رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2 بقلم نور محمد
رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2 هى رواية من كتابة نور محمد رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2
رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الثاني 2
"إبعدي عن النار! إيدك هتحرقك يا مجنونة!"
" آآآآه!"
"سيبيه.. سيبيه ده بيحرق! يا رب سترك، اهدي بقى أبوس إيدك!"
قام أيوب مفزوع من نومته المتقطعة على الكرسي الخشب، عينيه بتوسع برعب وهو بيستوعب المشهد اللي قدامه.
خيوط الفجر الأولى كانت يادوب بتبدأ تشق طريقها من شقوق شباك الكوخ، بس النور الحقيقي كان جاي من شعلة البوتاجاز الصغير اللي كان شغال.
فتنة كانت واقفة قدام النار، مبهورة بيها زي حشرة طايرة ناحية اللمبة. عينيها الخضرا كانت بتلمع بانبهار غريب، وإيدها كانت بتتمد ببطء شديد ناحية اللهب الأزرق، كأنها بتطول نجمة من السما.
أيوب نط من مكانه زي الملسوع، وقبل ما صوابعها تلمس النار، كان ماسك معصمها وشاددها لورا بقوة. البنت صرخت صرخة رعب، صرخة خوف كأنها اتعرضت لهجوم مباغت. انتفضت بكل قوتها، وبدأت تضرب فيه بإيديها ورجليها وهي بتطلع أصوات غير مفهومة من حنجرتها، أصوات كلها رعب وتهديد في نفس الوقت.
زقته بعيد عنها، وجريت تستخبى تحت السرير، اتكورت على نفسها في أضيق زاوية، وبدأت تترعش بعنف، وعينيها متثبتة عليه في الضلمة بتراقبه بخوف.
أيوب وقف ينهج، مسح وشه بإيديه الاتنين وهو بيستغفر ربه. قلبه كان بيدق بسرعة من الخضة، مش عليها بس، ده على كمية الجهل والضياع اللي هي عايشة فيهم.
إزاي إنسانة متعرفش إن النار بتحرق؟ طفلة عندها 19 سنة عقلها واقف عند لحظة ما اتخطفت، أو يمكن أقل. قفل عينيه وحاول يهدي نفسه، هو عارف إن الانفعال معاها مش هيجيب نتيجة، البنت دي عاشت عمرها كله بتنضرب وتتهان، أي حركة سريعة أو صوت عالي بيترجم في عقلها المكسور لـ "خطر".
نزل أيوب على ركبه ببطء شديد، ونام على بطنه على الأرض عشان يكون في نفس مستوى نظرها تحت السرير. ملامحها كانت مرعوبة، بتحاول تكتم صوت أنفاسها السريعة.
"أنا آسف.. حقك عليا، مقصدش أخوفك." همس أيوب بصوت دافي وحنون جداً، صوت بيحاول يطمن بيه عصفور مرعوب. "النار دي بتوجع.. بتعمل واوا.. أنا كنت خايف تتلسعي."
شاور على البوتاجاز، وبعدين عمل حركة بإيده كأنها اتلسعت ونفخ فيها. البنت كانت بتبص لحركاته بتركيز، رعشتها قلت شوية، بس لسه رافضة تطلع.
أيوب مأجبرهاش، سابها على راحتها وقام بهدوء. عارف إن الثقة دي بتتبني طوبة طوبة، وأي استعجال هيهد اللي بناه.
بدأ أيوب يجهز الفطار. ريحة الشاي المغلي، والعيش السخن اللي حطه على صاج البوتاجاز بدأت تملى المكان.
كان بيتحرك بهدوء متعمد، بيعمل كل حاجة ببطء عشان متتخضش من حركته. عينه كانت بتسرق نظرات لتحت السرير، ولاحظ إنها بدأت تتحرك وتشم الريحة، الجوع كان أقوى من الخوف.
جاب صينية صغيرة، حط عليها كوباية الشاي، وحتة جبنة بيضا، ورغيف عيش، ونزل حطهم على الأرض قريب من السرير، ورجع قعد على كرسيه بعيد، ومسك مصحفه الصغير وبدأ يقرأ قرآن بصوت واطي ومسموع.
اختار آيات فيها سكينة ورحمة، صوته كان عامل زي الماية الباردة اللي بتنزل على نار قايدة.
بعد دقايق، طلعت إيد صغيرة ومتربة من تحت السرير، سحبت رغيف العيش بسرعة البرق ورجعت تاني.
أيوب ابتسم في سره ومبصلهاش عشان متتكسفش أو تخاف. شوية وطلعت راسها، بصتله وهو بيقرأ، وبعدين سحبت حتة الجبنة. المرة دي مأكلتش بهمجة زي امبارح، كانت بتاكل بحذر.
لما الشمس طلعت ونورت المكان البسيط، حصلت حاجة وقفت قلب أيوب من جمالها ووجعها في نفس الوقت. شعاع شمس قوي دخل من الشباك، ورسم مربع نور على الأرض. فتنة طلعت من تحت السرير زحف، وقربت من النور.
كانت بتبص لذرات التراب اللي طايرة في شعاع الشمس كأنها سحر. رفعت إيدها ببطء، وحاولت تمسك النور. ضحكت.. لأول مرة أيوب يسمع منها صوت غير الأنين والصرخات. ضحكة صافية، بريئة، طفولية جداً، كأنها بتكتشف الدنيا لأول مرة.
جمالها في لحظة الضحكة دي كان كفيل يخلي أي راجل ينسى اسمه. النور ضرب في عينيها الخضرا فخلاها زي لون أوراق الشجر المغسولة بالندى، وشعرها الأسود المنكوش كان بيديها طابع غجري ساحر رغم التراب اللي فيه.
أيوب حس برهبة في قلبه، غض بصره بسرعة واستغفر. الشابة دي أمانة في رقبته، وهو راجل بيخاف ربنا. لازم يتصرف، لازم ينضفها ويسترها عشان يقدر يتعامل معاها من غير ما يغضب ربنا.
قام أيوب وراح على دولابه الصغير، طلع جلابية بيتي من بتوعه، واسعة ونضيفة، وفوطة كبيرة، وصبونة ريحتها ليمون. راح جاب طشت ألومنيوم كبير، وسخن ماية على البوتاجاز، وخلطها بماية باردة عشان تبقى دافية. حط الطشت في زاوية الكوخ، ورا ستارة قماش كان معلقها بتفصل بين مكان النوم ومكان المطبخ.
"تعالي.." شاورلها أيوب بهدوء. فتنة كانت بتبص للطشت باستغراب. قربت منه، وشمت الماية.
أيوب حط الجلابية والفوطة والصبونة على كرسي جنب الطشت. "ماية.. نضافة.." حاول يوصلها الفكرة بالإشارة. عمل حركة كأنه بيغسل وشه وإيديه.
البت بصتله بعدم فهم. أيوب اتنهد بحيرة، المشكلة مش بس في إنها تستحمى، المشكلة إنها متعرفش إزاي أصلاً! مسك الصابونة، وبل إيده، وعمل رغوة، وغسل وشه قدامها. وبعدين شطف وشه بالماية.
شاورلها على الطشت، وشاور على الهدوم المقطعة اللي هي لابساها، وبعدين شاور على الجلابية النضيفة. "اقلعي دول.. واغسلي جسمك.. واللبسي دي." قالها وهو بيلف وشه الناحية التانية بسرعة عشان يديها الأمان والخصوصية.
فضل أيوب واقف ورا الستارة، مديلها ضهره، قلبه بيدعي ربنا إنها تكون فهمت. فضل واقف يجي ربع ساعة، مفيش أي صوت غير صوت الماية اللي بتتحرك بخفة. فجأة سمع صوت شهقة خفيفة، وبعدها صوت الماية بيدلق بره الطشت.
"خلصتي؟" سأل بصوت مبحوح وهو لسه لافف وشه.
مفيش رد.
لف وشه بحذر وفتح طرف الستارة حتة صغيرة. لقاها واقفة، لابسة الجلابية بتاعته اللي كانت طويلة جداً عليها وبتسحب في الأرض، بس الكارثة إنها كانت لابساها فوق هدومها المقطعة القديمة، وشعرها لسه مليان تراب، ووشها زي ما هو، كل اللي عملته إنها غسلت إيديها الاتنين بس زي ما هو عمل قدامها!
أيوب مقدرش يمسك نفسه، ابتسم بقلة حيلة. "يا حبيبة عيني.. إنتي كأنك لسه مولودة امبارح."
دخل أيوب من ورا الستارة وهو باصص في الأرض. "لا.. مش كده."
جاب كرسي وقعدها عليه. غض بصره على قد ما يقدر، ومسك مشط خشب بتاعه، وبدأ يسلك شعرها. المهمة دي لوحدها كانت عذاب. شعرها كان متشابك لدرجة إن فيه كتل طين ناشفة.
كل ما كان بيشد بالمشط، كانت بتتوجع وتطلع صوت أنين، فكان بيوقف، ويمسح على راسها بحنية ويقولها "معلش.. استحملي شوية.. هتبقي أحسن."
أخد يجي ساعة يسلك في شعرها، لحد ما أخيراً بقى ناعم ومفرود ونازل على ضهرها زي شلال ليل أسود. بعدين جاب فوطة صغيرة، بلها ماية دافية وصابون، وبدأ يغسلها وشها وإيديها ورجليها اللي كانت كلها جروح وخدوش قديمة.
كان بيتعامل معاها برقة متناهية، كأنه بينضف حتة أثر تاريخي خايف يتكسر في إيده.
لما خلص، جاب مقص صغير، وقصلها ضوافر إيديها ورجليها اللي كانت طويلة .
طول الوقت ده، فتنة كانت هادية جداً، مستسلمة للمساته الحنينة. كانت بتبص لوشه وهو مركز، بتبص لملامحه السمرا الرجولية، لرموشه الطويلة وهو باصص لتحت، لشفايفه اللي بتتحرك بذكر الله طول ما هو شغال.
لأول مرة في حياتها تحس بلمسة مفيهاش أذى، لمسة بتشفي مش بتجرح.
"كده أحسن بكتير.." قالها أيوب وهو بياخد نفس عميق، وبيبصلها لأول مرة بعد ما نضفت.
اتصدم. الجمال اللي شافه امبارح كان ولا حاجة جنب اللي شايفه دلوقتي. بشرتها كانت بيضا بياض شاهق، ملامحها ملائكية لدرجة توجع القلب، وعينيها الخضرا كانت بتلمع بنقاء غريب. الجلابية الواسعة عليه كانت مديها شكل طفولي بريء جداً.
قام أيوب بسرعة، حاسس بقلبه بيدق بعنف، "أنا.. أنا هروح أرمي الهدوم القديمة دي."
لم الهدوم المقطعة والخرق اللي كانت لابساها، وطلع بره الكوخ عشان يحرقهم.
وهو بيقلب في الخرق دي عشان يتأكد إن مفيش فيها حاجة، إيده لمست حاجة صلبة. حاجة معدن متخيطة جوه بطانة حتة قماش كانت مربوطة على وسطها.
قطع القماش بسرعة، وطلع الحاجة دي. كانت سلسلة قديمة جداً، لونها أسود من الصدى والزمن، وفيها دلاية على شكل قلب بيفتح. أيوب مسح الدلاية في قميصه، وفتحها بصعوبة.
كان جواها صورة صغيرة جداً، شبه ممسوحة، لست جميلة أوي ملامحها قريبة جداً من ملامح فتنة، ومكتوب تحت الصورة محفور: "حبيبة قلب بابا.. فتنة مرزوق".
أيوب قفل الدلاية بسرعة، وحس بقشعريرة في جسمه كله. "اسمها فتنة.. وهي فعلاً فتنة." همس لنفسه. الدلاية دي دليل قاطع إنها بنت ناس، وإن في حد كان بيحبها، حد سماها، حد فقدها من سنين.
قطع تفكيره صوت خطوات سريعة بتقرب من الكوخ في الطين. بص لقى عم راضي جاي يجري، وشه أصفر زي الليمونة، وبينهج كأنه كان في سباق.
"يا أيوب! يا أيوب إلحقني!"
أيوب رمى الهدوم على الأرض وجري عليه: "في إيه يا عم راضي؟ مالك بتنهج كده؟"
عم راضي مسك في دراع أيوب وهو بيتلفت حواليه بخوف: "مصيبة يا ابني.. مصيبة حلت على دماغنا! الحكومة والبوليس قالبين الدنيا بره! لأ مش حكومة.. دول رجالة لابسين بدل سودة، راكبين عربيات جيب، واقفين عند قصر الخواجة، ومعاهم كلاب بوليسية بيشمشموا في الأرض!"
قلب أيوب وقع في رجليه. "بتقول إيه؟ عند القصر؟"
"أيوه يا ابني! وسمعت واحد منهم بيزعق لواحد تاني وبيقوله (الباب مكسور، يعني في حد دخل هنا، لو ملقيتوش البت دي، الباشا هيدفنكم كلكم مكانها!). يا دي المصيبة السودا! إنت جبتلنا بلوة في البيت يا أيوب! البت دي مش مجرد مخطوفة، دي وراها بلاوي زرقا!"
أيوب مسك كتاف عم راضي بقوة: "اهدى يا عم راضي! وطي صوتك البت هتسمع وتترعب. إنت حد شافك وإنت جاي هنا؟"
"لأ.. أنا جيت من طريق الغيط من ورا، محدش خد باله. بس الكلاب يا أيوب! الكلاب دي لو شمت ريحتها أو ريحة هدومك هتيجي لحد الباب هنا!"
أيوب بص للهدوم القديمة اللي مرمية على الأرض، وبص للكوخ. عقله كان بيشتغل بأقصى سرعة.
الناس دول مش بيهزروا، ومادام رجعوا للقصر يبقى كانوا بيزوروا المكان كل فترة عشان يتأكدوا إنها لسه محبوسة، أو يمكن كانوا بيجيبولها الأكل كل فين وفين عشان تعيش. لو لقوها هنا، مش هيقتلوها هي بس، هيقتلوه هو وعم راضي.
"اسمعني كويس يا عم راضي." قالها أيوب بصوت حازم فيه قوة مكنتش بتظهر عليه كتير. "الهدوم دي أنا هحرقها دلوقتي حالاً وادفن رمادها في الطين. وإنت ترجع مكانك كأن مفيش حاجة حصلت. لو حد سألك، إنت متعرفش حاجة، ومشوفتش حاجة. مفهوم؟"
"وإنت هتعمل إيه يا ابني؟ منسلمها ليهم وخلصنا؟"
"أسلمها لمين؟ للي حبسوها في الضلمة؟ مستحيل! والله لو على رقبتي. دي بقت في حمايتي، وربنا ساقهالي عشان أنقذها. روح إنت يا عم راضي ومتخافش، ربنا هو الحافظ."
عم راضي مشي وهو بيضرب كف على كف وبيدعي ربنا يسترها. أيوب ولع في الهدوم بسرعة، ودفنها في حفرة في الغيط، ورجع الكوخ.
أول ما دخل، لقى فتنة واقفة قدام حتة مراية صغيرة مكسورة متعلقة على الحيطة. كانت بتبص لانعكاسها بذهول.
بتلمس وشها، وتشوف الصورة في المراية بتعمل زيها. مكنتش عارفة إن دي هي. فجأة، الخوف رجع لعينيها، ورفعت إيدها عشان تضرب "الشخص" اللي في المراية.
أيوب جري ومسك إيدها قبل ما تكسر المراية وتتعور. "لأ! دي إنتي.. دي فتنة!"
وقف جنبها، وبص للمراية. صورتهم هما الاتنين ظهرت. أيوب الشاب الأسمر البسيط، بملامحه الرجولية المليانة طيبة، وجنبه فتنة، الجمال الصافي اللي لسه بيتعلم أبجديات الحياة.
شاور على صورته في المراية، وبعدين حط إيده على صدره. "أيوب."
وبعدين شاور على صورتها في المراية، وحط إيده على كتفها بحنية. "فتنة."
البنت بصتله، وبعدين بصت للمراية. عينيها دمعت لأول مرة. مش دموع رعب، دي دموع إحساس غريب مش فاهماه.
فتحت بؤها، وحاولت تطلع صوت. حنجرتها اللي متعودتش على الكلام كانت بتعافر.
"أي... أي..و..ب."
أيوب اتصمر مكانه. الكلمة طلعت مكسرة، ضعيفة، بس كانت أجمل حاجة سمعها في حياته. نطقت اسمه.
ابتسم ابتسامة وسعت وشه كله، وعينيه دمعت. "أيوه.. أيوب. وأنا هحميكي يا فتنة.. لو كلفني عمري كله، مش هخلي مخلوق يلمس شعرة منك."
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت كلب بينبح من بعيد.. نباح بيقرب ناحية المزرعة.ووو
يتبع.. نور محمد
