رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9

رواية لولا الغرام بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل التاسع 9

«وَقَفَ يَنْسُجُ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ حَبَائِلَ المَكْرِ، وَيَنْفُثُ فِي خُيُوطِ الوَهْمِ سُمُومَ حِقْدِهِ، كَانَ يَحْسَبُ أَنَّهُ الأَذْكَى، وَأَنَّ غَفْلَةَ ضَحِيَّتِهِ سَتَطُولُ وَتَبْقَى، ظَنَّ أَنَّ شِبَاكَ كَيْدِهِ المَحْبُوكَةَ مَصْيَدَةٌ لَا تُخْطِئُ صَيْدَهَا أَبَداً، فَتَرَاقَصَتْ فِي عَيْنَيْهِ أَطْيَافُ نَصْرٍ زَائِفٍ، وَمَضَى يَسْكُبُ كَأْسَ الخَدِيعَةِ بِنَشْوَةٍ، مُتَرَقِّباً لَحْظَةَ السُّقُوطِ بِشَغَفٍ، وَفَجْأَةً، عَصَفَتْ رِيَاحُ الحَقِيقَةِ فَمُزِّقَتِ الأَشْرِعَةُ، وَارْتَدَّ السَّهْمُ المَسْمُومُ لِيَسْتَقِرَّ فِي قَلْبِ مَنْ أَطْلَقَهُ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ إِيذَاءَ النَّاسِ يَبْنِي لَهُ مَجْداً، لَمْ يَجْنِ مِنْ كَيْدِهِ إِلَّا هَوَاناً وَهَدْماً.»
بقلمي روز أمين
______________
1

وقف أمام مدير أمن الفندق بثباتٍ لا يتزعزعُ ،مشيرًا بجرأة نحو خزانته الخاصة، ثم أطلق كلماته بثقة بالغة:
-ده دولابي يا افندم، اتفضل فتشه براحتك.

تطلع إليه المدير في نظرة خاطفة، قبل أن يتجه بخطوات حاسمة نحو الخزانة، راح يقلب بنفسه محتوياتها تحت ارتفاع دقات قلوب أصدقائه، ونظرات يحيى الشامتة، الذي وقف يترقب المشهد بابتسامة نصر لم تدم طويلًا،فقد تلاشت الابتسامة تدريجيًا وحلت مكانها صدمة عارمة، حينما أنهى مدير الأمن تفتيش الدولاب بالكامل دون أن يعثر على الساعة المفقودة، لم يكتفِ المدير بذلك، بل التفت إلى رشيد وسأله بنبرة حادة:
- فين سريرك؟

أشار ببرودٍ إلى أحد الأسرة دون أن ينطق بكلمة،
فأومأ مدير الأمن لأحد رجاله، فتقدم مسرعًا يعبث بالفراش والوسائد بدقة، ثم التفت إلى رئيسه قائلًا وسط ذهول يحيى وجنونه المكظوم:
-مفيش أي حاجة يا فندم.

اتسعت عينا يحيى بصدمة بالغة، بينما غمغم مدير الأمن وعيناه تائهتان في عيني رشيد المستقرتين:
- مفيش حاجة إزاي؟! طب والبلاغ اللي جالنا؟! والساعة اللي اختفت راحت فين؟!

هنا تدخل سامر، وهتف بصوت قوي وعينين تلمعان بالفرحة:
-أنا قولت لحضرتك من الأول إن رشيد مستحيل يعمل كده، وأكيد اللي قدم فيه البلاغ ده حد حقير وبيغير منه.
1

تنهد الرجل بضيق، وهز رأسه بههدوءٍ مستسلم وهو يشير لرجاله بالمغادرة، خطى خطوة نحو الباب، لكن صوت رشيد القوي أجبره على التوقف مكانه حين قال بصوتٍ ثابت:
- هو حضرتك رايح فين يا فندم؟

التفت إليه الرجل مستغربًا، فتابع الآخر بنظرة حادة ونبرة صوت قوية مستنكرة:
- مش المفروض تكمل تفتيش الأوضة؟ ولا أنا لوحدي اللي شبهة ووش إجرام وباقي زمايلي ملايكة؟
1

ارتسم الوجوم على وجه سامر وبقية زملائه الذين عاتبوا رشيد بنظراتهم، مستنكرين فتحه لباب الشك مجددًا، بينما تجمد يحيى في مكانه لتملؤه الريبة.

في حين استطرد رشيد حديثه بقوة وشجاعة:
- حضرتك جيت لحد هنا، والمفروض تكمل باقي الدواليب والأوضة كلها.

رمقه الرجل بسخرية قبل أن يتهكم باستنكار:
-وانتَ بقى اللي هتعرفني شغلي؟

أجابه بدبلوماسية ذكية تسبق عاصفته:
-العفو يا فندم، بس تفتيشي لوحدي دونًا عن زمايلي فيه إهانة ليا وجرح لكرامتي، وأنا عمري ما أقبل بكده.

شد جسده بشموخٍ ليسترسل بتهديدٍ مبطن:
-وعلشان كده، يا الكل يتفتش، يا إما هضطر أبلغ إدارة الفندق باللي حصل معايا.
1

استطاع بكلماته الواثقة أن يهز ثبات الرجل، فقد أدرك للتو أنه خالف بروتوكول العمل الذي يلزمه بتفتيش الغرفة كاملة فور تلقي بلاغًا، وأن موقفه القانوني بات ضعيفًا، التفت إلى رجاله وقال بنبرة روتينية جافة:
- فتشوا الأوضة كلها.

تفرق الرجلان بينما كان يحيى واقفًا والحقد يلتهم داخله، وعقله مشتت في تفسير نظرات رشيد الواثقة، حتى اخترق الصمت صوت أحد أفراد الأمن وهو يصيح:
- الساعة اهي يا فندم.

اتجهت جميع الأعين نحو الرجل بذهول وصدمة، وهو يخرج الساعة الثمينة من جيب أحد الجواكت المعلقة في خزانة يحيى.

ذُهل الجميع، باستثناء رشيد الذي تلاقت عيناه بعيني يحيى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شامتة باردة، بينما الآخر هز رأسه بجنون وهو يتراجع للخلف رافضًا تصديق ما تراه عيناه.

سأل مدير الأمن بحدة، وعيناه تجوبان الوجوه:
- الدولاب ده بتاع مين؟

أشار رشيد بكل ثقة وهدوء قائلًا:
-بتاع يحيى عبد الحق يا فندم.

التفت يحيى إليه وعيناه تتسعان ذهولاً، ليقابله رشيد بـبرودٍ قـاتل رافعًا حاجبه الأيسر،ثم خرجت ابتسامة تهكمية من جانب شفته كانت كافية لـيفهم يحيى كـل شيء، لـقد تغيرت قواعد اللعبة الآن، فقد أعاد رشيد خـلط الأوراق،ليترك يحيى يـتجرع مرارة الحسرة والهزيمة.
1

«فلاش باك»
قبل عدة ساعات من الآن، وأثناء ما كان في ساعات دوام العمل، شعر رشيد بصداع حاد يكاد يشطر رأسه، استأذن من رئيسه في العمل متعللاً بألمه، وقرر العودة إلى غرفته ليتناول قرصًا مسكنًا يهدئ من وطأة الألم،وما إن اقترب من الممر المؤدي للغرفة، حتى شعر بالريبة عندما لمح يحيى يتسلل بخطوات مريبة، يتلفت حوله بعينين زائغتين ويبدوا عليه الارتباك، كمن يقترف ذنبًا ويخاف أن ينكشف،شعر بريبة دفعته للاختباء سريعًا خلف الجدار مستطلعًا الأمر، بدأ يتحرك خلفه بخطوات مدروسة وهادئة كالظل، دخل يحيى الغرفة وترك الباب مواربًا بمسافة بالكاد تسمح لعينٍ فضولية برؤية ما يحدث، اقترب وحبس أنفاسه، متطلعًا من تلك الفتحة الصغيرة،ليقطب جبينه متعجبًا وهو يرى يحيى يفتح خزانة ملابسه هو.
2

انسحب بخفة واستدار مهرولاً يختبأ خلف الحائط، منتظرًا بقلب ينبض بالشك حتى خرج يحيى وغاب عن الأنظار تمامًا، تحرك ودخل غرفته والفضول يحركه، فتح خزانته وبدأ يفتش بين ثنايا ملابسه بدقة، ليتفاجأ بساعة يد فخمة وباهظة الثمن مخبأة بعناية، في تلك اللحظة، أدرك أن هناك خدعة وخطة تحاك له،وأن هذا الحاقد ينسج له فخًا ليغدر به.

وبلحظة تفكير خاطفة وسريعة، أمسك أحد المحارم الورقية والتقط بها الساعة، وفتح خزانة الآخر، ليضع الاثبات في جيب سترته المعلقة ، ثم أغلق الخزانة، وتناول قرص الصداع، وعاد إلى عمله بملامح باردة كأن شيئًا لم يكن.

«العودة إلى الحاضر»
استقرت عينا يحيى المذهولتين في خاصتي رشيد، الذي كان ما يزال يحتفظ بابتسامته الباردة المستفزة، دخل يحيى في نوبة هستيريا، وصدح صوته المرتجف قائلًا باعتراضٍ:
-يا فندم أنا ماعملتش حاجة، ده أكيد حد حاقد عليا هو اللي حطها في وسط هدومي.

رمقه مدير الأمن بنظرة مشمئزة، والتفت إلى رجاله آمرًا بحدة:
-هاتوه وتعالوا ورايا على المكتب.

صاح بجنونٍ وقد أوشك على فقدان عقله:
-والله يا فندم ما عملت حاجة، أرجوك اسمعني وخليني أشرح لك اللي حصل.

سحبه رجال الأمن بقسوة كما يُسحب اللصوص، التفت ببصره نحو رشيد الذي اقترب منه خطوة، وهمس بابتسامة تشفي ووعيد:
-اجمد أمال وخليك راجل يا يحيى.

برغم موقفه المخزي، إلا أنه رد عليه بنبرة حملت تهديدًا مع نظراتٍ توعدية:
-ماشي يا رشيد، الأيام بينا يا ابن المسيري.

غادر رجال الأمن وسحبوه معهم، ليقترب سامر من صديقه بملامح يكسوها الذهول من هول الموقف، وسأله بعدم استيعاب لما حدث:
-هو في إيه يا رشيد؟ أنا مش فاهم أي حاجة؟!

بلحظة انطفأت ابتسامته الباردة، وحلت مكانها ملامح غاضبة حادة، ليخرج صوته متحشرجًا بمرارة:
-في إن الحقير ده كان عاوز يلبسني في سرقة الساعة ويضيع مستقبلي يا سامر.

التف الجميع حوله والوجوم يخيم على وجوههم، بينما انطلق رشيد يسرد لهم تفاصيل المؤامرة الدنيئة التي حيكت ضده في الخفاء، وسط ذهول وصدمة كل الحاضرين من مدى حقارة ذلك الصديق المزيف.

******
في ردهة قصر "منير الخولي" الفارهة، كانت نهلة تهبط درجات السلم الرخامي الممتد من الطابق الثاني، حين انفتح باب القصر الداخلي ليدلف منه شقيقها'رائد"، في التوقيت ذاته، خرجت راندا من مكتب زوجها، وقفت بشموخها المعهود وكبريائها الذي يغلف كل حركاتها، ووجهت نظراتها ترحيبًا بابنها قائلة بنبرة وقورة:
: حمد الله على السلامة يا سيادة المستشار.

رسم على شفتيه ابتسامة روتينية هادئة أملتها عليه طبيعته وأجابها :
-الله يسلمك يا ماما.

واستطرد يسألها عن شقيقه:
-هو حسام موجود؟
أجابته بهدوء وثقة:
-آه يا حبيبي، فوق مع مراته.
قطبت جبينها وسألته:
-بتسأل عليه ليه؟!

رد مقتضبًا:
-كنت محتاج أسأله في حاجة ضرورية في الشغل.

في تلك الأثناء، اقتربت نهلة منهما، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة وهي توجه حديثها لشقيقها:
-إزيك يا رائد.

رد بهدوء:
-إزيك انتِ يا نهلة، أخبارك إيه؟
نظرت إليه بهدوءٍ وصفاءٍ تجليا في نبرات صوتها وهي تقول:
-بيرفيكت.

ابتسم بهدوء، بينما اقتربت منه والدته لتعدل له ربطة عنقه بعناية، وسألته بنبرة عتابٍ مبطن:
-إنتَ مابتخرجش خطيبتك ليه يا رائد؟

ضيق بين عينيه باستغراب، وسألها مشككًا:
-هي اشتكت لحضرتك؟

نفت الأمر سريعًا، وهزت رأسها بثقة وثبات وهي تقول:
-خالص، البنت هايلة وفرحانة بيك جداً، مفيش مناسبة أشوفها فيها أو أكلمها في التليفون إلا وتقولي فيك شعر.

ثم تابعت بنبرة حذرة حملت نوعًا من الريبة:
-بس أنا مش عاوزاك تهملها، وتوصلها لمرحلة لإنها تشتكي من عدم اهتمامك.

أومأ لها بتفهمٍ، فتابعت هي بجدية وحزمٍ تحت نظرات نهلة التي كانت تتأملهما بتعجب، مستغربة من آلية تفكير هؤلاء البشر وجفاف مشاعرهم:
-أنا هحجز لكم بكرة في الأوبرا، في حفلة الساعة تمانية.

أجابها باقتضابٍ:
-أوك يا ماما، هبقى أعمل حسابي.

لم تستطع الصمت، وقررت التدخل بتلقائية،فتمتمت باعتراضٍ:
-أوبرا إيه يا ماما اللي هتحجزي فيها لبنت عندها واحد وعشرين سنة؟.

ثم التفتت إلى شقيقها، وتابعت بحماس جارف لمع في عينيها:
-وديها سينما يا رائد، احضروا فيلم رومانسي أو حتى أكشن، هات لها فشار وآيس كريم، واقعدوا اتكلموا مع بعض، اسألها عن نفسها واهتماماتها، بتحب إيه وبتكره إيه
وتابعت بنُصحٍ صادق:
-البنات بتحب الأجواء دي جداً، وأكيد ده هيقربكم من بعض أكتر.

وضع يديه في جيبيه ببرودٍ يخفي خلفه كبرياءً مفرطًا، ووجه إليها نظرة فاحصة، تحت مسمع ومرأى من والدته التي كانت تتابع الموقف بابتسامة ساخرة، التفت إليها وسألها بنبرة حملت في طياتها تهكمًا مبطنًا:
-خلصتي كلامك؟
1

شعرت بسخريته عبر سؤاله، فالتزمت الصمت واكتفت بهزة واهنة من رأسها، معلنةً استسلامها أمام جبروته.

التفت إلى والدته، وتحدث بنبرة آلية جافة:
-احجزي تذاكر الأوبرا يا ماما.

ثم عاد ببصره إلى نهلة، واكتست ملامحه بجدية صارمة وهو يقول بنصخٍ:
-اتعودي إنك تعملي حساب لكل خطوة بتخطيها كويس أوي، وقبل ما تتحركي احسبي الخطوة دي هتفيدك بإيه، وإيه الضرر اللي ممكن تتعرضي له من وراها.

وتابعت بطريقة غُلفت بالكبرياءُ:
-ولازم تفهمي إن الدنيا دي طبقات، وتتعاملي بناءً على الطبقة اللي إنتي منها.

طغى الضيق على ملامحها، وسرعان ما تبدل إلى تحدٍ صارخ وهي تسأله بنبرة ساخرة لم تحاول حتى إخفاءها:
-وإيه بقى الضرر العظيم اللي هيعود على جنابك لما تاخد خطيبتك وتروحوا السينما يا سيادة المستشار؟!

انتصب في وقفته بكبرياء مبالغ فيه، وأجابها بصوت قوي وحازم:
-شغل السينما والكلام الفاضي ده يمشي مع شاب عادي رايح هو وخطيبته يفرحوا لهم شوية، مش وكيل نيابة عنده طموحات بأنه يوصل لأعلى المناصب في السلك القضائي.

راق حديثه وكبريائه كثيراً إلى راندا، فراحت تهتف بفخرٍ وهي تشملهُ بإعجابٍ:
-برافو عليك يا رائد، أنا فخورة جداً بنُضج تفكيرك .
3

وقفت بينهما في حيرة، تشعر بتيهٍ وبغربة تبتلعها،راحت تسأله بعدم استيعابٍ:
-هو فيه لوايح بتمنع إن رجل القضاء يعيش حياته؟

اقترب منها خطوة، ومد ذراعه ليحيط كتفها باحتواء حانٍ حمل بعض التملك، محاولًا تهدئة ثورتها الصامتة،وهو يقول بنبرة هادئة:
-تعالي نحسبها واحدة واحدة ونتخيل بعض السيناريوهات اللي ممكن تحصل، خليني سمعت كلامك وروحت السينما وقعدنا، وحد من الشباب الصيع اللي موجودين، وما أكثرهم... قالها وتابع مسترسلاً:
-حب يستظرف ورخم علينا.

صمت للحظة، ثم أشار إلى صدره وتابع وعيناه تتفحصان رد فعلها:
-أنا هيبقى قدامي حل من اتنين، يا هبلع الإهانة وأكمل بقية حياتي مش راجل في عين الست اللي شافت إهانتي بعينيها، يا هتهور وأضربه ووقتها الشرطة هتتدخل وهيتعملي محضر، يفضل وصمة في تاريخي
واستطرد موضحًا:
-وانسي بقى إني أمسك أي منصب كبير بعد كده.

تأملت ملامحه بذهول واستغراب شديدين،فقد كان تفكيرهُ أشبه بآلة مضبوطة تحسب للخطوة ألف حساب قبل البدأ فيها، في حين تابع هو حديثه بنبرة المعلم:
-أنا بحكم شغلي بشوف من نوعية القضايا دي كتير، علشان كده قولت لك في أول الكلام لازم تعملي لكل خطوة في حياتك حساب.

إرتسمت على شفتاه ابتسامة هادئة خففت من حدة ملامحه، ثم التفت إلى والدته مغيرًا مجرى الحديث:
-أنا طالع آخد شاور على ما تجهزوا العشا يا ماما.

أجابته بابتسامة حانية:
-تمام يا حبيبي.

انسحب بخطى واثقة صاعدًا درجات السلم، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً، التفتت نهلة نحو والدتها، وأشارت بيدها نحو غرفة المكتب،وهي تسألها بهدوء:
-بابا في المكتب يا ماما؟
أومأت برأسها وأجابتها بهدوء:
-آه يا نانا، ولو هتدخلي له بلغيه إن العشا هيكون جاهز بعد عشر دقائق بالظبط.

_______*______
طرقت باب المكتب بخفة، ثم أطلت برأسها، والابتسامة تملأ وجهها المشرق،خرجت من شفتيها نبرة غنج رقيقة وهي تقول:
: ممكن أزعجك شوية؟

كان يجلس خلف مكتبه، وما إن وقعت عيناه عليها، حتى زالت أثار التعب عن وجهه، واتسعت ابتسامته لتزين عينيه، فتح لها ذراعيه مرحبًا وقال بنبرة دافئة:
-إنتِ تزعجيني زي ما انتِ عاوزة.

أسرعت تتهادى نحوه، وانحنت لتلقي بنفسها بين ذراعيه، ضمها إلى صدره بقوة وأمان، واستنشق عبيرها وكأن رائحتها هي من تحييه، ثم تمتم بانتشاءٍ:
-حبيبة قلبي يا نهلة.

استقامت واقفة بينما ظل هو جالسًا، لكنها لم تفلت يديه، بل ظلت متشبثة بهما، تنظر إلى عينيه بفيضٍ من الحب والامتنان، تأمل ملامحها الجميلة وأردف وعيناه تلمعان:
-تعرفي إن ضحكتك دي هي اللي بتهون عليا كل تعب وهموم الدنيا يا نهلة.

لمست في نبرته مسحة من الشجن، فسألته باهتمام وقلق:
-وانتَ ليه مهموم يا حبيبي؟

تنهد بعمق، وكأنما يزيح جبلاً عن كاهله، ثم رد بنبرة مثقلةً بالهموم:
-ضغط الشغل يا بنتي، الفلوس الكتير دي ماجتش بالساهل، ده تعب ومجهود وشقى سنين كتير، والمسؤولية بقت كبيرة وتقيلة عليا أوي، خصوصًا مع سني ده.

صمت لحظة، ثم تنهد مجددًا وتابع باستسلامٍ:
-مش لو واحد من إخواتك مسك الشغل معايا، كان زمانه شايل عني المسؤولية شوية؟ بس نقول إيه بقى في حكم الملكة راندا

وتابع مسترسلاً بمشاكسة:
- لازم ولادها كلهم يتعينوا في السلك القضائي،علشان الصورة تكمل.

شعرت بوطأة الضغوط التي تحاصر قلبه، فأرادت أن تنزع عنه هذا الثقل بنعومتها المعهودة، اقتربت أكثر، وداعبت خصلات شعره قائلة بابتسامة رائعة:
-ما انت لسه شباب يا حبيبي، وزي القمر كمان
داعبت خصلات شعره من جديد وهي تقول:
-والكام شعرة البيض دول عاملين جو وحركات ومخليينك كاريزما، وزي ابطال السينما .

انطلقت منه ضحكة عالية رجت أركان الغرفة، ونظر إليها ممتنًا وهو يقول:
-يا بنت يا بكاشة، بس خلي بالك، إنتِ كده هتخليني أتمرد واتغر بنفسي.

ضحكت برقة وجارته في مزاحه قائلة:
-يحق لك الغرور يا منير باشا.

غمز لها بطرف عينه ضاحكًا، وهمس بملاطفة:
-آه لو راندا سمعتك وإنتي بتعاكسيني بالشكل ده.

علت ضحكتها وعلقت بمشاكسة:
-هتتهمني إني بلفت نظرك لنقاط المفروض ما تنتبه لها، يعني على اعتبار إنك لسه صغير ومعندكش خبرة وكده.

تعالت ضحكاتهما معًا، وامتزجت أصداؤها في الغرفة، تبددت فجأة سعادتهما، على وقع صوت راندا الذي خرج حادً، وهي تلوم ابنتها:
-هو ده اللي قولت لك عليه يا نهلة؟

التفتت بذعر طفيف نحو الباب حيث تقف والدتها، دون أن تفلت يد والدها الذي تشبث بها بدوره محتميًا ومدافعًا.

عقد حاجبيه بضيق طفيف وسألها مستنكرًا حدتها:
-فيه إيه يا راندا؟

ردت بجمود وجدية مفرطة:
-العشا على السفرة من بدري، والولاد كلهم مستنيينك يا منير، وأنا طلبت منها تبلغك إننا في انتظارك.

ثم رمت بنتها بنظرة حادة محملة بالتهكم، وتابعت:
-بس كالعادة، الأستاذة دخلت تهزر معاك ونسيت نفسها.

حاول منير تلطيف الأجواء المحتقنة، فقال بملاطفة لا تخلو من تهكم:
-إنتِ ليه محسساني إنها ضرتك وإنك قفشتينا مع بعض يا راندا؟

اتسعت عيناها بذهولٍ واستنكار عارم،قبل أن تقول بعتابٍ لاذع:
-منير، بلاش الألفاظ دي قدام البنت، نهلة مبقتش صغيرة على التصرفات دي.

تحرك منير من خلف مكتبه وجذب ابنته إلى أحضانه، فبدورها دثرت نفسها بين ضلوعه وأحكمت ذراعيها حول عنقه، فيما قال هو بنبرة تقطرُ حنوًا:
-بنوتي صغيرة، ومهما كبرت هتفضل في عيوني بنتي الحلوة أم ضفاير .

اتسعت ابتسامة نهلة، وشعرت بانتصارٍ دافئ وهي تغمغم بنعومة وصوتٍ متأثرًا بعشق والدها تلحنون:
-ربنا يخليك ليا يا بابا، وتفضل تدلع فيا العمر كله.

زفرت راندا وهزت رأسها وهي تقول باستهجان:
-محدش هيفسد تربية البنت دي غيرك يا منير، وبكرة هفكرك.

تحركت نحو الخارج وتابعت مسترسلة بحدة:
-يا ريت تتفضلوا على السفرة.

انحنى قليلاً وهمس في أذن ابنته بمرحٍ راق لها،وجعل قلبها يتراقصُ فرحًا:
-الست دي بتغير من علاقتنا خلي بالك.

تعالت ضحكتها الرقيقة، وتحركت بجوار والدها كتفًا بكتف نحو غرفة الطعام.

******

عودة مرةً آخرى للفندق، كان يقف في منتصف الغرفة،بقلبٍ يرتجفُ وعينين زائغتين، بينما يطوقه مدير الأمن بنظراته الفاحصة، لم يحتمل نظرات الاتهام، فصاح غاضبًا يحاول دفع الشبهة عن نفسه:
-يا فندم أنا لا يمكن أعمل كده، أنا ابن ناس ومستحيل أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي.

رمقه مدير الأمن بنظرة ساخرة، وارتفع صوته الحاد ليقطع دفاعه الواهي:
-إنت هتستعبط؟ أومال لو مكناش مطلعين الساعة من قلب هدومك ومن دولابك؟

شعر ببرودة الخوف تتدفق في عروقه، أدرك في تلك اللحظة أن التهمة ستلتصق به لا محالة، لم يجد مفرًا من التضحية بآخر أوراقه، فأنطقته الصدمة بالحقيقة التي كان يخفيها:
-يا فندم هكون سرقتها إزاي وأنا اللي مبلغ أصلاً عن رشيد!

اتسعت عينا مدير الأمن بذهولٍ ومزيجٍ من الشك، ورفع حاجبه متعجبًا،ليبادر يحيى بمتابعة كلماته لإنقاذ ما تبقى من سُمعته:
-أيوه يا فندم، أنا اللي كلمت حضرتك في التليفون، ولو عايز تتأكد أنا ممكن أوريك الكابينة اللي اتصلت منها بنمرة مكتبك هنا.
وتابع موضحًا:
- وأنا اللي قلت لحضرتك بالنص، إن الساعة اللي النزيل بلغ إنها اتسرقت، سرقها عامل هنا في الأوتيل اسمه رشيد المسيري.

صمت مدير الأمن لثوانٍ، وعيناه تضيقان كمن يحاول قراءة ما وراء الكلمات، ثم سأله بنبرة هادئة يغلفها الشك:
-وإنت عرفت منين إن رشيد هو اللي سرقها؟

اهتزت ثقته للحظة، وارتبك قبل أن يستجمع شتات نفسه بسرعة ويغلف صوته بنبرة صدق زائفة :
-شُفته يا فندم وهو بيخبيها في دولابه، ورحت بلغت حضرتك على طول في التليفون.

لم ينخدع الرجل بكذبته،واستطرد بتشكيك أعمق وهو يسأله:
-ولما شفته بنفسك، مجيتش المكتب هنا ليه وبلغتني؟ وليه اتخبيت ورا التليفون ومقلتش اسمك لما سألتك عنه؟

بترددٍ واضح حرك يديه في الهواء محاولاً التبرير:
-علشان، علشان ده زميلي، ومقدرتش آجي وأبلغ عنه بنفسي واخسره.

حاصره المدير بسؤال أشد ذكاءًا:
-ولما هو زميلك وخايف عليه زي ما بتقول، ما حلتش المشكلة بينك وبينه ليه؟ ليه ما أخدتش الساعة ورجعتها مكانها من غير ما حد يعرف
1

وقع عليه السؤال ليربكه، وتلعثم قائلًا بملامح متصلبة اظهرت كذبه للعلن:
-أنا، أنا متعودتش أشوف حاجة غلط وأسكت عليها.

جاء سؤال مدير الأمن قاطعًا:
-ولما رشيد هو اللي سرق، الساعة كانت بتعمل إيه في دولابك وفي وسط هدومك؟!

هز رأسه بهستيرية، وراح جنون الخوف يسيطر على نظراته:
-ماعرفش، أنا هاموت وأعرف إيه اللي جابها في دولابي.

أدرك مدير الأمن أن القضية تشابكت خيوطها، فرفع سماعة الهاتف وطلب مدير الفندق على الفور مستشيرًا إلى تفاقم الوضع، لم تمر سوى دقائق حتى انفتحت البوابة ودخل مدير الفندق بوقاره المعهود، جلس خلف المكتب بملامح جامدة، بينما وقف مدير الأمن بجواره، وفي المقابل، تم استدعاء رشيد وبقية زملائه في العمل، ليصطف الجميع في خط واحد، برؤوس منكسة وأنفاس محبوسة كالمتهمين في ساحة القضاء، تنحنح مدير الأمن، ووجه نظراته الحادة مباشرة إلى رشيد، ملقيًا عليه بسؤاله:
-صاحبك بيقول إنه شافك وانت بتحط الساعة في دولابك بعد ما سرقتها من الزبون، إيه ردك على كلامه؟

ارتبك يحيى وتملك منه الهلع، فلم يكن يتوقع أن يضعهم مدير الأمن في هذه المواجهة المباشرة، وإلا لما كان اعترف من الأساس، في تلك اللحظة، جاء رد رشيد بثباتٍ هائل وهو يقول:
-محصلش يا فندم.

ثم التفت والتقت عيناه بعيني يحيى المذعورتين، سأله بنبرة حادة:
-إنتَ شفتني وأنا بسرِق الساعة وبخبيها في الدولاب يا يحيى؟!

تسمر في مكانه، وبدأت حبات العرق البارد تسيل على جبينه، شعر بالحصار، وأدرك أنه في موقفٍ لا يحسد عليه، فلو أجاب بنعم وأكد التهمة على رشيد، سينكشف أمر تواطئه وتظهر حقارته علنًا أمام بقية زملائه، مما يعني خسارة مكانته واحترامه بينهم للأبد، أما لو نفى الأمر، فسيثبت تهمة السرقة على نفسه ويقضي على مستقبله، ظل واقفًا يتخبط في حيرته، حتى فاق من شروده على صوت مدير الفندق الغاضب وهو يصرخ به:
-ما ترد يا بني آدم، مستني إيه؟!

بحث سريعًا عن مخرج ينقذه من هذا الفخ، فقال بلهجة متوسلة، في محاولة أخيرة منه:
-لو سمحت يا فندم، أنا بطلب إن التحقيق معايا يكون منفصل، وكل واحد فينا يتحقق معاه لوحده.

أشعلت كلماته غضب مدير الأمن، فصاح به بقسوة وهو يرمقه بازدراء شديد:
-هو بمزاجك يا حبيبي؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟! أنت هنا متهم بالسرقة، يعني تتسأل وتجاوب زيك زي الجزمة
واسترسل مهددًا الجميع:
- وإلا هطلب البوليس فورًا ييجي يلمكم كلكم، وهناك بقى ابقى اتكلم براحتك.

انخلع قلبه، وتملكه الرعب من فكرة حبسه، وضياع حلمه بأن يُصبح مهندسًا بارعًا في مجاله،وثري، فصاح بـهلعٍ:
-يا باشا بوليس إيه بس؟ الموضوع مش مستاهل كل ده.

رد عليه بسخرية لاذعة هزت كرامته:
-يبقى تجاوب على قد السؤال ومن سكات، وانتَ زي الجزمة يا روح أمك.

هتف باعتراضٍ محاولاً استعادة وقاره المهدور:
-لو سمحت يا فندم، يا ريت تحافظ على أسلوبك في الكلام معايا، أنا طالب في كلية هندسة، وليا وضعي واحترامي.

قاطعه مدير الفندق الذي قرر التدخل أخيرًا، فتحدث بنبرة هادئة لكنها مغلفة بجدية صارمة لا تقبل النقاش:
-انت هنا متهم بالسرقة إنتَ وزمايلك، ووضعك ما يسمحلكش إنك تقف قدامنا وتتشرط.

ثم نقل نظراته الحادة بين وجوه الجميع، وتابع بلهجة تحمل تهديدًا مبطنًا:
-أنتم عارفين كويس قوي لو بلغنا الشرطة وهي تولت الموضوع هيحصل فيكم إيه، وإيه الأساليب اللي هيتبعوها معاكم علشان يجبروكم على الاعتراف

وتابع مهددًا:
- فمن الأحسن ليكم تعترفوا وتقولوا على اللي حصل بالذوق، بدل ما تضطرونا نبلغ البوليس.

في تلك اللحظة، التفت يحيى برأسه نحو رشيد، الذي كان واقفًا في ثباتٍ تام، جسده مفرودًا كشجرة عاتية لا تهزها الرياح، وعيناه تراقبان الموقف بهدوءٍ وثبات.

كانت نيران الصراع تلتهم أحشاءه، لا يريد أن يظهر بهذا السوء علنًا أمام الجميع، لكن الخوف من ضياع مستقبله حسم الأمر داخله،فقد اختار أن ينأى بنفسه عن المحرقة، ابتلع ريقه بتوتر قبل أن يشير بيده نحو زميله قائلاً بصوتٍ متحشرج:
-أيوا يا فندم، أنا شفت رشيد وهو بيخبي الساعة في هدومه، وأنا اللي بلغت.

اتسعت أعين زملائه بصدمة ألجمت ألسنتهم، عكس "رشيد" الذي ظل واقفًا في مكانه بثباتٍ مريب، وكأنه كان يتوقع هذه الطعنة، لم يتحمل "سامر" هذا الظلم، فاندفع يهتف باعتراض مدافعًا عن صديقه:
-إنتَ كداب وحقير يا يحيى، كرهك الأعمى لرشيد مخليك عامل زي المجنون، وبتدور على أي مصيبة ترميه فيها.

ضرب مدير الفندق بكف يده فوق سطح مكتبه الخشبي بقوة جعلت قلوب الجميع ترتعب، وصرخ فيهم بحدة:
-اخرس منك ليه.

ثم التفت بنظراته الثاقبة نحو "رشيد"، وسأله بلهجة تحمل بين طياتها إتهامًا:
-الكلام اللي بيقوله صاحبك ده حقيقي يا رشيد؟

أجابه بثبات إنفعالي يُحسد عليه، ويقين ينبع من أعماق روحه النقية، ونبرة صوت خرجت قوية تحدث:
-محصلش يا فندم، الساعة حضراتكم مخرجينها من دولابه هو مش من دولابي.

ثم نطق بالكلمات التي ألجمت الألسن وجعلت جسد "يحيى" ينتفض ذعرًا كمن مسّه تيارًا كهربائي:
-وأنا بطلب من حضراتكم إن البوليس ييجي ويتولى هو التحقيق، وبطالب برفع البصمات من على الساعة.

إلتفت يتعمق بعينيه بخاصتي يحيى المرتعبتين، واسترسل ببرود قاتل:
-وكشف البصمات هيبين مين فينا الحرامي.

هبط الهلعُ كالصاعقة داخل قلب "يحيى"،فقد أدرك أن "رشيد" بذكائه وهدوئه قد قلب الطاولة عليه، وتحول هو في ثوانٍ معدودة من دور المدعي إلى المتهم الأوحد في هذه الجُنحة.

ابتلع لعابه بصعوبة، وهتف يوجه حديثه لمدير الفندق بنبرة متوسلة وصوتٍ مرتجف:
-بلاش البوليس يا فندم، إحنا طلبة وولاد ناس، وميرضيش حضرتك إننا نتبهدل في الأقسام ومستقبلنا يضيع.

لم يترك "رشيد" له فرصة لالتقاط الأنفاس، وقطع عليه طريق الرجعة قائلًا بصرامة حاسمة:
-وأنا مصمم على وجود البوليس، أنا المتهم هنا، ولازم أثبت براءتي للكل.

استحسن مدير الأمن فكرة "رشيد"، وبحسه الأمني الخبير الذي التقط ارتباك "يحيى" وتلعثمه، تأكد تمامًا أنه الجاني الحقيقي، أراد أن يلعب على أوتاره المشدودة ويهدم ما تبقى من ثباته النفسي ليجبره على الاعتراف، لكنه في الوقت ذاته لم يكن ينوي إقحام الشرطة فعليًا تجنبًا لتشويه سمعة الفندق.

تطلع مدير الأمن إلى مدير الفندق بنظرة ذات مغزى، فهمها الآخر على الفور، ليتحدث مدير الأمن بنبرة جادة أجاد افتعالها:
-أنا كمان شايف إننا نبلغ الشرطة، وهي اللي تتولى التحقيق وتجيب لكل واحد حقه.

التقط مدير الفندق طرف الخيط، وتدخل في اللعبة بذكاء قائلًا:
-ده نفس رأيي ، أنا كنت بعاملكم زي ولادي وقولت نحل الموضوع بينا في هدوء علشان ميكبرش ويأثر على دراستكم ومستقبلكم.

صمت لبرهة مستعرضًا نظراته على الوجوه، لعل الفاعل يستغل طوق النجاة الأخير، ثم تابع بتهديدٍ مباشر:
-بس يظهر إنكم مش حابين الحل السلمي، فبراحتكم بقا.

رد "رشيد" دون تردد:
-اتفضل حضرتك اتصل بالشرطة.

أمن باقي الزملاء على حديثه بهمسات مؤيدة، فما كان من "يحيى" إلا أن انهار تمامًا، واندفع يصرخ بهلع ودموع الخوف تكاد تفر من عينيه:
-أنا هقول على كل حاجة يا فندم، أنا اللي عملت كده، بس أرجوكم بلاش البوليس.

نظر مدير الأمن إلى مدير الفندق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية وانتصار، بينما أطرق يحيى برأسه ينظر إلى الأرض بخزيٍ مصطنع، ثم قال بصوت يتهدج من شدة الغضب:
-أنا ورشيد شدينا مع بعض في الكلام، فاتغاظت وقررت أعمل فيه اي حاجة تهديني، وبدون وعي مني الشيطان وزني، فأخدت الساعة وحطيتها في هدومه وبلغت، كنت فاكر إني بكده هرجع كرامتي.

تحولت نظراته فجأة نحو عيني رشيد، واصطنع ندمًا حارقًا ليستدعي تعاطفه، وتابع مستسلمًا وهو يرفع منكبيه بقلة حيلة:
-بس كنت غلطان، ندمت وعرفت غلطي الكبير مع صاحب عمري، وللأسف مقدرتش أتراجع لأن الأوان كان فات والموضوع دخل في الجد، فاضطريت أستمر علشان مأذيش نفسي.

رمقه رشيد بنظرة حادة ممتزجة بالاحتقار، ولم تهتز فيه شعرة، بل أجابه ببرود قاتل:
-على فكرة يا يحيى أنا مش متفاجأ، أصل الخسيس مبيطلعش منه غير القذارة، وانت الخسة فيك صفة متأصلة يَلاَ.

قاطع هذه المشاحنة صوت ضربة قوية من كف مدير الفندق على مكتبه، دوت في أرجاء الغرفة، وهتف بحدة:
-خِلصنا منك ليه.
ثم التفت إلى مدير الأمن وأشار إليه بسبسيابه هاتفًا بصرامة:
-طارق بيه، تروح بنفسك مع الزبالة ده، وتقفوا لحد ما يلم هدومه وترموه بره المكان كله، وتحطوا اسمه في قائمة الممنوعين من دخولها مدى الحياة.

أومأ طارق بطاعة عمياء وقال:
-تحت أمرك يا فندم.

وتابع الرجل حديثه وهو يطالعه باشمئزاز:
-وانتَ، احمد ربنا، لولا إني خايف على سمعة الأوتيل، لكنت بلغت الشرطة جت سحبتك من قفاك وعلمتك الرجولة والأدب.
واسترسل ناصحًا:
-انتوا في كلية شباب مصر كله يتمنى يدخلها، وانتوا بدل ما تحمدوا ربنا على اللي انتوا فيه، دايرين تخططوا وتأذوا بعض، ولا البلطجية.

ثم استدار بجسده نحو باقي الشباب، ورمقهم بنظرات نارية قائلاً:
-وانتوا كمان، لموا حاجتكم وسيبوا المكان حالاً.

على الرغم من الفضيحة النكراء التي وصمت جبينه وسترافقه طوال حياته أمام أصدقاءه، إلا أنه شعر بانتشاءٍ وسعادة غمرت قلبه، فنظر إليهم بتشفي،بينما انتفض سامر معترضًا وهو يصيح بذهول:
-وإحنا عملنا إيه يا فندم علشان نطرد إحنا كمان؟!

رد عليه المدير بقوة وحزم:
-إحنا كإدارة مكان مش عاوزين مشاكل، وانتوا ناس مش بتوع شغل، جايين هنا تصفوا حساباتكم وتنتقموا من بعض بطرق قذرة، فاتفضل يا حبيبي منك له صفوا حساباتكم بعيد عننا.

نظر رشيد إلى زملائه وأشار إليهم بعينيه آمرًا إياهم بالتزام الصمت، فتراجع الجميع وانسحبوا في خنوع خلف مدير الأمن، الذي تبِعهم بخطوات واسعة إلى غرفتهم، وقف الرجل يراقبهم بصرامة وعيون لا تغفل بينما كانوا يجمعون أغراضهم على عجل.

استلم الجميع مستحقاتهم المالية باستثناء يحيى، ثم تولى رجال الأمن مرافقتهم حتى البوابة الخارجية للمنتجع السياحي، كانوا يسيرون مطأطئي الرؤوس، يتجرعون مرارة الخجل والضيق من ذلك الموقف المهين وسط نظرات المارة.
عند البوابة، توقف عمر فجأة والتفت مواجهًا يحيى، وعيناه تشتعلان غيظًا،وهو يقول بنبرة حادة ملقيًا كامل اللوم عليه:
-عاجبك المنظر اللي إحنا فيه ده؟ مطرودين زي الحرامية والبلطجية، والناس بتتفرج علينا؟!

رمقه بنظراتٍ جليدية مجردة من الإحساس، قبل ان يجيبه بتبجحٍ :
-وأنا مالي باللي حصل لكم يا حبيبي؟ إنت هتحملني مسؤولية طردكم ليه ؟

تقدم رشيد خطوة نحوه، والاشمئزاز يملأ ملامحه، وقال بنفورٍ:
-إنت إزاي بجح ومعندكش كرامة كده يلاَ ؟ إنت إيه يا أخي، مفيش ريحة الدم ؟ ده أنا مكسوف لك والله العظيم.

هتف بحدة كشفت عن كمية الغل والحقد الكامنة في صدره:
-اتكسف لنفسك يا حبيبي، على الأقل أنا واضح في كرهي ليك، مش استغلالي ووصولي زيك.

ثم رمقه بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم وتابع:
-ما روحتش دورت على واحدة غنية اتلزق فيها علشان أتجوزها وأعيش على قفا أهلها، زي ما إنت عملت يا صايع.

لم يتحمل الإهانة، ففقد السيطرة على أعصابه تمامًا، ألقى بحقيبة ظهره على الأرض وانقض عليه كالمجنون، ينهال عليه بلكماتٍ متتالية وهو يصرخ بغضبٍ عارم:
-إنت فاكرني حقير وزبالة زيك يا ندل؟

رد يحيى اللكمة بمثلها، فتدخل سامر وعمر على الفور بهلع، وحاولا جاهدين الفصل بينهما حتى تمكنا بصعوبة من إبعاد رشيد،انحنى يلتقط حقيبته، ثم اعتدل وهو يوجه سبابته نحو يحيى مهددًا وعيناه تتطاير منهما الشرار بصوتٍ متهدجٍ من الانفعال:
-إياك ألمح وشك العكر ده قدامي تاني، قسماً بالله يا يحيى المرة الجاية ما هرحمك.

ربت سامر على كتفه محاولاً تهدئته، وجذبه بقوة قائلاً:
-سيبك منه يا رشيد ده عيل ندل ما يستاهلش، خلينا نلحق الباص قبل ما يتحرك ويفوتنا.

تحرك بجانبه محاولاً السيطرة على أنفاسه الثائرة، وتبعهما بقية الأصدقاء، انتفض يحيى في مكانه وصاح بنبرة حادة مليئة بالتوعد:
-مش هسيبك يا رشيد، والله العظيم لادفعك تمن اللي عملته ده غالي أوي، وبكرة تشوف.

التفت إليه سامر وبصق بكلماته باحتقار وازدراء شديدين:
-ما تخرس بقى وخلي عندك دم، يا أخي خليك راجل مرة واحدة في حياتك.

جذبه رشيد من يده ليجبره على متابعة طريقهم دون الإلتفات للوراء.

ليصرخ من خلفهم بسخط كالمجذوب، وعيناه تلاحق أثرهم بنظرات نارية:
-مبقاش إلا انتَ كمان يا دلدول رشيد اللي تتكلم وتعدل عليا.

تجاهله الجميع ولم ينظر إليه أحد، بل واصلوا سيرهم نحو الأمام، انحنى يلملم أشياءه المبعثرة على الأرض، والغل يخنق صوته وهو يهمس بفحيح الأفاعي:
-أنا هوريكم يا شوية رِمم، إن ما علمتكم الأدب وندمتكم، مبقاش أنا يحيى عبد الحق.
******
مرَّ أسبوعًا كاملاً على زواج علي وداليا، قبل أن يحزما حقائبهما ويعودا إلى القرية، كان علي يتوق لقضاء ما تبقى من إجازته في كنف عائلته،نجح والده أخيرًا في إخماد نيران الحرب المستعرة بين والدته وزوجته.
حيث تراجعت فاطمة عن قسمها المتزمت، وصامت ثلاثة أيام كفارة عن يمينها، بعد أن أفسحت المجال لصوت العقل بأن يتحكم، اشترى عزام لنجله غرفة نوم تليق به وبعروسه، بينما وفى "صادق" بوعده، فقبل أن يغادر القاهرة، اصطحب أماني وابتاعا معًا غرفة معيشة (أنتريه) وثلاجة وتلفازًا، وأودعها مؤقتًا في منزل أماني حتى تصفو النفوس، وحين هدأت عاصفة فاطمة واستكان قلبها، نقلت أماني الأثاث، وتشاركت النساء في تنسيق الشقة وإعدادها لاستقبال العروسان،وما أن ولجا علي وداليا عتبة البيت، حتى استقبلوهما النساء بالزغاريد الحارة، وقف باستقبالهما، أمه، وأبوه، وجدته رقية، وأماني، وعايدة، كانت رائحة الطهو الشهي تملأ الأرجاء، معلنة عن احتفال استثنائي يليق بالعروسين، لم تتمالك فاطمة نفسها، فاندفعت نحو ابنها تضمه إلى صدرها بلهفة، وقالت بنبرة متحشرجة من التأثر:
-نورت بيتك يا قلب أمك، وحشتني يا علي.

عانقها بقوة، مستنشقًا رائحتها التي افتقدها، وقال بابتسامة حانية:
-وانتِ كمان وحيشتيني أكتر يا فيفي.

وقفت داليا على مسافة خطوتين، تترقب نهاية هذا العناق، متسائلة إن كان هناك متسع لها في هذا الغفران، التفتت فاطمة نحوها، وبذراعين مفتوحتين، ضمتها إلى حضنها بحنان فاجأ الجميع، وقالت بنبرة ترحيبية لا تشوبها شائبة:
-نورتي بيتك يا عروسة.

انتفض قلب الفتاة فرحًا، وتبدد كل توترها وهي تبادلها العناق قائلة بامتنان:
-البيت منور بأهله وبوجودك يا طنط، ربنا يخليكِ لينا ويفضل البيت مفتوح بحسك وحس عمو.

ثم تحركت نحو الجدة، وانحنت تقبل يدها وجبينها باحترام:
-إزيك يا تيتا، عاملة إيه؟
نظرت إليها رقية بعيون تشع سكونًا، وقالت بهدوءٍ:
-نورتي بيتك يا بنتي، ربنا يسعدكم.
ردت بابتسامة مشرقة:
-متشكرة يا حبيبتي، ربنا يبارك لنا في عمرك.

ثم التفتت لتجد أماني في انتظارها، فضمتها بسعادة غامرة لم تستطع إخفاءها، قبل أن تتقدم عايدة قائلة بوجه بشوش:
-ألف مبروك يا حبيبتي، نورتي بيتك ومطرحك.

ردت بنبرة تفيض بهجة:
-الله يبارك فيكِ يا خالتو، متشكرة جدًا.

تدخل عزام برصانته المعهودة،وقال وهو يشير إلى الدرج:
-يلا يا علي، خد عروستك واطلعوا شقتكم غيروا هدومكم، وانزلوا على طول علشان نتغدى سوا.

أومأ باحترامٍ لأبيه،وصعدا معًا، وما إن أغلق علي باب شقتهما الجديدة، حتى التفت إليها، حاصر خصرها بذراعيه، واجتذبها إلى صدره في عناقٍ دافئ ، وهمس وهو يتطلع في عينيها بشغفٍ وهيام:
-إيه رأيك بقى في شقتك يا عروسة؟

أدارت رأسها تتأمل المكان، وعلى الرغم من أن الأثاث كان بسيطًا وغير مزدحم، إلا أن لمسات التنسيق والنظام جعلت منه مكانًا مريحًا، التفتت إليه وقالت بسعادة لمعت في عينيها:
-حلوة أوي يا علي، الريسبشن مريح جدًا، والأنتريه تحفة وألوانه لايقة وماشية أوي مع الحيطان، ذوقه راقي بجد.

اقترب منها أكثر، ومال برأسه نحو أذنها، وتحدث بنبرة منخفضة مفعمة بالرومانسية، جعلت قشعريرة لذيذة تسري في جسدها:
-طب تعالي بقى أوريكي أوضة النوم، متأكد إنها هتعجبك أوي.
******
بدأ العام الدراسي الجديد بحماسٍ، كان هذا اليوم هو خطوتها الأولى في عالمٍ جديد ستتعرف عليه، ارتدت زيها المدرسي المكون من تنورة طويلة وبلوزة محتشمة ذات أكمام كاملة، وجمعت شعرها ورفعته على هيأة"ذيل حصان" رشيقة، هبطت درجات السلم بخطوات راقصة يغمرها الفرح، لتجد عائلتها بأكملها في انتظارها بالأسفل.

كان والدها وشقيقها الذي ارتدى زي مدرسته مستعدين، بينما بدت والدتها، منى، في كامل أناقتها الرسمية، فقد استعادت أخيرًا وظيفتها في إحدى المصالح الحكومية بعد سنوات غربة أمضتها في إجازة مفتوحة، أما صادق، فقد ابتسم له الحظ وتعين معلمًا في مدرسة خاصة عريقة بفضل تزكية من صديق مقرب لصاحب المدرسة.

هتفت بسعادة غامرة وهي تقترب منهم:
-أنا جهزت خلاص.

نظر صادق إلى ابنته بتأثر وفخر شديدين، ورأى في عينيها لمعة الطموح، فقال بحنان جارف:
-شكلك زي القمر في اليونيفورم يا دليلة.

احمرت وجنتاها خجلاً وابتسمت برقة:
-متشكرة يا بابا.

أما منى، فكان الأمر مختلفًا بالنسبة لها، جذبت ابنتها من يدها نحو المطبخ لتضع في حقيبتها بعض الشطائر وزجاجة الماء، والتفتت إليها بنبرة حذرة توصيها:
-تخلي بالك من نفسك كويس أوي، متتصاحبيش على البنات اللي مش كويسة، ولا اللي صوتهم عالي.

ثم تابعت بصرامة وعيناها تتفحصان ملامحها:
-واوعي حد يديكي حاجة وتاكليها، أو تشربي حاجة من حد، معاكِ حاجتك تاكلي منها لما تجوعي.

أمسكت بكتفيها وأدارتها لتواجهها مباشرة، مكررة نصيحتها الدائمة بتشديد أكبر:
-وزي ما قولت لك قبل كده، اوعي تخلي مدرس يقرب من مكان وقوفك، دايما بينك وبينه مسافة مترين على الأقل.
-مدرس يقول لك تعالي معايا المكتبة أو الدور اللي فوق أديكي ملزمة، اوعي، مفهوم يا دليلة؟

تأففت بضيق طفولي، فقد حفظت هذه الكلمات عن ظهر قلب من كثرة تكرارها، وقالت بتعجل:
-حاضر يا ماما، يلا بقى هتأخر.

أوقفتها الأم مجددًا بحدة قلقة:
-لما تخلصي اقفي جنب البواب بره لحد ما بابا يعدي عليكِ.

انطلقت العائلة أخيرًا في سيارة صادق، غادرت الأم أولًا نحو عملها، ثم ترجل أحمد عند مدرسته، حتى توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابة مدرسة دليلة الثانوية، التفت صادق إلى ابنته، وضاعف من دفع الأمل في قلبها وهو يضمها إليه بحنو:
-عقبال ما أوصلك لكلية الطب يا دليلة.
7

رفعت عينيها نحو السماء بنظرة محملة بالأمنيات والدعوات وهمست:
-يارب يا بابا، يارب.

ربت على كتفها بلطفٍ وهو يقول:
-يلا ادخلي علشان متتأخريش.

اقتربت بخطوات واثقة نحو بوابة المدرسة، بينما تحرك صادق بسيارته متجهًا إلى مدرسته الجديدة،دلفت إلى الفناء تتلفت حولها بقلبٍ يفيض بالآمال ، لكن خطواتها تباطأت أثر الصدمة، أصابتها الأعداد المهولة للفتيات ببعض الريبة، استرجعت في مخيلتها مدرستها الهادئة في "المملكة العربية السعودية"، حيث كانت الأعداد محدودة، والنظام يفرض هيبته على المكان، على عكس هذا الصخب المربك الذي يبتلعها الآن.

حاصرتها مشاعر الغربة، وشعرت بأنها ضئيلة وتائهة وسط هذا الزحام الهائل، وقفت في الطابور مستسلمة للحركة من حولها، حتى أرشدها أحد المعلمين إلى فصلها الجديد هي وزميلاتها، صعدت الدرج بصحبتهن بقلبٍ يخفق بإيقاع متناقض،ما بين سعادة ببدء مرحلة جديدة، يصارعها قلق جارف وارتباك من هذا العالم الواسع، والوجوه الغريبة التي لا تعرف عنها شيئًا.

دخلت الفصل وهي تضم حقيبتها إلى صدرها كدرع تحتمي به، ووقفت عند الباب بملامح حائرة، تائهة بين المقاعد المزدحمة، لا تدري أين تجد لنفسها متسعًا، وفي غمرة حيرتها، اندفعت فتاة مسرعة لتصطدم بكتفها بقوة كادت تفقدها توازنها، وبدلًا من أن تعتذر، التفتت إليها الفتاة بملامح متهجمة وصاحت بنبرة حادة:
-مش تفتحي وتبصي قدامك؟ ولا إنتِ عامية يا قطة؟!

تسمرت دليلة في مكانها، وفغرت فاها من الصدمة والذهول، مما جعل الفتيات ينفجرن بالضحك والسخرية حولها،ترقرقت الدموع في عينيها وشعرت بانكسار قلبها الصغير، وبخطوات متعثرة اتجهت نحو المقعد الأخير في زاوية الفصل، حيث انزوت وجلست تخفي وجهها بين كفيها، وانهمرت دموعها بغزارة، وفجأة، شعرت بلمسة دافئة على ذراعها.

رفعت عينيها الباكيتين، لتلتقي بنظرات فتاة رقيقة الملامح، يشع من وجهها السماحة، عينيها بلون العسل الصافي، سألتها الفتاة بصوتٍ ودود:
-بتعيطي ليه؟

أجابتها بنبرة طفولية تخنقها العبرات:
-مفيش.

مدت الفتاة يدها نحوها بابتسامة مشجعة وقالت:
-أنا ندى، ندى مجدي عبد الغفار.

جففت دموعها المنسكبة، ومدت يدها لتصافحها، وقالت من بين شهقاتها المتتابعة:
-دليلة صادق بدران.

عادت تسألها باهتمامٍ:
-قولي لي بقى، بتعيطي ليه؟

أشارت بسبابتها المرتجفة نحو الفتاة، وهمست بصوتٍ متهدج:
-البنت اللي واقفة هناك دي.

ثم راحت تقص عليها ما حدث والدموع تجدد هطولها على وجنتيها.لم تكد دليلة تنهي كلماتها حتى انتفضت ندى واندفعت نحو الفتاة، ودفعتها من كتفها بقوة، وقالت هاتفة بذات النبرة الساخرة:
-مش تبصي قدامك وتفتحي؟ ولا إنتي عامية يا قطة؟!

ارتفعت ضحكات الفتيات مجددًا في أرجاء الفصل، بينما انتفض قلب دليلة توجسًا من نشوب شجارٍ عنيف بين الفتاتين.

رفعت الفتاة الأخرى حاجبيها بذهول ممتزجًا بالتحدي، ورمقت ندى بنظرة نارية، لتجيبها ندى ببرودٍ وهي ترفع كتفيها باستهانة:
-واحدة بواحدة يا فاتن، وكده خالصين.

كانت تعرفها منذ المرحلة الإعدادية، تطلعت فاتن إلى دليلة بنظرة متفحصة، ثم وجهت حديثها لندى قائلة:
-هي تخصك؟

ردت ندى بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش، وهي تقف كحائط صد:
-آه تخصني، ويا ريت متضايقيهاش تاني، علشان لو ده حصل هتلاقيني في وشك، مفهوم يا تونة؟

تراجعت فاتن خطوة للخلف، وعلامات الاستسلام تكسو وجهها وهي تمتم بحنق:
-مفهوم يا ست ندى.
******
وصل إلى مقر قصر والدها الفخم، تسمرت قدماه في مكانه ونظر حوله بذهولٍ، نعم، كان يعلم يقينًا أنها تنتمي لعائلة ثرية، فكل تفصيلة فيها كانت تنطق بذلك، بدءًا من ثيابها الراقية، مرورًا بسيارتها الفارهة، وصولًا إلى إكسسواراتها الثمينة، لكن، مهما شطح به خياله، لم يكن ليتوقع هذا البذخ.

تنفس بعمقٍ ليجمع شتات نفسه، ثم تقدم بخطى ثابتة نحو الحارس الواقف عند البوابة الضخمة، وقال بنبرة هادئة:
-لو سمحت،عاوز أقابل والد الآنسة نهلة الخولي.

رمقه الحارس بنظرة تفحصية مستغربة، وسأله بنبرة جافة:
-مين انتَ؟

رد عليه بثقة حاول جاهدًا إظهارها:
-أنا زميلها في الجامعة، وعاوز أقابل منير بيه في موضوع ضروري.

أجابه بعملية:
-الباشا في الشركة .

لم يستسلم، وسأله مجددًا:
-طب عاوز أقابل أي حد من إخواتها؟

رد البواب هازًّا رأسه:
-البهوات كلهم في شغلهم، والست نهلة راحت الكلية، مفيش حد موجود في القصر غير الهانم الكبيرة.

أجابه بسرعة ودون تردد:
-تمام، عاوز أقابلها، قولها واحد زميل نهلة وعاوزك في موضوع ضروري جدًا.
1

تراجع الحارس خطوة وقال:
-حاضر، خليك مكانك هنا لما أروح أدي للهانم خبر.

تحرك الرجل عبر الممرات الخضراء الواسعة حتى وصل إلى الحديقة الخلفية، حيث كانت "راندا" تجلس حول حمام السباحة، ترتشف قهوتها الصباحية وتتبادل أطراف الحديث مع "مايا" زوجة ابنها.

انحنى الحارس إحترامًا وقال:
-صباح الخير يا ست هانم.

تجاهلت تحيته ، وسألته ببرود :
-سايب البوابة لوحدها وداخل ليه يا عبدالحميد؟

أجابها بنبرة حذرة:
-فيه واحد واقف برة، بيقول إنه زميل نهلة هانم في الكلية، وطالب يقابل جنابك.

ارتفع أحد حاجبيها باستنكار، وقالت بدهشة:
-يقابلني أنا؟! وده عاوز مني إيه؟

إرتعبت "مايا" واضطربت نظراتها، قامت بوضع فنجان القهوة من يدها بسرعة أحدثت رنينًا خفيفًا، وظلت تترقب بتردد وخوف ما سيقوله الحارس، الذي تابع قائلاً:
-هو في الأول سأل على منير باشا، وبعدها على البهوات، ولما قولت له إن مفيش حد هنا غيرك، طلب يقابل حضرتك.

ضيقت عينيها بوجومٍ، وشردت للحظات وهي تحاول تخمين هوية هذا الزائر الغامض.،ثم قالت......

إنتهى الفصل

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا