رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73 هى رواية من كتابة منال سالم رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73

رواية فوق جبال الهوان بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والسبعون 73

الفصل الثالث والسبعون (الجزء الأول)
ما زالت عيناه مرتكزتان على الشباك الخشبي الموارب لبيتها، مراقبًا لحظة ظهورها، وكأن في تواجدها بصيص الأمل للظفر بمن استعصت عليه. مال أحد أتباع "زهير" عليه ليخرجه من تحديقه الشديد متسائلًا:
-أي أوامر يا حاج "صالح"؟
اسم لم يعتد بعد على سماعه؛ لكنه مضطر إلى استخدامه، وإلا انكشف أمره، وضاع كل ما يخطط له هباءً. قطب جبينه مستطردًا:
-اطلع عند الحاجة اللي فوق، اللي ساكنة في الشقة دي...
وأشار بيده إلى شُباكها، ثم تابع في هدوءٍ ماكر:
-اديها لفة اللحمة من اللي الجزار جهزها، واسألها إن كانت عايزة حاجة تانية، ولا ناقصها حاجة تقول ما تتكسفش، أنا موجود، أنا رقبتي سدادة لكل أهل الحتة.
رد في طاعةٍ:
-عينيا يا حاج "صالح".
انصرف بعدها لينفذ أمره غير المردود بالذهاب إلى القصاب، وانتقاء أفضل قطع اللحم لإعطائها لتلك المرأة، فيما لاحقه بنظرته منتظرًا بصبرٍ محدود نتائج تلك الزيارة المرتب لها.
..................................
أنهكها العمل المنزلي، فجسدها الذي يحارب تقدم العمر يكافح لإتمام ما اعتاد على تأديته كل يوم بنفس الكفاءة، وإن استغرقت وقتًا أطول من المعتاد. جلست العمة "رضا" على الأريكة لتستريح قليلًا، جففت عرقها المتجمع عند جبينها بمنديل قماشي كان بحوزتها. أدارت رأسها جهة الباب عندما سمعت الطرقات عليه، ردت وهي تدفع جسدها للأمام لتنهض:
-أيوه يا اللي بتخبط.
تحركت صوبه بخطواتٍ متمهلة، وتساءلت مجددًا دون أن تفتحه:
-مين؟
أجابها من بالخارج في صوتٍ مرتفع لتتمكن من سماعه:
-أنا يا ست الكل جايلك من طرف الحاج "صالح الناجي"، صاحب محل كماليات العربيات اللي فاتح قصاد العمارة.
ما إن اطمأنت لهويته حتى قامت بفتح الباب، استندت بذراعها على إطاره الخشبي، ثم وقفت قبالته تُطالعه بنظرة فاحصة، والأخير لا يزال يخاطبها:
-اتفضلي يا حاجة اللحمة دي علشانك.
خفضت بصرها نحو العلبة البلاستيكية المغلفة بالورق الشفاف متسائلة في دهشةٍ واضحة:
-عشاني؟
أكد لها باسمًا:
-أيوه، والحاج "صالح" موصيني لو احتجتي لأيتها شيء عرفيه بس وهو هيتكفل بيها.
أخذتها منه مرددة في امتنانٍ كبير:
-كتر خيره يا ابني، اشكرهولي، وربنا يكتر من أمثاله.
فرك مقدمة رأسه معقبًا:
-تعيشي يا حاجة...
ثم سألها مستوضحًا:
-ما تشرفتش باسمك؟
أجابته بابتسامةٍ لطيفة:
-الحاجة "رضا".
رد عليها بجديةٍ:
-عاشت الأسامي يا حاجة، تؤمريش بحاجة قبل ما أمشي؟
قالت نافية:
-لأ يا ابني، تسلم وتعيش.
أشار لها بيده قائلًا فيما يشبه الأمر:
-طب اقفلي يا حاجة.
ودعته بوديةٍ، وأغلقت الباب لتنظر إلى شرائح اللحم الطازجة وهي تتساءل في تعجبٍ:
-هو في ناس كده في الزمن ده؟
لم تشغل بالها بالتفكير كثيرًا في إيجاد التفسير لهذا التصرف غير الاعتيادي، ومالت لكفة اعتبار هذه المسألة بادرة خيرٍ منه. سرعان ما اتجهت إلى المطبخ لتحتفظ باللحم في الثلاجة داعية له:
-ربنا يفتحها في وشه.
....................................
نادته بضعة مرات ليتناول الطعام الذي أعدته وتركته على مائدة السفرة؛ لكنه على ما يبدو كان مستغرقًا في التفكير للدرجة التي جعلته ينفصل ذهنيًا عما حوله. سارت "سميحة" نحو ابنها، وضعت برفقٍ يدها على كتفه، فانتفض منتبهًا إليها، ابتسمت في ألفةٍ وسألته بتحنانٍ أمومي:
-إيه اللي شاغل بالك يا حبيبي؟
تنهد بزفيرٍ ثقيل، فأدركت أن الموضوع الذي يكبته في صدره لا يُطاق، سألته مستعلمة باهتمامٍ:
-حد من أعمامك ضايقك تاني في الشغل؟
رد موضحًا:
-أنا مخلص كل حساباتي معاهم، مالهومش حاجة عندنا.
انتابها القلق، فسألته مباشرة، كما اعتادت أن تكون صريحة معه:
-أومال في إيه؟ موضوع "إيمان" برضوه؟
غامت ملامحه حين أجابها:
-بصراحة ماشوفتش في خسة حماتها، بني آدمة بشــعة.
تفهمت الآن سبب الضيق البادي عليه، وأخبرته في شيءٍ من الدعم المعنوي:
-الحمدلله إن ربنا نجاها منها...
لتبدو ملامحها مليئة بمظاهر البشاشة وهي تخبره:
-لما الدنيا تستقر عندها شوف إنت حابب تعمل إيه، وأنا معاك.
على الفور فهم المغزى وراء جملتها تلك، هي لم تكن منذ البداية ممانعة من ارتباطه بها، بل كانت مرحبة بهذه العلاقة رغم عدم زواجه بامرأة، تاركة له حرية الاختيار. تبددت علامات التجهم من على قسماته وردد في حبورٍ:
-ربنا يخليكي ليا يا ماما.
مرة أخرى أكدت له بمحبةٍ صافية:
-أنا كل اللي يهمني سعادتك، وإنك تلاقي الإنسانة اللي تكون الحضن الدافي ليك، وخصوصًا بعد ما أموت.
انقبض قلبه من جملتها الأخيرة، وصاح مستنكرًا:
-بعد الشر عنك، ما تقوليش الكلام اللي يزعل ده.
لترد عليه بنبرة راضية:
-يا حبيبي دي سنة الحياة...
ثم قامت بتغيير الحديث إلى مسألة الطعام، فدعته لتذوقه قائلة:
-تعالى يالا علشان تدوق المسقعة وتقولي رأيك.
نهض من موضع جلوسه، وتأبط ذراعها مادحًا في ثناءٍ مشوب بالابتسام:
-ده إنتي طبيخك يا ماما لا يُعلى عليه.
....................................
نظرتها الشاردة التي لا ترى شيئًا مما يبث على شاشة التلفاز، أكدت أنها لجأت إلى ادعاء اهتمامها بمتابعة ذلك البرنامج الحواري لتجنب النقاش في مسألة إحراجها على الملأ جراء وقاحة وتبجح طليقها ووالدته سليطة اللسان، كانت بحاجة لأكبر قدرٍ من الإلهاء لتغطي على ما يستثير مشاعرها، ويجعلها فريسة عواصف أفكارها المستاءة. انتبهت "إيمان" إلى شقيقتها التي كانت تسألها بتعاطفٍ بعدما جاورتها في جلوسها على الأريكة:
-مزاجك عامل إيه دلوقت؟
ردت بعد تنهيدة بطيئة:
-الحمد لله.
مدت "دليلة" يدها، وأمسكت بكف شقيقتها، مسحت عليه بحنوٍ، وخاطبتها:
-مش عايزاكي تضايقي من اللي حصل، إنتي عارفة إنهم ناس معندهاش دم ولا إحســاس، وما بيصدقوا يعيبوا في اللي قصادهم.
ابتلعت "إيمان" غصة قاسـية في حلقها معقبة بمرارةٍ وألم:
-اللي مزعلني إني كنت مخدوعة فيه، إني إديته حبي ومكانش يستحقه.
لاحت ابتسامة شامتة على ثغر "دليلة" وهي تخبرها:
-أهو ربنا انتقاملك منه، وإن شاء الله يشوف بهدلة ماشفهاش في حياته هو وأمه الحربوئة.
هزت رأسها متمتمة:
-يا رب.
أرادت "دليلة" ألا تترك شقيقتها مرهفة الحس تغوص في بوتقة أحزانها مجددًا، فسألتها في عبثيةٍ:
-صحيح ماقولتليش، أخبار الأستاذ "عادل" إيه؟
ضيقت عينيها تُبادلها السؤال بآخر متشكك:
-ماله؟
غمزت لها بطرف عينها مستفسرة:
-إيه؟ مكالمكيش من ساعة اللي حصل؟
حمحمت قائلة بشيءٍ من الارتباك الخجل:
-لأ اتصل.. يعني كان عايز يطمن عليا وكده.
مطت "دليلة" فمها في إعجابٍ، وقالت وهي تغمز مرة ثانية بطرفها:
-الظاهر عوض ربنا جاي قريب.
وراحت تحاكي حركات "عادل" وتقلد نبرته بشكلٍ طريف، فنهرتها "إيمان" هاتفة في تحيزٍ:
-بطلي غلاسة! 
لتدير الدفة نحوها بجملتها هذه:
-ولا أقولك ركزي مع العمدة بتاعك.
حاولت التحدث بجديةٍ وهي تؤكد لها:
-احنا خلاص متفقين على الانفصال، إنتي ناسية ولا إيه؟
ردت ساخرة منها:
-أه طبعًا، واضح إن ده هيحصل.
أثارت حفيظتها بعبارتها تلك، وسألتها في توترٍ:
-إنتي بتتريقي؟
وقتئذ أكدت لها شقيقتها لتصغي هذه المرة إلى نداء قلبها، وتتوقف عن عنادها الأحمق:
-يا بنتي إنتي بتضحكي على مين؟ هو واقع لشوشته ودايب فيكي، وإنتي مش شايفة غيره، وقريب هنلاقيكي شادة الرحال ورايحة معاه آخر الدنيا.
زمت "دليلة" شفتيها هاتفة في تذمرٍ طفولي:
-بس بقى، أنا مش بحب كده.
ضحكت "إيمان" في استمتاعٍ، فعندما يتم محاصرة شقيقتها، وكشف أمرها، تلجأ إلى أسلوب الحدة والعصبية، لتغطي على ما ينتابها من مشاعرٍ مربكة. رفعت حاجبها للأعلى وأضافت بتسليةٍ:
-إنتي مش محتاجة تقولي حاجة، وشك كاشفك يا حبيبتي.
تهربت "دليلة" من نظراتها التي تكشف أمرها بسهولة، وتقرأ ما يجول في نفسها مدعية بعبوسٍ مصطنع:
-أنا هقوم أساعد ماما.
لترد الأخيرة ممازحة:
-ماشي يا قُرة عين العمدة.
رمقتها "دليلة" بنظرة مغتاظة، وهتفت بنفس الأسلوب المازح وقد سحبت وسادة الأريكة لتقذفها في وجهها متعمدة استفزازها:
-طب يا بتاعة الأستاذ "عادل"!!
تأوهت "إيمان" من الضربة المباغتة، وصاحت تتحداها:
-بقى كده، والله ما أنا سيباكي..
ثم أخذت كلتاهما تركضان خلف بعضهما البعض تمرحان وتضحكان في سرور، وكأن مشاكل العالم انقضت بعد تلك الفضفضة العفوية بين الشقيقتين.
.......................................
على المقهى القريب، استعاد العامل أكواب الشاي الفارغة من أمامه، ليمنحه "غيث" نفحة من المال نظير خدمته، فسعِد كثيرًا من معروفه، وانصرف وهو يدعو له بسعادةٍ، فيما فرغ "وهبة" من تدخين نارجيلته، ليترك المبسم على طرف الطاولة الدائرية متسائلًا:
-ناوي على إيه يا كبيرنا؟
زوى الأخير ما بين حاجبيه مستفهمًا:
-في إيه؟
أوضح له بصيغة تساؤلية:
-هتفضل جاعد إهنه، ولا عتعاود مع جماعتك للبلد؟
كان الوقت على الأرجح غير مناسب للمغادرة، فما زال قلبها يتصارع مع عقلها لتحديد مصير زواجهما المعلق. نفخ "غيث" قائلًا بتعبيرٍ متبرم:
-لسه جدامي شوي.
تابع "وهبة" هاتفًا:
-أني عندي مصلحة هسافرلها البلد كام يوم، عاوز حاجة أجيبهالك من إهناك؟
ليخبره بإيماءة موجزة من رأسه:
-تعيش يا واد عمي.
أكد له رفيقه بترحابٍ:
-التكية مفتوحالك يا كبير، تجعد فيها زي ما تحب، إنت صاحب مكان.
مد ذراعه ناحيته ليربت بيده على كتفه مرددًا:
-مش محتاج تجول يا "وهبة".
أخرج رفيقه من جيب جلبابه مفتاحًا تركه تجاه "غيث" مفسرًا:
-صحيح، ديه مفتاح شُجة المرحوم "فارس" بعد ما غيرت الكالون، أبجى اديهم للحاجة.
لوهلةٍ تجعدت تقاسيم وجهه كتعبيرٍ عن انزعاجه، فالإتيان على ذكر فقيد العائلة الذي راح ضحية الغدر ليس بالأمر الهين، فمعه تتجدد الذكريات والأحزان. أخذه من على الطاولة متمتمًا بتجهمٍ ملحوظ:
-ماشي.
..................................................
رفضت بإباءٍ وعناد الانسحاب من تلك المعركة الخاسرة، ليس لأنها غير قادرة على الدفع وسداد المتأخرات المادية المُدان بها ابنها، وإنما لأن في ذلك إهانة كبيرة لشخصها، وانتقاصًا من شأنها، وهي التي اعتادت أن تعامل تلك اللعينة بتكبرٍ وغرور. صاحت "نجاح" في عصبيةٍ، وهي تتطلع إلى المحامي المنوط بتولي قضية ابنها المحبوس:
-شوفلك حل غير ده يا أستاذ!
قبل أن ينبس المحامي بكلمة لتوضيح طبيعة موقفه القانوني، تفاجأ بها تهينه بوقاحةٍ:
-أومال بس عبقري في القانون، جهبز في القضاء!!
رد عليها باعتراضٍ:
-يا مدام مافيش داعي للأسلوب ده، قضية ابنك الحكم فيها نافذ.
تدخل زوجها لتهدئتها قائلًا:
-بالراحة يا "نجاح" شوية، الأمور ما تتحلش كده؟
صاحت فيه هو الآخر بانفعالٍ:
-أومال عايز تخلي وش البومة دي تكوش على كل حاجة كده بالساهل؟
بحدةٍ صرخ فيها زوجها ليلزمها حدها:
-اسمعي الأستاذ هيقول إيه بقى!!!
اضطرت أن تبتلع لسانها وتصمت، ليبدأ المحامي في إيضاح تبعات عدم أخذ تلك النوعية من قضايا الأسرة بجدية تامة:
-إنتو من الأول استهترتوا بالقضايا المرفوعة، وحضرتك بالذات طنشتي تتابعيها رغم إن اتبعت لابنك أكتر من استدعاء، والمحكمة اعتبرت ده نوع من الاستهزاء بيها، فحكمت لصالح الطرف التاني.
مرة أخرى صرخت "نجاح" في حنقٍ شديد:
-برضوه هيقولي أنا السبب؟!!!
ثار زوجها في وجهها ليوبخها بعدما فاض به الكيل:
-ما تسكتي بقى يا "نجاح"، احنا جايين نحلها مش نعقدها أكتر ما هي متعقدة!!!
بغضبٍ صريح دمدمت:
-أهوو، هحط الجزمة في بؤي وأسكت!!
نظر لها زوجها شزرًا، والتفت إلى المحامي يسأله: 
-يعني ناهية الموضوع ده إيه؟
رد المحامي مباشرة وهو يوزع نظرته بين الاثنين:
-من الآخر كده يا الدفع، يا الحبس! شوفوا إنتو عايزين تعملوا إيه.
كزت "نجاح" على أسنانها في غلٍ، وهتفت وهي تضرب بيدها على سطح المكتب الزجاجي:
-منها لله بنت "عيشة"، إلهي لا تكسب ولا تربح .............................................. !!
............................................
كان من المفترض أن تكون هذه الرحلة فريدة من نوعها، يمضي فيها الأب مع ابنته أطيب الأوقات، خاصة بعد أن استقر الاثنان في هذا البلد الأوروبي بالأموال التي استطاع "مدحت" التحصل عليها بالاختلاس والتدليس وورط فيها كبديل عنه ذلك الطماع الأحمق الذي منحه لقب زوج ابنته؛ لكن كان للقدر رأي آخر، فانتهى بهما المطاف في قاع المحيط.
الهواء العاصف المحمل بالتراب والأغبرة جعل من الصعب على فرق البحث والإنقاذ الوصول إلى موقع ذلك الحادث المؤسف الذي وقع قبل يومين، وأسفر عن وفاة جميع الركاب المسافرين عبر هذه الرحلة الداخلية. تولى الضابط المنوط بكشف ملابسات الحادث جمع المعلومات الأولية، فاتجه إلى أحدهم يستعلم منه:
-هل نجا أحدهم من حُطام الطائرة؟
أجابه بوجهٍ يسوده الحزن:
-أبلغني مسئول وحدة الإنقاذ بمــقتــل الجميع.
تنهد الضابط مهمهمًا:
-من كان يتوقع أن يصاب المحرك بهذا العطل المفاجئ، وتسقط الطائرة في المحيط.
ليرد عليه في وجومٍ:
-إنها كارثة بكل المقاييس.
أطبق على شفتيه للحظةٍ، وأخرج مفكرة صغيرة من جيبه ليردد في عزمٍ:
-لنحاول الآن معرفة المزيد عن الضحايا.
....................................................
أوصــاه الطبيب بعد فحص روتيني بضرورة الانتباه لإصابة رأسه حتى يتعافى سريعًا، ولا يسبب الإهمال بمضاعفاتٍ غير ضرورية له. نظر "غيث" إلى الوصفة الطبية الجديدة بنظرة مزعجة؛ لكنه مرغم على الالتزام بتعاطــي ما جاء فيها لإكمال شفائه. أثناء طريق العودة إلى المنزل الذي تقطن به زوجته مع أسرتها، ابتاع أيضًا بعض الفاكهة الطازجة. 
دق على الباب، وانتظر بشيء من اللهفة قيام "دليلة" بفتحه واستقباله. خابت آماله عند رؤيته لأمها، ومع ذلك ابتسم بها بتهذيبٍ، وألقى عليها التحية، لترحب به كعهدها معه بوديةٍ وألفة.
ناولها ما اشترى قائلًا:
-اتفضلي يا حاجة.
أخذت الأكياس منه، وشكرته في استعتابٍ لطيف:
-مالوش لازمة تتعب نفسك يا ابني، خير ربنا موجود.
تحدث إليها في جديةٍ:
-ربك يزيد ويبارك، وبعدين إنتو كلياتكم ملزمين مني، لو ناجصكم حاجة بس جوليلي، وأني بعون الله هجيبها.
ظلت محافظة على صفاء بسمته الودودة وهي ترد:
-ربنا يكرمك يا ابني، ويراضيك باللي نفسك فيه...
ثم أشارت بيدها نحو مائدة الطعام مكملة كلامها:
-اغسل إيدك وتعالى، أنا يدوب هحط العشا، فرصة ناكل كلنا سوا.
أومأ برأسه موافقًا:
-ماشي يا حاجة.
بعد عدة دقائق، كان أربعتهم مجتمعين حول الطاولة، يتناولون ما في صحونهم وهم صامتون. أراد "غيث" أن يكسر ذلك الحاجز اللعين الذي يُشعره ببعد المسافات مع أكثر من يرغب في قربها، فاستطرد في صوتٍ رخيم:
-نفسك في الوكل حلو يا حاجة.
ردت باسمة:
-ربنا يكرم أصلك يا "غيث" يا ابني...
لتكمل بعدئذ وهي تشير بعينيها نحو ابنتها الصغرى:
-مجربتش إنت أكل "دليلة"، مش قادرة أقولك على حلاوته وجماله.
إلا أنها ردت معارضة بما يشبه السخرية:
-لأ أنا فاشلة عادي، ماليش في جو الطبيخ.
سددت لها "عيشة" هذه النظرة الصارمة، وأكدت على ما قالت:
-والله أبدًا، دي عليها شوية حلويات شرقي طعمها حكاية.
ومع ذلك استمرت "دليلة" على موقفها المعارض، فعلقت:
-طب ما "إيمان" كمان بتطبخ أحسن مني.
تدخل "غيث" في الحوار مُطلفًا بعدما لاحظ التعبيرات المزعوجة الظاهرة على وجه حماته:
-أني راضي بأيتها حاجة منك يا ست البنات، إن شاء الله بيضة مسلوجة حتى!
لحظتها مالت "إيمان" على شقيقتها، ووكزتها بيدها في ذراعها هامسة في مكرٍ:
-واخدة بالك إنتي؟!!
نظرت "دليلة" ناحيتها محذرة، ولم تقل شيئًا، فيما أضاف "غيث" مرددًا:
-جَبل ما أنسى، "وهبة" جالي إنه غير كالون الشُجة بتاعة "فارس"، ودي المفاتيح.
تركها على الطاولة أمام "عيشة"، فالتقطتها بإصبعيها، لتقول "إيمان" بجديةٍ:
-عايزين نبقى نروح هناك، فرصة نشوف إن كان يلزمنا حاجة نستخدمها هنا.
دون أن يبعد حدقتاه المتلهفتين عن "دليلة" عقب "غيث" بغير ممانعة:
-خبروني عتروحوا ميتى، وأني معاكو.
.............................................
آخر ما تخيلت "نجاح" حدوثه هو الرضوخ لطائلة القانون، ومحاولة استرضاء "إيمان" من أجل نيل حرية ابنها المحتجز مع الأشقياء ومعتادي الإجرام. سُدت كل الطرق، وأصبحت تلك المسألة محسومة نهائيًا، لذا باتت ملزمة بتنفيذ تعليمات المحامي، إن أرادت لفلذة كبدها الخروج من هذا المأزق. 
جلس زوجها إلى جوارها بعد عودتهما من الخارج، فحذرها رافعًا سبابته: 
-اوعي تجيبي سيرة لابنك على اللي حصل من مراته وحماه.
لوت ثغرها للحظةٍ، وأردفت في سخطٍ:
-ما هو كده كده هيعرف، لازمتها إيه نخبي عليه؟
ليرد عليها بمنطقيةٍ:
-أما يخرج من المصيبة اللي هو فيها الأول نبقى نقوله، مش لازم نعكنن عليه ونضايقه.
عادت لتندب حظها هاتفة بنقمٍ:
-كان مستخبيلك ده كله فين يا حبيبي؟
لم تتخط أبدًا مشاعر الكراهية التي تضمرها لـ "إيمان"، فدمدمت في حقدٍ: 
-كله من بنت الـ..... ، أكيد عملاله عمل هي وأمها، ما هو الأشكال دي ما يطلعش منها إلا كده.
رمقها زوجها بنظرة مزدرية، وخاطبها مشددًا بنبرة جادة:
-سيبك من الأعمال والكلام الفارغ ده، مصلحة ابنك أهم دلوقت، لازم يطلع من حبسه علشان يشوف حياته ومستقبله مايضعش.
حدقت فيه بنفس النظرة المغلولة، وهسهست بامتعاضٍ متزايد:
-طيب.
......................................
انتهى لتوه من تنظيف الأرضية، وإزالة الأوساخ، ليفرغ ما جمعه في صندوق القمامة. ترك المقشة جانبًا، ومسح كفيه في جانبي بنطاله القماشي، ثم أمسك بالأكياس التي تحوي متعلقاته ليتأهب للمغادرة. نظر مرة ثانية نحو رب عمله الجالس في هدوءٍ قاتل عند الباب. في البداية تردد في الذهاب إليه، فهو هادئ أكثر من اللازم، وذلك السلوك يثير حفيظته على نحو ما، بتعبيرٍ أدق هذا الرجل مخيف في سكونه، تجاوز عن أفكاره التي تحيره، وزفر الهواء في مللٍ. لن يمضي وقته منتظرًا، لذا حسم أمره وتحرك صوبه يسأله بحذرٍ:
-نقفل المحل يا حاج "صالح"، الساعة عدت 2 بالليل، ماظنش إن في حد جاي.
كان كالصنم في جموده، لم يبعد عينيه عن الشباك المعتم، وأمره في صوتٍ جاف، قاس، وباعث على الخوف:
-سيب المفاتيح وامشي، أنا لسه قاعد شوية.
أحس بالرجفة من نبرته تلك، وقال في انصياعٍ وهو يترك المفاتيح على الطاولة الدائرية الصغيرة الموضوعة أمامه:
-ماشي يا حاج، سلام عليكم.
أسرع في خطاه وانصرف، ليظل "زهير" متسمرًا في موضعه، وهذا الصوت البغيض يتوعد في رأسه:
-أنا مقطوعلك، ما ورياش حاجة أعملها في دنيتي إلا أني أوصلك، وساعتها بس الكل هيرتاح!!!
..............................
خاصم النوم جفنيه، فعجز عن الاستلقاء براحةٍ في فراشه، وكامل عقله مشغول بالتفكير فيها. شعر "غيث" بالضجر من بقائه حبيس الغرفة، فخرج منها متجهًا إلى الصالة، ليتفاجأ بها تقف في الشرفة، تداعب نسمات الهواء الباردة وجنتيها، سرعان ما اخترق الشوق قلبه، وراحت مشاعره تزأر وتثور، كيف له أن يقاوم ببساطةٍ ما يعتمل دواخله؟
استرق إليها النظر لمدةٍ، لكنها أمسكت به وهو يتطلع إليها بكل هذاا الهيام، فأطرق رأسه كطفلٍ أمسك بالجرم المشهود. استغرقه الأمر عدة لحظاتٍ حتى استعاد انضباط انفعالاته، حمحم بخشونةٍ قبل أن يتقدم ناحيتها متسائلًا في نبرة مهتمة: 
-لساتك صاحية؟
أجابته وهي تنظر إلى المدى البعيد بلمحةٍ حزينة:
-مش جايلي نوم، قولت أقف أتفرج من البلكونة شوية.
تأمل ملامحها عن قربٍ، فالتفتت ناحيته فجأة لتُربكه، صاحب كلامها إليه ابتسامة ناعمة، خاصة مع خبوت نبرتها:
-أقولك على سر...
بشكلٍ غريزي تحفزت حواسه، وسألها في جدية تامة، وكأن مداركه قد تهيأت لاستقبال الأسوأ:
-خير؟
رأت ما انعكس على قسماته من توترٍ، فاتسعت ابتسامتها قائلة:
-مالك اتخضيت كده ليه؟ دي حاجة عادية.
أشاع صوتها الرقيق السكينة في نفسه، فاستكانت دفاعاته المتأهبة، وعاد إلى هدوئه. تحدثت "دليلة" في صوتٍ هامس:
-تعرف إن الأعدة فوق الرووف عندكم أحلى من المنظر هنا.
داهمته مشاعر الشوق، ولم يعد قادرًا على مقاومتها، فرجاها في نزقٍ:
-حني إنتي بس وأني أبنيلك أجدعها سُطح تجعدي فيه لحد ما تزهجي.
على عكس ما توقع من استمرار حديثهما الهادئ على نفس المنوال، صُدم حين قامت بتوجيه سؤالها المحمل باللوم إليه:
-إنت استغنيت عني ليه يا "غيث" ووافقت تطلقني؟
تغيرت نظرته وغشاها القلق وهو ينفي كليًا:
-حاشا لله، أني مجدرش أعمل كده.
لتستمر في لومه:
-بس قولتلها، قصاد أهلك وناسك!!!
اعترف لها بندمٍ:
-أنى محجوجلك، والغلط راكبني من ساسي لراسي، بس مكونتش عايزك تجعدي معاي غُصــبانية.
لتسأله مستفهمة وهذه النظرة المعاتبة ما زالت تتراقص في بؤبؤيها:
-وإيه اللي اتغير؟
شعر بحلقه جاف، وحاول الكلام، إلا أن صوته خرج متذبذبًا:
-أني...آ..
سألته بإلحاحٍ:
-إنت إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا، حرره دفعة وحدة، وتمالك شجاعته ليعترف لها دون مقدماتٍ:
-أني عاشجك يا بت الناس...
اندهشت من اعترافه المباغت، وحملقت فيه بعينين متسعتين، ليضيف في تصميمٍ بوعدٍ كان واثقًا من التزامه به:
-ومهما تعملي فيا، فأني مش عفوتلك واصل، وهفضل إكده لحد ما أنول الرضا منك.
تدارك نفسها، وباعدت نظرتها الذاهلة عنه، لتقول وهي تهم بمغادرة الشرفة:
-شكلك هتستنى كتير.
اعترض طريقها قائلًا بنفس النبرة المصممة:
-وماله، طالما هترضي عني في الآخر.
فما كان منها إلا أن ابتسمت له، وقالت:
-تصبح على خير.
تنحى جانبًا، ورد عليها بابتسامةٍ عكست مدى سعادته:
-تتمسى بالخير كله يا ست البنات.
نــــار الاشتيـــاق سرت في بدنه، ولم يعد بإمكانه إخمادها، لهذا تعهد لنفسه بفعل كل ما يلزم لإعادة اكتساب ودها ...........................................
....................................................

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا