رواية لولا الغرام الفصل السادس 6 بقلم روز امين
رواية لولا الغرام الفصل السادس 6 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل السادس 6 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل السادس 6 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل السادس 6
رواية لولا الغرام الفصل السادس 6
«مَا أَقسَاهُ مِنْ شُعُورٍ، حينَ أنظُرُ إِلَى عَينَيكَ اللَّتَيْنِ طَالَمَا كَانَتَا لِي مَلْجَأً، فَأَرَى فِيهِمَا انْكِسَارَ الْوَجَعِ، وَأَلْمَحُ فِي أَعْمَاقِكَ نَاراً تَأْكُلُ هُدُوءَكَ، بَيْنَمَا أَقِفُ أَنَا عَلَى ضِفَافِ عَجْزِي، لَا أَمْلِكُ سِوَى دَمْعَةٍ حَائِرَةٍ وَدُعَاءٍ مَخْنُوقٍ، لَيْتَ الْأَوْجَاعَ تُقْسَمُ بَيْنَنَا فَآخُذُ شَطْرَهَا، أَو لَيْتَنِي أَحْمِلُ عَنْكَ كُلَّهَا، لَيْتَ لِي قُدْرَةً أَنْ أَنْتَزِعَ هَذَا الْأَنِينَ مِنْ صَدْرِكَ لِأَزْرَعَهُ فِي صَدْرِي، لَكِنَّهَا الدُّنْيَا، حِينَ تُرِينَا ضَعْفَنَا فِي أَكْثَرِ مَنْ نُحِبُّ.يَا شَقِيقَ الرُّوحِ، إِنْ كَانَتْ يَدِي قَصِيرَةً لَا تَصِلُ لِتَمْحُوَ أَلَمَكَ، فَثِقْ أَنَّ قَلْبِي يَنْزِفُ مَعَ كُلِّ أَنِينٍ تَلْفِظُهُ، وَأَنَّ رُوحِي تَتَعَذَّبُ قَبْلَ رُوحِكَ.»
"أشرف عزام المهدي"
بقلمي «روز أمين»
رواية«لَوْلاَ الغَرَامُ»
_______*_______
في ردهة منزل السيد عزام، كانت تجلس بجوار عمتها وزوج عمتها، تنتظر على أحر من الجمر عودة والدها وأشرف من بيت والد داليا لمعرفة ما آلت إليه الأمور، خيم على الزوجين صمتٍ رهيب، وارتسم التجهم على وجهيهما وهما يتوقان لسماع نتيجة مساعي "صادق"، تسلل الملل إلى قلب الفتاة فاستأذنت عمتها بصوت خافت:
-بعد إذنك يا عمتو، أنا هدخل أقعد شوية مع أبيه علي.
اكتفت" فاطمة" بهز رأسها دون كلام، خطت الفتاة نحو الغرفة، واستأذنت قبل الدخول لتجده يجلس فوق سريره، واضعًا كفيه فوق رأسه، في حالة يرثى لها، حاولت تبديد حزنه لتقول بابتسامة رقيقة:
-ممكن أقعد معاك شوية على ما بابا ييجي؟
بادلها ابتسامتها بأخرى باهتة شقت طريقها وسط حزنه، وأجابها مرحبًا:
-أكيد طبعًا
وأشار بكفه:
- اتفضلي.
دلفت إلى الداخل واختارت مقعدًا مجاورًا للباب مباشرة، تاركة إياه مفتوحًا خلفها كما علمها والدها. جلست تتأمل ملامحه المجهدة، ثم قالت بنبرة تفيضُ تأثرًا ومواساة:
-ما تزعلش يا أبيه، إن شاء الله بابا هيحل الموضوع.
ثم تابعت بصوتٍ طغى عليه الحماس:
-وبعدين أنا متأكدة إن أبلة داليا هتتمسك بيك قدام أهلها، وهتتجوزوا في نفس الميعاد.
نظر إليها والابتسامة لا تفارق ثغره، لكنه فضل الصمت، وقد قرر تغيير مجرى الحديث، فلم يكن يحتمل الاسترسال في همومه أكثر من ذلك، سألها محاولًا إلهائها لحين عودة والدها:
-قدمتي ورقك في المدرسة ولا لسه؟
اتسعت ابتسامتها، وردت بنبرة يملؤها الحماس الطفولي:
-آه، بابا قدم لي في مدرسة حلوة قوي
سألها مستفسرًا:
-مدرسة خاصة؟
-لا، مدرسة عادية، ثانوي عام، بس أنا متحمسة قوي للدراسة في مصر.
تابع سؤالها باهتمام بعدما استطاعت تلك الصغيرة بعفويتها انتشاله من براثن الترقب والقلق:
-حاطة كلية معينة في دماغك يا دليلة؟
أشرق وجهها بملامح حالمة وقالت:
-عاوزة أدخل كلية الطب وأتخصص في جراحة القلب.
ضيق عينيه بدهشة خفيفة واستفسر مستغربًا:
- اشمعنى القلب بالذات؟
أطرقت رأسها إلى أسفل، وتسلل حزنًا مريرًا إلى عينيها وهي تستدعي تلك الذكرى المؤلمة:
-كان ليا واحدة صاحبتي في السعودية اسمها سلوى،كانت صاحبتي وانا في ابتدائي.
تابعت وصوتها متأثرًا:
-كان عندها القلب وماتت، وأنا نفسي أتخصص في المجال ده عشان ما فيش أطفال تانية تموت.
أطال النظر في تفاصيل وجهها، وراحت عيناه تتأملان براءتها المفرطة وطيبة قلبها التي تجلت في كلماتها. تنهد بحرارة وتمنى من كل قلبه أن تحتفظ الفتاة على ذلك النقاء، وألا تتأثر بأفعال البشر وقسوة الأيام، وأن ينال قلبها الأبيض ما يستحقه من الخير.
******
داخل منزل السيد كمال، تناولت منى ونجلها ووالدتها وجبة العشاء بصحبة عائلة شقيقتها رغدة، وانسحب كمال إلى غرفته بعد تناول أدويته ليحصل جسده الهزيل على بعض الراحة، بقيت منى مع والدتها وشقيقتها رغدة، وقد قضت اليوم كاملاً برفقة ابنها في منزل شقيقتها،بعدما أخذت الإذن من زوجها، كان تأثير الزيارة التي قام بها شقيقهما بهاء وعائلته لا يزال يخيم على الأجواء، تاركاً خلفه غصة مريرة وندوباً لم تندمل بعد.
اتكأت منى بظهرها، وملامحها تنطق بحزن عتيق قد استوطن عينيها،تمتمت بصوتٍ يخيم عليه الحزن:
-صدقيني يا ماما أنا لو لوحدي الموضوع ما كانش فرق لي ولا كان همني، لكن المشكلة إن قلة ذوقه هو ومراته وإهاناتهم المتعمدة دي حصلت قدام صادق.
توقفت للحظة، والشجن ينخر نياط قلبها، قبل أن تتابع باستنكارٍ ظهر بكلماتها:
-ليه جوزي اللي إخواته عنده أهم حاجة في حياته، يشوفني وأنا مكسورة كده من أخويا؟، واللي كسر قلبي بجد، إنه ما عملش حتى حساب لشكلي قدام جوزي.
بملامح يمتزج فيها الأسى بالإعتراض التام،أكدت رغدة على شعور شقيقتها،وقالت بصوتٍ يئن وجعًا:
-نفس اللي حصل بالظبط معايا يا منى، أنا كمان اتضايقت علشان كل اللي حصل ده كان قدام كمال، وكمان وهو تعبان، ربنا يسامحك يا بهاء، يا ريته ما كان جه، كان أفضل وأكرم لنا.
كانت وفاء تجلس صامتة، وعيناها تنظران إليهما بثقل يجثو فوق صدرها، تملك منها شعورًا مريرًا بالعجز، وكأن الكلمات تبخرت من جوفها،بعد أن خيب بهاء آمالها، وأدمى قلوب شقيقتيه.
قطع شكواهما خروج كمال من غرفته، فقد استمع إلى حديثهما من الداخل، تقدم بخطواتٍ بطيئة، وصوتٍ واهنٍ ممتزجٍ بالمحبة:
-خلاص بقى يا منى، إنسي اللي حصل وما تشغليش بالك بيه، يعني إحنا مش عارفين بهاء؟ ولا أنا وصادق لسه بنكتشفه من جديد؟
وتابع حديثه قاصدًا التخفيف عنها:
-ما إحنا حافظين طبعه هو ومراته من زمان،وان كان عليا أنا وصادق يا ستي فريحي دماغك،الموضوع مش في دماغنا أصلاً.
نهضت رغدة بسرعة، وتحركت لتساعد زوجها على الجلوس والاتكاء بارتياح، بينما نطقت وفاء بتأثر وهي تشمله بنظرات اعتذارٍ:
-معلش يا ابني، يظهر إن صوتنا كان عالي وصحيناك.
نظر إليها كمال بكل توقير واحترام، ورد بابتسامة عذبة ارتسمت على وجهه:
-إنتِ تعملي كل اللي يحلا لك يا ست الكل، وبعدين إنتوا مالكوش ذنب، أنا اللي نومي بقى عزيز وأي حركة بسيطة بقت بتصحيني.
تنهدت منى بعمقٍ، وحاولت جاهدة حبس دموعها وهي تتحدث إلى زوج شقيقتها:
-أنا مش زعلانة منه يا كمال، أنا زعلانة على حظي القليل أنا وأختي
تجرعت غصة مريرة كادت تخنقها، ثم تابعت بصوتٍ يرتجف من شدة التأثر:
-يعز عليا إن أخونا الوحيد، بدل ما يبقى لنا ظهر وسند، بقى هو نقطة ضعفنا وسبب كسرة نفسنا.
أصابت كلماتها قلب رغدة بوغزة حادة، فشعرت بصدق وجع شقيقتها الذي لامس جرحًا مشتركًا،ساكنًا في أعماقهما.
تأثر لحزن كلتيهما، فابتسم محاولاً بث بعض الطمأنينة والتهوين في قلوبهما، ونظر إلى منى قائلاً بنبرة تفيضُ ودًا:
-روقي يا منى وصلي على النبي، صدقيني الدنيا مش مستاهلة كل ده، وبعدين يا ستي ربنا يبارك لك في صادق وأحمد باشا، إيه، دول مش مكفيينك سند يا طماعة؟
ارتسمت على شفتي منى ابتسامة ممتنة لزوج شقيقتها، ذلك الرجل الذي لم تراه يوماً إلا أخاً حقيقياً لم تلده أمها، هزت رأسها بهدوءٍ وتمتمت:
-عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثم خفضت عينيها نحو صغيرها الغافي باسترخاء على حجرها، وتطلعت في ساعة يدها قبل أن تتحدث إلى والدتها:
-يلا بينا يا ماما علشان نمشي، الوقت اتأخر أوي، وصادق ممكن يتصل ويقلق لو ما لقاش حد يرد على تليفون البيت.
تحدث كمال مقترحًا:
-ما تخليكوا بايتين هنا الليلة يا جماعة، الولد في سابع نومة، ولو خرجتي بيه في الجو ده ممكن يبرد
وتابع مسترسلاً:
- كلمي صادق على تليفون بيت مامته وطمنيه إنكم هتباتوا هنا.
هزت رأسها باعتذار يغلفه الامتنان لاهتمامه، وردت بنبرة هادئة:
-مش هينفع يا كمال، أنا ما أخدتش إذن صادق إني هبات واكيد هيزعل، هو أصلاً كلم ماما وطلب منها تبات معايا أنا وأحمد علشان يطمن علينا في البيت، وبعدين لازم أروح، أنا سايبة غسيل في الجنينة ولازم ألمه قبل الرطوبة ما تنزل عليه.
تنهدت "وفاء" وهي تتكأ على يد المقعد لتنهض بجسدها المتعب، وقالت:
-هقوم أغير جلابيتي دي وننزل نوقف تاكسي يوصلنا.
نطقت رغدة بهدوء:
-طب اصبري يا ماما لما وائل ييجي من برة ويوصلكم، هو نزل يقابل واحد صاحبه وقال إنه جاي على طول، مش هيتأخر.
عادت وفاء لتجلس برفق على الأريكة من جديد، وقد غلبها النعاس فتمتمت وهي تتثاءب بوهن:
-خلاص يا منى، اصبري لما ييجي وائل، ما يصحش نروح لوحدنا في تاكسي والوقت متأخر كده.
التفت كمال إلى زوجته وقال بنبرة يغلفها الدفيء:
-قومي اعملي شاي يا رغدة، وهاتي أي حاجة حلوة معاه علشان ماما ومنى.
سارعت منى بالرفض وهي ترفع يدها باعتراضٍ لطيف:
-كفاية الله يخليك يا كمال، إحنا من الصبح مبطلناش أكل ولا شرب، أنا عن نفسي مش هقدر أحط أي حاجة تانية في معدتي .
تابعوا حديثهم بود نابع من نفوسهم الصافية، فـ كمال لم يكن مجرد زوج لابنتهم، بل كان بمثابة الابن البار لهذه الأم ، والأخ والسند الحاني لـ منى.
******
عاد صادق وأشرف يجران أذيال الخيبة والمرارة، ما إن انفتح الباب حتى هرعت دليلة بلهفة تتوق لرؤية والدها ومعرفة ما آل إليه الأمر، فجلست إلى جواره تحبس أنفاسها، في تلك الأثناء، كان علي يقف خلف باب غرفته مواربًا، يستمع بلهفةٍ مترقبًا أخر الأخبار،وذلك لعدم استطاعته النظر في عين والده، ساد الصمت للحظاتٍ، قطعها صوت عزام الهادئ وهو يسأل صادق:
-إيه اللي حصل يا صادق؟
تولى أشرف الرد نيابة عن خاله،ليقول بنبرة إنهزامية:
-ولا أي حاجة يا بابا، زي ما رُحنا زي ما جينا.
وقعت كلمات أشرف على مسامع علي كصاعقة أنهت ما تبقى في قلبه من أمل.
نكس عزام رأسه في الأرض حزنًا، بينما تصنعت فاطمة البرود واللامبالاة وهي تراقب الموقف من بعيد.
تنحنح صادق وقال مستسلمًا للواقع:
-الجماعة مصممين على رأيهم، وأبوها بيقول إنه اتفق مع علي وده كان شرطهم من الأول.
لم تتمالك فاطمة من غضبها، فهتفت بصوتٍ حاد غلب عليه الصرامة:
-خلاص، يبقى كل واحد يروح لحال سبيله
وتابعت بسخرية وتهكم:
-يروحوا بقى يدوروا على ناس مغفلين يوافقوا على شرطهم،وخلي ست الحسن تقعد جنب أمها براحتها.
حاول صادق تهدئة الأجواء المشحونة فقال بلين:
-اهدي يا أبلة وكل مشكلة وليها حل إن شاء الله.
ردت عليه بعناد وإصرارٍ أعمى:
-حل إيه بقى وانت بتقول إنهم مصممين؟
وتحدثت بوعيدٍ:
-ويكون في علمكم، أنا لا يمكن هنولهم اللي في بالهم أبداً.
شعر صادق أن النقاش بات عقيمًا، فالتفت إلى ابنته الحزينة مغيرًا مجرى الحديث:
-يلا يا دليلة عشان نروح نبات عند جدتك، زمانها قاعدة مستنيانا على نار.
استوقفته فاطمة سريعًا وهي تقول بجدية:
-خليك بايت معانا يا صادق، وأشرف يروح يجيب جدته
تابعت مستطردة وهي تهمُ للوقوف:
-وأنا هقوم أسخن لكم العشا على ما تيجي ماما.
نهض صادق وحاول تخفيف وطأة الضيق بالمزاح:
-لا عشا إيه يا أبلة، ده أنا لسه مهضمتش الغدا، ده انتِ أكلتيني أكل، ولا كأنك بتعلفي خروف العيد.
ارتسمت ابتسامة طفيفة على ثغر فاطمة، ونظرت إليه بعينين تفيضان بالحب والدفء:
-ألف هنا على قلبك يا حبيبي.
اقترب منها، وانحنى يطبع قبلة حانية على رأسها ثم على يدها، ونظر في عينيها قائلًا بنبرة يملؤها الرجاء:
-تسلم إيدك يا حبيبتي، بس علشان خاطري حاولي تهدي وماتفكريش في أي حاجة، نامي النهاردة وبكرة هجيب ماما ونيجي لكم بدري عشان نحاول نحل الموضوع بهدوء.
ردت بجدية قاطعة، لتعلن نهاية الأمر بالنسبة إليها:
-ماتتعبش نفسك يا صادق، الموضوع انتهى خلاص، هات ماما وتعال بكرة، وأنا هتصل بإخواتك البنات ييجوا بدري، ونعمل لك أحلى محشي ورقاق وبط، ونقضي اليوم كلنا مع بعض.
تنهد مستسلمًا لشدتها ثم قال:
-ربنا يصلح الحال يا أبلة.
ثم تابع وهو يشير تجاه غرفة علي:
-أنا هدخل أطمن على علي
وتطلع إلى صغيرته مسترسلاً:
-وانتِ جهزي نفسك يا دليلة.
هزت رأسها بإيماء، ثم تحركت لتجلب حقيبة ظهرها من الداخل. خطى هو نحو غرفة علي، طرق الباب وولج إلى الداخل، ليجده واقفًا عند النافذة، يرمق السماء بنظرات شاردة، غارقًا في التفكير.
تنحنح ليجذب انتباهه ثم قال:
-ممكن أدخل؟
التفت سريعًا وهتف بلهفة:
- اتفضل يا خالي.
توجها معًا نحو الفراش وجلسا على طرفه، وضع صادق يده فوق يد علي بحنانٍ أبوي، وقال بنبرة هادئة:
-خلينا متفقين إنك غلطت، بس أنا مش عايزك تقلق، أنا بإذن الله مش هتحرك من هنا غير وموضوعك محلول.
نظر إليه بيأسٍ وخيبة الأمل تفيض من عينيه الحزينتين، وأجاب بصوتٍ متهدجٍ من شدة الإحباط:
-مفيش حاجة هتتحل يا خالي، ماما خلاص قررت، وبابا بيعاقبني بسكوته ومش راضي يتدخل عشان يحل الموضوع.
صمت للحظة ثم أضاف بقلبٍ يئنُ ألمًا من وطأة اليأس:
-كده خلاص، قفلت زي لعبة الدومنة .
هتف صادق باستنكار، ممتزجًا بنبرة مازحة حاول بها تخفيف وطأة الحزن عن قلب الفتى:
-جرى إيه يَالاَ، إنت مش واثق في خالك ولا إيه؟
وتابع بغرورٍ مفتعل:
-ده أنا صادق بدران، اللي لما بيحط حاجة في دماغه مبيسبهاش إلا لما تتحقق بعون الله.
إبتسم بخفة وتابع مسترسلاً بملاطفة:
: يعني لا فاطمة ولا عشرة زيها يقدروا يقفوا في وشي، وبكرة أفكرك.
انفرجت أسارير علي وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وشعر ببارقة أمل تتسلل إلى روحه بعد كلام خاله وإصراره، وبدون مقدمات، ألقى بنفسه في أحضان خاله كنوعًا من الامتنان، شدد صادق من ضمته، وطبطب على ظهره بحنو وهو يهمس بجدية:
-ماتخافش يا علي، أنا في ضهرك، وكل حاجة هتبقى تمام.
خرج من الغرفة، تاركًا خلفه علي،وقد عاد قلبه ينبض بالحياة، بعد أن تجدد فيه الأمل من جديد.
بالخارج، تحدث إليهم بجدية:
- يلا تصبحوا على خير.
نهض عزام بصمت ورافقه إلى الباب يودعه، بينما اقتربت دليلة من عمتها لتغمرها بحضنٍ دافئ، قبل أن تقول بابتسامةٍ رائعة:
-كل حاجة هتبقى كويسة يا طنط.
ابتسمت لها بحنان بالغ، واحتوت وجهها الرقيق بين كفيها قائلة:
-خليكي كده على طول يا دليلة، حنينة وضحكتك الحلوة مالية وشك.
أومأت لها مبتسمة، ثم انسحبت لتلحق بوالدها، كان أشرف بانتظارها عند الباب،سألها باهتمامٍ:
-انبسطتِ النهاردة؟
أجابته بحماسٍ وعيناها تلمعانِ من شدة السعادة:
-انبسطت جداً، برغم إن عمتو مش مبسوطة، والأجواء حزينة شوية، بس تفاصيل اليوم ده هفضل فاكراها،وهتفضل معايا دايمًا.
اتسعت ابتسامته فرحاً بكلماتها العفوية وعقب بملاطفة:
-أي خدمة، إنتِ تؤأمري يا دليلة هانم
-شكراً... قالتها بوجهٍ زاد احمرارًا من شدة الخجل.
وقف عزام وصادق أمام الباب الخارجي للمنزل، كانت نظرات صادق تحمل مزيجًا من التردد والحيرة، التفت نحو السيد، وبلع ريقه ثم قال بصوت يقطر تقديرًا لهذا الرجل الذي يكن له قدرًا عظيمًا من الاحترام:
-حضرتك عارف ومتأكد إني بحبك وبحترمك، وبعتبرك زي أبويا الله يرحمه
وتابع متأثرًا:
-أنا مشفتش أبويا وعاشرته قد ما عاشرتك يا حاج.
ابتسم عزام براحة، وربت على كتف صادق بحنو بالغ، ونطق مجيبًا بصدق:
-ربنا يعلم بغلاوتك في قلبي يا صادق، وإنها من نفس غلاوة علي وأشرف بالظبط.
بفطنته المعهودة وخبرته في قراءة الوجوه، أدرك عزام أن صادق يمهد لحديثٍ صعب، و في جعبته كلماتٍ يخشى النطق بها،أراد أن يرفع عنه الحرج ويزيل تلك الحواجز، وبادر مشجعًا:
-قول اللي عندك يا صادق، ومتقلقش.
تنهد الآخر بارتياحٍ وكأنه كان ينتظر هذا الإذن بفارغ الصبر، ثم قال بنبرة هادئة:
-أنا عارف إن أنت زعلان من علي وعندك حق طبعاً، وأنا لو مكانك كنت هزعل، بس في الآخر دول ولادنا، ولازم نتحمل أخطاءهم، أه نشد على ودانهم ونعاقبهم، بس مش العقاب اللي يدمر حياتهم يا حاج.
توقف للحظة، ثم تابع بخجل لعلمه بحساسية الموقف:
-لازم حضرتك تتدخل يا حاج، ماينفعش تسيب الأولاد تضيع بالشكل ده، حرام، علي حالته صعبة جداً.
بدت ملامح عزام وكأنها تحمل ثقلاً كالجبال، وظهر في عينيه حزنًا عميقًا لم يستطع إخفاءه،ثم تنهد بمرارة وهو يقول:
-هو أنت فاكرني مرتاح وأنا شايف حالته دي يا صادق؟ ده البكري بتاعي وعكازي في الدنيا، بس أنا مستني لما فاطمة تاخد وقتها في الزعل وتهدى شوية،ما انت عارف زعلها صعب.
صمت لبرهةً، ثم تبدلت نبرته إلى دافئة وهو يتذكر ماضيه مع تلك الغالية، وتابع مستطردًا:
-فاطمة مش بس مراتي يا صادق، فاطمة دي بنتي البكرية، خدتها بنت 18 سنة وربيتها واتطبعت بطباعي، صعب عليا أشوفها وهي حاسة بالقهرة.
واستطرد معللاً:
- هي غلبانة وطيبة، بس عصبية شوية، ويعز عليا تشوفنا كلنا جايين عليها وواقفين ضدها.
أومأ الآخر برأسه متفهمًا، ونطق بهدوءٍ:
-إن شاء الله كل الأمور هتتصلح يا حاج.
ثم التفت إلى الخلف، فوقعت عيناه على ابنته وهي تقف بالقرب من "أشرف"،كانا مندمجين في الحديث، أشار صادق لابنته قائلًا:
-يلا يا دليلة.
جاورت أبيها فتحرك أشرف معهما خطوتين، التفت إليه صادق بابتسامة خفيفة وسأله:
-أنت رايح فين؟ ادخل ورا أبوك يلى
أصر الشاب وهو يقول:
-هوصلك لحد بيت جدتي وأرجع على طول.
رفض بحسمٍ مشيرًا بيده نحو المنزل:
-ادخل لأخوك ومتسبوش لوحده، وأنا معايا العربية.
وبعد مناقشات انتهت بفوز صادق، استقل السيارة، وجلست دليلة بجواره، وعيناها معلقتان على الأمام،غافلة عن ذلك الذي وقف مكانه يتابع تحركهما بنظرات مترقبة، ومشحونة بوعود لم تُنطق بعد، ظل واقفًا حتى اختفت السيارة تمامًا عن الأنظار.
******
بعد دقائق معدودة، توقفت السيارة في حديقة المنزل،بالكاد استقرت السيارة، حتى انطلقت دليلة تهرولُ كالفراشة نحو جدتها الجالسة على أريكتها الخشبية في الفيراندا الواسعة، ارتمت الصغيرة في أحضانها، لتستقبلها السيدة العجوز بقلب متسع وذراعين حانيتين، قائلة بنبرة تملأها الأشواق:
- نورتي البلد كلها يا بنت الغالي.
خرج صوت الفتاة سعيدًا وهي تتشبث بأحضان جدتها بحميمية:
-وحشتيني أوي يا تيتا.
سألتها المرأة باهتمام:
-أمك وأخوكِ عاملين إيه؟
أجابتها والسعادة تقفز من نبرات صوتها:
-كويسين الحمدلله.
في تلك الأثناء، كان صادق يفتح صندوق السيارة الخلفي، مستخرجاً أكياس الفاكهة وطبق الحلويات الذي ابتاعه خصيصاً لأمه، تحرك بوقار نحو الفيراندا، برغم اشتياقها الشديد له، ونظراتها المتلهفة وهي تتفرسُ ملامحهُ، إلا أنها تحدثت بلومٍ لم يخلُ من المحبة:
-لساك فاكر تيجي لأمك الوقت يا صادق؟ ده انتَ من الصبح وانتَ هنا في البلد؟
إبتسم لامتصاص عتابها، ووضع ما يحمله على إحدى الأرائك الخشبية، ثم اندفع نحوها يطوقها بحضن دافئ، طابعاً قبلة إجلال على رأسها ويدها، وقال بصوت رخيم:
-إنت دايماً على بالي يا حاجة رقية، مبتتنسيش لأنك ساكنة في القلب ودايماً على البال
راقت لها كلماته التي تشبه البلسم بنعومتها، في حين تابع هو متعللاً:
-بس غصب عني والله، ما انتِ عارفة مشكلة علي.
جلس إلى جوارها، فالتفتت إليه بضيق وقطبت جبينها قائلة بنبرة حاسمة:
-ولا مشكلة ولا حاجة، هو الموضوع خلصان خلصان. الناس دي غشت أختك وجوزها، وما ينفعش بنتهم تدخل بيتنا.
وتابعت موضحة:
-إسمعها مني، الموضوع اللي يبدأ بغش وعناد ومشاكل، عمره ما يعمر أبداً.
أراد صادق أن يطوي هذه الصفحة مؤقتاً كي لا يعكر صفو اللقاء، فقال باقتضاب:
-خير يا أمي، خير إن شاء الله.
همت السيدة بالنهوض وهي تمسك يده بحنانٍ تتكأ عليها، وتمتمت قائلة:
-هقوم أحضر لك العشا،تلاقيك جعان.
أعادها إلى مقعدها برفق وضغط على يدها بحنوٍ قائلاً:
- إحنا واكلين وشبعانين على الآخر يا ماما، خليكي مرتاحة.
ثم التفت إلى ابنته مشيراً بيده ناحية الاكياس وهو يقول:
- تعالي ندخل الفاكهة علشان تغسليها يادليلة،
نهض مع ابنته يحملان الأكياس إلى الداخل، وبعد دقائق، عاد يحمل صينية تنضح منها رائحة البن الزكية، وعليها أطباق الفاكهة والحلويات وكوبان من القهوة، جلس بجوارها بابتسامة حانية ومد لها كوبها ليقول ملاطفًا تلك الحنون:
-عملت لك فنجان قهوة إنما إيه يا حاجة، يظبط الدماغ.
تلقفت الكوب بامتنان وابتسامة رقيقة التمعت في عينيها وهي تقول:
-والله زمان يا صادق، وحشتني قهوتك وسهراتك.
قطع خلوتهما خروج دليلة من الداخل، حيث اقتربت ووجهها يشع حيوية، وقالت لجدتها:
- أنا غسلت لك الفاكهة يا تيتا وحطيتها في الثلاجة، وغسلت الطبقين اللي كانوا في الحوض ورصيتهم لك في المطبقية
وتابعت بسؤالٍ هادئ:
-عاوزه مني حاجة تاني أعملها لك؟
أشارت السيدة إلى المساحة الفارغة بجوارها على الأريكة، وقالت بابتسامة حنون:
- تعالي اقعدي جنبي يا دليلة.
ثم التفتت إلى صادق، وتأملت ملامح دليلة التي نضجت، وقالت بلهجة ذات مغزى:
-بنتك كبرت وبقت عروسة يا صادق.
ارتسمت إبتسامة صافية على وجهه وهو ينظر إلى ابنته التي كسا الحياء وجنتيها فاحمرتا خجلاً، وقال بنبرة خرجت جادة:
-عروسة مين بس يا ماما؟ دي لسه مشوارها طويل في التعليم.
لوحت السيدة رقية بيدها في الهواء معترضة بتهكم:
- يا اخويا بلا علم بلا غيره، هما اللي اتعلموا كانوا خدوا إيه يعني؟ البنت مكانها بيت جوزها.
قال وهو يشمل وجه ابنته بتفاخرٍ وأمل:
-دي هتبقى الدكتورة دليلة صادق بدران،ومش هرضى بأقل من كده.
-إن شاء الله يا بابا....قالتها الفتاة بصوتٍ يملؤه الحماس، اندمجوا جميعاً في سهرتهم وفي أحاديث لا تنتهي، بعد مدة انسحب صادق إلى الداخل ليغفو في غرفته القديمة، بينما دثرت دليلة نفسها في الفراش إلى جوار جدتها، تتنعم بدفء أنفاسها.
******
جلس بمفرده في تلك الغرفة المؤقتة التي خصصتها إدارة العمل له ولزملائه، ما إن علم أصدقاؤه بأنه سيهاتف حبيبته، حتى غادروا الغرفة بهدوء تاركين له بعض الخصوصية، بينما كان زميله يحيى منهمكًا في وردية عمله الليلية، على الجانب الآخر، كانت تجلس في غرفتها، والشوق ينهش قلبها، فمنذ إنتهاء العام الدراسي، وهي لم تعد تراه كما في السابق، فجأة، قطع رنين الهاتف سيل أفكارها،انتفضت تجيب لعله حبيبها، بالفعل كان هو المتصل، وما ان استمعت لصوته الحنون حتى هتفت بنبرة تقطر لهفة:
-رشيد، وحشتني أوي
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة بددت عناء يومه، وأجابها بصوتٍ حنون:
-وانتِ كمان وحشتيني قوي يا نهلة.
تسلل الحزن إلى صوتها مجددًا، لكنه تلك المرة مغلفًا بدلالٍ أنثوي وهي تعاتبه:
-هو انتَ ما قربتش تنزل إجازة بقى؟، انت وحشتني وعاوزة أشوفك.
إنطلق صوت ضحكاته الساخرة، ثم تحدث بملاطفة:
-أجازة إيه يا بنتي اللي عوزاني أخدها، هو أنا لسه كملت ثلاث أيام على بعض؟!
لوت شفتيها بدلال طفولي وقالت بعناد:
-ماليش دعوة، أنا عاوزة أشوفك، خلاص، سيب الشغل ده وارجع
تنهد براحة وهو يستمع إلى مشاغباتها التي يفتقدها، وقال محاولًا تهدئتها:
-بطلي دلع يا نانا، المفروض انتِ اللي تقويني، مش تقولي لي سيب الشغل وتعالى؟
ثم ضحك بصوت مسموع ليهون عليها مرارة البعد، وتابع بملاطفة:
-ده إيه بنات آخر زمن دي، فين أيام ما كانت البنت تشجع حبيبها علشان يشتغل أكتر من شغلانة ويكون نفسه بسرعة عشان يتجوزوا؟ إنما دلوقتي خلاص، كل واحدة تحب واحد عاوزه تقعده جنبها عشان يحب فيها براحته
وتابع ساخرًا:
-بنات اليومين دول طباعهم اتغيرت خالص.
اشتدت سعادتها لمشاغبته لها، وردت بنبرة تتحدى ملاطفته:
-أنت زعلان عشان بحبك وما بقدرش على بعدك؟ ده أنتوا اللي رجالة آخر زمن.
انخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر حنانًا وعمقًا، وقال بصوتٍ هائم:
-عمري ما أزعل منك لأي سبب يا نانا، وحشتيني.
سألته بلهفة عاشقة تريد التأكد من مكانتها في قلب مالك لُبها:
-بجد يا رشيد؟ وحشتك بجد؟
أجابها بصوتٍ يقطر حنانًا وهو يسألها:
-إنتِ عندك شك في كده؟
ضحكت بدلال وهي تشعر بانتصار حبها، وقالت بنعومة:
-لأ، بس بحب أسمعها منك كل شوية
واسترسلت بنبراتٍ تقطر رجاءًا:
-إوعى تبطل تحبني يا رشيد، أوعى يفوت يوم من غير ما تقول لي فيه بحبك ومقدرش أستغنى عنك يا نانا، وحتى بعد ما نتجوز، مش تبطل تقولها لي أبداً.
أجابها بقلبٍ يرفرف من شدة سعادته:
-وعد مني،لاحطك جوة قلبي واقفل عليكِ يا نانا.
بدت كفراشةٍ حالمةٍ تهيمُ في الحقول، تتراقصُ فوق بتلاتِ الزهرِ، وتنهلُ بشغفٍ من شهدِ الغرام، استرسلا حديثهما الحالم،ومر الوقت دون أن يشعرا، حتى قطعت خلوتهما طرقات على الباب، دخل أصدقاؤه الغرفة، وصاح "سامر" يمازحه بصوت عالٍ:
-جرى إيه يا عم الحبيب؟ خف شوية عاوزين ننام، عندنا شغل بكره بدري
شعر بالحرج، فخفّض صوته وهمس في الهاتف:
-أنا مضطر أقفل يا حبيبتي، وهكلمك بكرة إن شاء الله.
تبدلت نبرتها إلى اللوم مجددًا، وقالت بعتابٍ مستتر:
-مش لو معاك موبايل، كنت كلمتني وأنت بتتمشى على البحر؟
أطلق زفرة اعتراض صغيرة بفمه، وقال بقلة صبر مصطنعة:
-وبعدين؟ هنرجع تاني لنفس الموضوع؟
تراجعت سريعًا لتيقنها أن هذا النقاش يزعجه، فقالت بلهفة متراجعة:
-خلاص، سكت أهو، متنساش تكلمني بكرة.
التمعت عيناه بوهج الغرام، وهمس بنبرة خافتة حتى لا تصل كلماته إلى أصدقاؤه:
-أنا أنسى عمري ولا أنساكِ يا نانا.
أغلق الخط، فوضعت نهلة الهاتف على صدرها، لفت حول نفسها بسعادة ثم ارتمت على فراشها بحالمية، مستسلمة لدفء كلماته وعالمًا شاسعًا من الغرام، لا يسعه سوى قلبه العاشق، وقلبها المتيمُ.
******
انقضى الليل وأشرقت شمس يوم جديد، حاملةً في طياتها آمالاً وأحلامًا رائعة لقلوب العاشقين، استيقظ صادق برفقة أمه وابنته وما هي إلا دقائق حتى جهزت الأم مائدة الإفطار بمساعدة الفتاة، ليجلس الثلاثة في الفراندا يستنشقون نسمات الصباح، دخل أشرف من البوابة الكبيرة، كانت عيناه تبحثان عنها، وما أن وقعتا على دليلة حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية، كانت تجلس بعفوية، تاركةً خصلات شعرها تنساب خلف ظهرها في مشهد خطف أنفاسه،بمجرد أن رأته حتى انتفضت لتسحب حجابها بسرعة لتداري به شعرها،إبتسم من أعماقه على خجلها، لاحظ صادق نظرات ابنته المعلقة صوب البوابة، فالتفت ليجد أشرف واقفًا، شعر بضيق لكونه رأى ابنته دون حجابها، لكنه سرعان ما تجاوز الأمر ونحى ضيقه جانبًا، تقدم منهم قائلًا بعتاب مرح:
-انتوا بتفطروا هنا ليه؟ دي ماما وخالاتي مجهزين الفطار وقاعدين مستنيينكم.
أشارت له رقية وقالت بعفويتها المعهودة:
-اقعد يا وَلاَ افطر معانا.
تظاهر بالخوف وهو يجيبها:
-ما أقدرش ، انتِ عايزة فاطمة تديني مخالفة؟
انطلقت ضحكة عذبة من بين شفتي دليلة،قبل أن تقول بمشاغبة:
-هو انتَ على طول خايف كده من مخالفات طنط فيفي؟
رفع يديه استسلامًا وضحك قائلًا:
-حكم القوي على الضعيف يا بنتي.
تدخلت رقية في الحوار وهي تبتسم بخبث،وقالت بنبرة متهكمة على حفيدها:
-يارب فاطمة تسمعك عشان تديك الموشح المعتبر، وتقلبها لك مناحة زي كل مرة.
رد سريعًا برهبة فكاهية:
-طب ليه الدعوة دي بس يا حاجة رقية؟ ده أنا بحبك والله.
أجابته بممازحة:
-وأنا بحب فاطمة يا سيدي.
نظر مباشرة إلى أعماق عيني دليلة،مستغلاً انشغال صادق في الطعام، وقال بنبرة ذات مغزى:
-طب ما كده إحنا متفقين،لأن أنا كمان بحبها.
خفضت دليلة عينيها نحو طبقها بخجل، معتبرة كلماته مجرد مزاح عابر ولم تعر الأمر انتباهًا كبيرًا.
أبلغته رقية قائلة:
-طالما مش هتفطر، يبقى روح قول لها إننا هنخلص فطار ونيجي وراك على طول.
استدارت دليلة نحو والدها وأمسكت كفه، ثم نظرت إليه بعينين تفيضان بالرجاء وهي تتوسل إليه:
-وحياتي يا بابا خليني أروح مع أشرف عشان أشوف طنط عايدة وطنط أماني، أصلهم وحشوني أوي.
نظر إليها بتأمل، ثم ابتسم قائلًا:
-خلاص روحي.
هرولت إلى الداخل، أبدلت ملابسها على عجل، ثم خرجت لتسير إلى جواره، أثناء سيرهما في الشارع، التفت إليها وسألها:
-تحبي تاكلي آيس كريم؟
خرجت ضحكة رقيقة وتحدثت بصوتٍ ناعم :
-هو انتَ كل مرة هتشوفني فيها هتجيب لي آيس كريم؟
أجابها بصوتٍ خفيض يقطرُ حناناً، كأنه يهمس لقلبها مباشرة:
-وإيه المشكلة؟ أي حاجة عايزاها في أي وقت قولي لي أجيبها لك، أنا موجود، ودايمًا هكون موجود يا دليلة.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة،وقالت ممتنة:
-متشكرة، بس خلينا بعد العصر، الجو بيكون حر في الوقت ده، والآيس كريم بيبقى لذيذ.
تطلع إلى عينيها بتمعن ونظرة تحمل معانٍ ووعودًا
لم يدركها عقلها، وعجزت عفويتها الفطرية عن استيعابها:
-الآيس كريم لذيذ في كل حالاته وأوقاته يا دليلة.
تابعت السير بجانبه بعفوية براءة الأطفال، لم تفهم تلميحاته الخفية ولا عمق نظراته التي تلاحقها منذ أن وطئت قدميها أرض القرية، وما إن وصلا، حتى
ارتمت بين أحضان عمتيها اللتين استقبلتاها بلهفة وحفاوة، كانت العائلة كلها مجتمعة، انهمكت النساء في إعداد الطعام بحماس، وكأنهن يجهزن لوليمة كبرى، في هذه الأثناء، كان صادق قد استقل سيارته وأحضر والدته، لينضم إلى الجمع، مر اليوم في المناقشات العائلية، والمداولات التي لا تنتهي حول زواج علي.
احتدت نبرة عايدة وهي تقول بصرامة قاطعة:
-والله يا صادق أنا شايفه إن الموضوع ده لازم ينتهي من دلوقتي أحسن،
وتابعت مفسرة تخوفها:
-العيلة دي باين عليهم متسلطين، وهيتعبوا أختك وابنها معاهم.
واسترسلت بتخوف:
- وابنها اللي فرحان ومبهور بالجوازة دالوقتي،لما يتجوزها هيزهقوا ويطهقوه في عيشته.
وتابعتْ مستعينةً بالمثل الشعبي المأثور بلهجة حملت الكثير من التهكم:
-ده المثل بيقول اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها، واللي اسمها نعمة دي ولية متعنطزة وشايفة نفسها على الفاضي، ومتحكمة في جوزها وعيالها وعملاهم زي اللعبة في إيديها
وتابعت لتشعل النار أكثر:
-وكمان شوية الست داليا هتقلدها، وعلي يبقى شخشيخة في إيديها تعمل فيه ما بدالها، وابقى قابليني لو نزل البلد هنا تاني، ولا حتى عرف أهله بعد كده.
التفتت فجأة نحو فاطمة، ورمقتها بنظرة حادة وهي تشحنها بالكلمات للثبات على موقفها:
-وتبقى ربي يا خايبة للغايبة.
كانت كلماتها كزيتٍ مغليٍ أُلقيَ على نار فاطمة المستعرة،فزاد من لهيبها، شعرت بالخطر يداهم نجلها، لذا هتفت بحسمٍ وهي تلتفت للحضور:
-خلاص يا جماعة، الجوازة دي أنا مش عايزاها، متلزمناش خلاص.
في تلك اللحظة، فُتح الباب وخرج علي من غرفته. كان قد قضى الوقت بالداخل يغلي غضبًا، رافضًا حضور هذا الاجتماع الذي يجلس فيه الجميع ليقرروا مصير حياته نيابةً عنه، وقف شامخًا، لكن ملامحه كانت توحي بإنهاكٍ روحيٍ شديد.
ثبت عينيه في عيني والدته وقال بنبرة حادة غلفها انكسارٍ دفين:
-ريحي نفسك يا ماما، أنا هكلم داليا دلوقتي وأقول لها تبلع بباها إن الموضوع خلاص انتهى.
صمت لبرهة، ثم أردف بقوة حاسمة حملت في طياتها عتابًا مريرًا:
-أظن كدا أنا ريحتك ومبقاش فيه داعي للحفلة اللي انتِ عملاها دي كلها.
كانت كرامته تنزف، شعر بإهانة بالغة، وبأنه صغر جدًا أمام الجميع وأمام نفسه، لم يعد يحتمل هذا العبث، وقرر أن يفض هذا اللغط حتى لو كان الثمن هو خسارة حب عمره، لم يتمكن صادق من الصمت أكثر، وقف في مواجهة فاطمة، وصرخ فيها بقلبٍ يملؤهُ الأسى:
-حرام عليكِ يا شيخة، إنتِ جبروت؟!، هو ابنك مش صعبان عليكِ؟!
تسمرت في مكانها بصدمة، تحت هطول دموع دليلة التي انزوت جانبًا واضعة يدها فوق فمها تكظم بها شهقاتها،بينما هرول أشرف نحوها ليرتمي تحت قدميها بقلبٍ منكسر، سبقته دموع عينه، شعر بنزيفًا حارًا يخترق قلبه،وغصة مريرة وقفت بحلقه، وهو يرى شقيقه الأكبر، سنده والحامي له، وهو يتجرع كأس الذل ويهوي إلى هذا الحد من الهوان والانكسار، امتدت يداه المرتعشتان تقبلان كفيها،وانطلق صوته مخنوقاً، يفيض برجاءٍ مرير:
"وحياة أغلى حاجة عندك لتوافقي وتنهي المهزلة دي يا ماما، كفاية عناد لحد كده.
صمت لثانية، ثم مال برأسه يطالعها بتوسلٍ، وتابع بهمسٍ متهدج يحمل وجع العالم كله:
-ده علي يا ماما، إزاي هان عليكِ تصغريه وتكسريه قدام الكل بالشكل ده؟
ببرودٍ قاتل وجفاء صدم قلبه، سحبت كفيها ببطء من بين يديه المتوسلتين، وتجمدت ملامح وجهها تمامًا، كقناع صخري لا يخترقه لين ولا تلمسه رحمة، لكنها شعرت فجأة بتمزقٍ في قلبها وهي ترى طفلها الكبير يجري نحو الهاتف لينهي كل شيء مع داليا.
هرول مدفوعًا بيأسه،وأمسك سماعة الهاتف، لكن صوت والده استوقفه حين ناداه بنبرة هزت أركان المكان:
-استنى يا علي.
تسمرت قدماه في مكانها، فتقدم منه عزام بخطواتٍ هادئة وواثقة، تحمل من الهيبة ما يكفي لزلزلة كيان الشاب، ثم رمقه بنظراتٍ اخترقت جدار صمته،وتمتم قائلًا بنبرةٍ تقطر لومًا حارق:
-حاسس إنك تايه يا علي؟ زعلان عشان إحنا وخالاتك وجدتك قاعدين بنخطط وبنرسم لك مستقبلك؟! حاسس إنك مش قادر تاخد قرار ولا ليك أي سلطة مع إن الموضوع يخصك؟!
سكت عزام للحظة، لكن عينيه لم ترحما ارتباك ولده، وتابع بنبرة تقطرُ مرارةً:
-وكل ده كان فين وإنت رايح تتفق مع الناس ولاغيني من حياتك
وتابع بذات مغزى:
-ما أنتَ كمان تخصني يا علي.
واسترسل بأعين غاضبة:
-روحت قعدت مع الناس، اتفقت ووعدت وخطط ولا كأن ليك أب.
تعمق بعينيه ليهرب الشاب من نظراته الجالدة خجلاً وانكسارًا، ليستطرد عزام حديثه بوجع مكتوم:
-ده انتَ حتى ما عملتش حساب لكرامتي قدام نسايبك، ولا لشكلي هيكون إيه قدامهم وإنت مستغفلني؟!
رفع رأسُه أخيرًا، وتلاقت عيناه بعيني والده، وقال بصوت مخنوق يملؤه الندم والتوبة:
-أنا عارف إن حضرتك بتعاقبني، وعارف إني غلطت وأستاهل العقاب
مال برأسه وهو يتوسله بأعين امتلئت بالدموع:
- بس أرجوك يا بابا كفاية.
تنهد باستسلام شديد، كأن روحه تسحب من جسده، وتمتم:
-أنا تعبت.
شعر بنصل سكين يغرس بقوة داخل صدره، في لحظة حسم أمره، وبلهجة حازمة تحدث إليه:
-اتصل بنسايبك قول لهم إن الجوازة هتم في نفس الميعاد، وفي شقة المنصورة،زي ما اتفقت معاهم.
اتسعت عينا علي بصدمةٍ امتزجت ببريقِ فرحةٍ لم تكتمل، إذ شق سكون المكان صرخةُ فاطمة التي انتفضت من مكانها واقفةً، وهي تهتف باعتراضٍ صارخ:
-إنت بتقول إيه يا حاج؟!
إلتفت إليها ورمقها بنظرة حاسمة ألجمت الكلمات في حلقها، وقال بصوت صلب لا يقبل النقاش:
-اللي سمعتيه يا فاطمة، أنا قولت قراري خلاص.
تبدلت ملامح فاطمة، وتراجعت خطوة للوراء، لكن عنادًا غريبًا وقوة مفاجئة لمعت في عينيها وهي ترد بصلابة:
-وأنا مش هكسر كلمتك يا حاج، بس أنا ليا شرط، ومن غيره الجوازة دي مش هتتم.
