رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد
رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4 هى رواية من كتابة نور محمد رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4
رواية زهرة في جوف العتمة الفصل الرابع 4
"رحمة أبويا وعزة جلال الله.. لو البت دي ما رجعت قبل ما شمس بكرة تغيب، لأدفنكم كلكم بالحيا في نفس الخرابة اللي ضيعتوها فيها! إنتوا فاهمين؟"
الصوت كان طالع مخيف من بين شفايف "عزت بيه"، الراجل اللي قاعد ورا مكتب فخم من خشب في ڤيلا معزولة على أطراف البلد.
قدامه كان واقف الراجل الضخم بتاع الليلادي، اللي ضرب أيوب، وكان واقف بيرتجف زي ورقة شجر في مهب الريح رغم ضخامته.
"يا باشا.. ياعزت بيه، احنا قلبنا الخرابة حتة حتة. الكلب اتعمى من الماية المغلية اللي دلقها الغفير الغبي ده، ومبقاش نافع يشم حاجة. البت فص ملح وداب، كأن الأرض انشقت وبلعتها!"
عزت بيه قام من مكانه ببطء، وضرب بإيده الاتنين على المكتب لدرجة إن طفاية السجاير اتهزت.
"البت دي لو ظهرت في النور، أو حد عرف هي مين، حبل المشنقة هيلف حوالين رقبتي ورقبتك! دي فتنة مرزوق! إنت ناسي إحنا عملنا إيه في أبوها من 15 سنة؟ ناسي الملايين اللي أخدناها عشان ندفنها في الضلمة دي ونسبها عايشه ليه؟ الغفير اللي بتقول عليه غبي ده، تجيبهولي متكتف، ولو كان هرب، تقلبوا عليه محطات القطر ومواقف الميكروباصات. اقتلوه ورموا جثته للكلاب، وهاتوا البت!"
في نفس الوقت ده، كان أيوب ماشي على طريق ترابي متفرع بين الغيطان، ماسك إيد فتنة بقوة.
العباية السودة الواسعة اللي لبسهالها كانت مخبية تفاصيل جسمها، والطرحة الكبيرة لاففها حوالين وشها ومفيش باين منها غير عينيها الخضرا اللي كانت بتتحرك في كل اتجاه برعب جنوني.
حالة فتنة. بالنسبة لأي بني آدم طبيعي، السما الواسعة، الغيطان الخضرا، العصافير اللي بتطير، وصوت الهوا.. دي كلها حاجات مريحة.
لكن بالنسبة لفتنة، العالم ده كان عبارة عن وحش عملاق بيهجم عليها. هي عاشت ١٥ سنة في زاوية ضلمة، مساحتها متتعداش مترين في مترين.
عينها متعودتش على النور القوي، ودانها متعودتش على الأصوات المتداخلة. المساحة الواسعة كانت بتخنقها. حست إن مفيش سقف يحميها، إنها مكشوفة وعريانة قدام دنيا مرعبة.
فجأة، فتنة وقفت مكانها. جسمها بدأ يتخشب، وركبتها سابت. وقعت على الأرض في التراب، وحطت إيديها الاتنين فوق راسها كأنها بتحاول تحمي نفسها من السما اللي هتقع عليها.
بدأت تطلع أنين مكتوم ومؤلم، أنين طفل بيحتضر.
أيوب نزل على ركبه جنبها فوراً. جرح راسه كان بينبض بوجع رهيب مع كل حركة، والدم اللي نشف على حتة القماشة اللي رابط بيها راسه كان مخليه حاسس بتقل في دماغه، بس كل ده اتبخر لما شاف حالة الرعب اللي هي فيها.
"فتنة.. فتنة مالك ردي عليا." همس أيوب وهو بيحاول يشيل إيديها من على راسها.
"سما.. هتقع.. لا.. لا.. عتمة.. رجع فتنة للعتمة تاني!" كانت بتهمس بكلمات متكسرة وهي بتضغط على عينيها عشان متشوفش النور.
قلب أيوب اتعصر. هي بتطلب ترجع للعتمه لأن العتمه هي الحاجة الوحيدة اللي تعرفها. العالم ده كبير عليها أوي. أيوب أدرك إنها مستحيل تقدر تمشي للمحطة اللي لسه فاضل عليها أكتر من تلاتة كيلو.
بدون أي تردد، أيوب لف ضهره ليها، ونزل على ركبه أكتر. "اطلعي على ضهري يا فتنة. امسكي فيا جامد وخبي وشك في رقبتي. أغمضي عينيكي وماتفتحيهاش مهما حصل. اعتبري نفسك لسه في الضلمة، بس الضلمة دي بتاعتي أنا، ضلمة أمان مش سجن."
البت بصتله بتردد، بس ريحة المسك اللي كانت طالعة من هدومه، نفس الريحة اللي كانت في السبحة اللي أنقذتها، طمنتها. زحفت ببطء، ولفت دراعاتها الرفيعة حوالين رقبته، ودفنت وشها في كتفه، وغمضت عينيها بقوة.
أيوب سند على ركبه وقام. وزنها كان خفيف، بس الإرهاق اللي في جسمه وجرح راسه خلوا كل خطوة كأنها جبل بيتشال.
مشي أيوب في الطريق الترابي، كل خطوة بيذكر فيها اسم ربنا عشان يستمده منه القوة. كان بيحس بأنفاسها السخنة المرتجفة على رقبته، وبدموعها اللي بتبل قميصه.
كان بيطبطب على إيديها اللي محوطة رقبته من وقت للتاني، ويطمنها بصوت هادي: "إحنا قربنا.. إنتي في أمان.. أيوب معاكي."
بعد ساعة من المشي العذاب، وصل أيوب لمحطة قطر صغيرة في المركز. المحطة كانت زحمة، ناس رايحة وناس جاية، بياعين بيندهوا على بضاعتهم، وصوت القطر وهو داخل المحطة كان بيزلزل الأرض.
أول ما أيوب نزل فتنة من على ضهره وقعدها على دكة خشب في ركن بعيد، زمارة القطر ضربت بصوت عالي جداً.
فتنة انتفضت كأن حد ضربها بالنار. صرخت صرخة رعب حقيقية، وحطت إيديها على ودانها بقوة، وحاولت تجري تستخبى تحت الدكة الخشب. الناس في المحطة بدأوا يبصولهم باستغراب، والهمهمات بدأت تعلى.
أيوب مقدرش يستنى لحظة. رمى الكيس اللي في إيده، ونزل على الأرض حضنها بكل قوته.
ضم راسها لصدره عشان يكتم الصوت عن ودانها، وبدأ يقرأ قرآن بصوت عالي جنب ودنها عشان يغطي على دوشة المحطة. "أنا هنا.. أنا هنا يا فتنة.. ده قطر.. دي حتة حديدة بتتحرك مش وحش.. والله مفيش حاجة هتأذيكي طول ما أنا بتنفس."
الناس اللي كانت بتتفرج بدأت تقرب، وفي واحد منهم سأل بفضول: "مالها الحرمة يا أسطى؟ ملبوسة ولا إيه؟"
أيوب رفع وشه اللي كان نصه متغطي بالقماشة المدممة، وبص للراجل بنظرة فيها غضب الدنيا كله. "مراتي وتعبانة شوية! كل واحد يخليه في حاله يا جدعان، وسعوا الطريق الله يرضى عليكم!"
نبرة صوته الحادة ووشه اللي يخوف خلوا الناس تتراجع وتتفرق. فتنة، اللي كانت دافنة وشها في صدره، حست بصوته وهو بيزعق.
رفعت عينيها الخضرا من تحت الطرحة، وبصتله. شافت الغضب اللي في عينه وهو بيدافع عنها. شافت إزاي الناس خافت منه ورجعت لورا.
الفكرة دي كانت جديدة تماماً على عقلها. طول عمرها هي اللي بتنضرب وهي اللي بتخاف. أول مرة تكتشف إن فيه حد ممكن يقف سد بينها وبين الأذى، وإن السد ده اسمه أيوب.
هديت رعشتها شوية، ومسكت في قميصه بقوة. أيوب ساعدها تقوم، وسندها لحد ما ركبوا القطر اللي كان رايح القاهرة. اختار عربية في الآخر، وقعدها في كرسي جنب الشباك، وقعد جنبها يسد عنها نظرات الناس.
القطر بدأ يتحرك. صوت العجل على القضبان كان بيعمل إيقاع منتظم.. الحركة الهادية دي، مع الهوا اللي داخل من الشباك، بدأت ترخي أعصاب فتنة.
بدأت تبص من الشباك بخوف، بس المرة دي مكنتش بتصرخ. كانت بتشوف الشجر وهو بيجري، والبيوت وهي بتبعد. كانت مبهورة.
أيوب طلع من الكيس بتاعه باكو بسكوت كان جايبه من كشك في المحطة. فتح الباكو، وطلع بسكوتة، وقربها من بؤها من تحت الطرحة. "كلي يا فتنة.. لازم تتغذي."
أخدت البسكوتة بإيدها اللي لسه بتترعش خفيف، وقطمت منها حتة. طعم السكر كان غريب ومفاجئ لعقلها، عينيها وسعت وبصت لأيوب كأنها بتشكره.
أيوب استغل اللحظة دي الهادية، وطلع من جيبه السلسلة الفضة اللي لقاها في هدومها القديمة. حطها في كف إيده، وبص لفتنة.
"إنتي فاكرة دي يا فتنة؟" همس أيوب وهو بيوريها السلسلة.
فتنة أول ما شافت الدلاية، عينيها اتسمرت عليها. سابت البسكوتة من إيدها، ومدت صوابعها ببطء شديد تلمس المعدن البارد. فتحت الدلاية بصعوبة، وبصت للصورة اللي جواها.
اللي حصل في ملامحها. كأن شريط سينما اشتغل جوه عقلها المكسور. عينيها اتملت بدموع سخنة، دموع مفيهاش رعب، دموع فيها حنين ووجع قديم أوي مدفون في العتمة.
"مـ.. ماما." الكلمة طلعت من شفايفها بالعافية، مكتومة، كأنها بتطلع من بير عميق.
أيوب حس بقلبه بيوجعه. "ماما؟ دي مامتك يا فتنة؟"
هزت راسها ببطء، ودموعها بدأت تنزل على خدها تحت الطرحة. حطت السلسلة على قلبها، وغمضت عينيها.
أيوب قفل إيده على إيدها اللي ماسكة السلسلة. "ومين مرزوق يا فتنة؟ مكتوب هنا فتنة مرزوق. فاكرة الاسم ده؟"
أول ما سمعت اسم "مرزوق"، فتحت عينيها فجأة. الرعب القديم رجع يطل من عينيها. بدأت تنهج، وحطت إيديها على راسها، وبدأت تهمس بكلمات سريعة ومش مفهومة: "نار.. دم.. بابا وقع.. عتمة.. راجل كبير وحش.. خد فتنة.. دم كتير!"
أيوب ندم إنه سألها. حضنها بسرعة وطبطب عليها.
"خلاص خلاص! انسي! أنا آسف إني سألتك. انسي، مفيش دم ومفيش راجل وحش. إنتي معايا."
فضلت تبكي في حضنه بصمت لحد ما نامت من التعب والإرهاق. أيوب سند راسها على كتفه، وبص من الشباك للسما اللي بدأت تغيّم.
الحكاية أكبر من مجرد خطف. الحكاية فيها دم وتار وناس تقيلة أوي. أبوها ده أكيد كان راجل مهم، وممكن يكون اتقتل قدام عينيها وهي طفلة، واللي قتلوه هما اللي حبسوها.
"يا رب.. أنا شاب غلبان مليش في اللف والدوران ولا ليا في الدم. بس أنا سلمت أمري ليك، وحلفت لأحمى الروح دي. دبرلي أمري فإني لا أحسن التدبير."
في نفس اللحظة اللي القطر كان بيشق فيها طريقه للقاهرة، كان في عربية جيب سودة واقفة قدام محطة القطر اللي ركبوا منها.
الراجل الضخم نزل من العربية، ومعاه اتنين من رجالته. كانوا ساحبين عم راضي العجوز من ياقته، وشه كان متورم وبينزف من كتر الضرب.
الراجل الضخم مسك عم راضي من هدومه ورفعه عن الأرض. "انطق يا راجل يا خرفان! الواد الغفير والبت ركبوا من هنا؟"
عم راضي كان بيبكي من الوجع والرعب: "والله ما أعرف حاجة يا بيه! أنا ماليش دعوة، هو قالي إنه هيمشي ومقاليش رايح فين!"
الراجل رماه على الأرض بقسوة، وبص لواحد من البياعين اللي كانوا واقفين خايفين. راح ناحيته ومسكه من رقبته. "شفت واد أسمر، راسه متعورة، ومعاه واحدة لابسة عباية سودة متغطية بالكامل؟"
البياع بلع ريقه بخوف وشاور بإيده اللي بتترعش ناحية شريط القطر. "أ.. أيوه يا باشا. شفتهم. كانوا هنا من يجي ساعة. الواد كان ماسك فيها بيقول مراته، والبت كانت خايفة من صوت القطر. ركبوا قطر الصعيد اللي طالع على محطة رمسيس في القاهرة!"
الراجل الضخم ابتسم ابتسامة شيطانية، وطلع تليفونه من جيبه واتصل برقم.
"ألو.. أيوه يا باشا. العصفورة ركبت قطر رمسيس، ومعاها الغفير. القطر قدامه تلات ساعات ويوصل المحطة الرئيسية. أؤمرنا."
صوت عزت بيه من الناحية التانية كان بارد زي التلج: "تبلغوا رجالتنا اللي في محطة رمسيس. يفرشوا المحطة كلها. أول ما القطر يوصل، البت دي تتجاب من شعرها لحد عندي. والواد الغفير... يتقتل في الزحمة، ومحدش يحس بحاجة. مفهوم؟"
"أوامرك يا باشا.. رقبتهم الاتنين هتبقى في إيديك الليلادي."
قفل الراجل التليفون، وبص لشريط القطر الممتد قدامه، وعينه بتلمع بشر. المعركة الحقيقية لسه هتبدأ في زحمة القاهرة، وأيوب ميعرفش إنه واخد فتنة ورايح للموت برجليه.
يتبع.. نور محمد
