رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9 بقلم ايه عيسي
رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9 هى رواية من كتابة ايه عيسي رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9
رواية المتهمة اللذيذة الفصل التاسع 9
انفتح باب أوضة التحقيق رقم (4) ودخل العسكري خضر وهو ساحل في إيده راجل بهدومه المتبهدلة، ورمى الراجل قدام الرائد ياسر زي شوال الرز المخروم. الراجل كان وشه وارم من كتر الضرب، وعينيه مقفولة، وهدومه عليها تراب ود.م.
أسيل أول ما شافت المنظر، برودها اتمسح في ثانية، عيونها وسعت وشهقت شهقة عالية وسقفت بإيدها المكلبشة وقالت بهبل ومحاولة لمداراة رعبها:
- يا لهوي!! مدحت شلبي! ، ازيك يا فنان؟! ، بس لحظة.. هو عامل في نفسه كدا ليه؟ هيهيهي.. ده ملهوش ملامح يا راجل! هو أنت لعبت بيه ماتش كورة بجد ولا إيه؟!
وفجأة سكتت، وبصت لملامح الراجل المتورم أكتر، و بدأت تتنفض، واستوعبت إن المنظر مرعب، فصرخت بهستيرية وهي بتبص لياسر:
- إيه ده؟ لحظة.. يا لهوييييي! أنت ناوي توريني بروفة للي هتعمله فيا لو متكلمتش؟! يا مصيبتك السودة والمنيلة بستين نيلة يا أسيل! الحقني يا بوسيييي.. يا شاويش خضر الحقوني من الظابط التركي ده! ما ترد يا حموكشة!
ياسر عروق رقبته برزت وانفجر فيها :
- انكتمي و اقفي عدل الله يحرقك ويحرق بوسي معاكي في ساعة واحدة! إحنا مش في مأتم ولا في سينما هنا!
في اللحظة دي، الراجل المرمي على الأرض رفع رأسه بصعوبة. مدحت وجه نظره بالكامل على بنت أخوه.. البت اللي هو قتـ ــــل أبوها بد.م بارد زمان عشان يلهف الورث كله لوحده.
مدحت فضِل باصص لأسيل بذهول، ولأول مرة في حياته الجاحدة مش عارف يتكلم ولا ينطق كلمة. بنت أخوه كبرت أوي، وبقت عروسة وشبه أبوها الله يرحمه في ملامحه بالميللي.
ياسر تنهد بإرهاق شديد، وحط إيده في على وشه، وبص لأسيل وقال بنبرة جافة بس فيها سِنة هدوء غريبة:
- ده بقى مش مدحت شلبي يا آنسة أسيل.. ده عمك مدحت.. مدحت عبد العزيز!
وبدأ ياسر، ببروده المعتاد، يقص الحكاية كلها من طقطق لسلام عليكم.. حكاية الـ 20 سنة اللي فاتت، والورث، والجر.يمة اللي اتدفنت تحت التراب.
أسيل كانت واقفة، عينيها مبرقة، ومش مستوعبة الكلام. الكلام نازل على دماغها زي المَاية الساقعة في عز التلج. عم مين اللي لسه عايش؟ ومين اللي قتـ ـــل أبوها؟ هي طول عمرها عايشة على إنه مات في حاد.ثة!
بصت لعمها بصمت رهيب، ولأول مرة في حياتها كلها، صوتها يطلع مرتعش وخالي من أي هبل :
- أنت.. أنت مين؟ أنا.. أنا مش مصدقة.. أنت عمي مدحت؟
بدأت أسيل ترجع بذاكرتها لورا، لملامح باهتة من وهي عندها 5 سنين. فعلاً، رغم الورم والدم والزمن، هي شايفة فيه ملامح عمها اللي كانت بتلعب معاه وهي عيلة صغيرة. وفي ثانية، قناع الهبل والتناحة سقط تماماً، وانفجرت في عياط وانهيار هستيري.
ياسر، لأول مرة من ساعة ما عرفها ، حس بشفقة ناحيتها ، بس بسرعة مثل الجمود ورسم وشه الخشب .
أسيل صرخت في وش عمها وهي بتبكي :
- أنت كنت بتحب أبويا! أنا فاكرة إنك كنت بتقول له يا أخويا و يا سندي! ليه عملت كدا؟! ليه؟! كل ده عشان الورث؟ ينحرق الورث على الفلوس على الدنيا كلها! للدرجة دي بتكره أخوك؟! للدرجة دي تمكن منك الجحود والغل؟!
مدحت دار بوشه للناحية التانية ، و أسيل كملت ببكاء :
- سيبتني لوحدي أنا وأمي وأخويا الصغير.. الدنيا بتلطش فينا من بعده، بنجري ورا اللقمة الحلال، والناس بتاكل وشنا في الحارة وأم بتموت في اليوم ميت مرة عشان تربينا! أنت إزاي بني آدم كدا؟! إزاي قساوة قلبك جابتك لكدا؟!
ومن كتر الصدمة ، رجليها مشلتهاش، فجلست بعنف على كرسي ترابيزة التحقيق، وحطت إيدها المكلبشة على وشها المبلول بالدموع، وفضلت تبكي .
ياسر دار بوشه لمدحت بالكامل، وعينيه بقت تطلع شرار، ووطى عليه وقال بفحيح مرعب:
- جثــ ــة أخوك فين؟ انطق.. فين مكان القتـ ــــل بالظبط؟
مدحت كح بضعف، وابتسم ابتسامة صفرا ومستفزة وقال بصوت مبحوح:
- يا سيادة الرائد.. قولتلك الموضوع حصل من 20 سنة.. زمان جثــ ـته راحت وبقت كوم تراب و مش هتلاقوها.. هتتعبوا نفسكم على إيه؟
ياسر مسمعش منه الكلمة التانية، وراح لاطشه حتة كف خماسي الأبعاد ، سمّع في الممر برا، وقع مدحت على الأرض ووشه اتلوح.
ياسر نزِل لمستواه وزعق في وشه:
- انطق يا روح أمك! أنت ناسي إن فيه حاجة اسمها بحث جنا.ئي وطب شرعي يجيبوا العضمة من تحت الأرض ولا إيه؟! انطق بدل ما أخلي عضمك أنت اللي يبقى تراب هنا!
مدحت كح د.م، وقال وهو بيتألم ويضحك ضحكة شريرة:
- دفنته.. دفنته على طريق الجبال في (.......).. مش في القاهرة خالص.. بس الظاهر كدا.. الظاهر كدا إن الديابة والكلاب الجعانة نهشت فيه من زمان و متبقاش منه حاجة.. هههه!
ياسر لم يتحمل الندالة دي، ومن كتر الغل والـقرف، رفع رجله ورفسه في بطنه رفسة موتته من الوجع، خلت الراجل يصرخ صرخة مكتومة ويقع على جنبه ومغمى عليه تماماً وقاطع النَفَس.
ياسر عدل جاكيته وهو بيتنهد بضيق، والتفت وبص لأسيل اللي كانت لسه بتبكي . قرب منها خطوتين وقال بنبرة هادية بس رسمية :
- آنسة أسيل.. أنتِ لسه متهمة في القضية دي ل حين ما نثبت براءتك بشكل رسمي.. كل اللي أقدر أقولهولك دلوقتي، ربنا يصبرك على الصدمة دي. ولما نلاقي دليل براءتك، وفعلاً نلاقي كلامه صح وإنك مالكيش أي علاقة بأى جر.يمة تخصه والشبكة دي كلها.. هنسيبك فوراً وترجعي بيتك.
ثم التفت للباب وزعق:
- يا عسكري!
دخل العسكري بسرعة ووقف انتباه:
- تمام يا فندم!
ياسر شاور على أسيل وقال:
- خد أسيل وديها الحجز.. وفك الكلبشات من إيدها .
أخد العسكري أسيل ومشي بيها في الممرات لحد ما وصلوا لعنابر الحجز. فك الكلبشات الحديدية من إيدها اللي كانت معلمة ومحمرة. أسيل دخلت الحجز وقعدت في الزاوية على الأرض، تائهة تماماً، بتبص للأفق وبعيون شاردة ودموعها جفت على وشها، مش سامعة ولا حاسة باللي حواليها من كتر الصدمة.
في اللحظة دي، تقدمت منها ست غريبة، شكلها من بتوع المشاكل، ولابسة عباية سودا، .. دي كانت "سعدية"! سعدية بصت لأسيل بذهول وضربت كف على كف وقالت بصوت عالي:
- إيه ده؟! بت يا أسيل!! إيه اللي جابك هنا يا ولية يا بومة يا خراب البيوت تاني ؟! اتصدقي وتؤمني بالله؟ انا سمعت نصيحتك و طلعت عين جوزي و خليته يطلقني !
أسيل بصت لسعدية بتوهان تام، عيونها كانت فاضية ومش شايفة سعدية أصلاً، وسكتت ومردتش ولا بكلمة واحدة، ورجعت حطت راسها بين ركبتها. سعدية استغربت سكوتها وقالت:
- مالك يا بت؟ هي القطة كلت لسانك جوة المديرية ولا إيه؟ بس أسيل فضلت في عالم تاني.
في مكتب الرائد ياسر، كان أحمد واقف ساند ضهره على المكتب، وباصص لياسر اللي كان بيلم حاجته. أحمد تنهد وقال بقلق:
- وبعدين يا ياسر؟ هنعمل إيه في الحكاية دي الموضوع طلع كبير ؟
ياسر رد ببرود وهو بيلبس كاب الشرطة وبيركب مسدسه في حزامه:
- ولا قبلين يا أحمد.. هنروح المكان اللي قال عليه فورا..ً ومعانا فريق البحث الجنائي والكلاب البوليسية والطب الشرعي.. الأرض دي هتتقلب شبر شبر لحد ما نطلع جثــ ــــــته.
أحمد سأله:
- تمام.. والتحريات القديمة؟
ياسر كمل وهو بيمشي ناحية الباب:
- أنا أصدرت أوامر فعلاً بالبحث عن كافة تحركاته ونشاطاته وطرق سفره طول الـ 20 سنة دول.. مش هنسيب ثغرة واحدة.
أحمد مشي وراه وسأله بفضول:
- وملف أسيل؟ هنعمل فيه إيه والنيابة مستنياه؟
ياسر رد من غير ما يلتفت:
- ملف أسيل متشغلش بالك بيه دلوقتي.. أنا هقفل المحضر بطريقتي.
بينما كان ياسر بيظبط كاب الشرطة على راسه ومستعد يخرج للشارع عشان يقلب الجبل، الباب اتفتح فجأة ودخل العسكري "بوسي" اللي أسيل كانت بتدور عليه. دخل ووقف انتباه وضرب تعظيم سلام وقال :
- تمام يا فندم! أم الآنسة أسيل اللي في الحجز وصلت برا في الممر، ومعاها المحامي بتاعها وطالبين يقابلوا سيادتك فوراً!
ياسر أول ما سمع السيرة، ملامح وشه اتقبضت، ونفخ نَفَس طويل مليان زهق وضيق وضرب كف على كف وقال بعصبية:
- أنا مش ناقص هطل على المسا.. وهو ده وقته خالص؟! إحنا ورانا بدل القضية عشرة و جثــ ـة مدفونة من عشرين سنة !
التفت ياسر لأحمد وبص له برجاء وكأنه بيستنجد بيه وقال:
- أحمد.. معلش، خليك أنت هنا في المكتب واتكلم معاها وشوف المحامي ده عايز إيه.. ربنا يصبرك بقى على دماغها، أنا غاير في داهية أشوف الحكاية دي إيه وألحق فريق الطب الشرعي قبل ما الليل يليل علينا!
أحمد رمى راسه لورا وتنهد وجلس على كرسي المكتب، وبص لياسر وهو بيقفل جاكيته وبيجري على السلم وقال:
- ماشي يا ياسر.. روح أنت وأنا ليا الله.. حسابي معاك بعدين على الصداع النصفي اللي هيجيلي ده.
أحمد شاور للعسكري بوسي وقال بنبرة جافة:
- دخلهم يا عسكري.. اما نشوف آخرتها.
الباب اتفتح ودخلت الحاجة فاطمة بتجري، ولابسة العباية السودا ، وبيجري وراها راجل قصير، لابس بدلة واسعة عليه جداً كأنه مستلفها من أخوه الكبير، وشايل في إيده شنطة جلد مقشرة ومربوطة بحبل!
أول ما فاطمة شافت أحمد قاعد لوحده، عيونها لمعت ورفعت إيدها الاتنين في الهواء وصوتت بسِنة بهجة:
- حي!.. يا سعادة الباشا العسل! صاحبك الظبوطة الزيتوني القمر فين؟ مشي وسابك؟ يلا مش مهم، أنت تسد عين الشمس وتنور المديرية كلها! أنا جيبت المحامي أهو لبنت العبيـ ـــطة بنتي.. يلا إن شاء الله ما حد حوش! هندفع للمحاميين عشان نطلع البت من الحجز قبل ما تاكل أكل الحكومة!
أحمد بص للمحامي من فوق لتحت بذهول، وقال في سره:
- إيه ده؟! ده محامي من تحت بير السلم حرفيا!ً ده شكله طالع من قاع البير نفسه! .
البدلة مبهدلة، والقميص لياقته دايبة، والراجل عمال يعرق ويهز في راسه بخوف من شكل المديرية والسلا.ح.
أحمد شاور لهم على الكراسي وقال بنبرة صارمة:
- اقعدوا يا حاجة.. اقعد يا أستاذ وخلينا نفهم الحكاية ونحط النقط على الحروف.
المحامي قعد على طرف الكرسي وهو بيعدل نظارته المكسورة اللي ملزوقة ببلاستر، وطلع كشكول صغير وقال بصوت مرتعش يحاول يخليه فخم:
- خير يا سيادة الرائد.. في إيه بالظبط؟ الحاجة فاطمة الله يهديها جابتني من القهوة وقالت لي إن السبب تافه جداً.. يعني الموضوع كله شوية صابون ومَاية غسيل اتكبت على سيادة الرائد التاني والموضوع بسيط .. وممكن نحله ودي بكفالة اتنين جنيه ونص ونمشي!
أحمد أول ما سمع كلمة "اتنين جنيه ونص وصابون"، مسك دماغه بإيديه الاتنين ونفخ بغيظ حقيقي وعروق جبهته ظهرت وزعق:
- يا رب الصبر من عندك! صابون إيه ومَاية إيه و اتنين جنيه ونص إيه يا عالم يا مجانين أنتوا؟! الموضوع أكبر من كدا بمراحل.. إحنا في مصيبة جنا.ئية و قضية أمن دولة!
الحاجة فاطمة اتخضت ولطمت بخفة :
- يا لهوي! مصيبة إيه يا فنان؟ البت كبت برسيل جيل مش بودرة والله! دا بينظف البقع!
أحمد وقف من ورا مكتبه وبدأ يمشى في الأوضة، وبص لفاطمة بجدية شديدة ، وبدأ يحكي لها كل حاجة من الأول.. حكاية الشبكة الدولية، والصدمة الكبيرة إن عم أسيل لسه عايش ومماتش من 20 سنة زي ما فهموهم! ، وجرا.يم مدحت كلها ، ولما وصل للنهاية، صوته هدي وقال بأسف:
- والصدمة الأكبر يا حاجة.. إن جوزك مماتش في حادثة طريق.. جوزك مقـ ـتـول بدم بارد على إيد أخوه مدحت عشان يسرق الورث كله.. وياسر دلوقتي أخد القوة ورايح الجبل يدور على مكان الجثــ ـة عشان نطلع الأدلة!
الكلام نزل على دماغ الحاجة فاطمة زي الصاعقة! الصدمة شلت لسانها، وعيونها وسعت لدرجة الرعب، ووشها اتقلب ألوان وجف تماماً. جوزها.. شريك عمرها وأبو عيالها اللي عاشت 20 سنة تبكي عليه وتفتكره مات في حادثة قضاء وقدر، يطلع مقـ ـتـول؟ ومين اللي قتله؟ أخوه! دمه ولحمه اللي كانت بتعمله أكل وبتستقبله هي و جوزها في بيتهم !
فاطمة نزلت دموعها مغرقة وشها وقالت بصوت مبحوح ومكسور لأول مرة:
- يا مراري الأسود يا خراب بيتك يا فاطمة! أبو العيال مقـ ـتـول ؟ مدحت يقتـــ ـــله ؟ الراجل الطيب يتدفن في الجبل والكلاب تاكله؟ يا حسرتي عليك يا أبو أسيل.. يا كسرة ضهري وضهر عيالك!
المحامي أول ما سمع سيرة " قتــ ــل و جثـ ـــــة وأمن دولة وجبل"، كشكوله وقع من إيده، ووشه اصفر وبقى زي الليمونة، وقام وقف وخد خطوتين لورا وقال برعب:
- أنا ماليش دعوة يا باشا! أنا محامي إيصالات أمانة ونفقة بس! قتــ ــل و جثـ ـــــث إيه؟ أنا هنسحب من القضية دي فوراً.. يا فكيك!
وخد بعضه وجرى برا المكتب كأن ديب بيطارده!
- وبعدين يا سعادة البيه؟ هنعمل إيه؟ أنا عايزة أشوف بتي أسيل.. أرجوك يا باشا خليني أدخل أحضنها وأخدها في حضني! البت ملهاش ذنب.. البت هبلة ومبتعرفش حاجة عن البلاوي دي كلها! أرجوك يا أحمد بيه!
أحمد حاول يهديها وقال بنبرة حازمة بس فيها رحمة:
- أولاً يا حاجة.. تتكتموا خالص ومسمعش صوت الصويت ده هنا في المديرية عشان ده مكان شغل. ثانياً.. وجودك هنا دلوقتي ملهوش أي داعي ومينفعش تشوفي بنتك خالص في الوقت الحالي لحد ما التحقيق الأوّلي يخلص والطب الشرعي يأكد كلامنا.
فاطمة بكت:
- يعني بنتي هتفضل في الحجز يا بيه؟
أحمد قعد تاني على الكرسي وقال:
- شغلنا دلوقتي هيكون مع محامي رسمي ومحترم هتعينه النيابة لما يبص في الأوراق ويثبت إن أسيل ملهاش علاقة بالشبكة دي. اتفضلي حضرتك دلوقتي وروحي بيتك، وأنا بوعدك لو بنتك بريئة و هبلة زي ما إحنا شايفين، هتخرج وترجع لحضنك في أسرع وقت. اتفضلي يا حاجة مع العسكري برة.
خرجت فاطمة وهي بتجر رجليها وبتبكي بقلب أم محروق، وأحمد قعد على مكتبه ونفخ وقال:
- يا ترى يا ياسر هتلاقي إيه في الجبل؟ والرحلة دي أخرتها إيه؟
في عز ما كان الليل بيسحب ضله الكحلي على طريق الجبال الوعر برا حدود القاهرة، كانت كشافات عربيات المباحث والبوكسات مالية المكان . الجو كان ساقعة وهوا الجبل ليه صفير يرعب، بس ياسر كان واقف في وسط الطريق الجبلي، حاطط إيده في جيبه، ونظرات عينه حادة وبتلف المكان ببرود وتركيز مخابراتي عالي جداً.
جمبه كان فريق البحث الجنا.ئي بكامل عدته، ورجال الطب الشرعي واقفين مستنيين الإشارة، والكلاب البوليسية عمالة تشمشم في الأرض وتهوهو بصوت مكتوم.
العسكري خضر قرب من ياسر وضرب تعظيم سلام وقال بنبرة قلقانة:
- يا فندم.. الكلاب حددت النقطة دي بالظبط زي ما المتهم مدحت وصف في التحقيق.. قال إن الجثـــ ـــة تحت الصخرة الكبيرة دي.. نتوكل على الله ونحفر؟
ياسر مردش علطول.. فضِل واقف مكانه، عينه راحت للصخرة، وبعدين بص للأرض اللي حواليها، ولمح نكش غريب في التراب، كأن في حاجة اتدفنت قريب مش من 20 سنة!
ابتسامة سخرية خفيفة ظهرت على طرف بؤ ياسر، ولف وشه لخضر وقال بنبرة هادية بس ترعب:
- مدحت؟ مدحت عبد العزيز يعترف بالسهولة دي ويقول على مكان الجثة عشان يريحنا؟ هه.. ده لو بيموت مش هيريحني يا خضر.. الراجل ده وشه كان مليان غدر وهو بيتكلم.
خضر استغرب وقال:
- يعني إيه يا فندم؟ الكلام كدب؟
ياسر رجع خطوتين لورا وشاور لرجال البحث الجنائي وقال بصوت جهوري صارم:
- كل الناس ترجع لورا فوراً!! مفيش فأس واحد يلمس الأرض دي! هاتولي أجهزة كشف الألغام والمتفجر.ات من العربية حالاُ.. اخلص!
الدكتور بتاع الطب الشرعي بص لياسر بذهول وقال:
- ألغام إيه ومتفجرات إيه يا سيادة الرائد؟ إحنا جايين نطلع هيكل عظمي!
ياسر بص له بجمود وقال:
- المجر.م مكنش بيعترف يا دكتور.. مدحت كان بيسحبني أنا ورجالتي لفخ عشان يخلص مننا ويدفن القضية بجد.. الراجل ده زرع لينا مصيبة تحت الصخرة دي ومتأكد إننا هنيجي نحفر بالعمي!
وفعلاً، العساكر جابوا الأجهزة وبدأوا يمشوها على التراب بحذر شديد.. وفجأة.. الجهاز بدأ يصفر بصوت متواصل وسريع ، ويطلع إضاءة حمرا متواصلة و متقطعة و متكررة!
العسكري وشه اصفر ورجع لورا وهو بيترعش:
- قنبلة!! يا فندم في لغم أرضي متوصل بسلك تحت الصخرة.. لو كان الفأس خبط فيه، كنا اتفرتكنا كلنا في الجو ومبقاش لينا أثر!
الكل وقف متسمر من هول الصدمة، وياسر فضِل واقف مكانه متهزش منه شعرة، ملامحه كانت جامدة كأنه كان متوقع،
وبص للأرض وقال بهدوء مميت :
- ماشي يا مدحت.. حسابك تقل معايا أوي.. هاتولي الخبير يتعامل ويفك السلك ده في ثانية من غير ما نلمس الصخرة.
بعد نص ساعة من التوتر وحبس الأنفاس، خبير المتفجر.ات قدر يفك الدائرة ويسحب اللغم بأمان.
ياسر شاور للعساكر وقال:
- دلوقتي بقى.. احفروا وطلعولي الراجل اللي مدحت دافنه هنا!
بدأ العساكر يحفروا بهمة وسرعة، والكل واقف مستني يشوف بقايا جثـــ ـــة أبو أسيل بعد 20 سنة.. الفأس خبط في حاجة خشب ناشفة.... العساكر وسعوا التراب بإيديهم وظهرت ملامح صندوق خشبي قديم ومكسر من أثر الزمن.
الدكتور بتاع الطب الشرعي قرب، والعساكر رفعوا غطا الصندوق.. وهنا.. نزلت الصدمة اللي شلت عقول الناس كلها وقفلت بؤهم من الذهول!
الصندوق كان.. فاضي تماماً!! مفيش جثة! مفيش عضم! مفيش أي أثر لبني آدم مدفون هنا من 20 سنة!
الدكتور فحص الصندوق القديم والتراب اللي جواه وبص لياسر وعيونه لفت من الصدمة وقال بصوت مرتعش:
- يا فندم.. الصندوق ده فعلاً قديم ومقفول .... وماتفتحش من 20 سنة خالص.. يعني مفيش جثة اتسرقت قريب.. الصندوق ده اتدفن من زمان وهو..... وهو فاضي!!
ياسر أول ما سمع الجملة دي، عينيه وسعت على الآخر، وصدمة رهيبة شلت تفكيره لثوانٍ.. الصندوق فاضي وماتفتحش من 20 سنة؟ يعني مدحت مقتـ ـلش اخوه؟ ولا قتـ ـــله ودفنه في مكان تاني؟ ولا الصدمة الأكبر.. إن أبو أسيل مماتش أصلاً يومها ولسه عايش على وش الدنيا دلوقتي؟!
ياسر حس إن الأرض بتلف بيه، واللعبة طلعت أكبر وأعمق من شبكة تهريب ومجر.م غبي.. دي حكاية مرعبة مفيش حد فاهم أولها من آخرها! ياسر جز على سنانه وعروق جبهته نطت وزعق في الجبل بصوت مرعب:
- اِقفلوا المكان فورا!!ً ونقالة سريعة على المديرية.. الليلة دي مش هتعدي غير لما أعرف مين اللي عايش ومين اللي ميت في العيلة دي!!
يتبع .........
