رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74 بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74 هى رواية من كتابة منال سالم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74

رواية فوق جبال الهوان بقلم منال سالم

رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والسبعون 74

صباح اليوم كان يختلف عن أي صباح، حيث زادت الأعراض الغريبة التي باتت تشعر بها مؤخرًا، فبجانب خروج الدم أثناء عمليتي الإخراج، بدأت كدمات زرقاء تظهر على جلدها دون سببٍ معلوم، ناهيك عن شعورها بالخمول وضيق التنفس ورغبة عارمة في التقيؤ، بالإضافة إلى فقدانها للشهية. 
لقد بلغ بها الألم مبلغه للدرجة التي جعلتها فاقدة للرغبة في فعل أي شيء. تمددت "أحلام" على جانبها، وظلت يدها موضوعة على بطنها المتألمة تمسد عليها في رفقٍ، أقبلت عليها خادمتها وهي تحمل في يدها مشروبًا عُشبيًا أعدته لها لتهدئة اضطرابات معدتها. وضعته على الكومود الملاصق لفراشها، ومالت عليها تتحسس جبينها الذي بدا باردًا رغم تعرقها وهي تسألها في اهتمامٍ:
-أشيع أجيب ضاكتورة من الوحدة يا ستي، حالك بجى لا يسُر عدو ولا حبيب.
ردت معترضة بوهنٍ:
-مالوش عازة، أني هغفل شوي.
احتجت "نعمة" على عنادها غير الموفق قائلة بإلحاحٍ:
-بس إنتي عتتدبلي يوم عن يوم.
سعلت بألمٍ، وأخبرتها:
-متكبريش الحديت، دلوجيت هبجى زينة.
لحظتها ومض في عقلها افتراضًا بعينه، فصرحت به بحماسٍ مثير:
-لتكوني حبلى يا ست "أحلام"!!!
استرعى تخمينها النزق انتباهها بدرجة لا يمكن تخيلها، فهي لم تختبر من قبل أعراض الحمل رغم زواجها السابق، وبالتالي انعكست آثار الصدمة على ملامحها وكذلك نبرتها حين رددت بفم مفتوح:
-حبلى؟!!!!
لتؤكد لها "نعمة" بيقينٍ أعجب، وكأنها تُعطيها البشارة المنتظرة:
-إيوه يا ستي، أديلك ياما متجوزة سي "محروس"، ولازمًا اللي إنتي فيه ده من الحبل.
هتفت في دهشةٍ، كما لو كانت لا تزال غير قادرة على استيعاب جدية الأمر:
-واه!!!
لتستمر خادمتها في نسج ما تستلذ ربة عملها بسماعها:
-شوفي بجى لما يعرف عيعمل إيه لأجل ما يرضيكي، وخصوصي لو جبتي الواد اللي عيحلم بيه.
وكأنها واقعة تحت تأثير سُكرة أمانيها، فراحت تردد بابتسامة تزداد اتساعًا كلما تخيلت مدى تأثير تلك الأخبار السارة على زوجها، وما ستناله جراء منحه ما يطمح فيه:
-واد!!
هتفت "نعمة" بتصميمٍ:
-احنا نروحو للضاكتورة تطمنا.
آنئذ ولج "محروس" إلى الغرفة وقد التقطت أذناه جملتها الأخيرة، فتساءل في استرابةٍ وهو يزيح عن كتفيه قفطانه ليلقيه على الأريكة:
-ضاكتورة ليه؟
ثم توجه بسؤاله إلى زوجته، وعيناه تدوران عليها بتدقيقٍ:
-حُصل إيه يا "أحلام"؟
همهمت في تعبٍ واضح ضاعف من قلقه:
-سي "محروس".
فيما تراجعت الخادمة للخلف ليتمكن من الاقتراب من زوجته وهي ترحب به في خنوعٍ:
-حمدلله على سلامتك يا سيدي.
جلس على طرف الفراش مجاورًا لها، ومد يده ليمسك بكفها المرتعش متسائلًا في توجسٍ:
-مالك يا مُهجتي؟
ردت وهي ترفع بصرها إليه:
-أديلي يامين تعبانة يا سي "محروس"، مجدراش أجف على حيلي.
