاستطردت الأخيرة معتذرة بتعجلٍ:
-معلش يا حبيبتي، أنا الفترة دي مشغولة مع عمك "رأفت"، فصعب أرد طول الوقت.
أحست بذلك الحــز المؤلم في حلقها وهي تخبرها بنبرة حزينة:
-أنا بس كنت عايزة أسمع منك كلمة مبروك.
لتخاطبها الأخيرة بغير تعاطفٍ، وكأنها لا تكترث قيد أنملة لأمرها:
-يعني دي اللي هتفرق معاكي؟ إنتي طول عمرك شاطرة وناصحة، هكلمك تاني لأحسن "رأفت" بيناديني.
مكالمة أخرى فاترة، باردة، لا ترتقي أبدًا لتطلعاتها، أو تظهر مدى تحرُّق الأم شوقًا لسماع ما يسر قلبها عن فلذة كبدها التي تغيب عنها لسنواتٍ.
لم يختلف الحال كثيرًا مع أبيها، فقد كان منشغلًا هو الآخر بعائلته التي أسسها في بلاد الغربة، فأصبحت مكالماته محدودة ومختصرة للغاية، لذا لازمها ذلك الشعور القاسي والمهلك باليُتم رغم بقاء والديها على قيد الحياة.
.............................................
بعد وقتٍ لا بأس به علقت خلاله في الزحام الخانق، تمكنت "داليا" أخيرًا من العودة إلى منزلها. وضعت المفتاح في قفل الباب، وأدارته ببطءٍ ليأتيها صوت مربيتها العجوز "علية" أثناء حديثها في الهاتف مع ابنتها، سمعتها تقول في ترددٍ:
-لسه مقولتلهاش يا بنتي، لما ترجع بالسلامة هفاتحها تاني.
كانت المربية مستغرقة في أداء أعمال المنزل، وبالتالي جعلت المحادثة تُجرى على السماعة الخارجية، فاستطاعت "داليا" أن تسمع صوت ابنتها الناقم وهي تحتج في غضبٍ:
-يامه أني بقالي شهور مستنية إنك تيجي وترتبي معايا حاجاتي، أني حاسة إنها هي اللي بنتك مش أنا.
لتبرر "علية" تحيزها لصفها:
-دي غلبانة أوي يا ضنايا، ومالهاش حد إلا أنا، خايفة أسيبها لواحدها تلوص.
إلا أن ابنتها ظلت على سخطها، فأضافت في لومٍ:
-وأني ماليش معزة عندك؟ إيش حال مكونتش لحمك ودمك، دي كلها أيام على فرحي يامه، هتيجي امتى لما المولد يتفض؟
على الفور تذكرت "داليا" التلميح المسبق من مربيتها عن رغبتها في العودة لاحقًا إلى بلدتها للمساعدة في تأسيس مسكن الزوجية لابنتها، شعرت بالحرج لكونها قد تناست ذلك الأمر الهام بسبب انخراطها في دوامة استذكارها التي لا تنتهي.
أطبقت على شفتيها بقوةٍ، وقد تعمق بداخلها إحساسها بالذنب، حسنًا لن تفسد ما بين الأم وابنتها بأي حالٍ، سرعان ما تراجعت بخطواتٍ حثيثة إلى الخلف، وأحدثت ضوضاءً مفتعلة، لتبدو وكأنها أتت لتوها، ثم رفعت من نبرتها هاتفة، وهي تبرز على ثغرها ابتسامة سعيدة زائفة:
-سلام عليكم يا دادة "علية"، أني رجعت أهوو.
أنهت الأخيرة المكالمة فجأة، كما لو كانت لا ترغب في استثارة أعصاب ابنتها بإظهار مدى اهتمامها بتلك البائسة، لتلتف ناظرة ناحيتها بارتباكٍ وهي ترد بابتسامةٍ شبه مهزوزة:
-وعليكم السلام يا بنتي، عملتي إيه؟
جاهدت لتحافظ على ثبات بسمتها، لئلا تستشعر مربيتها الحزن الراسخ بداخلها، وهللت في حماسٍ، وكأن سعادة الدنيا حلت عليها:
-الحمدلله يا دادة، عدت على خير، وخدت الشهادة خلاص.
هللت "علية" في امتنانٍ شاكر:
-ياما إنت كريم يا رب، عقبال ما أفرح بيكي نهار عدلك يا رب.
استغلت "داليا" كلماتها الأخيرة، وأعلمتها مباشرة دون تمهيدٍ:
-صحيح يا دادة إنتي كنتي قيلالي قبل كده إن فرح بنتك قرب، فرصة بقى تروحيلها، أنا معدتش ورايا حاجة تشغلني.
تفاجأت من عرضها المريب، وشكت في احتمالية سماعها لما دار قبل لحظاتٍ أثناء حديثها مع ابنتها، وانعكس ذلك بوضوح على قسمات وجهها، إلا أن "داليا" قطعت شكوكها بادعائها الكاذب:
-أنا ماما كلمتني النهاردة وعايزاني أسافرلها، ومصدقت إني خلصت علشان أروحلها، ففرصة كمان ليكي ترجعي البلد وتشوفي حبايبك.
اعترضت مربيتها في استرابةٍ:
-بس أنا هغيب بتاع شهر وزيادة!
ردت بغير ممانعة:
-وإيه يعني؟ ده يدوب عقبال ما أزورها شوية، وبعد كده هروح لبابا.
آنئذ انفرجت أساريرها، وهتفت في سرور لم تستطع إخفائه:
-بجد يا بنتي؟
عمدت إلى اتساع بسمتها مؤكدة:
-أيوه يا دادة، افرحي واتبسطي وسط أهلك...
ثم أخرجت من حقيبتها حفنة من النقود وناولتها إياها قائلة:
-خدي دول كمان، اشتري كل اللي ناقص، ما تخليش نفسك بنتك في حاجة وماتجيبهاش ليها.
تلقائيًا سحبتها "علية" في أحضانها لتضمها بحنانٍ ومحبة، فطوقتها "داليا" بذراعيها بقوةٍ، وكأنها تعوض فقدانها للشعور بضمة والدتها الغائبة باحتوائها الدافئ لها.
لحظاتٍ وانسلت من حضنها، لتنسحب إلى غرفتها وهي تجاهد لكبت نوبة بكاء تهدد بالظهور، بمجرد أن صارت بمفردها حتى سال دمعها كنهرٍ فائضٍ، فها هي وحدتها تزداد وحشة وقسوة عليها.
...............................................
-مش معقول اللي بيحصل ده؟
صاح "عمار الهلالي" بتلك الجملة في نبرة غاضبة للغاية، وقد انتفخت أوداجه، واحتقن وجهه بشدة، بعدما تلقى خبر نفوق عدد هائل من أفراخ التسمين في مزرعته المتخصصة في إنتاج وتسمين الدواجن، وذلك أثناء تواجده في مكتب رفيقه الذي يمتلك شركة لتوريد أدوية الحيوانات.
واصل وصلة انفعاله صائحًا بهياجٍ:
-أنا مش مشغل عندي بهايم علشان كل دورة والتانية أخسر خسارة أصعب من اللي قبلها.
حاول صديقه "محمود" تهدئته قائلًا:
-كل مشكلة وليها حل بعون الله، بس الأول نحدد إيه هي بالظبط.
هدر بقراره الحاسم والحازم وهو يطرق بيده المتكورة على السطح الزجاجي للمكتب:
-أنا هفور الطقم اللي شغال معايا، وهجيب ناس بتفهم، مش هستنى لما بيتي يتخرب.
أومأ "محمود" برأسه في طاعة:
-ماشي، حاضر، اللي إنت عايزه هيحصل، بس إنت إهدى شوية، العصبية مش حلوة علشانك.
ليرد على نفس النهج المستثار:
-ياخي هيجننوني، أنا بصرف ألوفات علشان المزرعة دي تكبر، وأطلع أحسن فراخ تسمين، والنتيجة في الآخر زفت.
لم يكف عن تهدئته بقوله المراعي:
-كله هيتعوض بأمر الله...
ثم سكت للحظةٍ قبل أن يستأنف حديثه، وكأن عقله قد أضاء فجأة بفكرة غير متوقعة:
-أنا مشترك في جروب واتساب بتاع الأطباء البيطريين، هخلي الأدمن المسئول عنه ينزل إعلان عليه، نطلب فيه دكاترة متخصصين في الدواجن، وإن شاء الله نلاقي اللي يستوفي الشروط.
ليعلق عليه "عمار" بعزمٍ:
-حلوة الفكرة دي، وأنا بنفسي هحضر المقابلات، برضوه ليا لي نظرة في اللي قدامي.
-اتفقنا.
ليضيف أيضًا:
-أنا مش عايز مجرد شهادات على الفاضي، وكلام إنشاء، أنا محتاج دكاترة يكون عندها خبرة بجد، ونتيجة حاصلة فعلًا على أرض الواقع.
هتف "محمود" بغير اعتراضٍ:
-حقك.
رغم أن تخصص "عمار" في الهندسة الزراعية، إلا أن اهتمامه بمشروع إنتاج وتسمين الدواجن عبر السنوات الماضية جعله أحد أهم الخبراء في هذا المجال الحيوي.
...............................................
رحلت المربية، وبقيت "داليا" وحيدة تمامًا، لا حياة في مسكنها، ولا ونيس يؤنس وَحْشتها، تنهدت في أسى، وراحت تتابع الصور الفوتوغرافية المخزنة في ذاكرة هاتفها المحمول، خلت جميعها من أي ذكريات تجمعها بعائلتها، فقط ما كانت تلتقطه مع رفيقات الدراسة أو مع جدتها الراحلة ومربيتها في المناسبات.
يا لها من حياة بائسة تعيشها حقًا، لا عزيز لديها، ولا رفيق عندها!
قبل أن تغلق هاتفها وتتمدد على سريرها، لمحت إشعارًا لمجموعة الواتساب يعلن عن وظيفة استرعت انتباهها، وجعلت عينيها تتسعان على آخرهما. اعتدلت في رقدتها بعدما طار النعاس من جفنيها، وقرأت فحواها بتأنٍ:
(مطلوب طبيب بيطري متفرغ للعمل في مزرعة الهلالي لتسمين الدواجن، لمدة 3 شهور، الراتب مجزي، لا يشترط سن محدد، ومتاح مكان للإقامة .. للمهتمين يرجى إرسال السيرة الذاتية عبر البريد الإلكتروني التالي.)
بدا الأمر مغريًا لها، فهي بحاجة ماسة لما يملأ وقت فراغها الطويل، فكانت تلك الوظيفة بمثابة نجدة من السماء لها. تنهدت مليًا، وهمست في رجاءٍ، كما لو كانت آمالها معقودة عليها:
-يا رب اجعلها من نصيبي.
أزاحت بعدها الغطاء عنها، ونهضت من سريرها لتمسك بحاسوبها النقال، وبدأت تعد سيرتها الذاتية وتضيف إليها آخر ما حصلت عليه من دورات تدريبية، قبل أن تقوم بإرسالها عبر البريد الإلكتروني، لتعود إلى موضع نومها وهي تدعو الله ألا يخيب رجائها.
...........................................
لم يمر أكثر من يومين حتى تلقت إشعارًا بتحديد موعد المقابلة ومكانها، فتأنقت في ثيابٍ رسمية مناسبة، وقادت سيارتها إلى العنوان المنشود.
بالطبع لم يتم إجراء المقابلات في المزرعة، بل في مقر الشركة الدوائية، ورغم أنها استغربت ذلك، إلا أنها تجاوزت عن دهشتها، وبدأت ترتب أفكارها في رأسها لتبدو جادة وثابتة أثناء إجراء الحديث معها.
الغريب في الأمر أن كل من تقدم للوظيفة كان من الأطباء الذكور، لم ترَ أنثى واحدة بينهم، وكأن هذه المهنة مقتصرة عليهم فقط، رغم تأكدها من وجود طبيبات متميزاتٍ في هذا المجال، ربما عَزَت ذلك إلى بُعد المزرعة عن المدينة، ناهيك عن كم العمل الشاق والمضني المطلوب من الطبيب طوال الوقت لتحقيق نتائج واقعية ومرجوة لتحسين إنتاج السلالات خلال مدة وجيزة.
لم تشغل بالها كثيرًا بهذه الأمور، وأخذت تراجع أوراقها، كما لو كانت تستعد لدخول امتحانها.
.....................................................
في تلك الأثناء، جاء "عمار" بتعابير وجهه الجادة، وطاف بنظرة سريعة على الحاضرين، ما لبث أن تجمدت عيناه على تلك الشابة الوحيدة الجالسة بالخلف، فعقد حاجبيه، وتقدم ناحيتها وعلى ملامحه هذا التعبير الحائر.
وقف قبالتها، ورمقها بنظرة شملتها من رأسها لأخمص قدميها قبل أن يسألها في لهجة المحقق الجادة:
-حضرتك جاية تقدمي على وظيفة دكتور مقيم في مزرعة دواجن الهلالي؟
رفعت "داليا" عينيها العسليتين إليه، ورمقته بهذه النظرة المتعجبة، لتجيبه بعدها بتحفظٍ:
-في عند حضرتك مانع؟
زم شفتيه محتجًا، وراح يضع يديه في جيبي بنطاله القماشي ليبدو معتدًا بنفسه إلى حدٍ ما قبل أن يسألها في شيءٍ من الغطرسة وهو يتطلع إليها من عُلياه:
-أصل مستغرب إن واحدة زيك بتشتغل في الفراخ!
جملته تلك احتوت في باطنها على مزيجٍ من الإهانة، والاستهزاء، والاستهانة بشخصها، فنهضت من موضع جلوسها لتواجهه، وخاطبته في حمئةٍ رغم جهدها الجهيد لجعل صوتها يبدو رصينًا وهادئًا:
-أظن إن شروط الإعلان كانت واضحة ومش محددة إن الوظيفة مقتصرة على الرجالة بس، وإلا مكونتش تعبت نفسي وقدمت عليها، وجيت لحد هنا.
نظر لها مطولًا وبإمعان، بدت شخصية واثقة من نفسها، وهذا ما أثار اهتمامه، ركز كامل حواسه معها عندما تابعت بثقةٍ أكبر:
-ده غير إن رأي حضرتك بالنسبالي مش فارق معايا، ببساطة مش إنت اللي هتقيمني وتقولي أنفع ولا لأ، اللي حط الإعلان بس هو صاحب القرار الأخير، وده بناء على تقديره لخبرتي وللشهادات اللي معايا.
لاحت على شفتيه ابتسامة متهكمة قبل أن يقتضب في رده:
-هنشوف.
ثم حدجها بنظرة مستخفة أشعلت وجهها غيظًا، قبل أن يوليها ظهره ويتحرك مغادرًا محيطها، لتهمهم بعدها في حنقٍ:
-ماله ده بيا؟!!
تقوس فمها عن تعبيرٍ ساخط لتضيف بعدها وهي تعاود الجلوس على المقعد:
-من أولها كده فيها محسوبية!!
.............................................
للمرة العاشرة، نظرت "داليا" إلى ساعة يدها لتتفقد الوقت، حيث مر ما يقرب من الساعتين وهي لا تزال تنتظر دورها لحضور المقابلة. لم يعد متبقي في مكان الانتظار سوى اثنين غيرها. نفخت في سأمٍ، وراقبت ما يدور حولها بصمتٍ، أوشك صبرها على النفاد حين ناداها أحدهم، فزفرت أخيرًا في ارتياحٍ، ورددت بصوتٍ خفيض لم يسمعه غيرها:
-الحمد لله، ده أنا كنت هطق من الأعدة.
ألصقت بثغرها بسمة مهذبة فور أن ولجت إلى داخل غرفة الاجتماعات المخصصة للمقابلة، سرعان ما اختفت تعبيراتها الواثقة، وحلت محلها تعابير واجمة متجهمة عندما وقعت عيناها على ذلك الشخص الذي يترأس طاولة الاجتماع، إنه نفس الرجل الذي حدث بينها وبينه شدٍ وجذب.
أيقنت في قرارة نفسها أنها خسرت فرصتها قبل أن تبدأ حتى، فمن الأكيد أنه نما لديه انطباعًا سلبيًا عنها، وبالتالي لن يمرر ما جرى دون توبيخِ واقتصاصٍ لحقه.
سارت "داليا" بخطواتٍ شبه متلكئة نحو المقعد الذي أشار لها لتجلس عليه، لم تكن متحمسة مثل سابق عهدها، بل بدت فاقدة للاهتمام بشكلٍ واضح.
استطرد "عمار" حديثه معها مُعرفًا بنفسه:
-أنا البشمهندس "عمار الهلالي" صاحب مزارع الهلالي، وهسألك شوية أسئلة في تخصصك.
لم تنطق بشيء، فاستطرد متابعًا أسئلته الاستهلالية والروتينية دون أن يمنحها نظرة واحدة، مما أشعرها بالمزيد من الضيق والانزعاج، ومع ذلك حافظت على هدوئها ريثما تفرغ من تلك المقابلة المحدد مصيرها مسبقًا.
ثم ثبت نظرته الثاقبة عليها فجأة عندما سألها مباشرة:
-قولتيلي بقى خبرتك إيه؟ وكانت فين بالظبط؟
لتفاجئه بردها المستهزئ وهي ترسم تلك الابتسامة الساخطة على محياها:
-وده هيفرق معاك أصلًا؟
تجعد جبينه متسائلًا في تعجبٍ:
-أفندم؟
لترد بنفس النبرة المتحاملة:
-ما حضرتك في الآخر هترفضني، وتعتذر بشياكة، لازمتها إيه نلف وندور ونضيع وقت على الفاضي؟!!!
قابل "عمار" أسلوبها المتعجرف بإهانةٍ صريحة:
-واضح إنك مش بتاعة شغل وجاية تتسلي!
استفزها بكلامه، فهبت واقفة لتهاجمه لفظيًا، وقد تشكلت أمارات العداء على وجهها:
-لأ عندك! إنت من الأول اللي مستقلني، ومش عاملي اعتبار...
احتدت نظرته نحوها، فاستأنفت على نفس المنوال الحانق:
-بدليل إنك سايبني آخر واحدة لحد ما تعمل معايا الانترفيو.
صحح لها ظنها السيء بتأكيده:
-إنتي غلطانة يا دكتورة...
ثم أشار إلى قائمة لديه، وأكمل:
-ترتيب سيادتك في الكشف قصادي أهوو، إنتي آخر حد في المجموعة الأولى، ولو بصيتي كويس هتلاقي في مجموعة تانية لسه هعمل معاهم انترفيو بعدك، بس طالب إنهم يحضروا في ميعاد متأخر علشان الزحمة.
شعرت بدفقة من الخجل تضرب وجنتيها، فارتخت تعبيراتها المشدودة، وتطلعت إليه بحرج، فيما ظل "عمار" على جديته وهو يخاطبها:
-ورغم إني مش محتاج أبرر تصرفاتي، بس أنا بعامل كل المتقدمين للوظيفة زي بعض، اللي يميزكم هي كفاءتكم وخبراتكم، مش الواسطة ولا المحسوبية، وده بغض النظر عن كون اللي هنختاره راجل أو ست.
ضربتها موجة أخرى من الخجل، فأطبقت على شفتيها تحرجًا منه، ليواصل تعنيفها بأسلوبه الجاف:
-وبناءً على اللي شايفه قصادي في الورق، فالمفروض إنك حد كويس، بس لسانك سابقك، وشخصيتك مندفعة، وده هيورطك في مشاكل كتير مافيهاش داعي.
لم تعد تتحمل تقريعه الذي جعلها أقرب إلى البكاء، فصاحت تسأله بصوتٍ مختنق:
-حضرتك خلص موشح التهزيق، ولا لسه عندك باقي؟
صرفها بإشارة من يده بعدما باعد ناظريه عنها:
-تقدري تتفضلي، المقابلة خلصت.
كورت قبضة يدها وضغطت عليها بشدة حتى ابيضت سلامياتها، لتلملم أشيائها وتندفع مغادرة الغرفة، فتساءل "محمود" مستفسرًا في شيءٍ من الفضول:
-هتعمل إيه معاها؟ هتختارها ولا لأ؟
ظهر التردد عليه حينما أجابه:
-لسه مش عارف.
علق عليه "محمود" وهو يطوي ملف سيرتها الذاتية:
-عمومًا لسه عندنا المجموعة التانية، هنشوف ونفاضل ما بين الكل، بس في رأيي أنا حاسس إنها مختلفة، وبتاعة شغل.
نظر إليه بطرف عينه متمتمًا، وكأنه غير مقتنع بتحيزه الضمني لصفها:
-هيبان.
..................................................
لم تتوقف "داليا" عن لكم عجلة المقود طوال قيادتها للسيارة، بل إنها دمدمت بعبارات ساخطة كوسيلة لتفريغ الشحنة الغاضبة المكبوتة بداخلها، عاتبت نفسها بحدة لأنها لم تتمالك حالها، واندفعت بهوجائية نحو فخ استفزازه، وربما كانت تلك إحدى حيله لاختبار مدى جَلَدِها وصبرها، ومع ذلك لامته هو الآخر، فإن لم يقع عليها الاختيار لشغل تلك الوظيفة الشاغرة، وهذا مفهوم لديها، فليس من حقه تقييم شخصيتها، وإصدار أحكام مسبقة عنها.
انتشلها من استيائها العارم مكالمة هاتفية غير متوقعة من والدتها، في التو أجابت عليها هاتفة في التياعٍ ولهفة بعدما صفت السيارة بمحاذاة الرصيف:
-ماما وحشتيني أوي، إيه أخبارك؟ هترجعي إمتى؟
لتجدها تخبرها بجديةٍ تامة:
-للأسف مش هعرف السنادي يا حبيبتي، عمك "رأفت" دخل عمليات، ومحتاج فترة نقاهة وعلاج طبيعي علشان يقدر يقف على رجليه من تاني، صعب أسيبه في الظروف دي وأجيلك.
اغرورقت عيناها بالدموع، ورجتها في حزنٍ:
-بس أنا كده بقالي فترة ماشوفتكيش، أنا لوحدي ومحتاجاكي معايا، طب ينفع أسافرلك؟
أخبرتها بلا مراوغة:
-معلش يا حبيبتي مش هينفع، بس ما تقلقيش هعوضك قريب، إدعي بس ربنا يشفي عن عمك "رأفت".
لم تمهلها الفرصة لقول المزيد، وأنهت معها المكالمة القصيرة بعدما سكبت الملح على جرحها الذي لم يندمل.
انسابت دموعها وسالت بغزارة، فغشت الرؤية عينيها، لم تكف عن النحيب، ولا عن ترديد:
-الظاهر وجودي زي عدمه، مش فارق في حياة حد!
ونكست رأسها على عجلة القيادة تبكي في ألمٍ وحــرقة.
يتبع........