عاتبها في شيءٍ من الضيقٍ:
-وساكتة على حالك إكده؟
لينهض على الفور من موضعه هاتفًا في لهجةٍ آمرة:
-جومي أخدك عند الضاكتورة.
ابتسمت "نعمة" في سرورٍ، فإن صدق النبأ لنالت مكافأتها على الفور،  لذا حمست سيدتها على عدم التقاعس، وخاطبتها في عزمٍ:
-يالا يا ستي، أني عساعدك.
من هذا المنطلق، تحاملت "أحلام" على نفسها، وغالبت أوجاعها لتبدل ثيابها المنزلية بعباءة سوداء تتلفح بها، والأمل يحدوها أن يحدث ما تصبو إليه.
...............................................
أثناء إعداد طعام الإفطار، وردها اتصالًا هاتفيًا من "عادل" ليخبرها خلاله بإبلاغ المحامي باستعداد عائلة طليقها لإنهاء القضايا العالقة بينهما نظير تنازلها عنهم في النيابة حتى يتمكن "راغب" من الحصول على حريته. كانت بمثابة صفقة رابحة لها، فالآن ستنال حقوقها المسلوبة بعد صبرٍ وانتظار. 
لم تبدُ "إيمان" كما بدت بالأمس، مهزومة، بائسة، محبطة، ومثيرة للشفقة، بل كانت في حالة مزاجية رائقة، ولما لا وقد حققت في النهاية الثأر والانتصار لكرامتها المُهانة؟
لم تتركها "دليلة" تذهب بمفردها لمواجهة تلك العائلة السقيمة، بل أصرت على الحضور معها لدعمها ومؤازرتها. عندما أوشكت كلتاهما على مغادرة المنزل للقاء "عادل" عند القسم حسب الاتفاق المسبق، هتف "غيث" بنبرته التي لا ترد:
-أني عوصلكم مطرح ما تحبو.
نظرت "إيمان" ناحيته قائلة بتهذيبٍ:
-مالوش لازمة تتعب نفسك، الموضوع أصلًا خلصان.
بينما عاملته "دليلة" بشيءٍ من التدلل:
-شوف وراك إيه عمدة واعمله، مافيش داعي تعطل نفسك.
ليثبت نظرته على الأخيرة وهو يخبرها بلهجته التي تعرفها جيدًا:
-أني راجلكم إهنه.
قبل أن تهم بمعارضته كما اعتادت، تدخلت "عيشة" لدعم موقفه هاتفة بغير ممانعة:
-وماله يا ابني، خليك معاهم، إنت السند والضهر برضوه.
حولت بصرها تجاهها، وهتفت وهي تجز قليلًا على أسنانها:
-يا ماما آ...
إلا أنها قاطعتها في حزمٍ:
-خلاص يا "دليلة"، ويالا علشان ماتضيعوش وقت، وطمنوني لما تخلصوا.
في استسلامٍ بائن علقت "إيمان" هذه المرة وهي تومئ برأسها:
-حاضر.
تبعتهم "عيشة" إلى أن ابتعدوا، فرفعت كفيها للسماء تدعو لهم بتضرعٍ: 
-ربنا يقضيهالكم على خير، وترجعوا سالمين غانمين يا رب العالمين.
.................................................
لم تستطع التماسك أكثر من ذلك، فوخــزات الألم المبرحة كانت تنهش أعضائها من الداخل بضراوةٍ شديدة. بالكاد استطاعت "أحلام" التحمل إلى أن انهارت كليًا عند عتبة باب الوحدة الصحية، فصرخت "نعمة" فزعًا، فيما قام "محروس" بحملها إلى الداخل، حيث قامت الطبيبة المتواجدة في هذه الوردية بفحص كل ذرة فيها بتدقيقٍ، لتخرج إليه بعد وقتٍ مر عليه كالدهر وهو ينتظر في الاستقبال المزدحم بأهل البلدة لتخبره في عجالةٍ فور أن أدركت خطورة حالتها الصحية:
-المدام لازمًا تروح مستشفى حالًا!
رمقها "محروس" بنظرة متعجبة قبل أن يسألها في شيءٍ من التهكم:
-أومال إهنه إيه؟
أجابته بنفس النبرة القلقة:
-احنا هنا وحدة صغيرة، على أد حالنا، وحالتها محتاجة ضاكتور متخصص.
هز رأسه محتجًا على ما تفوه به:
-أني مافهمش حاجة.
عادت لتخبره بجديةٍ بطبيعة حالتها بجديةٍ شديدة:
-مَرتك يا "محروس" بيه عندها تسمم مع إجهاض!
كرر كلمتها الأخيرة بتعبيرٍ مبهم:
-إجهاض؟!
أوضحت له مباشرةً:
-يعني عتسقط اللي في بطنها!!
هبط عليه الخبر المشؤوم كالصاعقة، فضرب بيديه على جانبي رأسه صائحًا بذهولٍ وجــل:
-بــــــــاه! يا سنة سوخــة يا ولاد!
...................................................... 
وقفت "نجاح" في الردهة المستطيلة الممتد عبرها عدة غرف تنتهي عندها غرفة وكيل النيابة، لتدور حول نفسها في حنقٍ وحقد، بينما استند زوجها على الحائط القريب من الباب يترقب خروج ابنه من الداخل. توقفت عن الالتفاف، وصاحت في إنكارٍ ناقم:
-إزاي محضرش مع ابني وأسيبوه مع الزبـــالة دول يستفرضوا بيه؟
توتر من ارتفاع نبرة صوتها التي لفتت الأنظار إليهما، فأمسك بها من ذراعها، وكز على أسنانه محذرًا بصوتٍ خفيض:
-يا "نجاح" احنا مش في بيتنا، دي نيابة، ولو حد سمعك هتبقى مشكلة.
صاحت بغير مبالاة:
-ما تبقى مشكلة ولا عشرة حتى....
لتصير نبرتها أكثر سخطًا وهي تتابع:
-مش كفاية الألوف اللي هتلهفها اللي ما هتتسمى دي!!
رد عليها زوجها مصححًا:
-ده حقها من الأساس، ولا ناسية عملتوا فيها إيه؟
زجرته في غيظٍ:
-كسر حقها الجعانة دي، وبعدين إنت معاها ولا مع ابنك.
قال في هدوءٍ جاد:
-أنا مع الحق يا "نجاح".
لتهمس في سخريةٍ هازئةً به:
-علشان كده مش فالح!
حدجها بهذه النظرة القوية، وخاطبها بلغة العقل:
-برضوه مش عايزة تفهمي، وحاصرة تفكيرك في حاجة معينة.
حركت شفتيها مطلقة سبة خافتة تلعن بها "إيمان"، ليتغاضى عما تفوه به مستأنفًا: 
-المهم إن ابنك هيطلع من هنا، ده اللي نركز عليه دلوقت، لأن اللي مستنيه بعد كده مش أحسن حاجة!
ضربت كفها بالآخر مرددة في كمدٍ وحدة:
-ربنا ياخدك يا "إيمان" يا بنت "عيشة"، لا تلحقي تفرحي ولا تتهني بأي جنية خدتيه من ابني.
................................................
إن بقي الحال على وضعه، دون إيجاد حلٍ جذري لمشكلته الحالية، فحتمًا لن يتمكن من الصمود خاصة وهو يتواجد مع هؤلاء الملاعين الذين اعتبروه تسليتهم بالحجز، فكان لزامًا عليه أن يرتضي بأي شيءٍ لينهي تلك الورطة. 
تجددت المواجهة بينهما أمام وكيل النيابة المنوط بإنهاء إجراءات الإفراج عن "راغب" بعدما قام محاميه بحسم كافة المسائل القضائية العالقة، لينظر ببغضٍ وغل إلى "إيمان" التي كانت تبادله النظرات بأخرى شامتة متشفية. 
وعلى غير توقعٍ وبلا ترتيبٍ، وبناء على الأحداث السابقة، اقترح "عادل" فجــأة، والذي كان حاضرًا أثناء التسوية القانونية:
-من فضل حضرتك يا فندم عايزين نعمل محضر عدم تعرض ضد الأستاذ "راغب"!!
ذُهل الأخير من مطلبه، خاصة مع موقفه الحرج، فصاح مستنكرًا بغضبٍ متصاعد:
-نعم ياخويا!!
من فوره تدخل وكيل النيابة لتحذيره بلهجته الجادة:
-اتكلم كويس.
رد عليه منفعلًا:
-يا باشا حضرتك مش سامع بيقول إيه؟ 
لتغدو نبرته مهينة بشكلٍ فج وهو يشير بيده نحو "إيمان" مكملًا:
-مين دي أصلًا اللي اتعرضلها؟ دي ولا تسوى جنية عندي!
افترت شفتاها عن استهجانٍ عظيم، إلا أنها لاذت بالصمت لتحفظ حقوقها، بينما استغل "عادل" فرصة انفلات أعصابه وفظاظته ليطيع الأمور لصالحه، واستطرد موجهًا إليه إصبع الاتهام بلا رأفة:
-شايف يا فندم، أنا عايز أعمل محضر سب وقذف كمان، هو كده على طول مع المدام، معيشها في رعب ليل نهار.
لم ينجح في ضبط أعصابه، فقد ذاق ما يكفيه بالحجز، ليأبى تحمل المزيد، لذا كان من السهل على أي أحد استثارته، فاهتاج مهددًا بتبجحٍ:
-ليكي حق تسوقي فيها، ما إنتي مش لاقية اللي يلمك، أقسم بالله لو إنتي تحت إيدي دلوقت لأكسر عضمك!
للحظةٍ ارتعدت فرائصها من تهديده؛ لكن وجود "عادل" حال دون اكتمال ذلك الشعور المــؤذي، فقد انتصب في وقفته الشامخة ليقول في جديةٍ:
-اثبت ده يا فندم عندك، تهديد علني.
مرة أخرى عاد وكيل النيابة لإنذار "راغب" بحزمٍ:
-إن ما التزمتش بالأدب هحبسك تاني.
اضطر "راغب" مرغمًا لكبت غضبه المندلع مدمدمًا بوجهٍ مشتعل:
-تمام يا باشا.
أصدر وكيل النيابة تعليماته لتابعه ليكمل باقي الإجراءات، فيما اقترب "عادل" من "إيمان" ليميل عليها قائلًا بنبرة واثقة:
-متقلقيش، أنا هعمل اللازم علشان ما يقربش منك نهائي.
بدت ممتنة للغاية من دعمه غير المشروط لها، ونظرت إليه هامسة:
-شكرًا يا أستاذ "عادل".
ليبادلها بنظرة مملوءة بشيءٍ أعمق ودَّ لو أدركته، ليلاحظ "راغب" ما يجري بينهما من نظرات يفهمها جيدًا كرجل، فاستشاط غضبًا على غضب، إلا أنه لم يستطع النطق بكلمة محتجة على ذلك ............................................ !!
...........................................
لم يبخل عليها بوافر ماله، ونقلها باستخدام عربة الإسعــاف المجهزة إلى المستشفى الرئيسية القابعة في مركز المدينة، على أمل أن ينجح الأطباء الأكفاء في إنقاذها مع جنينها الذي تحمله في أحشائها. 
اعتصر الخوف قلب "محروس" بعدما عرف بخطورة مرورها بتجربة الإجهاض، عجز عن البقاء ساكنًا في مكانه، وظل يتحرك بتوترٍ في الأرجاء، يضرب بكفه على الحائط تارة، وعلى المقاعد المعدنية تارة أخرى، وكأنها وسيلته المتاحة للتنفيس عن الانفعالات المكبوتة بداخله، فيما تكومت "نعمة" عند الزاوية تبكي وتنوح سيدتها في حسرةٍ وألم:
-كان مستخبيلك ده فين كله يا ستي؟
سالت دموعها غزيرة تعاطفًا معها، وظلت تندب بعويلٍ:
-منهم لله حسدوكي على عيشتك يا غالية...
ارتفع صوت نحيبها الممزوج ببكائها وهي لا تزال ترثي حالها:
-دي إنتي طيبة، وبلسم، والعيبة عمرها ما تطلع منيكي.
طفح كيل "محروس" من سماع صوتها، فصرخ بها في غير صبرٍ، وبانفعالٍ مبرر:
-بكفياكي يا مَــرَة نواح، عتندبي وستك لساتها عايشة.
على الفور وضعت يدها على فمها لتكتمه، وتبتلع باقي صرخاتها المتعاطفة قســـرًا. حول بصره بعيدًا عنها ليلمح حماه قادمًا من على بُعد ومعه ابن عمها الأصغر، فأسرع ناحيته مناديًا بنبرة جمعت بين اللهفة والخوف:
-حاج "راشد".
سأله الأخير في قلقٍ:
-كيفها بتي؟ الحكيم جالك إيه؟
رد عليه مشيرًا بيده نحو ردهة تنتهي بباب غرفة زجاجية موصدة عُلق عليها من الأعلى لافتة (غرفة العمليات):
-أحسن دكاترة معاها جوا، لساتني مستنظر حد يطلع يطمني.
ليقول "سليمان" ملطفًا الأجواء:
-ماتجلجش يا "محروس"، إن شاء الله تخرج بالسلامة.
نظر ناحيته مهمهمًا:
-كتر خيرك يا "سليمان".
أضاف ابن عمها في جديةٍ:
-بوي كان عاوز يجي معاي ...
قاطعه قبل أن يتم كلامه هاتفًا في تفهمٍ:
-مالوش لازمة عاد، لما نطمنوا يبجى ياجي.
ثم جلس ثلاثتهم على المقاعد في صالة الانتظار يترقبون خروج الطبيب لطمأنتهم. بعد برهةٍ، فُتح الباب، وخرج أحدهم يرتدي زي العمليات الأزرق، دنا منهم مستفسرًا في جديةٍ تامة:
-حضراتكم أهل المريضة؟
هب "محروس" واقفًا، وأجابه:
-إيوة يا ضاكتور.
ليتساءل "راشد" في توجسٍ خائف:
-خير يا حكيم؟ بتي مالها؟
راح يوزع الطبيب نظرته بينهما موضحًا على مهلٍ:
-المريضة اتعرضت لتسمم لفترة طويلة، وده اتسبب في مضاعفات أثرت على الأجهزة الحيوية في جسمها، وحملها كمان.
ردد "راشد" مصدومًا بعد سماعه لكلماته الأخيرة:
-هي حبلى؟
تولى "محروس" الرد هذه المرة، وأكد على صحة المعلومة بنبرةٍ حزينة:
-إيوه.
فيما ردد "سليمان" في أسفٍ، وقد استشف من طريقة الطبيب الممهدة خطورة الوضع:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
تابع الطبيب سرد طبيعة حالتها الصحية:
-وللأسف اتعرضت للإجهاض، والنزيف لسه مستمر، وأنا طالب موافقتكم على إننا....
بدا مترددًا في استكمال جملته الأخيرة، فتساءل "محروس" في توترٍ:
-إنكم إيه؟
تطلع إليه متابعًا بحذرٍ:
-نشيلها الرحم.
هنا صرخ مستنكرًا مطلبه بانفعال، وقد امتدت يداه لتمسك به من تلابيب زيه:
-بــاه، عتجول إيه؟
في التو تدخل "سليمان" ليفصل بينهما هاتفًا:
-اهدى يا "محروس"، وخلينا نفهموا الضاكتور بيجول إكده ليه.
تعامل الطبيب بحرفيةٍ مع انفعال الزوج الظاهر أمامه، وعلل أسباب لجوئه لذلك الخيار الخطــير:
-المريضة حالتها حرجة، واحنا مضطرين لده علشان نقدر ننقذ حياتها، وإلا ماضمنش ممكن يحصلها إيه.
حسم "راشد" النقاش في هذه المسألة المصيرية هاتفًا بغير مراجعة:
-اعمل يا حكيم اللي فيه الصالح لبتي.
حدق "محروس" في وجهه مصدومًا، وارتخت أطرافه ليجلس على المقعد مرددًا في نبرة مقهورة:
-لطفك يا رب، كله راح في غمضة عين!
...............................................
التزامًا منه بنصيحة المحامي بالبقاء بعيدًا والانتظار ريثما تنتهي الإجراءات الخاصة بشقيقتها، والتي تتطلب حضورها شخصيًا فقط، فضَّل "غيث" أن يجلس بالسيارة مع "دليلة"، ليمنح كليهما الفرصة لتوطيد مشاعر الود والألفة بينهما، ففي خلال مواقفه السابقة معها أظهر لها من الاهتمام ما جعل داخلها يتأثر، بل وأجبرها على إعادة التفكير في جدية علاقتها به. 
حاولت "دليلة" أن تهرب من حصار نظرة عينيه التي تشعر بها تخترقها، فتكشف عما تحاول مواراته بكل جهدها. منذ البداية، كان الاختيار الأنسب لها الجلوس في المقعد الخلفي، لتبقى في دائرة أمانها، تاركة شقيقتها تجلس بالأمام رغم اعتراضها. تنهدت ببطءٍ متسائلة في ضجرٍ وهي تتطلع إلى الباب الرئيسي لقسم الشرطة:
-مش كنت روحت مع "إيمان" أحسن، بدل ما أنا أعدة كده مش عارفة إيه اللي بيحصل جوا.
من موضع جلوسه خلف عجلة القيادة، التفت ناظرًا إليها وهو يعقب بهدوءٍ:
-ماتجلجيش عليها، عتكون بخير بأمر ربنا.
زفرت الهواء في انزعاجٍ ملحوظ، وتابعت بتحاملٍ صريح:
-بجد أنا مش فاهمة قدرت تستحمل تعيش مع البني آدم ده وعيلته إزاي؟
لتصمت للحظةٍ قبل أن تضيف بملامحٍ شبه واجمة:
-ربنا كان ليه حكمة إنها ما تخلفش منه.
نظر لها مليًا، مراقبًا كل ردة فعل صغيرة تصدر عنها، لتقول على نفس اللهجة المستاءة:
-كان زمانها لسه مربوطة بيه، ويا عالم كانت الأمور خلصت على إيه.
في شيءٍ من الدعم المشوب بقليلٍ من المزاح:
-الحمد لله، نعتبروه غمة وانزاحت.
ابتسمت لا إراديًا على ما اعتبرته طرفته العفوية، وردت:
-معاك حق.
آنئذ أحس بقلبه يخفق بين أضلعه وهو يراها تتجاوب مع البسيط منه، ليشتته عن تأمل ملامحها القريبة منه رنين هاتفه، أخرجه من جيب جلبابه قائلًا بقليلٍ من الضيق؛ وكأنه لم يرغب فيما يفسد عليه أوقاته الثمينة معها:
-عرد على الحاجة.
هتفت في تفهمٍ، وهي تثبت بصرها على بوابة القسم:
-خد راحتك.
استدار ناظرًا أمامه وهو يجيب عليها:
-كيفك يامه، وكيفه بوي؟
سمع صوتها تخبره:
-احنا بخير يا ولدي، إنت عامل إيه؟ طمني عحوالك؟
تدافعت الكلمات من فمه مرددًا:
-أني في نعمة والحمد لله....
ليدير رأسه متابعًا بحماسٍ تعجبت منه "دليلة":
-مش عتصدقي مين إمعاي دلوجيت، وعنتحدتوا سوا من غير خناق.
أتاه صوتها متسائلًا في اهتمامٍ:
-مين يا ولدي؟
لاحت على زاوية ثغره بسمة متشوقة وهو يجيبها:
-ست البنات .. "دليلة".
ترديده لاسمها بهذه الطريقة أثار حواسها، وزاد من خفقان صدرها، ناهيك عن شعورها بهذه الدفقة من الحمرة الملتهبــة المتشعبة في وجنتيها. قالت "فاطمة" في حبورٍ:
-ألف بركة يا ولدي، ربنا يسعدكم ويبعد عنكم أي شر، خليني أتحدت وياها، نفسي أسمع حسها جوي.
رد في ترحيبٍ:
-عينيا يامه...
ثم أبعد الهاتف عن أذنه ليقربه منها موضحًا:
-الحاجة عايزة تتحدت وياكي.
قالت بغير ممانعة وهي تومئ برأسها:
-ماشي.
أخذت منه الهاتف، وألصقته بأذنها متسائلة في أدبٍ:
-إزي حضرتك يا طنط؟
جاءها صوتها مبتهجًا:
-أني بخير يا بتي، وبقيت زينة أكتر لما سمعت حسك.
ضاقت عيناها وهي تبتسم في خجلٍ، لتسألها "فاطمة" في اهتمامٍ ودود:
-كيفك يا بتي؟ ماتوحشتكيش؟
عضت على شفتها السفلى أولًا قبل أن ترد بشيءٍ من الحرج:
-والله يا طنط حضرتك من الناس العزاز اللي أنا مفتقداهم جدًا.
ليبدو صوت "فاطمة" معاتبًا حين سألتها:
-ولما أني اتوحشتك مش عتيجي حدانا بجى؟
حاذرت "دليلة" في ردها لئلا تمنحها الأمل دون تأكيدٍ، وقالت بشيءٍ من الحيادية:
-ربنا يسهل.
لتخبرها في نفس رنة الصوت الحانية:
-ربك يعدل الحال ويهدي سركم.
لم تطل في المكالمة معها، وهتفت بارتباكٍ:
-اتفضلي "غيث" معاكي.
سمعتها تقول:
-تسلمي يا بتي.
أعادت "دليلة" الهاتف إليه، وكتفت ساعديها أمام صدرها بعدما أشاحت بوجهها للجانب، لتصغي إليه وهو يخاطب والدته:
-ماشي يا حاجة، عكلمك وجت تاني.
أرجأت "فاطمة" إخباره بما وصلها من أنباء مزعجة تخص ابنة عمه ريثما يغدو بمفرده لئلا تفسد عليه تلك الأجواء الهادئة مع زوجته، وهو الذي يلتــاع ليل نهار لنيل لحظة سَكينة معها. أنهت معه المكالمة قائلة بلمحةٍ من الغموض:
-أما تفضى يا ضنايا كلمني، ماتنساش.
استشعر وجود خطبٍ ما؛ لكنه حافظ على ثبات تعبير وجهه، وكذلك نبرته وهو يرد:
-عينيا يا حاجة.
خجلت "دليلة" من تواجدها معه بمفردها بعد انتهاء المكالمة، فتعللت بحجةٍ واهية لتمضي بعيدًا متجنبة ذاك الشعور الذي يجعلها أكثر ارتباكًا وترددًا:
-أنا هقوم أجيب حاجة أشربها من الكشك اللي هناك ده.
قبل أن تضع يدها على مقبض الباب المعدني وتفتحه، أصدر أمره لها:
-خليكي مُطرحك مرتاحة، وأني عجيبلك كل اللي نفسك فيه.
ضغطت على شفتيها متمتمة بابتسامةٍ خجلى:
-شكرًا.
...........................................
بعدما انتهت من التوقيع على الأوراق الرسمية، قام وكيل النيابة بصرفها من غرفة مكتبه، فلم يعد هناك أي داعٍ من وجودها، ليقوم "عادل" بمرافقتها إلى الخارج تاركًا المحامي مع "راغب". توقف كلاهما أمام الباب، فبادر بالحديث إليها في وديةٍ:
-مبروك يا مدام "إيمان"، وربنا يجعلها آخر الأحزان.
أسلوبه اللطيف في الحديث إليها ذلل عليها الكثير من الصعاب، وأيضًا مشقة مواجهة من بات في خانة المنبوذين بالنسبة لها. ابتسمت في لطافةٍ وهي تشكره:
-كتر خيرك يا أستاذ "عادل"، حضرتك وقفت معايا من الأول، وتقريبًا اتكفلت بكل حاجة تخص المحامي و...
قاطعها مؤكدًا:
-متقوليش كده، إنتو تعتبروا من العيلة.
اكتفت بهز رأسه، فأوصاها في اهتمامٍ:
-المهم مش عايزك تعدي التجربة دي من حياتك وتنسيها، ماتقفيش عند الماضي كتير.
تنهدت معقبة:
-إن شاءالله.
ليضيف في تلميحٍ شبه مفهوم:
-لسه المستقبل قدامك، واللي جاي أحسن، وأنا عندي أمل إن ربنا هيعوضك قريب.
لم تقل شيئًا، ورمشت بعينيها في استحياءٍ ملحوظ، لتدير رأسها للجانب عندما فُتح الباب مجددًا، لتجد محاميها يخرج منه، فاستطردت تخاطبه في امتنانٍ:
-شكرًا يا أستاذ على تعبك.
رد بمهنيةٍ بحتة:
-ده واجبي يا مدام، ولو احتاجتي أي حاجة أنا تحت أمرك.
من الناحية الأخرى، كانت "نجاح" لا تزال تتجادل مع زوجها بشأن الخسارة المادية التي تكبدها ابنها جراء صدور الأحكام القضائية ضده. فور أن وقعت عيناها على "إيمان" وهي تقف بين هذين الرجلين حتى اندفعت بغضبها وحقدها نحوها تريد الانقضاض عليها، إلا أن "عادل" أسرع ناحيتها واعترض طريقها، فصرخت تهددها بتبجحٍ وهي تحاول تجاوزه للإمساك بها:
-فكرك إنها خلصت على كده؟ تبقي غلطانة! 
حملقت فيها "إيمان" بذهولٍ مستنكر، ومع ذلك لم ترتعب منها، فقط تراجعت خطوتين للوراء لتتجنب وصولها إليها، فيما استمرت "نجاح" في تهديدها العلني السافر:
-مش هخليكي تتهني على جنية واحد خدتيه من ابني يا وش البرك!!
بهدوءٍ وثقة تقدم المحامي للحديث إليها فاستعرض قدراته المهنية قائلًا بهدوء وبثقةٍ مكتسبة من واقع خبرته الممتدة: 
-مدام أحسنلك تلتزمي حدود الأدب وإلا هبلغ وكيل النيابة عن تعرضك لموكلتي وهخليكي تتحبسي، وخصوصًا إننا عاملين محضر عدم تعرض ضدك؟
شهقت "نجاح" مصعوقة، وقد اتسعت عيناها على وسعهما:
-كمان؟ عاملين محضر فيا؟
ليضيف بشيءٍ من العنجهية:
-وجاهزين لأي حاجة تعمليها، المهم تستحملي للآخر.
قبل أن تزيد الطين بلة تدخل زوجها لإيقافها، فجذبها من رسغها هاتفًا في حدةٍ:
-خلاص يا "نجاح"، كفاية بقى...
ثم تطلع إلى "إيمان" طالبًا منها:
-شوفي يا بنتي طريقي واتوكلي على الله وأمشي من قدامها.
ليعقب "عادل" وهو يشير بيده:
-خليني نمشي يا مدام "إيمان".
أومأت برأسها مستجيبة له، لتسرع في خطاها مغادرة الردهة، ليتبعها "عادل" ومن خلفه المحامي، فيما ظلت "نجاح" مقيدة من رسغها من قِبل زوجها، فصرخت فيه بسخطٍ جلي:
-ماتحوشنيش! سيبني عليا.
دفعها بشيءٍ من العنف وهو يوبخها:
-اتهدي بقى، ناقص إيه تاني؟ تنزلي الحجز مع المجرمين زي ابنك؟
دمدمت في غيظٍ منفعل:
-محــــروق دمي منها، سيبني أفش غلي.
ليحسم ذلك الموضوع نهائيًا هاتفًا وهو يضرب كفه بالآخر:
-قصتها خلصت معانا لحد كده، خلينا نركز مع ابننا، ده اللي يهمنا وبس!
لو لم يكن زوجها موجودًا لفقدت السيطرة تمامًا، وما تركتها تمضي لحال سبيلها هكذا دون أن تنتزع رأسها أو تكسر عظـــامها؛ لكن كما أخبرها أُسدلت أستار تلك الزيجة التعيسة .. وللأبد ............................................ !!
............................................

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا