رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير بقلم ياسمين عادل
رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة ياسمين عادل رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير
رواية بين جناحي الجارح من الفصل الاول للاخير
"أحيانًا بداية الفوضى تخلق لحياتك عالم جديد."
_____________________________________
غرفة مرتبة بنظامٍ راقي، وألوان هادئة غلبت على جدرانها العالية، ووسط كل ذلك قطع الأثاث الثرية العتيقة موضوعة في أماكنها گالتحف الفنية التي تأسر عيناك.
كانت "رحيل" تتطلع للغرفة التي استُضيفت بها بنظراتٍ أكثر دقة، وسط كل ما تعيشه من ضوضاء تسيطر على كيانها وحواسها أجمع، إلا إنها أحست بشئ من الراحة هنا، بعدما تأكدت إنها لن تسقط صريعة أسرهم، على الأقل حاليًا. غالبها الشعور بالنعاس بعد ليلة طويلة ومرهقة قضتها بين غيابات الظلام وعلى الطرق المتعرجة والصعبة، قضتها بين مشاعر الذعر والخوف حتى استنزفت كامل طاقتها، فلم تشعر بنفسها إلا وهي تريح ظهرها على الفراش الطريّ الوثير، وتطلق العنان لجفونها كي تنغلق لساعاتٍ طويلة دون أن تشعر بأي شئ من حولها، وكأنها تخدرت بالكامل فلم تعد مداركها تحس شيئًا على الإطلاق.
***************************************
كان صباحًا سيئًا، يتكرر مرة كل عدة أشهر، حيث اضطرابات واسعة تضرب بقوتها البورصة المصرية فتطيح ببعض الأسهم والشركات إلى أسفل سافلين، وتتسبب بخسائر فادحة تهدد الإستثمار في مصر. صفق "مراد" الحاسوب الشخصي بعدما تطلّع على أخبار الصباح المشؤومة، ثم نهض عن مكانه متناولًا هاتفهِ ليقوم ببعض الإتصالات التليفونية التي من دورها الحدّ من تطور المشكلة. نظر في ساعة يدهٍ، فإذا بها العاشرة والنصف صباحًا، تأفف مضجرًا وهو يبعد الهاتف عن أذنه بعدما فشل في الإتصال بسبب ضعف جودة شبكة الإتصال بالمنطقة كلها، ثم خطى نحو الخارج بتسرّع وهو يتمتم بـ :
- يعني ده وقت ميبقاش في شبكة يعني!.
واجه الخادمة بالخارج، فسألته :
- أجهزلك الفطار يا سي مراد؟.
أومأ رأسه بالموافقة، فعادت تسأله بترقبٍ :
- طب والضيفة اللي عندنا!.. احضرلها لقمة تاكلها؟.
قطب جبينه مندهشًا من سؤالها، گمن نسى الأمر تمامًا :
- ضيفة إيه؟؟.
- الضيفة اللي عندنا من عشية امبارح، اللي جت بالليل وهي لا مؤاخذة هدومها مبهدلة و.....
تذكر للتو من تقصد :
- آه آه.. أطلعي اسأليها ولو كده اعملي حسابها في الفطار.
- أوامرك.
انصرفت من أمامه بينما كان يتفحص هو شبكة هاتفه بعدما خرج من القصر، فإذا بها بدأت تجمع نقطتين كاملتين، فبدأ يعيد محاولاته كي يقوم بذلك الإتصال الهام.
************************************
لقد انقلبت الدار كلها رأسًا على عقب، وكأنها حالة طوارئ وتفشّت في جميع الأرجاء. راح "حسين" يدور في المنزل كله گالمجنون، وصوته الجهوري يصدح في كل مكان :
- أكيد انتي اللي وراها يا مرات عمي.. طفشتي بنتك مننا، طفشتيها من أهلها اللي ملهاش غيرهم.
كانت "جليلة" تجلس في مقعدها دونما حراك، تعابيرها جامدة لا توحي بأي رد، وصوتها لم يخرج بكلمة واحدة تدافع بها عن نفسها أمام تلك التهمة التي قذفها بها كل قاطني الدار، حتى وقفت أمامها سيدة الدار "سعاد"، تلك السمينة التي توشحت باللباس الأسود ورابطة الشعر شديدة السواد، وراحت تتهمها بأعلى صوتها :
- ما تنطقي يااختي ولا واكلة سدّ الحنك؟؟.. انتي اللي هربتي البت قبل ما ابني يكتب عليها النهاردة مش كده!.
زفرت "جليلة" أنفاسها الملتهبة وهي تنهض عن مكانها، ثم عقدت كفيها سويًا وهي تجيب بكل ثبات :
- آه يا سلفتي.. أنا اللي هربت رحيل قبل ما تقع في جوازة هي مش عايزاها.. بنتي حرة وحقها تختار حياتها، هي مش عبدة عندكم.
انفجرت "سعاد" في وجهها، وكادت تتهجم عليها لولا وقوف ابنها الكبير "حسين" بينهما :
- كسر حُقك انتي وهي يا ولية ياخرفانة، أمال عايزة إيه ؟.. تدور على حل شعرها وتمشي على كيفها بعد ما جوزها مات!!.. لأ ياختي احنا معندناش ولايا يقعدوا من غير راجل يحكمهم!.
ثم رمقتها بنظراتٍ محتقرة وتابعت بنبرة وضيعة :
- وخصوصي بقى بنتك اللي وشها مكشوف.
اهتاجت "جليلة" بعدما طال صبرها أكثر من اللازم، وهدرت بصوتها تدافع عن ابنتها الغائبة والتي ستصبح لقمة سائغة بين أسنان "سعاد" وبناتها وزوجات أبنائها:
- أخرسي قطع لسانك، أوعي تغلطي في بنتي ولا تقولي عليها نص كلمة.. بنتي برقبتكم كلكم وانتي عارفه ده كويس، ومش هكرر كلامي مرتين يا سعاد.. بنتي مش هتجوز واحد متجوز اتنين ومعاه خمس عيال يا حببتي.
ثم نظرت نحو "حسين" المقصود بتلك الكلمات، وتابعت :
- وبالذات لو ابنك الحيلة حسين.. ابعدوا عننا بقى وسيبونا في حالنا، ولو عليا مش عايزة اشوف حد فيكم ولا انا ولا بنتي، هسيبلكم البلد كلها عشان ترتاحي.
ضرب "حمدي" الأرض بعصاه فـ انتبه الجميع ونظر نحوه، فوزع الأخير نظراته المحتقنة بين زوجته "سعاد" وبين زوجة أخيه "جليلة" قبيل أن يهتف بـ :
- الكلام ده مش عندنا ياست أم رحيل، بنتك لازمها راجل تعيش في طوعه، ومفيش أنسب من أخو الغالي الله يرحمه عشان يحلّ محله.
حاولت "جليلة" أن تُهدئ من تشنجها، وأردفت بهدوء :
- إنت واحد حجيت بيت الله يا حج وعارف الحلال والحرام، وانا بنتي مش راضية بالجوازة دي.. هو عافية ياناس!.
قطب "حمدي" جبينه مستهجنًا استعانتها بالدين في تخليص ابنتها من قبضتهم :
- وإيه الحرام في السُترة ياأم رحيل.. دي سترة الولايا أمر من ربنا، واحنا عايزين نستر بنتك.
انفعلت "جليلة" من جديد وهي تقول :
- وانا بنتي مش عريانه يا حج عشان تسترها.. ومش محتاجين منكم غير حق ربنا.
تجلّت تعابير الغضب المقيت على وجهه المجعد العجوز، وتحولت نبرتهِ اللينة لأخرى حازمة وبلهجة قاطعة كان يسألها مترقبًا الجواب :
- حق إيه اللي بتكلمي عنه!.
صارحته "جليلة" بالسبب الحقيقي وراء وجودهم هنا :
- ميراث بنتي في جوزها، المرحوم مش سايب شويه ياحج و......
قاطعها "حمدي" وصوت صياحهِ المدوي يتجلجل في أرجاء البيت كله :
- ورث إيه وكلام فاضي إيه!!.. من أمتى يا مرات أخويا الحريم بتورث؟؟.
ارتفع حاجبيها بذهول من صراحتهِ المقززة، والتي حرمّت تشريع المولى عز وجل لتوريث النساء، بينما تدخلت "سعاد" وهي تضع يدها في خصرها وترمقها بتهكمٍ ساخر :
- ياكش تكوني فاكرة بتك (بنتك) هتمسك الفاس وتزرع الأرض!!.. صحيح ما هي قادرة وتعملها!.
تلاشت "جليلة" التحاور مع تلك الجاهلة الحقودة، وتقدمت خطواتها البطيئة من "حمدي" وهي تستجديه بهدوء :
- ورحمة ابنك يا حج متظلمش بنتي، ده حسن الله يرحمه ميرضاش بكده.
أشعلت نار الغضب في رأسه أكثر وأكثر، لا سيما بعد ذكرها أسم ولدهِ المتوفي، والذي ترك في صدره غصة لم تزل بعد، فـ راح ينفث عن ذلك الغضب بالصراخ في وجهها :
- ظلم إيه اللي هظلمه لبتك يا ولية انتي!.. لو رحيل مش هتجوز ولدي حسين وحياة الغالي ما هتشوف مني أبيض ولا أسود، احنا معندناش نسوان أرامل يخرجوا برا العيلة.. ولا عمرنا ملكّنا الحريم مالنا وأرضنا، اللي في راسك ده تنسيه وتعقلي البت وترجعيها، بدل قسمًا عظمًا لأكون مرجعها بأيدي جثة وساعتها محدش يلوم عليا.
انقبض قلبها مع ذلك التهديد الصريح، وتصلبت عضلات لسانها فلم تقوى الرد عليه، هي تعلم قدرته المتجبرة وإنه يستطيع إيذاء ابنتها بدمٍ بارد، ولن يرمش له جفن حتى. ازدردت ريقها وعيناها على الفراغ، حتى مسامعها لم تلتقط ذلك التلقيح الشامت من "سعاد" والتي لم تتوقف عن التفوه بالكلمات المزعجة والجارحة، وكل ما يشغل عقلها هو ما ستفعله بعدما تسدد الطريق أمامها وأمام ابنتها، كيف ستنجو بها من بين براثن عائلة زوجها بأقل خسائر، وبدون أن تتأذى "رحيل" من جحود قلوبهم على الأقل؟!.
***************************************
أنهت طعامها كاملًا ولم تُبقي منه شيئًا، فـ بعد أن قضت واحدة من أسوأ الليالي التي قضتها على الإطلاق تناست تمامًا أمر الطعام، وإنها بحاجة ماسّة لشحن طاقتها من أجل مواجهة عائلة الطحان بكل ما أوتيت من قوة. نهضت عن مكانها لتنظر عبر النافذة الزجاجية المُطلّة على حديقة القصر، فـ استعادت ذاكرتها ليلة أمس حين لجأت لصاحب القصر كي ينقذها ويأويها على الأقل ليلة واحدة، حتى تعيد ترتيب الخطوات التي ستخطوها لحماية نفسها وأمها من بطش عمّها الجاحد، ذلك الرجل المستبد الذي يريد تزويجها قِسرًا من ولدهِ الأكبر حسين عوضًا عن زوجها الفقيد. حررت "رحيل" تنهيدة حارّة وهي تبتعد عن النافذة، وبداخلها تراكم اليأس الذي تحاول مواجهتهِ كل يوم بعزيمة من فولاذ، لئلا تخضع لهم كما خضعت هي ووالدتها منذ سنين طويلة. جلست على حافة الفراش وهي تهمس بين ثناياها الجريحة :
- ياترى بكرة مخبي إيه!.
طرقات على الباب جعلتها تقف في مكانها وهي تقول :
- اتفضل.
دلفت إليها "عبير" كي تحمل صينية الطعام :
- محتاجة أي حاجه تانية ؟.
فوضعت "رحيل" يدها على شعرها المكشوف وهي تطلب منها بتحرجٍ :
- ممكن طرحة أو إيشارب عشان بس أغطي شعري.
أومأت "عبير" رأسها وهي تحمل الصينية مرددة :
- من عنيا.
وخرجت من الغرفة، فـ أغلقت "رحيل" الباب من خلفها وعادت تجلس بنفس مكانها، حتى خانتها دموعها وبدأت تنسال في صمت من عينيها الذابلتين، مستشعرة حجم الظلم الواقع عليها والذي أتاها من أولئك الذين يسمون (العائلة)، لقد كانت هي ووالدتها أولى ذبائحهم بدون أن تأخذهم بهم شفقة ولا رحمة، فقط لأنهن نسوة لا جدار لهن ولا حامي، فلم يستوصوا بهم خيرًا، ولم يردوا لهن أمانتهن ولم يكرموهن. أرخت "رحيل" ظهرها على الفراش وتركت جفونها تغطي عيناها المملوءة بالدموع حتى أفرغت كل ما فيها، ورغمًا عنها غفت مجددًا، وكأنها طوال الليل لم تهنأ بنومٍ عميق.
***************************************
دخلت سيارتهِ الفارهه ذات الماركة العالمية الشهيرة لأرض القصر، لتشقّ طريقها بين دفتّي الرواق المشجر خلف سيارة الحراسة التي تؤدي مهمتها في حمايتهِ، ثم ترجل أحدهم ليفتح له باب السيارة الخلفي، لينزل عنها وهو يأمره بـ :
- هات الشنط وطلعها على فوق.
- أمرك يا باشا.
نزع عن عيناه نظارة الشمس الأنيقة وهو يصعد درجات القصر الرخامية، ثم دلف مستقبلة إياه خادمته الوفية "حِراء" :
- حمدالله على السلامة يا هاشم بيه، نورت القصر والله.
نظر "هاشم" من حوله باحثًا عن شخص ما بعينه، ثم سألها بدون إطالة :
- مراد فين؟.
فأشارت نحو الخارج :
- لسه خارج من شويه يتكلم في التليفون ومدخلش تاني.
خرجت "عبير" مهرولة من ذلك الممر المؤدي لغرف الخدم، حاملة وشاح الرأس الأسود بين يديها، وسرعان ما توقفت بمكانها مطأطأة رأسها وهي ترحب به :
- حمدالله على السلامة يابيه.
دقق "هاشم" أنظارهِ على ما تحمله وهو يسألها بإقتضاب :
- بتجري كده ليه وإيه اللي في إيدك ده!؟.
- دي طرحة كده هطلعها للضيفة عشان تغطي شعرها.
تغضن جبين "هاشم" وعاود النظر لـ "حِراء" وهو يسألها بحزمٍ :
- ضيفة مين؟؟.. مين موجود في قصري وانا معرفش!.
توترت "حِراء" من لهجتهِ الحادة تلك، وقبيل أن تنفجر منه عصبيتهِ الوشيكة كانت تجيبه بصراحة :
- في ضيفة بايتة هنا من امبارح.. وأستاذ مراد اللي أمر نستضيفها.
بالفعل بدأ ينفعل وبرز ذلك على صوته المرتفع :
- ما شاء الله، وانا آخر من يعلم ولا إيه!!.. مــيـن دي ؟.
تنحنحت "حِراء" وقد أسبلت جفونها في حرج منه، حيث إنها موكلة بإطلاعهِ على كل شئ يدور في قصرهِ وها هي قد قصرت في مهامها :
- دي واحدة من بيت طحان، وشكلها كده جاية مستنجدة.
مجرد ذكر أسم تلك العائلة كان مؤشرًا باردًا، كأنه اندهش قليلًا من هويتها، أو ربما اندهش لأنها لجأت لقصرهِ هو تحديدًا، لجأت لـ "هاشم العزيزي" المعروف بعداوتهِ الشديدة لـ آل الطحان...
"إنه لمن العار أن ينصفك الأغراب عن ذويك، ينصرك من هم أبعد إليك عن صلة الدم؛ بينما أصحاب الدماء الواحدة هم أوائل من ينهشون لحمك حتى ترآى لهم العظام."
____________________________________
كان يستمع للقصة التي رواها "مراد" وأسباب قبوله بها ضيفة هنا بكل إصغاء وهدوء، بينما يجلسان في بقعةٍ مخصصة للجلوس صنعها" هاشم" في حديقتهِ الغنّاء، وكأنها غرفة كاملة، مُكيفة ومحاطة بالجدران الزجاجية الشفافة التي تمكنك من رؤية جميع ما حولك، الأشجار والزروع ومدخل القصر.. كل شئ واضح ومرئي للجميع. أنهى "مراد" حكايتهِ، فـ أنزل "هاشم" ساقهِ عن الأخرى وهو يسأله في تدقيقٍ له مغزى :
- هي قالتلك إنها محتاجة حماية من عمها وولاده؟؟.
كان جوابه واضحًا :
- أنا مقولتش كده.. انا قولتلك طلبت تقعد ليلة واحدة لحد ما تقدر تروح المركز، شكلها هتبلغ فيهم.
بسمةٍ وديعة لا تليق أبدًا ببواطنهِ الخبيثة المكتومة، تبعها صوته الرزين وهو يقول :
- مش لازم تطلب بلسانها يا مراد، ده واجب الجار للجار.. وانا مقدرش أبخل على حد بحمايتي.
بزغت أسنان "مراد" بعدما استشف إنه قبل بضيافتها، ثم هتف بـ :
- كنت عارف إن ده هيكون رأيك، عشان كده وافقت تفضل موجودة.
نهض "هاشم" عن مكانه وخرج قاصدًا قصرهِ، عائدًا إليه ممنيًا نفسه برؤية تلك الفتاة التي تجرأت على بيت آل طحان وفرّت منهم، بل الأكثر من ذلك إنها لجأت إليه هو تحديدًا، جعله ذلك مشتاقًا لرؤيتها والتعرف عليها. عبر الباب الداخلي حينما كانت تهبط آخر درجات السُلم، ممسكة بحجابها الأسود خشية أن يسقط عن رأسها، في اللحظة التي وقعت عيناها على ذلك المهيب في طلّتهِ، فـ ارتكزت عيناها عليه للحظات وهي تراه يفحص كل جزء فيها مستكشفًا إياها، حتى تنحنحت وهي تسأله بإقتضاب :
- ممكن أقابل صاحب البيت لو سمحت؟.
قطب جبينه مذهولًا من رغبتها، إذ إنها لم تعرف بعد من يكون وما هي هويته :
- أؤمريني يا هانم.
استحت من لفظهِ المبجل، حتى إنها ظنته يسخر منها في بداية الأمر :
- آ... انا عايزاه هو شخصيًا.
صارحها "هاشم" دون مراوغة والبسمة اللطيفة تتراقص على محياه المُزين بلحية خفيفة بالكاد تعطيهِ وسامة مضاعفة :
- أنا هو بعينه، قوليلي أقدر اخدمك إزاي وانا مستحيل أتأخر.
رفعت حاجبيها بشئ من التعجب، ثم سألته :
- حضرتك ؟!.. أمال اللي قابلني امبارح و.....
قاطعها "هاشم" بعدما فهم سوء الفهم الذي حدث، وإنها خلطت بينه وبين "مراد" :
- آآه.. ده مراد، ابن عمي ومدير أعمالي وموجود هنا نيابة عني.
ذمّت شفتيها بتحرجٍ منه، وكأنها انكمشت على نفسها أكثر الآن :
- أنا آسفه جدًا، جيتلكم فجأة و مقصدش أورط حد معايا واتسبب في.........
استوقفها مقاطعًا وهو يدنو منها خطوتين :
- أنا اللي آسف لو كنت أحرجتك، البيت بيتك في أي وقت، أتمنى تكوني ارتاحتي عندنا.. نمتي كويس؟.
لطافتهِ الزائدة ورُقيهِ، والتي لم تراهم في تلك البلدة الجاهلة من قبل، جعلتها تلين قليلًا وتتخلص من بعض الحرج والتوتر الذي انتابها، وأجابته بنبرة لم تخلو من الإمتنان :
- آه الحمد لله.. متشكرة جدًا.
أفسح لها الطريق كي تمر من أمامه وهو يستأذنها :
- تسمحي نتكلم مع بعض برا شويه، محتاج أعرف أكتر إزاي أقدر أساعدك في مشكلتك.
لم تواجه مشكلة أبدًا في تقبله گشخص، رأته ودودًا لطيفًا، يكنّ لها احترامًا رغم إنها مقابلتهم الأولى، فـ سمحت له ببعض التطفل، وخرجت بصحبته للخارج وهي تحافظ على تلك المسافة بينهما، حتى باتت أقدامها تلامس أرضية الحديقة، فسألها بصراحة :
- قوليلي.. عمل إيه حمدي الطحان عشان يجبرك تهربي في ساعة زي دي وانتي في الحالة اللي كنتي فيها؟.
لم تتخلص نهائيًا من الحواجز التي تمنعها عن الفضفضة الزائدة من رجل غريب، تلك هي مرتها الأولى التي تراه فيها، ورغم ارتياحها له إلا إنها ما زالت تحتفظ ببعض الخصوصية :
- شويه مشاكل كده وهتتحل، بس أنا محتاجة اروح المركز عشان اشتكيهم، أمي هناك في البيت وزمانهم حابسينها لحد ما ارجعلهم.
لم يتستر على ملامح الإنزعاج التي انتابته فجأة، وعرض عليها بصدق رغبته في مساعدتها :
- أنا ممكن اجيبهالك هنا في ظرف نص ساعة لو تحبي.. مسافة الطريق وتكون معاكي.
أخيرًا رآها تبتسم بوداعة وهي تشكره :
- لأ تسلم ، مش عايزة الموضوع يكبر ويدخل فيه أطراف تانية.. عمي عنيد وهيعملها مشكلة.
ضحك مستخفًا بعبارتها الأخيرة تلك؛ لكنه تقبلها مؤقتًا لأنها لم تتعرف عليه بعد :
- مشكلة معايا أنا !!.. تبقي متعرفنيش كويس.
بترت شكوكه التي ظن بها إنها لا تعلم هويته، أو تجهل حقيقة الخلافات القديمة والحاضرة بينه وبين عائلة الطحان كلها، وصرّحت إنها على علم بكل ذلك :
- لأ عرفاك كويس.. عشان كده انا هنا بالذات.
طقطت أصابعها في شئ من الربكة، ثم طرحت عليه مطلبها الأخير :
- معلش آخر طلب بس.. ممكن حد يوصلني المركز؟.
أشار لأحد الحرس الرابضين على البوابة من الداخل وهو يهتف بـ :
- طبعًا ممكن.
أقترب منه فـ ألقى عليه "هاشم" بأوامره :
- جهزلي عربية وخلي حد من السواقين يطلع معانا.
- تحت أمرك ياباشا.
تدخلت وهي تعفيه من تلك المسؤولية التي حمّلها لنفسه :
- آ... مش لازم حضرتك تيجي انا بس آ....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جديتهِ في مقاطعتها جعلتها تقبل - مجبرة - تواجده معه :
- مش لازم إزاي ؟! مش هينفع أسيبك تروحي لوحدك.. وبعدين انا حبايبي كلهم في المركز وهيخدموكي بعنيهم، أوعي تشيلي هم يا.....
تنحنحت وهي تعرفّه على أسمها :
- رحيل.. أسمي رحيل.
فـ مدّ لها يده مع ابتسامة وديعة وهو يقول :
- تشرفت بيكي يا رحيل هانم.
لحظات مرت وهي تنظر على يده الممدودة، فـ تفهم على الفور وسحبها وهو يعتذر على مبادرتهِ الغير حكيمة :
- آسف.
بشئ من التكلّف أعفته من الإعتذار :
- حصل خير.
**************************************
لم يستطع قلبها مقابلة شعور القهر بالتجاهل أو التمرير مرور الكرام، وكأن زوجها قد دهس قلبها أسفل أنانيتهِ ورغباتهِ المريضة، فلم يراها أو يسمعها أو حتى يشعر بها.
خرجت "هدير" من دورة المياة بعدما تخلصت من آثار الدموع التي أغرقت وجهها، ثم اتجهت نحو غرفة حماتها لكي تستجديها أن تترك لها زوجها وألا تأخذه منها ليتزوج بأخرى، كي تستعطفها گأمرأة حتى لا تتركها تعيش ويلات الحسرة والقهر وهي تراه بين أحضان زوجة ثالثة. طرقت على الباب فـ استمعت لصوت "سعاد" آتيًا من الداخل :
- أدخل ياللي بتخبط.
دلفت "هدير" وعلى وجهها متجليًا علامات الحزن الشديد، فتأففت "يعاد" وهي تشيح برأسها :
- ياساتر يارب من وشك.. إيه يابت التكشيرة دي كأن ماتلك ميت!؟.
دنت منها حتى جاورتها جلستها لتردف بنبرة مستعطفة :
- أنا جايه أحب على إيدك عشان توقفي الجوازة دي، أنا ممكن أموت فيها لو حسين أتجوز عليا.
تقوست شفتي "سعاد" بسخرية وهي ترميها بتلك النظرات المستخفة :
- انتي عبيطة يابت انتي!!.. أمال لو مكنش متجوز قبلك وليكي ضرة كنتي عملتي إيه؟ اشمعنا هي سكتت وانتي لأ؟.
حررت "هدير" تنهيدة حارة من صدرها قبيل أن تعبّر عن المحرقة المشتعلة بين ضلوعها :
- هي قبلت بيا، أنما انا مقدرش اتحمل حاجه زي دي.. وحسين فهمني إنه عمره ما هيفكر يتجوز عليا.
خبطت "سعاد" يد على الأخرى وهي تُفشل محاولاتها بالتأثير على سير الأمور كما تريد :
- أهي الظروف حكمت ياختي.. ماانا مش هسيب مرات الغالي حسن الله يرحمه تمشي كده بالساهل من وسطينا، لأ وكمان تاخد أرضه وماله ومحتالهُ!! على جثتي.
عافرت "هدير" لإيجاد الثغرة أو المبرر الذي تقوّي به موقفها ضد رغبة "سعاد" المتشددة :
- وانتوا باقيين عليها ليه بس ما تمشي تشوف حالها، طالما مفيش عيال خلاص.
تلوت شفتي "روايح" مستنكرة تلك الكلمات الخائبة :
- شكلك نسيتي إن البت دي من دمنا، يعني اخرتها هتبقى لينا مش لحد تاني.. وانا بقى مش هسيبها تمشي مهما حصل.
سرت دمعة على خدها رغمًا عنها، بعدما فشلت في كبح مشاعر الحزن الفياضة بداخلها :
- بس دي كانت بتحب المرحوم، مستحيل تقبل براجل تاني.. جوزيها أي حد من عيالك والنبي إلا جوزي، ورحمة حسن تـ.....
لكزتها "سعاد" بقوةٍ لكي تكفّ عن استجدائها بتلك النبرات المزعجة :
- ياشيخة قرفتيني عـالصبح، ما تسكتي شويه بقى ولا شوفي حاجه تشغلك بدل ماانتي ملكيش لازمه كده.
ونهضت بتثاقلٍ عن جلستها وهي تتابع :
- جتك القرف، عكرتي مزاجي أكتر ما هو متعكر.
تركتها تنعي حظها السئ الذي أوقعها في ذلك الموقف، بعدما هانت عليها كرامتها وتنازلت للتحدث إلى تلك الجاهلة، التي لطالما عاملتها بسوءٍ ولم ترضى بها منذ اليوم الأول. كفكفت "هدير" دموعها وهي تهمس بـ :
- وحياة ديني لأكون مورياكي يا سعاد، وعلى جثتي الجوازة دي تتم.
***************************************
راقب "مراد" ما يجري أمامه بتركيز، فلم يكن متوقعًا من "هاشم" ذلك الإهتمام المبالغ فيه لضيفتهِ الغريبة، وإنه قد يُقدم على تقديم المساعدة لها أو التدخل لحل مشكلتها، ظنّ إنه بدافع الشماتة، إذ يرغب "هاشم" بالتشفّي في آل طحّان حينما يعلمون إنه بداخل الأمر، وربما فطرتهِ التي تستحثهُ على تقديم يد العون لكل ما هي مؤنث، دعمًا منه للكائنات الضعيفة -كما يسميها هو-.
فتح "هاشم" باب السيارة الخلفي أمامها في لفتة ظريفة راقية، فـ سألته بتوجسّ حسيس :
- وحضرتك هتقعد فين؟.
فهم على الفور سبب سؤالها، واستنتج تحفظها على الجلوس بجوارهِ، فأجاب بدون أن يستغرق لحظة واحدة في التفكير:
- هقعد قدام طبعًا، اتفضلي انتي ارتاحي ورا براحتك.
تبسمت وهي تصعد سيارتهِ الفارهه، حينما كان السائق يتطلع لسيدهِ بذهولٍ، فتلك المرة الأولى التي سيجلس فيها جوار السائق؛ لكنه سرعان ما تدارك خطأه في التعقيب البصري وجلس في مكانه ليبدأ في القيادة، بعدما أمره "هاشم" بوضوح :
- سوق بالراحة عشان منزعجش الهانم.
أومأ السائق برأسه وهو يرفع قدمه عن الفرامل رويدًا رويدًا :
- حاضر.
أقل من عشرون دقيقة وكانت السيارة تصطف أمام مركز الشرطة التابع للمحافظة، كانت "رحيل" تراقب الطريق جيدًا، وأثناء ذلك حمدت الله إنها وجدت ذلك الشهم ليساعدها في الوصول، حيث كان الطريق وعر وخطير، غير آدمي، وغير مستعد لأستقبال المُشاة، بجانب إنه قيد التطوير والتعديل مما لا يسمح بالوصول السهل إليه. التفت "هاشم" برأسه وهو يقول :
- أنا هنزل معاكي أدخلك للمأمور و.....
رفضت وبشدة مخافة أن يراها أي أحد برفقته، فـ تنتشر الأقاويل والعبارات الفاضحة عنها :
- لا لا لا.. ملوش لزوم تعبك انا هدخل بنفسي، شكرًا أوي على مساعدتك.
فـ برر لها سبب رغبته بالدخول معها :
- يابنتي المأمور معرفة قديمة وهيتوصى بشكوتك لو عرف إنك تبعي.
شددت على رفضها معلنة السبب بصراحة ووضوح :
- لأ معلش.. أنا مقدرش على كلام الناس لو شافوك معايا!.. والناس عنيها ولسانها ميرحموش.
تفهم سبب رفضها بتقدير؛ لكنه لم يتوانى عن اختراع طريقة أخرى يقدم لها مساعداته بها :
- خلاص تدخلي انتي وانا هكلمه بالتليفون وأفهمه كل حاجه، إيه رأيك ؟.
انفرجت أساريرها بعدما شعرت بأن الجميع سيهتم بشكوتها إن كانت آتيه عن توصية جادة :
- مفيش مشكلة.. شكرًا لتاني مرة.. مع السلامة.
نظرت عبر النافذة بحذرٍ لئلا تتركز معها الأنظار، فهي الآن محاطة بالزجاج المانع للرؤية من الخارج، أي إنها في أمان -مؤقت- حتى تغادر سيارتهِ. ترجلت عن السيارة وهي تواري نصف وجهها بحجاب الرأس مخافة أن يتعرف عليها أحد فـ يشي بها، ثم خطت بعجالةٍ نحو باب المركز وعيناها تنظر يمينًا ويسارًا، وقبل أن تعبر الباب كانت ترى "حُسين" يقف برفقة أحد العساكر بالداخل يتحدثان سويًا، لحظات ولحق به "حمدي" ليتجمع ثلاثتهم. انقبض قلبها گالتي رأت "عزرائيل" متجسدًا أمامها، وتصلبت سيقانها في مكانها غير قادرة على التفكير أو حتى اتخاذ قرار مناسب في هذه اللحظة الخـطيـرة .....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"نحنُ البشر كومة من الأسرار تسير على الأرض؛ ولن يُفشى السرّ إلا إن أراد صاحبهِ البوح به."
_____________________________________
لم يفهم تحديدًا ما سبب وقوفها بجمودٍ هكذا بعدما كانت على عجالة للدخول إلى المركز، فـ ظل مراقبًا لها ولم يحيد عيناه عنها حتى رآها تعود بإتجاهه ركضًا، فـ استنبط إنها رأت شيئًا تسبب في عودتها إدراجها بهلعٍ، فأمر السائق بسرعة :
- أفتح الـ lock بتاع الأبواب.
ألغى السائق خاصية الأمان لقفل الأبواب، فـ فتحت الباب الخلفي بسرعة وركبت السيارة وهي تقول :
- أمشي بسرعة من هنا والنبي.
أشار "هاشم" لسائقهِ الذي سرعان ما لبّى رغبتها، وأثناء ذلك استطاع "هاشم" أن يلمح "حمدي" من مسافة بعيدة إلى حدٍ ما، فـ تفهم سبب ذعرها المفاجئ وتراجعها عن تنفيذ ما أتت لأجله، على ما يبدو أن الأمر جلل، وإلا ما عادت إليهِ بذلك الشكل، يكاد يسمع صوت أنفاسها اللاهثة المتلاحقة، فتضاعفت رغبته الفضولية في معرفة الشأن الخطير بينها وبين عائلتها. لم يتحدث إليها ولم يعقب على ما رآه، فقط تركها تستعيد اتزانها وحالتها الطبيعية، وهي صامتة تمامًا لم تصدر أي صوت، حتى تفاجئت بنفسها بين حصونهِ من جديد، تحاوطها أسوار قصرهِ المنيعة. أطرقت "رحيل" رأسها في خيبة، بعدما عادت دون أن تحقق شيئًا يُذكر، ولأنها عادت إلى هنا مجددًا، ليس لها أحد تذهب إليه، ولا منزل تلتجئ له. أشار "هاشم" للسائق فـ تفهم الأخير وغادر السيارة ليترك لهما مساحة من الخصوصية، فـ تصنّع "هاشم" وكأنه لا يعلم سبب عودتها، وسألها مباشرةً :
- إيه اللي رجعك مرة واحدة كده؟.
لم تدسّ الأمر عنه وصارحته بالحقيقة :
- شوفت عمي حمدي هناك، معرفش إيه اللي وداه المركز؟.. تفتكر حاجه تخصني؟.
تلوت شفتي "هاشم" وهو يجيب :
- معتقدش، هو مش محتاج يروح القسم يدور عليكي أو يبلغ إنك مختفية، أكيد فاهم إنك هربانة.
نظرت "رحيل" من حولها بتحرجٍ وهي تهتف :
- أروح فين دلوقتي!؟.. لازم ألاقي لوكاندة ولا بنسيون أقعد فيه يومين لحد ما الأمور تظبط معايا.
- بنسـيون إيـه ؟.
ترجل "هاشم" عن سيارتهِ ثم فتح بابها الخلفي وهو يقول :
- ياستي اعتبري هنا بنسيون 5 نجوم.
ترجلت عن السيارة وهي تتحدث إليه على استحياءٍ :
- ميصحش برضو، آ....
لم ينتظرها حتى تتمم كلماتها المعترضة وفرض عليها رأيه بلطافتهِ - المعتادة - :
- لأ يصح عادي جدًا.. شكلك واحدة متعلمة مش زي أغلب الناس اللي عايشين هنا، هتروحي بنسيون فيه ناس أغراب وهتعيشي وسط مجتمع غريب عنك، يعني هنا والبنسيون واحد، الفرق إن احنا جيران وانا أقدر أساعدك تتخطي مشكلتك.. ده لو انتي حابه.
أثار "هاشم" قليل من التحفز بداخلها، فسألته إن كان صادقًا بحقّ فيما يقول :
- فعلًا ممكن تساعدني؟.
لم يتردد في تجديد عرضه عليها مرة أخرى وبطريقة أكثر إلحاحًا :
- طبعًا، بس أعرف إيه طبيعة المشكلة اللي عندك وأكيد هكون معاكي لحد ما تتحل.. خلينا بس نعدي مسألة إنك خلاص هتفضلي مشرفة في بيتي المتواضع وبعدين نتغدا وبعد كده نتكلم في مشكلتك.
دنت منهم "حِراء" بعدما أشار إليها "هاشم"، فأمرها بجدية :
- وصلي الهانم أوضتها ولو محتاجة أي حاجه جهزيها ليها، وبعد كده شوفيها تحب تتغدى إيه وخلي الطباخ يجهز الغدا.
التفت إليها وهو يفسح الطريق أمامها لكي تمر :
- اتفضلي يا هانم.
ابتسمت بوداعةٍ وهي تمرّ من أمامه، حينئذٍ كان يقترب منه أحد رجالهِ المخلصين، والذي كلفه "مراد" للتقصي حول "رحيل" وما هي قصتها كاملة، ليسرد إليه ما توصّل إليه :
- أنا عرفت كل حاجه يا باشا.
سار "هاشم" برفقتهِ حول الحديقة وهو يستمع إليه مصغيًا بتركيز :
- أحكي.
- الست جوزها مات من تلات شهور، مات في الخناقة الكبيرة اللي حصلت بين عيلة الطحان وعيلة الحبشي، ورجع حسين الطحان هجم عليهم من تاني والخناقة وقع فيها ٥ رجالة من عند الحبشي قال يعني بياخدو تار حسن الطحان.
- حسن ده جوز الست مش كده ؟.
- بالظبط كده.. الشرطة فرضت حظر تجول، ومن ساعتها والبلد كلها مستنية رد عيلة الحبشي.
قطب "هاشم" جبينه بفضول أكبر وهو يسأله :
- وإيه دخل رحيل في كل ده؟.
- بعد موت جوزها حماها حبسهم ومنعها هي وأمها يرجعوا القاهرة، وكمان راح باع البيت بتاع ابنه هناك عشان تفضل قاعدة معاهم هنا.. مش كده وبس، عايزها تتجوز ابنه الكبير حسين وتفضل قاعدة هنا في وسطهم، ولحد دلوقتي أمها قاعدة هناك وزي ما تكون مش عارفه تخرج.. أصل الرجالة اللي بيحرسوا البيت زي الرز.
لحظات من الصمت، والتوقف عن السير، حتى عاد "هاشم" يقول له :
- عايزك تركز مع الموضوع ده وأي جديد تعرفني بيه.. ماشي؟.
- اللي تشوفه سعادتك.
على ما يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة التي تخيلها، وأن المواضيع تعقرطت وتدخلت فيها أطراف أخرى، كما تبين له الظلم الفاحش الواقع على "رحيل"، والذي دفع بها للهرب من بين براثنهم، للنجاة بنفسها من تلك الزيجة المكروهة بالنسبة لها، واعتبرتهم أعدائها للحد الذي سمح لها بالتفكير في اللجوء للقانون كي يحميها ووالدتها من بطشهم.
***************************************
كانت تجلس على سطح المنزل، عيناها تراقب قرص الشمس وهو يغيب عن السماء، قبيل أن تنسدل ستائر الليل فتغطي بسوادها كل الأرجاء. تحس في قلبها غصةٍ موحشة، وتتآكل بداخلها بخوف على ابنتها التي لم تعلم عنها شيئًا منذ الأمس، حتى لم تأخذ هاتفها معها كي تطمئن عليها.
أثار انتباهها صوت وقع أقدام على الأرض، فـ التفتت رأسها لترى "منال" تخطو نحوها، تلك السيدة زوجة "حسين" الأولى والتي ساعدتها في تهريب "رحيل" من أجل الخلاص من هذا الزواج. نهضت "جليلة" من مكانها تستقبل "منال" وهي تسألها :
- في جديد تحت يابنتي؟.
- لأ يا خالتي.. خلصت الغدا وقولت أطلع اطمن منك.. عرفتي حاجه عن رحيل؟.
تنهدت "جليلة" بتثاقلٍ وهي تشيح برأسها لليسار :
- لأ.. قلبي واكلني عليها أوي يا منال، لو كانت راحت المركز كان زمانا عرفنا حاجه عنها.
ذمّت "منال" على شفتيها بحنقٍ وهي تقول :
- أمممم.. وبعدين؟ هنعرف إزاي ؟.
- مش عارفه.
ثم التفتت إليها وربتت على كتفها بإمتنان وهي تقول :
- نسيت اشكرك على وقفتك معانا.. لولاكي مكنتش عرفت أخرج رحيل من هنا.
ابتسمت "منال" على مضضٍ وقد بينت الحقيقة وراء سعيها لتهريب "رحيل" :
- على إيه ياخالتي ما المصلحة واحدة.. رحيل تبقى سلفتي آه.. إنما ضرتي لأ معلش يعني، كفايه عليا التانية مش هيجيبلي التالتة كمان!.
زفرت "جليلة" وهي تكتم امتعاضها داخلها، ثم أردفت بـ :
- متقلقيش مش هيحصل، بنتي مش عايزة جواز تاني خلاص.
شبكت "منال" يداها بتهكمٍ وهي تقول :
- ياريت.. يلا انا هنزل عشان أحط الغدا، أبقي انزلي كلي معانا بقى يا خالتي.
غادرت "منال" حتى اختفت من أمامها، فـ عادت "جليلة" تنظر للشمس أمامها وهي تهمس بـ :
- أعوذ بالله، مبقاش إلا انتي كمان اللي هتكلمي يا منال!.. ده جوزك مصحيكي على علقة ومنيمك على علقة!، يارب ألطف ببنتي يارب.
*************************************
كانت تتطلع إليه وهو يتحدث في هاتفهِ، مدققة في كل تفاصيلهِ بفضول كبير، منتظرة أن ينتهي من تلك المحادثة لكي يتفرغ لسماعها. هو واحد من ذوى الصيت الواسع في البلدة كلها، على الرغم من إنه لا يتواجد هنا كثيرًا، إلا إنه سيرة بالكاد يعلمها الجميع. لم تتخيل قطّ إنه شاب يافع في ريعان عمره، ظنتّهُ عجوزًا كبيرًا أو رجلًا تخطى أعتاب الخمسين من العمر؛ لكنه بالكاد لم يصل حتى لنهاية الثلاثينات. راقي.. وسيم.. لبق.. مهذب.. لا ينطلي عليها الآن كل السمات التي سمعت بها من قبل عنه، ولم تصدق أن ذلك الرجل هو الذي شاعت سيرته بكل سوء في منزلهم.
أخفضت بصرها عنه وتنحنحت وهي تهمس :
- منك لله يا عمي.. حتى الراجل الغريب شوهت صورته قدامنا كلنا!.
نزلت أنظارها عنه قليلًا، فوقعت على شيئًا ملفت للنظر، كان يرتدي خاتم بنقشة غريبة، يحمل فصّ أسود كبير وعلى حوافهِ ثعبان من الفضة، مع التدقيق في شكلهِ يوحي بمغزى مريب ومُقلق، لا يليق أبدًا بشخصيته الودودة اللطيفة التي هو عليها، شكله غريب وكأن له قصة معينة، ولم تنتبه لنفسها وهي تحدق في خاتمه إلا وهو يبتر شرودها مشيرًا بيدهٍ في الهواء :
- رحيل هانم؟.. سمعاني؟.
انتبهت للتو إنها علقت بعيناها على خاتمه، وسرعان ما عادت لأدراكها وهي تجيب :
- أيوة.. معاك.
قطب جبينه وقد استرعى انتباهه نظراتها الغريبة له، فسألها :
- بتبصيلي كده ليه!.
كانت تلقائية للحد الذي لم يتخيله في جوابها :
- بتفرج عليك.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
انطلقت ضحكة من بين شفاهه حتى التمعت عيناه لمعةٍ غريبة، فعادت تصحح كلمتها فورًا :
- مش قصدي.. يعني أقصد إن كان ليك صورة تانية خالص في دماغي.
شبك أصابعهِ معًا وهو يسألها بفضول :
- إزاي مش فاهم!.
فسّرت له نبذة عن الصورة التي تخيلته بها :
- يعني افتكرتك أكبر وأوحش من كده.. عمي كارهك من زمان أوي، وكل ما تيجي سيرتك كأن شيطان مسكه.. متخيلتش إن اللي مضايقة بالشكل ده واحد جدع زيك.
تناولت مسامع "مراد" تلك العبارة المدهشة، فأراد أن يشارك برأيه في تلك المحادثة التي طالت أكثر من اللازم :
- شكلك كده غاوية أحكام مسبقة.
ثم وجه حديثه لـ "هاشم" وهو يقول :
- يلا نتغدا لأني محتاج أنزل القاهرة بعد ساعة من دلوقتي.
أومأ "هاشم" رأسه وهو يستعد للنهوض :
- اتفضلي ياهانم.
نهضت "رحيل" عن مكانها وهي تسأله بتوجسٍ :
- هو قصده إيه؟.
ابتسم "هاشم" وهو يجيب بنفس هدوءه :
- متشغليش بالك، المهم كملي، إحنا وقفنا على إن جوزك الله يرحمه دخل في الخناقة بهدف إنه يهدي الدنيا ويوصلوا لحل، وبعدين؟.
كانت نبرتها حزينة بشكلٍ واضح، وهي تتحدث عن زوجها الفقيد الذي لم تهنأ بزواجها منه سوى أقل من عام واحد :
- حسن مش بتاع مشاكل ولا خِناقات زي أخوه، بس منه لله حسين هو اللي جرجره في الخناقة دي لحد ما راح.. احنا كنا جايين زيارة كام يوم وهنرجع القاهرة تاني، مكنتش اعرف إنها زيارة بلا رجعة.
تحشرج صوتها مع الكلمة الأخيرة، كأن بادرة بكاء في طريقها إليها، فتوقف "هاشم" عن السير وأخرج من جيبه منديل ورقي ليناولها إياه ونظراته إليها كلها شفقة، ثم حاول أن يواسيها في مصابها الحزين :
- البقاء لله، ربنا يرحمه.
مسحت "رحيل" عيناها التي احمرت على الفور، واستشعرت توهج بشرتها وسخونة شديدة تخرج من صدرها وكأنها براكين تنبعث من بين ضلوعها، فتركت نفسها تسترسل في سرد قصتها الحزينة عليه، بصوتٍ باكي منفعل وكأنها تنفث عن طاقة الغضب الهائلة المكتومة بداخلها :
- وعمي مش مكفيه إنهم خدوا جوزي من حضني، كمان عايز يحرمني من أبسط حقوقي، مش عايز يديني ورثي من جوزي.. وانا محلتيش حاجه أعيش منها أنا وأمي، وعايز يجوزني حسين بالعافية، وكمان راح باع بيتنا اللي في القاهرة بالتوكيل اللي معاه من حسن الله يرحمه عشان يجبرني انا وأمي نعيش هنا معاه وتحت عينه.. أنا مش عارفه هعمل إيه لو القانون مجابليش حقي منه!.. حتى الإيراد اللي كنا بناخده كل شهر من الدكاكين والمحلات منعه عننا.
لم يطيق "هاشم" سماع ظلم آخر، فتلونت بشرتهِ بحُمرة مكتومة، ومنع نفسه بصعوبة لئلا ينجرف بمشاعرهِ المنفعلة وراء الغضب الذي تشكل داخله، ولم يدخر وسعهُ في عرض خدماته عليها لأنقاذها من ذلك الظلم البيّن :
- قوليلي إزاي أقدر أساعدك.. أنا ممكن أتدخل بنفسي واجيبلك حقك لحد عندك لو عايزة، أديني انتي بس أشارة وشوفي بنفسك.
سكت صوت بكاءها فجأة، وبرقت عيناها المغلفة بلمعان الدموع وهي تسأله :
- فعلًا تقدر ؟؟.. إزاي ؟.
لمست الصدق في صوته ونظرته وحتى إيماءات جسدهِ المتفاعلة معها :
- دي بتاعتي أنا ملكيش دعوة إزاي، لكن كل حاجه ليها عواقب.
مسحت وجهها الغارق في الدموع، وتحفزت أكثر لمعرفة الخطة التي يفكر فيها :
- يعني إيه ؟.
صارحها في النهاية بالنتيجة الحتمية التي سيؤدي لها تدخله هو تحديدًا في الأمر :
- يعني هتنسي أهلك دول خالص.. ولا هيعرفوكي ولا تعرفيهم، اللي هعمله مش هيخليهم يغفروا ليكي أي حاجه، لكن اللي أقدر أضمنه ليكي إن محدش هيقدر يتعرضلك بعد كده منهم.
كان عرضهِ يستحق التفكير بحق، فهي بأشد حاجه للخلاص من هذا الظلام الذي وقعت فيه، بعدما شاء القدر أن يسلبها زوجها، أمانها الوحيد الذي كانت تلتجئ إليه، الوحيد الذي لم يحمل أية صفات أو خِصال من دماء آل الطحان. تلجلج عقلها ما بين التفكير في الموافقة من عدمها، حتى رأى هو ذلك الشتات البيّن في عيناها ، فخلّصها من ذلك التشتت بلباقته ليقول :
- طيب ممكن تفكري براحتك وقوليلي رأيك بعدين، أنا تحت أمرك في أي حاجه.
أومأت رأسها بالموافقة وهي تمر من أمامهِ، بعدما بات عقلها حبيس التفكير في العرض المغري خاصتهِ، أيعقل إنه يستطيع تخليصها مما وقعت فيه؟.. هل هو صادق لهذه الدرجة التي ستُخلصها منهم جميعًا؟!.. وما هو شكل العواقب التي ستتبع فكرته الجريئة تلك؟.. بالطبع ستخسر عائلتها بالكامل؛ ولكن ما الذي ستخسره أيضًا في رحلتها للبحث عن حقٍ ضاع بين غياهب الظُلم البيّن؟.
**************************************
اجتمعت العائلة كلها على المائدة، يتناولون أشكال وألوان من أطيب الأطعمة الساخنة، فيما عدا تلك البدينة التي ملأ السُم صدرها، وأرادت أن تبصقهُ في وجه أي أحد للتخلص من حالتها العصبية تلك. تناقلت نظراتها بين أبنائها "حسين" و "علي"، ثم على بناتها "تيسير" و "هاجر". تلوت شفتاها بحنق وأشاحت بصرها عن الجميع وهي تردف ساخرة :
- بيت فيه رجالة يسدو عين الشمس مش عارفين نوصل لحتة بت مفعوصة لا راحت ولا جت، ليها يومين غايبة عن البيت وكلنا حاطين ايدينا على خدنا!.
تأفف "حمدي" بإنزعاجٍ جعله يترك اللحم من يده ويتفرغ للنظر المحتقن إليها :
- مش هتهنى على اللقمة ولا إيه؟؟.. ما قولتلك لو راحت آخر بلاد المسلمين مسيرها ترجع، ملهاش غيرنا، أنا قفلت عليها هي وأمها الدنيا كلها، سيبيني أطفح اللقمة بقى.
تلوت شفتي "تيسير" وهي تردد بحنقٍ :
- متشغليش بالك ياست الكل، هتيجي على حجرنا يعني هتيجي على حجرنا، هي ليها حد هي وأمها غيرنا؟!.
ابتلع "حسين" الطعام الذي يلوكهُ بين أسنانهِ، ثم نظر بإتجاه والدتهِ التي كانت تنظر إليه ليطمئنها بحقيقة نواياه الخبيثة التي يضمرها لتلك الضعيفة :
- متخافيش ياما، اللي عايزينه هو بس اللي هيحصل، ولما تقع تحت إيدي هخلص منها القديم والجديد، هعرفها إزاي تهرب من بيت عمها بنت الـ **** دي.. هعرفها كمان إن حسين مش طيب زي حسن ومش هتقدر تركبه.
توقفت "هدير" عن تناول الطعام، ونظرات الحسرة في عينيها تتوزع ما بين زوجها وأمه، يكاد قلبها ينفطر من شدة حزنها، كلما تخيلت إنه قد يتزوج عليها تتضاعف مشاعر القهر المكتومة بين ضلوعها التي لم تعد تسع حتى أنفاسها فضاقت عليها. نهضت عن مجلسها وكادت تغادر لولا صوته الجهوري الذي ناداها بحزمٍ :
- رايحة فين ياهدير؟؟ من أمتى بتقومي من عـ الأكل قبلي؟!.. شكلك خرفتي ولا إيه؟.
تحرجت من إهانته لها وسط أهله وأمام زوجته الأولى، فـ أخفضت نظراتها عنه وهي تقول :
- تعبانه شويه و.....
قاطعها بصرامةٍ أكبر وهو يزعق فيها بأعلى صوته :
- تعبانه ولا ميتة.. أترزعي مكانك وآخر مرة تعمليها، فاهماني؟.
أومأت رأسها بخنوعٍ، وعادت تجلس مكانها بإنكسارٍ لا تقوَ على رفع عينيها أمام أحد، بينما كانت "منال" تتناول بشراهةٍ وكأنها لا تهتم بما يجري، هي في الأساس تعلم أن ما يتحدثون عنه لن يحدث، وإنها قادرة على فعل أي شئ يتوجب عليها للحفاظ على بيتها وزواجها، هذا الأمر الذي جعل "حسين" يفهم إنها راضية تمامًا عن زواجه الثالث.
نظرت "سعاد" إلى ولدها "علي"، ذلك الشاب الصغير الذي تشبه كثيرًا بصفات "حسن"، ودود وهادئ، مرح وليّن، ويحب إبنة عمهِ "رحيل" كثيرًا، السبب الذي جعله لا يتدخل ضمن حوارهم المرفوض بالنسبة له؛ لهذا حدجتهُ "سعاد" بغيظٍ مكتوم، وهتفت بإنفعال :
- طول عمري عارفه إن تربية عمكم ليكم وسفركم معاه مصر هتفسدكم، أنت وأخوك طلعتوا شبه المرحوم وبنته، وأخرتها محدش فيكوا نصفني.
ابتسم "علي" دون أن يتمادى في ابتسامتهِ لئلا يثير مشاعرها الغضبانة، ثم قال بهدوءهِ المعتاد :
- ما حسين معاكي أهو ياما وقايم بالواجب وزيادة، وبعدين قولتلك قبل كده أنا مش موافق على اللي حاصل، عشان كده مش هتدخل فيه.
ثم ترك ملعقته وصوّب كامل أنظارهِ الحانقة إليها وهو يسألها :
- عايزة تقولي حاجه تاني ياما ولا تسيبيني أكمل أحسن؟.
ألقت "سعاد" لقمة الخبز من يدها ونهضت وهي تقول :
- أخس على خلفتي اللي تعرّ.. اللهي اللي ما يريحني عمره ما يرتاح ولا يتهنى.
تأفف "حمدي" وهو يشمل الجالسين كلهم بنظراتهِ المتبرمة، ثم هتف منزعجًا :
- ما تريحوها لحد ما نعمل اللي احنا عايزينه، مش ناقصين نكد أمكم اللي مش بيخلص ده.
تركت "جليلة" تلصصها عليهم، وراحت تهرع للإختفاء قبيل أن تواجه تلك البغيضة فـ تختلق معها مشكلة أخرى، فهي تهوى المشاجرات والمشاحنات كأنها تجري في عروقها. بدأت "سعاد" تصعد الدرج الخشبي القديم في تؤودةٍ، ومازالت تُتمتم بكلماتها المزعجة، بينما عينا "جليلة" تراقبها من بعيد حتى أختفت، ثم همست بخفوتٍ :
- ربنا ينتقم منك، انتي السبب في كل اللي احنا فيه.
سارت "جليلة" بحذر شديد نحو الباب، فتحته دون أن تصدر أي جلبة من حولها، ثم اخترقت بنظراتها الخارج في استكشاف، لترى أولئك الرجال الذين أستأجرهم "حمدي" لحراسة البيت، منتشرين في كل مكان لئلا يسمحوا بخروج أي مخلوق دون أذنه، وبذلك هي محاصرة بينهم حتى تأتي فرصة تتيح لها التملص من بين مخالبهم والنجاة من هذا المستنقع، لأجل غير مسمى.
*************************************
فُتحت البوابة في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وعبرت منها إحدى سياراتهِ العملاقة، حينما كان يقف هو آخر الممر منتظرًا إياها، وعلى محياه تلك الإبتسامة المتحمسة الشغوفة. ترجل السائق وفتح الباب الخلفي، نزلت عن السيارة تلك الفتاة الصغيرة ذات الأربعة أعوام، ونظرت حولها بشدوهٍ إلى أن وقعت أنظارها على والدها الحبيب، فـ انبعجت شفتيها بسعادةٍ وهي تركض نحوه مناديه عليه :
- دادي دادي.
انحنى "هاشم" ليكون في مستوى طولها الصغير، وفتح إليها ذراعيهِ وهو يقول :
- روح قلب دادي.
والتقطها بين أحضانهِ ثم حملها عن الأرض وهو يتابع :
- لو تعرفي انتي وحشتي دادي قد إيه مش هتصدقي.
عانقتهُ بعفوية شديدة متمسكة به گأنها تخشى فقدانهِ، ثم عقبّت على عبارته الأخيرة قائلة بتلقائية مرحة :
- لأ هصدقك، أنت مش بتكدب عليا أبدًا.
ضحك "هاشم" مستمتعًا بوجودها بين أحضانهِ، وبمرحها الذي ينقله لعالم آخر، حينئذٍ كانت عينين فضوليتين تراقب ما يحدث، ولم تستطع مقاومة الإلحاح بالمعرفة الذي سيطر على ذهنها، فسألت "عبير" التي كانت تغير شراشف فراشها بالداخل :
- عبير.. ممكن تيجي ثواني.
أقبلت عليها "عبير" حيث كانت "رحيل" تقف أمام النافذة، فأشارت "رحيل" إلى الأسفل وهي تسألها :
- هي مين البنوتة الصغيرة دي ؟.
ابتسمت "عبير" وقد أشرق وجهها مع رؤية الصغيرة :
- دي ليلى هانم الصغيرة، بنت البيه الكبير.
أرتسمت علامات الدهشة على وجه "رحيل" وهمست بخفوت :
- بنتـه !.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"وكأن الفخّ إنسان خبيث، يبتسم مُهيئًا لك نعومة أظافرهِ؛ حتى يبتلعك بين ظُلمات أعماقهِ المُضمحلة."
___________________________________
كان رجلًا جادًا حازمًا، لا يليق عليه أن يتمسك بفتاة في مثل عمرها الصغير لكي يدللها ويداعبها؛ لكنها كانت مشاكسة شقية، تجذب الحجر الأصمّ إليها بأقل مجهود. تركها "مراد" بين يدي "حِراء" وهو يهتف بـ :
- خلي بالك منها.
عبست "ليلى" وهي تشيح نظراتها عنه :
- لحقت تزهق مني يا مُراد!.
ابتسم "مراد" وهو يضم كفها الصغير بين راحتيهِ قائلًا :
- أنا أقدر برضو يا لوليتا.. أنا بس لازم أسافر دلوقتي، المرة الجاية هنقعد مع بعض أكتر من كده.
اقتنعت بسهولة، بعدما وعدها بقرب اللقاء القادم، وقبيل أن تذهب "حِراء" بها كان "مراد" يسألها :
- هو هاشم راح فين؟.
- في مكتبه.
نظر "مراد" لساعة يده وهو يقول :
- طب بلغيه إني مشيت، مفيش عندي وقت.
أومأت رأسها مجيبة :
- تحت أمرك.
دخلت "حِراء" وهي تحمل الصغيرة بين يديها، فصادفت "رحيل" بطريقها، وفي عينيها فصول غريب لرؤية الصغيرة، حتى إنها تأثرت برقتها وجمالها الطفولي ووجهها الحسن، وبتلقائية شديدة كانت تمد يدها نحو وجهها لتداعب وجنتها قائلة :
- إيه العسل ده!.. انتي عسولة خالص.
ابتسمت "ليلى" بسعادة من إطراءها، ثم سألتها :
- انتي اسمك إيه؟.
فتحت "رحيل" كفها أمامها لكي تصافحها :
- أنا رحيل.. وانتي؟.
- أنا ليلى.. تعرفي تعمليلي ضفيرة كبيرة في شعري؟.
رحبت "رحيل" بشدة وهي تحملها عن "حِراء" :
- طبعًا.. هعملك أحلى ضفيرة.
تنحنحت "حِراء" بتحرجٍ وهي تحاول إعفائها من ذلك المجهود :
- آ.. متتعبيش نفسك يا ست رحيل، أنا هعملها.
تدخلت "ليلى" رافضة ذلك :
- لأ يا حِراء.. الضفيرة بتاعتك مش حلوة.
ضحكت "رحيل" وهي تدخل بها للباحة الفسيحة التي تنتصف القصر، ثم جلست بها وهي تقول :
- هاتيلي مشط وتوك ياحِراء من فضلك.
هزت "حِراء" كتفها بقلة حيلة قبل أن تذهب لجلب ما تريد :
- من عيني.
أجلستها "رحيل" على فخذيها، ثم بدأت بتفكيك شعرها وهي تسألها :
-قوليلي بقى يالولو.. عندك كام سنة؟.
كان أول ما قالته الصغيرة هو تعبيرًا عن اعتراضها على الأسم الذي لم يرق لها :
- قوليلي يا لوليتا.. دادي ومراد بيقولولي كده.
ابتسمت "رحيل" مستجيبة لرغبتها :
- حاضر يا لوليتا.
فتحت "ليلى" أربعة أصابع على يدها وهي تشير :
- أنا عندي Four.. وانتي؟.
- أنا عندي twenty eight.
خرج "هاشم" عليهم فجأة، بدون أن تنتبه "رحيل" إنه يتطلع لذلك المشهد الذي راق له، وبدون أن يتدخل أو يقاطع جلستهم الودودة. حملت نظراتهِ مغزى غير مفهوم، وهو يرمق ضيفتهِ بعينان متفرستان، يستمع لصوتها العذب الرقيق وهي تتحدث لغاليتهِ الصغيرة، نبرة لم تتحدث بها أمامهٍ قطّ، كأنها زقزقة صغير الكناريا، وهو يسبح بين أروقة الهواء الطلق. ظل هكذا واقفًا لدقائق قليلة، حتى حضرت "حِراء" ووقفت إلى جوارهِ تبرر تشبث الصغيرة بـ "رحيل" :
- أنا قولتلها هعملك أنا الضفيرة لكن هي مرضيتش أبدًا.
مازالت عيناه عليهما يراقبهم عن كثب وهو يقول :
- سيبيها يا حِراء، انتي عارفه ليلى مش سهل ترتبط بحد.. معنى إنها راحتلها يبقى ارتاحت ليها.
التفت إليها "هاشم" فرأى المشط ومشابك الشعر بين يديها، فتح لها يدهِ لكي يأخذهم منها و :
- روحي انتي ياحِراء.
- حاضر.
تقدّم "هاشم" منهما وفي عيناه نظرات الإمتنان وهو يقول :
- تعبتي نفسك ليه يا هانم!.. حِراء كانت هتعملها اللي هي عايزاه.
تحسست "ليلى" جديلتها الجميلة لتشعر بسعادة شديدة وهي تقول :
- لأ مش عايزة حِراء تعملها.. رحيل عملتها أحلى.
ابتسمت "رحيل" وقد أسعدها فرحة الصغيرة :
- مفيش تعب ولا حاجه.. ربنا يخليهالك عسولة أوي.
مد لها يدهِ بمشابك الشعر و :
- شكرًا ده من لطفك.
ثم انحنى للصغيرة وهو يتحسس شعرها بإعجاب :
- تصدقي حلوة فعلًا.. إيه القمر ده؟.
ثم انتصب في وقفته لينظر إلى ضيفتهِ الرقيقة وسألها :
- فكرتي في عرضي يا هانم؟.
أومأت رأسها بالإيجاب متحاشية النظر لهيبة عيناه التي تشعرها بقشعريرة، ثم هتفت بـ :
- أه.. بس أنا مش عايزة حد منهم يتأذي، أنا عايزة تساعدني آخد حقي بس.
جلس في مقابلتها وقد ملأ المقعد بجسدهِ العريض، ومن بين حاجبيه المعقودين بإندهاش سألها :
- ومين قالك إني هأذي حد!.
توترت من سؤاله، والذي بدا كأنها تسرعت فيه وفي حكمها على عرضهِ الذي كان أشبه بتحالف ضارّ لأهلها، وبررت ذلك قائلة :
- يعني عشان قولتلي إنك مجرد ما هتتدخل هما مش هيعرفوني تاني.. فـ أنا آ.....
قاطعها مستكملًا التبرير حتى نهايته :
- فـ افتكرتي إني بكده هأذيهم مثلًا؟!.
لم تجبه، فـ نظر "هاشم" لصغيرتهِ التي كانت تتابع حوارهم بدون أن تفهم منه شيئًا، وابتسم لها وهو يقول :
- إيه رأيك يا لوليتا تطلعي تجيبي اللعب الجديدة عشان تلعبي بيها مع aunt رحيل ؟.
قفزت "ليلى" من على ساقيها بعدما دبت الحماسة في أوصالها وهي تسأل متحفزة :
- إنت جيبتلي ألعاب جديدة؟.
- طبـعًا.. أنا أقدر أتأخر عن ليلى روح قلب دادي.
ركضت "ليلى" لتصعد إلى غرفتها التي تعرف مكانها جيدًا، لكي تسمح لهم ببعض الخصوصية بعيدًا عن مسامعها، وحتى يكون "هاشم" أكثر أريحية أثناء الحديث :
- أنا عارف إنك متعرفنيش كويس.. وواضح إن خلفيتك عني مش أحسن حاجه؛ لكن خليني أقولك إني مش ممكن أتسبب في أي أذى لحد إلا..
صمت ثانيتين وهو يشير بسبابتهِ كنوع من الإخطار شديد الأهمية ثم تابع :
- إلا لو اللي قدامي هو اللي بدأ معايا بالأذى.. ساعتها هو اللي بيندم مش أنا.. عايزك تطمني خالص، إحنا هنبدأ معاهم بطريقة سلمية جدًا، وأنا هثبتلك إنهم هما اللي مؤذيين من انا.
هزت رأسها بتفهم لكل ما قاله، حينما كان يشعر تو بإهتزاز هاتفهِ بجيبه فأخرجه وهو يسألها :
- ها.. أكلم المحامي ييجي عشان تقعدي معاه وتحكيله بنفسك كل حاجه؟.
لم تتردد في تلك الخطوة التي ستبدأ بها للحصول على حقوقها المهدرة، معتقدة أن ذلك هو السبيل الآمن الوحيد الذي ستتخذه ضدهم، لحماية نفسها ووالدتها من ذلك البطش الأرعن الذي سلكوه معهن :
- آه.
نهض عن مكانهِ وهو يبتسم لها في مجاملة :
- حالًا هكلمه، عن أذنك.
أجاب "هاشم" على مكالماتها المتكررة كي يتخلص من الإلحاح المستمر، فـ استمعت "رحيل" لصوت أنثوي يكاد يكون صراخ آتيًا من سماعة الهاتف؛ لكنها تجاهلت ذلك وكأنها لم تستمع شيئًا، بينما خرج هو ووضع الهاتف على أذنه يستمع لثرثرتها العالية، بكل فتور وهدوء، حتى صمتت هنيهه، فسألها برتابة جعلت الدماء تفور في عروقها گغليان القدر بماء شديد الغليان :
- خلصتي؟.
هدرت بصوتها غير متحملة ذلك البرود في نبرته :
- إنت إيه معندكش إحساس؟؟.. رد عليا إزاي تخطف بنتي من بيت جدتها هي الدنيا إيه؟!.. سايبة ؟!.
- مش محتاج أفكرك إنها بنتي أنا كمان.
- والله كنت فكرت في الكلام ده قبل ما تهملنا وتواصلنا للحالة دي.. رجعلي بنتي دلوقتي حالًا ياهاشم وإلا آ......
لهجتهِ الحازمة ردعتها عن استكمال تهديدها الضعيف :
- أحسبي كلامك قبل ما تقوليه يا ست هانم.. ولما تهدي نبقى نكمل كلامنا.
أغلق المكالمة أثناء تحدثها، وزفر أنفاسهِ دفعة واحدة وهو يهمس بـ :
- خليكي كده على نار، أنا هعرف إزاي أربيكي.
*************************************
كادت تختنق من ضيق صدرها، وتحشرج صوتها في حلقها بتألمٍ، بينما كانت والدتها تواسيها :
- أهدي يا كاميليا.. متعمليش في نفسك كده.
سحبت شهيقًا لصدرها بصعوبة وهي تردف بـ :
- عديم الضمير والرحمة خطف مني بنتي وبتقوليلي أهدي يا ماما.. انا حاسه إن روحي هتروح مني.
مسحت السيدة "هداية" على ظهرها برفق وهي تقول :
- متخافيش يا حببتي هترجعلك، هو بيساومك عليها بس، ليلى متقدرش تستغنى عنك يا كاميليا.
انسابت الدموع على وجنتيها گالشلالات، وهي تنفي تلك الكذبة :
- لأ ياماما.. البنت متعلقة بأبوها أوي وزمانه أكل دماغها، مش عارفه أعمل إيه.
حاولت" هداية" تحريضها كي تتخذ خطوة رسمية قانونية ضد "هاشم" :
- نروح نعمل بلاغ ونثبت إنه خد البنت منك بالقوة.. كفاية إنه خلى الحيوانات بتوعه يتهجموا على البيت واحنا مش موجودين.
للحظة فكرت "كاميليا" في ذلك، ولكن سرعان ما عدلت عن تلك الفكرة وقد تذكرت للتو من هو "هاشم العزيزي" :
- لأ ياماما.. هاشم جواه شيطان متسلسل، لو فكه بس أنا أول واحدة هتأذي ويمكن مشوفش بنتي تاني.
زجرتها "هداية" بنظرات محتقنة، رافضة بقوة ذلك الضعف التي عليه :
- ضعفك قدامه وقلة حيلتك هي اللي خلته يتمرد علينا.. وبكرة أفكرك لما يحرمنا من ليلى طول العمر أو يجبرك ترجعيله تاني.
أجهشت "كاميليا" بالبكاء غير متحملة تلك الفكرة المميتة، وصرخت في وجه والدتها قبيل أن تفرّ من أمام والدتها :
- بـس يا ماما أرحــمينـي بقى.
هربت من حديث والدتها الذي كان گالسم في آذانها ولم تعد تتحمله، متفردة بنفسها في غرفتها لتبكي وتصرخ بكل أريحية، شاغلها الشاغل هو كيف تستعيد ابنتها الغالية بأقل خسائر ممكنة، وبدون أن تشعر صغيرتها بأي شئ قد يُفسد نفسيتها.
**************************************
خرج "حسين" من غرفة زوجته الثانية، ممسكًا بمنشفتهِ وهو يتمطى، فصدمتهُ "منال" برؤيتها واقفة هكذا وكأنها ملك الموت وأتى ليجذرهُ. انتفض "حسين" متفاجئًا وهو يرى نظراتها الحادة إليه، ثم هدر فيها قائلًا :
- واقفة كده لـيه زي غراب البيت عـ الصبح!.. في حد يقف على الأبواب كده ياولية؟ ؟.
وضعت "منال" يدها في خصرها وهي تردف بسخرية :
- خلاص راضيت السنيورة بتاعتك على قفايا!!.. هو ده عدل ربنا يعني!.. تقعد معاها ليلتين وتسيبني؟!.
تأفف "حسين" مشيحًا بوجههِ :
- ماانتي عارفه اللي فيها يامنال.. البت هدير هتموت من القهرة بسبب موضوع الجواز وكان لازم ألين راسها حبتين.
عقدت "منال" ساعديها أمام صدرها بغير اقتناع :
- لا والله!.. وانا إيه مش مراتك انا كمان ولا إيه؟.. أتكسف ياراجل ده انا الأولى.
وأمسكت بذراعهِ لتسحبه معها قائلة :
- وحياة ديني لتقعد معايا باقي الأسبوع كله.
سحبت ذراعه منها بصعوبة وهو يصيح :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- انتي اتجننتي في دماغك ولا إيه يا منال؟.. هو انا فاضي لشغل الحريم ده!.. وسعي من سكتي كده إيه الاصطباحة اللي زي الزفت دي!.
وتجاوزها ليهبط الدرج، بينما عيناها اللاتي گالشعلتين المتقدتين ترمقهُ بغيظٍ شديد، حتى اختفى بالردهه المؤدية لغرفة المجلس الذي يمكث فيها "حمدي" أغلب الوقت، ليدخل إليه ملقيًا عليه الصباح :
- صباح الفل يا حج.
وانحنى يُقبل يده قبل أن يجاوره في جلسته :
- في جديد؟.
ضرب "حمدي" الأرض بعصاه وهو يردف بـ :
- عثمان الحبشي..
تحفزت حواس "حسين" وهو يسأل :
- ماله!.
- بيجمع رجالة دلوقتي.. شكله هيهجم علينا تاني يا حسين، لازم نتصرف بسرعة.
تأفف "حسين" مضجرًا من نبرة والدهِ القلقة، فقد أصبح هشًا بعد مقتل "حسن الطحان" غدرًا في تلك الليلة المشؤومة، وباتت كل همومه هو فضّ النزاع بينه وبين تلك العائلة السامّة :
- أنا هروح المركز تاني عشان أشوف المأمور عمل إيه في طلبي.
ضرب "حسين" كفًا بكف، فهو غير راضي بالمرة عن ذلك الصلح :
- ياحج ده احنا موقعين منهم ٥ رجالة وحق الغالي أترد وارتاح في تربته.. عايز توطي راسنا ليهم ليه؟.
صاح فيه "حمدي" :
- أخرس.. أنا عايز أحافظ على الراجلين اللي حيلتي، مش عايز واحد منكم يتاخد من قصاد عيني.. كفاية اللي راح.. المرة دي لو قامت العاركة هياخدوا مني باقي عيالي، لازم الصلح ده يتم بأسرع وقت.
قذف "حسين" منشفتهِ بغضب، مستصعبًا فكرة تقديم كفنهِ لعائلة الحبشي من أجل الصفح عنهم في حق الموتى الذي سقطوا لديهم :
- وانا مش هقدم أكفان يا حج.. أنا راجل وأقدر أقف قدام أي ×××× من غير ما أخاف منه.
تحرك "حسين" للخروج وهو يتمتم بكلماتهِ المعترضة، فصادف والدتهِ التي كانت راضية تمامًا عن موقفه العدائي:
- جدع ياواد.. أبوك عايزنا نوطي راسنا على آخر الزمن.. أوعاك تسمعله.
تأفف "حسين" وهو يدير برأسه للإتجاه الآخر :
- متخافيش ياما.
عادت "سعاد" تدس السم في أذنه من جديد بخصوص إبنة عمه المختفية :
- لازم تدور على بت عمك يا حسين.. انا مش هرتاح غير لما أشوفها في عصمتك وتحت طوعك.
أومأ "حسين" رأسه بالإيجاب :
- هيحصل ياما.. يعني هي هتروح فين، ولا ليها اهل غيرتها ولا حيلتها فلوس، هترجع هترجع.. بس طولي بالك.. أنا طالع أغير هدومي.
- أطلع يابني أطلع.
صعد "حسين" الدرج، ليصادف "جليلة" في طريقه، فرمقها بإستنكار وهو يسألها :
- على فين كده يا مرات عمي؟.
تجاهلتهُ وتابعت نزول الدرج، فـ استوقفتها "سعاد" وهي تتأمل هيئتها المنمقة متسائلة :
- رايحة على فين ياأم رحيل؟!.
تأففت "جليلة" بإنزعاج وهي تهتف بـ :
- وانتي حاشرة نفسك فيا ليه يا سعاد؟.. ما تشيليني من راسك يا ختي.
ابتسمت "سعاد" بسخرية من جانب شفتيها وهي تقول :
- مقدرش يا سلفتي.. انتي ضيفتي والضيف لازم يقعد بأدبه.
علت نبرة "جليلة" مستنكرة تلك الإستضافة الطويلة التي تحولت لسجن حقيقي يمنعها حتى من الحركة بالخارج :
- أعفيني انا وبنتي من حسن ضيافتك وخليني أمشي.
جاء صوت "حمدي" من الخلف وهو يتدخل في حوارهم :
- ما قولنالك ياأم رحيل برا مش أمان عليكي.. مش كفاية بنتك اللي طفشت ومنعرفش طريقها فين!.
ثم اقترب منها وسأل بخبث :
- ولا انتي تعرفي طريقها فين ومدارية علينا.
أجابت "سعاد" نيابة عنها وكأن الشك تحول ليقين بداخلها :
- طبعًا عارفه.. أمال هتكون خارجه على فين بمنظرها ده!.
عقدت "جليلة" حاجبيها مستهجنة ذلك التعبير المهين :
- ماله منظري! شيفاني لابسة بدلة رقص لا سمح الله؟! ما تخلي بالك من كلامك ياأم حسين في ايه؟؟؟.
أنهى "حمدي" المشاجرة قبل أن تحتدم بينهن، وتدخل فاصلًا أمر خروجها من المنزل :
- نهايته.. مفيش خروج ياأم رحيل الدنيا لبش برا، انتي برضو أمانة المرحوم أخويا وأمانك واجب علينا.
اهتاجت لمجرد سماع كلمة (أمانة)، تلك الصفة التي لم يحافظ عليها أو يؤديها، بل إنه أهدرها :
- أمانة إيه ياحج؟ ؟.. ده انا مخدتش جنيه من مال جوزي الله يرحمه، كل اللي اديتهوني شهرية من إيجارات المحلات والدكاكين، وأنا سكت وراعيت العشرة والأصول وفوضت أمري لله، إنما تيجي على بنتي كمان يبقى لأ.. لازم يبقى في وقفة.. كفاية علينا ظلم لحد كده.
ضرب "حمدي" عصاه بالأرض گعادتهِ المنفعلة المعتادة، ثم هتف مصرحًا لآخر مرة قبل أن يذهب من أمامها :
- هي كلمة واحدة ياأم رحيل.. مفيش خروج لحد ما نلاقي المحروسة بنتك وخلص الكلام هنا.
شبكت "سعاد" أصابعها معًا وهي ترنو إليها بنظرات متشفية شامتة، ثم هتفت بـ :
- يلا يااختي أطلعي اوضتك استني الفطار لما يجهز وابقي انزلي، ولو مش عايزة تفطري زي عادتك يبقى أحسن برضو.
التفتت مولياها ظهرها وهي تغمغم بـ :
- ناس تخاف متختشيش.
ابتلعت "جليلة" ريقها بصعوبة، وأحست بحرارة الدموع المتكومة في جفونها المتعبة من كثرة السهر، منعت نفسها لئلا تُظهر ذلك الضعف الذي ينتابها؛ ولكن ملامح القهر لم تغيب عن وجهها أبدًا، تخيم عليه بصورة دائمة وكأنه كتب عليها هي وابنتها عيش مصير لا نهائي من الظلم.
- ياترى روحتي فين يا رحيل؟.. ولو كنتي بخير إزاي أوصلك بس؟!.
**************************************
استقبل "هاشم" ذلك المحامي المخضرم ذا الصيت العالي في مصر كلها بحجرة مكتبهِ، حينما دقّت الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا. أجلسهُ أولًا ثم نظر للخادمة قائلًا :
- شوفي الهانم كده وبلغيها إني عايزها.
أومأت "عبير" رأسها وهي تمضي :
- حاضر يا بيه.
جلس "هاشم" أمامهُ وهو يرحب به :
- نورت ياسعد.. إيه أخبار الشغل.
- كله تمام.. قولي بس إيه الموضوع بإيجاز لأني مفهمتش حاجه في التليفون.. أنا تصورت إنك عايزني عشان موضوع كاميليا!.
مطّ "هاشم" شفتيهِ نافيًا ذلك :
- لأ.. في موضوع تاني أهم بالنسبالي دلوقتي.
طرقت "رحيل" الباب وهي تمسك بطرف عبائتها الطويلة، فوقف "هاشم" عن جلستهِ يستقبلها :
- صباح الخير يا هانم.. أتفضلي.
وأجلسها مكانهِ، في مشهد لفت إنتباه "سعد" وجعله يركز معه محاولًا تحليل الموقف :
- رحيل هانم هتشرحلك مشكلتها ياسعد وبعدها تقولنا هنتحرك إزاي وفقًا للقانون.
تفحص "سعد" وجهها جيدًا، قبل أن يقدم نفسه إليها، بنبرة حملت بعض الغرور :
- أنا سعد الكيلاني المحامي.. ممكن أتشرف بيكي؟.
رفعت رأسها ما أن سمعت بأسمهِ، ونظرت إليه في ذهول وهي تقول :
- أزيك يادكتور سعد، أكيد مش فاكرني!.
قطب "سعد" جبينهِ محاولًا تذكرها، بينما عينيِّ" هاشم" توزع النظرات بينهما :
- معلش أعذريني مش مركز أوي.
- أنا كنت بتدرب في مكتب حضرتك في القاهرة.. بس آ.....
فسألها "هاشم" بفضول :
- بس إيه؟؟.. لو انتي محامية ليه آ.....
قاطعت "رحيل" فضوله مبررة نفسها أمامهم :
- مكملتش جامعة.
لم يود "سعد" الدخول في التفاصيل لأكثر من ذلك، وبدون إهدار للوقت سألها :
- قوليلي إيه المشكلة والحل عندي أكيد.. بس ياريت بإستفاضة، أصغر تفصيلة بتفيدنا نخرج الثغرات اللي تهمنا.
**************************************
أمسى الليل وهي مازالت في عيادتها الخاصة بداخل أحد مراكز التجميل الشهيرة، تهلك نفسها في العمل لتقتل ذلك الشوق الذي يشتعل بصدرها لصغيرتها الغالية، ورغم حالة العمل المتواصل التي كانت عليها؛ إلا إنها كانت منطفئة أغلب اليوم، مهمومة وتعيسة، على وجهها تعابير الإرهاق والتعب. خرجت آخر حالة كانت تتابعها من العيادة، فرفعت سماعة الهاتف لتتحدث بها :
- أيوة يا هاجر.. في حد تاني برا؟.. طب كويس أوي، أنا دماغي فصلت اطلبيلي قهوة مظبوط من فضلك.
ثم أغلقت الهاتف ونظرت للفراغ المعتم.
رنّ هاتفها، فنظرت إليه بإنعدام رغبة، وفجأة انتفضت من مكانها وهي تلتقطه، ما أن لمحت أسم "هاشم" ينير الشاشة :
- أيوة ياهاشم.. قفلت تليفونك من امبارح ومش عارفه أوصلك!.
أتاها صوته المقتضب وهو يقول :
- أنا تحت المركز.. أنزلي.
تحركت بعشوائية تبحث عن حقيبتها وهي تسأله بتلهفٍ :
- ليلى معاك؟.
- بقولك أنـزلـي...
وأغلق الهاتف، فنزعت عنها معطفها الطبي الأبيض، وخطفت الحقيبة لتركض من بعد ذلك بأقصى سرعة تمتلكها. رأتها "هداية" على تلك الحال، حاولت أن تستوقفها وقد أصابها القلق :
- في إيه يا كاميليا؟.
- هاشم تحت لازم أنزله.
تأففت "هداية" وهي تراها تركض هكذا، وتمتمت بإنزعاج شديد :
- يارب يكون جاب البنت معاه عشان ترتاحي شويه يا كاميليا.
خرجت "كاميليا" من بوابة المركز، نظرت يمينًا ويسارًا حتى ترآى لها سيارتهِ، فهرولت إليها وراحت تنظر بالخلف أولًا، فلم تجدها. خمدت حماستها، وتهدّلت أكتافها وهي تفتح الباب الأمامي. استقرت بجوارهِ وقد عادت انطفائتها، ثم سألته بهدوء يُناقض الحريق الناشب بين ضلوعها :
- ليلى فين يا هاشم؟.
أدار المحرك وانطلق بسيارتهِ، لم يعيرها اهتمامًا أو يرد عليها، فلم تكرر سؤالها، كلاهما يعرف الآخر جيدًا، ولذلك ساد الصمت إلى أن يقرر "هاشم" متى يكون الحديث.
اصطحبها إلى أحد الأماكن العامة المشهورة بالهدوء والخصوصية، مكان لا يدخله سوى الفئات الأرستقراطية. سحب لها مقعدًا وأجلسها بكل رقيّ، كأنه لقائهم الأول ويريد ترسيخهِ في ذهنها، ثم جلس في مكانهِ قبل أن يشير للنادل :
- هات ٢ اسبريسو.
- أي أضافة تانية يافندم.
- شكرًا.
كان تنظر إليه بنظرات ضعيفة، هي لا تملك أن تفعل له شيئًا، خاصة وإنها لا تملك الدليل على إنه اختطف ابنتها، وإن تجرأت لتحرير محضر ضده قد يتهمها بالإهمال ويطعن في قدرتها على حضانة الطفلة، وهذا ما يريده بالفعل.
تنهدت "كاميليا" وهي تستندت بذراعيها على الطاولة، ثم سألته :
- عايز مني إيه يا هاشم؟؟.. بتستخدم بنتي عشان تضغط عليا في إيه؟.
قطب جبينه بإستنكار لذلك التعبير الأخير، ثم هتف بـ :
- أنا مستحيل استخدم بنتي عشان أضغط عليكي في حاجه.. البنت بنتي أنا كمان ومن حقي أقضي وقت معاها، ودي حاجه اتفقنا عليها لما اتطلقنا.
- بس متفقناش إنك تخطفها يا هاشم.. لو جيت وطلبت البنت هديهالك تقضي معاك اليوم وترجعها.
وضع ساق على أخرى، وكأنه يعلن إنه صاحب الموقف الأقوى في الأمر، ثم أردف متعاليًا :
- مش كفاية.. أنا عايز وقت قد الوقت اللي بتقضيه معاكي على الأقل.
تغضن جبينها بإستنكار وهي تقول :
- وانت فاضي أصلًا عشان تقعد معاها!.. انت بتدور على حاجه تعند بيها معايا وخلاص؟!.
- والله دي حاجه ترجعلي.. فاضي مشغول ده ميخصكيش، المهم نتفق، لأني مش هسمح بنتي تتربى بعيد عني.. وده اللي سيادتك معملتيش حسابه لما جيتي وطلبتي الطلاق.
وضع النادل فناجين القهوة على الطاولة ثم انصرف، فتناول "هاشم" خاصتهِ وبدأ يتشمم رائحتهِ الذكية وهو يتذوقه :
- أنا رأيي نتفق بدل ما البنت تكبر وسط اتنين مش عارفين يتفاهموا حتى في تربيتها، أنا من مصلحتي ليلة تكون سوية.
أشاحت بوجهها عنه وهي تقول :
- هتكون سوية لما تتربى مع أمها.
- وأبوها... أمها وأبوها ياهانم.
بدأ الغضب يرتسم على وجهها، فـ صاحت فيه بدون تروي:
- انت عايز بالظبط؟؟ لو دي وسيلة بتضغط بيها عليا عشان نرجع أحب أقولك آ....
قطع عليها ذلك الطريق نافيًا ترجيحها :
- مستحيل.. انا عمري ما أرجع عن خطوة خطيتها، ولا ببص ورايا أبدًا.. ماانتي عرفاني.. انا جاي النهاردة عشان أتفق معاكي إزاي البنت تتربى بينا، ومعنديش مانع أسيبك تفكري في مقترحات لو عايزة، لكن في النهاية متظلمنيش، أنا برضو أب.
ترك "هاشم" قهوتهِ على الطاولة ثم ترك مبلغ مالي يسدد الفاتورة وأكثر، ثم هتف بـ :
- البنت هتجيلك بكرة، ولما أجيبها وآجي تكوني جهزتي الرد على سؤالي.. إزاي هنربي البنت بينا؟.
وقف عن جلستهِ وأغلق زر معطفهِ، ثم مسح على وجهها بأصابعهِ الخشنة على بشرتها، وابتسم قائلًا :
- سـلام يا كاميليا.
تركها وخرج بدون أن ينظر خلفه مرة أخرى منتقلًا نحو سيارتهِ، جلس بها مستخدمًا هاتفهِ وعيناه تلمع بغرابة شديدة. وضع الهاتف على أذنهِ وانتظر الرد، وهو ينظر لباب المقهى الذي لم تخرج منه بعد، حتى آتاه الرد خلال ثوانٍ :
- أيوة.. إيه الأخبار، حلو أوي.. بكرة يكون الموضوع ده خلصان يا مُراد، أنا عايز ليلـى تفـضل معايا للأبـد...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"الطعنة ستأتيها من نفس إتجاة الإبتسامة التي خدعتها يومًا."
____________________________________
عاد لقصرهِ في ساعة متأخرة من الليل، بعدما قضى أغلب مصالحه التي تأخرت أثناء مكوثهِ بجوار ضيفتهِ، لا يطيق الإنتظار بعيدًا عن "ليلى"، ظل جفونهِ وملاك روحهِ، حسنتهِ في الدنيا التي رُزق بها. تخيل إنها مستيقظة وفي انتظارهِ، دخل القصر باحثًا عنها بكل شوق وهو ينادي بأسمها :
- لـيلـى ؟..
وصل صوتهِ إلى غرفة "حِراء"، فـ هبّت من نومتها كي تلحق به وتخبره بإنها دخلت في سبات عميق :
- مساء الخير يا باشا.. ليلى أتعشت ونامت من بدري.
قطب جبينهِ مذهولًا، فـ الصغيرة معتادة على النوم بين أحضان والدتها أو والدها، وفشلت كل المربيات في تغيير ذلك الطبع المتشدد لديها، فما كان منه إلا أن سأل عن كيفية حدوث ذلك :
- نامت إزاي ؟.. مسألتش عني طول اليوم النهاردة؟.
فسّرت له "حِراء" ما حدث من شئ مدهش :
- قضت اليوم كله مع الضيفة اللي عندنا.. دي كمان شربتها لبن قبل ما تنام، دي حتى مرضيتش أبدًا تنام في أوضتها ونامت مع ست رحيل في أوضتها.
استرعى الأمر شدوههِ، فتلك العلاقة التي نمت بينهما بسرعة البرق لم يكن يتوقعها بتاتًا. صعد منتويًا زيارتهن، ووقف أمام بابها مترددًا، هل يطرق الباب أم يتراجع عن تلك الفكرة برمتها؟.
طرق طرقة واحدة، ثم نظر في ساعة يدهِ الفضية الباهظة، فإذا بها الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وعدم الإجابة على طلبه للدخول أوحى إليه إنها نائمة، فـ تحركت خطواتهِ وكاد يغادر، لولا إنه استمع لصوت المزلاج يتحرك من مكانه، ثم فتحت الباب وهي تضم حجاب رأسها العشوائي، ولا يبدو عليها أي آثار للنوم. ابتسم بتحرجٍ وقد أخفض نظراتهِ عنها لئلا يحرجها، ثم هتف بـ :
- أنا آسف جدًا بس حِراء قالتلي إن ليلى نايمة عندك فـ قولت أطمن عليها قبل ما أنام.
أفسحت الطريق أمامه وقد فتحت الباب على مصرعيه، وسمحت له بالدخول :
- آه عندي.. أتفضل.
دلف للغرفة ملقيًا نظرة على صغيرتهِ النائمة بعمق في وسط الفراش، مدثرة بغطاء ناعم وثقيل ساعدها على الدفء. ابتسم تلقائيًا وهو يدنو منها ببطء حسيس، ثم انحنى عليها يُقبل جبينها بلطف بدون أن يزعجها، وابتعد وهو ينظر بإتجاه ضيفتهِ الحسناء وهو يهمس بـ :
- مش عارف أشكرك إزاي على اهتمامك بيها.. أنا كنت قلقان متتأقلمش هنا لوحدها.
لم تمنع "رحيل" ابتسامة متكلفة من البزوغ على وجهها وهي تردف بـ :
- مفيش داعي الشكر انا معملتش حاجه.
نهض "هاشم" عن الفراش وابتعد عنه بدون أن يصدر جلبة من حولها :
- انتي سهرانه ليه لحد دلوقتي؟.
كانت عيناها مرهقة للغاية، استطاع "هاشم" أن يرى ذلك بوضوح؛ لكنها لم تظهر أيًا من مشاعرها المرتبكة المتوترة وهي تتحدث إليه :
- بستصعب أنام برا البيت، من ساعة موت حسن الله يرحمه وانا مش بنام كويس في المكان ده.
ونظرت من حولها بأرق كبير تحول إلى نبرة مختنقة :
- ربنا يكرمني وأمشي من هنا وأرجع القاهرة بقى.
ابتسم بوداعةٍ وهو يقول :
- قريب متقلقيش.. تصبحي على خير ياهانم.
وانسحب من غرفتها مغلقًا الباب من خلفهِ، راضيًا عن العلاقة البريئة التي نشأت بين ابنته وبين "رحيل"، لا يعلم لماذا ولكنه أحس فيها الأمان، للحد الذي يجعله يستأمنها عليها في غيابه بدون أن يتوتر من ردود فعل ابنته، حيث أن الخدم جميعًا لم يستطيعوا مجاراة عقل الصغيرة والتفاعل معها، ولم يقدر أحد على استقطاب "ليلى" والحوز على حبها السريع هكذا سواها.
دخل "هاشم" لغرفتهِ، شغّل موسيقاه المفضلة، ثم دلف لدورة المياة كي يُجهز المسبح الصغير للحصول على جلسة استرخائية ساخنة. استخدم فواحة العطور لنشر رائحتهِ المفضلة في المكان كله، ثم أشعل الشموع المُعطرة بروائح الأسترخاء، فـ اندمجت الرائحتين معًا منتجة عطر صاخب شديد التأثير. جلس بين موجات المياة في المسبح، ثم أطبق عيناه وغاص في عالم آخر بعيدًا عن كل ما يحيط به ضوضاء مزعجة.
*************************************
استيقظت صباحًا لتجدها غير موجودة، فأصيبت بالهلع وكأنها مسؤولة عنها مسؤولية كاملة. هرعت "رحيل" لتبحث عن الصغيرة "ليلى" بدون أو تحدث جلبة أو تخبر أحد إنها فقدتها، ولم تعي إنها بداخل قصر "هاشم العزيزي" ولا يوجد إمكانية واحدة لضياعها في حِصن والدها المنيع؛ لكن الهلع الذي أصابها كان نتيجة تراكمات الخوف التي عاشت بها طيلة الفترة الماضية. خرجت "رحيل" من باب القصر وهي تنظر حولها في كل مكان يمينًا ويسارًا، وسارت بلا وعي هكذا وهي تمارس عملية البحث بكل توتر، إلى أن قادتها أقدامها لتلك المنطقة المرعبة، حيث أقفاص ضخمة للغاية لم ترى في حجمها قطّ، تضم أشكال متعددة من الصقور بفصائلها وعدد من الطيور الجارحة. انقبض صدرها ونظراتها الزائغة تتجول بين الأقفاص، إذ رأت واحدًا ضخمًا منهم وكأنه ينظر إليها بعينين صائدتين، گالذي ينوي الإنقضاض عليها أو ما شابه. انتفض جسدها وعادت للخلف بخطوات متعثرة، فـ اصطدم جسدها بشئ عريض جعل بدنها كله يرتجف وهي تكتم صرخة مفزوعة، وسرعان ما التفتت لتتفاجأ بـ "هاشم" واقفًا أمامها محاولًا تهدئتها :
- أهدي يارحيل في إيه مالك؟.
كانت السيطرة على أعصابها عملية غاية في الصعوبة، إذ رأى يدها ترتعش وهي تمسح على وجهها بشئ من العنف، ثم هتفت بنبرة ضعيفة :
- مفيش آ... اتخضيت بس.
ابتسم بنفس تلك الإبتسامة الهادئة، ثم نظر من حوله وهو يشرح لها ما رأته لئلا تستعجبه :
- ولا يهمك.. أوعي تتخضي من اللي انتي شيفاه ده.. دول كلهم ولادي.
قطبت جبينها مذهولة من تعبيرهِ الغريب، وتوصيف بضعة طيور جارحة بأنهم أبنائهِ :
- أولادك؟؟
أكد على قصدهِ مفسرًا :
- آه.. أصل دي هواية عندي من زمان.. وكل اللي انتي شيفاهم دول ليهم قصص وحكايات معايا.
ضُربت ذاكرتها بحدث قد يكون قديمًا، ولكنها تذكره جيدًا، والآن فقط علمت إنه صاحب تلك الذكرى التي قررت أن تشاركها معه كي تتأكد من صدق حدسها :
- هو آ... النسر اللي اصطاده عمي حمدي من سنين ده آ....
أومأ "هاشم" برأسه قبل أن تكمل سؤالها :
- آه.. كان بتاعي، واضح كده إن عمك عنده هواية أخد ملك مش ملكه من زمان.. شاهين كان أول طير ربيته، ولما عمك اصطاده مات بعدها على طول، يمكن ده واحد من أسباب الأزمة اللي بينا.. إنه جه على حاجه مش بتاعته.
ازدردت ريقها وهي تسأله بتوجس :
- عشان كده استوليت على الأرض الشرقية بتاعتنا وخدتها منهم غصب؟!.
ابتسم "هاشم" بحميمية، وكأنه لم يتضايق من سؤالها الذي حمل مغزى لم يعجبه :
- أخد الحق حرفة يا رحيل هانم .. وانا بصراحة نفسي أعلمك الحرفة دي.
واجهته ببعض المعلومات التي تجمعت في ذاكرتها عبر السنين الماضية، علّها تفهم سبب الكراهيه الشديدة المتبادلة بينه وبين عائلتها :
- بس انت مكتفيتش بالأرض بس!.
لم ينكر أطماعه التي تدرجت حتى وصلت به لإمتلاك أكثر من ثلث أرض آل طحان غصبًا :
- حصل.. أصل انا مش من أنصار المساواة بين الفعل وردّ الفعل.. رد الفعل عندي لازم يكون ضعفين الفعل، ودي الحاجه الوحيدة اللي هتحقق الرضا بالنسبالي.
وضع يداه في جيوب سرواله الأسود وتابع :
- سيبك من الكلام عن الماضي خلينا في الحاضر.. أكيد اللي جابك هنا موضوع مهم؟!.
نظرت من نزلها مرة أخرى بطريقة أكثر هدوءًا، ثم أجابته بصراحة :
- كنت بدور على ليلى، صحيت ملقتهاش جمبي.. لقيت نفسي جيت هنا.
أشار لها لكي تتقدم خطواتها أمامه وهو يقول :
- جاتلي أوضتي الصبح بدري وزمان حِراء بتحميها دلوقتي، تسمحي نفطر مع بعض قبل ما احكيلك المحامي قالي إيه؟.
هزت رأسها بالموافقة وهي تقول :
- طيب.. أنا محتاجة تليفون ضروري، عايزة أطمن على ماما.
أخرج هاتفهِ الشخصي وفتح شفرتهِ ثم ناولها إياه بدون أي تردد :
- أكيد طبعًا، أتفضلي.
تحرجت من لطافتهِ وهي تبتسم تلقائيًا :
- ميرسي أوي بجد.
- على إيه!.. أنا هسبقك عشان تتكلمي براحتك، هتلاقيني أنا وليلى في أوضة السفرة.. عن أذنك.
بدأت تضرب أرقام هاتف والدتها لكي تتصل بها، بعدما بدد القلق والشوق كل محاولاتها للصمود بعيدًا عن أي شبهه قد تكشف أوضاعها الحالية. انتظرت لبعض الوقت حتى أتاها صوت "جليلة" المنهك قليلًا، فـ اقشعر بدنها بتأثرٍ وهي تقول :
- ماما.. وحشتيني أوي ياماما.
منعت "جليلة" نفسها بصعوبة من أن ترتكب أي ردة فعل مبالغ فيها، قد تثير إليها الشكوك، بالرغم من إنها تجلس على سطح المنزل بمفردها؛ لكن صوتها قد انشرح وقد اطمئنت إنها بخير :
- رحـيل.. طمنيني عليكي يا بنتي انتي فين؟.. عملتي إيه بعد ما خرجتي واختفيتي فين كل ده؟.
- هحكيلك ياماما...
**************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
امتنعت عن أداء أعمالها اليوم، وألغت كافة الجلسات العلاجية والحجوزات المسبقة لمرضاها، وظلت جالسة بعيادتها منتظرة مكالمة منه يبلغها متى يعود برفقة الصغيرة "ليلى". كانت الدقائق تمر وكأنها ساعات طويلة مملة، لا تتحمل صعوبة مرورها، فتلهت بمتابعة حساباتها على مواقع التواصل الإجتماعي لعل ذلك يمرر الوقت قليلًا، حتى وجدت من يقتحم عليها عيادتها بغتة وبدون سابق أذن. وقفت "كاميليا" عن جلستها فجأة وهي ترى أولئك الرجال والذين تضمنوا شخصين بالزي الرسمي لضباط الشرطة، ثم سألت بتوجسٍ :
- في إيه اللي بيحصل هنا؟!.
فسألها أحدهم :
- انتي الدكتورة اللي مسؤولة عن العيادة دي!.
أومأت برأسها وقد بدأ القلق يسيطر عليها :
- آه.. أنا.
ناولها أمر الضبط والإحضار وهو يتابع :
- معايا أمر بتشميع العيادة.. وحضرتك هتتفضلي معانا عـ النيابة.
غصة وقفت في منتصف حلقها، جمدتها في مكانها ومنعتها حتى عن القدرة على السؤال، ما الذي اقترفته وما السبب وراء إغلاق عيادتها؟.. ما الجرم الخطير الذي تعدت به حُرمة المهنة فكان جزائها إغلاق هذا الصرح الطبي الذي سهرت عليه حتى أصبح أشهر مركز من مراكز التجميل في مصر؟.
***************************************
كان أحد أشهر الأسواق في البلدة، كل منتجاتهِ طازجة وبأسعار أفضل من أسواق أخرى غيرها، وهذا هو سبب الزحام الدائم فيه. كانت "حنان" تنتقي حبّات الطماطم من بين قُفة كبيرة ، تختار الطازج الصالح وتبتعد عن الفاسد، إلى أن وجدت تلك الأيادي تربت على كتفها، فٓ التفتت لترى صديقتها "عبير" وقد حضرت للسوق من أجل ابتياع نواقص المطبخ في قصر سيدها "هاشم". عانقتها "حنان" وقد أسعدها رؤيتها الآن :
- أهلًا يا عبير أهلًا ياختي.. أتوحشتك خالص عامله إيه.
بدأت "عبير" تنتقي الطماطم أيضًا وهي تجيب :
- أهو.. نحمد ربنا، انتي أخبار الناس اللي بتخدميهم إيه ؟.
عبست "حنان" وهي تجيب :
- الحالة زفت والله.. من ساعة ما حصل اللي حصل وعيلة الحبشي كلها حالها ميسرشّ، شكلنا داخلين على ليالي ما يعلم بيها إلا ربنا!.
قطبت "عبير" جبينها وهي تسأل :
- وبعدين؟؟
نفخت "حنان" بضيق شديد وهي تعبر عن مخاوفها من المستقبل الغامض لعائلة الحبشي :
- مش عارفه.. ما تاخديني عندك اشتغل عند البيه الكبير يا بت عبير.. شكله مريح الخدامين بتوعه، خصوصي إنه مش في البلد أغلب الوقت.
تلوت شفتي "عبير" بإستنكار وهي تنفي تلك المعلومة :
- مين قالك يا حببتي؟.. أديله مدة مش سايب القصر وعلى طول قاعد مع الضيفة اللي عندنا، ومن ساعتها مش مبطل طلبات وشغل طول اليوم.
ضيقت "حنان" عيناها بفضول وهي تسألها :
- ضيفة؟؟.. هي مين دي يا بت؟.
نظرت "عبير" من حولها بحيطة، ثم همست لها بدون أي تردد :
- واحدة هربانة من بيت حمدي الطحان وقاعدة عندنا ليها أسبوع.. بس البيه بقى مهتم بيها على الآخر تقوليش السفيرة عزيزة!.
اتسعت عينا "حنان" مدهوشة، غير مصدقة خبر گالقنبلة مثل هذا :
- يالهوي!.. هي مين دي! واحدة من بنات الحج حمدي؟.
- لأ لأ.. دي باينها مرات المرحوم اللي مات في العاركة الأخيرة.
فغرت "حنان" فاهها غير مصدقة تلك الفضيحة، ووضعت يدها على فمها وهي تمنع شهقة لتقول :
- يادي الفضيحة.. ربنا يستر على ولايانا.. دي جوزها لسه ميت مش تتقي الله!.
لكزتها "عبير" في ذراعها وهي تحذرها :
- في إيه ياحنان كبرتي الحكاية كده ليه ، وبعدين بقولك هربانة.. يعني محدش يعرف بالموضوع، أوعي يابت تفتني زي عادتك لأحسن الست تروح في شربة ميا.
هزت "حنان" كتفها بعدم اهتمام، والتفتت لتتابع عملها قائلة :
- وانا مالي ياختي.. حد قالك عليا فتانة؟!..ربنا يستر على الولايا وميفضحش حد أبدًا.
****************************************
كانت "رحيل" تستمع صوتهِ من الخارج وهو يتحدث في هاتفه، فـ امتنعت عن دخول غرفة مكتبه حتى ينتهي من مكالمته لكل لا تتطفل عليه أكثر من ذلك، وما أن أحست ذلك السكون الهادئ قرعت على الباب لتسمع صوت سماحهِ بالدخول :
- أتفضل.
دخلت إليه وتركت الباب مفتوحًا، فـ ابتسم وهو يقف عن جلستهِ ليستقبلها :
- أتفضلي يا هانم.
جلست قبالته متحرجة مما ستقوله، وبدا عليها ذلك التوتر الذي لاحظهُ هو، فـ انتظرها حتى تمكنت من افتتاح الحوار معه :
- أنا عايزة أشكرك على وقفتك معايا.. بجد من غيرك مكنتش هعرف أتصرف في أي حاجه.
رفع عنها الحرج قائلًا :
- مش عايز شكر ولا أي حاجه.. أهم حاجه تقدري تاخدي حقك وتردي كرامتك.
أومأت برأسها متفهمة كلماته اللطيفة معها، ثم هتفت بـ :
- بس انا مش هعرف أقعد هنا أكتر من كده.. انت عارف الموقف مش في صالحي واحنا في بلد بيتكلموا حتى على نفسهم.. عشان كده قررت أمشي النهاردة.
أصدر إيماءه متفهمة لما ترويه و :
- فاهم طبعًا وعندك حق.. أنا عرضت عليكي خدماتي وحرية الإختيار ليكي، أهم حاجه يكون المكان اااي هتروحيله أمان.
- آه.. ناس طيبين هقعد معاهم لحد ما الدنيا تهدى والمحامي يكلمني يطمني عمل إيه.
نهضت عن جلستها فنهض هو أيضًا :
- وبشكرك لتاني مرة.
- أتمنى تستني السواق لما يرجع عشان يوصلك مكان ما تحبي.. كده هكون مطمن عليكي أكتر.
أرادت في بادئ الأمر أن ترفض عرضهِ، لكنه أصرّ عليه :
- من فضلك مترفضيش.. على الأقل توصلي المكان اللي انتي عايزاه بأمان.
ابتسمت بتكلفٍ وبدون أن ترفض عرضهِ :
- ماشي.. عن أذنك.
خرجت في نفس اللحظة التي كانت "عبير" تدخل إليه فيها، فأمرها "هاشم" :
- أقفلي الباب.
أغلقت "عبير" الباب ليطمئن "هاشم" إن حديثهم في مأمن، ثم سألها بخفوت خبيث :
- عملتي إيه؟.
أخفضت "عبير" صوتها وهي تجيب :
- زي ما طلبت مني بالمللي يابيه.. كلها ساعات والخبر هيبقى زي اللبانة في بوق الناس كلها.
أرخى "هاشم" عضلات كتفيهِ، ثم سألها :
- انتي مالية إيدك من البنت دي؟.
- طبعًا.. دي أكتر واحدة تحب تجيب في سيرة الحي والميت.. محدش بيسلم من لسانها.
جلس "هاشم" مستريحًا وقد ملأ المقعد بجسده، ثم أمرها بـ :
- أخرجي انتي دلوقتي وأقفلي الباب.
خرجت "عبير"، ففتح "هاشم" مسجل الصوت الذي سجّل مكالمتها مع والدتها بالكامل، واستمع مرة أخرى لتحذير "جليلة" من موقفها الخطير والذي دفع "رحيل" للقرار المفاجئ بـ المغادرة :
- لازم تمشي من هناك يا رحيل.. كده هتفتحي على نفسك مصيبة تانية يابنتي والناس مبترحمش.
- حاضر ياماما.. همشي والله خلاص بس مش عارفه أروح فين دلوقتي.. أنا مش معايا مليم واحد!.
- هتروحي بيت أهل منال مرات حسين.. هي هتساعدنا لحد ما نخرج من الورطة دي.. على الأقل تضمن إنك مش هتتجوزي جوزها، فهمتي؟.
- حاضر ياماما.. قوليلي اروحلها إزاي؟!.
أغلق "هاشم" المقطع الصوتي وهو يذمّ على شفتيه، ثم همس من بين شفتيه بخفوت يكاد يسمعه :
- هعمل إيه بقى.. مفيش حلّ تاني يجبرك تفضلي هنا غير الفضيحة، سامحيني ياهانم....
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"الضحية كانت روح أرادت العيش، أما الجاني فقد كان صقرًا جارحًا عبر من فوق رأسها فقلب حياتها رأسًا على عقب."
____________________________________
كأن النار نشبت في الهشيم، فتحولت الدار كلها لجمرة من نار، تحرق كل من يلمسها. في اللحظة التي وصل فيها إخطار المحكمة بالقضية المرفوعة على "حمدي الطحان" كانت العائلة مجتمعة على مائدة الإفطار، فتشتت الجمع وهاجت الأعصاب وتمردت الأبدان على هول الخبر، هذه المرة الأولى التي يتمرد فيها أحد أفراد العائلة على كبيرها، والمرة الأولى التي تطالب فيها أنثى بحقها في الميراث الشرعي من أبيها وزوجها، رغمًا عن الأعراف والتقاليد التي تمنع تقليد النساء للأملاك والأراضي، والتي سادت في أغلب القرى الريفية والأماكن البعيدة عن العاصمة المتفتحة -من وجهة نظرهم-.
هبطت "جليلة" على صوت "حمدي" المنادي لها، فـ ارتعدت أوصالها ظنًا بأن مكروهًا قد أصاب وحيدتها، وهرعت للأسفل وهي تسأل مرتعبة :
- في إيـه ياحج؟.. إيه اللي حصل لكل ده ؟!.
أجابت "سعاد" بصياح، گالتي لم تكتفي بحالة الهياج التي أصبح عليها زوجها وابنها فأرادت إضرام النار أكثر:
- تعالي ياختي شوفي تربيتك الشوم، بنتك بتتجرأ وترفع قضية على عمها الكبير!.. هي دي أخرة المعروف اللي عملناه فيكوا؟!.
بدأت "جليلة" تهدأ نسبيًا، ومازالت دقّات قلبها گقرع الطبول المزعجة، ثم أردفت بفتور شديد لا يتناسب مع حالة الذعر التي كانت عليها منذ لحظات :
- معروف إيه ياسعاد؟ ؟.. أوعي تكوني فاكرة إنك بتاخدي من جيبك وتديني، أحنا محدش له أفضال علينا.
لم ينتظر "حمدي" نهاية الحوار الحريمي الذي لن يؤتي بالنفع، وتدخل لإنهاءه بسؤال سيطر على عقله :
- بنتك عملت كل ده لوحدها إزاي يا ست جليلة؟؟.. ولا في حد بيساعدها واحنا منعرفش!.
تدخل "حسين" بدوره وقد بدأت الشكوك تساوره :
- طبعًا في حد وراها؟.. ده في محامي وأتعاب ومشاوير رايح جاي.. مين اللي ورا رحيل يا خالة جليلة؟؟، ما تريحينا بدل ما عليا النعمة لأكون دافنها بالحيا.
لم تأبه لتهديدهِ الفارغ، معتقدة أن ابنتها في أمان ولا خوف عليها :
- اللي معاه الحق ميخافش ياحسين.. استحي وانت بتتكلم عن مرات أخوك اللي انت طمعان فيها، وأدونا حقنا خلونا نمشي من هنا من غير ضرر ولا ضرار، وإلا بنتي هتكمل في طريقها وتجيب حقها غصب عن عين التخين.
حملق "حمدي" مندهشًا من تجبرها وثقتها المبالغ فيها بإبنتها، وكأنها تعلم أن من ورائها يستطيع حمايتهم من أي بطش :
- هي بقت كده يا مرات أخويا؟؟.. طب عليا وعلى أعدائي، لما نشوف مين فينا هيكسب.
تلوت شفتي "تيسير" وقد بدأت الغيرة تشتعل بصدرها، كونها قارنت ضعفها الخائر بقوة تلك المرأة التي تطاولت على أبيها وأخيها وطالبات بحقها الشرعي في الميراث أيضًا، فـ أرادت أن تبثق سمّها بدلًا من أن يحرق حلقها إن بات مكتومًا :
- أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده يامرات عمي.. ده بدل ما توعي بنتك وتقوليلها ملهاش غير بيتها وأهلها!.. هي يعني كان ناقصها حاجه ولا محتاجه حاجه وأبويا اتأخر عنها عشان تروح لسكة المحاكم! ولا هو أي تمرد والسلام!.
ضربت "جليلة" كفًا بكف، وانطلق سعيها لتأديب "تيسير" بدلًا من الحديث عن ابنتها والتعليق على كل أمر يخصها :
- بقولك إيه يا تيسير!.. انتي واحدة معاكي اعدادية ياحببتي، يعني عمرك ما هتفهمي زي بنتي اللي دخلت الجامعة.
ثم نظرت لـ "حمدي" لكي تذكّره بجريمته في حق ابنتها :
- لولا أبوكي كان زمان بنتي معاها شهادة جامعية!.. بس هقول إيه!، الله يرحمه حسن ملحقش ينفذ وعده معاها ويرجعها الجامعة تاني، أبوكي برضو هو اللي حرك بنتي من جوزها، فـ ميجيش دلوقتي يكمل علينا ويجوزها التاني غصب.. احنا مش زيك يا تيسير ولا عمرك هتتساوي ببنتي أبدًا.
كادت "سعاد" تتهجم عليها لولا وقوف ابنها "علي" حائلًا أمامها، وصوتها يصدح في المنزل كله من أعلى للأسفل :
- قطع لسانك ياخرفانة انتي!.. مالها بنتي يا ختي؟.. على الأقل مش دايرة على حلّ شعرها وهربانه منعرفش سكتها فين؟.
أبعد "علي" بأمه قليلًا وهو يحثّها على التوقف عن ذلك :
- كفايه ياما بقى!..
أشار "حمدي" لولده الأكبر "حسين" وهو يقول :
- تعالي ورايا يا حسين نشوف هنوصل للبت دي إزاي وسيبهم ياكلوا بعض.. أنا مش فاضي لهري الحريم ده.
لم تنتظر "جليلة" سماع كلمة أخرى، وصعدت الدرج متجاهلة صوت "سعاد" وكلماتها الجارحة وألفاظها الفظّة، غير قادرة على الإستمرار في مناوشات الكلام تلك، بينما كانت "منال" تراقب ما يحدث من الأعلى، شامتة بكل ما يحدث من مشاجرات قد تؤدي بدورها لإعاقة تلك الزيجة التي تخشاها، وحينما قابلت "جليلة" على أول الدرج همست لها تطمئنها :
- الأمانة وصلت مكانها يا خالتي.. وربنا يقدرني على فعل الخير.
أومأت "جليلة" برأسها متفهمة :
- جميلك مردود يا منال.. عن أذنك.
كانت عيني "حسين" تتطلع لتلك اللحظات التي جمعت زوجته بزوجة عمهِ، حاملة همسات لا تُسمع، مثيرة ببواطنهِ الريبة من ذلك التقارب المفاجئ بينهما، في حين أن "منال" تكره "رحيل" وأمها من قديم الأزل، وذلك التناقض هو ما زرع الريبة بأحشائه، وجعله يفكر في الأمر مليًا، قد تكون البذرة الفاسدة التي ألقت بـ "رحيل" خارج حدود الدار هي زوجته المصون، وحجتها في ذلك هو الحفاظ على زوجها!. تلاعبت الظنون برأسه وجعلته مشتتًا، منتويًا الوصول لحقيقة الأمر بأي طريقة وبأي ثمن، ولكن الوصول لذلك سيتطلب بعض الدهاء.
**************************************
كان يرمقه بنظرات منزعجة، رافضة للنهج الذي سلكهُ لتنفيذ مطامعهِ الخاصة، مما سيؤدي بحياة إنسانة لحافة الهاوية، وقد ترك كل ذلك خلفه بدون حتى أن يفكر. تركت "عبير" فناجين القهوة على المنضدة الزجاجية المستطيلة، ثم انصرفت لتتركهم منفردين بتلك الغرفة الزجاجية التي صنعها في حديقته، وما أن رأى "هاشم" ذلك الإستنكار متشكلًا على ملامحه هتف معترضًا :
- انت مضايق أوي كده ليه كأنها قريبتك مثلًا!؟.
زفر "مراد" وهو يجلس في مقعدهِ مجيبًا :
- مكنش لازم تعمل كده ياهاشم، البنت ملهاش ذنب تستخدمها وسيلة عشان تضرب حمدي الطحان!.
دهس "هاشم" سيجارتهِ بالمنفضة قبل أن تنتهي، ثم أردف بـ :
- أنا مش بضرب حد.. هي اللي فرضت عليا أمتى تقعد وامتى تمشي كأنها زريبة أبوها تدخل وتخرج وقت ما تحب!.
قطب "مراد" جبينه بغير إقتناع بتلك الحجة الواهيه:
- إنت اللي عرضت عليها مساعدتك!
- وانت فرضت عليا ضيفة كان ممكن أرفض وجودها في بيتي.
- بس انت قبلت!.
- كل حاجه ليها تمن.. حتى المساعدة.
انفعل "مراد" رغمًا عنه وقد أحس بتأنيب الضمير، جِراء ما قد يحدث لمصير تلك الفتاة من عقاب شنيع قد يودي بحياتها للهلاك حرفيًا :
- احنا مش في كندا يا هاشم!.. أهلها لو بس سمعوا باللي حصل هيقتلوها من غير ما يسمّوا عليها.. البت كده راحت في شربة ميا وانت مش حاسس.
نفخ "هاشم" بإنزعاج، مانعًا نفسه من الإنسياق وراء عاطفتهِ التي قد تجرفهُ للندم على قراره :
- ما خلاص بقى ياعم الحنين.. متقلقش أنا مش هسيبها تموت، أنا بس عايزها ترجع تاني برضاها.
ضاقت عينا "مراد" بفضول لسماع الجزء الثاني من مخططهِ اللئيم:
- ترجعلك إزاي!.
نهض "هاشم" واقفًا مستقيمًا، و دسّ كفيه في جيوبهِ وهو يجيب :
- يعني لازم تفهم إن كل مكان بعيد عني خطر عليها، مش لازم تحس بالأمان غير عندي هنا.
شبك "مراد" ذراعيهِ أمام صدره وهو يسأل بفضول أكبر :
- بأمارة إيه؟.. انت مين بالنسبالها عشان تكون الأمان الوحيد اللي هتلجأله.
كان جواب "هاشم" مثير للإستفزاز أكثر وأكثر :
- صديق مخلص.
- مخلص؟!.
أشعل "هاشم" سيجارة أخرى مفصحًا عن قلقه الأكبر :
- أنا عندي مشكلة أكبر من إني أشيل هم بنت الطحان يا مراد.. ليلى اتعلقت بيها أوي مع إنها مقعدتش معاها غير ٣ أيام بس.. أنا قولت مفيش حد غيرك هيقدر يسدّ الفراغ ده لحد ما أنزل القاهرة أشوف موضوع كاميليا.
- هي كلمتك؟.
غطت تعابير الغطرسة على وجهه وهو يجيب متباهيًا :
- طبعًا.. محدش غيري هيقدر يساعدها، أنا البطل المنقذ في نظرها دلوقتي.
- طب والشغل اللي متعطل ورانا ده مين هيركز معاه!؟.. حوار كاميليا خد مننا كتير أوي.
نظر "هاشم" في ساعة يدهِ وهو يقول :
- خلاص مش فاضل كتير.. بس انا لازم أتحرك دلوقتي عشان أرجع في نفس اليوم.
تحرك "هاشم" للخروج عبر الباب الزجاجي الذي ينفتح تلقائيًا بعد استشعار قرب أي شخص منه ومن خلفه "مراد" :
- متتأخرش.. أنا كمان محتاج أرجع النهاردة.
أشار له "هاشم" گتعبير عن إنه تلقى المعلومة بنجاح، ثم مضى في طريقهِ نحو البوابات، عقلهِ منشغلًا بكلمات "مراد" التي أصابته بقليل من القلق، فأشار لأحد الحرس الرابضين على البوابة من الداخل ليأتي إليها هرعًا، فسأله :
- إنت اتأكدت إن الهانم اللي وصلتها الصبح طلعت البيت إياه بسلام مش كده؟.
- آه ياباشا.. استنيت لحد ما طلعت فوق زي ما قولتلي.
- تروح دلوقتي وتفضل قدام البيت تراقب الوضع هناك إيه ولو في أي وضع مريب تكلمني على طول.. من الآخر كده أمان البنت دي مهمتك.
- أوامر ياباشا.
تابع "هاشم" طريقه وقد أحس ببعض الراحة، إذ إنه ضمن بذلك ألا يصيبها مكروه نتيجة فعلته، على الأقل لا يتسبب في خسارة روح أخرى من بيت آل طحان.
**************************************
كانت في غرفتها تمشط شعر صغيرتها البالغة من العمر ثلاث سنوات، حينما دخل زوجها مندفعًا وكأنه سيقتل أحدهم، ففزعت "منال" وهي تراقب تحركاته بالغرفة يبحث عن شئ ما تجهله :
- بسم الله الرحمن الرحيم.. في إيه ياحسين!!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أخرج "حسين" سلاحهِ المدسوس بين ملابسه في الخزانة، وبدأ يفحص خزينة الرصاص إن كانت مملوءة أم لا. انقبضت "منال" من رؤية السلاح، فـ المرة الأخيرة التي أشهر فيها زوجها سلاحه كانت ليلة مقتل شقيقه "حسن". نهضت على الفور وأخرجت الصغيرة من الغرفة وهي تهتف بنبرة مفزوعة :
- انزلي يابت ألعبي مع اخواتك.. يلا.
ثم ركضت عليه تسأله بتخوف :
- إيه اللي حصل يا أخويا قلقتني! .. رايح على فين بالسلاح كده؟؟.
ملامحه تغبّرت بالشر، وعيناه تكاد تطلق شررًا محمومة وهو يجيب :
- خلاص عرفت هي فين الفـ ××××.. هروح أجيبها لحد هنا ياأما مسحولة ياأما مقتولة.
انتفضت "منال" وقد نجح "حسين" في بث الرعب في نفسها، وتلجلجت نبرتها وهي ترجوه :
- بالله يا حسين بلاش.. السلاح يطول يا خويا وانت عين الحكومة عليك من ساعة الخناقة الكبيرة.. وحياة عيالك يا شيخ.
دفعها "حسين" بقوةٍ فـ ارتدت للوراء :
- بـعدّي عني.
وخرج من الغرفة قاصدًا الشر، فهرعت "منال" من خلفهِ لتنقذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يصل زوجها لتلك الفتاة فتتعكر يداه بدماء جديدة قد تزجّ به طيلة حياتهِ بالسجن. توجهت على الفور لغرفة "جليلة"، فهي الوحيدة التي على تواصل مع "رحيل"، ودخلت إليها باديًا عليها الذعر وهي تقول :
- ألحقي ياأم رحيل.. حسين عرف مكان بنتك ورايح دلوقتي يجيبها.. اتصرفي بسرعة وكلميها الله لا يسيئك.
ارتعشت "جليلة" في خوف شديد، وأمسكت هاتفها بيدين مرتجفتين وهي تقول :
- طب ما تكلمي أمك يا منال خليها تنزلها بسرعة!.
- وهي أمي لو معاها تليفون كنت جيتلك!!.. أبوس إيدك كلميها بسرعة.
تجسس "حسين" على حديثهم فصدق حدسهِ، وعلم المخبأ الذي تكون فيه بخدعتهِ الصغيرة، لم يضيع الوقت بحساب زوجتهِ المتآمرة، وهبط الدرج بعجالة وهو يهمس بـ :
- أنا هربيكي يابنت الكـ ××.. بقى بتستغفليني يا منال! ورحمة أبوكي لتدفعي التمن.
لم تستطع "جليلة" الوصول لرقم ابنتها الذي حصلت عليه من "هاشم" مؤخرًا، إذ كان مغلقًا أغلب الوقت، فـ ضاق عليها صدرها وهي تهمس بـ :
- مقفول.. أكيد الشبكة وحشة عندها!.. يارب أنقذ بنتي منهم يارب.
ثم نظرت إليها تسألها :
- انتي عرفتي منين يامنال ؟.
لم تقوَ "منال" على تمالك أعصابها حتى الآن، وأجابتها وهي تجلس على طرف الأريكة :
- حسين اللي قالي إنه لقاها.. كان خارج بالسلاح ومستحلف.
توقفت "جليلة" عن محاولة الإتصال بـ ابنتها، وقد أحست بشئ ما غير منطقي بالموضوع :
- يعني حسين عرف إنها عند أهلك وسابك كده بسهولة من غير ما يحاسبك؟!.
اتسعت عينا "منال" وقد غفلت بسبب الخوف عن التفكير في ذلك :
- هـه!!
صاحت فيها "جليلة" وقد كشفت المغرز الذي وقعت فيها كلتاهما :
- هه إيـــه!!.. حسيـن رسم عليكي لعبة يا مـنال وياعالم وصل إيـه.
ضربت "منال" على صدرها ولطمت على وجهها وهي تقول :
- يالهوي يالهوي.. يعني عرف إني وراها.. يا مصيبتي الســودا.
*************************************
كان يجلس بغرفة رئيس المباحث شخصيًا، ينتظر قدومها من محبسها وقد تأجل استجوابها أمام النيابة للغد، حتى أتت إليه بكل إنكسار، في صورة لم يراها عليها من قبل أبدًا. استقبلها "هاشم" بكل مرونة، ووقف حتى أجلسها أمامه، ثم سألها بهدوءهِ الرتيب :
- طمنيني عليكي.. المحامي قالي إنك هتباتي في الحجز النهاردة؟.
كادت تنفجر من البكاء لولا إنها تماسكت أمامه قليلًا وهي تقول :
- أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده!.
ربت على كفها وهو يقول :
- أهدي طيب.. أنا قريت المحضر وعرفت إن اللي عملت المحضر قدمت كشف طبي بيثبت إن اللي حصل في وشها ده ممكن يوصل لعاهه مستديمة.. إزاي تغلطي غلط زي ده ؟؟.
انسابت الدموع من بين جفنيها، وبدأ صوتها يتشنج وهي تقول :
- أنا مش فاهمه إزاي ده يحصل في عيادتي!.. ده انا حريصة جدًا في الحاجات دي وعمر ما في حالة اشتكت من عندنا.
مطّ "هاشم" شفتيهِ مستنكرًا مبررها :
- بس دول لقوا عندك في المركز أجهزة بمواصفات تانية غير اللي بتقنعي بيها الحالات بتاعتك وغير اللي موجودة في أعلانات صفحاتك على السوشيال ميديا.
اهتاجت "كاميليا" وهي تنهض عن جلستها فجأة تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة :
- كــذب.. كل الأجهزة عندي جاية من برا بمواصفات عالمية وانت عارف كده كويس.. ده انت بنفسك دفعت أكتر من نص فلوس المكن ده واحنا بنجهز المركز والفواتير اللي بتثبت ده معاك.
قطب جبينهِ كأنه لم يتذكر ذلك :
- أنا ؟!.. الحقيقة مش فاكر.
جحظت عيناها بذهول مما قاله، وتحجرت الدموع في عيناها وهي تسأله :
- يعني إيه مش فاكر؟.. أنا مستقبلي المهني كله واقف على شهادتك معايا في النيابة وعلى الفواتير اللي معاك!.
كان مسترخيًا للغاية وهو يكرر نفس الكلام :
- أنا مش فاكر أي حاجه من اللي بتقوليها دي.. ومفيش معايا أي فواتير.
ثقل لسانها، واستصعبت تقبّل تلك الخيانة الصعبة :
- إنت آ... بتتخـلـى عن مراتـك!.
أشار لها لافتًا انتباهها للخطأ الذي تفوهت به :
- لأ معلش.. قصدك اللي كـانت مراتي، انتي دلوقتي طـليقتي.. ولا نسيتي!.
ضاق عليها صدرها غير مصدقة إنه سيكون غدّارًا هكذا :
- هو ده الوقت اللي تقولّي فيه الكلام ده!.. أنا أم بنتك إزاي ترضالي السجن والبهدلة وانت واقف تتفرج عليا!.
وقف عن جلستهِ ليبقى قبالتها وهو يقول :
- أرضى عادي.. كل حاجه وليها تمن يا كاميليا.. حتى الحرية، انتي طلبتي مني حريتك، ليه جايه تلزميني دلوقتي أدافع عنك وانتي بالنسبالي ولا حـاجة؟!.
رمقتهُ بإحتقار شديد، حتى إنها اقتنعت إنه أتى خصيصًا لكي يشمت بمصيبتها :
- انت مستحيل تكون إنسان سوي.. أنا ندمانة بجد إني اتجوزتك، ومستحيل أسيب بنتي معاك لحد ما تبقى شبهك.. بنتي فين عشان ماما تاخدها؟.
أعلنها صراحة، ولم يدسّ عنها الخبر أكثر من ذلك :
- مش هتاخديها، انتي أم غير صالحة لتربية طفلة.. وانا مش هآمن على ليلى معاكي.
حملقت فيه محاولة استيعاب ما يقوله، إلا إنه كان أكثر من قدرتها على الإستيعاب :
- إنت بتقول إيـه ؟.. مستحيل أقبل باللي بتقوله ده لو على جثتي.
سحب "هاشم" هاتفه ومفتاح سيارته عن سطح المكتب وهو يقول :
- وانا مسألتش انتي هتسمحي ولا لأ.. اللي عندي قولته، أنسي بنتك دي خالص، انتي دلوقتي هتبقي ردّ سجون وانا مقبلش أم بنتي تكون واحدة غشاشة زيك.
قبضت على ياقتهِ تكاد تغرز أصابعها في عنقهِ تخنقهُ وهي تصيح :
- أخـرس ياحـيوان.. هاخدها يعني هاخدها ياهاشم.. مستحيل أسيبلك بنتي مستــحيل.
دخل العسكري أثر صوت الضجيج والصراخ الذي أتى من الداخل، وحاول الفكاك بينهما ليصيح "هاشم" قائلًا :
- خدها يابني أحسن تلبس قضية قتل عمد كمان.. دي اتجننت خالص.
مازالت تصرخ حتى بعد أن سحبها العسكري عنوة :
- مش هسيبهــالك يا هـاشـم.. مش هســـيبـلك بنتـــي.
نفض "هاشم" ثيابهِ متعجرفًا، ثم همس وهو يخرج من الغرفة :
- أما نشوف هتسيبسها ولا لأ ياكوكـي.
*************************************
أخيرًا توصلت "جليلة" لابنتها لتبلغها بضرورة الهرب من المنزل الذي استضافها يوم واحد فقط، بعدما علمت بأن أمرهم قد انكشف بلعبة "حسين" عليهن، فـ لم تتأخر "رحيل" عن ارتداء حجابها والركض بسرعة على الدرج المتهالك المتكسر حتى بلغت الشارع، وقد غربت الشمس وحلّت الساعة السابعة مساءًا بظلمتها لتغطي السماء. خرجت "رحيل" من الحارة الضيقة المؤدية للشارع الرئيسي، فتفاجئت بسيارة "حسين" وهي تدنو من الشارع وقد رآها تفرّ أمامه، فصرخ بصوت وصل إلى مسامعها :
-وقفـــي يا بـت عــمـي.. وقفـي مكانك.
ركضت بأقصى قوة لديها، وسيارتهِ تركض خلفها حتى وصل بالفعل إليها، فـ انحدرت عن الطريق الرئيسي لأحد الأزقّة الضيقة التي يستحيل الدخول إليها بالسيارة، فما كان منه إلا أن يترك سيارتهِ ويركض من خلفها وهو يصيح :
- هـقـتلك يا رحــيـل.. وقفـــي بقـولك.
لم تسمع له، فالموت أهون عليها مما يتوعدون به، تكاد أنفاسها تتوقف من فرط المجهود الذي بذلته وهي تقاسي للهروب، وهو من خلفها گالأثم الذي يلتصق بجبين صاحبهِ حتى يموت، حتى قنط من محاولات اللحاق بها، فـ أخرج سلاحهِ وأطلق منه رصاصة في الهواء، قاصدًا إخافتها لتتوقف عن محاولات الهرب؛ لكنها هيهات كل تهتز، فتوقف عن الركض وهو يتناول أنفاسهِ اللاهثة بصعوبة، وصـوّب سلاحهِ بإتجاهها وهو يهمس بـ :
- يبقى انتي اللي اختارتي بقى.
أطلق عليها بدون أن يرفّ له جفن، فسقطت أرضًا أمام السيارة الفارهه التي توقفت أمامها فجأة، ليهبط "مراد" من السيارة في عجالة، وحملها بين ذراعيه بدون ذرة تفكير واحدة، ثم ألقى بها في سيارتهِ وهو يرى اقتراب "حسين" منهم :
- وقـــف ياجــدع انت.. انت مـــين يــاواد!.
استقل "مراد" السيارة وبدأ يقتادها للهرب من هنا في أقصى سرعةٍ مطلوبة، فتفاجأ بطلقة رصاص تخترق زجاج سيارتهِ الخلفي ليتهشم قطعًا صغيرة، فـ همس "مراد" من بين شفتيه :
- آه يابن الـ ×××× والله لأدفعك تمن الأزاز ده عربية كاملة.
ونجح في الفرار بها من بين فكّي الأسد، وهو لا يعلم أحـيّـةٍ هي أم مــيتــة؟!...
*************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"العين بالعين والسن بالسن؛ والبادئ هو الأظلم."
____________________________________
تأففت "ليلى" بإنزعاج وهي تنظر لقطع الصلصال الملون التي عجزت "حِراء" عن تشكيلها، وأطاحت بها بعيدًا وهي تهتف متذمرة :
- انتي مش عارفه تعملي حاجه يا حراء!.. رحيل كانت بتعمله أحلى منك، هي راحت فين مش هترجع تاني؟.
لم تدري "حِراء" بأي إجابة تجيب عليها، فقد توقعت أن تلك الضيف لن تعود إلى هنا مرة أخرى، والكذب على الصغيرة ما هو إلا حل مؤقت لن يُسكن "ليلى" طويلًا؛ ورغمًا عن ذلك أجبرت نفسها على الكذب من جديد لئلا تبقى أمام إلحاح "ليلى" :
- لأ هترجع.. بس قوليلي عايزاه إزاي وانا أعمله زيها.
صوت الضجيج بالخارج لفت انتباه "حِراء" لتتعلق عيناها بالباب، والصغيرة "ليلى" أيضًا ركضت بإتجاه الباب ظنًا بأن والدها العزيز قد عاد :
- dady جه.
دخل "مُراد" يحملها على ذراعيهِ، وهي فاقدة للوعي لا تشعر بأي شئ من حولها، فهرعت إليه "حِراء" بعدما فزعت لهذا المشهد:
- ياستّار يارب!.. إيه اللي حصل.
في حين كانت "ليلى" قد تجمدت في مكانها مرتعبة، خاصة إنها رأت الدماء وقد لوثت ثيابها وقدميها، فـ انتشلتها "حِراء" لئلا تتابع ذلك المشهد الذي أرعبها :
- تعالى ياليلى.. طنط رحيل تعبانه شويه.
رمقها "مراد" بنظرةٍ حادة وهو يأمرها بـ :
- انتي لسه هتتفرجي عليا؟! خدي البنت على أوضتها.. أنجزي..
سحبتها "حِراء" وصعدت بها لغرفتها، بينما كانت الأسئلة الفضولية تهطل من الصغيرة :
- رحيل مالها يا حراء؟.. هي اتعورت؟؟.
- آه يا حببتي.. تعالي بس نطلع فوق عشان أونكل مراد ميضايقش مننا.
وضعها "مراد" على الأريكة ريثما يتصل بالطبيب الذي يعمل بالمشفى التخصصي بالبلدة، فـ ينصحه بما عليه فعله. تفحصها "مراد" بنظرات دقيقة وهو لا يعلم مكان إصابتها تحديدًا؛ ولكن على ما يبدو إنه أصاب مكان ما في ساقها.
- أيوة يا دكتور.. أنا مراد العزيزي، أنا عايزك تجيلي دلوقتي، بس هات معاك حاجتك عشان معايا واحدة مصابة برصاصة.. لما تيجي هتفهم، لالا مش هنحتاج أوضة عمليات، تعالي بس بسرعة ونقرر لما تفحصها.
أغلق "مراد" هاتفهِ ومازالت عيناه عليها، يحس بالشفقة تجاهها، وكل ما جال بخاطرهِ هو اكتشاف الفضيحة التي نُشرت بالمدينة كلها بمعرفة "هاشم"، ولم يكن هناك أي مبرر منطقي آخر يفسر به إطلاق النار عليها من قِبل عائلتها سوى ذلك. نفخ "مراد" متضايقًا وقد انقلب مزاجه كُليًا، فوقعت أنظارهِ على دمائها التي بدأت تلطخ الأريكة، فـ اضطر أن يحملها مجددًا ليصعد بها إلى أعلى، بعيدًا عن أعين الخدم ولكي يكون أمان أكثر عليها.
**************************************
أوصد الباب من الداخل لينفرد بها، ثم أبرحها ضربًا عنيفًا موجعًا، ولم يقوَ أحد على إغاثاتها، فقط صوت صرخاتها المدوية التي سمعها أهل الدار كلهم. ظلت "جليلة" تضرب على الباب بأقصى قوة لديها، وهي تصيح فيه ليتوقف عنه شراستهِ الحيوانية ضد زوجته :
- أفتح يا حـسين.. حـرام عليك البت معملتش حاجه سيبها كفاية كده.
كانت "سعاد" تسدد إليها نظرات حاقدة، تكاد تتحول لكتلة من نار من شدة السخونة المنبعثة من أحشائها، ومع كل صرخة تصدر من "منال" تشتعل النيران بصدرها أكثر، خاصة إنها فهمت مساعدة "منال" لهم منذ البداية، وذلك ما جعلها هادئة طوال الأيام الماضية. مصمصت "سعاد" بشفتيها وهي تهتف :
- يلا ياكش يكسر عضامها.. عقبال ما تقع السنيورة بتاعتك في إيدي أنا هعجنها عجن.
التفتت إليها "جليلة" وعيناها تدق بالشرار :
- شكلك خرفتي يا سعاد!.. أنتي فاكرة بنتي ملهاش صاحب ولا إيه!! ولا عشان ملناش راجل نتسند عليه فكرتي هنبقى لقمة سهلة!.
كادت "سعاد" تلقي بموشح طويل عريض ترد به عليها، لولا أن "حسين" فتح الباب فجأة فتوقفت كلاهن حتى خرج، كان يتصبب العرق صبًا، من فرط المجهود البدني الذي بذله وهو يعذبها بالضرب، فـ بصقت "جليلة" على الأرض وهو تهينه :
- أتفـو على رجـولتك.. صحيح راجـل ناقـص.
ودخلت لتلك المسكينة ثم صفعت الباب من خلفها، بينما كانت "سعاد" تُآزر ابنها في عنفهِ :
- جدع يا حسين.. كان لازم تتربى على عملتها السودا.
ثم قطبت جبينها متسائلة :
- بس بنت الـ ××××× هربت منك إزاي!.
لم يفصح "حسين" بإنه أطلق عليها النار، وإلا ستقيم "جليلة" القيامة في البيت كله :
- معرفش ياما.. اختفت كأنها عفريت اللهم احفظنا.. بس هتروح فين، مسيري أوصلها.
كانت "هدير" تتطلع لما يحدث بإهتمام، ما بين شعورين متناقضين، الشفقة والحقد. وما أن وقعت عينا "حسين" عليها زجرها بنظرة منفعلة وهو يصيح فيها :
- واقفة عندك بتهببي إيه!.. روحي شوفي عيالك انا مش ناقصك.
سحبت نفسها كي لا تتلقى توبيخ آخر منه، بينما كان "حسين" يتآكل من الفضول، والغيظ قد وصل أقصى مراحله بين ضلوعهِ. من ذلك الرجل الذي أخذها وبأي صفة؟.. وإلى أين ذهب بها؟. رأسه باتت گالموقد المشتعل الذي لا ينطفئ أبدًا، وكل همّه هو الوصول لذلك الرجل المجهول وإليها.
ساندتها "جليلة" حتى جلست على الفراش، ثم نظرت لحالة وجهها المتورم وقلبها يتمزق من صعوبة الشعور بالذنب :
- أنا وبنتي السبب، حقك عليا يامنال.
لم تقوَ على فتح فمها للرد، مستشعرة الورم الذي بدأ يتضاعف في وجهها، فوضعت "جليلة" منديل مبلل بالماء البارد عليه وهي تقول :
- اللهي يتشل في إيده.. مش كنتي سمعتي الكلام وروحتي بيت أهلك الليلة!.
تآوهت "منال" بصوت مكتوم، فأبعدت "جليلة" يدها فورًا وهي وهي تتابع :
- معلش معلش.. طب استني هجيبلك تلج، الورم بيزيد ولازم نجيبله حاجه من الأجزخانه (صيدلية).
مالت "منال" بجسدها على الفراش، فخرجت منها صرخة شبه مكتومة، نتيجة الآلام المتفرقة في أنحاء جسدها، وهمست بصوت متحشرج مبحوح :
- منك لله يا بعيد، ربنا ينتقم منك في عافيتك.
كانت دعوة قاسية، خرجت من باطن الوجع الذي أحسته، ليس جسدها المكلوم فقط، بل وروحها المهانة وكرامتها التي تفتتت على الأرض. نظرت "منال" للسماء وعيناها تفيض بالدمع، وتحسست وجهها لتلمس الدماء التي انسالت من بين شفتيها :
- ربنا يردلك اللي عملته فيا قادر يا كريم.
**************************************
كان واقفًا بثبات لم يهتز قيد أنملة، وهو يرى "مراد" يتحرك يمينًا ويسارًا والقلق باديًا عليه، فلم ينطق بكلمة واحدة لكي لا ينفتح "مراد" بكثير من الكلام الذي يشجب به أفعاله التي طوّرت الأمر هكذا. خرج الطبيب من الغرفة التي تسكنها فـ تحرك "هاشم" نحوه وهو يسأله :
- إيه الأخبار؟.
- متقلقش هي طلقة في القدم اليمين، صحيح إن مكانها صعب بس خلال أسبوعين أو ١٠ أيام هتقدر تمشي عليها عادي جدًا.
أخرج "هاشم" هاتفه وهو يقول :
- أبعتلي حسابك يا دكتور.. وقبل ما تخرج من البوابة هتلاقي الفلوس اتحولت.
ابتسم الطبيب ممتنًا لكرمه الذي يعرفه :
- تسلم يا أستاذ هاشم.. أنا هبقى أعدي عليها كمان يومين، وهتفقلها مع ممرضة تيجي تغيرلها على الجرح كل يوم.
- أتفقنا.
تحرك الطبيب نحو الدرج، بينما كان "هاشم" يسأل بخشونة حازمة، غير راضٍ عن ذلك السكوت :
- إنت ليه مروحتش على المستشفى!.. جيبتها هنا زي ما نكون حرامية ليه؟.
تأفف "مراد" مبررًا فعلته المتسرعة :
- مستشفى يعني تحقيق ونيابة وموال كبير.. الموضوع كان هيكبر أكتر وأكتر.
فجأة بدأ صياحهِ، وبدون أي بادرة إنفعال سابقة، كأنه كان يكتم ذلك الغيظ لمدة طويلة :
- ما تكبر يا عم!.. دي كانت الفرصة المناسبة عشان نسجن الواد ده ونرتاح خالص!.
أشاح "مراد" بوجهه للإتجاه الآخر وهو يهتف بسخرية :
- يعني بعد ما وسخت سمعة البنت جاي تدافع بحرقة أوي عنها؟.. اللي حصل كان نتيجة أفعالك المجنونة.
صاح "هاشم" غير قادر على تحمل مزيد من التأنيب :
- يــــــوه!!.
خرجت "حِراء" من الداخل وأغلقت الباب، فوجه إليها "هاشم" سؤاله :
- صحيت؟.
- صحيت ونامت تاني.. الحكيم مديها حقن عشان تنام ومتحسش بالوجع.
أشار لها "هاشم" لكي تنصرف، فـ انصرفت. حينها نظر "هاشم" إليه مستنكرًا ليونتهِ :
- وكمان كسرلك أزاز العربية!.. لو كنت مكانك كنت كسرت نفوخه.
صرخ "مراد" في وجهه بدون أن يقبل تحمل أي أوزار خارجه عن إرادته :
- يعني أسيب البني آدمه اللي سايحة في دمها ومعرفش الرصاصة صابتها فين وأروح أكسر دماغه!.. ده العقل يعني؟!
تحرك "هاشم" من أمامه وهو يغمغم مستهجنًا :
- مش بقولك حـنين!.
*************************************
كانت بالخارج عندما رأت السيدة "هانم الحبشي" برفقة وصيفتها تقترب من مدخل منزل آل طحان، فـ ارتعدت فرائصها وأسرعت الخُطى للدخول من قبلهم، وصياحها قد أيقظ كل المنزل :
- أمــا.. ألحــقي يا ما.
خرجت "سعاد" من المطبخ وفي يدها مغرفة الطعام العملاقة وقد أصابها الفزع :
- في إيه يابت يا تيسير!.
تناولت" تيسير" أنفاسها بصعوبة وهي تخبرها :
- ست هانم برا.. شكلها داخله على هنا.
لم تكذب، بالفعل ما هي إلا لحظات وكان الحارس يستأذن من الخارج بالدخول :
- في ضيفة يا ست سعاد.
أشارت "سعاد" لإبنتها كي تدخلها :
- دخليها يابت بسرعة.. أما نشوف بسلامتها جاية ليه لحد هنا.
دخلت السيدة وثيابها كلها مسودّة، متشحة بالسواد منذ وفاة ابنها الأكبر "جابر الحبشي" على يد قاتلهِ "حسين الطحان"، وقد تسبب ذلك في الإقتصاص من "حسن" بعد ذلك. نظرت "هانم" من حولها گالتي تراقب المكان، ثم هتفت بلكنتها الريفية :
- لينا زمان مشوفناش بعض يا سعاد.
شبكت "سعاد" أصابعها بشئ من الضجر، وهي ترمقها بنظرات كارهه لتقول :
- إيه اللي جايبك هنا ياهانم!.. مش خايفة أحسن متعرفيش تخرجي زي ما دخلتي؟؟.
ابتسامة مستخفة أبرزت التجاعيد المنتشرة حول فمها، قبل أن تردف بإستخفاف سخيف :
- لسه بوقك مليان عـ الفاضي زي ماانتي.. انا جيت في خير.. ولا هنتكلم ع الواقف؟.
صاحت فيها "سعاد" بأسلوب فظ مهين :
- ملكيش مكان في بيتي يا أم جابر.. ولا نسيتي اللي حصل!.
- منسيتش.. انتي اللي نسيتي دم جابر وعيال عمه اللي راحوا هدر.
- وحسن كمان راح هدر وولد خاله كمان راح.. جايه تعيدي الحزن تاني ليه!.
ظلت "هانم" واقفة بمحلها، گالتي تنتظر إستضافة أو ما شابه، فأشارت لها "تيسير" بالدخول لغرفة الإستقبال :
- أتفضلي يا خاله.. انتي عارفه المكان ومش غريبة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
حدجتها "سعاد" بنظرات مقيتة، بينما دخلت "هانم" على الفور ولم تنتظر تصديق "سعاد" على استقبال ابنتها لها. لكمت "سعاد" ابنتها بقبضتها لكمة قوية، ثم تجاوزتها وسارت من خلف الضيفة حتى جلسن قبالة بعضهم البعض :
- إيه الخير اللي جيتي فيه يا هانم؟!.
أرخت "هانم" كتفيها على ظهر المقعد وهي تقول :
- جيت أقولك قلبي عندك.. الخبر كان صعب علينا كلنا.. بس برضو دي ولية وصغيرة وواجب تسامحوها.
عقدت "سعاد" حاجبيها بعدم فهم، وكأنها سلسلة من الألغاز المعقدة التي لم تستطع حلّها :
- انتي بتكلمي على إيه! خبر إيه ومين دي اللي نسامحها؟.
تصنّعت "هانم" وكأنها متفاجئة من جهلها بالأمر :
- وه.. بتكلم على مرات المرحوم حسن.. انتي مش دريانة بالدنيا ولا إيه؟؟.
تحفزت" سعاد" وبدا ذلك جليًا على وجهها، وانتصبت في جلستها وهي تهتف بشئ من التردد :
- مالها رحيل؟.. ما تكلمي دوغري يا ولية في إيه؟.
بدت "هانم" وكأنها شامتة وهي تقول :
- خلاص يا سعاد الخبر على لسان الناس كلها.. متعمليش نفسك مش عارفه إنها راحت لواد العزيزي من وراكم وهي لسه حتى متمتش عدتها!.
قفزت "سعاد" من مكانها بتشنجٍ، حينما لطمت "تيسير" على وجهها مصدومة :
- يالــهـوي....
فصرخت "سعاد" في وجهها لتكتم صوتها اللعين ذلك :
- أخــرسـي يابت..
ركضت "تيسير" للخارج لتزّف الخبر إلى زوجة عمها بكل شماتة، بينما التفتت "سعاد" لضيفتها الثقيلة لتقول :
- جيبتي منين الكـلام ده يا أم جابر؟؟.. انتي جايه ترمي البلى علينا!.
تحولت تعابير "هانم" الساخرة لأخرى جادة حانقة :
- بلى إيه اللي ارميه.. أخرجي الشوارع وأسمعي بنفسك سيرتكم اللي بقت زي اللبانة، أهو ربنا بيخلص حق ناس فناس تانيه.
ولجت "جليلة" مرسومًا على وجهها تعابير الرعب :
- في إيه يا سعاد؟.. البت تيسير بتقولي آ....
قاطعتها "سعاد" وهي تصيح فيها بلا هوادة، گالتي وجدت من تنفثّ فيه هنا يشعل صدرها بالنيران :
- قالها القِل البعيدة.. تعالي أسمعي بودانك عشان تصدقي.. قولتلك بنتك سايبة ملهاش حاكم زعلتي أوي.. تعالي شوفي الـفـ. ××× ة اللي مكملتش عدتها ورفضت ابني اللي كان هيسترها وهي ماشية على حلّ شعرها وجايبة لنا العار لحد بيتنا.
تجاهلتها "جليلة" ونظرت لناقلة الخبر وهي تسألها بتهذيب لم ينفك من أسلوبها الراقي بعد :
- في إيه حضرتك؟ ؟.. إيه اللي سمعتيه عن بنتي بالظبط فهميني؟.
رقعت "جليلة" ضحكة صارخة مستهزئة وهي تصيح بـ :
- تعالى ياحج شوف واسمع اللي حـصل.. تعالى شوف اللي حاوطتهم بجناحك وجابولنا العار ياحـج.
صرخت "جليلة" في وجهها وقد فاض الكيل عن آخره :
- بـس بـقى كـفايــة.. أتـهدي شويه ياسعاد ولا عايزة جنازة وتشبعي فيها لـطم!؟.
لطمتها "سعاد" بصفعةٍ عنيفة مؤلمة :
- لسه ليكي عـين تـبجحي فـيا ياأم الـ ××××.
لم تترك "جليلة" نفسها للصدمة، وسرعان ما أتى ردها قاسيًا خالي من أي حيطة، إذ انحنت تلتقط نعلها وضربتها على وجهها ورأسها عدة مرات، ولم تقوَ "تيسير" على صدّ عدوانها، بينما كانت "جليلة" تنتقم لكل ما مرّ عليها هنا :
- أنا اللي هــربيكـي يا ****
كانت "هانم" تشاهد ما يجري بعينين شامتتين سعيدتين، فقد حققت ما ابتغتهُ وأثارت الفتنة في دار آل طحان، وآن الأوان لتنصرف تاركة المكان گـ كومة من الحريق، وأثناء خروجها واجهت ابنتها الصغرى كِنة آل طحان وهي تناديها :
- أمـا.. وحشاني أوي والله.
أبعدتها "هانم" قبل أن تعانقها، ثم رمقتها بشئ من الإحتقار :
- متقوليش أما دي تاني.. أنا خلاص ماليش بنات.
بدأت الدموع تتجمع في مقلتي "هدير" وهي تستجدي عطف والدتها التي أنزلت عليها لعنتها:
- أبوس إيدك ياما ترحميني وتسامحيني.. أنا مقدرش أهد بيتي وأسيب جوزي وعيالي.
نصف ابتسامة ساخرة لوحت على شفتيها وهي تقول :
- لا خليكي مع اللي قتل أخوكي وعيال عمك.. هما أولى تفضلي معاهم.. بعدي عن وشي.
دفعتها لكي تغرب عن وجهها، ومن خلفها صوت العراك والصراخ بالداخل مدويًا، فـ همست وهي تعبر بوابة الدار :
- يارب تولعوا في بعض كلكوا.. يمكن ناري تبرد وتخمد.
*************************************
منذ أن أصبح الصباح وهي غائصة بين ألعابها الكثيرة والجديدة التي ابتاعها لها بالأمس، واستيقظت لتجدها مفترشة في كل مكان من حولها، انبهرت بها رغم إنها تمتلك الكثير من الألعاب؛ لكن هدية والدها تختلف عن أي شئ آخر. جلس "هاشم" معها يحاول تركيب قطع المطبخ الصغير لكي تطهو عليه، وهي تراقب ما يفعله بحماسٍ شديد :
- هو انا هعرف أعمل بطاطس محمرة في المطبخ ده يا dady؟.
- طبعًا، هتعملي كل اللي نفسك فيه؟ إيه رأيك عجبك ؟.
- حـلـو أوي.. بس أنا عايزة لعبة الطبيب زي اللي جابتهالي mamy، عشان لما هكبر هبقى doctor زيها.
تحكم في تعابيره جيدًا، فخرجت ابتسامتهِ المصطنعة بمثالية شديدة :
- طبعًا طبعًا يا روح قلب dady، هتبقي أحلى doctor في الدنيا كلها.
- هي mamy مش هترجع من السفر وتيجي زي ما قولتلي؟.
- آه هترجع.. بس هي عندها شغل كتير أوي الفترة دي هتخلصه وتيجي.
عبست قليلًا وهي تعترض :
- انت كمان كان عندك شغل كتير أوي ومكنتش بتيجي تشوف ليلى.. هو لازم نشتغل كتير لما نكبر؟.
ترك "هاشم" المجسم الخاص بالمطبخ جانبًا بعدما أنهى العمل به، ثم نظر إليها لاهيًا إياها :
- سيبك من الكلام ده.. إيه رأيك لو نروح نشوف طنط رحيل؟.
قفزت "ليلى" من جلستها وقد أُعيدت إليها حماستها من جديد :
- آه عايزة أروحلها دلوقتي.. عارف، امبارح مراد رجع وهو شايلها كلها وكانت نايمة، وكان في عندها تعويرة كبيرة بتجيب دم تجيب دم كتيـر.
استمع "هاشم" لنشرة الأخبار المتنقلة مستمتعًا بطريقة الصغيرة وهي تتلوها على مسامعه گالمذياع :
- بجد ؟.. وإيه كمان؟.
هزت "ليلى" كتفها وهي تقول :
- معرفش، مراد زعق جامد لحراء وقالها طلعي ليلى فوق.
أومأ "هاشم" رأسه متفهمًا وهو يهمس بـ :
- ماشي يا مراد.
طرقت الباب فسمح لها بالدخول :
- أدخل.
دخلت "عبير" وهي تحمل حقائب عديدة، ثم وضعتها أمامه وهي تقول :
- أنا جيبتلها شويه حاجات كده زي ما طلبت بالظبط.
بدأ "هاشم" يتفقد الحقائب، فطغت تعابير عدم الرضا على وجهه وهو يقول :
- إيه اللي انتي جيباه ده ياعبير!!.. ما قولتلك البنت حياتها كلها كانت في القاهرة!.. جايبة عبايات سودا وبني؟.. انتي رايحة تشتري ليها ولا لجدتك؟؟.
تحرجت "عبير" من تعبيرهِ عن نمط الثياب الذي اختارتهُ لها، بينما ترك هو الحقائب جانبًا و :
- خديهم ليكي يا عبير.. أنا هتصرف بنفسي.
- ده كتير والله يا بيه آ....
قاطعها بإقتضاب :
- مش وقته الكلام ده سيبيني أحلّ الموقف بسرعة.
- حاضر حاضر.
وحملت الحقائب لتغادر بها حينما تابع "هاشم" حوارهِ مع ابنتهِ :
- بصي يا لوليتا.. انتي هتروحي دلوقتي تطمني على طنط رحيل وانا هبقى آجي وراكي.. إيه رأيك ؟.
نهضت "ليلى" عن مكانها وتوجهت نحو الباب على الفور :
- موافقة.. هروح دلوقتي أصحيها.
خرجت الصغيرة، في اللحظة التي كان يستخدم "هاشم" هاتفهِ للقيام بمكالمة هامة :
- صباح الفل يا مدام كريمة.. أنا محتاج منك خدمة محدش هيقدر يقوم بيها غيرك، ميرسي جدًا ده من لطفك يافندم، اختاري شويه حاجات من السنتر عندك وابعتيهالي على العنوان اللي هبعتهولك، بس خلي بالك.. عايزها حاجات محتشمة وتنفع للمحجبات، وياريت لو تبعتي طرح كمان معاهم.. ميرسي جدًا ، مستنيكي.
نظر في ساعتهِ التي شارفت على الثانية ظهرًا، ثم خرج من الغرفة وهو يردف بـ :
- عـ لله تفهم طلبي.
غادر "هاشم" القصر وخرج، فوجد رجلهِ ينتظر هناك، طوال الليل لم يجلس ولو مرة واحدة كما أمره "هاشم"، عقابًا على تخاذله وتقصيرهِ في مهمته التي وكلّها له. أشار له، فأتى بين يديهِ :
- أنا قولتلك إيه ؟.. مش فهمتك إن أمان الهانم من مسؤوليتك؟.
- ياباشا والله فضلت أتصل بسعادتك عشان أبلغك باللي حصل تليفونك كان مقفول، أضطريت أكلم مراد بـ.....
صرخ "هاشم" في وجههِ صرخة وصل مداها لبقية الحرس :
- يبـقى تتـصرف.. مستنينـــي أقــولـك أتـصـرف يا حـيوان ؟!.
لم يستطع أن يرفع عينهِ في ربّ عمله، وبقى منكسًا الرأس متحملًا نتيجة تقصيره، فـ حكم عليه "هاشم" حكمًا رادعًا :
- سلّم سلاحك وخد فلوسك ومشوفش وشك تاني هنا.
خرجت نبرتهِ راجية مستغيثة ألا يقطع عيشهِ من هنا، فجميع موظفيه يعيشون في رغد غير مسبوق، وحينما يغدق عليهم يكون الخير وفيرًا فائضًا، إلى جانب إنه يُشعرهم بالإنتماء إليه، ليس گمثل أحد آخر :
- لأ أبوس إيدك ياباشا.. أعمل فيا أي حاجه تاني إلا إني أمشي وأسيبك.. دي أول غلطة وآخر غلطة صدقني.
ذمّ "هاشم" شفتيهِ يفكر في الأمر، فوجد حلّ قد يجعله يعفو عنه، ويُشعره هو بالرضا :
- أي حاجه ؟.
- أي حاجه ياباشا أنا راضي.
لحظة واحدة وكان "هاشم" يستل سلاحهِ من خصرهِ، ثم صوّب فوهتهِ على قدمهِ وهو يهتف بـ :
- أنا موافق.
وأطلق رصاصة على قدمهِ اليُمنى، نفس ذات القدم التي أصيبت فيها "رحيل"، فتماسك الرجل لئلا يسقط؛ لكنهُ صرخ متألمًا قبل أن ينهار على الأرضية، غير قادر على تحمل الألم، فأشار "هاشم" لبقية رجالهِ وهو يقول :
- أنا كده راضي.. شيلوه وهاتوله الدكتور يعالجه على حسابي وياخد أجازة مدفوعة.. مش عايز أشوف وشه اليومين دول.
بالفعل تكاتف زملائهِ لحملهِ عن الأرض بعدما بدأت الدماء تلوثّ المحيط من حوله، أما عنه فقد دسّ سلاحهِ في خِصرهِ مرة أخرى وعاد بإتجاه قصرهِ وهو يدندن بخفوت، ثم صعد إليها متشوقًا لسماع القصة كاملة منها، ماذا حدث وكيف أصيبت، كيف وصل الخبر لمسامع أهلها؟.. وما هو المصير الذي ينتظرها بعدما أصبحت استضـافتـهِ لها استضـافة جـبريـة.
*************************************
لم تنتظر "سعاد" عودة ابنها من الخارج لكي تقصّ عليه المصيبة التي طالت سمعتهم، وحادثتهُ وهو يقود سيارتهِ، فـ أخبرته عبر الهاتف كي تُشعل النار في رأسهِ وتزرع بداخله أشواكًا سامة لن يتخلص منها إلا بإستحالة دمائها :
- خــلاص يامــا انا كـده عرفت اللي فيها.. يبقى هو ده ابن الـ ×××× اللي خـدها امبارح بعربيته، مـش هسيبها ولا هــسيبـه ياما.. ياما كــفايـة أسئـلة.
ألقى بالهاتف من يدهِ وهو يسبّها ويلعنها، لتظهر تلك العربة الضخمة أمامه فجأة ومن العدم، ليضغط هو بكل قوة على البـوق وهو يصيح :
- يا بـهيـم ياللي سايق.. حد يقف في نص الشارع كـده؟!.
هبط من السيارة ثلاثة رجال، يحملون بأيديهم عصيان غليظة (شوم)، أحدهم بدأ في تهشيم زجاج السيارة والضرب بكل قوة على أبوابها ومقدمتها، والآخرين تهجموا عليه حتى أخرجوه من السيارة عنوة، لكي يضربوه بعنف ويلقنوه درس حياته. كانت مفاجأة غير متوقعة لـ "حسين" الذي تلقى أقسى الضربات بدون أن يتحصن ضدها وبدون أن يمتلك القدرة على صدّها، وقد كانت الأوامر واضحة، أن يبرحوه ضربًا ليوجعوه وليس ليقتلوه، وهم نفذوا الأوامر كما ينبغي أن تُنفـذ.....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ماذا إن آتاك ضيفًا غير مُرحب به؟!.. هل تعدّ الولائم لإستقبالهِ؛ أم تُعيدهُ ذليلًا مدحورًا؟!."
___________________________________
رغمًا عن الوجع المتفشي في أنحاء ساقها اليمنى، إلا إنه لا يساوي مشاعر الخوف والقلق التي سكنت بواطنها المرتعبة؛ فقيت مجبرة على انتظار الطبيب لكي ينتهي من فحص جرحها حتى تتمكن من استكمال حوارها الذي بقى ناقصًا مع "هاشم". أشاحت "رحيل" بوجهها للجانب الآخر لكي لا تنظر إلى جرحها الذي مازال حيّا، و كتمت آهه موجوعة وهي تشعر بأصابعهِ على جرحها. ازدردت ريقها وقد بدأت تتعرق بإفراط، وفجأة خرجت منها صرخة لم تقوَ على كتمانها؛ فـ اعتذر الطبيب على الفور :
- آسف جدًا يا مدام، خلاص طهرته وهقفل عليه وأسيبك ترتاحي.
من بين ضربات قلبها المندفعة المتسارعة كانت تقول :
- عايزة مسكن، مش قادرة أتحمل الوجع.
- حالًا هديكي حقنة هتريحك طول اليوم.
أنهى "مراد" مكالمتهِ، ثم صعد إليه لينقل له الخبر الحصري :
- كاميليا دفعت الكفالة وإجراءات خروجها بتخلص.
كان عاقدًا ساعديهِ أمام صدرهِ متحدثًا بفتور :
- وبعدين.. المحامي قالك إيه اللي هيحصل؟.
- قضيتها هتستمر عادي، وكمان بدأ في إجراءات رفع قضية حضانة عشان ليلى.
كان الطبيب يهبط على الدرج أثناء حديثهم، فتوقفا عند تلك النقطة واستقبله "هاشم" على أول الدرج ليُطلعه الطبيب على ما وصلت إليه حالتها بدون أن يسأله :
- هي كويسة دلوقتي، متقلقوش مفيش أي خطر عليها.. لكن ممكن حرارتها ترتفع شويه ودي حاجه طبيعية، أنا سيبت روشته مع ست حِراء بخافض حرارة هتديها منه وقت اللزوم فقط.. ومن بكرة هتيجي ممرضة تغيرلها على الجرح.
أشار "هاشم" لـ ابن عمهِ كي يرافق الطبيب للخارج :
- وصل الدكتور يا مراد وحاسبه.
وصعد إليها لمتابعة الحديث الذي بقى في منتصفهِ، ثم طرق الباب مرتين ولكن لم يأتيه الرد في حينها، فـ انتظر بضعة ثواني ثم كرر الطرق، ففتحت له "حِراء" ودعتهُ للدخول :
- أتفضل ياباشا.
ولج إليها فرأى ذلك الخوف المتشكل على ملامحها المذعورة، وهي تسأله بدون أي مقدمات :
- أنا مش فاهمه إزاي ده حصل؟.. يعني عمي عرف إني كنت عندك هنا؟.
ذمّ "هاشم" على شفتيهِ آسفًا وهو يجيبها :
- للأسف آه.
هي بالفعل خائفة، فلم يعد هناك شعور أكبر من ذلك لتحس به، شعرت بتقلصات معدتها وضيق صدرها، ولم تهتم أبدًا بألم ساقها وهي تحاول النهوض عن الفراش :
- كده المصيبة بقوا مصيبتين، أنا لازم أمشي من هنا.
دنى منها وهو يشير إليها لتتوقف عن الحركة :
- أستني يا هانم انتي رايحة فين وانتي في الحالة دي؟.
بالفعل وضعت قدمها على الأرض فلم تستطع مجابهة الألم الذي اشتد عليها فجأة، فتجمدت بجلستها وهي تقول :
- أي مكان بعيد عن هنا.. عمي وحسين مش هيسكتوا طالما عرفوا إني عندك، ده مش بعيد يقتلوني عشان يرتاحوا.
لم يمنع "هاشم" بعضًا من إنفعالاته من الظهور، فقد يجعلها ذلك تتوقف عن الهِراء الذي تريد فعله :
- رحـيل هـانـم.. أنا مش مـحتـاج أفـكرك إنهم فعلًا ضربوا عليكي نار وانتي مصابة دلوقتي.
اندفعت بالصياح فيه وقد بدأت عيناها تلمع ببوادر الدموع التي تكاد تفيض من عيناها :
- لو فضلت هنا المرة الجاية هتكون الرصاصة في دماغي.. حتى انت بقيت في خطر بسببي، مش بعيد يأذوك انت كمان!.
لم يتحمل "هاشم" سماع تلك الكلمات، وكأنها تستخف بقوتهِ في مواجهتهم، فـ زأر بصوتهِ بشكل لم تراه هي من قبل، كأنه وجه آخر تتعرف عليه الآن :
- انتي بتقـولي إيـه!؟.. أنا لو عـايز أخفس بعمك الأرض هو ونسله كله أنا هعمل كـده بكل سهولـة، شاوري انتي بس وانا أجيبهم راكعين عند رجلك.
انتبه أخيرًا إنه فقد ذلك الثبات المزيف أمامها، وإنها ترنو إليه ببعض الرهبه والغرابة، فـ طرد ذفيرًا حانقًا ليطرد عن نفسه الغضب، وفجأة تحول لنفس الهدوء الذي عرفته به، حيث جلس القرفصاء أمامها مستندًا بذراعهِ على طرف الفراش وهو يردف بخفوت :
- أنا آسـف .. بس انا خايف عليكي وانتي عايزة ترمي نفسك في النار عادي كده.
سحب منديل ورقي من على الكومود وناوله إياها وهو يتابع :
- انتي أمانة عندي يارحيل هانم، وأنا أكيد قد الأمانة دي.
مسحت عيناها بالمنديل وهي تستمع لكلماتهِ التي هدأتها قليلًا، حتى اعترف لها في نهاية الحديث، وهو ينهض ليقف أمامها من جديد :
- على فكرة مامتك كلمتني.. وقالتلي أخليكي هنا عندي ومسيبكيش تمشي مهما حصل.
اتسعت عيناها مذهولة من تصرّف والدتها، بينما تابع هو بنبرة آسفه :
- الحيوان عمك حبسها في أوضتها بعد ما عرف إنك هنا، يعني خروجك من القصر ده بقى مستحيل دلوقتي، على الأقل لحد ما نشوف القضية بتاعتك هتوصل لأيه.
فتح لها الغطاء لكي تندثر أسفله :
- ممكن ترتاحي دلوقتي ومتشليش هم حاجه.. أنا هنا جمبك.
بعث إليها بعض الطمأنينة، رغمًا عن الشعور المحجف الذي أصابها بأن شهادة وفاتها أصبحت مرتبطة بخروجها من هنا، وإنها أصبحت حبيسة القصر الذي لجأت إليها في ليلة مظلمة ليكون أمانها، ولم تدري هل سيكون سبيل النجاة أم طريق نحو الهاوية؟.
تحرجت من رفع ساقيها على الفراش أمامه، فـ ظلت على وضعيتها هكذا وهي تعفيه من لطفهِ الزائد :
- شكرًا، أتفضل انت وانا هنام شويه.
ترك الغطاء متفهمًا تحفّظها في المعاملة معه، بدون أن ينكر أن تلك الحدود المرسومة بينهم من قِبلها تروق له لسبب ما لا يعلمهُ، ثم أشار نحو الطعام الموضوع على الطاولة والذي لم تلمسه :
- طيب هسيبك ترتاحي.. بس لازم تاكلي عشان الأدوية اللي انتي بتاخديها تقيلة على معدتك، ألف سلامة عليكي يا هانم.
أومأت رأسها وهي ترد بإمتنان لصنيعهِ الخيِّر :
- تسلم يارب.
خرج وتركها بمفردها، فبدأ ضميرها يؤنبها لأنها لجأت للمكان الخاطئ من البداية، فسمحت لأولئك الظلمة بإستغلال ذلك ضدها، وقد يكون السيناريو الدائر في منزل آل طحان مختلف تمامًا عن التصوّر الذي في ذهنها، قد يكون الوضع أسوأ مما تظن وهي لا تعلم ذلك.
***************************************
خرجت "كاميليا" من مديرية الأمن بعدما انتهت إجراءات الإفراج عنها بضمان محلّ إقامتها، فكانت "هداية" في انتظارها بتلهفٍ ولوعة، وعانقتها ما أن رأتها تخرج سالمة أمامها :
- حمدالله على سلامتك يا كاميليا.. أنا كنت مرعوبة أحسن متخرجيش بكفالة.
أحست "كاميليا" بأرهاق عام تمكن من بدنها كله، گالتي ستفقد وعيها لا محالة بعد قضاء أسوأ أيام حياتها :
- ماما عايزة أروح البيت بأسرع ما يمكن.. حاسه إني هموت من التعب.
- بعد الشر.. تعالي أركبي يلا.
ثم نظرت للمحامي الذي كان برفقتها لتقول :
- معلش يامتر هنتكلم بعدين.
- أتفضلوا يامدام هداية.. حمدالله على سلامتها.
ركبت "كاميليا" سيارة والدتها، فأنفجرت بالبكاء الذي كانت تكتمه لأيام طويلة، كأن الأحزان تزاحمت عليها وقررت الظهور فجأة. تضايقت "هداية" وهي تراها على ذلك الحال، فربتت عليها تواسيها :
- أهدي يا كاميليا.. كل حاجه ليها حلّ ان شاء الله يابنتي.
مسحت "كاميليا" وجهها بالمناديل وهي تهتف بنبرة أشبه للصراخ :
- الحيوان معاه دليل برائتي ورفض يساعدني ياماما!.. أنا لو عدوته مكنش عمل معايا كده.
طفت معالم الغضب على وجه "هداية" لترد بـ :
- عشان حيوان.. مش بعيد يكون هو اللي عمل كده عشان يجبرك ترجعيله.
أومأت "كاميليا "رأسها بالنفي :
- هو مش عايز نرجع .. هو عايز ياخد بنتي مني، بنتي اللي ليا فيها أكتر منه ١٠٠ مرة.
تنهدت "هداية" وهي تفكر في حلّ للأزمة التي تعرضت إليها ابنتها، ومازالت متشككة فيه هو دونًا عن غيره :
- مش بعيد يكون هو اللي ورا الكارثة دي، هو اللي بدل الأجهزة عشان في التحقيقات والمطابقة تطلع مش مظبوطة واحنا اللي نلبس القضية.
برقت عينا "كاميليا" غير قادرة على استيعاب صدق ذلك الإحتمال، أيعقل أن يكون زوجها السابق هو المُدبر الأساسي لحادث سرقة الأجهزة والمعدات الأصلية ذات المواصفات العالمية من مركزها الطبي وتبديلها بأخرى فاسدة؟!.. هل وصل به الجنون لإرتكاب جريمة گهذه في حق أم ابنتهِ الوحيدة ؟ وهل تستحق أن توُصم بتلك الوصمة لمجرد إنها اختارت حقها الشرعي في الإنفصال عنه والإلتفات لحياتها؟!.
التفكير في الأمر كان قاسيًا على مشاعرها المنهكة، مؤديًا بها للتفكير في تبعات أفعاله ضدها، والتي لن تكون متسامحة على الإطلاق.
***************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كانت صرخاتهِ مسموعة في المنزل كله، وهو يعاني آلامًا مبرحة في عظامهِ، لاسيما ساقهِ التي أصيبت بشرخ وأضطر لوضعها بالجبس. مدد "حسين" على فراشهِ عاجزًا عن التحرك يمينًا أو يسارًا، فـ كل حركة تصدر منه تسبب ألمًا في موضع مختلف بجسدهِ، في حين كانت "منال" في غرفتها تستمع لصوتهِ وهي في حالة تشفّي وشماتة، فقد ردّ له الله ما فعله بها اليوم التالي على الفور مما برّد قلبها قليلًا. دخلت إليها "هدير" وعلامات التأثر الحزين جليّة على وجهها، وسألتها بصوتها المتحشرج:
- جرى إيه يا منال مش هتيجي تطمني على حسين؟.. البلطجية اللي طلعوا عليه بهدلوه وأعدموه العافية!.
لم تتحرك "منال" من مكانها قيد أنملة، ووجهها ممتلئ بتعابير الفتور واللامبالاه وهي تجيبها :
- لأ مش عايزة.. اللهي يعدم عافيته أكتر وأكتر إن شالله.
ضربت "هدير" على صدرها وقد أصابت الدعوة صميمها العاشق لـ زوجها :
- أخس عليكي يا منال بعد الشر.. ليه كل ده!؟.
كشفت "منال" عن ذراعها وهي تهتف بعصبية :
- تعالي أوريكي ليه ياختي.. تعالي أتفرجي على جسمي واللي عمله فيه ابن سعاد.
ذمّت "هدير" على شفتيها بأسف وهي ترى آثار الضرب الوحشي الذي تلقتهُ ضرّتها لأنها أرادت فقط الحفاظ على زوجها وبيتها، ثم اقتربت منها وقد خفت صوتها قليلًا :
- بس جدعة يا منال والله.. اللي عملتيه مكنش حد يقدر يعمله غيرك.
تبينت نبرة التحدي في صوتها وهي تعلنها صراحةً إنها لن تسأم :
- ولـسه.. لو الجوازة دي قامت يبقى على جثتي.
ربتت "سعاد" على كتفهِ كي يكفّ عن الصراخ، وقلبها يتمزق مع سماع صوت آهاتهِ الموجوعة :
- معلش يا ضنايا.. اللهي يولعوا بجاز كلهم.
ثم نظرت إلى "حمدي" تستحثهُ على ضرورة الرد السريع والفوري على هجوم ذلك الرجل على ولدهم :
- هتعمل إيه ياحج؟.. الراجل ده لو راجع يرازي فينا تاني مش هنخلص، بقى هو من ناحية وعيلة حبشي من ناحية.
كان الغيظ يغلي رأسه گالبركان المحموم، ولم يعنيه في كل ذلك إلا أن إبنة أخيه تقطن لديه، متجاهلة عائلتها والبلدة التي تعيش فيها، متجاهلة زوجها المتوفى حديثًا، متجاهلة أهلها الذين سيفتكون بها لا محالة. كان يتطلع لولده الذي أصيب بالضربة الأولى من "العزيزي" وداخلهِ حسرة مخلوطة بشعور الغضب العارم، يريد وبشدة لو يسلّط عليه طيورهِ فتنهش في رأسه حيًا حتى الموت، أو أن يذيقهُ من العذاب أشكالًا وألوان قبل أن يلقي بلسانه الشهادة.
من بين آلام ضلوعهِ وعظامهِ تشنج "حسين" في فراشهِ، وأكثر ما يؤلمه هو ما لقاه بسبب إبنة عمهِ العاصية التي اختارت الإنشقاق عن العائلة والتخلّف عن عاداتها وأعرافها :
- بنت الـ ×××× بتهرب مننا وتروح للـ ××××.. فاكراه هينقذها الحيوان ده.. لازم تجيبها لحد هنا من شعرها يابا، البت دي لازم تموت وتدفن مع عارها.
أيّدت "سعاد" قرار ابنها بشدة :
- صح.. كلام حسين صح ياحج، أني خلاص مبقش عايزاها ولا هي ولا أمها ولا يشرفني ابني يعقد عليها، والموضوع ده لازم يتنهي الليلة.
كان يسمع بدون أن يرد، والكلمات تترنح في ذهنه بالتفكير فيها، حتى تحرك من وقفته تلك وخرج من الغرفة، عاقدًا العزم على ردّ الأمانة لمكانها الصحيح أولًا، ثم النظر في العقاب الذي تستحقهُ، هل سيرحمها أم سيجتث روحها من الجذور؟!.
************************************
كان يتناول طعام الغداء بجانب ابن عمهِ، حينما دار بينهم الحوار عما حدث صبيحة اليوم، وكيف استرد له "هاشم" اعتباره في أقل من الأربعة وعشرون ساعة. فُتحت شهيتهِ وتناول الطعام بأريحية شديدة وهو يقول :
- يعني دلوقتي هما فاهمين إنك أنت اللي أخدتها من هناك مش أنا ؟
- بالظبط.
- واحد ياابن عمي، المهم هتعمل إيه بعد مكالمة الست جليلة.
مضغ "هاشم" الطعام بين أسنانهِ وهو يترك شوكتهِ جانبًا، ثم مسح على فمه وهو يقول :
- لسه بقلبها في دماغي.. بس بيتهيألي الست دي كمان محتاجة مساعدة زيها زي بنتها، دول واخدينها رهينة لحد ما البنت ترجع متخيل!.
نهض "هاشم" عن جلستهِ وقد اكفهر وجهه وهو يقول :
- شويه رعاع وجهله.. فاكرين نفسهم لسه عايشين في عصر الخديوي، بس انا مش هسيبهم.
استند "هاشم" بذراعيهِ على ظهر المقعد وقد لمعت عيناه بتحفزٍ وهو يسأله :
- عارف الأرض اللي عيني عليها تبقى بتاعت مين؟.
ترك "مراد" طعامهِ وقد اندفع الأدرينالين في عروقهِ بعدما لمّح له "هاشم" بتلك الكلمات :
- متقولش!.
ابتسم "هاشم" بسمةٍ أبرزت نواجذهِ الوسيمة :
- زي ما فهمت كده.. بتاعت رحيل وأمها من أبوهم، يعني حمدي لا يملك فيها قرار من الأصل.
فهم "مراد" بدون يتابع حديثه ما انتوى على فعلهِ بالتحديد بدون أن يحتاج لتصريح واضح بذلك :
- ونويت تاخد الأرض إزاي وأمتى ؟.
شعور بالنشوة المبكرة أصاب "هاشم"، جعلهُ يفقد السيطرة على كبح جماح طموحهِ الأعمى :
- أحلى حاجه فيك إنك فاهمني يا مراد حتى من غير ما أتكلم.
دخلت "حِراء" عليهم بعدما طرقت على الباب، فـ التفت إليها "هاشم" كي يستمع ما أتت للبوح به :
- الضيفة حالتها مش ولا بد خالص.. حرارتها نار وعمالة تخرف بالكلام وهي نايمة وتنادي على أمها.. صعبانه عليا ياهاشم بيه بالله تلاقي حلّ.
تنهد "هاشم" وهو يخطو بخطواتهِ نحو الباب ومنه إلى الدرج، صعد إليها بدون أن يفكر في الإستئذان قبل الدخول عليها، فـ رأى حجابها المتساقط عن شعرها ووجهها الذي بدا واضحًا أكثر من قبل، قطرات الندى المنتشرة على جبهتها وعيناها التي ترجف وكأنها ترى كابوسًا في نومها. التفت لـ "حِراء" وسألها :
- خدت العلاج أمتى؟.
- ييجي من نص ساعة كده.
رمقها "هاشم" شزرًا، حريصًا على أن تكون نبرتهِ خافتة لئلا تستيقظ :
- انتي بتهرجي؟؟.. المفروض كانت تاخده من الصبح إيه اللي قعدك لحد دلوقتي!.
انكمشت "حِراء" على نفسها وهي تجيبه، مطأطأة الرأس :
- مكلتش حاجه طول اليوم وخوفت العلاج يهبطها.
صوت رنين هاتفي خفيض، جعله ينظر من حولهِ باحثًا عن المصدر، حتى وجدهُ آتيًا من أسفلها، فأشار إليها لكي تحضره إليه :
- شوفي كده التليفون فين!.. تحت الغطا ولا تحت منها.
بحثت "حِراء" بدون أن تكشف الغطاء، فوجدتهُ بالفعل أسفل ذراعها، فناولته إياه :
- رقم غريب بيتصل.
أجاب "هاشم" على المكالمة الواردة بدون أن ينطق بكلمة، فقط يستمع للطرف الآخر، فآتاه الرد بصوت نسائي حازم وصارم :
- أخيرًا رديتي يا ××××.. وحياة أمك اللي مرمية فوق دي لأطلع روحك يا رحيل، دم ابني لسه منشفش وانتي رايحة تـ ×××× عند الـ ××××.. أوعي تفتكري عمك هيسكت ويسيبك ماشية على حلّ شعرك.. ده هياخد روحك.
كتم "هاشم" الصوت وظل يستمع لتهديداتها بدون أدنى رد فعل، بينما الأخرى تهدد وتتوعد بالمزيد من الكلمات والألفاظ النابية :
- طبعًا مش بتردي.. هتردي تقولي إيه على المصيبة اللي عملتيها، خليتي راسنا كلنا في الطين و......
أغلق "هاشم" المكالمة وخرج من الغرفة، ثم فكر مليًا فيما يستطيع فعله لتطوير دائرة الصراع بينه وبين تلك العائلة التي يبغضها، ما الذي يقدر عليه بحجة إنقاذ "رحيل"، وفي بواطن الأمر يختفي ما هو أعظم!..
هبط "هاشم" وخرج من باب القصر وهو ينظر للأسوار التي تحجبهُ عن العالم القروي الخارجي، وفي عقله مئات الأفكار حول ما يحرضّ به شيطانهِ من ردود أفعال قد تكون جنونية ولا تليق بدوافعهِ الضعيفة من نصرة المظلوم وإنقاذهِ!.
نظر "هاشم" في ساعتهِ قبل أن يشير لأحد رجاله، وخلال ثواني كان يقف بين يديهِ يعطيه أوامرهِ :
- جهزلي عربية وخلي الرجالة ييجوا معانا بعربية تانية.. عندنا مشوار لبيت طحان.
أتى "مراد" من خلفه وهو يستمع للكلمة الأخيرة، فتجهمت تعابيره وهو يسأله حول سبب ذلك القرار المفاجئ :
- ده ليه ياهاشم؟.. ليه دلوقتي؟.
أشار "هاشم" لرجلهِ فـ انصرف ليُلبي أوامرهِ، بينما كان يجيب "هاشم" بجوابه المثالي گالعادة :
- الست جليلة في زنقة ومحتاجة مساعدتنا يا مراد.. وبعدين لازم تيجي تراعي بنتها وتمرضّها بنفسها.
أبواق عالية للعديد من السيارات أمام بوابات القصر العالية، وأصوات لأناس كثيرة بالخارج وكأنها فوضى وانتشرت أمام بيتهِ، ومن بينهم ذلك الصوت الجهوري الذي يصيح :
- أفـتح يا هــاشم.. أنا حــمدي الطـحان.. أفــتح.
تقدّم "مراد" بخطواتهِ وهو يقول :
- أهـو جـالـك بنفـسهُ.
وضع "هاشم" يداه في جيب سروالهِ وهو يقول :
- ياألف أهلًا وسهلًا....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"هل سمعت يومًا عن اللُطف المسموم؟!."
__________________________________
كانت البوابات الإلكترونية تنفتح أمامهِ ببطء رتيب، في حين كان صدرهِ گكتلة مُسعّرة من النار، وعيناه تُطلق شررًا غاضبة تكاد تفتك من يعترض طريقهِ. فجأة ترآى له "هاشم" واقفًا خلف البوابة ينتظر لُقياه، فاتحًا إليه ذراعيهِ بترحيب غير متوقع :
- أهلًا ياحج.. نورت والله.
لم يأخذهُ "حمدي" على محمل الجد، ولم يكن استقبال "هاشم" الزائف رادعًا لثورتهِ الطائشة، فدخل عبر البوابة مقتحمًا، وأثناء ذلك دفع بـ "هاشم" دون أن يحذر من جنون الأخير :
- وسـع من طـريقي ياواد العـزيـزي.
لم يتدخل "هاشم" حينما أوقفهُ الحرس بطريقة مهينة، جِراء تعديهِ المُسبق على سيدهم، فـ اتقد الغضب بين ضلوعهِ أكثر وهو يحاول الفكاك من بينهم بمساعدة رجالهِ الذي أتوا معه، فبدا الأمر وكأنه سيتحول لمعركة كبيرة :
- عيب يا حج لما تتهجم على بيوت الناس بالشكل ده انت مش صغير!.
توحّد الرجال صفًا في مواجهة الجيش الذي جمعه "حمدي" من الرجال، والذين تألفوا من خمسة عشر رجلًا، فأشار "هاشم" لرجاله بالإبتعاد وهو يهتف بـ :
- جاي عايز إيه يا حـج؟؟.. مش قولنا كل واحد في حاله!.
أفصح "حمدي" عن سبب وجوده بداخل الحصن الذي حُرّم عليه دخوله من قبل :
- مش مكسوف من نفسك!! بنتنا فين يا قليل الأصل؟.. وبتعمل إيه عندك هنا؟!.
بنفس النبرة الهادئة الرزينة والتي خالجها بعضًا من الحزم مع نظرات الجدية المعروف بها :
- طلبت حمايتي وانا إديتهالها.. عندك مانع؟.
تقدم منه "حمدي" خطوة وقد غلت الدماء في عروقهِ، فـ تقدم "هاشم" خطوتين حتى أصبحت المسافة الفاصلة بينهم متقلصة للغاية:
- بأي حق ياعديم الأصل؟.. بتفرض علينا حمايتك لـيه يا هاشـم ما تسـيبنا في حـالنـا!.
رمقهُ "هاشم" بنظرات حملت بعضًا من الإستخفاف وهو يقول :
- وانا هحميك انت ليه!.. أنا بحمي الهانم الصغيرة اللي ملقتش في بيتك أوضة تساعها.
كادت يداه تقبض على ياقتهِ، لولا إنه أمسك بكلتا يديهِ بقبضتين محكمتين وعيناه گالصقر الجارح:
- أوعى تعملها تاني.. المرة دي إيدك هترجع من غير صوابعها ياحج.
منع رجال "هاشم" أيًا من الآخرين من التدخل بينهما، وشكّلوا حاجزًا معيقًا أمامهم، تاركين الوضع خلفهم يتطور لما هو غير متوقع :
- شكلك حنيت لأيام الدم من تاني ولا ايه!.. سلمني البت بدل ما أطربق عليك البيت باللي فيه.
فصاح "هاشم" في وجهه دون أن يأبه بشئ :
- أعلى ما في خيلك أركبه ياطحان، بس حاسب لتقع من عليه.. ملكش عندي حاجه.
استل "حمدي" سلاحهِ المعمر بالرصاص من جيب جلبابهِ الأزرق، وأشهرهُ في وجهه ونظرات عيناه كأنها تدق طبول الحرب من جديد :
- يبقى اللي بيتقال صح!!.. غويت البت اللي مكملتش حتى عدتها وعامل فيها حامي الحمى!، أنا هشرب من دمك ودمها قبل منك.
صوت صافرة سيارة الشرطة الآتي من مسافة بعيدة أوقف "حمدي" عن تنفيذ تهديدهِ؛ ولكن عيناه مازالت تُطالع ذلك التحدي المرسوم على وجه غريمهِ، وكأنها تعابير زهوة الإنتصار الذي لم يتحقق بعد. دنى "مراد" من وقفتهم تلك، وحثّ "حمدي" على التراجع قبل أن يندم على جرأته تلك الغير مبررة :
- نزل سلاحك يا حج.. الشرطة داخلة علينا وانت مش ناقص قضية تانية.
ابتسم "هاشم" كثيرًا استفزازهِ بتعمدٍ :
- قصدك قضية تالتة يامراد.
تدخل أفراد الشرطة لفضّ التجمع المريب أمام البوابة من الداخل، حينما كان "حمدي" يعيد سلاحهِ بجيبه قائلًا :
- مش دي آخرها ياهاشم.
-هات آخرك ياحج.
دخل الشرطي بينهما موزعًا أنظاره عليهم قبل أن يقول :
- إيه اللي بيحصل هنا ده!.
ثم وجه حديثهِ لـ "حمدي" قائلًا :
- في إيه حج حمدي؟.. هو اللي حصل من كام شهر مع عيلة حبشي جاي هنا تكرره ولا إيه؟؟.
أشاح "حمدي" بوجههِ بعيدًا وهو يقول :
- الراجل ده خاطف مرات ولدي يا باشا.. وانا جاي آخدها بالحسنة.
نفى "هاشم" صحة ما قيل للتو :
- محصلش.. هو اللي جاي يرمي بلاه علينا ومش عارف يلم حرمة بيته أنا ذنبي إيه!.
- أخــرس...
قالها "حمدي" وهو يرفع يدهِ عاليًا، فأمسك "مراد" بيدهِ وقد تطاير الشر من عينيه :
- هي هبّت منك ولا إيه ياعم!!..
سحبه الشرطي جانبًا بيدّ غليظة بعض الشئ :
- حج حمدي متجبرنيش آخدك معايا القسم.
انتهز "هاشم" تلك الفرصة التي سنحت له لكي يُدينه:
- أنا عايز أثبت الكلام ده في محضر رسمي.
كان "حمدي" قد وصل لذروة اهتياجهِ بالفعل :
- أدخل فتش ياباشا وانت تلاقيها جوه.. ولو جيبتهالي انا هاخدها وامشي.
جادلهُ الشرطي وفقًا لنصوص القانون لعل ذلك يقنعه :
- مينفعش ياحج حمدي.. لازم أذن نيابة عشان أقدر أفتش المكان..غير كده بشمهندس هاشم حقه يقاضيك.
أشار له الشرطي للإبتعاد عن محيط القصر و :
- من فضلك مش عايزين نسبب مشاكل انت في غنى عنها.
توقف "حمدي" في مكانه يأبى التحرك بدون اصطحاب زوجة ابنه الفقيد :
- مش هتحرك من هنا قبل ما آخد بنت أخويا معايا ياباشا.
- يبقى تروح تعمل محضر وأذن النيابة هو اللي هيمكنك من تفتيش المكان.. غير كده مقدرش أساعدك.. أتفضل ياحج.
تبادل كلاهما النظرات التي حملت كثير من المعاني المتوعدة المهددة كلٍ على طريقتهِ، و "حمدي" مستثقلًا أن يخطو خطوة واحدة للخارج بدون أن يصحب إبنة أخيه، بعدما لثّنت عليها كل الألسن بالبلدة وأصبحت حديث الصباح والمساء لكل من يمتلك لسان. أحس وكأن العار ثوبًا متلفحًا به يسوّد وجههِ ويُندّي جبينهِ، وحرارة جسدهِ المرتفعة تكاد تحرق من يلمسه بعدما تفاقم الغضب وتفشّى بكل أعضائهِ. نظر للرجال الذين حشدهم معه بنظرات منكسرة مهزومة، لا يقوَ على رفع طرفهِ بشموخٍ كما اعتاد، وكأن تلك الشوكة التي غرستها "رحيل" في ظهر عمّها سيعيش بها طيلة عمرهِ.
خرج "حمدي" رغمًا عنه منصاعًا للأمر الحكومي الذي ردعه في الوقت المناسب قبل أن يرتكب أي حماقة جديدة تُسجل ضدهِ بعد مذبحة آل الحبشي التي ضاع فيها خمس رجال من العائلتين فـ بات الثأر محتومًا بينهما، حينما راقب "هاشم" انصرافه ورجالهِ وهم يجرون ذيول الخيبة من خلفهم، ونظرات الإنتصار تلوح في الأفق، گالطائرة التي خرجت لتُشهر أعلام الدولة المنتصرة على الدولة المهزومة، ولم يمنع نفسه من السؤال بدون أن يحرك ساكنًا :
- إنت اللي طلبت الشرطة؟.
كتّف "مراد" ذراعيهِ خلف ظهرهِ وأخذ وضعية الدفاع عن نفسه قبل أن يُدينه "هاشم" لفعلتهِ المفاجئة :
- آه انا.. مكنش ينفع أستنى حمدي يبدأ بالفعل وانت ترد الصاع صاعين، ده مش وقت صراعات يا هاشم.
فكان الرد مفاجئ بالنسبة له :
- خير ما عملت.. أنا كمان مش فاضي لصراع تاني.
والتفت عائدًا للقصر، وعقله منشغلًا بكيفية صدّ "حمدي" وعائلتهِ وإبعادهم عن الطريق الذي يودّ أن يسلكه. صعد إليها كي يرى بعينهِ تطور الحالة الصحية لها بعدما وصلت حرارتها لتسع وثلاثون ونصف درجة، فرآها قد أفاقت من نومتها وبدأت تنسى هلاوسها لتسأله بوضوح :
- عمي كان هنا بجد؟.
أومأ رأسه بالإيجاب، متعمدًا الإشارة لخطورة الموضوع :
- عمك بيعتبرك دلوقتي خاينة للعيلة يارحيل.. انتي لازم تنسي الرجوع لهناك مهما حصل.
ثقل جسدها وطاقتها المستنزفة منعتها من الإعتدال في جلستها، رغمًا عن محاولتها للصمود أمام ذلك الألم اللعين:
- طب وأمي؟.. دول ظلمة وممكن يـ.....
قاطعها بدورهِ مفصحًا عن نيته الخاصة بهذا الأمر :
- هجيبها لك لحد هنا.
أحست بالحرج منه، وطأطأت رأسها في خجلٍ من ذلك الغريب الذي أمطرها برعايتهِ وحمايتهِ دون أن يطلب المقابل لذلك :
- كده كتير والله.. انا حملتك حاجات انت مش ملزم بيها!.
ابتسم بتوددٍ وهو يقطع خطوتين للقرب منها ليقول :
- متقوليش كده ياهانم.. أنا تحت الأمر دايمًا، المهم ترتاحي لحد ما تكوني بخير.
أشار للخادمة "عبير" التي كانت تقف على مقربة منها و :
- سيبي الهانم ترتاح وتنام، وأبقي اطمني عليها من وقت للتاني.
- من عنيا.
وأخذت خطواتهِ في التراجع وهو يقول :
- تصبحي على خير.
- وانت من أهله.
بقيت وحيدة في الغرفة، فـ سمحت لنفسها بالبكاء لكي تُنفث عن تلك الطاقة المكبوتة بداخلها، وهي تهمس لنفسها بتحسرٍ :
- الله يرحمك ياحسن.. لو كنت عايش مكنش حد أتجرأ وعمل معايا كل ده!.
زحفت على الفراش حتى بلغت طرفهِ، وسحبت منديل ورقي لكي تجفف وجهها ومازالت تتابع :
- أعمل إيه ياربي!.. انت شاهد إني معملتش حاجه تغضبك مني.. دبرها من عندك يارب أنا مبقتش قادرة على كل ده.
وأرخت رأسها على الوسادة وهي تحس تلك السخونة المنبعثة من جوفها :
- يارب هوّن يارب.
**************************************
لقد طالت مدة انتظارهِ لها لما يزيد عن نصف ساعة، حتى أعتقد إنها لن تأتي لموعدهم. نظر في ساعتهِ وهو يبعد نظارة الشمس عن عيناه، ثم تأفف وهو يهمس بـ :
- مش عادتك تتأخري كل ده يا كاميليا!.
وضع النادل القهوة الثانية على التوالي أعلى المنضدة، ثم سأله :
- تؤمر بحاجه تانية يا دكتور؟.
- لأ شكرًا.
لحظات وكانت تأتي من خلفهِ، فوقف ليصافحها أولًا والقلق باديًا على وجهه :
- أتأخرتي كده ليه يا كاميليا؟.. قلقتيني عليكي.
صافحتهُ بطريقة روتينية بحتة، ثم جلست والإرهاق متجليًا على وجهها :
- معلش الطريق مكنش ألطف حاجه يارمزي.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- أنا استغربت لما وافقتي نتقابل في النادي!.. مش ده المكان اللي كنتي بترفضي دايمًا نتقابل فيه!؟.
تنهدت "كاميليا" بنفاذ صبر، كأنه لا تطيق التحدث من الأساس :
- الوضع اختلف يا رمزي.. أنا ست مطلقة دلوقتي مش متجوزة زي الأول، طبيعي هقابل ناس وأقعد معاهم من غير ما احتاج أبرر نفسي لحد.
قطب "رمزي" جبينهِ متعجبًا من لهجتها المتغيرة معه، وسألها مباشرة وبدون أي التواء :
- طالما الوضع خلاص اتغير انتي متغيرة معايا ليه يا كاميليا؟.. أنا حتى لما جيتلك النيابة رفضتي تتكلمي معايا؟.
تجمعت الدموع في مقلتيها، وبدأت تفقد بقايا الثبات الذي حافظت عليه بعزيمة طيلة الأيام الماضية :
- المفروض أعمل إيه وانا بنتي مخطوفة مني يارمزي؟؟.. واتضح كمان إن أبوها هو اللي عمل فيا كل ده لمجرد إني طلبت حريتي منه.. أنا مش قادرة استوعب إنه طلع حيوان كده.
تشكلت تعابير البغض على وجه "رمزي" فجأة، وسألها بجدية بعيدة تمامًا عن نبرة اللين التي كان يتحدث بها منذ لحظات :
- انتي متأكدة إن طليقك هو اللي وقعك في المغرز ده؟؟.
أومأت رأسها بالإيجاب وهي ترد بـ :
- للأسف آه.. أبو بنتي مرحمنيش ولا رحم بنتي.. ده كمان رهن مساعدتهُ ليا بإني أتنازل عن حضانة البنت!، أنا لازم آخد ليلى مقدرش أعيش وهي بعيد عني.
ربت على كفها وهو ينظر للناس من حوله :
- طب أهدي الناس كده هتتفرج علينا.
مسحت وجهها وهي تنظر إليه، ثم سألته متشككة من السبب الحقيقي وراء عداء "هاشم" المفاجئ لها :
- تفتكر عرف اللي بينا عشان كده عمل كل ده؟!.
انتفخت عينا "رمزي" لتلميحها الذي لم يروق له، وبدأت عصبيتهِ تظهر على وجهه وهو يقول :
- هو إيه اللي بينا!.. ده انتي رفضتي تكلميني حتى كصديق في المهنة ورهنتي علاقتنا اللي لسه مبدأتش بطلاقك من الراجل ده!.. أوعي تحمّلي نفسك وتحمّليني وزر الخيانة يا كاميليا!، إحنا مجرد أتنين بينهم مشاعر بريئة ورفضوا إنها تفضل في الضلمة.
لم تستطع كلماتهِ تهدئتها من حالة الحزن التي تقمصتها جيدًا، فـ تهدلت أكتافهِ متضايقًا لحزنها وتابع :
- متقلقيش أنا هفضل جمبك ياكاميليا، حتى لو اضطريت أتواجه مع الإنسان ده عشان ناخد منه البنت هعمل كده.
فزعت فجأة، وأوقفت تلك الفكرة المجنونة من السيطرة عليه لئلا يتدخل في الأمر :
- لأ أوعى تعمل كده.. هاشم لو عرف إن في حد ممكن يدخل حياتي بعده مش هيخليني أشوف ليلى تاني.. أنا عرفاه كويس دماغه ناشفة وهيعاند معايا أكتر.
تأفف "رمزي" وهو يشيح بوجههِ للجانب الآخر، غير راضي عن ذلك الضعف التي تمكن منها، بينما هي شخص غير ذلك الذي تبدو عليه :
- من أمتى بتخافي منه كده!.. مين ده أصلًا عشان نعمل لزعله حساب!؟.. ما يغور في ستين داهيه مش خلاص طلقك وخلصنا!.. أنا زهقت!.. لسه عايزاني أستخبى تاني يا كاميليا؟!.
فـ انفعلت بدورها وكل ما يشغل عقلها الآن هو ابنتها العزيزة التي افتقدتها :
- آخد بنتي الأول يا رمـزي.. بنتي قبل أي حاجه.
ثم وقفت عن مجلسها وقد ضاقت ذرعًا من تلك المناقشة الغير مجدية :
- بنتي قبلك انت شخصيًا.. ولو هي مش موجودة أنا كمان مش موجودة.
وقف يمنع ذهابها بتلك الطريقة معترضًا طريقها :
- أنا مش رافض ليلى بالعكس.. أنا عايزاها معانا لأنها حتة منك انتي كمان.
لم تتراجع عن رغبتها بالإنصراف، بل أصرّت عليها قائلة :
- يبقى لما نحل موضوع ليلى نشوف موضوعنا يارمزي.. عن أذنك أنا أعصابي تعبانة جدًا ومش قادرة أتعامل مع أي حد.
وذهبت في طريقها لتتركهُ يتخبطّ يمينًا ويسارًا بتحيرٍ، هل فعلًا أحبتهُ أم رأت فيه انتقاصها الذي عاشتهُ مع زوجها السابق؟.. هل هو الرجل الذي تنشدهُ أم أن احتياجها هيأ لها ذلك؟.. وما هو الوضع الذي سيبقى فيه هو بعدما سقط صريع حُب إمرأة مطلقة مازالت رحلتها في الشقاء مع طليقها طويلة؟.. أيتحمل في سبيل الحُب؛ أم أن نيران الغيرة ستأكل ما بينهما من جذور ما زالت غير متجذرة بأرض لم تجمعهم بعد؟.
***************************************
كان دخولهِ للمقر الجديد في زيارتهِ الأولى له مشهد مثير لإنتباه الجميع، حيث شهد الوسط كله آخر معركة كانت بينهما، وانتشرت الأخبار حول المشاكل الدائرة بينهما على الأرث المملوك لـ "هاشم" من الأساس.
جلس "سعد" على المقعد الجلدي المقابل لمكتب السكرتارية ونظراتهِ تشعّ بالغرور، ثم هتف بـ :
- بلغي مديرك إني هنا.. عايز أقابله.
ذمّت "راندا" على شفتيها بأسف وهي تجيب :
- بشمهندس هاشم مش موجود للأسف.
طرق "سعد" بأصابعهِ على سطح المكتب وهو ينظر إليها بنظرات مريبة، وكأنما يستكشف إمارات الكذب على وجه الموظفة البشوش، ثم أخرج هاتفهِ وبدأ بكتابة رسالة نصية فحواها :
"ابن أخوكي بيتهرب مننا..
عايز ياكل حقنا زي ما أبوه عملها زمان."
ثم أغلق الهاتف ونهض عن مكانه وهو يقول :
- بلغيه إني جيت بنفسي.. وإن المرة الجاية مش هاجي تاني.
أومأت "راندا" رأسها بتفهمٍ :
- تحت أمرك.. هبلغه.
التفت ليغادر، فأمسكت "راندا" بهاتفها لتتحادث فيه :
- ألو.. صباح الخير يامستر مراد.. أستاذ سعد كان هنا عندي ولسه ماشي حالًا، بالظبط سأل عن البشمهندس.. حاضر.. حاضر يافندم، سـلام.
تنهدت "راندا" وهي تهمس بـ :
- صحيح عيلة مشاكلها مبتخلصش!.
***************************************
كان جالسًا برفقتها على المائدة، وبناء على رغبتها وضع "هاشم" قطع الكيك الأسفنجي على طبق التقديم بنفسه، ثم وضع أعلاه الغطاء كما طلبت صغيرتهِ "ليلى" وهو يردف بـ :
- أديني حطيت الكيك في الطبق وغطيته.. ممكن أعرف ليلى هانم بتجهز الطبق الحلو ده لمين؟.
مدّت "ليلى" يديها الصغيرتين له وهي تجيب :
- أنا رايحة أشوف رحيل وهديها الكيك ده تاكله عشان تخف بسرعة.. المريض لازم ياكل كويس عشان يخف، مامي قالت كده لنينه.
ابتسم "هاشم" بعفوية وهو يرى نبتتهِ الحنونة وهي تمارس برائتها الطفولية، ثم أردف بـ :
- شاطرة يالوليتا.. بس انتي مش هتعرفي تطلعي السلم لوحدك بالطبق ده.
- ممكن انت تطلع معايا؟.
- ممكن طبعًا.. بس خلينا نبعت عبير الأول تشوفها صاحية ولا نايمة.
ناولته الطبق لكي يحمله عنها وهي تقول :
- لأ انا اللي هطلع أشوفها وآجي أقولك على طول.. خليك مستنيني.
وركضت گالفراشة الخفيفة لكي تلحق بها وتتلقى الخبر بنفسها، أهي مستيقظة أم غلبها النعاس؟.
عاد "مراد" للمائدة كي يشاركهم الأفطار، فأول ما سأله "هاشم" كان :
- عايزة إيه راندا؟.
سكب "مراد" الشاي لنفسهِ وهو يجيب :
- عمي راح الشركة وعايز يشوفك.
تغيرت تعابيرهِ من الإشراقة لأخرى متجهمة وهو يهتف بحزمٍ خالطهُ الإنفعال :
- إحنا مش هنخلص من الموال ده ولا إيه؟؟.. ما قولنا اللي مش عاجبه يخبط دماغه في الحيط.
ثم نهض عن جلسته وهو يختتم كلماته بالقرار الذي لطالما صرّح به مسبقًا :
- مش هدفع جنيه ولا لعمك ولا لعمتك.. هما ملهمش في الشركة ولا هيقاسمونا فيها.
- سيبك منهم.. أهي محاولات فارغة.
عادت "حِراء" من الخارج، ومعها البُشرى التي ستزفّها لسيدّها، بعدما نفذت ما أمرها به صبيحة اليوم، فدخلت إليهم بغرفة المائدة لتقول :
- صباح الفل ياباشا.
تأهبت تعابير "هاشم" لإستقبال الخبر متشوقًا :
- عملتي إيه يا حِراء؟؟.
انبعجت شفتيها بإبتسامة عريضة وهي تقول :
- كله تمام سعاتك.. أديهم ساعة زمن بس وتكون هنا.
قطب "مراد" جبينهِ مستنكرًا وهو يسأل :
- هي مين اللي هتيجي هنا بعد ساعة؟.. إيه الحكاية ياهاشم؟.
أشار لها "هاشم" كي تغادر، ثم عاد ليجلس وهو يقول :
- بعد ساعة هنعرف إحنا الأتنين.
كان الأمر مثيرًا للدهشة، فهو محطّ الأسرار والأمين الوحيد لديه!.. إذا لماذا يعتبر الأمر خفيًا عنه ولا يبوح به؟!. لم يعقّب "مراد" على الأمر ولكنه استرعى انشغالهِ به، وبقى متحفزًا منتظرًا، بدون أن يفيدهُ التخمين بشئ.
**************************************
هبطت "هدير" من الأعلى وفي يدها حاملة الطعام، فـ رمقتها "سعاد" بنظرات حانقة وهي تدير وجهها عنها لتغمغم بـ :
- نزلتك بيها وقفاكي يقمر عيش ياحنينة!.. عشان تبقي تسمعي كلامي لما أقولك لأ يبقى لأ.
تركت "هدير" الطعام جانبًا وهي تشعر بالشفقة على حال "جليلة"، وأردفت بـ :
- أفرضي جرالها حاجه هنعمل إيه؟.
لم تهتم "سعاد" بذلك، بل تمنتهُ بصدق :
- ولا يفرق معايا.. ياريت تروح هي وبنتها في داهيه ونرتاح.. أحسن من العار اللي رجع بيه عمك الحج عشية امبارح.
طرقات على الباب جعلت "هدير" تذهب لفتحهِ وهي تشدد على حجاب رأسها، فرأت أحد الحراس وهو يصيح من الخارج :
- الستات جايين يعزوا الست أم حسين.
قطبت "هدير" جبينها وهي ترى مجموعة من النسوة اللاتي تلفحنّ بالثياب السوداء، ثم بدأنّ في النواح والصريخ بمجاملة وهنّ يدخلنّ من الباب. أغلقت إحداهن الباب بينما الصوت قد غطى على كل شئ بالداخل، فنهضت "سعاد" من مكانها وهي ترميهم بنظرات الدهشة متسائلة:
- عزا إيه ما خلصنا من زمان ؟!.. مين دول؟!.
وقبل أن تفتح "سعاد" فمها بكلمة واحدة كانت ثلاثة نساء سمينات يهجمن عليها بالضرب المبرح ويكممّن فمها بدون أن يتركوا صوتها يتسرب للحراس بالخارج، وأخرى كبّلت "هدير" وكممت فمها لتشلّ حركتها، والأخيرة تحاول المناص منها بمجهودٍ ضعيف وخائر، كأنها تلذذت برؤية حماتها وهي تُعاقب بالعقاب الذي استحقتهُ، وثلاثة من الباقيات صعدن للأعلى، وبدأن تفتيش الغرف للبحث عن السيدة المنشودة "جليلة"، بعدما تأكدن من عدم وجود الرجال في الدار.
نهضت "منال" من فراشها بفزعٍ وركضت للخارج، فصادفت إحداهن أمام باب غرفتها، فـ انتفضت وكأن الشيطان مسّها، بينما سألتها السيدة بعينين گالذئاب:
- فين الست جليلة يا *** انتي.
ازدردت "منال" ريقها وهي تشير بيدٍ مرتعشة:
- أخر الطرقة.
رمقتها السيدة بشئ من الإحتقار وهي تأمرها :
- خشّي على أوضتك ومتخرجيش منها دلوقتي.
هرعت "منال" بالدخول لغرفتها وأوصدتها على نفسها، حينما ذهبن السيدات لإحضار "جليلة" التي كانت حبيسة إحدى الغرف المغلقة.. كسرنّ الباب، ودخلن إليها وهي في حالٍ لا يرثى له، ثم ناولتها إحداهن جلبابًا أسود يشبه الذي عليهن وهي تقول :
- ألبسي ياحچه عشان نخرچ بسرعة مفيش وقت.. وقبل ما تسألي مين وفين إحنا هنا عشان هنودوكي لبتك.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"لا يُهزم الرجل إلا بالحُب، الحُب قد يقتل الرجال."
___________________________________
لم تصدق "جليلة" إنها خرجت من المنزل بدون أن تثير شكوك الرجال الذي يحرسون الخارج، إذ تشبهت بالنساء اللواتي حضرن من أجل تهربيها، في مهمة سرية، حصلوا على كثير من المال من أجل تنفيذها. لم تُشفق على تلك الظالمة "سعاد" بعدما تلقّت الكثير من الضرب المبرح، بل إن رؤيتها هكذا أطفأت قليلًا من الغلّ المبطون بداخلها وجعلتها تغادر بقلبٍ امتلأ بالراحة.
استقلت "جليلة" العربة (ميكروباص) برفقتهم، وبدأ السائق بالقيادة للمكان الذي يعرفهُ، حينئذٍ تسائلت "جليلة" بفضول شديد :
- هو الراجل إياه ده هو اللي بعتكم مش كده ؟؟.
كانت كبيرتهن تتشدق بالعلكة بطريقة مثيرة للإشمئزاز، وردت عليها بصراحة :
- راجل مين لامؤاخذة؟.. أنا ماخدش أوامر من راجل.
تحرجت "جليلة" وهي توزع نظراتها المحتارة عليهن، ثم سألتها بفضول أكبر :
- أمال مين؟.. مش قولتلي هتوديني لبنتي؟!.
- قولت آه.. بس مقولتش مين اللي قبضني، عمومًا كلها نصاية ونوصل، متستعجليش على رزقك إحنا مش خطافين ستات.
فركت "جليلة" كفيها معًا، وتضاعف فضولها لإستكشاف هؤلاء النسوة :
- هي دي شغلانتكم؟.
- آه.. ولو ليكي مسألة عند حد قبضيني وعـ الحوار رسيني، تحت أمرك هتلاقيني.
ضحكات النسوة ملأت العربة وسط نظرات "جليلة" المدهوشة، ومن بعدها التزمت الصمت مكتفية بمراقبة جميعهن تارة، ومراقبة الطريق تارة أخرى، إلى أن وصل بها السائق في نهاية المطاف أمام أحد القصور العريقة المتطرفة عن قلب المدينة، فـ تأهبت "جليلة" للهبوط عن العربة أثناء انتظار "حِراء" لها أمام البوابة، ثم أشارت لكبيرتهنّ وهي تُحييّ مجهوداتهن:
- تسلم إيدك وعافيتك ياست خضرا.. هجيلك تاني زي ما اتفقنا.
فأشارت إليها "خضرا" متفهمة :
- هستناكي يا غالية.. يلا أطلع بينا ياسطى.
دعتها "حِراء" للدخول وهو ترحب بها :
- أتفضلي من هنا.
- بنتي فين لو سمحتي؟.
- فوق مستنياكي.. أنا هطلعك حالًا.. اتفضلي اتفضلي.
وسبقت خطواتها بخطوة كي تدلها على الطريق، بينما عيني "جليلة" تدور يمينًا ويسارًا تشاهد القصر كله، إلى أن استقبلها "هاشم" بنفسهِ على الباب من الداخل :
- أهلًا ياهانم.. نورتي بيتي المتواضع.
كانت نظراتها مملوءة بالإمتنان والشكر وهي تُقدّر جميلهِ عليها وعلى ابنتها :
- أنا مش عارفه أشكرك إزاي على اللي عملته.. حقيقي انت أنقذتني أنا وبنتي من السواد اللي كنا شايفينه.
ابتسم "هاشم" بإشراقة، وبدت ملامحهِ لطيفة محبوبة وهو يردف بتوددٍ :
- متقوليش كده ياهانم ده واجبي.
ومدّ يده كي يصافحها، فصافحتهُ بعفوية لتتفاجأ بهِ يُقبّل كفها برُقيٍ وبدون أي نية سوى الأناقة في التصرف، فـ سحبت يدها سريعًا وهي تهمس بـ :
- أستغفر الله...
منع "هاشم" ضحكتهِ مكتفيًا بإبتسامة وديعة، ثم أفسح لها الطريق ليقول :
- أتفضلي من هنا.
استبقها نحو الدرج وهو يتابع :
- أنا مش عايزك تقلقي خالص طول ماانا موجود.. وأي حاجه محتاجاها بلغيني وانا تحت الأمر.
ثم توقف أمام الغرفة وقد تحولت تعابيره لأخرى آسفه وهو يقول :
- أنا عايزك بس متقلقيش، الوضع بسيط والدكتور قال إن......
قاطعتهُ بعدما انفلت منها الصبر، وانقبض قلبها لدى سماع تلك الكلمات الغير مبشرة :
- دكتور إيه ولمين؟؟.. هي بنتي جرالها حاجه؟.
ولم تنتظر رده عليها، ففتحت الباب على حين غرة وهي تنادي :
- رحيـل ؟.
دخلت عليها فكانت الأخيرة تجلس برفقة الصغيرة "ليلى"، وما أن رأت والدتها حتى تلهفّ قلبها وملأ الشوق ملامحها الملتاعة :
- مـامـا.
ضمّتها "جليلة" لصدرها كي تُشفي هذا الشعور المذعور بداخلها، ثم تفحصتها وهي تسألها :
- إيه اللي حصل؟.. الدكتور جالك ليه وقال إيه؟.
ذمّت "رحيل" على شفتيها بضيقٍ، واعترفت لها بالأمر الذي دسوه عنها :
- حسين.. ضرب نار على رجلي.
شهقت "جليلة" مرتاعة وبدون أن تنتبه لوقوف "هاشم" بينهما، فكشفت عن ساقيها الغطاء فجأة؛ لكن الأخيرة كانت مرتدية عبائتها فلم يظهر من جسمها شيئًا، رغمًا عن ذلك عادت تغطي نفسها من جديد وهي تنظر للغريب الذي بينهما، وهنا أدرك "هاشم" أن لوجودهِ أثرًا غير مرغوب، فـ سحب ابنته وهو يستأذن بالإنصراف :
- أنا هسيبكم على راحتكم ولو محتاجين حاجه عبير هتكون عند الباب.. عن أذنكم.
خرج "هاشم" من الغرفة مصطحبًا ابنته :
- كنتي بتعملي إيه انتي ورحيل يا ليلى؟.
- كانت بتحكيلي قصة حلوة أوي يادادي.. هحكيلك عليها لما تيجي تنام جمبي.
حملها "هاشم" وهو يهبط بها الدرج متابعًا :
- طب ما تحكيلي دلوقتي؟.
رفضت "ليلى" مبررة إليه سبب الرفض :
- لو حكيتلك دلوقتي مش هتيجي تنام معايا بالليل..أنا هسيبك مشتاق تعرف عشان تيجيلي.
ضحك "هاشم" وهو يرى ابنته الصغيرة تساومه لتنفيذ رغباتها في ذلك العمر الصغير، فما بالك حينما تعدو من العمر سنوات أخرى؟.. ستكون صعبة المراس مثل أبيها، وقد تكون على عكس ذلك!.
**************************************
غطتها "هدير" بالغطاء وهي تتآوه بتألمٍ، ولم تمنع صرخاتها من الحين للآخر كي تصف لهم المعاناة التي واجهتها في غياب رجال البيت. تهدجت أنفاس "سعاد" وكأنها انتهت من الركض توًا، ثم أردفتٍ بصوتٍ ضعيف متحشرج :
- اتبهدلت ياحج.. بهدلوني وانت عايش.. أنا عايزة حقي، هاتلي حقي من حبابي عنيهم هي وأمها الـ ×××.
كان "حمدي" يكتم إمتعاضهِ بصدرهِ، غير قادر على التفكير في حلّ سوى اللجوء للقانون، لعل ذلك يمكنهُ من تفتيش ذلك البيت اللعين الذي يأوي إبنة أخيه وأمها.
ربتت "هدير" على كتفها تواسيها :
- معلش ألف سلامة عليكي ياما.
دفعتها "سعاد" بعيدًا عنها وهي تصيح في وجهها :
- أبعدي.. واقفة تتفرجي عليا ولا هان عليكي تنادي البهايم اللي بيحرسوا الدار!.. هي دي آخرتها يابنت حبشي؟.
تلوت شفتي "هدير" غير متقبلة تلك الكلمات، ثم أردفت بـ :
- أنا كمان اتبهدلت ياما ولا مشوفتيش اتلموا عليا إزاي ؟!.. مفيش غير منال هي اللي نجت منهم.
ضربت "سعاد" على ساقها ومازالت تنوّح :
- آآآه ياكرامتك اللي اتمرمغت في الأرض يا سعاد!.. هتبقى سيرة على كل لسان يا سـعـاد آآه...
صاح "حمدي" في وجهها لكي تكفّ عما تفعله :
- ما كفاية بقى ياولية.. مش كفاية اللي انا فيه ولا إيه!.. خليني أفكر هعمل إيه مع ابن الـ ×××××
أتى "حسين" مستندًا على عكازهِ، والحرارة تخرج من بين ضلوعهِ في هيئة أنفاس تشتعل :
- كده زادت أوي الحكاية يا حج.. يعني إيه مش عارفين نرجعها وكمان ياخد مرات عمي من وسطينا كده!..
تأفف "حمدي" وهو يقول :
- أنا هروح أعمل محضر إن عديم الأصل ده خاطف مرات ولدي.. ونشوف بقى لما يطلعوها من بيته هنعمل إيه.
- أنا لو طولت رحيل في إيدي بس هدفنها مكانها بس أطولها.
أخرج "حمدي" هاتفهِ من جيب جلبابهِ ليجيب على المتصل :
- أيوة ياباشا.. أنا لسه كنت هخرج للطريق وآجيلك أهو.
تبدلت تعابير "حمدي" شيئًا فشيئًا، ثم بدأ يدافع عن نفسهِ بعصبية :
- ولد الحرام ده خاطف مرات ولدي يا باشا.. أنا روحت بس أرجعها.. ياباشا أسمع مني....
أغلق "حمدي" الهاتف بينما كانت "سعاد" تسأله بفضول :
- إيه اللي حصل ياحج؟.
- في إيه يابا؟.
قذف "حمدي" هاتفهِ ليرتطم بالحائط قبل أن يصيح بـ :
- ابن الـ ××××× عامل محضر ضدي.. قال إيه بتعدّى على بيته!.. الـ ×××××
وتابع "حمدي" السباب والألفاظ وهو يخرج ومن خلفهِ "حسين"، بينما كانت "سعاد" تهمس بـ :
- ياترى عايز إيه ولد العزيزي منك يا رحيل؟؟؟.. دي الحكاية في إنّه كبيرة.
صمتت لحظات وكأنها تحدث حالها ثم تابعت :
- مفيش بينهم حاجه اني متأكدة.. بس التعبان ده عايز إيه مننا بعد كل السنين دي.. وعايز إيه من مرات ولدي بالذات؟.
راقبتها "هدير" وبداخلها السعادة گالعصافير المزقزقة متشفيّة مما أصابها، ثم سحبت نفسها وخرجت بهدوء وهي تهمس بـ :
- دي الولية باينها اتجننت ولا إيه!.
*************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
تحولّ صدرها الذي برد للتو برؤية ابنتها الوحيدة إلى آخر ملتهب محموم، بعدما قصّت عليها "رحيل" تفاصيل ما حدث بذلك اليوم المشؤوم، وكيف أصيبت برصاصة الغدر التي أطلقها ابن عمها ومن الذي أنقذها باللحظة الأخيرة. تضاعفت نقمتها عليهم جميعًا وأحست بالخطر يرفرف فوق رؤوسهم، وخاصة "رحيل" التي صارت بمثابة الخائنة في أعينهم، وقد تخلّت عن ثوب الفضيلة والأخلاق مستبدلة إياهم بالعار الذي جلبته للعائلة - وفقًا لما ورد على ألسنة الجميع -، حتمًا عليهم التفكير في حلّ جذري يضمن لإبنتها السلامة؛ بدلًا من انتظار نار الثأر والعار التي قد تلتهمها في أي وقت. غطت تعابير الحزن وجه "جليلة"، وكأن القلق قد تشكّل على ملامحها وهي تقول بقلة حيلة :
- وبعدين يا بنتي؟.. ولا ليكي خال نروحله ولا راجل ينصفنا!.. مين هيحمينا من عمك والحيوان ابنه؟!.
ثم نظرت نحو باب الغرفة وهي تتابع :
- مش معقول هنفضل متقلين على الراجل الغريب كده!.. خصوصًا إن ليهم خصومة قديمة مع بعض.
قطبت "رحيل" جبهتها وقد أثارت الكلمة الأخيرة حفيظتها، فسألت بفضول :
- ماما هو خلافهم كان على إيه بالظبط؟ ؟.. أنا مش فاكرة حاجه من اللي حصل بعد وفاة بابا الله يرحمه.
تنهدت "جليلة" وهي تقصّ عليها بعضًا من المعلومات التي تتذكرها، وقد عاد الماضي يتشكل أمام عينيها گالتي ترى شبح زوجها الميت حيًا أمامها :
- أبوكي الله يرحمه كان هيبيع الأرض بتاعته لرضوان العزيزي.. وبعد ما اتفقوا على كل حاجه حصلت خناقة كبيرة أوي أوي بينه هو وعمك حمدي.. عمك كان عايز يشتري الأرض بتراب الفلوس! مكنتش هتكفي حتى نسدد الدين اللي كان على المحل.
طردت "جليلة" سرب الهواء من صدرها وكأنها استعادة الماضي قد حمّلت قلبها عبء التذكر المؤلم من جديد، ثم تابعت بنبرة اختلجها القهر :
- طول عمره ظالم.. حتى مرحمش أخوه في زنقته رغم إن عنده كتير، أبوكي اضطر يعرض الأرض للبيع وكان أول واحد عرض فيها مبلغ كبير هو رضوان أبو هاشم.. لكن عمك وقف في البيعة زي اللقمة في الزور، ومن بعدها تعب أبوكي ودخل يعمل قسطرة على القلب.
تدحرجت دمعتين من طرفيها وهي تعترف بالإعتراف الأليم :
- مستحملش ومات فيها.. راح وسابنا مع حمدي وابنه!، لولا حسن بيحبك وخدك تحت جناحه كان زمان عمك عذبنا من سنين يارحيل.. وأهو حسن راح هو كمان، دلوقتي هنعمل إيه يابنتي؟ مين هيقف للظلمة دول؟.
خرجت الكلمات من بين شفتيها مصحوبة برعشةٍ مهزومة، خرجت من باطن الوجع الذي تراكم على صدرها العليل بالحزن:
- مفيش غير هاشم ينقذنا ياماما.. انا عارفه إن ملهوش في الموضوع وإنه لو حماني مرة مش هيحميني التانية، بس أنا مجبرة ألجأ له لحد ما القانون يجيبلنا حقنا منهم.. أنا مش عايزة أكتر من نصيبي في حق أبويا وجوزي.. عايزة أعيش مستورة زي بقية الناس.
واجهشت بالبكاء المرير وهي تتابع بتحسرٍ :
- دي حتى الشقة خدها مننا ياماما ومفيش مكان ننام فيه انتي متخيلة؟.. أنا مش مصدقة اللي احنا عايشين فيه ده!.
ربتت "جليلة" على ظهرها وهي تضمها إليها، محاولة مواساتها في المصاب الذي حلّ عليهم ولم يكن يومًا في الحسبان :
- خلاص أهدي يارحيل.. ربنا هيدبرها من عنده يابنتي متقلقيش.
لحظات من دفء أمها كانت كافية لتسلل الطمأنينة لصدرها البارد، وشيئًا فـ شيئًا كانت تهدأ وترسو على برّ الهدوء، إلى أن سكن بكاءها تمامًا ولم يعد لها سوى صوت أنفاسها الهادئة، على ما يبدو إنها غفت بعد رحلة مملة من السهر والقلق، فـ أعادت "جليلة" رأسها على الوسادة، ودثرتها جيدًا بالغطاء وهي تنهض عن الفراش، ثم خرجت بهدوء حذر وأغلقت الباب من خلفها، وترجلت على السلم وعيناها تبحث عن الشهم الذي فتح بابه على مصرعيهِ لهما، بدون سؤال أو تطفل، وبدون أن يفرض شروطًا أو ينتظر مقابل. قابلت الخادمة وهي تمسك بالقهوة وتتجه نحو أحد الممرات، فأوقفتها لتسأل :
- هو الأستاذ صاحب البيت فين؟.
- الباشا في مكتبه، ثواني أبلغه إنك عايزاه.
- تسلمي.
لحظات قليلة وكان "هاشم" يخرج إليها ممسكًا بقهوتهِ،وتلك الإبتسامة العاقلة على ثغرهِ ليقول :
- أؤمريني ياهانم.
تحرجت "جليلة" من لطفهِ وأسبلت جفونها وهي تقول :
- الأمر لله، أنا مش عارفه أشكرك إزاي اللي بتعمله معانا و ......
منعها "هاشم" من استكمال كلماتها مقاطعًا :
- ياهانم انتي مكبرة الموضوع والله.. ده النبي وصى على سابع جار، فما بالك لو ستات زيكم مفيش حد يقف معاهم!.. أرجوكي أديني شرف حمايتكم ومتقلقيش خالص طول ماانتوا معايا.. وبعدين يمكن ييجي اليوم اللي تردوا فيه الجميل.. مش كده ولا إيه؟.
ابتسمت "جليلة" بتحفظٍ وهي تقول :
- طبعًا طبعًا.. جميلك على الراس ولو نقدر نردوا مش هنتأخر أبدًا.
ثم نظرت حولها وهتفت بنبرة آسفة :
- أنا بس قلقانة لا نسببلك حرج مع المدام و لا حاجه.
نفى "هاشم" ذلك على الفور :
- لأ لأ مفيش مدام ولا حاجه.. أنا راجل مطلق وأعزب.. يعني حريتي في إيدي ولسه مقابلتش الست اللي تستاهل تقيد الحرية دي.
صوت "ليلى" الصغيرة تطفل على تلك المحادثة وهي تنادي أبيها من الداخل :
- يا دادي.. اللعبة باظـت منـي.
ضحك "هاشم" وهو يتابع حديثه الذي بقى في المنتصف :
- وحياتي كلها مفيهاش غير ليلى هانم الصغيرة.. عن أذنك هشوفها وأرجع لك.
أفسحت له "جليلة" الطريق لكي يعبر من جوارها :
- آه طبعا اتفضل.
مرّ من أمامها عائدًا لمكتبهِ، فظلت عيون "جليلة" عليه إلى أن اختفى من أمامها، ثم همست لنفسها بصوتٍ بالكاد تسمعه هي :
- أهي دي الرجالة اللي تشرح القلب بصحيح.. مش الحيوان حسين وأبوه الظالم!.. ربنا يعوض عليكي يابنتي وينصرك قادر ياكريم يارب.
************************************
كان مختليًا بنفسهِ في الغرفة الزجاجية المعزولة عن القصر، حيث يحيط به مساحات واسعة من العشب والكلأ، واليسار تتواجد منطقة الطيور الجارحة الخاصة بـ "هاشم". كان حزينـًا مهمومًا، تسيطر الكآبه على وجهه المظلم المختنق. يراقب من بعيد تلك الحبيبة التي هجرتهُ، ومازال يتطلع على أخبارها وقصصها اليومية الإلكترونية ومنشوراتها على مواقع التواصل الإجتماعي بدون أن تراه، شغوفًا لرؤية كل جديد يخصها، يحتفظ بكل صورة جديدة تنشرها بملف خاص على هاتفهِ سماه بأسمها، ومازال متيقنًا أن الوقت سيعيدها إليه، مؤمنًا بإنها له رغمًا عن زواجها من رجلٍ آخر غيره. يشتعل قلبهِ نارًا كلما رآها بقربه، كلما نشرت منشورًا فيه صورتهِ، كلما تحدثت عنه، كلما أشارت إليه في منشور سنوي بمناسبة عيد الحب ومناسبة عيد زواجهم الثاني. أجل مرّ أكثر من عامين على فراقهم، ولكنه ما زال عاشقًا لها كما لو كان يحبها بالأمس، يشم رائحتها ويحس أنفاسها كلما غفى، وإذا مرّت إمرأة تحمل نفس عِطرها يجن جنونه، ويلتفت من حول نفسه باحثًا عنها گالثمل، قد تكون هي صاحبة ذلك العِطر الملتصق بأنفه وحواسهِ؛ لكن تذهب أمنياتهِ سدى حينما يلاحظ إنه لا وجود لها من حوله، وإنه ما زال يعيش في سراب الوهم الذي جعله حيًا حتى الآن.
أحس "مراد" بالباب ينفتح، فأسرع يمسح عيناه التي أدمعت، واكتسب وجههِ تلك التعابير الجادّة من جديد، وهو ينظر إلى ابن عمه الذي رآه بالفعل في تلك الحالة:
- في إيه يا مراد؟.
ردّ عليه بإقتضاب :
- مفيش حاجه.. قولي بتدور عليا ليه؟.
تنهد "هاشم" غير راضي عن الحالة التي يحاول "مراد" أن يتعايش معها :
- اللي انت فيه ده مينفعش يامراد.. أنا عمري ما شوفتك ضعيف بالمنظر ده غير وانت بتفكر فيها!.
كان حازمًا جادًا وهو يقول :
- قولتلك متكلمش معايا في الموضوع ده.. قولي عايز إيه مني من غير كلام جانبي يخصني لأنك مش هتفيدني بحاجه.. انت شاطر توجعني وبس.
دافع "هاشم" عن نفسه وعن حِدتهِ حيال ذلك الأمر الذي لا يروق له :
- أنا بس مش عايز أشوفك ضعيف بالشكل ده عشان واحدة.. مفيش ست تستاهل أبدًا نموت نفسنا بالحزن عليها.. انت لازم تعيش وتشوف حياتك زي ما هي شافت حياتها.. محدش بيموت بعد الفراق يامراد.
حسم "مراد" الأمر بالرد المناسب من وجهة نظرهِ :
- أنا مُـت.. أنا مش عايش من بعدها، اللي قدامك ده شبح مش حقيقة.
وقبل أن يتفوه "هاشم" بكلمة أخرى كان "مراد" يقطع ذلك الطريق عليه :
- قولتلك متكلمش في الموضوع معايا.. خلينا في السبب اللي جابك ورايا.
ثم نهض عن مكانه وقد بدأت تعابيره تعود لطبيعتها، في محاولة ناجحة منه لتخطي أحزانه - بشكل مؤقت - :
- إيه الجديد.
نظر "هاشم" لساعة يدهِ وهو يقول :
- في حوار لازم نحله .. دلوقتي.
************************************
مش شدة غطرستهِ كان فمهِ منبعجًا بإبتسامة سخيفة لزجة، وهو يشاهد الطريق نحو قصر "العزيزي"، ذاهبًا لهناك بقدميهِ، ووسط حراسة مشددة من رجال الشرطة، بعدما صدر قرار بتفتيش القصر بحثًا عن الغائبة "رحيل الطحان" وأمها المختطفة -كما زعموا-.
مددّ "حسين" أنظارهِ للأمام يقيس ما تبقى من مسافة، ثم أردف بـ :
- خلاص مش فاضل غير أمتار ونوصل عُقر بيته.
لم يكن "حمدي" متفائلًا گولدهِ، بل فكّر مرارًا في اللحظة التي سيواجه فيها إبنة أخيه وزوجة ابنه الراحل، حتمًا ستكون لحظة غاية في الصعوبة، لاسيما إنه ينتوي عقابها عقابًا متوحشًا، أثر خطيئتها التي لا تُغتفر، وسيرتهم التي تجولت على ألسنة العامة من الناس بسببها هي.
زفر "حمدي" بعدما وصلت السيارة أمام البوابات، ثم ترجل عن السيارة وفتح الباب لولدهِ كي يستند على عكازهِ وينزل، ثم شقّ كلاهما الطريق نحو البوابة بعدما بدأت الشرطة في الدخول متخطية أفراد الأمن والحراسات. سار "حسين" في أعقاب والدهِ بالرواق المزدان بزهور دوار الشمس، إلى أن استطاع رؤية "هاشم" وهو يخرج من قصرهِ لإستقبال الضيوف - الغير مرحب بهم -.. وأول ما وقعت عليه عيناه هو "حسين"، متعرجًا على عكازهِ الخشبي وساقهِ تتغلف بالجبس، هذا المشهد دفعهُ تلقائيًا للضحك دون شعور، مما أجج نيران الغضب بجوف "حسين" وجعله راغبًا في إقتلاع عينيهِ التي تنظر إليه في شماتة؛ لكن الوسط كله معقد ولا يحتمل أي تعقيد آخر.
حرر "هاشم" تشابك ذراعيهِ من خلف ظهرهِ واقفًا أمام الشرطي :
- خير يافندم؟ أؤمر ؟.
- معانا أمر بتفتيش البيت يابشمهندس.
ثم ناوله أذن النيابة وهو يتابع :
- لو تسمح..
- إحنا تحت الأمر.
أفسح له "هاشم" الطريق بدون أن يتطلع على أذن النيابة، فـ مرّ رجال الشرطة من جوارهِ، بينما كان هو ينظر إلى "حسين" ويردف بـ فتور شديد ومثير للإستفزاز :
- ألف سلامة يا حسين، أبقى خلي بالك من نفسك المرة الجاية ............
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أحيانًا تدفعك الأقدار لترى من الفِخاخ فرص كُبرى؛ ويخيّل لك غبائك بأن عليك اقتناصها."
____________________________________
كان ينظر من حين للآخر في المرآة ليراها، بعدما تأذت ساقها المصابة نتيجة الضغط المفاجئ والقوي عليها، بعد رفضها أن يحملها أحدهم أو أن يساندها في النزول. نظرت "رحيل" من النافذة بعينين مشتتتين، وهي تغادر المدينة كلها متجهة للعاصمة، بعدما وصلت أنباء عن تحرك قوى لتفتيش القصر وإتهام "هاشم" بخطفها وأمها، ثم نظرت لـ "مراد" الجالس بجوار السائق وسألته :
- إحنا كده هنروح على فين ياأستاذ؟.
أجابها بإقتضاب موجز :
- في بيت بيجهز دلوقتي عشان تقعدوا فيه.. هناك محدش هيعرف يوصلكم وهيكون أمان أكتر.
لم تتخلص "جليلة" من توترها، بل إنها مازالت قلقة من ردود الفعل التي سيلاقوها، وكيف ستتخلص وابنتها من كل هذا الحصار؟. ومع التفكير فيما مررن به وما يعانوه منذ سنوات وجدت صدرها يضيق عليها، كأن الأرض بكل ناسها ومساحتها لا تسعها هي وابنتها. أشاحت بوجهها بعيدًا عن "رحيل" لئلا ترى ذلك الحزن المُخيّم على وجهها هي أيضًا، فالأخيرة تحمل عبئًا يكفيها ويفيض، هي بالأساس تشعر بضيق الدنيا عليها وتحاول هي الأخرى أن لا تظهر ذلك، وكل ما يشغل بالها ماذا يخبئ لها مستقبلها الغامض المخيف؟.
***************************************
خرج آخر رجال الشرطة من القصر، بعدما فتشوا القصر تفتيشًا عميقًا مدروسًا، للبت في محضر الإختطاف الذي حرره "حمدي الطحان" والتأكد من صحتهِ أم عدمه، وكانت النتيجة سلبية مائة بالمائة.
كان "هاشم" جالسًا في البهو، ساقهِ اليسرى أعلى ساقهِ اليمنى، يحتشي قهوتهِ الغامقة متلذذًا بنكهة البُن العربي الأصيل ورائحتهِ المنعشة للرأس، فـ استمع لصوت العصا التي تصطك بالأرضية، حينما كان "حمدي" يقترب منه وهو يسأل بصوت صادح :
- وديتهم فين يا قليل الأصل؟.. خبيتهم ولا عملت إيه ياجبان؟.
تأفف "هاشم" وهو يضع قهوتهِ جانبًا، ثم نظر إليه ممتعضًا بعدما استنزف الأخير كل بقايا صبرهِ :
- وبعدين معاك؟.. أنا بقول إنك راجل كبير وعيب أوي أهزأك في بيتي، بس أكتر من كده هرد عليك رد مش هيعجبك أبدًا.
نهض "هاشم" وهو يتابع :
- أظن الشرطة فتشت وانت اتأكدت إن مفيش حد، ياريت بقى توريني جمال خطوتك البهية برا بيتي.
ثم أشار لضابط الشرطي الذي لحق بهم فيهما بعد وسأل :
- ولا إيه يا حضرت الظابط؟.
- مظبوط ياحج.. مفيش أي داعي لوجودنا هنا.. أنا هبلغ الدوريات والأقسام والمراكز بمواصفاتها للبحث عنها، وأول ما يكون في نتيجة هنبلغك على طول.
لم تنطلي تلك الخدعة على كلاهما، وعينا "حسين" تبرز من وجهه گالوحش الذي سينقضّ على خصمهِ؛ لكن أي حوار وسط وجود أفراد من رجال الشرطة لن يجدي نفعًا، وطالما إنه أخرجهمن من قصرهِ فالمسافة ليست ببعيدة، بل إن ذلك أفضل بالنسبة إليه وسيتيح له الفرصة لإيجادها بشكل أسهل وأسرع.
أمسك "حسين" برسغ والدهِ، وضغط عليه ضغطة واحدة ليقول :
- صح، وجودنا ماعدش ليه لزوم ياحج.. يلا بينا.
لم يُطور "حمدي" الحوار بينه وبين "هاشم" طويلًا، وفهم على الفور أن تلك رغبة ابنه أيضًا، فـ انسحب للمرة الثانية بدون أن يقوَ على فعل شئ، وبدون أن يحصل على إبنة أخيه وأمها، ليتضاعف شعورهِ بالخزي اللاحق به، خرج بدون أن يوجه كلمة أخرى يزيد بها من حماقة الموقف الذي وقع فيه، وكلما غضب أكثر كلما حمّل" رحيل" فاتورة غضبهِ التي ستدفع ثمنها غاليًا، خرج موصومًا وكل ما يريده هو وأدها حية، بينما خمس له "حسين" وهو يسير متعرجًا بجواره :
- كده أحسن ياحج.. خروجها من هنا هو اللي هيخلينا نعطر فيها بسهولة.. وانا بقى مبقاش ورايا غير إني أدور على الـ ×××× دي.
***************************************
أغلق "مراد" الباب من خلفهِ بعدما صعد بهم للشُقة المراد تسكينهم بها، ثم التفت إليهم ومدّ يده بنسخة المفتاح لـ "جليلة" قائلًا :
- ده نسخة من مفتاح البيت عشان تقفلوا ورايا بعد ما أنزل.
تناولته "جليلة" ممتنة لصنيعهم معهم :
- أنا مش عارفه أشكركم أزاي بس.
- لا شكر على واجب ياحجة.. المهم ترتاحوا دلوقتي وبعدين نتكلم.. أنا هعمل أوردر أكل هيجيبلكم خلال ساعة، وأي حاجه محتاجة ليها هتبعتي البواب يجيبهالك.
نظرت "رحيل" من حولها وهي تسأل :
- هو احنا فين هنا؟.
أجاب عليها "مراد" بإختصار :
- في مدينة الشيخ زايد.
- لأ مقصدش.. قصدي ده بيت مين؟.
أشار "مراد" لنفسه وهو يقول :
- بيتي وبيت هاشم.. الأتنين واحد ياهانم.
ثم أشار نحو قدمها :
- أنا رأيي ترتاحي لأن رجلك نزفت في الطريق، في علبة إسعافات في الحمام الكبير اللي برا.. ولو في حاجه كلميني هبعتلك أي ممرضة تغيرلك على الجرح.. هتلاقي رقمي على التليفون اللي معاكي.
ثم استعد للإنصراف :
- عن أذنكم.
صاحبته "جليلة" نحو الباب :
- أذنك معاك يابني.
استندت "رحيل" على عصاها ونهضت، مشت ببطء وبدون أن تضغط على قدمها كثيرًا، مستكشفة المكان الراقي من حولها، كان منزلًا عصريًا حديثًا، أثاثهِ راقي ومناظرهِ عصرية تواكب أحدث صيحات (الموضة والديكور)، أعجبها كل شئ هنا للغاية. تطلعت على أحد الغرف فكانت غرفة نوم فسيحة ملحق بها سرير عريض وفخم، وزاوية مخصصة لتبديل الملابس بها العديد من الخزانات المفتوحة (Dressing Room) ،أيضًا منضدة للزينة بالكرسي، ومجلس للجلوس في الجانب الآخر من الغرفة مكون من طاولة دائرية ومقعدين من الجلد الوثير.
جلست "رحيل" على طرف الفراش فـ غاصت فيه من شدة الإريحية التي تتمتع بها المرتبة، ورفعت ساقها على عليها لتحس ببعض الطمأنينة تتخلل صدرها القلق المتوتر، فدخلت إليها "جليلة" وهي تمسك بكأس من الماء :
- خدي اشربي شويه ميا يا رحيل، زمان ريقك نشف من المشوار.
امتنعت "رحيل" عن الشرب وقد بدا عليها الإرهاق الشديد :
- مش عايزة يا ماما.. مش عايزة حاجه غير إني أنام وبس.
فتحت لها "جليلة" الغطاء لكي تتدثر به :
- طب نامي شويه ياحببتي.. وانا هصحيكي لو العشا جه عشان تاكلي لقمة.
هزت "رحيل" رأسها بالنفي :
- متصحنيش ياماما.. خليني نايمة لحد ما أصحى لوحدي.. أنا الأيام اللي فاتت مكنتش بعرف أنام من كتر الخوف، بس انا هنا مرتاحة أكتر.
وأرخت رأسها على الوسادة الطرية الناعمة، فـ وضعت عليها "جليلة" الغطاء وهي تقول :
- نامي يا رحيل، تبات نار تصبح رماد إن شاء الله.
وتركتها تنفرد بالفراش وراحت تجلس هي على المقعد الجلدي، مازالت تفكر وتفكر، غير قادرة على تجاوز القلق المخيف المسيطر عليها، وهي ترى وحيدتها تعاني من مواجهة المؤامرات وتقف في مهبّ الريح، قد تسقط في أي لحظة، وقد تفقدها أثر لحظة تهور من عائلتها الظالمة، وبات القانون ورجاله غير كافيين على حمايتها وردع ذلك المجنون، عليها أن تفكر في حلّ أكثر واقعية، حلّ أكثر أمان لهن.
************************************
لم يكن متلهفًا كما كان الحال لديها، فـ منذ طلعت شمس يوم جديد وهي تنتظر لقاء طليقها على أحرّ من الجمر، كي يوافيها بآخر قراراته حول ابنتهم التي ما زالت بين يديهِ ويمنعها عنها. فجلست بأحد الأماكن العامة الهادئة التي اختارها هو، وقد وصلت إليه قبيل موعدهم بنصف ساعة تقريبًا، أما هو فقد خرج للطريق في الصباح بدون أن يتعجل أو يتسرع، فالأمر كله روتيني ولا يعنيهِ للإهتمام به، فقط مقابلة سيفرض فيها شروطهِ من جديد.
وصل "هاشم" للمطعم وأنفه تشتاق لرائحة الإفطار الصباحي في ذلك المكان الراقي، ومع دخوله كان المسؤول عن المكان يرحب به بحفاوةٍ :
- أهلًا وسهلًا يابشمهندس أهلًا.. أتفضل.
نزع "هاشم" نظارتهٍ الشمسية السوداء وهو يقول :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- تسلم يا چون.. خليهم يحضرولي الفطار بتاعي.. أنا قاعد هناك.
- حالًا.. أتفضل.
دخل "هاشم" نحوها وهي تنظر إليه بكراهيه شديدة لم تشعر بها من قبل، وأول ما سألته عنه هي وحيدتها الصغيرة :
- ليلى فين؟.. ليه مجتش معاك؟ .
وضع "هاشم" معطفهِ على ظهر المقعد ثم نظر إليها وهو يقول :
- لما نتكلم هبقى أشوف الموضوع ده.
لم تجد "كاميليا" سوى مواصلة تهديداتها التي لم تفي بالغرض معه في أي مرة :
- أنا كل ده مش عايزة أرفع عليك دعوى أتهمك فيها بخطف بنتي ياهاشم.
قطب "هاشم" جبينهِ مستنفرًا عدائيتها :
- دعوى مرة واحدة؟.. انا افتكرتك عرفتيني أكتر من كده ياكاميليا.. بس شكلك معرفتنيش خالص.
بدأ النادل يضع أطباق الإفطار المعتاد عليه "هاشم" هنا، فصمت كلاهما عن الحديث للحظات، أثناء تسديد "كاميليا" تلك النظرات الممتعضة لطليقها، والذي بادلها بنظرات أكثر هدوءًا، لا تتناسب أبدًا مع حقيقة ما يكنّه لها من شعور. انصرف النادل أثناء بدء "هاشم" في تناول الطعام، حينما كان يتحدث بفتور :
- اسمعيني كويس ياكاميليا، أنا مش هعيد الكلام مرتين.. انتي أم غير مؤهلة للإهتمام بطفلة في سن ليلى، انتي دلوقتي بقيتي ردّ سجون وعليكي قضية.. تفتكري في قاضي هيحكملك؟.
لم تهتم بالمكان الذي تتواجد فيه أو الناس المحيطين بها، وفجأة كانت تصيح بدون أدنى تماسك:
- إنت فاكرني مش عارفه إنك أنت اللي دبرت كل ده؟.. أنا فاهمة كويس انت بتحاول تعمل إيه، عشان كده رفعت قضية الحضانة بمجرد ما اتقبض عليا، بس انا مش هسيبلك بنتي مهما حصل ياهاشم.
مضغ الطعام وهو يشعر بالعيون التي توجهت نحوهم، فلم يعير للناس اهتمامًا، وتابع تناول إفطارهِ وهو يردف بـ :
- أهدي يا حببتي إحنا في مكان عام، الناس مش لازم تعرف إنك رد سجون وكمان شرشوحة!.. عيب.
كادت ترد على كلماته الجارحة لولا إنه استوقفها مستكملًا :
- انا لسه مخلصتش كلامي.. وبعدين أنا إنسان ديمقراطي وهخليكي تشوفي بنتك وتقضي معاها وقت، أنا مش ظالم عشان أحرم ليلى منك، بس كله بشروط.
ضربت على الطاولة وهي ترفض لهجتهِ المتعجرفة :
- مفيش قانون في الدنيا هينصفك ويقول الكلام الخايب ده.. ولو عايزها محاكم انا معنديش مانع ونفسي هيكون طويل معاك.
ارتشف "هاشم" رشفة من مشروب القهوة سريعة الذوبان، ثم ترك الفنجان وهو يسألها :
- وتفتكري دكتور رمزي هو كمان نفسه طويل وهيستناكي تخلصي حربك معايا؟!.
حاولت أن تتصنّع هذا الثبات المرتجف، بينما عيناها الباهتة صارت أكثر لمعانًا وشرودًا، في اللحظة التي تحولت أطرافها لكتلة من الجليد :
- قصدك إيه ؟.. وتعرف زمايلي منين؟.
مطّ "هاشم" شفتيه متعجبًا نعتهِ لها بزميل :
- اللي اعرفه إنك دكتورة جلدية.. إزاي زمايلك دول في عظام؟.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة للغاية وهو يتابع :
- ولا الأقسام في الطب نفدّت على بعضها يا دكتورة؟.
مسح "هاشم" فمه بالمنديل وقد تبدلت ملامحهِ لأخرى، ملامح يحاول يواري ظلمتها الكاحلة وهو يردد :
-خـسارة.. الفطار النهاردة ماسخ وملهوش طعم.
ثم نهض عن مكانهِ وهو يسحب معطفهِ ليقول :
- لما تكوني مستعدة تواجهيني بالحقيقة إنا مستنيكي.. بس خلي بالك إني مش هستنى كتير، وللصبر حدود.
انتقل نحو باب الخروج وهو يشير لمسؤول المكان :
- الحساب عندي ياچون.
- اعتبره وصل يابشمهندس.
خرج أمام عينيها وهي عاجزة متجمدة في مكانها، حطّت الصدمة على مداركها گالحجر الصلد، وبقيت هكذا لبعض الوقت، تُرى ما الذي يعلمه؟ ولماذا بقى صامتًا طيلة هذه المدة؟.. وإلى أين وصلت معلوماته عن علاقتها بـ "رمزي" وما مدى صحة هذه المعلومات. بدأت "كاميليا" تصاب بالإرتباك، على الرغم من إنها على قناعة تامة إنها لم ترتكب أي خطأ، لم تخنهُ، لم تُقيم علاقة وهي إمرأة متزوجة، ولم تهب لقلبها حُب آخر بينما فراشها ينام عليه زوجًا لها، حتى وإن كان زوج لم تعد ترتضيه، لم تعد تشعر بدفئهِ أو حنانهِ، لم تجد فيه سلواها، وكل ما حظيت به منه مجرد أسم شهير في عالم الأعمال، أما عن الإنسان الذي يعيش بين ثناياه فهي لم تقابلهُ قط، ولو بمحض الصدفة.
أمسكت "كاميليا" بحقيبتها وخرجت في عجالة، لا تعلم إلى أين ستذهب وماذا ستفعل؟.. وكل ما يشغل بالها الآن هو الوصول لأصل المعلومات التي يمتلكها ومنذ متى وهو على علم بها؟ ؛ لكن الآن هي لحظة الإنفراد بنفسها، لكي ترتب أوراقها المتبعثرة، وتعود لمواجهتهِ بالحقيقة كاملة.
*************************************
زيارتهِ الأساسية كانت لها، ذهب لكي يطمئن على الأوضاع بعد نقلهم للعاصمة، ولكي يتأكد من إنها راضية عن المكان الذي وضعها فيه، مصطحبًا معه طبيب العائلة المفضل، والذي أتى بنفسهِ للإشراف على جرحها. دخل الطبيب إليها وبقى هو بالخارج، حيث استقبل الحارس الذي اشترى كل حوائج المنزل من أطعمة مجمدة وطازجة ومعلبات ولوازم أخرى سيحتاج إليها المنزل في ظل إقامتهم به. ثم خرج بعد مرور عشرون دقيقة تقريبًا برفقة "جليلة" وهو يتحدث إليها :
- طبعًا المجهود اللي عملته امبارح فتح غرزة من الغرزات وده اللي عمل النزيف، لكن الوضع مش مبالغ فيه متقلقيش.
أومأت "جليلة" رأسها بتفهم :
- فهمت يادكتور.
- أنا هكتب لها مضاد حيوي ومضاد للإلتهاب والتورم، مع المسكنات طبعًا.. وهتابع معاكوا بالتليفون لو في أي حاجه بلغوني.
تناول "هاشم" الوصفة العلاجية منه قائلًا :
- شكرًا يافريد.
- على إيه ياهاشم.. انت تؤمرني.
نهض الطبيب عن جلسته وهو يقول :
- خليك انا عارف طريقي.. هبقى أكلمك بعدين.
- مع السلامة.
ثم نظر "هاشم" إلى "جليلة" متسائلًا :
- ممكن تستأذني منها أطمن عليها؟.
- آه طبعًا.
واستبقته للداخل لحظات قبل أن تناديه :
- تعالى يابني.
دخل إليها "هاشم" والبسمة العريضة تزين محياه المعطى بلحية خفيفة منمقة:
- صباح الخير يا هانم.. يارب تكوني أحسن.
ابتسمت "رحيل" مجاملةً للطفهِ :
- الحمد لله، أنا مش هنسى وقفتك جمبي مهما حصل.. وان شاء الله موضوع القضية يتحل ومتتورطش مع عمي في مشاكل أكتر من كده.
- متفكريش كتير في الموضوع ده.. المهم سلامتك وبعدين نتكلم في أي حاجه تحبيها.
كانت "جليلة" تراقب اهتمامهِ الجميل بها، ورأسها تقلب في فكرة هي وليدة اللحظة، فكرة قد تقيهم من تقلب الأقدار والفواجع، حينما كانا يتبادلان الحوار، وسألته "رحيل" بفضول شديد :
- هو عمي.. عمل إيه لما ملقاش حد مننا هناك؟
وصف لها "هاشم" صعوبة الأمر بشكل أكثر جدية :
- الحقيقة عمك أتجنن خالص.. ده هددني في بيتي ومن غير ما يعمل أي حساب للشرطة، تصوري إنه قال بكل صراحة إنه عايز يقتلك؟.. أنا مش عارف إزاي هتقدري تكملي الحياة لوحدك بعد ما المحكمة تحكملك.. محدش منهم هيسيبك في حالك.
ساد الإرتباك بين كلتاهما، فالوضع أصبح شديد الصعوبة والحساسية معًا، والخوف من القادم هو سيد الموقف الآن. تحقق ما أراده "هاشم"، وزرع في قلوبهن الذعر الحقيقي، لئلا يفكرنّ في المغادرة أو التنازل عن حمايتهِ الغير مبررة لهن، وحينما تأكد إنه وصل لغرضهِ بكل نجاح؛ أشار للوصفة العلاجية التي في يده وهو يقول :
- أنا هطلب الروشته من الصيدلية عشان يجيبوها وأشوف المحامي وصل لأيه في قضيتك.. عن أذنكم.
خرج "هاشم" وفي أعقابهِ "جليلة" بدون تنتظر لحظة، ثم استوقفته بعيدًا عن الغرفة وهي تقول :
- استنى يا بشمهندس.
التفت إليها بإهتمام :
- مش بيقولولك يابشمهندس برضو ؟.
ابتسم "هاشم" مرحبًا بلقبهِ العزيز وهو يقول :
- آه بالظبط كده.. أؤمريني.
كانت متوترة، وما تفكر فيه هو الجنون بعينهِ، ولكن الحقيقة إنها بعد كل سمعته الآن وما سمعتهُ من "منال" منذ قليل من أخبار صادمة هو الذي دفعها لتلك الجرأة. لاحظ "هاشم" توترها الزائد، وحركة أصابعها المرتبكة وهي تفركهما معًا، فـ ازداد فضولهِ ليسألها بإهتمام أكبر :
- قلقتيني ياهانم.. في حاجه حصلت ضايقتكم ولا إيه؟.
ازدردت "جليلة" ريقها، واستجمعت شجاعتها المهدرة لتقول في جملة واحدة :
- أنا بعرض عليك إنك.. تتـجوز من بنتـي......
ألجمت الصدمة لسانهِ، وعيناه التي اتسعت فجأة عبرت عن حجم المفاجأة التي تلقاها للتو، إذ إنه لم يحسب أبدًا حسابًا گهذا، والآن بات محاصرًا أمام عرض خـطيـر......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"حينما تُقدم لك المكيدة على طبق من ذهب."
_____________________________________
انخلع قلبها مع سماع ذلك الوصف التفصيلي، لما يدور في منزل آل طحان من مناوشات وحروب دائرة بين الأب وابنهِ الأكبر، بعدما أتهم "حسين" أبيه بتسببهِ في هذا الوضع الكارثي، وأن صبره على" رحيل" وأمها وإتباع بعض اللين معهم هو أحد الأسباب في تلك الجرأة التي حطّت على تصرفاتهم وجلبت إليهم العار -كما وصف- .
استمعت "جليلة" لكل ما تحكيهِ "منال" وقلبها يقرع قرعًا مدويًا گقرع الطبول، وقد نشبت الحرب بين جنباتها ما بين الخوف الشديد على وحيدتها وبين التفكير في الحل الأسلم للخروج من هذه المعركة بأقل خسائر ممكنة، وإن كان ذلك بخسارة أهلها خسارة لا رجعة فيها فهي راضية تمامًا عن ذلك، المهم هو سلامة "رحيل". شردت "جليلة" وهي تستمع لكلمات "منال" شديدة الصعوبة، وما لبثت أن انتبهت لبقية حديثها حتى سمعتها تسألها :
- هتعملي إيه ياخالتي جليلة؟.. حسين لو طالها هيقتلها، ده حالف ١٠٠ يمين على كده، لازم تأمني نفسك وتأمني البت أحسن تروح في شربة ميا!.
ازدردت "جليلة" ريقها وهي تقول :
- ماانا بفكر أهو يامنال.. حمدي الله ينتقم منه مسابش حيلتنا حاجه ولا حتى البيت سابنا نقعد فيه!.
مطت "منال" شفتيها بشئ من الخباثة، ثم سألتها بنفس ذلك الفضول المتطفل :
- طب والراجل اللي قاعدين عنده ده؟!.. هتفضلوا عنده على طول؟.
تأففت "جليلة" غير متحملة تلك التلميحات الرخيصة، والتي تنوه بها "منال" عن السيرة المُشاعة في البلدة كلها :
- والله حماكي وجوزك اللي رامونا على المر.. هقول إيه، حسبي الله ونعم الوكيل.
*****************
صمتهِ ذلك وتعابير وجهه التي تغيرت على حين غرة من عرضها المفاجئ كان بمثابة الرد عليها، ورغم ذلك لم تحاول التراجع عما عرضتهُ عليه، فهنّ في أمسّ الحاجه لمساعدتهِ هو بالذات دون غيره، بأسه وصلابتهِ وتحديهِ السافر لـ "حمدي".. كل ذلك لن يقدر عليه إلا شجاع في مثل أخلاقهِ. أما هو.. فالمفاجأة كانت شديدة التأثير عليه، حتى إنه لم يدرك بعد أن كل مشاعرهِ قد طفت على وجهه بدون أن يتحكم فيها، فهو حتى وإن كان رجلًا أعزب؛ لقد خرج لتوهِ من علاقة مازال يتعامل مع شروخها وتصدّعاتها ولم تنتهي بعد. تحرجت "جليلة" من طول صمتهِ، وأدركت إنها طلبت المستحيل، وربما تطاولت أحلامها في أن تحمل ابنتها نسب گهذا، لذلك حاولت سحب عرضها على الفور بدون أن تسبب له أي حساسية :
- آ... انا مقصدش طبعًا أحطك فالموقف ده!.. حقك عليا أنا بس آ.....
على الفور ظهرت ابتسامة وديعة تلاشت معها كل إيحاءات الرفض أو الذهول، وبتر كلماتها عند تلك النقطة قائلًا :
- متعتذريش أبدًا ياهانم.. أنا بس بفكر ياترى رحيل هتوافق نعمل فرح ولا مش لازم.. سيادتك إيه رأيك؟.
سرعان ما تحولت تعابيرها لإشراقة مُخضبة بدماء الحياء التي وردّت وجهها، ولمعت عيناها ببريقٍ يُنذر بالدموع، گالغريق الذي تعلق بقشةٍ تنقذهُ من هول الغرق. ابتسمت "جليلة" وصوتها يرنّ بحيوية وهي تشكره :
- أنا مش عارفه أشكرك وأوفي جميلك إزاي.. آ.... ربنا يباركلك ويكرمك زي ما أكرمتنا...
ابتسم "هاشم" بنفس الوجه البشوش وهو يسألها :
- أنا اللي بشكرك إنك شرفتيني بالعرض ده.. بس هي رحيل هانم تعرف بيه ولا لأ؟.
هزت "جليلة" رأسها بالسلب :
- لأ.. لو قولتلها عمرها ما هترضى، رحيل نفسها عزيزة وعندها كرامتها أهم من أي حاجه تانيه.
أومأ "هاشم" رأسه متفهمًا :
- أنا عارف.. عشان كده مش عايزك تقوليلها حاجه نهائي.. سيبيلي الموضوع كله وأنا هتصرف فيه وهقنعها بطريقة غير مباشرة.
وضعت" جليلة" يدها على رسغهِ وضغطت عليه بدون عمدٍ، وكأنها تمتنّ لصنيعهِ الكريم بعد أن حمل عنها ذلك الحمل الثقيل :
- يبقى كتر خيرك.. أنا متأكدة إنك الراجل الوحيد اللي هيقدر يحميها ويراعيها، أنا مش هعيش العمر كله معاها.
- متقوليش كده طولت العمر ليكي ياهانم.. أنا هبعتلك الدوا مع السواق وهروح أشوف مصالحي وهاجي آخر النهار.
- تسلم يارب من كل سوء.
التفت موليها ظهرهِ، وفي رأسه تلفّ الثعالب وتدور بلا راحة، فقد أصبح العريس المنتظر والمطلوب منه أيضًا إقناع العروس التي قد تعزف عن الزواج احترامًا لذكرى زوجها الراحل، سيكون عليه بذل مجهود إضافي لإقناعها بدون أي تدخل صريح؛ ولكن الأهم هو كيفية تنفيذ ذلك ومتى؟.. وكيف سيرسل الخبر السعيد لبيت آل طحان جميعًا؟.
**************************************
كانت "منال" تجلس بينهم بكل تكبّر، بعدما علم الجميع عن تواطؤها مع "جليلة" لإرسال "رحيل" من المنزل أصبحت محطّ أنظار الجميع، ما بين محتقر وبين مُشجع؛ لكنها لم تأبه بذلك على الإطلاق، بل اعتبرت ما قامت به فخرًا لها، فهي تسعى للحفاظ على زواجها من مهبّ الريح الذي قد يطيح به لأسفل سافلين.
رمقتها "سعاد" بمزيج من النظرات المشتعلة والمستنفرة، فقابلت "منال" تلك النظرات بتعالٍ وشماتة، وسألتها بإستخفاف :
- وانتي بقى معرفتيش مين اللي عمل فيكي كده يا حماتي؟.
أشاحت "سعاد" بنطراتها بعيدًا وهي تردف بـ :
- وانتي مالك.. قوليلي انتي بقى يامرات ابني اطمنتي على صحابك وعرفني مكانهم فين ولا لسه؟.
تلوت شفتي "منال" بإستهجانٍ مفرط :
- وانا لو أعرف هقولك يعني!.. إن شالله ينزلوا تحت الأرض مليش دعوة، المهم إني نفذت اللي في راسي والجوازة دي مهياش ماشيه.
لمحت "تيسير" أخيها يمر بالخارج بعكازهِ، فتعمدت أن ترفع صوتها قليلًا لكي يستمع إلى حديثهم، وكي تدين "منال" بما لم تتفوه به :
- يعني انتي معترفة إنك عارفه مكانهم ومخبية!.. عيب عليكي الناس كلوا وشنا بسببك وبسبب عمايلك، كان زمانها في طوع أخويا وقاعدة وسطنا بدل ما تتصرمح في كل حته.
دخل "حسين" أثر سماع كلمات أختهِ المتعمدة والمنتقاه بعناية، وعيناه تفيض بالغضب وهو ينظر لزوجتهِ :
- انتي تاني يا منال؟.. انتي اللي عملتيها تاني؟.
أخفت "منال" توترها محاولة أن تبدو صلبة قوية أمامه لا يخيفها أي شئ :
- لو فكرت تمدّ إيدك تاني عليا وديني لأكون سايبالك البيت ياحسين.. أنا مش ملطشتك، لأ أصحى وفوق كده ده انا بنت الصاوي، يعني ورايا رجالة العيلة كلها وممكن يسدوا عين الشمس.
انتفخ "حسين" عن آخره، خاصة بعد تهديدها الصريح له بأهلها وثقلهم في البلدة، فرأى بذلك استخفافًا بقوتهِ، لا سيما إنه علم بمساعدتها التي ما زالت قائمة لـ "رحيل"، فلم يشعر بنفسهِ إلا وهو يرفع أحد عكازيه ويهوي به على جسمها، فصرخت "منال" بدون أن تتدارك ضربتهِ، ليصدح صوت" سعاد" في نفس اللحظة :
- جـدع ياواد.
وقبل أن تطالها عصى ذلك العاجز مجددًا كان "علي" شقيقهِ الأصغر يدفعه عنها برفق وهو يصيح فيه :
- ميصحش كده يا حسين.. الله!.. مراتك كانت هتروح في إيدك المرة اللي فاتت!.
دفعه "حسين" بإهتياج وقد وصل الغضب لذروتهِ:
- أبعد ياعـلي.. دي ولية عايزة رباية من أول وجديد وانا هربيها.
صرخت "منال" في وجهه بعدما ضرب بتهديدها عرض الحائط:
- طب والله ما هتعدي ياحسين، مش هــتـعدي.
- غـوري في داهيـه
وركضت إلى غرفتها وفي نيتها ألا تترك الأمر هنا، ولن تمرر الأمر مرور الكرام هذه المرة، فقد اعتاد في الآونة الأخيرة إهانتها وضربها لأكثر من مرة، بدون أن يرى منها ردّ فعل واضح وصريح ليردع فيه العنف ضدها، ولذلك كانت أولى خطواتها إنها استجدت الغوث من أهلها ذوات النسب الرفيع في المنطقة وأصحاب الصيت العالي، ليكونوا لها نُصرة عليه وعلى أهله.
**************************************
لم يصدق "مراد" في بادئ الأمر، وظن إنه تهويلًا للوضع أو ما شابه؛ لكن آخر ما قد يتوقعه أن تلك السيدة قد تعرض زواج ابنتها منه بغرض حمايتها والحفاظ عليها وعلى حقوقها، ولكي يتصدى لهم "هاشم" ويحبط محاولاتهم لإغتصاب حقوقها الشرعية.
لقد تطور الأمر عن كونهِ مجرد مساعدة لفتاة منكوبة من أهلها، وبات خطيرًا وله تداعيات مستقبلية ليس من السهل توقعها.
اعترض "مراد" على موافقتهِ لأمر گهذا، مستنكرًا تلك السهولة التي قابل بها الأمر :
- إنت مش شايف إنك مستصغر الحكاية أكتر من اللازم!.. يعني إيه تتجوزها؟.. مين دي وليه نتورط في قصتها أصلًا؟.
كان مرتخيًا على المقعد الجلدي المتأرجح، يترنح به يمينًا ويسارًا، وعيناه معلقة بالسقف وهو يقول :
- هي فعلًا ورطة، بس انا بالنسبالي عادي جوازة ومش هتطول، الورطة هتبقى ليها هي.. متنساش إن موضوع الطلاق والإنفصال ده مشكلة للست مش للراجل.
قطب "مراد" جبينه وكأنه بدأ يفهم نية "هاشم" لشكل العلاقة المستقبلي بينهما :
- يعني انت مقرر كمان إنك هتطلقها!.. ولزومه إيه من الأول؟.
طرق "هاشم" بأصابعه على مسند المقعد هاتفًا :
- على الأقل هيكون تدخلي في وسط شؤون عيلة الطحان تدخل منطقي.. لكن دلوقتي أنا ماليش أي صفة ولا ليا حرية التصرف في أي حاجه، الموضوع ماشي معايا بالبلطجة.
مازال "مراد" غير مقتنع بما يرويه "هاشم"، منزعجًا لأجل الفتاة التي ستعاني الأمرّين في كلا الحالتين :
- يعني البنت هتخلص من أهلها في مقابل إنك تتجوزها جوازة مؤقتة وبعدين تطلقها لما توصل للي عايزه!.. وهي ذنبها إيه في كل ده؟.
تأفف "هاشم" مضجرًا وهو ينهض عن جلستهِ، وبدون أن يشعر بكلماته كان يجرحهُ بها بعدما قنط من فرط توبيخهِ فيما يخصها هي بالذات :
- يـــوه.. هي حنيتك دي اللي وصلتك للي انت فيه دلوقتي؛ عشان كده عمرك ما هتتخطى أي حاجه واقفة قدامك.
صاح فيه "مراد" محذرًا من تماديهِ فيما يخص هذا الشأن الحساس للغاية :
- هــاشــــم!!...
أشاح "هاشم" بوجهه بعيدًا عنه، ليسمع صوت اقتحام مكتبه وقد فتح "سعد" الباب عنوة متجاهلًا تحذيرات السكرتارية:
- يافندم ميصحش كده!.
رمقهُ "هاشم" بنظرة محتقنة، بينما أصرف "مراد" السكرتيرة وأغلق الباب، حينما أردف "هاشم" بلهجة مستنكرة تصرفهِ الأحمق :
- إيه ياعمي!.. سيبت شغلك في التجارة وبقيت قاطع طريق!.
أشار له "سعد" بسبابتهِ محذرًا إياه :
- ألزم حدودك ياهاشم.. متنساش إنك بتكلم مع عمك.
جلس "هاشم" مترأسًا مكتبهِ الفخم العريض وهو يرد على مزحتهِ السخيفة :
- لما الكبير يحترم نفسه أكيد هيجبر الصغير إنه يحترمه!.
نفخ "مراد" متذمرًا وهو يدعوه للجلوس :
- أتفضل أقعد ياعمي.. خير في إيه؟.
انتقد "هاشم" أسلوب ابن عمه الراقي، بينما الآخر قد أتى من أجل العراك على ما هو ليس من حقه :
- يتفضل فين احنا لسه هنرغي في نفس الحوار!.. اللي عندي قولته ومفيش كلام غيره.
شظايا الحقد انتفضت في عيني "سعد" وهو يشير لأبن أخيه مستشهدًا بحكمتهِ في وزن الأمور :
- شايف يامراد!!.. شايف ابن عمك بيكلمني إزاي؟.
جلس "مراد" قبالة المكتب هاتفًا :
- ماانت اللي مش عايز تفهم ياعمي نعمل إيه!.
جلس "سعد" أمامهم بأريحية، متجاهلًا أسلوب الفطاظة المقللة من شأنه ليقول :
- مفيش حاجه تتفهم غير إنكم طبختوها مع بعض عشان تخرجوني من الميراث.. زي ما عملها أبوك قبل كده يا هاشم وخرجني من الشركة.
أمسك "هاشم" قلمهِ الفضي المحفور عليه أسمه، يتلاعب به بين أصابعه وهو يردف :
- وياترى خرجك ليه يا... عمي ؟؟.
تناوب "مراد" الإجابة وقد سار على نفس النهج في اللهجة المستنفرة :
- يمكن عشان خسرت الشركة ١٥٠ مليون جنيه ياعمي!!.
بدا "سعد" غير راضي عن تلك المناقشة المُدينة له :
- هو في المكسب حبايب وفي الخسارة هشيلها لوحدي ولا إيه؟.
تنهد "هاشم" وقد نفذ صبره، ولم يعد لديه المزيد من الثبات الإنفعالي أمام ذلك الضغط الشديد على صبره :
- مكسب إيه ياعمي!.. وبعدين إيه اللي فكرك بينا وبالشركة!.. هو الأومار مبقاش جايب همه معاك ولا ايه؟.
تدخل "مراد" قبل أن تنشب المشاجرة بسبب كلمات "هاشم" الأخيرة، محاولًا الفصل في الموضوع بشكل نهائي :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- انت خدت نصيبك من الشركة في حياة عمي رضوان ياعمي.. خلاص مبقاش ليك أي حاجه هنا.
تشدد "سعد" في مطلبهِ وقد طفى الغل على وجهه المحمر بعصبية :
- وحقي في ميراث أخويا رضوان فين؟؟.
لم يطيق "هاشم" إعادة نفس الكلمات أكثر من مرة، ومع ذلك اضطر أن يفعلها مرة أخرى عسى أن تكون الأخيرة :
- تـاني!.. انت مبتزهقش ياعمي؟.. قولتلك بابا باع كل حاجه على حياة عينه ليا وبأوراق رسمية، محتاج أقول إيه تاني عشان تصدق إن ملكش أي حاجه عندي؟.
ثم وقف مختتمًا حديثهِ :
- إنت خدت من وقتي أكتر من اللازم.. أنا خلصت كلامي ومعنديش غيره، وريني بقى أخرك ياعمي.
وسحب معطفهِ الجلدي الأسود وسار نحو الباب قائلًا :
- حصلني يا مراد ورانا شغل برا.
مطّ "مراد" شفتيهِ بإذعان، ثم أردف بـ :
- أديك سمعت نهاية الكلام ياعمي.. كفاية بقى تحط نفسك في الموقف ده.
نهض "سعد" عن مكانه شاعرًا بقلة الحيلة؛ لكنه ما زال يكابر بإنه يمتلك حقًا وهما اغتصبوه :
- لو كان مليش في ميراث رضوان الله يرحمه.. يبقى أكيد هورث في ابنه.
قطب" مراد" جبينهِ بإستهجان، وتسلطت عيناه الحادة على عمه الذي ألقى تهديدًا متواريًا منذ لحظات :
- إنت بتقول إيه ياعمي!.. لو فكرت بس تمسّ هاشم أو تتهور بتصرفاتك أنا اللي هقفلك.
ابتسم "سعد" ابتسامة جانبية ساخرة ليقول :
- هتنصره عليا يامراد؟.
كان "مراد" متشددًا محافظًا على صرامتهِ :
- هاشم أخويا يا عمي.. اللي يمسّه كأن مسّني أنا بالظبط.
لم يكترث "سعد" بذلك التحذير الصادق، وتجاهل تمامًا صلة الدم التي تجمعهم ليعلنها صراحةً بأن نواياه قد تتحول للشر يومًا ما :
- ولا يهمني انت ولا هو.. انا عملت اللي عليا وجيبتلكم لحد عندكم، عشان اللي جاي محدش يسألني فيه.
وخرج "سعد" مستشيطًا تكاد النار تحرقه هو أولًا، وقد باتت نواياه تدخر الشر لهم، جِراء تجريدهِ من حقوق غير منسوبة له من الأساس، وبموجب عقود البيع والشراء قد صار كل شئ ملك لـ "هاشم" وفقًا للقانون، فصار أمر الأرث محرمًا على "سعد" وعلى شقيقتهِ التي لم تقل عنه حقدًا وحسدًا، بل إنها هي الحيّة التي تبثق السمّ في أذنيّ "سعد" بإستمرار، فـ دفعتهُ بتعمدٍ لتلك الحرب الباردة التي لم تُضرم بعد.
************************************
تسلّم "هاشم" حوائجها التي انتقاها بنفسهِ، ثياب وأوشحة للرأس من أجل حجابها الرقيق، منامات منزلية وملابس فضفاضة للخروج، ولم ينسى أبدًا بعض الأكسسوارات المتألقة التي تتماشى مع ألوان الثياب التي اختارها من بين تصاميم عديدة للمحجبات.
تناول السائق كل الحقائب من يده ووضعها في شنطة السيارة، ثم همّ ليفتح بابهِ الخلفي هاتفًا :
- أتفضل يافندم.
جلس "هاشم" في مكانهِ ونزع عنه نظارة الشمس، ثم نظر لساعتهِ وهو يسأله :
- الرجالة اتحركوا ولا لسه؟.
- زمانهم في الطريق ومعاهم الهانم الصغيرة وست عبير.
أومأ "هاشم" رأسهِ ثم أردف بـ :
- أنا عملت أوردر غدا من قصر المندي، وصلني وتطلع على هناك تستلمه وتتأكد إنه سخن.
- أوامرك يافندم.
بدأ "حامد" في قيادة السيارة نحو منزل "هاشم" البعيد عن وسط المدينة بصخبها وإزدحامها، والمتواجد في مكان هادئ وراقي وسط أحد التجمعات السكانية الراقية في مدينة الشيخ زايد، لم يمر سوى نصف ساعة تقريبًا وكان "هاشم" يترجل عن السيارة ويصعد لشُقتهِ التي تأوي ضيفتهِ الحزينة وعروسهِ المستقبلية، ففتحت له "جليلة" لتستقبله بترحابٍ غير عادي :
- أهلًا وسهلًا أهلًا.. حماتك بتحبك، لسه حالًا قافلة على الغدا.
انبعجت شفتيه بمجاملة وهو يرفع عنها ذلك التعب :
- حضرتك متتعبيش نفسك خالص.. أنا طلبت غدا والسواق رايح يجيبه.
استنكرت "جليلة" ذلك بينما هي قامت بكل ذلك المجهود منتظرة حضورهِ :
- لأ طبعًا هو أكل المطاعم ييجي إيه جمب أكلنا!.. ألغيهِ أنا خلاص حضرت كل حاجه، أنت كتر خيرك مليت البيت والتلاجة كمان هتتكلف غدا جاهز!.
لم يتمسك برغبتهِ كثيرًا، وفضّل أن يحتوي مجهودها المبذول بمزيد من التقدير :
- تسلم إيدك يا هانم.. ممكن تستأذنيها أدخلها؟.
خرجت "رحيل" بعدما سمعت صوتهِ، وهي تستند على عكازها لئلا تضغط على قدمها المصابة، وآتاه صوتها وهي تقول :
- أنا جيت بنفسي أهو.
نظر لقدمها المسنودة على الأرضية وقد تحولت ملامحه لأخرى مستنكرة متضايقة لعدم التزامها بالراحة كما أوصى الطبيب :
- انتي إيه نزلك من السرير؟.. مش الدكتور قال متضغطيش على رجلك وإلا الغرز هتتفتح تاني!
ومشى صوبها أثناء حديثه ليمدّ إليها يدهِ تستند عليها :
- متقلقش أنا بدوس عليها، وبعدين زهقت من قعدة الأوضة.
نظرت لذراعهِ الممدودة لها، ثم أطرقت رأسها بتحرجٍ لتقول وهي تجلس على أقرب أريكة :
- ربنا يخليك أنا العكاز مساعدني أهو.
دخل "حامد" حاملًا الحقائب :
- أحطها فين يا فندم؟.
أشار له "هاشم" نحو باب الغرفة :
- دخلها الأوضة اللي آخر الطرقة ياحامد.
ثم نظر حيالها هاتفًا :
- دي شويه هدوم هتناسبك.. ومنسيتش الطرح طبعًا.
تخضبت وجنتيها بإستحياءٍ من كرمهِ المفرط معها :
- حضرتك تعبت نفسك ليه بس!.. كده كتير وانا مش هقدر أسدد كل ده.
قطب جبينهِ مستنكرًا كلماتها الأخيرة ببعض التحفظ :
- مين قالك هتسدديها!.
تغيرت ملامحها بعض الشئ وهي ترفض استلام هدية گهذه بدون تسديد استحقاقها:
- ومين قال إني هقبلها لو مش هدفع فلوسها؟!.
اكتشف طابعًا جديدًا لديها، طابعًا زاد من شغفهِ لإستكشافها كلها، بينما تدخلت "جليلة" بعدما أحست بفظاظة غير مقصودة من ابنتها التي لم تعلم بعد عن مستقبلها المجهول مع ذلك الرجل التي تعتبره - غريبًا عنها - حتى اللحظة :
- آ... ميصحش كده يارحيل !.. هي دي كلمة شكرًا؟!.
تناوب "هاشم" الرد عنها بدون أن تغيب تلك الإبتسامة عن محياه :
- سيبيها على راحتها ياهانم.. هي برضو عندها حق.
أخرج "هاشم" فواتير السنتر الشهير الذي ابتاع منه كل تلك الأشياء، ثم مدّ يدهِ إليها قائلًا :
- اللي يريحك أكيد هعمله.
نظرت "رحيل" لقيمة الفاتورة، فـ جحظت عيناها بذهولٍ من الرقم الضخم المكتوب فيها، ثم رفعت بصرها إليه وهي تهتف في تعجب :
- تمانية وستين ألف جنيه على هدوم بس؟
فـ صحح لها "هاشم" وصفها مضيفًـا عليه :
- وطرح وبيچامات والذي منه.
كادت تعترض بدورها لولا إنه أشار إليها مقاطعًا :
- أكيد مش هتديني تمنهم دلوقتي يارحيل هانم.. لما تكسبي القضية وتستردي حقوقك كاملة أبقي سدديهم بالتقسيط المريح وعلى ١٢ سنة مش ١٢ شهر بس.
رغمًا عنها ابتسمت بإمتنان، بينما أشار "هاشم" لسائقهِ كي يدخل ليضع الحوائج بالداخل، فجلس هو قبالتها مستأذنًا :
- الست جليلة عزمتني على الغدا معاكم النهاردة.. ده لو مكنش عندك مانع طبعًا.
ردت عليه على الفور بدون أدنى تفكير :
- تنور.. ده البيت بيتك واحنا ضيوف هنا.
قطب جبينهِ منزعجًا ليقول :
- أرجوكي متقوليش كده.. البيت بيتك متعمليش أي فرق.
أشارت "جليلة" نحو المطبخ قائلة :
- هجهز السفرة على طول اهو.. عن أذنكم.
خرج "حامد" ومرّ أمامه ليقف بالقرب من الباب وهو يسأل :
- تؤمرني بحاجه تانية مع الغدا يا فندم؟.
- خد الغدا وروح اتغدى انت وعيالك يا حامد.. أنا هرجع لوحدي.
انفرجت شفتي "حامد" بإمتنان وهو يقول :
- ربنا يخليك لينا يافندم.. سلامو عليكم.
انتقلت عينا "هاشم" تنظران إليها، بدون أن يحذر تلك المرة من تفسير نظراتهِ على محمل غير مناسب، فقد بات يتوق لعدّ خطوط وجهها، استكشاف ثغرات بشرتها، ترقب عيناها المتوترة حين تحس به يراقبها، الآن يتجرأ على ذلك أكثر من ذي قبل، بعد أن أصبح لديه السبب المقنع لهذا، وهو إنها عروسهِ القادمة، وحتى إن كان يعتقدها صفقة، عليه أن يدرك جيدًا أن كل ما يخصها بات يعنيهِ، فـ الطير الجارح يهتم جدًا بإستكشاف قدرات فريستهِ قبل أن يحطّ عليها، لكي يتوقع ردود فعلها المهاجمة ضد محاولاتهِ للإنقضاض عليها، فيقوى على صدّها قبل أن تتخذ موضع الدفاع.
*************************************
جلس "حمدي" على سطح منزلهِ الكبير برفقة ولدهِ الكبير "حسين"، حيث كان السطح مجهزًا لإستقبال الجلسات فيه، محاط بالرخام ومقاعدهِ من الخوص القوي وعليها وسادات محشوة بالأسفنج الطري، بجانب المزروعات والصبار والشجيرات.
كان يفكر فيما يحيط به من أحداث، لم يتخيل أن تخرج الأمور عن سيطرتهِ هكذا، يبدو إنه تعيّن عليه أخذ الأمور بالحكمة وليست الشدة، بدلًا من أن تتفرق عنه زوجة ولده المتوفي وأمها، وفي يدهم نصيب الأسد الذي يجاهدن للحصول عليه من بين الأراضي والأملاك، منذ أن مات والدها وحتى الآن. تنهد "حمدي" متأزمًا وهو ينظر من حوله بقلق، ثم همس بـ :
- وبعدين يا حمدي؟.. لو المحكمة حكمت ليها يبقى كده روحنا فطيس!.. بنت الـ **** مش هتقبل تتنازل ولا تبيع بعد اللي حصل.. هتستقوى عليا.
لم يكن "حسين" راضيًا عن لمحة الهزيمة التي سمعها في صوت والدهِ، ولا ذلك القلق البادي عليه، فـ نفخ بصوتٍ مسموع وهو يقول :
- ما نفتح البطن دي ونخلص يابا!.. إحنا لسه هنستنى الست تتكرم علينا وكمان توافق أو ترفض تبيع!.. احنا نسلمها الأرض خربانة، بعد ما نكون خدنا المصلحة منها.
فرك "حمدي" أصابعهِ يفكر في ذلك الحلّ، ثم أردف بـ :
- أنا عارف اللي فيها.. واد العزيزي بيعمل كل ده عشان ياخد الأرض بالبطن اللي فيها من بت عمك، بس ده على جثتي، دي ملايين الدولارات!.. فاهم يعني إيه ياحسين؟.. البطن دي بالذات عمري كله.. الله يرحمه عمك منعني زمان ومن بعده حسن؛ لكن دلوقتي لابد آخدها.
اقترح عليه "حسين" فكرة من وحي أفكاره المتشتتة:
- ما نجيب العمال ونبدأ الحفر من الفجرية يابا!.. أنا مش ضامن استنى بعد كلام المحامي اللي قاله ده، طالما متأكدين إنها هتاخدها هتاخدها يبقى تاخدها فاضية.
ثم فكر مليًا ليسأل بعدها :
- بس الناس اللي هياخدوا الآثار دي جاهزين يستلموا ويدفعوا الكاش ولا هنقعد بالمصيبة في حضننا كتير؟.
- جاهزين في أي وقت ياولدي.. هما بس مستنين الإشارة مني، أنا الصبح هكلم الخواجة ونشوف معاه أقرب وأسرع وقت يستلموا فيه، بس قبل كل ده لازم الشيخ صبّاح ييجي يقرا على البطن لاحسن تصيبنا بمصايب احنا مش قدها.
صوت أقدام على السلم جعلتهم يتوقفوا عن متابعة الحديث، فإذا بهِ "علي" يصعد إليهم وعلى وجههِ تعابير الحنق وهو ينظر لشقيقهِ الغبي "حسين" :
- عيلة الصاوي تحت يا حسين.. جايين ياخدوا بنتهم منال.
استند "حسين" على عكازهِ لينهض واقفًا وهو يسبّها بلفظٍ شنيع :
- عملتها بنت الـ ****ـة!!..
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ربّ ذنبٍ لم تقترفه في الخفاء أو العلن، يكون فيه نهايتك."
_____________________________________
كانت تتناول غداءها بشهية منعدمة، فقط كإجراء روتيني مجبرة عليه كي لا تتكدر معدتها بسبب الأدوية المتنوعة التي تتعاطاها، وكان ذلك ملحوظًا له، وهو الذي كان يراقبها مختلسًا النظر إليها، شاعرًا بعيون "جليلة" التي تتفرس النظر إليه من حين لآخر.
قطع "هاشم" لحم البطّ بيدهِ ثم وضع أمامها قطعة طرية من لحم الصدر وهو يردف بـ :
- أكلتك ضعيفة ومش هتنفع مع العلاج اللي بتاخديه يارحيل... هانم.
أدرك إنه نطق إسمها بدون تكلفٍ أو ألقاب، فـ مررّ لحظات قبل أن يلحق بخطئهِ متعمدًا ذلك، لكي ترفع هي بنفسها تلك الكُلفة بينهم، وقد كان :
- مفيش داعي تقولي هانم.. ناديني بأسمي عادي.
ثم نظرت لقطعة البط الكبيرة وهي مستثقلة تناولها :
- مش هقدر آكل أكتر من كده حاسه معدتي مش متقبلة الأكل التقيل ده.
تدخلت "جليلة" وهي تدّس قطعة صغيرة بفمها لكي تلوكها:
- معلش يارحيل تعالي على نفسك يابنتي.. هاشم بيتكلم صح العلاج لازمه غذا كويس.
ثم سكب لها "هاشم" ملعقتين من الحِساء وهو يتابع :
- تسلم إيدك يا هانم.. الأكل من إيدك ليه طعم تاني، بقالي كتير محروم من الأكل البيتي.
شعرت "جليلة" بالشفقة عليهِ، لتقول بتلقائية شديدة وهي تسمح لنفسها بالتدخل في حياته، بحكم إنه الصِهر المنتظر :
- ياعيني يابني!.. هي مكنتش بتطبخلك ولا إيه؟.
جحظت "رحيل" بعينيها في ذهول من تطفل والدتها المفاجئ :
- ماما!!.. إحنا مالنا بالحاجات دي؟!.
فـ ضحك "هاشم" بدون أن يصدر صوتًا ليجيب :
- سيبيها على راحتها من فضلك.. انا مرتاح في الكلام معاها.
ابتسمت "جليلة" بمزيد من الرضا لتقول :
- ربنا يحفظك يابني.
ثم استرسل في الحديث متعمدًا التطرق لأجزاء مصغرة من حياتهِ السابقة، أجزاء معينة اختار هو توصيلها بمغزى معين يقصده:
- كانت بتطبخ، بس مش الأكل اللي بحبه واللي بيجي على مزاجي.. يعني مثلا معتقدش إن عمرها عملتلي بط وملوخية وفريك ومحشي ورق عنب.. الأكل ده كنت دايمًا أكله برا لأنها محاولتش تعمله.. حتى ليلى في أكل كتير متعرفوش بسبب كده.
أشفقت عليه "جليلة" أكثر وهي تندمج معه في الحديث :
- عيني عليك.. خلاص متشيلش همّ أنا هعوضك انت وأميرتنا الصغيرة ليلى كمان.
ابتسم "هاشم" في إمتنان شديد وهو يلحّ عليها لتنفيذ وعدها :
- ياريت ياهانم.. نفسي ليلى تجرب تاكل من إيدك.
- ميكونش عندك فكر أنا هغذيها كويس بس هي تيجي.
وقفت "رحيل" عن جلستها وقد أحست بتوعك معدتها بعدما أكثرت في الطعام، فـ وقف "هاشم" عن جلستهِ سائلًا إياها :
- رايحة فين؟.. لسه مكملتيش أكل!.
تحسست معدتها وهي تجيب :
- مش هقدر آكل أكتر من كده.. هدخل آخد العلاج بتاعي.. عن أذنكم.
وخرجت بخطواتها البطيئة منتقلة إلى غرفتها، وهي تحس بالفضول الشديد حول الحقائب الكثيرة التي أحضرها لها، فجلست على الفراش وهي تفتش فيهم ونظرات الإعجاب تملأ عيناها، لقد كان ذو زوق رفيع حقًا، كل قطعة تختلف عن الأخرى في التصميم والألوان، وتعمّد ذلك الإختلاف من أجل التنوع الذي سيُضفي على صاحبتهِ الإناقة والجاذبية، حتى أوشحة الرأس كانت تليق تمامًا مع الثياب وتزيد من رونقها المحتشم الجميل، ولم ينسى أبدًا أحذية القدم بأشكالها وأنواعها. تبسمت "رحيل" وهي تشعر بإنه أعطاها قيمة غالية جدًا، وتصرفهِ اللبق هذا كسر بعضًا من الحواجز الأمنية التي فرضتها بينهم، خاصة حينما قبلتهُ بشرط لم تنساه، وهو أن تسدد ثمنهِ الغالي لاحقًا.
لم تلبث أن تركت الحقائب حتى تشكلت صورة أبيها أمامها، لقد كان أكثر الناس تدليلًا لها ورفقًا بها وبأمها، حتى أصبحت الآن ناقمة على أولئك الذين يدعون إنهم من دمها، بينما الغدر في دمائهم يسيل سيلًا جارفًا. تلك اللحظة التي أحست فيها بالقلق يعاود من جديد إليها، ليحوم فوق رأسها، فرفعت عيناها للسماء تتضرع بهمسٍ خفيض :
- يارب انصرني يارب وأبعد آذاهم عننا.
*************************************
لم يبدأ الشجار بعد، ولكن على وجه كل واحدٍ منهم تعابير التأهب حاضرة لخوض المعركة الكبرى، في حال اعتراض "حسين" على قرارهم بأخذ "منال" من ذلك المنزل الذي أهُينت فيه. هبط "حسين" من على سطح المنزل وعلى وجهه تلك الإبتسامة المتّصنّعة وهو يرحب بزيارتهم المفاجئة :
- أهلًا وسهلًا ياعمي.. نورت الدار والله.
وفي أعقابهِ "حمدي" قائلًا :
- زدت البيت نور ياحج عدنان.. أتفضل واقف ليه؟!.
لم يتفوه "عدنان" بكلمة واحدة، فقط ظلت قبضتيهِ مستندة على عصاه الغليظة المصنوعة من الزان الثقيل، وعيناه غائمة تتسلط على الدرج المقابل له، في حين تناوب ابنهِ الأكبر "جمال" الرد عليهم بلهجة حادة :
- ولا سلام ولا مسا يا حسين.. معندناش ستات تضرب وتتهان في بيت چوزها، لما تعرف قيمة منال تبقى تيچي تاخدها من بيت أبوها معززة مكرمّة.
منع "حسين" ذلك الغضب الذي استطر على جبينهِ من أن يظهر لهم، محاولًا تبرير فعلتهِ الحقيرة ببعض المبررات الواهيه :
- أسمعني بس ياجمال، الراجل من حقه يأدب مراته لو غلطت و......
التفتت عينا "عدنان" إليه وگأنه على وشك أن يجهز عليه، وحدجهُ بنفورٍ عازم على تلقيهِ درس قاسي مهين :
- لما تبقي البت مش متأدبة ياحسين!.. إنما بنتي أنا غالية ومتربية أحسن تربية، ميجيش واحد زيك يعلمنا كيف نربي بناتنا.
تدخل "حمدي" متحرجًا من الموقف المحرج الذي حشرهُ به "حسين" قبل أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك :
- روق ياعدنان ياأخويا.. كل حاجه تتحل بالهداوة وهما ملهمش غير بعض في الآخر.
خطى "عدنان" خطوتين للإقتراب منهما، اقترابًا متحفزًا خطيرًا وهو يرد بجدية لم تخلو من الصرامة :
- لاه.. بنتي ليها بيت أبوها ياحمدي، لحد ما تربي ولدك ويعرف مين هي منال الصاوي.. ولا بنتك تيسير محكتش ليكم كيف ابن اخويا بيعاملها!.. حاططها فوق راسه تاچ، هي دي الرچولة، اللي يضرب مرته ده راچل ناقص.
قال كلمتهِ الأخيرة تلك وهو يزجرهُ بنظرة محتقرة، فـ اشتعلت رأس "حسين" أثر إهانتهِ الواضحة، ولم يقوَ على حجب إنفعالهِ أكثر من ذلك :
- ما بلاش الغلط ياحج.. انت جوا بيتنا وانا عامل اعتبار ليك لحد دلوقتي.
لكزهُ "حمدي" وهو ينهرهُ لقلة صبرهِ التي توقع بهم دائمًا في مأزق :
- أسكت ياواد..
- عنك انت ياحچ حمدي، ده واچب عليا.
رفع "عدنان" عصاه ليمسك بمنتصفها، وبقوة كان يضرب العكاز الذي يستند عليه "حسين" كليًا، فأطرحهُ أرضًا وسط صرخةٍ مدوية وهو يقول :
- متقدرش تعمل حاچه غير إنك تحط عينك في الأرض وانت بتكلم معايا يا حسين، وإلا رچالتي برا جاهزين يكسروا رچلك التانية، كيف ما عملها ولد العزيزي قبل سابق.
انحنى "علي" ليسند أخاه الذي وقع توًا، عاجزًا عن الدفاع عنه وهو يعلم جيدًا إنه مخطئ خطأ كبير في حق زوجته التي تحملته كل تلك السنوات حتى فاض بها الكيل، وقبل أن ينفتح فمهِ مرة أخرى بكلماتٍ قد تزيد من فداحة موقفهم كان "حمدي" يقف قبالتهِ يا يجأر فيه :
- أخــرس ولا كـلمـة.
صوت أقدام "منال" وأطفالها الثلاثة كانت تحتك بالسُلم، وسط صوت النساء بالأعلى وكأنها حرب دائرة ما بين مؤيد لذهابها ومعارض، فـ تقدّم منها شقيقها يحمل عنها الحقيبة الكبيرة التي أعدتّها، ثم حمل الطفلة الصغيرة بأحضانهِ وهو يقول :
- تعالي ياقلب أخوكي.. مكانك على الراس يامنال وغير كده منقبلوش بيه.
منع "علي" شقيقهِ من التدخل فيما يحدث، وأردف بنبرة متعقلة :
- أستهدى بالله ياعم عدنان.. كل حاجه هتتحل وبالودّ، خراب البيوت مش بالساهل.
ودعم "حمدي" قول ابنهٍ الأصغر العاقل وهو يقول :
- صح.. الخراب مش بالساهل ياحج.
ضرب "عدنان" الأرض بالعصا، في إشارة واضحة منه بعدم التراجع عن موقفهِ مهما حدث :
- أسمع ياحمدي، لما ولدك أتچوز على بنتي چيت لحد عندها وسألتها، قولت لو عايزة طلاق أطلقك منه في الحال.. قالتلي لا يابا.. بحب چوزي وشرياه، سيبتها على راحتها رغم إني مش راضي بضرة على بتي، لكن الإهانة لاه والله ما أقبل بيها.. والأيد اللي تتمد على عيالي أقطعها من جدرها، لكن انا مش هعمل كده عشان العيال..
ثم ضرب الأرض مرة أخرى بالعصا وهو يتابع :
- بس اللي ميقدرش النعمة يبقى ميساهلش يعيش فيها.. وابنك ميستاهلش منال.
كانت "منال" وشقيقها قد وصلا لباب المنزل، حينما هدر "حسين" بصوتهِ الجهوري، محاولًا منع خروجها من المنزل :
- لو خرجتي من هنا يا منال تبقي طالق مني.. وبالتلاتة.
أوجعت كلمتهِ بقايا كرامتها التي تحاول لملمتها الآن، وشعرت بنفسها جارية لم يعتني بها سيدّها المالك، وهي التي كانت سيدة تأمر وتطاع في بيت أبيها، ابتلعت "منال" غصة وقفت بحلقها، ودعست على قلبها العاشق لزوجها وبيتها، لتشتري نفسها بدلًا منهما. توقع "حسين" إنها ستعود إدراجها، وأن تهديدهِ هو الورقة الرابحة التي بين يديهِ، فهو يعلم كم تعشقهُ وكم هي متعلقة به، لعل ذلك الضمان هو الذي دفعهُ لإستعبادها حدّ المرض، فمن ضمن بقاؤك سينهشك بلا رحمة، متأكدًا أن لديك من الصبر مخزون لا نهاية له.
ولكـن... ما وصلت إليه "منال" تخطى توقعاتهِ وخيالهِ المحدود، إذ تجبّرت بقوةٍ لم تكن تعتادها، وهي تخبره بإنها لم تعد تهتم، بل إن تلك هي رغبتها الآن :
- خليهم أربعة ياحسين.. تبقى وفرت عليا مشاوير المحامين ووقفة المحاكم.
انفجرت القنبلة العالقة بين ضلوعهِ، وصرخ بصوتهِ الهادر وقد كان الشيطان حاضرًا مجلسهم :
- طب انتي طـالـق يا منـال.. طـالـق بالتـلاتــة.
************************************
أغلقت هاتفها، واعتذرت عن الذهاب للمشفى لبقية الأسبوع، واعتكفت في منزلها تفكر في مصيبتها التي أتت حتى بابها بدون سابق إنذار.
الكارثة الحقيقية إنه يعتقد إنها خائنة، وهذا ما استشعرتهُ من نبرتهِ الساخرة التي بدت وكأنها لا تصدق أي تبرير منها، وإنه قد يتصرف على هذا الأساس ظالمًا إياها، وهي التي رفضت أي تساهل من أي نوع في علاقتها مع "رمزي"، لكي لا تتلطخ بوبال الخيانة الحقيرة، ولأجل الحفاظ على ابنتها التي تمثل لها حياتها كلها. انزوت "كاميليا" على نفسها والضيق يشق صدرها شقًا شقًا، غير قادرة على مواجهة هذا الألم النابع من أحشائها، من ناحية افتقدت ابنتها بشدة، و ناحية أخرى تخشى كل الخشية أن يحرمها "هاشم" منها، وقد يجدد مسعاه بشتّى الطرق إن لم تؤتي أذيتها الثمار المبتغاه. تأففت وهي تدفن رأسها في وسادتها، فـ استمعت لصوت والدتها التي فتحت عليها الباب لتهمس بـ :
- كاميليا.. رمزي برا ومصمم يشوفك يا بنتي.
انتفضت "كاميليا" من جلستها غير مصدقة إنه أقبل على فعل متهور گهذا، ثم هتفت بـ إنفعال :
- وإيه اللي جابه لحد هنا! أفرضي هاشم مراقب البيت ولا مخلي حد يمشي ورايا ؟؟.. دي تبقى مصيبة ياماما!.
ذمّت "هداية" على شفتيها بتوجسٍ وهي تشارك ابنتها نفس المخاوف :
- مش عارفه بقى!.. أنا حاولت أخليه يمشي لكنه مصمم يشوفك، الراجل هيتجنن عليكي يا كاميليا بقاله يومين.. أخرجي يابنتي فهميه الحكاية.
وضعت "كاميليا" وشاحًا صوفيًا على أكتافها، ثم خرجت في أعقاب والدتها نحو غرفة استقبال الضيوف، حيث كان واقفًا في مكانه لم يجلس حتى، قلبه ينبض على غير استقرار، وأنفاسهِ تعاني إضطرابًا حقيقيًا أثر توتره الزائد؛ وما أن رآها حتى اندلعت نيران صبرهِ التي لم تعد تحتمل لأكثر من هذا، وهو يحدجها بغيظٍ مُسعرٍ :
- ليه يا كاميليا تعملي معايا كده؟.. لـيه إنسان زيي يفضل قاعد على نار ولا عارف انتي بخير ولا لأ؟.. انتي مصممة تفقديني عقلي لــيـــه؟ ..
كانت ملامحها خاوية تمامًا، لم يستدل منها على أي تعبير أو إيماءه تفيد بما يجول بداخلها من معارك مستشيطة، وهذا ما دفعة رأسه للجنون أكثر، ليمسك رسغها بتمتاديٍ غير مقصود لعلها تفيق من حالة الصمت اللعينة تلك :
- كــاميـليـا!.. فـي إيــه بالظـبـط ما تفهميني؟!.
أغمضت عينيها بقوةٍ تعتصرهم، قبل أن يخرج همسها الذي بالكاد سمعهُ :
- هاشم عارف كل حاجه.. عارفك وعارف علاقتنا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
اتسعت عينا "رمزي" بذهولٍ لم يكن يتوقع أمر گهذا، إما كان ذلك الرجل شيطان إما يروض الجنّ لحسابه كي يعلم بشأن گهذا، وذلك يدل على مدى خطورتهِ، إذ ظل صامتًا صامتًا، ثم أعطاها حريتها على طبق من ذهب حينما طالبت بها، ثم مرّت مدة العِدة، ثم اختطف ابنته، ثم ورطها بقضية شائكة لا أحد يعرف مصيرها حتى الآن.. كل ذلك ولم يبوح بأمر إكتشافهِ الخطير هذا سوى الآن، إذًا تلك هي الورقة الجديدة التي يتلاعب بها معهم، للحصول على ثأره بحرمانها من أنفاسها التي تتنفسها، من إشراقة وجهها، من نور عينيها، من ليلـى.
************************************
تأففت الصغيرة "ليلى" بقنوط وهي تنتظر بجواره في السيارة، بينما هو عيناه گالصقر الجريح الذي خُدش جناحهِ، فـ ظل رابضًا في مكانه غير قادر على الحِراك، يُطالع البناية العريقة التي تسكنها "كاميليا"، بعدما رأى "رمزي" وقد صعد منذ أكثر من ثُلث الساعة ولم يهبط حتى الآن، فأجبرهُ ذلك على الثبوت في مكانه لبعض الوقت، لكي لا ترى "ليلى" بأم عينها زوج والدتها المستقبلي، والذي ضحت بحياتها مع "هاشم" لأجله هو. كان شعورًا حارقًا مُلهبًا، شعورًا قاسيًا وحاميًا، أن يحس رجلًا بتفضيل زوجتهِ رجل آخر عنه، بل وتخطط للتخلص من زيجتها من أجل أن تعقد قرانها على رجل آخر، متجاهلة بذلك كرامتهِ الرجولية التي لن يسمح بأن تُمس، وأن الرد سيكون قاسيًا لا محاله، فما بالك إن كان هذا الرجل هو "هاشم العزيزي" بنفسهِ؟.
انتبه "هاشم" لتذمر الصغيرة بجوارهِ، وهي تربت على ساقهِ لتلفت إنتباههِ إليها :
- يا دادي!.. مش بترد عليا ليـه انت زعلان من ليلى؟؟.
مسد "هاشم" على شعرها بلطفهِ المعتاد، ثم أردف بـ :
- أنا برضو أقدر أزعل من سُكر حياتي وأميرة قلبي.. أنا بس هطلع أشوف مامي فوق ولا لأ وبعدين هنزل آخدك معايا.. اتفقنا ؟.
عبست "ليلى" بعدما وعدها أبيها أن ترى والدتها الآن، ولكنه على ما يبدو سيتراجع عن ذلك الآن :
- مش قولتلي هتاخدني عند مامي؟؟ رجعت في كلامك ليه؟.
ربت على وجنتها الصغيرة قبل أن يطبع بشفاههِ قُبلة على جبينها مسترضيًا إياها :
- مقدرش أرجع في كلامي أبدًا.. بس عايز أتأكد إنها فوق الأول، مش هتأخر عليكي ،ماشي ؟
استسلمت الصغيرة لرغبة أبيها وهي لا تملك سوى ذلك، بينما التفت "هاشم" للسائق قائلًا :
- خلي بالك منها ياحامد.. دقايق وراجع.
- عنيا يا فندم.
ترجل "هاشم" عن السيارة متوجهًا نحو البناية، منتويًا مداهمة مسكن والدتها الذي تعيش فيه معها منذ الطلاق، ولتكن المواجهة على المشاع وبدون أي خفاء بعد الآن.
صرخت بها "كاميليا" بعدما انفجر خزان صبرها النافذ، وعيناها ترتجّ بالدموع تعاني من قسوة عقابها على ذنب لم تقترفهُ :
- مــعرفـش يا رمـزي معرفش.. مش هاممني عرف إزاي وأمتى اللي يهمني مدفعش تمن ذنب أنا مرتكبتوش!.. بنتي ملهاش ذنب تتحمل نتيجة عقابي وتتحرم مني أبدًا.
تدخلت "هداية" وقد أرهقها رؤية الحالة التي عليها وحيدتها :
- أهدي يا كاميليا، حالتك دي مش هتحل المشكلة يا بنتي.
كظم "رمزي" غضبهِ من تخاذلها واستسلامها لحكمهِ، بينما هي تقدر على رفع قضية خطف ضدهِ إن شائت ذلك :
- مش فاهم إيه سر موقفك الضعيف ده يا كاميليا؟!.. الحضانة ليكي انتي ومن حقك تاخدي البنت غصب عنه وبالقانون.
زفرت بنفاذ صبر وهي تفسر ذلك الضعف الذي يجتاحها رغمًا عن طاقتها العدوانية ضد طليقها :
- عشان أنا عارفه هاشم كويس.. العند معاه نهايته مش في صالحي، لازم أسايسه لحد ما آخد منه بنتي غير كده مش هعرف أشوفها بقيت عمري زي ما هددني.
صوت جرس الباب أثار انتباه الجميع، فخرجت "هداية" لتفتح الباب بدون أن يخطر بذهنها هوية الضيف الزائر، وإذا بها تبهت فجأة، وتشحب بشرتها مع رؤيته هنا الآن، وعلى وجهه صنوف من أشكال الغضب المكتوم، وعيناه تبرقان بنذير خطرٍ يطرق أبوابهم المهشمة، وهو يقول بنفس لطافتهِ الخادعة :
- مساء الخير يا حماتي.. أقصد يا هداية هانم.
وتجولت عيناه على الداخل وهو يسأل بخبثٍ :
- مش هتقوليلي أتفضل ولا إيه؟؟.
أطرقت "هداية" رأسها في محاولة لمنع نفسها من الإضطراب أمامه، ثم سألتهُ بنبرة فجّة غليظة :
- عايز إيه تاني يا هاشم؟.. مش كفاية المركز اللي اتقفل بسببك، ومجهودي ومجهود بنتي اللي رميته على الأرض بعد كل السنين دي؟!.
لم ينتظر "هاشم" دعوتها للدخول، وتقدم بدورهِ يدخل للمنزل ثم أغلق الباب من خلفه وهو يرميها بنظرةٍ بالية غير مهتمة بما ترويه من كلمات فارغة بالنسبة له :
- أنتوا كده دايمًا يا ستات.. تلومو الراجل على رد الفعل وتنسوا إن الفعل كان من عندكم.
تجاهل النظر إليها وعيناه ترصد غرفة الإستقبال، ثم أردف بـ :
- بنتك فين ياترى؟؟.. لسه مخلصتش مقابلة الغرام لحد دلوقتي؟.
كتمت "هداية" شهقة كادت تنفرج بها شفتيها، حينما كانت "كاميليا" تخرج من غرفة الإستقبال ومن خلفها "رمزي"، بعد سماع ذلك الصوت الرجولي الواضح بالخارج، لتُصدم "كاميليا" برؤيته هنا.. والآن.. في هذا التوقيت الحرج والخاطئ، بينما عيناه هو تتسلط على ذلك - الحشرة- كما وصفهُ، والأسئلة تقف على لسانهِ في ترددٍ للخروج، ثم أحس إنه لا جدوى من ذلك، فعلى ما يبدو إنها اختارت طريقها، وأن الثمن ستدفعهُ لا محالة. كاد "هاشم" يعود لفتح الباب والخروج منه بعدما رأت بعينها إنه داهمهم، فـ ركضت نحوهِ قبل أن يخرج وهي تلهث بتعبٍ قائلة :
- هاشـم.. هاشم استنى أرجوك.
وقف ينظر إليها بنظرةٍ خائبة، وكأنه يكوي ضميرها ويحرق آخر أمل لها بالتفاوض معه، قبل أن يهتف بـ :
- وجودي ملهوش لزوم.. انتي اختارتي خلاص وكل واحد لازم يدفع تمن اختيارهُ.
فهمت إلى ماذا يرمي، فـ أمسكت بذراعهِ ترجوه بنطراتها الدامعة، أن يرحم أمومتها وضعفها وألا يعاقبها بذلك العقاب القاسي :
- لأ أرجوك متقولش كده.. أي اختيار قدام بنتي خسران يا هاشم، بنتي عندي أهم من أي حاجه أرجوك رجعهالي وانا أوعدك هعمل كل اللي تقول عليه.
حقًا كانت تلك هي نقطة الضعف التي أمسكها بها، فضغط عليها بكل قوةٍ لتدفع ثمن الأثم الذي لم تعترف به بعد، متلذذًا برؤيتها تعاني كما أذت هي مشاعرهِ وخدشت رجولتهِ :
- مبقاش في كلام يتقال خلاص يا دكتورة، وأي إتفاق كان هيتم بينا اعتبريه... لاغـي.
تشبثت "كاميليا" به حينما تدخلت "هداية" لتمنع ذلك الظلم البيّن الذي تراه :
- حرام عليك ياهاشم انت مش عارف حاجه.. متاخدش بالظاهر وتظلم بنتي وتظلم ليلى كمان.
- هاشم أنا مستعدة أضحي بأي حاجه عشان بنتي، أرجوك أديني فرصة وانا هحكيلك كل حاجه، والله انت ظالمني.
تجاهلها "هاشم" وهو ينظر لـ "هداية"، موحيًا بالقرار الذي اختاره فيما يخصها :
- أنا مش هظلم ليلى أبدًا.. بنتي هتعيش الحياة اللي تستحقها حتى لو من غير أمها، من غير الخـاينة.
لم يقوَ "رمزي" على رؤية ذلك الذلّ والهوان عليها، قلبهِ يتمزق من بين ضلوعهِ وهو يراها ترجوه وتشحذه هكذا وهو جامدًا متحجرًا گالصخر، فبادر بمحاولة لتفسير ما حدث، وإنه ظالمًا لهم بتنبؤاتهِ الخاطئة :
- أستاذ هاشم، أنا بقسملك إن مفيش أي حاجه بيني وبين مدام كاميليا وإنك فاهم غلط، دي زميلتي في المستشفى وعمرها ما تمادت معايا أو......
لم يجد "رمزي" ردًا شفهيًا، وإنما لكمهُ "هاشم" لكمتين طرحتهُ أرضًا يقاسي من شدة الألم، ثم ضبط ياقة معطفهِ وهو يجأر بـ :
- شوفلك دكتور يصلح وشك.. يا دكـتور.
لم تتجرأ "كاميليا" على التفوه بكلمة واحدة وهي تراه في ذروة جنونهِ المتهور، وتنحّت جانبًا لتتحاشى مصيرًا قد يكون أبعد مما تتخيل، بينما انحنت "هداية" نحو "رمزي" لتلحق به حينما خرج "هاشم" تاركًا باب الشُقة مفتوحًا من خلفهِ.
هبط متعجلًا ليرى صغيرتهِ تقف بداخل السيارة وأمام النافذة لتراه، وقد تهللت أساريرها ظنًا بإنها ستصعد لوالدتها؛ لكن "هاشم" أحبط تلك السعادة التي كانت تتراقص في عينيها، حينما هتف بـ :
- مامي مش فوق يا ليلى، للأسف هنضطر نمشي ونيجي وقت تاني تكون موجودة فيه.
اختفت الإشراقة عن وجهها، وهي ترضخ لوالدها بدون أن تنبث بكلمة، فوضعها "هاشم" على ساقيه وهو يسألها :
- إيه رأيك لو ناكل أيس كريم ؟.
فسألته بعفويتها :
- في البسكوتة؟.
- أكيد في البسكوتة، وبعد كده هنروح مكان جميل.. إيه رأيك ؟.
مطت الصغيرة شفتيها ببعض الرضا، وهي تجيب بموافقتها :
- ماشي موافقة.
قبّل "هاشم" رأسها وهو يشير لسائقهِ كي يتحرك، بينما بقيت صغيرتهِ قيد أحضانهِ طوال الطريق، وكأنه بذلك يعوضها عن قرارهِ بحرمانها عناق واهتمام وحضن الأم، يعوضها عن الثمن الذي ستدفعه بأثم والدتها، ستدفعه بالحرمان منها.. إلى الأبد.
**************************************
صفّ "مراد" سيارتهِ أمام إحدى الصيدليات الشهيرة، متمنيًا لو يجد الدواء الناقص الذي يبحث عنه منذ مدة، لعله يُشفى من "الأنفلونزا الموسمية" التي بدأت تداهمه أعراضها منذ الأمس. ارتدى قناع طبي لئلا يصيب أحد بالڤيروس، ثم ترجل عن سيارتهِ سائرًا نحو مدخل الصيدلية، فـ أوقفه اصطدام سيدة به وكأنها لم تراه أمامها بذلك الوضوح الذي يمنع تصادمهم، فـ رفعت بصرها المتحرج إليه لتعتذر :
- أسفة جدًا لحضرتك.
شحب وجهه وتجمدت أطرافهِ وهو يراها أمامه، وسرعان ما نزع القناع عن وجهه هاتفًا بأحرف أسمها :
- نـدى!؟.
اتسعت حدقتيها بذهولٍ وقد تبين عليها أمارات التعب :
- مـــراد!!!.
**************************************
فتحت الباب بعدما تأكدت من وشاح الرأس خاصتها، واستقبلتهُ بحفاوةٍ گعادتها مؤخرًا، وهي ترنو للصغيرة المتشبثة برقبتهِ بنظرةٍ عطوفة :
- أهلًا وسهلًا.. تعالى يابني أدخل.
دخل "هاشم" وهو يعتذر عن زيارتهِ المفاجئة، بعدما أتصل بها ليستأذن بالحضور في هذا التوقيت الليلي، فسمحت له "جليلة" بعدما أحست بنبرتهِ المقلقة. ابتسم "هاشم" بوداعةٍ وهو يعتذر للمرة الثانية :
- أنا آسف.. بس محتاج مساعدتك.
أغلقت "جليلة" الباب وهي تعود إليه بعتابها :
- متقولش كده.. لو مش هنخدمك نخدم مين يعني.
ثم حملت عنه "ليلى" وهي تقول :
- أهلًا وسهلًا ياحببتي.. تعالي لتيتة.
انبعجت شفتي "هاشم" وهو يبحث عنها في محيط الصالة؛ لكنها لم تكن موجودة، فـ عاد ينظر إلى السيدة الحنونة "جليلة" وهو يسألها :
- محتاج أتكلم معاكي.
أومأت "جليلة" برأسها متفهمة، ثم أنزلت الصغيرة من أحضانها وأشارت لها لغرفة "رحيل" قائلة :
- شايفة الأوضة اللي هناك دي يالولي.. أدخليها هتلاقي رحيل مستنياكي هناك.
فـ التفتت "ليلى" لأبيها تسأله :
- فين الهدية بتاعت رحيل عشان أديهالها يادادي ؟.
ابتسم "هاشم" بدورهِ وقد أصيب بمفاجأة، عندما فضحت الصغيرة أمرهِ وهو لم يرتب بعد إنه يعطيها تلك الهدية الآن؛ فأضطر أن يخرجها من جيب معطفهِ، حيث كانت عُلبة مخملية مربعة بلون أزرق قاتم، وناولها إليها قائلًا :
- خدي ياليلى، قولي لطنط رحيل إنك اختارتي الهدية بنفسك.
قطبت "ليلى" جبينها بغير رضا، وهي تسأله بشئ من الإعتراض :
- أكذب يعني؟.
ضحكت "جليلة" من أجل عفوية الصغيرة التي فضحت فعلة والدها، ثم انحنت عليها لتقول :
- دي مش كذبة يالولي.. إحنا هنقولها كده عشان ترضى تاخدها منك.
أومأت "ليلى" رأسها بتفهمٍ و هي تصحح لها :
- قوليلي يا لوليتا.. مش لولي.
قبّلت "جليلة" رأسها غير قادرة على منع نفسها من ضحكتها التلقائية :
- حاضر يالوليتا.. يلا روحيلها.
ركضت الصغيرة نحو المكان الذي أشارت إليه "جليلة"، بينما دعتهُ الأخيرة للجلوس والتحدث معًا كما أراد، لتقرأ بين ثنايات وجههِ بأن ثمة أمر يعكر صفو ابتسامتهِ اللطيفة، ويستبدلها بعبوسٍ يحاول أن يداريهِ. قدمت إليه "جليلة" قهوة مُرة كما يحب، ثم سألته بإهتمام :
- قولي يابني.. إيه اللي حصل؟.
ترك "هاشم" قهوتهِ جانبًا وهو يطلب مساعدتها مباشرة :
- أنا عايز ليلى تقعد معاكم هنا فترة.. لحد ما أظبط أموري وأشوف الفترة الجاية هيحصل إيه.
لم تتردد "جليلة" في قبول طلبهِ، بل اعتبرته جزء من ردّ الجميل، ولكن فضولها دفعها لمعرفة أساس الحكاية، وما القصة وراء وجود طفلة صغيرة معه هو وليست مع أمها، ولهذا سألته بدون مراوغة :
- على راسنا طبعًا.. بس معلش يعني أعذر فضولي، هي مامتها.. فين ؟!.
تشكلت جمرات من النار في نظراتهِ الحارقة، وتسطّر حاحبيهِ گالذي يحجب غضبًا مقيتًا بصعوبة بالغة، ليقول من بين أنين ضلوعهِ المتعطشة للإنتقام، ردًا لرجولتهِ التي أحس وإنها استُبيحت بالفعل :
- مـاتت.. مامـتها مـاتت يا هانم....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"لحظة إمتلاك واحدة، قادرة على تقييد حريتك ما دمت حيًا."
____________________________________
قاربت الساعة على الثالثة فجرًا، وهي مازالت مستيقظة بغرفتها تتأمل القلادة الذهبية المنقوشة بأسمها، ومُطعمة بفصوص كريستالية برّاقة تلمع أمام عينيها. أحست وكأن أسم "رحـيـل" اكتسب معنى جديد بتلك الهدية القيّمة التي لم تكن لتتقبلها بسهولة، لولا إلحاح "ليلى" الشديد في أن ترتديها وتتقبلها منها، فما كان منها إلا القبول.
تحسستها "رحيل" بأناملها وقد ارتفعت ابتسامة على محياها، منذ زمن لم يهديها أحد هدية گهذه، لفتتهِ اللطيفة - رغمًا عن تحفّظها عليها - تسببت في إسعادها، وانتشلتها لبعض الوقت من كمّ الأفكار السوداوية التي تداهمها كلما وضعت رأسها على وسادتها، لتحرم عينيها النوم في غياب الأمان الذي تنشده.
حانت التفاته منها نحو الصغيرة التي تنام في فراشها، وقد غابت عن الوعي في سبات عميق، مسحت على وجهها ثم شعرها برفقٍ، وابتسمت وهي تتأمل ملامحها الطفولية البريئة، والتي تُذكرّها بأجزاء من ماضيها، ثم غابت ابتسامتها وكأن الشمس قد غربت، وهي تستعيد كلمات "جليلة" عن وضع الصغيرة، وعن المآساة التي ستعيشها بعدما صرّح "هاشم" بتصريحهِ الخطير حول طليقتهِ، مما دفع فضولها للتساؤل عن السبب القوي الذي يدفع رجل لإعتبار زوجتهِ السابقة في حكم الأموات، بل ويقرر تربية الصغيرة بعيدًا عنها. هل هي بذلك السوء الذي استشفتهُ من كلماتهِ؟.. هل هي آثمة للحد الذي يجعل هذا العقاب القاسي هو المناسب لها؟.
تنهدت "رحيل" وقد انصرف بصرها عن التعلق بالصغيرة، ثم أرخت ظهرها على الفراش وما زالت القلادة قيد أصابعها، مترددة هل ترتديها أم تتجاهلها؟.. وإن ارتدتها ما هي الدلالات التي ستصل إليه ردًا على هديتهِ المفاجئة؟.
***************************************
منذ أن علم "عمرو" برجوعها لمنزل أبيها وهو في حالة ضيق شديدة، لا سيما إنه سمع حديثًا بطلاقها أيضًا، وهي التي كانت تعشق زوجها وقبلت بزوجة ثانية في سبيل أن تستمر حياتها معه. هذه الأمور شديدة التعقيد خاصة في المدن والقرى، مهما بلغت قوة العائلة و صيتها تبقى تلك هي النقاط السوداء في صفحتها وإن كانت ناصعة شديدة البياض، طلاق النساء للنساء في تلك المجتمعات هو وصمة عار، وبداية لتحليلات جاهلة من الجميع حول الأسباب، وقد يؤدي للطعن في الأخلاق أيضًا، وهذا ما خشاه "عمرو" عليها، أن تنال منها الألسنة وتجعل من قصتها سيرة تتجول بين أفواه العامة، رغمًا عن علمه بحقيقة الأوضاع التي دفعت "منال" لما وصلت عليه.
انتظر "عمرو" بالأسفل حتى تأتيه، بعدما طلب مقابلتها في ذلك الصباح الباكر، ليتفاجأ إنها لم تذق طعم النوم منذ الأمس. جلست "منال" برفقتهِ في باحة البيت، ثم سألته عن أحواله وكأنها تحاول أن لا تتحدث عن أي موضوع يخصها :
- أزيك ياعمرو عامل إيه؟.
تنهد "عمرو" وهو يرى تلك الكسرة في عيناها الذابلتين:
- كويس يا بت عمي.. انتي اللي عاملة إيه؟، حسين محاولش يـ.....
بترت "منال" سؤالهِ وهي غارقة في الشعور بالقهر والخذلان:
- مش عايزة أسمع الأسم ده يا عمرو.. خلاص كل حاجه خلصت.
أجفل "عمرو" بصرهِ وهو يقول بأسف :
- ماانا عرفت.. عمي عدنان حكالي كل حاجه، إحنا ميهمناش غير سعادتك يامنال.. ولو محتاچة أي حاچه أنا موجود.. إحنا برضو ولاد عمّ وانتي زيك زي رؤى أختي بالظبط.
أومأت "منال" رأسها بتفهم، وهي ترى نظرات الأسف في عينيه قاتلة، لم تشعر بالأسى على حالها؛ لكن مغبّة الأنتقام بدأت تتراقص في عيناها وكأن عليها الإقتصاص لنفسها، عسى أن تخمد ثورات صدرها التي اندلعت بين ضلوعها، فبدأت برأس الحـيّة، والمتسببة الأولى فيما حدث عندما عرضت من البداية فكرة تزويج "رحيل" بـ "حسين". "تيسيـر".. تلك الحاقدة التي لا تهنأ بحياتها إلا في رؤية تعاسة البشر، عسى ذلك يرضي انتقاصها، بصقت السمّ في آذان الجميع لكي تتحقق الزيجة وبذلك تقهر "منال" و "هدير"، بدون أي سبب واقعي حقيقي، سوى إنها مريضة بداء المتعة من أحزان الآخرين.
تنهدت "منال" بثِقلٍ، وأسبلت عيناها وصوتها المتحشرج يخرج من شفتيها بصعوبة :
- أنا مش عارفه تيسير هتستفاد إيه من كل ده؟!.. إذا كانت رحيل نفسها رفضت حسين!؟.. ليه تصرّ تجوزهم وتخرب بيتي!.
اتسعت عينا "عمرو" بشئ من الذهول، فهو لم يكن يعلم بشأن تدخل زوجتهِ "تيسير" في الأمر، وبدا ذلك محرجًا للغاية بالنسبة إليه :
- تيسير مراتي؟!.
هزت "منال" رأسها بالإيجاب وهي تؤكد على قولها :
- أيوة هي السبب.. هي اللي زنت في ودن حماتي وبعدها في ودن حسين، وهي كمان اللي راحت فتنت عليا وأتبلت عليا إني هربت رحيل.
تحولت نبرتها لأخرى باكية مقهورة:
- أنا مش عارفه مراتك حطاني في دماغها ليه ياعمرو!؟.
تضايق "عمرو "أكثر لرؤية دموعها تلك، بالرغم إنها كانت تتظاهر بالثبات الشديد في بداية مقابلتهم؛ لكنها الآن إمرأة جريحة، سيطر عليها الشعور بالظلم والخذلان، لاسيما إنه بيد إمرأة كان ينبغي عليها أن تحس معنى رفضها بضرة ثالثة، وهي التي تحاملت على نفسها لقبول الثانية رغمًا عنها. ضاعفت "منال" من جرعة تأثيرها على "حسين"، بإضافة بعض البهارات الخاصة، لكي تضيف السخط على شعورهِ من زوجتهِ، لعلهُ يأتي بحقها من تلك القُراضة التي كانت أحد أسباب تلقيبها بـ مُطلقة. تأملت "منال" تأثير كلماتها المُشاحنة على وجه "عمرو" وعلى إيماءات جسدهِ البينّة، مستشعرة ببداية نشوة تملكتها مع تخيل إنه هو الذي سيأتي بحقها، هو الذي سينتقم لها انتقامًا باردًا، بدون أن تتكلف هي عناء السعي نحو ثأرها وثأر أطفالها.
************************************
شروق الشمس، رؤية الصباح، لون السماء اللبنية وهي تداعب السُحب البيضاء گكتل القطن الناعم حين تلامس الجبين، إنها أشياء تُشعرك بتحسن تلقائي في المزاج، وتجعلك تتنفس بأريحية غريبة لا تدري مصدرها؛ ولكن حالها هي كان على النقيض تمامًا، صدرها مختنق، ولا تطيق الوقوف في المطبخ دقائق معدودة، وكل شئ من حولها فوضوي ومبعثر بشكل يؤرق النفس والعين. تأففت "هناء" بضجر وهي ترفع كوب الشاي بيدها، ثم خرجت متوجهه للصالة، لتضع الفنجان أمام شقيقها هاتفة بـ :
- وبعدين يا سعد؟.. خلاص كده أتقفلت في وشنا؟.
تناول "سعد" الفنجان وعلى وجهه علامات المقت والغضب جلية :
- مفيش حاجه أتقفلت يا هناء.. أنا مش هيأس أبدًا، ده حقي وحقك ولازم ناخده.
ثم نظر من حوله بترقبٍ وهو يسألها :
- عملتي الشاي بنفسك ليه؟.. أمال البت بهية فين؟.
نفخت "هناء" بضيق شديد وهي تتذكر معاناتها الأيام الماضية :
- مشيتها، خلاص مبقتش قادرة أدفع مرتبات الخدامين!.. تخيل بعمل لنفسي كل حاجه وخلاص مش طايقة العيشة دي!.
رفع "سعد" كوب الشاي على فمهِ ليتذوق رشفة، فـ تقلصت تعابير وجهه برفضٍ غير مستور، وهو ينظر إليه مستنكرًا ليقول :
- أعوذ بالله.. إيه الشاي ده ؟؟.
ارتفع حاجبيها بذهولٍ لتسأل :
- إيه ؟.. وحش ؟.
تركه "سعد" على الطاولة معترفًا :
- زي الزفت.. متعمليش شاي تاني أحسن.
عقدت" هناء" ذراعيها أمام صدرها بعدم رضا، وقد زاد ضيقها من الوضع الراهن الذي أجبرها عليه إفلاسها:
- وهو في بديل وقولت لأ.. منه لله رضوان هو السبب في اللي احنا فيه!.. بقى يكتب كل حاجه لأبنه ويسيب أخواته كده!.
زمجر "سعد" بزمجرةٍ حادة وهو ينبّهها :
- بس متقوليش ابنه دي!.. رضوان ربى حيوان زيه، عايش يطيح فينا كأنه مال أبوه وهو اللي اداله الفرصة دي.
نهض "سعد" عن جلستهِ بإندفاع منفعل غير مقصود وهو يتابع :
- أنا سألت المحامي ولقيت الموضوع هيدخل في مصاريف احنا مش قدها دلوقتي.
ثم انتقلت عيناه اللامعة للنظر إلى سوارها الذهبي مستكملًا:
- ما تشوفي معاكي أي حاجه نفك بيها ضيقتنا ونصرف على القضية لحد ما نكسبها ونورث.
تحسست سوارها الذي نهمت عيناه منه، وقد نمى التردد بين ضلوعها وهي تقول :
- منين ياسعد؟.. أنا خلاص مبقاش فاضلي غير الأسورة والخاتم دول، والقضية بتاعتك مبقتش مضمونة.
ثم نهضت عن مكانها وقد ظهر الشيطان الرابض بداخلها وهي تلمح قائلة :
- مفيش غير إن ربنا يفتكره ونورث فيه مع بنته.
قطب "سعد" جبينه معترضًا على عبارة الجمع التي استخدمتها:
- وهي العمة بتورث!.
عقدت "هناء" ذراعيها أمام صدرها وهي ترد بإجابة واثقة :
- العم بيورث لو مفيش ولد، وأنا معاك في الحلوة والمرّة ياسعد.. أحمد ربنا إن هاشم عنده بنت بس.
دنت منه "هناء" وهي تسأله بنبرةٍ أشبه لفحيح أنثى الشيطان :
- المهم هتخلص منه أمتى؟.
انتفض "سعد" لدى سماع سؤالها المرعب، ونظرت عيناه إليها في دهشة وهو يقول :
- انتي بتقولي إيه؟.. انتي خلاص قررتي إننا هنقتله؟. أنا بقول ربنا يفتكره مش احنا اللي نسفره لما لانهاية.
حجبت عنه إنفعالها وقد غابت نظرة الطمع من عينيه، ثم هتفت بعدوانية شديدة :
- مش لازم تقتله بإيدك.. ابعت حد يخلص.
ابتسامة عابثة صعدت لمحياها وهي تذكرهُ بذنبهِ الذي قد يكون نساه، ولكي تُحيي الكابوس الذي داهمه لأشهر طويلة ومازال لم يتخلص منه كُليًا :
- وبعدين هي أول مرة يا سعد؟!.
انتقل كفهِ ليُكمم شفتيها بعنفٍ مباغت، وعيناه تبرقان وهو يحدجها بشراسةٍ :
- أخرسـي.. انتي اتجننتي يا هناء ولا إيه!.
أبعدت يداه المغلفة برائحة النيكوتين عن فمها، وهتفت بحنق بلغ حلقومها :
- لأ لسه بعقلي.. واللي يريحك اعمله يا سعد، بس متجيش تسألني على فلوس ولا تستلف مني تاني، أنا خلاص يا حبيبي شطبت، روح أتشطر على هاشم اللي غرقان في نعيم أخونا لوحده.
جلست وهي تختم حديثها بسخريتها المعتادة :
- أحضرلك فطار ولا اكتفيت بالشاي!.
لم يجبها، وأعطاها ظهرهِ لينصرف، تاركًا خلفهِ خيبة أمل، بعدما اعتمد على الأموال التي كان يتحايل على شقيقتهِ لتتعطف عليه بها، والآن قد بات حالها گحالهِ، تفتقر للمال، وهي تعيش في منزل يُقدر بملايين الجنيهات، لا تجد قرشًا تنفقه على نفسها، بينما خزانة ملابسها ممتلئة بثياب من أفضل وأغلى الماركات العالمية، عاجزة عن دفع راتب الخادمة، ويدها تحمل سوارًا يُقدر بآلاف الجنيهات. حياة رغدة بداخلها فجوة من الفراغ، گالبلورة الزجاج الأنيقة الجميلة؛ لكنها هشّة خفيفة وفارغة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
**************************************
لم تمرّ ليلتهِ على خير أبدًا، وكأن رؤيتها أحيت ملايين من مشاعر العذاب والذنب والحزن والإشتياق واللوعة واللهفة والحب والبغض والحنين والكراهيه.. كلٍ في آنٍ واحد. رؤيتها أيقظت أماني لقائها التي بقيت دفينة صدرهِ لسنوات، وكأن مشيئة القدر بقيت في صفهِ بعد المعاناة بأن رآها حية أمامه وليس عبر شاشة الهاتف، ليست مجرد صورة جديدة تنشرها على حسابها الشخصي، وإنما متجسدة أمامه بأنفاسها الحارّة التي اعتاد أن تلمس صفحة وجههِ. "ندى" رفيقة الكلية والسهر للمذاكرة والسفر للعب واللهو والعمل من أجل النجاح، "ندى".. أنشودة الحياة التي لطالما حلم أن يجمعهما القدر؛ ولكن -النصيب- قد حكم حكمًا ظالمًا عليهما، لتندثر أسفل حياة اختارتها هي بعيدة عنه، وتفارقه بملئ إرادتها، معتقدة إنها بذلك تحقق له المستقبل الأفضل الذي حلم به والدهِ الراحل، بعد أن فرض رأيهِ برفض زيجتهم، فـ تختفي من الوجود في حياتهِ بدون أن تسأله الرحيل!.. فتترك قلبًا متصدعًا بحبها، وعقلًا يسأل في كل يوم، هل فعلًا أحبتهُ كما أحبها؟.
أطبق "مراد" عينيهِ بقوةٍ ولمحات من لقاء الأمس تتشكل أمامه، حيث تمردت على تعبها الظاهر عليها متعمدة إظهار القوة -كما اعتادت-، فلم يغفل هو عن مساعدتها، وتوصيلها إلى سيارتها رغمًا عن رفضها، لتختصر الرد بدون أن تضيف كلمة واحدة تفتح المجال لنقاشات أخرى :
- "شكـرًا".
تلك الكلمة الرسمية التي لم تكن متداولة بينهم يومًا، والتي ضاعفت من شعوره بالمسافة بينهما، ولم يقوَ على فرض نفسه عليها من جديد؛ لكنه لاحظ شيئًا قلب الموازين كلها، يدها التي خلت من خاتم الزواج، فارغة تمامًا من أي إكسسوار معدني، مما جعل رأسه تعج بالأسئلة الكثيرة، والتي أجبرتهُ على تفحص حساباتها الشخصية مجددًا؛ لكنه لم يلاحظ ما يفيد شكوكهِ حول إنهاء زواجها. فقط شئ وحيد لفت انتباهه، وهو إنها لم تشارك أي أخبار أو منشورات منذ فترة زادت عن الأربعة أشهر؛ إذًا أين كانت كل تلك المدة؟ فهي شديدة التعلق بالحسابات الإجتماعية معتبرة إياها المنفذ الوحيد على العالم من حولها، لطالما كانت كتومة محتفظة إلا في كتاباتها وخواطرها التي داومت على تدوينها على مدونتها الأدبية، وهذا أيضًا قاطعتهُ منذ فترة لسبب مجهول.
نفض "مراد" عن نفسه رِداء الحزن هذا، وغادر الفراش متوجهًا لدورة المياة، فوضع رأسه أسفل الصنبور لتتجمد رأسه لحظات بالماء البارد، ثم انتزعها من هناك بعدما أضاء عقله فكرة لم تأتي بذهنهِ من قبل، فـ هرع للخارج واستخدم هاتفهِ في عملية البحث الدقيقة، لحظات ثم دقائق، طال البحث أكثر من اللازم، وسط حسابات كثيرة تحمل نفس الأسم والكنية، إلى أن وجدها أخـيرًا وبعد طول صبر. حساب جديد أنشأتهُ منذ أشهرٍ قليلة، بصورة مختلفة عن الحساب الآخر، ومنشوراتهِ قليلة مختصرة للغاية؛ لكن أكثر ما لفت انتباهه، وضاعف دقّات قلبهِ، وجعل وجهه يبهت فجأة، هو رؤيته لكلمة (single).. الكلمة التي لمعت عيناه بها، ومحت من ذاكرته شريط قاسي من الذكريات بدونها، ليدق الإشتياق المباح صدرهِ، ويتفكك حِصار الإستسلام المُقيد لضلوعهِ، لينشطر تماسكهِ المزعوم وتدق الرغبة أبوابه من جديد.
*************************************
شرد "حمدي" قليلًا، فـ منذ أن اختفت "رحيل" وعقله لم يسترح، وقلبهِ يضمر لها السوء ما أن تتُاح له الفرصة بذلك. تأفف بسخطٍ وهو ينظر من حولهِ بنظرات محتقنة، لقد ساقتهُ إبنة أخيه وزوجة إبنه لدخول المحاكم أيضًا، وها هو يقف منتظرًا الدخول للجلسة التي سيحكم فيها القضاء منذ الوهله الأولى وبضمان كامل لإسترداد جميع حقوقها المهدورة في أرثها من أبيها وزوجها أيضًا، بعيدًا عن ظلمه هو وولدهِ.
حانت إلتفاته من رأس "حمدي" نحو ولده "حسين"، فرأى الظلام في عينيه، والنية المُبيتة للغدر بها حتى وإن كانت بداخل حِصن القانون والحكومة، لينتشر التوتر بين خطوط وجهه وهو يحذره من التمادي فيما يفكر فيه :
- أوعاك تعمل أي غلطة هنا يا حسين.. الغلطة هنا تمنها هيكون عمرك.
نظر "حسين" بإتجاه والدهِ وهو يخمن :
- تفتكر هتيجي النهاردة ؟.
لم يفكر "حمدي" في احتمال گهذا، ولذلك قمع تلك الفكرة بدون أن يفكر حتى فيها :
- لاه مستحيل.. رحيل مش بالجراءة دي.
طفت ابتسامة ساخرة محملة بمزيج من الغضب والإنفعال معًا على وجهه، وهو يقول مستخفًا بنظرة والدهِ البريئة حول تلك الحيّة - كما رآها - :
- شكلك كده متعرفش أي حاجه يابا.. بص وراك كده.
انتفض "حمدي" في وقفتهِ، واستدار لينظر خلفهِ، فرأى "رحيل" برفقة ذلك الرجل الذي اتهمهُ بخطفها من قبل، وحولهم رجال للحراسة، وهي تستند على عكازها لتسير في تعرجٍ بسيط. حدقت عينا "حمدي" وهو يرمقها بنفور، ومن بين أنينهِ المنفعل همس بـ :
- آه يابنت الـ ×××××
كاد "حسين" يتقدم منهما، لولا ذراع والدهِ التي وضعت أمامه لتمنعه من المرور :
- قولتلك لأ يا حسين.. ده لا مكانه ولا وقته.. إحنا ماضيين على تعهد بعدم التعرض يا بني بلاش تودينا في داهيه.
تجاهل "هاشم" النظر إليهم، فقط كان يسير جوارها گالظل الحارس، حتى مررها أمامهِ لتدخل قاعة المحكمة، ودخل من بعدها بأمان شديد، وعلى مرأى ومسمع منهم، والعجز متشكلًا على ملامحهم بطريقة مثيرة للشماتة.
**************************************
كانت حبيسة غرفتها، منذ أن عادت لمنزل أبيها وهي تحس وجعًا يتناوب دورهِ في الهجوم على رئتيها، ربما هو الحزن الذي حوّل قلبها حُطامًا، وربما الخذلان الذي يجعلك تشعر بالكمد. طرق "جمال" بابها، فـ اعتدلت في جلستها هاتفة :
- أدخل.
دخل "جمال" إليها مزينًا محياه المرسوم باللحية بإبتسامة عاقلة، ثم اقترب منها وهو يدللها قائلًا :
- حبيبة چمال.. صباح الورد.
ابتسمت "منال" وهي تجفل بصرها بإستحياء لتقول :
- من وقت ما اتچوزت مقولتليش حبيبة چمال.
ربت على ذراعها في حنوٍ ليبرر :
- مكنتش عايز المحروق طليقك يغير مني لما يشوفني بحبك أكتر منه.
نامت "منال" على كتف أخيها تستدرج عطفهِ، فـ حاوطها بذراعهِ مستشعرًا الذنب حيالها، لو إنه لم يتركها حين تزوج اللعين طليقها بزيجته الثانية لكان اعتبارها الآن له قيمة؛ لكنه تركها تعيش خيارها وهذا كان خطأه، لم يتدخل في حياتها بحجة إنها إمرأة كبيرة؛ لكنها كانت تحتاج ليد ترشدها وتسحبها من ظلام تلك العلاقة التي تستحق غيرها.
تنهدت "منال" وهي مستسلمة للصمت، ثم رفعت رأسها لأخيها وفي عيناها الكثير من الكلمات، فقطب "جمال" جبينه وهو يسألها :
- قولي عايزة إيه يامنال، بحور عنيكي فيها موچ عالي هيغرجني لو مسمعتكيش.
لم تتردد "منال"؛ بل كانت متماسكة قوية، شديدة التعقل رغمًا عن قلبها الجريح، لتقول بعد تنهيدة مثقلة بالهموم :
- عايزة حجي ياچمال.
ابتسم "جمال" وهو يغازل لكنتها الصعيدية التي تعاود إليها من حين لآخر، لتتذكر أصولها العريقة الممتدة لأحد العائلات الكبرى بمحافظات الصعيد، والتي لم يتخلى عنها "جمال" ولا أبيه ولا حتى "عمرو" بعدما تغيرت حياتهم وانتقلوا إلى هنا:
- شوفي أسمي كيف چميل وانتي بتعطشي الچيم.. لسانك أتعدل ونسيتي لغة المدينة أول ما رچعتي دوار الحچ عدنان.
ابتسمت وعيناها تتحاشى النظر الدقيق إليه، فترك "جمال" تلك الأحاديث الجانبية وقد أثاره الفضول حول ما تريد البوح به، بعدما تعكر وجهها كأن الأمر جلل :
- في إيه يا منال.. أنا سامع.
كانت مقدمة قصيرة للغاية قالتها؛ ولكنها كانت ثقيلة على "جمال" الذي لم يتحمل تشويقًا گهذا :
- متقولش ردك عليّ دلوقت.. فكر في اللي هقوله وبعدين نـ....
اختفى اللين من وجهه، وهتف بجدية :
- في إيه يامنال؟ ؟.. أواعاكي تقولي اللي في بالي، يمين بالله ما هسامحك لو قولتي ترچعي للـ **** ده
زفرت "منال" زفيرًا حانقًا، ثم قالتها دفعة واحدة :
- أنا عايزة أتچوز واد عمي عمرو بعد ما تفوت العِدة.
*************************************
خرجت منتصرة، نصفها القانون وأعاد كل شئ لنصابهِ الصحيح، وأقرّ بأحقيتها في أملاك أبيها وعمها، وأعاد إليها ما سلبهُ "حمدي" غصبًا وعدوانًا، لتعيش بعد الآن حُرة، لا حكم لأحد عليها ولن تطالها أيادي الظلم.
لم يقوَ "حسين" على تلك الهزيمة النكراء، واعترض طريقهم ليجد "هاشم" واقفًا گالصقر أمامه، وعيناه تطلق من الوعيد مالا يحمد عقباه. تجمدت "رحيل" في مكانها، وشحب وجهها وهي تنظر لظالمها وهو يقول :
- برضو مش هتاخدي حاجه يابنت عمي.. إلا لو عقلتي ورجعتي عن طريق الحرام اللي مشيتي فيه، ساعتها يمكن نتفق.
أمسك "حمدي" بذراعهِ يمنعه من التقدم خطوة أخرى، حينما كانت "رحيل" تهدر بصوتها غير متحملة أي إهانة أو ذنب لم ترتكبه:
- أخرس ياحسين.. أخرس، ربنا عالم إني معملتش حاجه غلط وإني مش عايزة غير حقي الشرعي منكم.. والإفترا اللي افتريتوه عليا مش مسمحاكم فيه بقية عمري.
دفعهُ "هاشم" من كتفهِ وهي يرنو إليه بإحتقارٍ وتعالي :
- يلا يابابا أمشي من قدامي.. بدل ما القضية يبقوا أتنين.. ياحسين.
ضرب "حسين" على ذراعه لتبتعد عنه :
- ملكش صالح بالموضوع ده.. حسابنا لسه جاي في الطريق بس أخلص حسابي مع مرات المرحوم.
ثم نظر إليها وكأنه يوخزها بكلماته السامة:
- ولا جه اللي نسّاكي حسن يا بت عمي.
امتدت يدا "حسين" ليطالها من خلفه وقد احتمت "رحيل" فيه، فقبض "هاشم" على ياقتهِ، حتى كاد يخنقهُ، وصوتهِ المزلزل يدوي في آذانهِ، وهو يقول بذلك الصوت المرعب :
- إياك تمسّها أو تفكر حتى.. اللي يمسّ طرف الست بتاعتي مش هيلاقي غير كفنهُ.
اهتاج "حسين" وأصيب بحالة غير مسبوقة من الغضب، بعدما وصلت تلك الكلمة السامة لمسامعهِ گجمرة من نار أصابته بالإشتعال، وهمّ يطبق على عنق "هاشم" في محاولة لقتلهِ دون الشعور بالمكان والزمان من حوله، ودون الشعور بيد "حمدي" التي عجزت عن كبح جماحهِ :
- يا ××××.. هـقتلك وأقــتلـها وأغـسل عاري قبل ما تعمـلها.. هـقتلك يا هــاشـم.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
↚
"الطيور لا تقع على أشكالها دائمًا، أحيانًا تكون العصافير الرقيقة هي وجبة الصقور الجارحة."
____________________________________
كان قد اصطحبهم لنزهة في تلك الليلة القمرية بأحد أرقى المطاعم على الإطلاق، تلك النوعية من الأماكن التي تحتاج لحجز مسبق، ولا يسمح بدخولها إلا لطبقة معينة من الناس. لم يكن الأمر سهلًا لإستدراج "رحيل" كي تقبل بنزهه گهذه؛ ولكن مع التحجج بوضع "ليلى" ورغبتهِ في تغيير الجو العام لها، رضخت لمطلبهِ أخيرًا من أجل الصغيرة، لكي ترفه عنها ولو قليلًا.
اهتمت "رحيل" بالطفلة لكي تسمح له بتناول الطعام، فكان إنسجام "ليلى" معها مختلف، هي تقبّلتها كلها وأحبت التواجد معها، لا سيما أن "رحيل" تُجيد التعامل مع الأطفال بطريقة مهنية بعدما مارست مهمة التدريس لمرحلة رياض الأطفال لفترة ليست وجيزة.
مسحت لها فمها الذي تلطخ بالصلصة، ثم أردفت بـ :
- تعالي أغسلك إيدك وبوقك يالوليتا.
- ماشي.
قالتها "ليلى" وهي تنهض عن جلستها، فـ تدخلت "جليلة" لكي تتناول هي هذه المهمة :
- خليكي يا رحيل كملي أكلك.. أنا كده كده كنت قايمة للحمام.
اصطحبتها "جليلة" وعيناها توزع النظرات عليهما، في دعوةٍ منها لأن يفتتح معها الحديث الآن، فهي لحظة مناسبة تمامًا للبوح إليها. غابت "جليلة" تمامًا وبقى "هاشم" معها بمفردهِ، فـ اختلس النظر إليها من أسفل اهتمامهِ المزعوم بطعامهِ، ثم وضع أمامها قطع من اللحم المشوي لتبتسم إليه في وداعةٍ وهي تقول :
- تسلم إيدك.
وقف النادل يسكب العصير الطازج في الكؤوس الكريستالية القيّمة، ورغمًا عنه لمس جلدهِ طرف أصبعها، فـ انتشلت يدها فجأة وهي ترنو إليه بجدية، وهو يعتذر عن غفوتهِ بلهجة صادقة :
- آسف جدًا والله يافندم.. مخدتش بالي من أيد حضرتك.
كانت حازمة وهي تصرفه من أمامهم :
- حصل خير.. سيب العصير ولو احتجت أنا هصب بنفسي.
تراجع للخلف متحاشيًا النظر لـ "هاشم"، حيث أحس بظل عينيهِ متسلطًا عليه فـ خشى أن تتلاقي النظرات، وعاد يبتعد على الفور شاعرًا بفداحة ما فعل -دون قصد-.. بينما دفعه ذلك الموقف الصغير لخوض التجربة، والمضي في عرض طلبهِ عليها بتلك اللحظة تحديدًا، حيث أن أولى جلسات المحكمة غدًا، وهو أراد تثبيت أقدامهِ في حياتها بصورة أكثر شرعية قبل أن تحصل على كامل حقوقها. هي الآن في حاجه له؛ بينما في الغد قد تتنازل عن خدماتهِ نهائيًا.
- رحـيل...
ترك "هاشم" ما في يدهِ من شوكة وسكين، وهو ينطق بأسمها لكي تنتقل بإهتمامها إليه، فرأت تلك النظرات اللامعة في عينيهِ وهو يهتف بها بنبرة أشبه للحنٍ فريد لم تسمعه من قبل :
- تتـجـوزينـي ؟!.
جمدت نظراتها للحظات، بدون أن تدرك إنها عالقة عليه دون أن تحيد، عرضهِ لم يكن يومًا محطّ تخمينها، ولم تفكر البتة إنه قد يطلب طلبًا گهذا، في ظل تلك الظروف العنيدة التي تحاوط بها، والمخاطر التي ستلحق به جِراء فكرهِ هذا، هو بالفعل تورط بالمشاكل منذ أن قدم يد العون إليها، ولكن المزيد من التضحيات تعني المزيد من الأثمان التي سيدفعها.
كان التوتر جليًا عليها، ولم تجد من الكلمات ما يكفي لأن يفسر شعورها الآن، سوى عبارة واحدة حاولت بها وصف المعاناة التي تنتظرهُ :
- أنا عارفه حضرتك قد إيه ساعدتنا ومكنش في حد في مكانك هيعمل كل ده.. بس أنا عبئ على أي حد هيفكر يرتبط بيا، وأنا مش هتحمل شعور زي ده.
ارتشفت رشفة ماء تبلل بها ريقها الذي جفّ فجأة، ثم تابعت استرسالها وهو يستمع إليها بكل إصغاء :
- أنا عارفه إني محتاجة حد يحميني وانت مش مجبر على الوضع اللي احنا فيه دلوقتي، بس لو حمايتك ليا هتكون على حساب حياتك أنا آ.....
قاطعها هنا في تلك النقطة، ليفسر نفسه أمامها قليلًا، ولكي يضغط على أوتارٍ من مسعاها تحقيق رغبته في الزواج منها :
- مين قالك إني هتجوزك عشان بس أحميكي؟.. أنا محتاجلك في حياتي يارحيل، أنا وبنتي محتاجينك.
على الأقل أشعرها إنها ليست عبئًا، وإنها مرغوب فيها لشخصها، لكونها "رحــيــل"، وليس لأي أسباب أخرى.. ليست شفقة أو حماية، قد يكون تبادل للمنفعة لصالح كلاهما، كلاهما يحتاج للآخر في حياته.
نهض "هاشم" عن مقعدهِ وجلس لجوارها كي يكون أقرب، فـ وصلت رائحة غسول الجسم باللاڤندر لأنفهِ، رائحة ناعمة تمامًا مثلها. أراد خرق تلك المسافة الآمنة التي تضعها حاجزًا بينهما، فـ وضع كفهِ على يدها المسنودة على الطاولة، ليختفي أسفل دفء جلدهِ، وعيناه تطوفان حول ملامحها وهو يقول :
- إحنا محتاجين بعض، ومش معقول هتفضلي معايا وبعيدة عني، قريبة بس المسافة بينا طويلة.. خلينا نحط أسم رسمي للعلاقة بينا ونقطع كل الألسنة اللي جابت في سيرتك، وأنا كمان أضمن أم حنينة لبنتي تربيها زي ماانا بحلم.
تعلقت عيناها بكفهِ الذي عانق كفها، ولأول مرة لا ترغب في الإبتعاد، لا تشعر بالتحفظ وضرورة حماية نفسها من نظراتهِ، بالعكس، أحست وإنها تحتاجه أكثر من حاجته هو إليها، ولكن ضميرها اليقظ يحاول تثبيط موافقتها، مبررًا لها إنها ستقحمه في الكثير من المصائب :
- مش هيجيلك من ورايا غير المشاكل.. دول أهلي وانا عارفاهم كويس.
شدد "هاشم" أصابعه على يدها، وكأن ذلك ضاعف من رغبتهِ فيها :
- ده يخليني أحس بالمسؤولية ناحيتك أكتر.. أنا مستحيل أسيبك تواجهي الوحوش دول لوحدك، أديني الفرصة دي يارحيل وصدقيني مش هتندمي.. وانا معنديش مشكلة إنك تاخدي وقتك وتفكري.
**************************************
*عودة للوقت الحالي*
جلست "رحيل" في السيارة بالخلف، تحاول مقاومة شلالات الخوف التي تنهمر على مشاعرها وتغلفها كلها، اليوم رأت نصب عينيها أن ما هو قادم ليس سهلًا كما ظنتّهُ، أن حكم المحكمة قد يكون غير كافي لردع "حمدي" وولدهِ الفاسق، حتى وإن انتهى الأمر بحبس "حسين" لتهديدهِ بقتلهم والتعدّي عليهم فأن ذلك لن يكفي لدحرهم.
فتح "هاشم" نافذة الشباك الخلفي أمام وجهها، وكأنه أحس إنها بحاجه ماسّة لإستنشاق الهواء العليل، لعلّ ذلك يطفئ النار الناشبة بأحشائها، وقد أحسن صنيعًا. هي بالفعل عبأت صدرها بالهواء البارد، قبل أن تطردهُ رويدًا رويدًا من صدرها، ثم هتفت بصوت يشوبه الضيق :
- مش قولتلك إني هبقى عبئ عليك!.
حانت من رأسه نصف إلتفاته، قبل أن يستنكر كلمتها الثقيلة تلك :
- متقوليش كده يارحيل.. اللي حصل ده كان خير.
قطبت جبينها منزعجة من اعتباره ما حدث خيرًا:
- خير؟؟.
فأكد على مقصده قائلًا :
- طبعًا خير.. حسين دلوقتي في الحبس ومش بعيد ياخد حكم يقعده في السجن فترة، يعني عندنا الوقت نظبط كل ورقنا في غيابه.. الخطر من حمدي أقل من ابنه بكتير.
دار في خلدها سؤال أحست بوجوب سؤالهِ، فلم تتردد في طرحهِ عليه :
- هو... انت قصدت إنه.....
- أيوة.. أنا تعمدت أستفزه عشان أخرج منه التصرف اللي يخليني أدينهُ، وبالفعل ده اللي حصل.
فكرت من نفس الجانب الذي يفكر منه "هاشم"، فوجدته بالفعل محقًا، كان من الأفضل الزجّ به بعيدًا عنهم لفترة، حتى تستعيد "رحيل" حقوقها من ناحية، وتتأقلم في حياتها الجديدة من ناحية أخرى، لعل ذلك يضفي بعض الهدوء على حياتها التي باتت گنشرة الحوادث في المذياع، لا تتوقف عن نشر الأخبار السيئة.
************************************
كان يكتم أنفاسهِ بالوسادة، متعمدًا خنقهِ وقتلهِ، بلا أدنى شفقة أو رحمة، ليسرق الحياة من بين رئتيهِ التي توقفت عن الحركة، وقد سكن قلبهِ تمامًا معلنًا الوفاة أثر اختناق.
انتفض "سعد" من نومتهِ فزعًا، وقد عاد ذلك الكابوس اللعين في مراودتهِ بشراسةٍ، ليحرم من عينيه النوم، ويسلب الراحة من نفسهِ التي سوّلت له ذلك السوء. تنفس "سعد" بصعوبة بالغة وهو ينظر من حوله لاهثًا، ثم نهض عن فراشهِ متوجهًا للكومود، وفتّش في الأدراج عن علاجهِ المهدئ الذي يتناوله في مثل تلك الحالات، حتى وجده گمن وجد كنزًا ثمينًا، فـ ابتلع منه قرصين أعقبهم بشرب الماء، ثم عاد يتمدد على الفراش وهو يهتف بذمجرةٍ:
- وبعدين مــعــاك يارضـوان!؟ هتفضل ملاحقنـي لـحد أمتـى؟.
رنّ هاتفهِ فأفزعهُ، قبل أن يعتدل في نومتهِ ليسحب الهاتف، فوجد أسم "هناء" ينير شاشتهِ، فعاد يلقي به وهو يهمس :
- ولا هعبرك ياهناء، أكيد عايزة مني حاجه.. ماانتي متتصليش غير لو ليكي مصلحة!..
*************************************
لم يكن الوصول بلمقر شركتها الصغيرة صعبًا، فالعنوان مدوّن على صفحة الشركة الأصلية، والتي كانت قد شاركت منشور لها من قبل.
حدق "مراد" على تلك اليافطة على الباب والتي حملت أسم "Nada Beauty". نظر إليها في فخرٍ وقد حققت جزء من حلمها الكبير بصناعة ماركة عالمية لأدوات التجميل، ثم دفع الباب الزجاجي ودخل، ليجد عدة موظفين، فتقدمت منه إحداهن وهي ترسم إبتسامة متملقة على وجهها مرحبة به :
- أهلًا وسهلًا يافندم.. أقدر أساعدك إزاي؟.
أعطاها "مراد" بطاقتهِ ليقول في جدية :
- عايز أقابل مدام ندى.
نظرت للبطاقة لحظات قبل أن تعود لتسأله :
- في معاد سابق أو.....
قاطعها قائلًا :
- أديها الكارت وبس من فضلك.
أشارت إليه للجلوس في المساحة المخصصة لإستقبال الضيوف، ثم غابت بالداخل لدقيقتين، قبل أن تخرج "ندى" بنفسها لإستقبالهِ، غير مصدقة إنه يتواجد هنا الآن. وقف "مراد" عن جلستهِ يرنو إليها بشوقٍ تعدّى كل الآفاق، حينما اقتربت هي منه لتمدّ يدها أولًا بالمصافحة الرسمية :
- أهلًا يا مستر مراد.. أتفضل.
وأشارت إليه نحو الردهه المؤدية للغرف، فـ سار من خلفها حتى بلغت غرفتها، غرفة "مديرة الشركة". أغلقت الباب على كلاهما وظلت مولية ظهرها للحظات تستجمع فيها شجاعتها، ثم التفتت إليه لترى ذلك العشق القديم وقد تجدد في ينابيع عيناه الحانية وهو يسألها :
- عاملة إيه ياندى؟.
أومأت رأسها وهي تجيب :
- الحمد لله.. أتفضل.
أشارت له حيث الأريكة المخصصة لإستقبال فترة الإستراحة خاصتها، فجلس ومازالت عيناه عليها تراقب ذلك التغيير الطفيف في وجهها، تقريبًا زادت خطوطهِ، كأن الزمن رسم تعابير من مرورهِ على وجهها، بينما عينيها مازالت كما هي، بندقية ساحرة. انتظرت أن يبدأ بالحديث، لكنه أصرّ الصمت طويلًا، فبدأت هي بسؤاله :
- عرفت مكان الشركة إزاي؟.
وضع الصندوق الذي كان يحمله على المنضدة ليفتحهُ بنفسه مجيبًا عليها :
- اللي عايز حاجه بيعملها يا ندى.
كشف عن محتوى الصندوق، حيث كانت فازة من البورسلين أنيقة وعريقة، تعود أصولها لسنوات عتيقة، ولكن شروخها وكسورها مازالت عليها، ويبدو أثر اللاصق بين شقوقها، لكن "مراد" قد ألصقها بعناية وإحتراف. اتسعت عينا "ندى" متفاجئة، وقد تجمعت الدموع في مقلتيها وهي تسأله :
- دي الفازة بتاعتي اللي كسرتها؟؟.. انت عرفت تصلحها؟.
أومأ برأسه إيجابًا وعيناه تقرأ السعادة في وجهها وهو يجيب :
- كل حاجه ينفع تتصلح ياندى.
ثم نظر من حوله بمزيد من الفخر وهو يقول :
- مبروك على الشركة.. أنا فخور جدًا بيكي.
تحاشت النظر إليه وهي تحس بالضعف يطرق أبوابها، ويُفتت حصونها التي بالفعل كانت شبه منهارة، وهي تجيب بإيجاز متحفظ:
- شكرًا يامراد.
ثم أشارت نحو الحقيبة الصغيرة وتسائلت:
- هي إيه الشنطة دي؟.
ناولها إياها بدون أن ينطق بكلمة واحدة، فتفحصتها "ندى" لتتفاجأ بالأدوية التي بحثت عنها كثيرًا في ذلك اليوم صادفته فيه ولم تجدها، اتسعت عيناها بذهول، وقد بدت سعيدة أكثر وهي تسأله بفضول :
- إنت عـرفت إزاي ؟!
- من الصيدلي.. خدت منه أسماء الأدوية اللي بتدوري عليها وجيبتهالك بنفسي.
منحته نظرة إمتنان تساوي عنده آلاف المشاعر، عاجزة عن ردّ معروفهِ :
- أنا مش عارفه أقولك إيه بجد ؟.. شكرًا جدًا يا مراد بجد شكرًا.
لم يستطع "مراد" منع فضوله من أن يسألها :
- أنا عارف إن دي أدوية صرع!.. جيباها لمين يا ندى؟.
أطرقت "ندى" رأسها في أسفٍ ولم تجبهُ، فأعاد هو سؤالها بتخمين:
- جـ جوزك؟!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
تحفزت ملامحها ببادرة غضبٍ، وصلت لعروق عنقها التي نفرت على الفور، وهي تجيب بإقتضاب شديد :
- لأ... لأبني.
************************************
تلك الحيرة المتملكة منها ليومين كانت تؤرق حياتها، تعجزها حتى عن التفكير في المستقبل وما يحمله لها من خبايا، في ظل وجود أمر من المحكمة بتمكينها من أرثها. عرض الزواج الذي طرحه عليها "هاشم" كان بمثابة طوق نجاة، هو رجل المرحلة الراهنة الذي سيستطيع حمايتها والدفاع عن حقوقها؛ لكن الشعور بالذنب يأكل في صدرها، ماذا عن "حسن" الذي وافتهُ المنية منذ عدة أشهر غدرًا وظلمًا، كيف تتزوج الآن ولم يمضي سوى مدة العدة؟!.
تأففت "رحيل" بقنوط ومازالت غير قادرة على إتخاذ القرار الآمن الصحيح، وتشتت رأسها يبعثر كل قرار ترسو عليه فتعود لنقطة الصفر من جديد. دخلت "جليلة" عليها وهي تسأل :
- أحضرلك الغدا يا رحيل؟.. الساعة بقت سبعة وانتي على لقمة الفطار من الصبح!.
هزت "رحيل" رأسها بالرفض بدون أن تلتفت إليها :
- ماليش نفس ياماما.. أكلي ليلى بس.
- كلت ياحببتي.
انضمت "جليلة" لمجلسها على الأريكة، بعدما لاحظت ذلك التردد جليًا على وجهها، والقلق يتأرجح في لمعان عينيها بشكل مريب. ربتت على كتفها لتسألها بتوددٍ، ورغبتها في التأثير على قرارها تتقافز من عيناها :
- مالك يارحيل؟.. لسه بتفكري في عرض هاشم؟؟.
عقدت "رحيل" ذراعيها أمام صدرها، محررة تنهيدة ثقيلة من بين ضلوعها :
- آه.. مش عارفه أعمل إيه؟.
لم تتردد "جليلة" في التأثير عليها كما طلب منها "هاشم"، لكي تلين رأسها قليلًا :
- وافقي يارحيل.. الفرص مش هتيجي كل يوم يابنتي.
رمقتها "رحيل" مستنكرة تلك السهولة التي تتحدث بها "جليلة"، وإنها تجاوزت كل ما مرّوا به لتقنعها الآن بقبول الزواج :
- أوافق؟؟ وحسن يا ماما؟.. دي العدة لسه خلصانة من يومين بس! الناس تقول عليا إيه؟ ما صدقت مات وروحت أتجوزت!.
لم تكن كلماتها مؤثرة على قرار "جليلة" ورغبتها الشديدة في إتمام تلك الزيجة، وإنما دفعتها للمضي في إقناعها أكثر مستعينة بحكمتها في الحياة :
- ناس!!.. وهما الناس أنقذوكي من حسين لما ضرب عليكي نار؟ الناس رحموكي لما جابوا سيرتك بالباطل؟.. الناس هيجيبوا حقنا ويقفوا ضد عمك الظالم وابنه المجنون؟.. هما فين الناس دول يا بنتي!.
أنا ميهمنيش الناس.
بدت متحفزة للغاية بعد كلمات "رحيل" عن أقاويل الناس وسيرتها التي ستشيع على ألسنتهم، ولم تهتم على الإطلاق بتلك المسألة الفارغة - في نظرها -:
- طالما مش بتعملي حاجه تغضب ربنا يبقى ميهمكيش حاجه.. ربنا حللّ الجواز للست بعد ما تتم عدتها، وأهي تمت، يبقى إيه يمنعك تكوني مع راجل شاريكي وهيقدر يحافظ عليكي؟.. وبعدين حسن الله يرحمه لو عايش مكنش رضي باللي بيحصل فينا ده يا رحيل.
مسحت "جليلة" على رأسها وهي تختم حديثها :
- ولسه اللي جاي منعرفش مخبي إيه!.. وافقي وسيبيها على الله.
صوت رنين الجرس جعل "جليلة" تُشرق فجأة، وقد خمنت هوية الزائر :
- ده أكيد هو.. أنا هقوم أشوفه وانتي البسي هدومك وتعالي.
قطبت "رحيل" جبينها مدهوشة من هذا الودّ المفاجئ من والدتها، والتي كانت محتفظة أكثر منها من قبل :
- إيه البهجة دي!.. انتي لحقتي تحبيه ياماما؟.
- آه والله حبيته لله ف لله.. يلا متتأخريش.
وتركتها وحدها لتستقبل ضيفها العزيز وزوج ابنتها المستقبلي، كما تستقبله كل مرة بحفاوتها المعتادة، لتجده حاملًا الكثير من الحقائب، والسائق أيضًا من خلفهِ يحمل عنه الكثير، سمحت لهم بالدخول والفضول على وجهها جليًا:
- أهلًا وسهلًا.
ترك "حامد" كل شئ وغادر منصرفًا، فـ صافحها "هاشم" بتوددٍ ليقول في وداعة:
- مساء الخير ياهانم.
- ابتسمت "جليلة" وهي تجلسه في مكانه قائلة :
- مساء الفل يا بني.. تعالى أقعد.
جلس "هاشم" محتفظًا بحقيبة أنيقة مكتوب عليها (Hakim Jewelry)، فـ ابتسمت "جليلة" وهي تجلس قبالتهِ حينما كان يسألها وعيناه تبحث من حوله :
- أمال فين ليلى؟.
- بتتفرج على الكرتون جوا.. ثواني هجيبها لك.
- معلش يا هانم تاعبينك معانا.
- ولا تعب ولا حاجه يا حبيبي خلاص هنبقى عيلة.
انبعجت شفتيه ببسمةٍ متحمسة وهو يسألها في خبثٍ رغم علمه بنتيجة ضغطهِ عليها :
- خلاص الموافقة جت؟.
ضحكت "جليلة" وهو تومئ برأسها إيجابًا :
- حاجه زي كده.. عن أذنك.
لم تتأخر "رحيل" في الحضور إليه، وقد ارتدت أحد الثياب التي اقتناها لها، أضافت عليها جمالًا خاصًا بألوانها الزهرية الناعمة، خاصة وأن الحجاب كان يحمل ألوانًا متعددة أظهرت جمال الثوب. نهض يستقبلها وعيناه تتفرس النظر في جمالها الغير مفرط، حتى اقتربت منه ليمدّ هو بيدهِ للمصافحة عن عمد، فـ انتظرت لحظتين من التردد قبل أن تهمّ بملامسة كفهِ بشئ من الخجل، ليسمك هو كفها كاملًا بين راحتيهِ الأثنتين، ثم مسح على ظهرهِ بحنوٍ مسيطر وهو يقول :
- عاملة إيه النهاردة؟.
أسبلت جفونها لتجيب بخفوت :
- الحمد لله أحسن.. فكيت الغرز امبارح والدكتور قالي استغنى عن العكاز.
- حمدالله على سلامتك.
وترك كفها أخيرًا وهو يشير إليها للجلوس بجواره :
- أتفضلي ارتاحي.
قدّم لها تلك الحقيبة الأنيقة، فـ امتلأت عيناها بالحرج منه وهي تسأله :
- إيه ده ؟.
- شوفيها بنفسك.
فتحت الحقيبة لترى عُلبة مخملية زرقاء كبيرة، فطنت إنها قد تكون شيئًا گالقلادة التي أهدتها إليها "ليلى" ؛ لكنها تفاجئت بطقم ماسي فخم للغاية، ويبدو عليه قيمتهِ الغالية جدًا، فـ شهقت رغمًا عنها وقد لمعت عيناها بوميض الماس المتلألئ أمام عينيها، ثم نظرت إليه في ذهولٍ منبهر وكأنها تسأله لماذا تلك الهدية، ليأتيها الجواب قبل أن يسأل هو :
- دي شبكتك يارحيل.
عادت تنظر لطقم المجوهرات مرة أخرى وهي تردف بـ :
- بس أنا لسه مقولتلكش رأيي!.. عرفت منين إني ممكن أكون موافقة.
ابتسم معتبرًا ذلك دلالاً عليه، ثم هتف بـ :
- بقالك يومين ساكتة.. والسكوت علامة الرضا.
رقعت "جليلة" زغروطة عالية جعلت "رحيل" تنتفض من مكانها متفاجئة بذلك الصوت الصادح، حينما ضحك "هاشم" متفائلًا، وقد فتح ذراعيهِ ليضم أميرتهِ الصغيرة بين أحضانهِ وهي تسأل بفضول :
- دادي انت هتتجوز؟.
قبّل "هاشم" جبينها متسائلًا :
- آه ياحبيبة دادي، إيه رأيك موافقة ؟.
فنظرت "ليلى" نحو "رحيل" التي كادت تفقد وعيها من شدة الحياء الذي لوّن وجهها كله بحُمرة الدماء :
- طب وليلى؟.. هتروح فين بعد كده؟.
شدد "هاشم" على عناقها وهو يجيب :
- هتفضلي مع دادي طبعًا.. مش انتي بتحبي طنط رحيل؟.. هي خلاص هتفضل معانا على طول.
اتسعت عينا "ليلى" بحماسةٍ :
- يعني هنلعب كل يوم وتنام معايا كل يوم؟.
أكد "هاشم" على معلوماتها حول العيش معًا والتي لم تتجاوز عقلها الصغير :
- كل يوم كل يوم.
صفقت "ليلى" بتهليل وهي تعلن رضاها الكامل عن زواج والدها، لما وجدت به من صفقة مربحة، حيث اللعب طول النهار، واللهو طول الليل، والنوم على ذراع "رحيل" التي تعلقت بها في تلك الفترة الوجيزة. ضاعف ذلك من رضا "رحيل" عن تلك الزيجة - الرابحة - للطرفين، فهو يحتاج إليها، وهي تحتاجه أكثر، كلاهما وقع أمام الآخر في التوقيت المناسب تمامًا، وكأن تلك الليلة التي دخلت فيها لقصر "العزيزي" كانت قدرها الذي ساقها للمصير الأفضل الذي تعيشه الآن، فلم تعد تخشى الغد ولا تفكر فيما ستلقاه من عمّها الطاغية الذي أكل مال اليتيمة وأمها دون مراعاة الدين والقانون. أغلقت "رحيل" هديتهِ ووضعتها في الحقيبة وهي تبتسم برضا، وقد تلاشت كل مشاعر التردد والحيرة من داخلها الآن، وباتت تؤمن أن خيارات القدر كانت أفضل لها، ثم نظرت لتلك اللوحة الأبوية الحانية متخيلة إنضمامها إليها، حتمًا ستكون أسرة سعيدة.
نظر "هاشم" في ساعتهِ قبل أن يسألها :
- أكلم المأذون ونتوكل على الله؟.
شدهت من رغبتة في تسريع الأمر :
- دلوقتي ؟!.
لم يكن "هاشم" ليتحمل يومًا آخر من المفاجآت القدرية، فـ أصر على إتمام الزواج اليوم :
- خير البرّ عاجله.. وبعدين ده هيبقى كتب كتاب ولو عايزة فرح بعد كده أنا تحت الأمر.
نفت "جليلة" رغبة گتلك قائلة :
- لأ مش عايزين فرح وزيطة على الفاضي.
فتدخلت "رحيل" بدورها كون الأمر يخصها بالأكثر :
- خليها يوم الخميس.. تكون رجلي أتحسنت أكتر.
أرخى "هاشم" ظهرهِ للخلف مرتاحًا، وقد وافق على رغبتها بدون أي نقاش :
- زي ما تحبي.
كادت "جليلة" ترقع زغروطة أخرى، لولا أن "رحيل" استوقفتها قائلة :
- خلاص ياماما.. تعالى نجهز العشا أكيد هاشم جعان.
- جدًا.
ابتسمت "رحيل" وهي تنهض لمساعدة والدتها، فأمرتها "جليلة" أن تجلس معه لكي تزيد من فرصة التحدث بينهما :
- لأ خليكي.. أنا هاخد معايا لوليتا وانتي ارتاحي عشان رجلك.
أخذتها "جليلة" لتصطحبها نحو المطبخ، حينما كان "هاشم" في حاجه ماسّة لأن يعرفها أكثر، وعيناه تتجول على ملامحها وهو يستدرج الحديث منها :
- كلميني عنك يا رحيل.
لم تعرف من أين تبدأ، فسألتهُ التيسير عليها قليلًا بسؤال مباشر :
- عايز تعرف إيه بالظبط؟.
- كل حاجه..
**************************************
طوال الأيام الماضية كانت تكافح من أجل الوصول لبرائتها، بداية من إثبات دخول الماكينات الحديثة عبر الجمارك المصرية وحتى الوصول للعميلة التي وشت بها وافترت عليهم بإنهن أصابوها بحروق جلدية بليغة بسبب استخدام أجهزة غير مطابقة للمواصفات العالمية والمواصفات المذكورة عبر صفحاتهم الإجتماعية. أرادت أن تثبت للجميع إنها البريئة المظلومة، وأن إدعاءهِ بعدم أهليتها لتربية الطفلة غير صحيح، ثم تتخذ الإجراء المناسب لإسترداد "ليلى" مرة أخرى لأحضانها.
وفي خِضم انشغالها بحالها وقضاء تنقلاتها من اليمين لليسار أتتها تلك الرسالة عبر تطبيق "الواتساب"، بعدما قطعت "كاميليا" أي تواصل مع "رمزي" في تلك الآونة، محاولة بذلك استرداد ابنتها الوحيدة.
فتحت رسالتهِ بفتور لتقرأها بسرعة؛ لكن محتوى الرسالة جعلها تتوقف عن القيادة وتنتزع نظارتها الشمسية لتقرأها مجددًا :
أنا عرفت مكان ليلى فين، الـ ***** سايبها عند ناس في الشيخ زايد وبيروحلهم كل يوم......
لم تقرأ بقية رسالتهِ، وعلى الفور كانت ترفع عن رقم هاتفهِ حظر الإتصال وتتصل به، وأناملها ترتعش ارتعاشةٍ باردة :
- أيوة يا رمـزي.. هـي فـين، أرجوك مش وقته الكلام ده، بنتي فين ومين الناس اللي قاعدة عندهم؟.. أبعتلي location بسرعة يارمزي، بسرعة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ليلتنا الأولـى"
____________________________________
كانت تسير بسيارتها گالتائهة، لا تعلم وجهتها رغم أن الخريطة الإلكترونية الظاهرة أمامها تدلها على الطريق؛ لكن ثمّة أفكار تدور في رأسها گالدود، ينهش في نسيج دماغها ليعجزها حتى عن التركيز. من أولئك الناس الذين أئتمنهم على طفلتهِ الصغيرة، ولماذا هم بالذات؟.. وما حقيقة العلاقة التي تجمعه بهم؟. كلها أفكار تجمعت في رأسها أثناء الذهاب لهناك مباشرة، لمداهمة المكان وأخذ صغيرتها رغمًا عن أنف طليقها.
وصلت "كاميليا" للموقع المنشود، فـ ترجلت عن سيارتها وهي تجوب المكان بعينين دارستين مترقبتين، ثم وطأت بيمينها عتبة الحديقة الملحقة بالمنزل وهي تنظر للبناء الراقي، قبل أن تخطو خطواتها الثانية والثالثة نحو بوابة الدخول. توقفت بمكانها فجأة، وتجمدت الدماء في عروقها وهي ترى أمامها "مراد"، معتقدة أن من خلفه سيظهر "هاشم"، جـلّادها الذي عذبها ليالٍ طويلة بدون أن يتكلف عناء المجهود، تعذيبًا نفسيًا ومعنويًا قاسيًا.
مشى "مراد" صوبها وعيناه المتعجبة تسأل في فضول :
- كاميليا؟! إيه اللي جابك هنا وعرفتي المكان ده إزاي؟.
تجاهلت أسئلتهِ وكادت تتخطاه للصعود، في لحظة شجاعة لا تتكرر كثيرًا منها :
- مش مهم.
لكنه وقف أمامها گالسدّ المنيع، وبدت نظراتهِ أكثر حزمًا وجدية :
- انتي رايحة فين!؟.
لم تتمالك "كاميليا" نفسها، وإذا بها تنهار ببكاءٍ وقد خارت قواها خلال لحظة واحدة :
- طالعة آخـد بنتـي اللي خـطفتوها!.. ولو منعتني أنا هبلغ عنكم وأقول إنكم واخدينها مني غصب عني.
تأفف "مراد" منزعجًا من التدخل في وضع گهذا كان يرفضه منذ البداية؛ ولكن شاءت الأقدار أن ينوب عن "هاشم" مراعيًا رغبة الأخير أولًا :
- ليلى مش هنا يا كاميليا.. ومتهيألي انتي محتاجة تسوّي أمورك مع هاشم قبل ما تيجي تقتحمي أي مكان كده.
مسحت "كاميليا" دموعها بظهر يدها وهي تصيح فيه :
- وطالما هي مش فوق مانعني أطلع ليه؟؟.. ولا في حاجه مخبينها!.
أفسح "مراد" الطريق أمامها ليقول في هدوء مجبر :
- أطلعي لو عايزة.. بس خلي بالك أنا خارج وهقفل البوابة ورايا.
استسلم صوتها للضعف من جديد، وهي تستجديه ليعاونها على الفوز بـ "ليلى" مجددًا :
- مراد.. انت أقرب حد لهاشم، أرجوك تقنعه يرجعلي ليلى، وأنا مستعدة أتفق معاه على كل الشروط اللي هو عاوزها بس بنتي تكون معايا.
حاول "مراد" التملص من أمرٍ گهذا، خاصة وإنه على علم بتزمدّ "هاشم" الفكري وصعوبة التأثير على قرارته :
- صدقيني محدش يقدر يغير حاجه في الموضوع ده غيرك.. زي ما بدأتي القصة دي تقدري تنهيها.
قطبت جبينها بشئ من الإستغراب، رغم إنها فطنت إلى ما يرمي إليه :
- قصدك إيه ؟.. انت عايزني أرجعله بعد كل اللي عمله فيا؟.. أعيش مع راجل جاحد قبل عليا الحبس والإهانة والسمعة الوحشة عشان يحقق أطماعه و.....
بتر "مراد" بقايا كلماتها التي لم تعنيه في شئ، وفسّر مقصده الحقيقي لها:
-هاشم عمره ما هيرجعلك، وأكيد مش ده قصدي.. أنا بتكلم عن قصة الحب اللي انتي عايشة فيها.
انفعلت "كاميليا" لتسلّطهم الشنيع على حياتها رغمًا عن طلاقها منه، فما زال يلعب دور المسيطر المتسلط والديكتاتوري على حياتها حتى بعد انفصالهم :
- مش من حق أي حد يتدخل في حـياتـي!.. الراجل اللي بتكلم عنه خلاص بقى طليقي وانا مش ملزمة بأي حاجه ناحيته.
بدأ يتحدث وكأنه الوجه الآخر لـ "هاشم"، أو صوت عقلهِ الذي فهم ماذا يجول فيه :
- ولا من حقك تجبري أبو بنتك يقبل بأب تاني لـ ليلى وهو عايش على وش الدنيا.
اقتنع أخيرًا بأحقيّة "هاشم" في استعادة "ليلى" رغمًا عن أنف والدتها، كي يعوق بينها وبين وجود أب آخر وهو ما زال قيد الحياة :
- يبقى كده هاشم كان عنده حق لما رجع بنته لحضنه قبل ما تغفليه ويتفاجئ ببنته الوحيدة بتنادي لراجل تاني تقوله يا دادي!.
تحرك "مراد" نحو البوابة تاركًا إياها تتخبط بين الندم للجوء إليه وبين العجز الشديد الذي جعلها غير قادرة على الوصول حتى لإبنتها. وقف "مراد" أمام البوابة ينتظر خروجها، بينما كانت عيناها الدامعة تنظر إليه بتحسرٍ وعتاب، قبل أن تنسحب بخطواتها للخروج من هنا بعدما تبددت آمالها بإستعادة "ليلى" ، ها هي تعود لنقطة البداية، ومازالت لا تعلم أي شئ عن ابنتها حتى الآن.
*************************************
كان كل شئ رائع بكل المقاييس، رُقي الأثاث وإتساع المكان وكثرة تفاصيله التي تغرق فيها. دققت "رحيل" بكل شئ في منزلها الجديد الذي انتقلت إليه للتو، بعدما فاجئها "هاشم" بتجهيزهِ لمنزل الزوجية بسرعة لم تكن متوقعة، وقد انتقى كل شئ بنفسه معتمدًا على مشورة مهندس الديكور الذي أسس له كل مكان، كي تكون مفاجئتهِ لها قبيل عقد القران بليلة واحدة.
تأملت "رحيل" ذلك المقعد الهزاز بنظرات معجبة، قبل أن تنتقل عيناها إليه لتقول بإمتنان :
- مكنش في لزوم تكلف نفسك.. الشقة اللي كنت فيها كانت كويسة.
حملت نبرتهِ شيئًا من التعالي وهو يقول :
- لأ طبعًا مش مستواكي يا هانم.. دي كانت مكان مؤقت بس لإستضافتك.. إنما ده بيتك الحقيقي.
كانت تعابير "جليلة" مرتاحة للغاية، شاعرة بحسن حظ ابنتها التي تعثرت في ذلك الرجل الشهم، والذي سيُعوض كل لياليها القاسية ويمحو عنها مصاعب الحياة.
مدّ لها "هاشم" بنسخة من المفاتيح بها ميدالية من الفصوص الزرقاء التي تمنع الحسد، ثم أردف بـ :
- هتلاقوا الأوض فوق وحاجتكم جاية في الطريق.. عقبال ما ترتاحوا وتستقروا هعمل كام مشوار وأرجع لكم.
عانقت أصابعها مفتاح منزلها الجديد بسعادة شديدة، ثم هتفت بصوتٍ أشبه الهمس :
- كنت عايزة أسألك عن حاجه.
تضاعف فضوله من تلك التعابير التي طفت على وجهها فجأة :
- طبعًا.. أتفضلي.
لم تتردد "رحيل" في طرح السؤال الذي يشغل عقلها منذ أيام، كي تتخلص من عناء الحيرة والتفكير :
- أنا هستلم أرضي وورثي أمتى ؟.
- أول ما المحامي يخلص إجراءاتهِ ويبلغني هقولك.
استنبط حاجتها للمال، فعرض عليها عرضهِ السخي :
- لو محتاجة أي حاجه قوليلي.. أنا مش غريب عنك دلوقتي.
دعت ابتسامة مستحية تزين محياها وهي ترفض ذلك :
- لأ شكرًا.. أنا عايزة أتخلص من الأرض دي وأبيعها بأسرع وقت، مش عايزة أي علاقة تربطني بيهم.
أحس "هاشم" لوهله إنها تمتلك المشتري الذي سيرفع عنها عبئ تلك الأرض اللعينة، فـ لم يترك الأمر للحظ وسألها على الفور :
- انتي عندك مشتري للأرض؟؟.
- آه عندي.
كان جوابًا صادمًا؛ لكنه لم يترك ملامح الذهول المتضايق ترتسم على وجهه، بل وضع تلك البسمة الوديعة على شفتيهِ وهو يردف بـ :
- كويس.. أول ما المحامي يرد عليا هبلغك يارحيل.
ثم أشار للخارج وهو ينهي التحدث عن الأمر قائلًا :
- خلي بالك من ليلى.. هي بتلعب برا في الجنينة.
ابتسمت بحنوٍ بالغ لتقول :
- متخافش عليها وهي معايا.
والتفت موليها ظهرهِ، حينما كان عقلهِ يدبر الخطة التي ستجعل المزاد له هو، ستقبل به مشتريًا دون غيره، ولن يفوز بتلك الأرض رجل سواه، ذلك هو التحدي القائم بينه وبين نفسهِ.
***************************************
مرت ساعات طويلة وهو ينتظر عودة ولده "حسين" من الخارج بالأخبار التي تسرّ، عسى أن تتلاشى السحب والغيوم عنهم قليلًا، ويلحق بأي شئ قبل أن يخسر تمامًا. جلس "حمدي" في العريشة وعيناه على بوابة المنزل الكبيرة، حتى انفتحت ودخل منها "حسين" مستندًا على عكازهِ، منتقلًا بتثاقلٍ نحو والده الذي نهض واقفًا متلهفًا لسماع نتيجة المفاوضات، غير قادر على تحمل المزيد من الصبر :
- ها ياحسين يا ولدي.. طمني عملت إيه؟.
جلس "حسين" وهو يلتقط أنفاسهِ بصعوبة، ومن بينها كان يجيب :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- خلاص حليتها ياحج.. صحيح هما زودوا عليا الفلوس بس مش مهم، أهم حاجه نفتح البطن وناخد اللي جواها قبل ما تاخدها الـ ×××ـة.
جلس "حمدي" أخيرًا وقد أحس ببعض الراحة، وبدا ذلك على صوته المرتخي - قليلًا - :
- وهنخلص أمتى ؟.
تحسس "حسين" عصاه التي يكرهها ويكره العجز التي يشعر به مع الإمساك بها، حينما كان يفكر في أمر آخر كان يشغل عقلهِ بالأكثر، وكأن لسانه يحس بالنار في الكلمات التي تخرج منه :
- هنعمل إيه مع رحيل ياحج؟؟.
زفر "حمدي" وهو يشيح بوجهه للإتجاه الآخر، مستثقلًا التفكير في الخلاص منها، وقد ظهر شبح شقيقهِ الراحل أمام عينيه كأنه ينذرهُ من أي مصاب قد يصيب ابنته جِراء ردود أفعاله. ذلك الصمت المصحوب بنظرات غريبة جعل "حسين" يرتاب من تخاذل والده عن تأديب إبنة أخيه التي أخطأت في حق العائلة وجلبت إليهم العار والسمعة السيئة :
- أوعى ياحج تفكر في اللي انا خايف منه!.. لو اتراجعت انا عمري ما هرجع عن حلفاني، وديني لأكون جايب رقبتها على صدرها.
تمسك "حمدي" بعصاه وهو ينهض من جديد، فرارًا من الحديث الذي لا يدري حتى الآن بماذا يجيب عليه :
- نخرج اللي في البطن وبعدها يحلها ربنا.. أنا طالع أنام.
وتركه منفردًا، تدور آلاف السيناريوهات في رأسه، حول الطريقة التي سيرضي بها غرورهِ وينتقم لكرامتهِ ويعيد للعائلة سمعتها بين العوائل المحيطة.
**************************************
سحبت "رحيل" كفها من كفهِ بعدما أنهى الشيخ عقد القران بالدعاء لهما، ثم أنهالت التبريكات على العروسين والدعوات بدوام السعادة والهناء. أخرج "هاشم" خاتم الزواج في علبة مخملية حمراء من جيب بدلتهِ، فكانت مفاجئة أخرى من مفاجآته التي لا تنتهي، جعلت وجنتيها تتورد في استحياءٍ من سخاءهِ الذي يبهرها به، في حين كانت "جليلة" قد آمنت بإنه القدر هو من فعل كل ذلك تسخيرًا للقاء ابنتها بالعوض الذي تستحقهُ بعد سنوات من العناء والشقاء.
كانت تتطلع إليه بنظرات مختلفة تمامًا، هو الآن زوجها شرعًا، الحلال الذي أهداها الله لها، ونظرات الإعجاب الوليد في عيناها هي حق مشروع لها الآن. كان واقفًا برفقة "مراد"، وعلى ما يبدو أن الأمر الذي يتحدثان فيه غاية في الأهمية، فهمت ذلك من تعبيرات وجهه وإيماءات جسدهِ وأصابعهِ، كان جادًا حازمًا، وذلك الخاتم الذي يرتديه يعطي ليدهِ مظهرًا مهيبًا ذا معنى مقصود. قطعت عليها "جليلة" شرودها فيه وهي تهتف بـ :
- رحيل.. مالك واقفة سرحانه كده ليه؟.
انتبهت "رحيل" لطول المدة التي تأملته فيها، فـ أجفلت عيناها عنه وهي تقول :
- ولا حاجه يا ماما.
سحبتها "جليلة" جانبًا وهي تهمس بها بخفوت غير مسموع للغير :
- طب أطلعي أوضتك وجهزي نفسك بقى زي ما فهمتك.. أنا جهزتلك الأوضة وفرشتها وخلتها أحسن من أحسن أوضة، أطلعي عقبال ما جوزك يخلص ويطلعلك.
أومأت "رحيل" برأسها وقد خالجها الحرج مع استعادة نصائح والدتها التي ملأت بها مسامعها منذ أن تحدد موعد الزواج، ثم انسحبت لكي تصعد قبل أن تحاوطها نظراتهِ التي تفتك بثباتها فتكًا، كأنه متعمدًا رؤية وجنتيها المخضبتين بالدماء.. حينئذ كانت عيناه قد رأتها وهي تصعد، فظلت ترافقها حتى اختفت بين الردهات الكثيرة بالطابق العلوي، وأفاق على صوت "مراد" وهو يسأله :
- يعني هتبات فين النهاردة؟.
حكّ "هاشم" شعيرات ذقنهِ الحليقة وهو يجيب :
- خليت حِراء جهزتلي أوضة فوق.. انت شايف الوضع عامل إزاي، مش عايز كمان أزود عليها واقتحم حياتها مرة واحدة وهي لسه مش مستعدة لده، خليها واحدة واحدة أحسن، على الأقل بقت على ذمتي خلاص وأقدر أخرس أي حد.
ربت "هاشم" على كتف "مراد" بقوةٍ غير مقصودة وهو يتابع :
- روح انت والصبح نتقابل في الشركة.. متنساش اللي اتفقنا عليه.
- متقلقش.. اعتبر الموضوع خلصان.. تصبح على خير.
- وانت من أهله.
انصرف "مراد" حينما كان "هاشم" يسير بإتجاه الدرج، فصادف تلك الإبتسامة العذبة على وجه "جليلة"، وهي تستقبله للمباركة بطريقتها الخاصة :
- ألف ألف مبروك ياحبيبي.. ربنا يجعلها جوازة العمر.
ابتسم "هاشم" بتوددٍ وهو يصافحها بحرارةٍ :
- تسلمي يا ست الكل ربنا يبارك فيكي.
اتسعت ابتسامتها وهي تستطرد :
- أنا حضرتلك حتة عشوة بقى هتاكل صوابعك وراها.. شويه جمبري واستاكوزا يستاهلوا بوقك.
تحمس "هاشم" أكثر لتناول صنيعها اللذيذ الذي جربه عدة مرات، وقبل أن يسألها أين الطعام كانت تتابع حديثها :
- حطيت العشا في الأوضة عشان تاكلوا براحتكوا.. ومتشغلش بالك بليلى هتنام في حضني النهاردة.
ازدادت ابتسامته اتساعًا بعدما عهدت "جليلة" للأهتمام بطفلته بكل حُب، وامتلأت نظراته بالأمتنان وهو يقول :
- تسلمي ياهانم.. ده العشم برضو.. عن أذنك.
- أذنك معاك يا حبيبي.
طالعته وهو يصعد بعينين متأملتين، قبل أن تلحق به وتصعد للطابق الموجود فيه غرفتها، مطمئنة على ابنتها من بعد الآن.
طرق "هاشم" بابها، أراد بذلك أن يفسر لها نفسه وإنه أبدًا لن يضغط عليها بأي شئ، وإنها حُرة طليقة وليست مجبرة بمعصمي الزواج منه، متفهمًا بذلك كل الظروف القاسية التي مرت بها؛ لكنه لم يجد ردُا، لفترة من الوقت لم يحس بأي رد، فـ اضطر للدخول كي يطمئن عليها، ليرى الغرفة وكأنها قطعة من الجنة، بيضاء تمامًا، المفروشات، المفارش، الستارة، وحتى المناشف، ورائحة العود التي تنبعث من الغرفة أضفت مشاعر مريحة للغاية. ولج "هاشم" وهو يبحث عنها بعينيهِ؛ لكن صوت الصنبور المفتوح بدورة المياة أنبئهُ إنها بالداخل، فجلس ينتظرها متحمسًا، وعيناه الجائعة على طاولة الطعام المغطاة، حتى انفتح الباب وظهرت من خلفه، فتاة گالملاك، لا تشبه أبدًا تلك التي عرفها واعتاد عليها. وقف "هاشم" عن جلستهِ مدهوشًا برؤيتها هكذا، بدون حجاب، متحررة، ترتدي قميص نوم من اللون الأبيض يُظهر مفاتن جسدها المثير الذي لطالما اختبأ أسفل العباءة والملابس المحتشمة، والآن هو ملكًا له وقد سمحت له بإختراق تلك الحدود بكل رضا. لم يتخيل أبدًا إنها فاتنة.. جميلة.. حسناء، أحلى من كل النساء اللاتي عرفهن، وجمالها شرعتهُ له فقط دونًا عن أي أحد.
تشابكت أصابعها بخجلٍ من نظراتهِ الشرهه، ثم همست بصوتٍ بالكاد استمعه :
- أنا جهزتلك الحمام.
قطب جبينه متسائلًا :
- يعني إيه ؟.
تعجبت من سؤاله، فـ جملتها كانت واضحة للغاية لا تحتاج لتفسير، ولكنها فسرت رغم ذلك :
- مليت البانيو ميا سخنة وجهزتلك طقم وفوط.. عشان تاخد دش وتفوق من تعب اليوم.
أخذته الحماسة لتفقد التجهيزات التي تحدثت عنها، خاصة وإنها تدعوه بصيغة غير مباشرة للمكوث في غرفتها، ورفعت عنه عناء الحديث الذي كان يجهز له، بإنها تعاملت معه گزوج، وأحلّت له ما خشي أن يفكر حتى في طلبه، بدون أي مجهود. تقدم "هاشم" منها وأطلّ برأسه داخل دورة المياة، فوجد المسبح الصغير ممتلئًا بالماء الساخن، والفقاعات ذات الرائحة المنعشة تغطي الماء الذي يتطاير الدخان منه. أحس بيدها على كتفهِ فـ التفت إليها، ليجدها تنزع عنه ملابسهُ وهي تعرض عليه المساعدة :
- أساعدك تقلع هدومك؟.
ترك نفسه للدلال الذي أغرقتهُ فيه، مستمتعًا بتلك الطقوس التي لم يعيشها يومًا، وعيناه تتأمل الفتنة التي غمرت شفتيها المصطبغة بأحمر الشفاة الناري، حتى لمست أصابعها الباردة صدرهِ الساخن الملتهب بمشاعر ذكورية نمت بين ضلوعهِ فجأة، وهو الذي كان رجلًا لا تؤثر فيه المغريات النسائية، إذ به يسقط صريع فتنتها، ليسحبها معه مستسلمًا للإغراء التي مارستهُ بدون أي قصد، خلف أبواب دورة المياة، وسط البخار الذي علقت قطراتهِ على جسديهما، لتكون الملحمة الأولى بينهما محاطة بمشاعر ملتهبة لن تنسى أبـدًا.
*************************************
*****************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"يولد الإنسان بغريزة الطمع، تنمو وتتجذر في أعماقهِ حتى تنهيه؛ أو يقضي هو عليها."
____________________________________
فتح عيناه الناعستين، عقب نومةٍ هنيئة مريحة، حظى بها بعد فترة من الشقاء البدني والذهني، شاعرًا بإنه قد حصل على قسط وفير من الراحة سيمكنهُ من دوام الحياة.
التفتت رأس "هاشم" لجانبه، معتقدًا إنه سيرى وجه عروسهِ الفاتنة على الوسادة بجوارهِ؛ لكنها لم تكن موجودة هناك، نظر في بقية الغرفة فلم يكن لها أثرًا. اعتدل في نومتهِ مستندًا على ظهر الفراش المبطن، ثم التقط هاتفهِ لينظر فيه بعجلةٍ، بعد أن اكتشف تأخره في النوم حتى أصبحت الساعة الحادية عشر والنصف ظهرًا، وقد تلقى العديد من المكالمات الهاتفية الفائتة من "مراد" ولم يشعر حتى بإهتزاز الهاتف. تأفف وهو ينزع عنه الغطاء ليشعر بمقبض الباب ينفتح ببطء، كأنه حذر شديد، مما جعل جبينه ينكمش في تعجب وهو يخمن هوية المقتحم الذي يريد فتح الباب خِلسة دون شعوره، إلى أن رآها تظهر من خلفه بهدوء حذر، ثم رسمت إبتسامة وديعة على شفتيها وهي تقول :
- صباح الخير، أفتكرتك نايم فـ خوفت صوت الباب يصحيك.
كان جوابًا مراعيًا للغاية، بدون أن تنتظر سؤاله، جعله تلقائيًا يبتسم ببشاشةٍ من أجل اهتمامها ليقول :
- لأ عادي أنا بصحى بدري.. كنتي فين؟.
ثم نظر لثيابها التي بدت مكشوفة إلى حدٍ ما وتابع سؤاله بصيغة أخرى :
- وإيه اللي نزلك تحت بالشكل ده؟!
ضمت الروب الحريري على صدرها وقد استحت من نظرتهِ التي صوبّها على أجزاء معينة تعرّت من جسدها :
- مفيش حد في البيت غير ماما وليلى.
قطب جبينهِ مستنكرًا استسهالها للأمر :
- وحراء ؟.. والحرس اللي برا والجنانيني معاهم، والبلكونات والمكتب اللي كلهم أزاز؟.
أحنت رأسها شاعرة بالخطأ الفادح الذي وقعت فيه دونما تشعر، ثم بادرت بالإعتذار عن ذلك بدون أدنى تفكير :
- أنا آسفة.. مخدتش بالي خالص.
أحس بإنه قد أراها وجهًا حازمًا منذ اليوم الأول، ولم يحبذ ذلك الشعور بعدما كان لطيفًا ودودًا معها طوال الفترة السابقة، فتغيرت ملامحهِ فجأة لتعود إلى بشاشتها وهو يدنو منها بخطوات مقتربة :
- انتي زعلتي؟.
اغتصبت تعبير الضيق بإبتسامة مجاملة وهي تقول :
- لأ مزعلتش انت عندك حق.
مسح بإبهامهِ على وجنتها تاركًا تأثيرهِ يطغى عليها مجددًا، قبل أن يسير بإتجاه دورة المياة :
- أنا نازل.. خلى حراء تجهز ليلى عشان هاخدها معايا.
أومأت رأسها بتفهم وهو تستوقفه بقولها :
- حاضر.. بس لما تفطر الأول، أنا جهزتلك كل حاجه.
التفت إليها منبهرًا للمرة الثانية، كما أبهرته بالأمس، ثم سألها بنفس الفضول :
- جهزتي إيه ؟.
- فطار هيعجبك أوي.. وحطيتلك طقم في الحمام عشان تغير هدومك.
مدّ يدهِ إليها، فوضعت كفها بداخل راحتهِ، ليُقربها من فمهِ مقبلًا باطنها، قبل أن يعبر عن امتنانهِ :
- شكرًا يارحيل.
أحست بقشعريرة تسير على جلدها كله، فـ سحبت يدها على الفور بعدما تلوّن وجهها بالحُمرة المستحية، ثم توجهت نحو الخزانة لتنتقي ثيابًا تناسب الخروج من غرفة النوم، وهو يرى في خطواتها المتعثرة مدى تأثيره الواضح عليها. دلف لدورة المياة وهو يستعيد بذاكرتهِ مشاهد من ليلة أمس، حيث فاجئتهُ بإنها إمرأة شديدة الأنوثة، ليس كونها جميلة فحسب، بل لإنها تخلصت من إعاقة الخجل بين أحضانهِ، وجعلتهُ يعيش ليلة أقسم بعدها إنه لم يتذوق طعم الزواج من قبل، وكأنما أرادت أن تعوضه عن نقص كبير ملأ حياتهِ بدون أن يشعر، بعدما زهد زوجتهِ الأولى وسئم فتورها الشديد وعزف عن علاقتهِ الحميمية معها بعد أن استنفذت كل طاقة الصبر لديه، فأصبح زوجًا بلا زوجـة، يقضي لياليه في العمل، ويضيع وقتهِ في تضخيم حجم أعماله على مستوى الشرق الأوسط كله، حتى أصبح رائدًا من رواد الإعمار والبناء، حتى إنه تعاون مع الحكومة المصرية في بعض المشاريع، الأمر الذي وهب له نفوذًا فوق نفوذهِ بأضعاف مضاعفة.
أسقط "هاشم" رأسه أسفل الصنبور، ومازالت الحرارة النابعة من صدره تسيطر على رأسهِ الساخن، متأثرًا بمشاعر الليلة الماضية، فهو رجل صادف احتياجهِ بعد قحط شديد، وهذا بالفعل أثّر على إعداداتهِ قليلًا، وجعله أكثر تحمسًا لليالي القادمة معها.
**************************************
كانت تراقبهِ من نافذة غرفتها، ومازال يُدخن من النرجيلة الخاصة به، في الهواء الطلق وأسفل آشعة الشمس التي أكسبتهُ لونًا أسمرًا أكثر مما كان عليه. عضت "منال" على شفتيها وهي تفكر مليًا، هل تفتح أمر زيجتها مرة أخرى مع "جمال"؟.. أم تتغاضى عن ذلك الإنتقام الذي رغبت فيه أكثر من أي شئ آخر؟.
زفرت "منال" بحنق وقررت أن تذهب إليه، فلن تكسب شيئًا من تعذيب حالها هكذا.
نفخ "جمال" الدخان من صدرهِ وقد أحس بإقتراب خطواتها منه، فتجاهل النظر نحوها تمامًا وقد خمن سبب وجودها هنا الآن، بعدما أغضبته في آخر مرة تحاورت معه بشأن رغبتها في الزواج من ابن عمها "عمرو". جلست قبالته، فتصادفت عيناه العسلية مع نظراتها الجريئة التي لم يرها من قبل، فـ أحنى عيناه عنها وهو يسألها :
- ها.. لساكي محچرة راسك يا منال؟؟.
تنهدت "منال" والثِقل يجثم على أنفاسها، ثم أشاحت وجهها وهي تجيب بثباتٍ لم يهتز أو يتأثر :
- ده اللي هيرچعلي حجي ياچمال.. حِس بيا، جلبي كيف الجمر بياكل فيا أكل.
ترك "جمال" نرجيلتهِ جانبًا، ووضع كفهِ على كتفها يربت عليه في حنو :
- أبوكي لو شم خبر باللي في راسك هيطربقها علينا يامنال، مش بس أبوكي اللي هيعارض، أني كمان مش بالع الحكاية كلها.. ولو على نارك مسيرها تبرُد، الأيام علاچ يابت أبويا وهتنسي.
انتفضت "منال" من جلستها معارضة ما يقول :
- مفيش حاجه هتنسيني ياچمال.. وأني هعرف كيف أعمل اللي في راسي.
ضرب "جمال" كفًا بكفّ وهو يراها تنصرف بإندفاع :
- لا حول ولا قوة إلا بالله!.
انفردت بغرفتها ورأسها مشتعلًا من الغضب، لتسمع صوت هاتفها وهو يرن للمرة الثانية على التوالي، فـ انتقلت نحوه لترى أسم "جليلة" على واجهة الهاتف، فتأففت بحنق لتهمس بـ :
- عايزة مني إيه تاني انتي وبنتك!.
ثم أجابت عليها بصوت هادئ إلى حد ما :
- أيوة يا خالتي.. أزيك عاملة إيه.
ثم جلست جانبًا وقد تلوّت شفتيها بإستنكار :
- حالي!.. زفت، أتطلقت وقاعدة في بيت أبويا.. وانتوا عملتوا إيه؟.
كان خبر گالصاعقة، جعلها تنتفض فجأة من مكانها، وتتسع عيناها عن آخرها وهي تكرر آخر ما سمعت :
- أتجوزها؟؟!
وبمجرد أن تخيلت وجه "حسين" وماذا سيفعل حينما يعلم بالأمر، انتابها شعور بأن تركض إليه وتزّف بنفسها الخبر التعيس الذي سيقلب حياة آل طحان رأسًا على عقب، لتكون أول من يرى حالهِ بعد أن يعلم بزواجها، وليست أي زيجة، زيجة ستحطّ گالغراب صاحب الفأل السئ على العائلة كلها، فالتاريخ خير شاهد على سوء العلاقات بين العائلتين منذ قديم الأزل، وما حدث ليس سوى تجديد للعهد القديم الذي ظن البعض إنه قد مات وتوارى وراء الثرى مع موت "رضوان العزيزي"، وإنما أيقظهُ ولدهُ الآن وأعلن الحرب الحقيقية بالزواج من إبنة العائلة بدون رغبتهم.
منعت "منال" نفسها من أن يعلو صوتها بالزغاريد، كي لا يفهم أهل البيت سبب سعادتها الشديدة الآن، واستكفت بصوتها الرنان السعيد وهي تبارك الزيجة :
- ياألف نهار أبيض، ألف ألف مبروك يا خالتي.. وحياتك تباركي لرحيل بالنيابة عني، ده انا فرحتلها أوي والله.. لا متشيليش همي، المهم انتوا بخير.. مع السلامة يا غالية، سلام.
انبعج مبسمها بإبتسامة واسعة للغاية، وهي تخطط وتفكر في الطريقة التي سترسل بها الخبر إليهم، وإلى طليقها تحديدًا، كيف ستحرق قلبهِ؟.. كيف ستطعن رجولتهِ كما مزق كبريائها وكرامتها ؟.. وعلى ما يبـدو إنها وجدت الطريقـة المُـثلى لذلك.
*************************************
سار "هاشم" خلف رائحة الطعام الذكية، فكان المنزل بمثابة الذكرى الجميلة التي أيقظت مشاهد من حياة الطفولة ورغدها. تلك رائحة الفلافل المقلية مضاف إليها نبات الكسبرة وكثير من السمسم، إنه يعرفها جيدًا، وعلى ما يبدو إنها اهتمت بصنع الفول المنزلي المدمس وقد أضافت عليه تحبيشة مميزة من التوابل والطحينة، كما تخللت أنفهِ رائحة خبز طازج وكأنه مصنوع منزليًا.
دخل "هاشم" للغرفة المخصصة لمائدة الطعام، فوجد طاولة مملؤة بكل ما لذّ وطاب، حتى إنه وجد الفطير الفلاحي الشهير وعسل السدر الطبيعي بجانب الزبد الخالص، مائدة جعلته يشعر بجوع شديد يهاجم معدتهِ، و "ليلى" تترأس المائدة حتى يأتى والدها؛ ولكن على ما يبدو إنها قد بدأت بتناول الطعام غير قادرة على المقاومة.
حملتها "جليلة" عن المقعد وهي ترحب بزوج ابنتها العزيز :
- صباحية مباركة يا حبيبي.. تعالى كل لقمة تلاقي يومك طويل.
تحسس "هاشم" معدتهِ التي انفتحت بشهية عاجزة عن المقاومة، وهو ينظر للأطعمة التي يشتهيها بشدة :
- تسلم إيدك يا هانم.. الأكل ريحته وشكله يفتحوا النفس فعلًا.
ابتسمت "جليلة" وهي تردف بـ :
- رحيل اللي عملت كل حاجه بنفسها، أنا يدوب عملت فطير الصباحية بس.
أصابتهُ الدهشة، فقد تخيل إنه سيطلب لها طباخًا أو ما شابه، كما كان معتادًا من قبل؛ لكنها فاجئتهُ بخبرتها الواسعة وفنونها في المطبخ أيضًا. جلس على رأس المائدة، وقبل أن يسأل عنها كانت قد أتت وفي يدها صينية الشاي المخمر، لتضع أمامه فنجانه الخاص وهي تقول :
- تحب شاي عادي ولا بحليب.
- لأ عادي.
ثم نظر المائدة مرة أخرى وهو يعرض عليها :
- تعبتي نفسك ليه؟ أنا كنت هقولك نجيب طباخ!.
ابتسمت وهي تعدّ له طبق خاص، ثم أجابت بلطافتها المعهودة :
- أنا بحب أطبخ بنفسي، وانت هتجرب أكلي وتحكم.
وضعت "جليلة" الخبز الساخن أمامه، بينما بدأت يداه تتناول اللقيمات، لقمة وراء أخرى، ملعقة ومن خلفها أخرى، بدون أن يبدي رأيًا أو يقاطع طعامه بأي حديث؛ ولكن علامات الرضا كانت بازغة على وجههِ، كذلك "ليلى" التي اعتادت على تناول البسكوت مع الزبادي والحليب طوال حياتها في وجبة الإفطار، قد عاشت اليوم تجربة لذيذة لن تنساها، وعبّرت عنها قائلة :
- طنط رحيل.. أنا عايزة breakfast زي ده كل يوم.. مش عايزة لبن وكرواسون تاني.
ابتسمت "رحيل" وهي تضع في فمها أصابع البطاطس المقرمشة لتقول :
- طبعًا يا حببتي.. حاضر.
نظر "هاشم" في ساعة يدهِ، ثم نهض عن المائدة وهو يسحب فنجان الشاي قائلًا :
- أنا أتأخرت أوي.. يلا يا لوليتا لو خلصتي فطار عشان نمشي.
نهضت "رحيل" وهى تسأله بعفوية :
- هو انت رايح فين؟.
قطب جبينه ونظراتهِ عالقة على عيناها التي تنظر إليه، حتى فهمت ضيقهِ من سؤالها، فتراجعت عنه على الفور مبررة :
- آ... يعني عايزة أعرف هترجع أمتى عشان أجهزلك الغدا.
تجاوزها ومرّ من جوارها وهو يقول :
- متشغليش بالك بيا.. عن أذنكم.
تبادلت "رحيل" النظرات مع والدتها التي لم ترغب في حشو رأس ابنتها بكلمات التعصية منذ الليلة الأولى، وبررت تصرف "هاشم" قائلة :
- معلش.. أنتوا لسه مخدتوش على بعض.. وبعدين مش يمكن يطلع من الرجالة اللي مش بيحبوا يتسألوا رايحين فين وجايين منين!.
أومأت "رحيل" رأسها بتفهم وهي تتابع تناول طعامها، وفي رأسها تفكر فيما يفكر فيه هو؟.. كيف يرى زواجهم وما الذي يشعر به تجاهها؟ ما الذي يختبئ لها بالأيام القادمة؟.
صحيح أن زواجهم تم لمصالح معينة تخدم كلاهما؛ ولكنها استمعت لنصائح والدتها وتعاملت معه گزوج حقيقي وليس مجرد وسيلة حماية، هل سيتعامل معها إنها زوجتهِ؛ أم مربية أمينة لطفلتهِ؟.
**************************************
وصل مكتبه متأخرًا على غير العادة، مما زرع الظن لدى البعض إنه لن يكون متواجدًا اليوم، فأدى ذلك لبعض الفوضى الغير نظامية وإرتياح البعض لعدم تواجد رئيس مجلس إدارة الشركة الذي فرض قوانين عملية شديدة الصرامة على الجميع، فـ باتت رؤيتهِ الآن فجأة بالممر گالصاعقة، خاصة لقسم المبيعات الذي تمادى في فترة الراحة ووصل الأمر للإحتفال بعيد ميلاد صديقتهم بوسط يوم العمل الرسمي بقاعة الإجتماعات، ليتفاجئوا به يفتح الباب على حين غرة بعدما وصلت أصواتهم لمسامعهِ، فـ تجمّد الجميع في أماكنهم، وعيناه ترصدهم فردًا فردًا، حتى تجرأ أحدهم وفتح فمه بالكلام ليقول مبررًا وبنبرة نادمة :
- أحنا آسفين يا بشمهندس، ساعة البريك وكده فـ قولنا نـ......
نظر في ساعتهٍ قبل أن يقاطعه بحزمٍ :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- البريك خلصان من نص ساعة ياأستاذ!.
كانت السكرتارية تقف بجوارهِ ولسانها متجمدًا، حتى ألتفت إليها فبهتت وعيناها تتحاشى النظر إليه، إلى أن رمى بتوجيهه في وجهها :
- بلغي الـ Hr ينفذ جزاء ٣ أيام لكل واحد من الأساتذة، والمرة الجاية فصل نهائي من الشركة.
- تحت أمرك يابشمهندس.
لم يكتفي بذلك، وتابع أوامره العقابية آمرًا :
- والأكل والتورت والهيصة دي تتلم فورًا محدش يطفح منها حاجه.. أديها لعمال البوفيه.
أومأت رأسها بتفهم ومازالت عيناها بعيدة عن النظر إليه :
- حاضر.. حالًا.
ترك "هاشم" المكان وغادر، فسمع صوت أرجلهم وهم يركضون نحو مكاتبهم، بعدما تلقوا جميعًا عقاب شديد القسوة، لم يمكنهم من الإستمتاع بالعمولات السخيّة التي أوصى بها "هاشم" لهم بعدما أبلى كلٍ منهم بلاءًا حسنًا في تنفيذ خطة البيع للعقارات السياحية الجديدة؛ لكنه صارمًا في تنفيذ العقوبات على موظفيه في التوقيت المناسب، منعًا لإنتشار الفوضى والإستهتار بقوانين العمل التي وضعها بنفسهِ لتنظيم العمل بداخل مقر الشركة.
انتقل "هاشم" تلقائيًا لمكتب "مراد"، لإستقبال الضيفة التي أمر بحضورها هنا صباحًا، فأتى بها سائقهِ لتنتظرهُ عدة ساعات متتالية، حتى تكرّم بحضورهِ الآن وقد تجاوزت الساعة الواحدة والنصف ظهرًا. لم تتحرك "كاميليا" من جلستها مع رؤية دخولهِ، بل تجاهلت النظر إليه حتى لا يرى في عيناها كم باتت تكرههُ، فيستمر استبدادهِ الغير منتهي في حقها، مبررًا ذلك بأحقيتهِ في التحكم بحياتها، بما إنها الأم البيولوچية لإبنته الوحيدة التي تمثل قطعة من قلبهِ.
انسحب "مراد" بصمت من الغرفة، تاركًا المجال للعراك والمشادات لئلا يكون عائقًا أو يتدخل فيتسبب لإزعاج "هاشم" أكثر. جلس قبالتها، وهو يرى ذلك الشحوب الذي غطى طبقات جلدها، فـ مطّ شفتيه ليقول بشئ من السخرية :
- انتي بطلتي حقن البوتكس ولا إيه يا دكتورة؟.
لم تهتم لتعليقاتهِ السخيفة، وسألته مباشرة :
- بنتي فين؟.. عايزة أشوفها.
وضع ساقًا على أخرى وهو يجيب برتابةٍ مثيرة للأعصاب :
- ليلى مع أبوها متقلقيش عليها، وهخليكي تشوفيها.. أنا مقدرش أحرم بنت من أمها.. بس بشروطي.
أطاحت بكوب المياة الرابض أمامها على الطاولة وهي تهبّ واقفة من مكانها وقد نفذ صبرها عن آخره :
- شـروط إيــه ؟؟.. البنت حضانتها معايا واللي بتعمله ده منافي للقانون.
- أثبتي للقانون إنها معايا وبعدين نتكلم يا دكتورة.. وبعدين الأسلوب ده نتيجته مش هتكون في صالحك أبدًا.
هي تعلم أن يدهِ طائلة، وإنه قد يتحايل على القانون أيضًا في سبيل تحقيق مبتغاه، وإنه لن يرى ظلمه لها أو يعتبر لتهديداتها اعتبارًا، لذلك خفت صوتها مرة أخرى وهي تستجديه :
- أنا قولتلك هعملك اللي انت عايزه.. خلاص مش هتجوز وهعيش عشانها، بس رجعهالي.
عيناه گالصقر، وهو يرنو إليها بنظرة حملت شيئًا من الإحتقار :
- مش من طبعي أدي الأمان لحد مرتين.. هي مرة واحدة وبس، وأدينا شوفنا وصلتينا لأيه.
ارتمت بجسدها على المقعد الجلدي وهي تدافع عن نفسها الآثمه في عينيه :
- والله العظيم ما عملت حاجه غلط، والله ما غلطت في حقك، أنا طلبت أبسط حقوقي لما لقيتني مش مرتاحة معاك!.. بس.
قطب جبينه بإستنكار، وقد تذكر كل تقصيرها في حقه، والذي تغافل عنه مرارًا لأجل صغيرتهِ "ليلى".. من أجل أن تشبّ بين أبوين طبيعيين؛ لكنها قابلت ذلك بكل أنانية، و ضحّت براحة واستقرار الصغيرة لأجل سعادتها الشخصية، الأمر الذي تستصعبه كثير من الأمهات :
- وانا أمتى كنت مرتاح معاكي؟.. أمتى كنت مبسوط؟.. ولا أمتى أصلًا فكرتي فيا؟!.
سالت الدموع من عيناها وهي تذكر لياليها الفارغة منه، وهي تنام أغلب الأمسيات وحيدة في فراشها التعيس :
- وانت أمتى كنت موجود عشان تطلب الحق ده؟؟.. أنا كنت بنام أنا وليلى بالأسابيع منعرفش عنك حاجه!.. عمرك ما فكرت فيا ولا في مشاعري ولا احتياجاتي، أنا أغلب الوقت مكنتش بحس إني متجوزة أصلًا!.. انت بتلومـني عـلـى إيه ؟ على واجبات كانت دورك وانت مقومتش بيها؟.. على رد الفعل لفعل أساسًا مش موجود!.
غلت الدماء في عروقهِ، وبدا كأنه سيبطش بها بطشًا عديم الرحمة، لولا إنه تماسك بأقصى درجة :
- أوعي تفكـري في لعـبة قلب الترابيـزة يا دكتورة.. ولو عايزة تعرفي مين الغلطان الحقيقي أرجعي لأيام الخطوبة، أرجعي لشهر العسل ولحد ما ليلى جت الدنيا!.. أنا كنت الزوج المثالي اللي بتحلفي بيه قدام كل صحابك، ولا نسيتي؟!.
صرخت في وجهه وهي تعيد ذكريات السنوات التي لم تشفع له في قلبها :
- لحد موت أونكل.. بعدها بقيت راجل تاني كل همه يجري ورا الشركة والعقارات والمشاريع، واحنا بقينا خارج الخطة!.. صح ولا لأ يا بشمهندس!.
لم يتحمل أكثر من ذلك، الطبيعي إنه إنسان غير صبور بالمرة، لكن الرصيد القديم وابنتهم "ليلى" كانت السبب الوحيد الذي دفع به لذلك الصبر :
- انتي مش بس أنانية!.. انتي طلعتي و×××× ة كمان!.. هي دي وقفتك جمب جوزك أبو بنتك؟.
ثم رمقها بإحتقار وهو يتابع :
- انتي مش بس تستحقي تتحرمي من نعمة ليلى!.. انتي تستحقي الرجـم.. ولو أمرك لسه في إيدي كنت دفنتك هنا.
تشبثت بذراعهِ قبل أن ينصرف مغادرًا حديثها الحقير في وجهة نظرهِ، والذي تجاهلت فيه مشاعره بعد موت "رضوان"، والذي أثر بشكل كبير على حياته گكل :
- ليلى فين ياهاشم؟.
دفع يدها التي أمسكت ذراعهِ بكل وحشية :
- هتشوفيها عشان سبب واحد بس.. إني وعدتها إنك جايه النهاردة، لكن قبل ما تشوفيها هتسمعي الكلمتين دول وتحطيهم حلقة في ودنك، وإلا تنسي حاجه أسمها ليلى بقية عمرك كله.
- حاضر والله.. بس أشوفها.
**************************************
كان لابد من تنفيذ وعده لـ "ليلى"، كي لا تفقد الثقة فيه أو تتمرد على معيشتها معه، حتى وإن أغرقها دلالًا وأشبع رغباتها واحتياجاتها كافة؛ هي بحاجه لإمها الحقيقية، لا سيما أن العلاقة بينهما كانت وثيقة للغاية قبل أن يأخذها "هاشم"، وهذه ستكون معضلة في إجبارها تدريجيًا على الإستغناء عنها.
جلس "هاشم" برفقة إبن عمهِ على طاولة قريبة منهم بداخل النادي، تاركًا لهم مساحة من الحرية، بينما ترك "حِراء" برفقتهم گكبسولة أمان. يراقب عن كثب كيف تغيرت تعابير "كاميليا" وكيف أشرق وجهها بعدما رأت "ليلى" وجلست معها، فهي نقطة الضعف الأقوى التي استخدمها "هاشم" للحفاظ على حقوقهِ گأب منزوع التفاهم فيما يخص صغيرتهِ.
ترك "مراد" فنجان القهوة بعدما أنهاه، ثم نظر إليه وهو يراقبهم من خلف نظارتهِ السوداء، وسأله متعجبًا:
- أول مرة تفطر في البيت!.. إيه اللي غيّر تفكيرك؟.
ابتسم "هاشم" بشئ من المرارة، وهو يكشف عن السبب المخجل وراء ذلك :
- هو انا لقيت حد يفطرني وقولت لأ يامراد ؟!.. أنا كنت بصحى آلاقي الهانم نزلت شغلها والشغالة محضرة باتيه بالزعتر وميني كرواسون بالزبدة وحليب ساخن مُحلى بعسل النحل!.. هو ده فطار بني آدمين ؟!.
ثم نزع عنه نظارته كي يرى "مراد" نظرات الأشتياق في عيني "هاشم" لأصولهِ الصعيدية التي يحن إليها كل حين وآخر :
- وحشني فطار زمان بتاع الحجة الله يرحمها.. وريحة العيش المخبوز الساعة ٩ الصبح مع صوت طشة البطاطس المحمرة في الزيت المغلي.. وطعم الفول المحوج وشكل السمسم على الطعمية المحشية!.. أنا كنت نسيت حاجات كتير أوي.. النهاردة بس بدأت افتكر.
كان الأمر محلّ ذهول "مراد"، فـ "هاشم" ليس من أولئك الرجال الذين تحركهم معدتهم؛ ولكنه رغم ذلك عاش ما يفتقده في لفتة "رحيل" الظريفة بتجهيز إفطار شرقي يحمل عراقة التقاليد الأصيلة التي مازال يحملها معظم المصريين، فلم ينكر "مراد" إعجابه بتصرفها الذي غيّر من عادات "هاشم" - بدون أن تدري - :
- والله كويس.. على كده خلاص هرجع أفطر لوحدي؟.
- والله لو كل يوم هتعملي سفرة بالمنظر ده فـ أنا مضطر أسيبك تفطر لوحدك.
عاد يرتدي نظارتهِ وهو ينظر بإتجاه "كاميليا"، حيث كانت تختلس النظر إليه بين حينٍ وآخر، ثم جمع مفاتيح سيارتهِ وهاتفه ليقول :
- كفاية عليها كده.. يلا ورانا سفر.
استوقفه سؤال "مراد" :
- هي وافقت تتنازل عن الحضانة؟.
ذمّ "هاشم" شفتيه متضايقًا من تعثر الأمر :
- لسه.. بس هتوافق، مفيش قدامها غير إنها تقبل باللي انا عايزه، بدل ما تخسر كل حاجـه.
***************************************
تجاوزت الساعة الحادية عشر والنصف مساءًا، وما زال "هاشم" غير موجود. لا تستطيع مكالمتهِ أو الوصول إليه، منذ أن أعاد "حراء" و "ليلى" الصغيرة للمنزل وانصرف على الفور لم تعلم عنه شيئًا، حتى إنه تجاهل التواصل معها أو الدخول للمنزل، وكأنها ليست عروسًا عُقد قرانها بالأمس فقط.
تأففت "رحيل" وهي تنظر للطاولة التي وضعت عليا طعام العشا وقد تجمد من الهواء، ثم نهضت لتغطيهِ حتى يأتي على الأقل، فقد أعادت تسخنيهِ مرتين متتاليتين على أمل أن يأتي يتناول معها الطعام؛ لكنه لم يأتي.
وقفت أمام المرآة تنظر لحالتها الحسناء، كانت ترتدي قميصًا ورديًا طويلًا أظهر لون بشرتها الفاتحة، والروب الحريري بأكمام شفافة طويلة تنسدل على ساقيها، مطرزًا بفصوص ماسية صغيرة. مشطت شعرها الذي تناثر على جانبي وجهها، فتمكنت من رؤية الأثر المحمر الذي تركهُ على عنقها بالأمس. تحسستهُ بإبتسامه مستحية، وهي تسترجع في ذهنها كيف كان حنونًا رقيقًا معها، حتى في أوج إنفعالهِ العاطفي مارس الرفق مع جسدها الرقيق، متجاوزًا مراحل الشبق التي تتحكم في عنف الرجال مع النساء في مرحلة من مراحل العلاقة الحميمية، فـ حبذت حنانهِ الذي روى ظمأ أنوثتها المندثرة ليُحييها من جديد، وحلّقت معه لمشاعر لم تختبرها من قبل بهذا الشكل الرومانسي العميق. تنهدت وهي تجلس على المقعد الضخم المريح، ثم نظرت للسماء التي تظهر من خلف زجاج الشرفة لتهمس بتحيرٍ :
- ياترى انت فين يا هاشم؟!.
**************************************
في الوقت الذي كانت تنتظره فيه زوجتهِ على أحرّ من الجمر؛ كان هو يصيد الفريسة بعدما وقعت أخيرًا في الفخ، فقد انتظر تلك اللحظة طويلًا، وها هي تأتيه على طبق من ذهب. جلس "هاشم" في سيارتهٍ ينتظر اللحظة المناسبة لمدة تزيد عن ساعة وربع الساعة، حتى بدأ يسأم الإنتظار ويحس بالملل. تأفف وهو ينظر لساعة يدهِ للمرة السابعة عشر، ثم أردف بإنزعاجٍ تمكن من نبرة صوتهِ :
- وبعدين بقى!.. كان زمانا مخلصين من ساعة وأكتر!.. تفتكر إيه اللي حصل؟.
فرك "مراد" عينيهِ بقوةٍ وقد أزعجه إنخفاض الإضاءة من حولهم، حيث كان المكان معتمًا إلى حد ما :
- أكيد الرجالة اللي جايين ينفذوا أتأخروا عليهم.
ثم التفت إليه يسأله بفضول :
- هتعمل إيه في موضوع المشتري اللي عند رحيل؟.
- نخلص من اللي احنا فيه ده وبعدين هفكر.. بس الأكيد إني مش هضيع الفرصة دي من أيدي، الأرض دي مش هتروح لحد غيري.. زي ما كان أبويا الله يرحمه عايز بالظبط.
رنّ هاتف "مراد"، فـ اعتدل "يونس" في جلستهِ وهو يهتف بتلهفٍ :
- رد عليه بسرعة.
أجاب "مراد" على هاتفه متشوقًا لسماع الخبر :
- ها طمني.. طب حلو ، أنا داخل عليك أهو.
وبدأ بتشغيل السيارة حينما كان "هاشم" يجري مكالمة بهاتفهِ الإحتياطي :
- أيوة ياباشا.. أنا داخل عليهم أهو، ربنا يخليك لينا، مستنيكوا.
كانت بضعة دقائق تفصل بينه وبين موقع الأرض المملوكة لزوجته "رحيل" بحكم نهائي من المحكمة، وقد وصل على الفور حينما كان "حسين" ينفذ مخططهِ بالحفر أسفل الأرض للكشف عن المقبرة الأثرية الضخمة المتواجدة أسفلها، بواسطة عمال متخصصون في تلك النوعية من الأعمال، وقد كان الأمر يتم في تكتم شديد ووسط أجواء مظلمة تثير الشكوك والشبهات حولها. تفاجأ "حسين" بتلك الأجواء المفاجئة، لا سيما وجود سيارة الشرطة هنا، وقد قام "هاشم" بإستخدام صلاتهِ العديدة ومعارفه الكُثر للإيقاع بـ "حسين" متلبسًا. تجمد "حسين" في مكانهِ، وتوقف العمال عن الحراك أيضًا بعد مداهمة الشرطة للمكان، ووقف يشمل الجميع بنظرات امتزج فيها الذهول بالخوف، حتى ترآى له "هاشم" وهو يدنو منه ملوحًا :
- بتعمل إيـه هنا يا حـسين؟.
صاح ضابط المباحث متسائلًا :
- إيه اللي بيحصل هنا في نص الليل؟؟ والناس دي بتحفر هنا ليه؟.
نظر "هاشم" لصديقهِ من المباحث وهو يقول :
- أسأله ياباشا؟؟.. بيعمل إيه في أرض مراتي نص الليل هو والبلطجية اللي معاه؟.
لم يتحمل "حسين" سماع عبارته التي دسّ فيها الخبر الحصري، وتأججت نيران صدرهِ المهتاج وهو يصرخ في وجههِ :
- إنت بتقـول إيــه ؟!.
تلك الإبتسامة اللزجة التي أشعلت النار في عينيهِ الساخنتين:
- مش تقول مـبروك الأول يا سـحس؟.
عقلهِ يرغب في الإنقضاض عليه؛ لكن جسدهِ گالصخر عاجز عن الحركة، وكأن الصدمة ألجمته بلجام من حديد، حتى انتبه في اللحظات الأخيرة لتفتيش رجال الشرطة للأرض ومحيـطها، فأصبحت الكارثـة كـارثتين.....
***********************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"يستمر الفأر بالركوض خلف قطعة الجُبن المسموم؛ ظنًا منه إنها النجاة من ألم الجوع؛ لكنه يُصادف ألم الإصطياد دون أن يعلم إنه الأعتى."
_____________________________________
كان المنزل ساكنًا للغاية حينما عاد، ذلك الهدوء المغلف بالسكينة المريحة وهو يتحسس بحواسهِ رائحة معطر الجو التي تمسكت بالمكان، وقد بدا نظيفًا مرتبًا نزيهًا بشكل مريح للعين. صعد "هاشم" لغرفة صغيرتهِ أولًا كي يطمئن عليها؛ فوجدها فارغة منها تمامًا، ظن إنها لدى "رحيل"، فكانت خطواته التالية لغرفة زوجتهِ، ليراها متكومة على الأريكة وكأنها غفت هناك بدون وعي. أغلق الباب ودنى منها ليوقظها بصوت هادئ نسبيًا:
- رحيل!.. رحـيل.
هزها برفق ففتحت عيناها فجأة كي تراه، كانت حمراء بعض الشئ، وعليها آثار السهر واضحة، فجلس قبالتها حينما كانت تعتدل في جلستها ببطئٍ متألم :
- انتي نايمة هنا ليه؟!.
تحسست كتفها المتيبس وهي تجيبه :
- كنت مستنياك وراحت عليا نومه غصب عني.
صدح صوت المؤذن بالآذان من الجامع القريب منهم، فنظرت تلقائيًا لساعة الحائط وهي تسأل بذهول:
- إيه ده ؟؟ دي صلاة الفجر؟.
- آه.. هي فين ليلى؟.
نهضت "رحيل" ببوادر يأس من مكانها وهي تجيبه :
- نامت عند ماما وهي بتحكي ليها حدوتة، فصعبت عليها تنقلها من مكانها لأحسن تصحى تاني.
رفعت صينية الطعام عن الطاولة بينما استوقفها هو بدورهِ :
- سيبيها أنا هنادي على حد يشيلها.
استصعبت "رحيل" ذلك، حيث إنها الخامسة صباحًا والجميع يغوصون في نومٍ عميق :
- كلهم نايمين، حرام نصحي حد فيهم دلوقتي!.
تأفف "هاشم" لمعارضتها، واضطر مبادرًا أنا يحمل عنها الصينية - الكبيرة إلى حد ما - :
- طب هاتي.. روحي انتي نامي.
تركتها له وهي تجيب :
- هصلي الفجر وأنام.. وانت مش هتنام؟.
- آه هنام.
غادر الغرفة مضجرًا، وهو ينظر للصينية التي يحملها بين يديه في نصف الليل وينزل بها حيث المطبخ، لأن السيدة رفضت إيقاظ أحد العاملين لينوب عنهم. نفخ "هاشم" وهو يصدم الصينية بالسطح الرخامي، ثم همس بغمغمة غير مسموعة :
- أهو ده اللي كان ناقص!.
دفعهُ الفضول لرؤية الأطعمة التي أعدتها من أجلهِ، فرفع الأغطية لتتخلل رائحة الطعام أنفهِ مصيبة إياه بشراهه مفاجئة. أصناف الدجاج والمشاوي مع الأرز المبهر و السلطة الخضراء وقليل من المخلل بجانب المقبلات الصغيرة؛ تلك اللوحة ذلك الرائحة الذكية فتحت معدتهِ عن آخرها، فمدّ يدهِ وبدأ يتناول الطعام بدون أن يحس ببرودتهِ، فمذاقهِ الجيد غطى على أي شئ آخر. دقائق معدودة وكانت "رحيل" تدلف للمطبخ مرتدية إسدال الصلاة، وإذ بها ترى ذلك المشهد الذي أوسع مبسمها بإبتسامة راضية، فتقدمت منه لتسكب الماء البارد وهي تعاتبه بلطافة :
- طب كنت قولتلي أسخنلك بدل ما تأكله بارد.
ابتلع الطعام ومازال منشغلًا به، ليجيب بدون أن ينظر إليها :
- مش مستاهله، أنا بس حبيت أدوق.
فتحت المبرد واخرجت منه زجاجة المياة الغازية، ثم سكبت له في كأس أنيق وهي تقول :
- طب أشرب حاجه ساقعة عشان الأكل ميقعدش على قلبك.
تناول المياة الغازية وهو ينظر إليها متعجبًا، ثم أردف بـ :
- أنا فعلًا كنت هدور عليها.
رآها واقفة هكذا تتأمله، فدعاها للجلوس كي يتخلص من حصار نظراتها التي تصيبه بشعورٍ لم يعرفه :
- أقعدي يارحيل.. واقفة ليه؟.
جلست قبالته على (مقعد البار)، وعلى لسانها سؤالًا ظنت إنه لن يعجبه، بينما هو يعلم جيدًا إنها تموت من فرط الفضول، فسحب مناديل ورقية مسح بها يدهِ وفمهِ قبل أن يتحدث :
- طبعًا عايزة تسألي كنت فين لحد الفجر!؟.
أطرقت رأسها وعلى وجهها ابتسامة صغيرة مجاملة:
- محبتش أضايقك زي الصبح.
- أممم.. كويس إنك بتفهميني بسرعة.
لا تدري لماذا رأت ذلك التحول الجذري في عيناه، وقد أظلمت نظراته فجأة وهو يتحدث، كأنه إنسان آخر تبدل خلال لحظتين فقط، جعلها تقشعرّ فجأة وهي تنتظر كلماتهِ التالية ببعض القلق :
- أنا كنت بوقف إبن عمك عن حده، لأني مش بحب التمادي، ومتعودتش أسكت لحد فكر يتعدى حدوده معايا.
ازدردت "رحيل" ريقها بصعوبة، وتمسكت بطرف ثوبها المحتشم وهي تسأله بفضول أكبر :
- مش فاهمه!.. هو إيه اللي حصل؟.
انفعل دون أن يشعر، وهو يجيب بعبارة واحدة أوجزت ما حدث أثناء الليل كله :
- راح أرضك ومعاه عمال عايز يخربها عشان محدش يرضى بيها.. وانا مش هسمحله يمس مراتي أو حاجه من ممتلكاتها تحت أي ظرف.
زفرت "رحيل" بعدما علمت بفعل "حسين" الجرئ، ثم فركت وجهها لتغزوهُ الحمرة الطبيعية وهي تقول :
- طيب أهدى.. متزعلش نفسك.
كظم عصبيتهِ التي انفرطت منه گحبات الرمان فجأة، ثم تحاشى النظر صوبها وهو يرد :
- محدش يقدر يزعلني يا رحيل.. أديه جرب وخد اللي فيه النصيب.
ترددت كثيرًا قبل أن تسأله ما المصير الذي أوقعه فيه؛ لكنها أصرت الصمت لئلا تنخر في إنفعاله فـ ينشط من جديد، حتى أفصح هو بدون أن ينتظر سؤالها :
- المحامي قالي هياخد فيها ٦ شهور أقل تقدير غير الغرامة.
رفع بصره نحوها يسألها مترقبًا الجواب، وكأنه الفخ من جديد :
- طبعًا انتي مش هتفكري تتنازلي ؟!.
أومأت رأسها بالإيجاب بدون أي تفكير :
- أكيد لأ.. يعني بعد كل اللي بتعمله عشاني وواقف في وشهم هرجع انا أتنازل!.
تجرع آخر ما في كأسه من المياة الغازية، وقبيل أن ينهض من مكانه كانت تقول :
- أنا حضرتلك طقم في الحمام، عقبال ما تاخد دش أكون خلصت صلاة.
مشى بإتجاه باب الخروج وهو يقول :
- تقبل الله.
- منّا ومنكم.
حتى اختفى من أمامها ظلت عيناها على ظهرهِ، إنه الحماية التي افتقدتها طوال سنين عمرها، ومع كل موقف جديد تحس إنها بالفعل مطمئنة لوجودهِ، وإنها أبدًا لن تضيع بين عائلتها التي أرادت اغتصاب حقها الشرعي أكثر من مرتين. تنهدت وهي تنظر للفراغ، لقد كانت الليالي الماضية ثقيلة جدًا، ولم تتعافى بعد من تأثيرها الجسيم عليها، روحها وعقلها، ساقها التي أصيبت بندبة لن تختفي بسهولة، أشياء كثيرة ستترك علامتها المؤثرة فيها، والتي لن تنتهي بسهولة أبدًا، ناهيك عن زيجتها المفاجئة التي لم تفهم بعد طبيعتها!.. كل ذلك أخذ من تفكيرها أشواطًا كبيرة، ولم يرتح عقلها ولو لحظة عن العمل.
***************************************
كانت نوبة شديدة القوة، حوّلت الصغير لجسم خالي من الروح ينتفض بشدة وهو يعاني ويلات الألم، وهي عاجزة عن فعل أي شئ، فقد ذهبت به ذات مرة للطوارئ ولم يستطع أي منهم مساعدتها، خاصة مع اعترافها لهم بإنه مريض صرع وتلك فترة العلاج التي يمر بها، فتخاذل أطباء الطوارئ عن مساعدتها ظنًا بأن النوبات تأتي وتمر وينتهي الأمر. إلى من تلجأ في تلك الساعة الصباحية المبكرة وقد داهمتهُ إحدى النوبات التي شلّت حركتهُ وجمّدتهُ مع ارتعاش سائر بدنهِ!.
لم تقوَ "ندى" على منع دموعها من الإنهمار، وأمسكت هاتفها تنظر إلى أسم طليقها بتردد.. هل تستجدي مساعدتهِ أم تواجه الأزمة وحدها؟، لقد تركها وصغيرها في منتصف الطريق غير راضي عن وضع طفلهِ المريض، معترضًا على مشيئة القدر الذي اصطفاهم لذلك الإبتلاء الصعب، رافضًا حتى مدّ العون للخروج بالصغير من أزمته الصحية التي قد تلازمه سنوات طويلة، لقد كان بأس الأب والزوج.
بدأ "موسى" يهدأ نسبيًا، رويدًا رويدًا، وذلك السائل الثخين ينسال من جانب فمه، فلحقت به "ندى" كي تمسحه بالمنديل الورقي، وهي تمسد على رأسه برفق شديد، أثناء همسها بـ :
- ألف سلامة عليك يا روح ماما، ربنا يشفيك ياحبيبي يارب.
أغمض الصغير عيناه غير قادر على مواجهة العالم بعدما أصيب بآلام متفرقة في أنحاء جسده، فـ ظل ثابتًا هكذا بدون حِراك، فقط يفتح عيناه ويغلقها ببطء، إلى أن استقر جفناه بالإنغلاق، فنهضت من جواره بحركة حسيسة لكي لا توقظه، ودثرته جيدًا وهي تحبس الدموع في عينيها، غير قادرة على مواجهة شعور الحسرة الذي يغرق بواطنها.
انتشلها من تلك الحالة صوت الباب، فخرجت لترى عبر الشاشة الصغيرة من بالخارج، لتجد عامل توصيل وفي يدهِ طرد. فتحت له الباب وهي تنظر إليه بترقبٍ وفضول :
- أيوة!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
- حضرتك مدام ندى أبو العينين؟.
- آه أنا.
ناولها الطرد وهو يقول :
- الأوردر ده لحضرتك ومدفوع تمنه.
ذلك الشعار الموجود على الطرد تعرفه جيدًا، إنه أحد أشهر الأماكن التي تقدم حلوى الملفوف بالقرفة والسكر (سينابون) بجانب مشروب الشيكولاتة الغني بالكاكاو المحلى. طفت ابتسامة باهتة على محياها وهي تشكره :
- شكرًا.
أغلقت الباب وقد خمنت هوية الراسل، فوضعت الطرد على الطاولة وفتحته لتجد الحلوى المفضلة إليها بالأطعمة المختلفة وغارقة في المكسرات، مع مشروبين من الشيكولاتة الساخنة، وبطاقة صغيرة تناولتها لتقرأ محتواها :
"أنا معرفش موسي بيحب طعم إيه بس أكيد طالع زؤه زيك، بألف هنا عليكوا.. صباح الخير يا ندى."
دسّت البطاقة في جيبها وهي تنظر للحلوى، هي بالفعل تحتاج لهذا المذاق وتلك الرائحة الآن تحديدًا، فلم تتردد في تذوق قطعة بطعم الكراميل قبل أن تحتسي رشفة من الشيكولاتة المنصهرة بداخل الكوب، فأحست بأطرافها لم تعد تتحمل سخونة الكوب، تركته وجلست أمام الطاولة وهي تنظر للطرد بنظرات مطولة، ما الذي يحدث؟ ولماذا عاد "مراد" ليدخل حياتها من جديد في غفلة من الزمن وبدون أدنى ترتيب، وبدون أن تخطط لرؤيته؟. أطرقت رأسها وهي تحس مزيد من الحزن، فأي مشاعر بالشفقة من الغير تجعل الأمر شديد الصعوبة عليها، وهي رأت ذلك في عينيهِ بلقائهم الأخير، لم ترى الحب في نظراته كما رأت كم أشفق على حال طفلها بدون أن يستمع للتفاصيل، الأمر الذي جعلها تتهرب من مكالماتهِ بالأيام الماضية وترفض سبل التواصل بينها وبينه، فلم يعد لديها عزيزًا بعد "موسى"، ولم يحصل أحد على نفس المكانة أبدًا، ووجودهِ الآن لم ترى له معنى سوى إنه مجرد حنين دفعهُ ليتفقد ماضيهِ الذي صادفهُ أمام الأجزخانة في إحدى الليالي، وحتمًا ستكون النهاية هروب مفاجئ من واقعها الأليم الذي بات مصيرها حاضرًا ومستقبلًا.
**************************************
أنهى السيد "سليم العتاقي" استشاري العظام الكشف الدوري على ذراع "هاشم"، بعدما أتاه بشكوى من بعض الألم أثناء التحرك، فدفعه ذلك للكشف على الذراع كله ليطمئن على حالتهِ.
عاد "سليم" يجلس خلف مكتبه العريض وهو يبتسم ببشاشةٍ ليقول :
- متقلقش ياهاشم مفيش أي حاجه خالص، تلاقيك كنت مسلط التكييف على جسمك وانت نايم ولا حاجه.
ارتدى "هاشم" سترتهِ قبل أن يترك سرير الكشف ثم جلس قبالته وهو يردف بكلمات ذات مغزى :
- ويمكن يكون سبب نفسي!.. أو توتر وسهر.. ولا إيه رأيك يادكتور ؟.
بدأ "سليم" يكتب وصفتهِ الطبية وهو يقول :
- ممكن.. بس التوتر والسهر بيتعب الدماغ أكتر من العضم، عمومًا لو عايز تتطمن أكتر أنا هطلب منك آشعة وفحوصات تعملهم في المركز بتاعنا وتجيبهالي.
طرق "هاشم" بأطراف أنامله على سطح المكتب وهو يقول :
- مش محتاج ولا آشعة ولا فحوصات يادكتور سليم.. أنا عارف علّتي فين وهقدر أحلها.. أنا بس جيتلك تدلني على أول الطريق.
قطب "سليم" ما بين حاجبيه وهو يسأله بدون فهم :
- يعني إيه ؟
لم يراوغه "هاشم" ونطق بها صراحة:
- أكيد سمعت اللي حصل مع كاميليا.. أخبارها مغرقة الـ Social Media كلها.
ترك "سليم" قلمه ونزع نظارتهِ الطبية وهو يقول بنبرة متأسفة :
- للأسف سمعت، الموضوع وصل للصحافة والإعلام كمان والناس مش بتسيب حد في حاله.
مطّ "سليم" شفتيه مستنكرًا قبل أن يتابع :
- بس مكنتش أعرف إنك هتتأثر أوي كده بالموضوع.. أنا عارف إنكوا أتطلقتوا من فترة!.
كانت عينيه قد تحولت الآن لعينين شابهت الصقر، مع أول نظرة لفريستهِ التي حان وقت الإنقضاض عليها، وقد حان الوقت لذلك :
- كاميليا مش فارقه معايا.. خالص يا أونكل سليم، اللي فارقلي كرامتي.
بدت كلماته گالألغاز، لم يفهم منها "سليم" شيئًا، فضاق ذرعًا من محاولاته البائسة في فهم "هاشم"؛ لكنه أدرك أن الأمر أكثر تطورًا مما فهمه، لذلك سأله مباشرة :
- انت عايز تقول إيه يا هاشم؟.. قول بصراحة يا بني أنا في مقام رضوان الله يرحمه وهفهمك كويس.. لكن بلاش ألغاز لأني فاشل فيها.
فكانت كلمة واحدة هي الرد القاسم عليه :
- ابنك يا أونكل.. خرب بيتي ودخل بيني وبين مراتي.
اتقدت عينا "سليم" على حين غرة، ولم يفهم ما علاقة ولده بما يجري، وماذا وراء زيارة "هاشم" التي لم تبدو أبدًا زيارة مريض أو زيارة شفافة جاءت عن طريق الصدفة. نهض "سليم" عن مقعده الجلدي والتفت حول المكتب وهو يسأل بشئ من الإنفعال :
- بتقول إيه يا هاشم؟.. ابني أنا ماله ومال مراتك! رمزي ميعرفش كاميليا ولا آ.....
قاطعه "هاشم" بعدما فقد كل ما حمله من بقايا صبر اختزنه داخله بصعوبة بالغة :
- وانا كمان معرفش ابنك وصل لمراتي إزاي.. ولا كنت أعرف إنه إبنك من أصله، ياريتني كنت خدت روحه قبل ما أعرف إنك أبوه .. على الأقل مكنتش هعمل حساب ليك وللعشرة اللي بينك وبين أبويا الله يرحمه.
تجمد "سليم" في مكانه لوهله، فهو يعلم - إلى حد ما - طباع "هاشم"، بحكم علاقتهِ السابقة بوالده المرحوم منذ سنين طويلة، ويعلم إلى أي مدى قد يصل تماديه أيضًا، فلم يجد من الكلمات ما يفي لتغطية ذلك الموقف السئ، وبقى على حالة الصمت تلك إلى أن استطرد "هاشم" حديثهِ قائلًا :
- أبعد رمزي عن كاميليا ياأونكل، أنا جايلك النهاردة بصفتي هاشم ابن صديقك المرحوم الله يرحمه.. المرة الجاية مش هجيلك برجلي، الست دي أم بنتي وانا مش موافق على أي صلة تجمعها براجل تاني.
دنى منه "هاشم" ووضع يدهِ على كتفهِ متابعًا :
- حتى لو كانت مش على ذمتي فالموضوع ده يخصني برضو.
أزاح "سليم" يدهِ برفق وقد بزغ رأيه الحازم بشأن ذلك الأمر :
- ابني مش هياخد بواقي حد يا هاشم.. أطمن، الموضوع ده منتـهي.
ابتسم "هاشم" برضا وبدأ يعدّ نفسه للخروج :
- يبقى أتفقنا.. هسيبلك الموضوع يادكتور وأتمنى ألاقي حل لمشكلتي عندك.
ثم سحب هاتفهِ عن الطاولة مستعدًا للخروج :
- عن أذنك...
خرج "هاشم" ومن خلفه هاله ضبابية كبيرة، تركها لتحوم حول "سليم" الذي فقد القدرة على ضبط أعصابهِ، مع سماع تلك الأخبار المريبة التي عكرت صفوهِ. انتقل نحو الهاتف الداخلي وبدأ يتصل من خلاله، وبصوت لم يبدو بخير أبدًا كان يصيح :
- أبعتيلي دكتور رمزي حالًا.. في العمليات؟! أول ما يخلص بلغيه يجيلي مكتبي.
وصفق الهاتف وهو يغمغم بغيظ لم يعد مكتومًا :
- بقى هي دي أخرتها يارمزي!!.. ست مطلقة وكمان طليقها هاشم!.. ليه يابني.. لـيه!!.
***************************************
كان "حمدي" يرتدي عبائته وهو يركض بقدر المستطاع، كي يلحق بالأخبار الكارثية التي تهطل عليه منذ يومين ولم تتوقف، بينما من خلفه "سعاد" ولم تقف عن النحيب والعويل، فـ التفت إليها "حمدي" ليصيح فيها هادرًا :
- ياولـية انكتمي بـقى.. لما أروح أشوف المصايب اللي نازله ترفّ عليا من امبارح دي.
كان بكاءها مزعجًا لحدّ الغيظ، يثير الأعصاب بسهولة :
- أنا عايزة ابني.. ابني ليه يومين في الحجز يا حج شوفلك صرفة أحبّ على إيدك.
صاح "حمدي" في ابنته "تيسير" لكي تسحبها جانبًا :
- خدي امك بعيد عني الساعة دي يابت.. مش عايز.. شوف مخلوق دلوقت.
وخرج ليلتقي أحد رجاله الذي كان عينًا له ينقل إليه الأخبار، وسأله بتلهفٍ متحسر :
- إنت متأكد من اللي بتقوله ده يا عبد القوي؟؟.. شوفت بعينك؟.
كان "عبد القوي" مفزوعًا وهو ينقل إليه الخبر التعيس :
- زي ما بقولك يابا الحج.. البطن حد فتحها وسرق اللي فيها، مصيبة يا حج حمدي مـصيبـة.
انقبض قلب "حمدي" حتى ظن أن مكروهًا سيصيبه، ومن بين أنفاسهِ الغير منضبطة كان يقول :
- يبقى مفيش غيره الملعون.. كان عارف اللي فيها من الأول وغفلنا كلنا، نصبلنا الفخ وخد حسين من وسطينا عشان يحلاله الجو وهو يعمل اللي على كيفه!.. بس ده بعده، وحياة ابني اللي راح واللي محلفش بيه كذب أبدًا لأكون محسره، هو اللي بدأ ونفخ في النار، يبقى يستحمل الحريق!.
***************************************
كان شئ يشبه المتحف المصغرّ، يخطف الأنظار من براعة تصميمهِ وجماله، والأهتمام بأصغر التفاصيل فيه. الصناديق الزجاجية والأرفف الكريستالية اللامعة، التحف الأثرية النادرة والنفيسة، والتي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، كل شئ هنا يخطف الأنفاس من روعتهِ.
أزال "هاشم" الأتربة والغبار العالق بقطعتهِ الأثرية الجديدة، ونظفها بنفسهِ حتى تأكد إنها عادت وكأنها مصنوعة للتو، محتفظة بألوانها ولمعانها. ثم اختار لها مكان جيد الرؤية، تستطيع عيناك أن تلتقطها فيه بسهولة، ووضعها فيه وهو يرسم ابتسامة النصر على محياه، مستمتعًا بجولة أخرى يجتازها وبأقل مجهود.
**************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"طوق نجاة مغموس بالأشواك."
____________________________________
وقفت على الأنقاض، بقلبٍ امتلأ بآلاف المشاعر السلبية، ترى بأم عينيها ما فعلهُ "حمدي الطحان" بأرضها، بعدما باتت گالخراب. لن يقبل مشتري بحالتها ولن تباع إلا بثمنٍ بخس.
تجمدت الدموع في عينيها، فقد جفّت أنهارهما النابضة بالحياة لتصبح مجرد حدقتين ترى بهما كارثة تلو الأخرى. ذلك الجمود والتيبس الذي أصاب جسدها أشعرهُ ببعض الريبة، فوقف أمامها مباشرة ليتفحص تعابيرها وهو يسألها :
- رحيل!.. انتي كويسة؟.
تجاهلت سؤاله دون عمدٍ، وسألته بنبرة خلت من المرونة التي اعتادها منها :
- عرفت منين إن هو اللي عمل كده؟.
برر لها علمه المسبق بكذبتهِ التي أعدها من قبل :
- رجالتي كانوا مراقبين الأرض بعد اللي حصل من ابن عمك وشافوا واحد من رجالته مع البلطجية اللي أجرهم عشان يبان إنه برا الصورة.
ثم نظر في ساعته وهو يقول :
- زمان الشرطة على وصول.. روحي مع السواق وانا هخلص وأجيلك.
كانت جادة وهي تعارض أمرهِ :
- لأ.. أنا هفضل معاك هنا.
تبدل الهدوء الذي كانت مرسومًا على وجهه لزوبعة خطيرة قد تفسد جمود وجهها، وقبل أن يتغير أسلوبه تمامًا معها كان يحافظ على شعرة من الثبات وهو يهتف بحزمٍ بدد تماسكها:
- يعني إيه لأ ؟!.. أنا بقول كلمتي مرة واحدة.. وهعتبر إني مسمعتش ردك ده مراعاة للصدمة اللي انتي فيها.
ثم أشار نحو السيارة ليكرر أمره :
- أركبي.
لم تنتظر ثانية أخرى، وكانت تسير بخطاها المتأرجحة نحو السيارة، حتى فتح لها السائق بابها الخلفي لتستقر هناك، ومن ثم انطلق بها عائدًا للقصر كما أمر "هاشم"، ريثما ينتهي الأخير من حياكة باقي خطتهِ للإيقاع بعمود آل طحان الأخير، والزج به بعيدًا عن طريقهِ وطريقها.
**************************************
كانت صدمة صعبة التقبل، جعلته يقف أمام والدهِ گالطفل الصغير الذي يُعنف جِراء أفعاله الصِبيانية المتهورة، عاجزًا عن ربط الأمور ببعضها للوصول إلى النتيجة المرغوبة، وهي - من الذي فعل تلك النميمة التي أدت لما هو فيه الآن-.
تنهد "رمزي" بنفاذ صبر بعدما ضغط على نفسه بشدة لئلا يقاطع وصلة توبيخ والدهِ القاسية، حتى أجبر "سليم" على الصراخ في وجهه :
- ما تـرد عـليا يا رمزي!.. هو انا بكلم نفسي يابني؟.
تدخلت والدته في الحوار لكي تمنع المعركة من الإحتدام بينهما :
- أهدا بس ياسليم.. خلينا نسمع منه.
لم يكن "سليم" قادر على الحفاظ على ثباته الإنفعالي لأكثر من ذلك، لا سيما في ظل الصمت الذي حافظ عليه "رمزي" :
- أهـدا إيــه بـس يا فادية!.. هو ابنك ساب فيا عقل؟!.
استجمع "رمزي" شجاعته قبل أن يواجه والده بحقيقة الحُب الذي يعيشهُ، ثم هتف بثبات ناقض شعورهِ بالسوء :
- أنا مش مصدق إن انت اللي بتقول كده يا بابا؟.. حضرتك راجل متعلم وعارف إن مفيش أي حاجه تعيب الست المطلقة، بالعكس.. من حقها فرصة تانية و......
قاطعه "سليم" بحزم بعدما أكد "رمزي" كل ما قاله "هاشم" بتلك العبارة الخادعة :
- أخــرس.. أنا ابني مياخدش بواقي حـد يا دكـتور، أنا متعبتش فيك وفي تربيتك عشان تبقى أخرتها طليقة هاشم اللي اتفضحت في كل حته وهيتسحب منها رخصة مزاولة المهنة كمان!.. الموضوع ده تنساه وتشيله من راسك نـهائي انت سامـع؟.
تدخلت "فادية" متضايقة من ذلك الوضع الذي انحشر فيه ولدها الوحيد :
- أخس عليك يا رمزي!.. ليه يا بني تبقى دي أخرة صبري؟ .
لم يتحمل "رمزي" أكثر من ذلك، خاصة وأن أسرتهِ الكريمة قد عاشت نفس الوضع بإختلاف الأماكن :
- أنا مش مصدق اللي بسمعه!..أمال لو مكانتش بنتك مطلقة وعايشة لوحدها هي وابنها كنتي قولتي إيه؟. المفروض تكوني أول واحدة تحس إن المطلقة في مجتمعنا أكتر واحدة مظلومة وسط الناس ومحدش بيرحمها.
دافع "سليم" عن ابنته (المتبناه) هادرًا :
- أختك وضعها مختلف.. أختك سابها حيوان عديم الرجولة عشان يهرب من مسؤولية ابنه المريض!.. مش واحدة على ذمة راجل وراحت بصت لغيره!! دي ××××.
اشتعلت الحمية في رأسه عقب سماع إهانتها بنفسه، واصطبغت أذناه باللون الأحمر من فرط الإنفعال وسخونة الرأس :
- لو سمحت يا بابا.. الست دي هي اختياري ومسمحش بالغلط فيها أبدًا!.
لم يتحمل "سليم" سماع ذلك، وتلقائيًا كان يجتذب ياقة ولده حتى وقفت "فادية" بينهما مذعورة من تطور الأمر فجأة :
- بتقول إيـه ياولـد ؟؟..يعني انت هتعصاني وكمان عايز تعلمني أقول إيه ومقولش إيـه؟؟.
ربتت "فادية" على كتف زوجها وهي تحاول منعهِ من التمادي مع ولدهِ الوحيد :
- ياسليم مش كده كله بالهداوة.
هنا فقط خطر على ذهنهِ السؤال الأهم، من أين حصل والدهِ على تلك المعلومات، وكيف علم بشأن تلك العلاقة - السرية- التي لم يعلن عنها أيًا من الطرفين!، ليقذف بالسؤال أمام والديه وعيناه الفضولية توزع النظرات بينهما :
- عرفت منين الموضوع ده يابابا؟.. مين وصلك المعلومات دي؟.
لم يرى "سليم" داعيًا من إخفاء الأمر، على العكس أحس بوجوب معرفة "رمزي" لكي يرى نصب عينيه استحالة تلك العلاقة وإنها محفوفة بالمخاطر لكل الأطراف :
- عندك فضول أوي؟!.. طليقها بنفسه جه لحد عندي واكتشفنا إننا معرفة قديمة.
ثم تحولت نبرته لأخرى ساخرة :
- كتر خيره عمل حساب للعشرة وجه يهددني في عيادتي قبل ما يواجهك بنفسه على أمل إني أعدلك دماغك وأبعدك عن أم بنته.
تضاعف التوتر لدى "فادية" مع سماع تلك التفاصيل المرعبة، وتخيلت أشياء خطيرة قد تحلّ بولدها جراء عنادهِ المعتاد، لذلك كانت حازمة معه وهي تصيح في وجهه :
- أسمع يا رمزي.. انت تبعد عن الست دي وإلا هفضل غضبانه عليك طول عمري.. الدنيا مليانة ستات وبنات يتمنوا بس إشارة منك، إنما تجيبلي واحدة بمشاكلها وكمان معاها بنت!! مش هقبل مهما حصل.
تقريبًا توقفت مسامعه لدى المعلومة التي أصابته بالصدمة، فلم يكن يتخيل أن "هاشم" له علاقة سابقة بوالدهِ، و سينزع فتيل قنبلة موقوتة ويتركها بين أحضان أسرتهِ لتنفجر في أي وقت، كي يفرق بينهما حتى بعد وقوع الطلاق.
ظل مجمدًا متجمدًا للحظات، وتفكيره العاجز لم يسعفه للخروج من ذلك المأزق، مسيطرًا عليه حمية الغضب التي أعمت ناظريهِ، سوى عن حقيقة أن "هاشم" بات گالشوكة المغروزة في عنق حبيبتهِ، گالسرطان الذي لن تتخلص منه بسهولة، وسيبقى مغيمًا لحياتهما مهما قدمت له من تنازلات، وهذه هي أولى المعضلات التي ظهرت أمامهما.
**************************************
مازالت على نفس حالتها المتصلبة تلك حتى عاد إليها، وكل ما يملأ رأسها إنها تقريبًا خسرت الأرض التي اعتمدت إنها ستؤمن دخل آمن إليها. لم تعد مشاعر الخذلان تزورها، فقد اعتادت رؤية ذلك المشهد الخائن من كل ذوي دمائها حتى باتت لديها مناعة ضد الشعور بالحزن منهم؛ لكنها الآن تشعر بالحزن على نفسها وعلى وضعها الذي أجبرت على معايشته.
جلس أمامها يتأمل وجهها الباهت، وقد ضاعف لون الوشاح الأزرق القات الملفوف على رأسها من إبراز ذلك البهتان، فـ مدّ يده نحو رأسها ينزع عنها وشاح الرأس برفق تحبهُ، وأصابعه تلمس بشرتها يمينًا ويسارًا بشكل متعمد، ثم حرر شعرها من رابطته لينساب على كتفيها، وهي تنظر إليه بصمت حزين، حتى حلّ وثاق لسانها وهو يحادثها قائلًا :
- بلاش غوامق تاني، الألوان الفاتحة بتنور عليكي.
أطرقت رأسها بدون أن تهتم لعبارتهِ، فـ حجم انشغالها وحزنها غطى على كل شئ، فقط بعض الكلمات التي غمغمت بها گتفريغ لتلك الطاقة التي ملأت رأسها :
- خلاص كده الأرض مش هتتباع!.. زمان الناس عرفت بالمشاكل اللي عليها ومحدش هيرضى ياخدها بمشاكلها.
رآها فرصة ذهبية للدخول وسط الأحداث وإنقاذها گالبطل الشجاع الذي يركض لصالح حبيبتهِ بدون مقابل، فعرض عليها عرضهِ السخي الذي بدا گسفينة النجاة، ويداه تمسح على خدها اللين :
- متشغليش بالك خالص.. أنا هاخدها وأدفعلك اللي انتي عايزاه.
اتسعت عيناها المتعلقة به للحظات طويلة، حينما أخرج هو دفتر الشيكات النقدية ووضعه أمامها ليقول :
- أكتبي المبلغ اللي يرضيكي وانا اشتريت خلاص.
ظهرت علامات الرفض المبدأي على وجهها، مما جعله يرتاب من الكلمات التي ستبثقها من فاهها الآن، لتبرر هي قائلة :
- مقدرش أسيبك في مواجهة طويلة مع أهلي هتخرج منها خسران.. كفاية إنك واقف ليهم عشاني.
وجب عليه الإقتتال من أجل الخروج من تلك اللحظة فائزًا، وإلا لن تسنح له تلك الفرصة مرة أخرى :
- أنا أقدر أقف لأي حد، هما اللي لازم يفكروا ألف مرة قبل مواجهتي مش أنا.. وبعدين أنا مش هسيبك تتعاملي مع ناس غريبة وتبيعي وتشتري وانا موجود!.. ولا إيه رأيك؟!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان جادًا في عبارته الأخيرة، وبدا ذلك جليًا في نظرات عينيهِ القاتمتين، فنظرت للدفتر الذي وضعه بين يديها وهي في حيرة من أمرها، لكن على الأرجح بدأت تميل للحل الذي عرضه عليها، على الأقل تتخلص من الأرق الذي تعيش فيه هي ووالدتها بسبب الفقر المدقع الذي تركهم فيه أبيها وزوجها بدون ضمان حقهما في الميراث الشرعي الذي حلله الله - عز وجل -، وهم في أمسّ حاجه لأبسط الأشياء التي تساعد على المعيشة الكريمة ليس إلا. أطبقت "رحيل" جفونها وهي تعيد الدفتر ليديهِ، فـ انبثق بداخله الظن إنها ترفض عرضهِ، وقبل أن يتحدث كانت هي تبادر قائلة :
- قدرها زي ما تحب ياهاشم.. أنا مفهمش في الأراضي.
بزغت ابتسامة واسعة على محياه وهو يخرج قلم من جيب معطفهِ، ثم بدأ يخطّ بالدفتر وهو يقول :
- أنا قدرتها بعشرة مليون، مع إنها تساوي ٣ بس، لكن فداكي أي حاجه.
جحظت عيناها بذهول مع سماع الرقم الذي اعتبرته -خزعلبي- وقد تخطى كافة طموحاتها، حتى رأت الشيك بين أصابعها وعادت تقرأ الرقم لأكثر من مرة قبل أن تهتف بـ :
- ده كتير أوي يا هاشم!.
مسح بيداه على ذراعها، ممهدًا لـ ليل طويل سيقيضاه معًا، ممنيًا نفسهِ بالغوص في أعماقها كما حدث في ليلتهم الأولى :
- مفيش حاجه كتير عليكي يا رحيل.. ده حقك.
ثم نهض ليجتذبها معه بكل طواعية حتى وقفت أمامهِ، ثم انحنت رأسه نحو منطقة الخدر في منتصف رقبتها والتي يحفظها عن ظهر قلب، ليضع بشفاههٍ بصمة لا تنساها قبل أن يهمس بـ :
- إحنا جايين من طريق طويل.. متهيألي لازم نـ...... نرتاح شويه.
واصطحبها للطابق العلوي وهي تستند بجسدها على جزعهِ القوي حيث يضمها إليه، إلى أن وصلت لغرفتهِ بالقصر، والتي كانت زيارتها الأولى لها هي اليوم، لتكون زيارة موسومة باللـذة.
*************************************
كانت منهمكة بالعمل على طلبيتها الجديدة من الموردين منذ ليلة أمس، لم تتذوق طعم النوم إلا بعدما اطمئنت على تمام كل شئ، وإنها سوف تسلم الطلبيات الجديدة للموزعين في المواعيد المقررة، بدون أي تأخير قد يضر بسمعة شركتها الصغيرة التي تحارب من أجل التواجد بين الماركات الشهيرة العالمية والمحلية.
تنفست "ندى" الصعداء بعد انتهاء تلك المحادثة الهامة، ثم نظرت بإتجاه أخيها لتعتذر منه على طول انتظاره لها :
- أنا آسفه يا رمزي.. بس كان لازم أخلص الإتفاق ده قبل ما ابعت العربيات تستلم الطلبيات الجديدة.
ترك "رمزي" مشروب(النسكافيه) جانبًا وهو يرفع عنها الحرج :
- ولا يهمك.. المهم تكون الأمور ماشية كويس.
نهضت "ندى" من خلف مكتبها لتجلس قبالته وهي تقول :
- آه تمام.
ثم تنهدت بضيق وهي تتابع :
- ماما حكتلي على كل حاجه بالليل.. على أمل إني أتكلم معاك وأقنعك طبعًا، مكنتش تعرف إني أول واحدة هتكون في صفك.
غرز "رمزي" أصابعه بين خصلات شعره الغزير ليحك فروة رأسه، شاعرًا بألم الرأس الذي يتطور عن الأمس للأشد والأقوى :
- مش عارف أعمل إيه ياندى!.. إنا مستحيل أتخلى عن كاميليا.. انتي مش متخيلة بقت بالنسبالي إيه.
مرارة غريبة ظهرت مع تلك البسمة الظاهرة على وجهها، وهي تنصحه بما تؤمن به من كل قلبها :
- أوعى تتخلى عنها يا رمزي.. حتى لو اللي بينكم هيخلص متكونش انت الطرف البياع في القصة.
لمعة الحزن الجلية في عيناه ذكرتها بتفاصيل من ماضيها، وكأنها ترى من جديد كل ما حدث في واقعة انفصالها عن "مراد"، الإنسان الوحيد الذي أحبته؛ لكنها لم تكن قوية كفاية لمواجهة ذلك العالم معه، تخاذلت حينما تتطلب الأمر منها بعض الشجاعة، ورأت في الهروب من المستقبل المتوقع ضمان لحماية كرامتها من أقل خدش قد يصيبها بجروح غائرة. انتبهت "ندى" لصوته يناديها، لينتشلها من الشرود المؤقت الذي علقت فيه بين صفائح الماضي :
- معلش سرحت بس.
ثم ربتت على يده گتعبير عن دعمها لموقفه وهي تقول :
- أنا هحاول أتكلم تاني مع ماما وأونكل سليم.. أكيد هوصل لحاجه ان شاء الله متقلقش.
نهض "رمزي" عن جلسته وهو ينظر لساعة الهاتف :
- أنا لازم أنزل عشان ألحق معاد العيادة.. هستني منك تليفون تقوليلي وصلتي لأيه، لأني مش عايز مواجهات تاني مع حد دلوقتي.
- حاضر.
اصطحبته للخارج كي تودعه بنفسها، فرأت "مراد" ينتظرها بالخارج، في زيادة مفاجئة غير مسبوقة بموعد، گرد على تجاهلها لإتصالاتهِ المتكررة خلال الأيام الماضية.
ارتكزت عينا "مراد" على ذلك الضيف الذي يعرفه جيدًا، فهو بنفسه قد تقصى حول معلومات عنه من أجل "هاشم"؛ لكنه لم يصادف في تلك المعلومات أي شئ يخص علاقته بـ "ندى"، مما جعل رؤيته هنا علامة إستفهام كبيرة بالنسبة إليه، ولم يقوَ على منع عيناه الفضولية من متابعة النظر إليه، حتى أصبح كلاهما أمام بعضهما البعض وهي تنشئ بينهما التعارف :
- آ.. أستاذ مراد client مهم عندنا.
ثم نظرت إليه لترى أمارات التعجب على وجهه لتعريفها المضلل له، بينما تابعت هي قائلة :
- دكتور رمزي أخويا.
لم يحس "مراد" سوى بإنقباضة ضربت قلبهِ، لا يعلم لماذا أصابته؛ لكنه لم يتردد في مصافحته عندما بدأ "رمزي" ومد إليه يده :
- أهلًا ياأستاذ مراد.
- أهلًا.
ثم التفت لـ "ندى" يستأذنها :
- أنا مستني منك تليفون.. باي.
وصافحها بشكل روتيني قبل أن ينصرف تمامًا من هنا، بينما وجّهت "ندى" ضيفها العزيز نحو مكتبها :
- أتفضل يا مراد.
فـ أشار لها كي تتقدم خطواته ومن ثم سار من خلفها، والأمر مستحوذًا على مداركه كلها بشكل أنساه لماذا هو هنا الآن؟.
**************************************
كانت تلك هوايته المفضلة، ومهارتهِ التي أخذت منه وقت طويل حتى أصبحت له شغفًا. راقبته بتمعن وهي تراه يلاطف طائر العقاب خاصتهِ، وأكثر الصقور تفضيلًا بالنسبة إليه، والبالغ من العمر سبعة عشر عامًا، وقد اشتراه حينما كان يبلغ أربعة سنوات. كان يقف على ذراعهِ وهو يرتدي القفازات القوية لحماية نفسهِ من تلك المخالب المتوحشة، والتي قد تنهي حياة إنسان بقسوة مميتة إن تم افتراسهِ على يد "عنبر"، العقاب المفضل لدى "هاشم" بعدما فقد "شاهين" عدوانًا من آل طحان. كانت تخشى تلك الصورة التي تراها الآن، والصقور تحوم من حوله كأنها تستأنس به، وهو يراعاها ويعطيها الكثير من وقتهِ، مشهدًا أصابها بـ القشعريرة، خاصة وإنها تعلم إنها أشد أنواع الطيور الجارحة فتكًا وأذكاهم على الإطلاق؛ لكن ما جعلها بهذا الهدوء المزيف هو رؤيتها لترويضهِ إليهم، وإنه على علم ودراية جيدة بطرق التعامل معهم.
ظلت هكذا بعض الوقت، حتى أنهى هو الوقت المخصص لأصدقائه وعاد إليها لتناول الإفطار في تلك الغرفة المحاطة بالزجاج، ليرى تعبيرًا مريبًا على وجهها لم يتفهمه تحديدًا، فعقبّ قائلًا :
- افتكرتك هتخافي تقعدي هنا وتتفرجي عليهم!.. طلعتي شجاعة.
ابتسامة رقيقة زينت مبسمها وهي تسكب الشاي المخمر في فنجانهِ قائلة :
- مخوفتش لأنك موجود.. وشيفاك مسيطر عليهم كويس وهما فاهمينك.
غمس الفطير الفلاحي بعسل النحل الجبلي قبل أن يقول :
- طبعًا.. دول عشرة عمر، صحابي اللي طلعت بيهم من الدنيا.
قطبت جبينها لتسأل :
- طب والبشر؟ ملقيتش فيهم صحاب؟.
مضغ الطعام بين فكيهِ قبل أن يجيبها بثباتٍ :
- صاحبي دراعي.. مفيش إنسان يستاهل يتصاحب يارحيل.. ولا حتى أنا.
كانت كلماته الأخيرة محلّ استفسار وتعجب منها، كيف يرى في نفسه تلك الصورة؛ بينما هي تراه صديقها الوحيد ومنقذها البطل؟.. أحست بوجود خلل ما، وقد يكون مرتبط بموقف أو حادثة معينة، فلم تتردد من سؤاله :
- ليه بتقول كده؟.. انت حد موثوق جدًا و......
جلجلت ضحكتهِ حتى ملأت الأرجاء، وعيناه عالقة بها وهي تنظر إليه بشدوه هكذا :
- والفكرة دي اتبنت في دماغك من الشهرين اللي عرفتيني فيهم؟؟.
رمشت عدة مرات بعدما نجح في إرباكها، ولم تدري بأي شئ تجيب :
- متهيألي إني عرفتك كفايه و.....
- مش كفاية.
قاطعها بشئ من الجدية، مستنكرًا عليها أحكامها المسبقة في حقه :
- مش يمكن أطلع عقاب؟.
حدقت عيناها فيه، بينما تابع هو مشيرًا لـ "عنبر" :
- زي عنبر كده .. ما هو ده عقاب، فصيلة شرسة من الصقور.
جمد لسانها وقد أثار تلميحهِ بوادر رعب نبتت في جذور قلبها النظيف الذي لم يحمل له سوى الإحترام والتقدير، ولم ترى فيه صقرًا أو وحشًا مفترسًا، على العكس اعتبرته بطلها الذي ظهر في حياتها عوضًا؛ لذلك كان سماع هذا منه صادمًا للغاية، وضرب بتوقعاتها عرض الحائط، مما جعل بشرتها تبهت فجأة، ليعاود هو ممارسة لعبة الإحترام الشديد واللطافة المزدوجة، لتحط يده على كفها يفركه بلطفٍ، كي يمسح تلك الكلمات من خاطرها المرتعب :
- في إيه مال وشك أصفر كده ليه؟؟.. أنا بهزر معاكي!.
رن الهاتف الخلوي بالغرفة الزجاجية، فنهض ليجيب على رجال الأمن الواقفين بالخارج، ثم التفت إليها آمرًا :
- عمك حمدي برا وعايز يقابلني.. أطلعي انتي أوضتك.
لم تنتظر ثانية أخرى، ونهضت لكي لا ترى وجه ذلك الظالم الذي انتهك حقوقها وأهدرها، مسرعة في خطواتها للعودة إلى داخل القصر، والتفكير في ذلك الحوار الذي سيدور بينهما هو شاغلها الأول. أغلقت على نفسها الغرفة وجلست على طرف الفراش، فلم يسعها الجلوس، لتقف وتدور في الغرفة يمينًا ويسارًا، ثم وقفت أمام زجاج الشرفة الذي يعكس الإضاءة، فلا يمكن للخارج رؤية الداخل، لتنظر من خلالهِ بفضول شديد، فرأته يدخل عبر الردهه بينما "هاشم" ينتظرهُ في أولها، واقفًا هكذا بكل شموخ، فقد أتى المهزوم للتفاوض مع المنتصر؛ وهذه الشماتة إحدى علامات ظفرهِ.
دلفت "رحيل" وكأنها لم تطيق رؤية عمها، كأنه أصابها بالغثيان من فرط كراهيتها النابعة من داخلها له، وجلست في هذه الزاوية المقابلة لمنضدة الزينة، لتقع عيناها دون قصد على أحد الأدراج المفتوحة، وقد نسى "هاشم" المفتاح فيها. دنت منها لتتفقد الدرج بدون تخطيط مسبق، فوجدت بطاقة هويتهِ التي انتهت صلاحيتها منذ عدة أشهر، وقد راودها الفضول لترى صورتهِ فيها؛ ولكن الشئ الذي أثار دهشتها فعلًا هو اسمه المدون في البطاقة، والذي ناقض ما تعرفه هي، فلم يكن "هاشم رضوان العزيزي" كما عرفته؛ ولكنه كان "هـاشم فـضـل الـعزيزي".. وكأن الإنسان الذي تعرفت عليه سراب لا وجود له، والآن هي أمام حقيقة لم تفهم أبدًا معنـاهــا....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"الطمع فرّق عائلات، وسفك دماء، وأهدر حيوات.. الطمع مخلوق شرس ما أن تمكنّ منك أنهاك."
___________________________________
وضعت الخادمة صينية المشروبات الساخنة على المنضدة الواقعة بينهما، حينئذٍ كان "هاشم" يراقب عن كثب تلك التعابير الغامضة المرسومة على وجه "حمدي" الذي أتاه بغتةً وبدون سابق إنذار، محاولًا سبر أغواره المظلمة وفحص نواياه - التي لم تبدو جيدة أبدًا -.
ابتعدت الخادمة عنهم بينما كان "حمدي" يتناول فنجان الشاي المخمر قبل أن يستكين ظهرهِ على المقعد ليقول :
- أنا مش فارقلي البت اللي خدتها غصب عني.. خلاص معادتش تلزمنا ولا محسوبة علينا.
ذمّ "هاشم" شفتيه مستنكرًا تلك التعبيرات المجحفة التي سمعها من "حمدي"، غير متفاجئ بالقسوة الحقيقية التي بطّنت ظاهر كلماتهِ، فهو يعلم أن أصل تمسكه بأبنة أخيهِ هو حقها وميراثها الشرعي الذي أراد اغتصابهِ ونهبهِ؛ ومع ذلك أظهر إنه عابسًا متضايقًا لأجل زوجتهِ المظلومة :
- أمال جايلي ليه لو مش عشان بنت أخوك !.
لم يمنع "حمدي" ظل إبتسامته من الصعود على محياه وهو يقول :
- إنت عارف.. وانا عارف إنك عارف، خلينا نتكلم بصراحة.
ثم وضع الفنجان بعدما تلوت شفتيه بعدم إعجاب للشاي قبل أن يتابع :
- الحاجه اللي انت سرقتها.. تلزمني.
قطب "هاشم" جبينه بإستهجان، وعيناه تضيق وكأنها تزداد غموضًا وحِدة :
- خلي بالك من كلامك ياحمدي.. أنا مش حرامي زيك!.
بدأ ثبات "حمدي" الزائف في الإنهيار، وتبدلت تعابيره لأخرى غير قادرة على ستر انفعالها :
- أمال البطن اللي فتحتها ونهبتها ده اسمه إيه؟؟.
رفع "هاشم" ساق على أخرى وهو يجيب ببرودة :
- أرضي وده خيرها.. يعني من حقي.
أطاح "حمدي" بعصاه فنجان الشاي عن المنضدة وهو يصيح فيه :
- أرضــك ده إيــه ؟!.. انت فاكر بجوازتك من الـ ×××× اللي خرجت عن طوعي يبقى أتملكت في أرض الطحان؟؟.. ده بُعدك.. أبوك حاول يعملها زمان ومعرفش، مش هتيجي انت تملك في أرضي وانا عايش.. على جـثتـي.
نهض "هاشم" عن مكانه بدون أن يترك تلك الحرارة المنبعثة من صدره تؤثر على ملامح الهدوء التي يكافح لرسمها، من أجل كسب نفور "حمدي" أكثر وأكثر، هذا يعمل وكأنه مريح لأعصابهِ التالفة :
- السهم نفد ياحج.. ومن هنا ورايح هنشوف بعض كتير، عشان ندير المصالح المشتركة اللي بينا.
اتقدت عينا "حمدي" بإهتياجٍ على وشك أن ينفجر، مع تخيل فكرة نجاح "هاشم" في الوصول لمبتغاه المسموم، والذي من وسعهِ إقامة الحرب بين العائلتين ونشوب معارك دامية ستعيد التاريخ الذي اندثر منذ سنون ليحيا من جديد. رأى "حمدي" ذلك الإصرار البائت في عينيهِ، وكأنها كانت خطة محكمة أعدّ لها جيدًا والآن حان وقت قطف الثمار التي نضجت، وبأيادي آل طحان أصبحت تلك الأرض التي تحتفظ بداخلها بكنوز لا تعد ولا تحصى بين أيادي فرد من عائلة العزيزي التي حاربت لعقود من أجل تحفة واحدة من تلك الأرض ولم تصل إليها.
طال انتظار "هاشم" لسماع كلمات الغضب وعبارات التهديد والصياح؛ لكنه لم يحدث، على العكس تمامًا رفع "حمدي" جلبابهِ ليمشي دون تحية، فتلوت شفتي "هاشم" مستنكرًا ذلك التجاهل المتعمد :
- طب أرمي السلام ياحج!.. إحنا برضو بقينا أهل.
الأفكار السوداء التي حطت على رأس "حمدي" منعته من التفكير في غيرها، فقط استيقظ شيطان نفسهِ، وبدأ يضع تكتيكًا خطيرًا من أجل حماية أرض أجدادهِ التي تناقلوها عبر الأجيال، وإن كلف ذلك دمًا.
أغلقت "رحيل" ستار النافذة وابتعدت، غير متفائلة بتلك المقابلة التي أتت على حين غرة، والتفتت بجسدها لترتكز عيناها على ذلك الدرج الذي يحمل بطاقة هويته المنتهية، وفي عقلها مئات من الأسئلة وعلامات الإستفهمام. انتظرته ظنًا منها إنه سيصعد إليها؛ لكن طال الإنتظار لدقائق طويلة وصلت لثلث الساعة، فتأهبت للنزول من الغرفة لتجد ذلك السكون المخيّم على القصر كله، استطاعت تخمين إنه قد يكون في مكتبه، فـ تقدمت بخطوات متزنة حتى وصلت أمام الغرفة، ومن هناك كان صوته واضحًا، مليئًا بالعصبية المكتومة :
- أتصرف.. أنا عايز الموظف ده يكون عندي بالكتير النهاردة.
لحظات من الصمت أعقبها صوته الجهوري :
- أي حد يا مراد.. حبايبنا في الشهر العقاري كتير أتصرف.
لم يكن الأمر يحتاج لكثير من الذكاء كي تفهم ما يدور في رأسه، يحتاج لموظف الشهر العقاري من أجل إتمام البيعة التي وافقته عليها بدون أن تدري ما الحقيقة خلفها، حتى وإن كان ذلك في صالحها وسيبقيها بعيدة عن عائلتها الجانية فهناك حقيقة بدأت تتراقص في عقلها. مدت يدها وطرقت على الباب، فرأته يفتح لها بنفسهِ وبدون أن تظهر على ملامحه أي تعابير تنبئ بالغضب الذي يحويه. فتح لها يده فوضعت كفها الصغير بداخله، ثم سحبها برفق للداخل وأغلق الباب عليهما، أجلسها على الأريكة وجلس بالقرب منها، وكفيهِ تحضنا يدها الصغيرة بالنسبة له وهو يقول :
- أنا اتفقت مع مراد هيجيب موظف الشهر العقاري عشان نوثق العقود على طول.. عمك كلامه مكنش مريح بالنسبالي وانا لازم أءمن نفسي وأمنك معايا.
أومأت رأسها بالموافقة بدون أدنى تفكير، وقد كانت مبادرته لعرض نواياه الجيدة في صالحه تلك المرة، ذلك الإعتراف الحقيقي الذي سمعته بأذنها كان مسكنّ للأفكار المريبة التي بدأت تنمو في جذور دماغها، ودعست على شكوكها التي لم تنضج بعد، مستعيدة الأمان الذي تشعر به في القرب منه، رغم هالة الغموض التي تحيط به گشخصية صعبة التقييم والتوقّع، خاصة بعد حوارهم القصير الذى دار في القصر، لا تعلم ماهية المشاعر التي تحسها بالنظر في عينيه العميقة القاتمة، أحيانًا تتوه فيها وكأنه سحر، وأحيانًا أخرى تشعر وكأنها ستغرق في ذلك الظلام المضمحل. وضعت كفها الحرّ على ظهر كفهِ الخشن تمسح عليه بلطفٍ وهي تترك النظر لعينيهِ، وبصوت أشبه للهمس كان تعطيه بطاقة موافقة على كل ما ينوي فعله :
- اللي تشوفه ياهاشم.. أنا معاك في كل حاجه.
تلك السيطرة التي يحس بها معها تجعله يشعر بمسؤولية كبيرة، تكبر كلما مر الوقت معها، كأنها طفلته وتحتاج للرعاية والحماية، وليست أمرأتهِ الكبيرة الناضجة، طفلة لا تعي شيئًا عن سواد الدنيا رغم ما واجهته من قسوة وظلم، مازالت تظن أن الدنيا ورود زاهية؛ والبشر هم حمام السلام الذي يطوف من حول الجميع.. يا لها من حـمقـاء!!.
**************************************
كانت "ليلى" تهتم بالتلوين في لوحات الرسم الجاهزة، كانت تلك هواياتها المفضلة، وقد تقضي فيها ساعات بدون أن تملّ، خاصة صور أميرات - Disney -. خلطت "جليلة" اللون الأحمر المائي باللون الأصفر حتى أصبحت النتيجة برتقالية خالصة، فـ اتسعت عينا "ليلى" بإنبهار وهي تصفق بتحمس :
- ده بقى Orange !.. حلو أوي أوي يا نينة جليلة.. عملتيه إزاي ده؟.
ضحكت جليلة وهي تجرب اللون على اللوحة مجيبة :
- هبقى أعلمك ازاي نطلع ألوان جديدة من الألوان اللي عندنا.. بس بعد الغدا.
جمعت "جليلة" فراشي الرسم والتلوين وهي تقول :
- يلا يالوليتا قومي اغسلي إيدك عشان ده معاد الغدا.
نهضت "ليلى" عن مكانها وركضت بإتجاه دورة المياة، حينما دخلت إليها "حِراء" بوجه عابس متضايق، فـ قطبت "جليلة" جبينها بإستغراب وهي تسألها :
- في إيه ياحِراء؟.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ذمّت "حِراء" شفتيها بقلة حيلة، ولم تدري هل ما تفعله هو الصواب أن إنها ترتكب أكبر خطأ في حياتها؛ لكنها في النهاية قررت أن تبوح بعدما ألحت عليها "جليلة" :
- ما تقولي يا حِراء!! قلقتيني يابنتي!.
فركت "حِراء" كفيها معًا وهي تبرر نفسها :
- أنا اتصلت بالباشا كتير وتليفونه مقفول، ودلوقتي الست كاميليا تحت وراسها وألف سيف تشوف ليلى.. أعمل إيه؟.
- مين كاميليا دي؟.
تنهدت "حِراء" وهي تجيب :
- أمها.
كتمت "جليلة" مفاجئتها؛ ولكن ظهرت علامات خفيفة على وجهها أنبئت إنها تفاجئت بالوضع، حيث لم تتوقع أن تأتي الزوجة الأولى وأم الصغيرة "ليلى" إلى هنا بكل جرأة، ومع ذلك لم يعثّر ذلك إتخاذها للقرار :
- خليها تتفضل.. أنا هقابلها.
**************************************
لم يستطع أن يكون هادئًا، وكيف يكون كذلك وأرثهِ الذي امتلكه غصبًا وعدوانًا يتناثر أمام عينيه ويذهب للعدو الغريب!، ليس ذلك فحسب، بل كان هناك من يغذي غضبهِ ويؤججه، زوجته "سعاد" التي كانت أحد أسباب حرمان "رحيل" وأمها من أرث أبيها أولًا ثم زوجها ثانيًا، بدعوى عدم توريث البنات وتمليكهن الأراضي والدكاكين. صرخ "حمدي" في وجهها صراخًا فظيعًا، وطردها من الغرفة بعدما تدخلت حتى في مكالمته الهاتفية الهامة :
- غــوري من وشــي يا بـومـة.
أغلق الباب في وجهها بينما كانت تقول :
- بقى كده يا حج!.. دي أخرتها إني خايفة عليك وعلى مالنا.. منك لله يا جليلة انتي وبنتك!.
نفخ "حمدي" بنفور وهو يعاود التركيز مع مكالمته الهامة :
- أيوة يا متر.. قولي إيه الأخبار طمني؟.
لحظات من الصمت، ألتمعت فيها عينا "حمدي" بتحفزٍ، وكأن روحهِ قد رُدت إليه :
- بجد ياثروت ؟؟.. يعني الكلام ده مش حقيقة ولسه الأرض بأسمها؟؟.
ضحك "حمدي" من كل قلبه وعادت البهجة لصوته وهو يقول :
- الله يطمن قلبك يا شيخ.. ليك الحلاوة والله، سيبني شويه بس وهرجعلك، سلام يا غالي.. سلام.
أغلق المكالمة وانتقل لمكالمة أخرى في الحال، فلم يعد يملك الكثير من الوقت :
- أيوة يا صابر، أنا عمك الحج حمدي يا واد.. اسمعني كويس وركز معايا قوي.
**************************************
نحن في عصر تنفتح لك الطرقات عن آخرها بالمال، وبالفعل ذلك ما حدث في أقل من ساعتين من الزمن، الآن وعلى هذه المنضدة قد تم توقيع العقود وتسجيلها بالشهر العقاري أيضًا بدون أي مجهود يذكر، فقط بعض الإنتظار والصبر ليس إلا. نهض موظف الشهر العقاري والمحامي معًا ليذهبا برفقة "مراد" للخارج، بينما وضع "هاشم" نسخة العقد في جيب سترتهِ وهو ينظر إليها مبتسمًا :
- مبروك.
فبادلتهُ الإبتسامة وهي تقول :
- مبروك عليك.
ناولها بطاقتها البنكية الجديدة وتابع :
- دي الفيزا بتاعتك.. حطيتلك الفلوس في الحساب بدل ما تتعبي نفسك وتروحي البنك وتستني الإجراءات، مش كده أفضل ؟.
أخذتها منه ونظرت لأسمها المحفور على البطاقة وهي تجيب :
- آه طبعًا.. شكرًا إنك سهلت عليا.
نهض عن مكانه ليقول :
- هسلم على مراد وأجيلك.
لم تفترق عيناها عن بطاقته الموضوعة على المنضدة، وظلت ما بين المطرقة والسندان، هل تمد يدها وتلتقطها أن تتجاهل الأمر؟.. هل تبحث عن جذوره أم تتغاضى عما لم يبوح هو به؟.
انتهى بها المطاف لأن مدت يدها وأخذتها، فوجدت نفس الأسم بدون تغيير - هاشم فضل العزيزي -. لم يكن لديها الوقت لمزيد من الحيرة، فقد عاد "هاشم" مسرعًا بعد أن نسى هاتفهِ ورآها تتفحص بطاقته، فـ صعدت تعابير الذهول على وجهه وهو يسألها بجدية :
- في حاجه يا رحيل؟؟.
التفتت رأسها إلى صوته كمن أصيبت بالهلع، فكان صوته الآن بتلك اللحظة تحديدًا مثيرًا لمخاوفها، خاصة وإنها لا تعرف شيئًا عن ردود أفعاله حتى الآن حيال ما يُغضبه. تركت البطاقة على المنضدة وهي تحيد بصرها عنه متحاشية النظر المباشر إليه :
- لفتت انتباهي.. فـ كنت ببص عليها.
كان ردهِ مستنكرًا؛ ولكن بطريقة لينة عكس ما توقعت أن تنال منه :
- لو في حاجه لفتت انتباهك ممكن تسأليني عليها.. أنا معنديش سؤال ملهوش إجابة.
لم تنتظر ثانية أخرى، وكأنها استرخت أخيرًا بعدما أعطاها الأذن بالسؤال :
- مين فضل؟.
بصراحة متناهية كان يجيب :
- أبويا.
ارتفع حاجبيها ببعض الذهول، مما دفعها لإستكمال السؤال بسؤال آخر :
- أمال رضوان يبقى مين!.
تنهد "هاشم" وهو يبعد بعيناه عنها، ثم أجاب بإقتضاب :
- أبويا المعنوي.. وياريت نأجل التفاصيل بعدين لأن الناس مستنياني برا.
سحب مفاتيحه، هاتفه، بطاقته، وخرج.. تاركًا خلفه لغز كبير جعل رأسها لا ترتخي ولا ترتاح، بل أرهقها التفكير أكثر وهي تضع كل الاحتمالات للجواب الذي سيعطيه إياه، وهي في انتظارهِ على أحرّ من الجمر.
-جانب آخر-
تأفف "هاشم" بنفاذ صبر وهو يرى سيارة "حمدي" تعبر الحاجز الأمني بعدما أشار لهم بالأذن، في زيارة ثانية بنفس الليلة وبدون أن ينتظر حتى للصباح. وقف ينتظر اقتراب "حمدي" منه وهو يخمن سبب عودته إلى هنا بعد ساعات، حتى رمى "حمدي" بعرضه السخي قائلًا :
- أنا جاي أحل الموضوع من جذوره، عشان تعرف إن نيتي خير.. قدر عايز كام وتسيب الأرض دي، وأنا سداد يا عزيزي.
بنفس اللحظة، التي كان يتفاوض فيها "حمدي" مع "هاشم" بإقتتال وإصرار شديدين، كانت المؤامرة الحقيقية تُحاك بالأعلى، في غرفة نومها، حيث صعدت آمنه مطمئنة لم يشغلها سوى أمر "هاشم"، لتتفاجأ بنفسها بين شقّي الرحى، ينتظرها الموت متلفحًا في شكل إمرأة قبيحة شمطاء، يلمع سنّ السكين في يدها، وعيناها تشعّ بالغدر المبيت. انكتمت أنفاس "رحيل"، أحست وكأنها معقودة اللسان، مصدومة مما تراه، وما لبثت أن أفيقت فعادت تفتح الباب لتهرع منه؛ لكن استوقفتها إمرأة أخرى دفعت بها للداخل ودخلت، أوصدت الباب من خلفها فـ باتت "رحيل" بين إمرأتين أتيا لتنفيذ حكم القدر عليها، لوضع ختم الموت على حياتها التي باتت مرهونة بحياة آخرين، إما هي، أو هم.
لم يسعفها تفكيرها سوى للركض نحو دورة المياة، علّها تنقذها من براثن الموت، فـ ركضنّ من خلفها وهي تصرخ وتصيح مستغيثة، وهنّ من خلفها گالكلاب الضارية، تـعوي قبل الإنقضاض على فريستها البـريئـة...
***************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ألا يقولون أن البداية تكون من الظالم؛ أحيانًا يكون الرد على البداية أظلم من ظلم الظالم نفسه."
___________________________________
كانت معركة حامية من أجل حياتها، محاولات قاتلة حتى تستطيع الحياة، واجهت "رحيل" أسوأ لحظات حياتها على الإطلاق، وهي تكافحهم حتى لا تطالها يداهم المغموسة بالدماء. دخلت دورة المياة وهمّت تغلق الباب بسرعة؛ لكن إحداهن وضعت قدمها حائلًا دون إغلاق الباب، وظلت تدفع به حتى تقذف بها للداخل؛ لكن "رحيل" عافرت من أجل أن تعيش، وهي تواصل الصرخات المستغيثة منادية بأسم زوجها، ولكن المسافة بينهما بعيدة جدًا للحد الذي أعجزها عن إرسال الإستغاثة إليه.
-جانب آخر-
تأفف "هاشم" منزعجًا من مماطلة "حمدي" وإلحاحهِ المستمر للحصول على ملكية الأرض بأي ثمن، حتى إنه فرش الأرض أسفل أقدامه بمبالغ طائلة؛ لكنها لم تغري "هاشم" على الإطلاق. ذلك الإصرار الذي جعله يرتاب، ويحس بشئ غير طبيعي يدور من حوله، وبدأ عقله ينتبه لإشارات الخطر التي انبعثت من عقله الباطن الذي صوّر له الغدر على هيئة صوت غراب، ذلك الطائر الذي يبغضه ويعتبره علامة على الشؤم والخراب، فـ انسحبت عيناه تلقائيًا لشرفتها التي ظهرت الإضاءة من خلفها، وصُمّت آذانه عن سماع أي شئ في تلك اللحظة المقلقة، حتى أصبح خيالهِ واقعًا، ورأى إحدى الخادمات تهرع ركضًا إليه وهي تصرخ مستغيثة، فـ انخلع قلبهِ وهو يترك "حمدي" واقفًا هكذا ليعدو بخطواتهِ نحوها، ليستمع إلى كلماتها المبهمة:
- الست بتصرخ فوق، سمعتها و اني في الحمام، بتصرخ جامد وتنادي عليك يابيه.
ركض "هاشم" بدون أن يضيع وقت في الإنتظار، وكلما اقترب أكثر كلما سمع صوتها يدنو منه أكثر وأكثر. امتدت يده تسحب سلاحه المرخص من خصرهِ، وسحب الأمان مستعدًا لإطلاق النار في أي لحظة، ثم فتح الباب واندفع بالدخول ليجد تلك المعركة الدائرة على الفراش، بين تلك القاتلة المشؤومة وبين "رحيل" التي تدافع عن روحها حتى الرمق الأخير، وفي غمضة عين، بين لحظتين فارقتين كادت بينهن أن تسحب نصل السكين الذي بات على شفى نحرها، كانت رصاصة "هاشم" تخترق ضلوعها لتفسد عملية غادرة حقيرة استهدفت تلك البريئة، لتقع بجوارها تلك القاتلة جثة هامدة تعافر بأنفاسٍ أخيرة، وسط صدمة "رحيل" التي لم تعي بعد ماذا يحدث، وكأن دماغها قد تعطلت كُليًا عن العمل، وبقى المشهد السائد أمام عيناها ينحفر في ذهنها بقسوة، مشهد لن تنساه أبدًا.
**************************************
لم ينتظر "حمدي" ثانية أخرى بعدما غادر "هاشم" مهرولًا، وعاد إدراجهِ نحو سيارته التي دخلت الممر واستقرت فيه، لكي يفرّ من أرض عدوهِ قبيل أن يكتشف لعبتهِ ويقبض على روحه دون تردد. غادر بدون يثير أي شكوك من حوله، فقد كان ممثلًا بارعًا في تجسيد الثبات، بينما داخله گقطعة الورق الممزقة التي تتناثر قصقوصاتها. مرّ من أمام الحرس بدون أن يُسأل عن شئ، وغادر مرتعبًا من أن يكون مخططه قد فشل في تأدية مهامهِ، حينها لن يكون قد خسر الأرض فقط؛ بل وعليه أن يتجهز لرد الفعل الذي سيواجهه من ذلك المجنون الذي ورث الجنون عن أبيه وطوّره ونمّاه أيضًا.
رنّ هاتفهِ بأسم زوجتهِ لتشتعل النار في عروقهِ، فـ أجابها صائحًا :
- أبعدي عنـي الساعة دي يا وش الخراب.. شورتك المهببة هتجيبنا كلنا الأرض.. معرفش ماتت ولا عايشة!.. غـوري، بـــقــولك غــوري.
أغلق الهاتف مقاطعًا وهي تتحدث إليها، حتى تدخل سائقهِ الصبي الصغير في الحوار معاتبًا إياه :
- قولتلك بلاش ياسيدي.. الحوار ده هيفتح علينا النار من تاني.. وسيدي حسين حتى مش موجود معانا.
صاح فيه "حمدي" غير متحملًا أي عتاب آخر :
- أخــرس ياواد.. سيبني أفكر العمل إيه في الورطـة دي.
وتسلطت عيناه على الطريق المظلم الذي يضيئهُ بضع إضاءات جانبية خفيفة، وكأن عقلهِ أصيب بنفس الظلمة، عاجزًا عن التفكير، كل ما يحطّ على عقلهِ هو نتيجة ما حدث، خاصة إن كان فعلهِ قد أتى بالفشل.
***************************************
لم تفترق عن ذراعيهِ، وجسدها يرتجف رجفاتٍ مرتعدة، لم تتخلص من خوفها الشديد منذها، ويدهِ تضغط على جرحها الذي نزف كثيرًا، على الرغم من كونهِ ليس عميقًا. رفع الرجال تلك الجثة وحملاها ملفوفة بغطاء السرير، ثم غادروا الغرفة ومن خلفهم اثنين آخرين وقد قبضوا على تلك المرأة التي ضربتها "رحيل" بذراع الصنبور الحديد في دورة المياة، حيث كان مغشيًا عليها بعدما غرقت رأسها بالدماء، فأجبروها على النهوض للتحفظ عليها، بالتأكيد ستكون الواشية التي ستؤكد شكوكهِ.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خرج الجميع وسط نظرات "هاشم" المظلمة، غاضبًا يكاد الدخان يخرج من أذنيه من فرط الإنفعال الذي يكتمه، حتى تتمكن هي من الهدوء وإستعادة توازنها الإنفعالي؛ لكنها لا تهدأ بأي شكل. أصابعها التي تتمسك بقميصهِ، والدموع تفيض من عيناها گشلالّ ينهمر بلا توقف، كانت تضاعف من مشاعر الضغينة التي نمت فعليًا في صدرهِ. دخلت الخادمة بعدما طرقت الباب، ومازالت تعابير القلق على وجهها جلية، و عيناها على "رحيل" التي أشفقت عليها :
-الدكتور جه تحت.. أطلعه ؟.
- آه.. بسرعة.
انصرفت الخادمة، فـ ابتعد "هاشم" قليلًا عنها وهو يقول :
- ارتاحي يا رحيل عشان الدكتور يشوف الجرح اللي في رقبتك.. متقلقيش انا جمبك.
أرخى ظهرها للخلف وكشف عن جرحها ليطمئن أن نزيفهِ توقف، فوجده قد بدأ يتماسك، لكنه أظهر بعض التورم وكأنه أصيب بالتلوث. ذمّ على شفتيه أثناء دخول الطبيب وهو يلقي التحية :
- سلامو عليكم.
أشار له "هاشم" كي يتقدم بدون أن يرد السلام :
- تعالي شوف الجرح ده يا دكتور.. بدأ يورم ولونه غريب.
كشف الطبيب عن الجرح بالكامل وفحصه ظاهريًا، ثم فتح حقيبته وهو يقول :
- مش هيحتاج خياطة.. بس لازم يتطهر كويس وناخد مضاد حيوي ومضاد التهابات تحسبًا لأي تلوث ممكن يكون حصل.. ويكون أفضل لو روحنا المستشفى.
- أتصرف هنا مؤقتًا.. وانا هنقلها مستشفى في القاهرة بعد ما تخلص.
- حاضر.. حالًا.
نظر إليها "هاشم" ومازال مختنقًا بسبب الحالة التي وصلت إليها، ثم هتف بـ :
- متخافيش.. خلاص محدش يقدر يدخل هنا تاني.
ثم التفت ليخرج، فكان "مراد" في إنتظاره بالخارج، ولا يقل عنه غضبًا وقلقًا :
- ها؟.. طمني.
نفخ "هاشم" وهو ينظر لساعة يده :
- ملحقوش يعملوا حاجه المرة دي.. بس طالما النية موجودة يبقى لازم آخد بالي بعد كده.. أنا هسيبك هنا مكاني.. هروح مشوار ساعة وراجع.
قطب "مراد" جبينه وقد استنبط بسهولة ما يجول في عقلهِ :
- رايحله؟.
- أمال هسيبه بعد اللي عمله!!.
أحمرت عيناه وقد اندفعت الشعيرات الدموية مسببة تلك الظلال الحمراء القاتمة :
- ده دخل بيتي وحط عينه جوا عيني وهو بينصب فخ من ورايا.. لو مخدش اللي يستحقه مني يبقى استاهل اللي حصلي منه.
أعطاه ظهرهِ وانصرف، وقد علم "مراد" أن تلك الليلة لن تمر مرورًا كريمًا، وأن "هاشم" سيستغل تلك الفرصة لكي يجعل صفعتهِ لـ آل طحان أشد إيلامًا، لقد رأى ذلك في عيناه التي أحيانًا تبوح بمكنونات صدرهِ بكل صراحة.
كان الحرس قد احتبسوها في القبو كما أمرهم، وقيدوا حركتها تمامًا لكس لا تسبب الإزعاج لهم. دخل "هاشم" وهو ينظر نحوها گالصقر الجارح، وسأل قائلًا :
- دفنتوا اللي كانت معاها؟.
- خلصنا ياباشا.. وكله نضيف نضيف.
سحب "هاشم" سلاحه ووجهه إلى رأسها، كانت واعية تمامًا بعدما استعادت كامل إدراكها، فـ شهقت شهقة عالية وهي ترجو مغفرته :
- أبوس يدك تعتقني، أني عبد المأمور.
خبط رأسها بفوهة السلاح وهو يسألها مرة واحدة :
- مين اللي بعتك؟!.
حاولت تفسير الأمر له، ولكن بدأت جملتها بداية خاطئة، جعلت الثمن لذلك غاليًا :
- معرفش، أني آ...... آآآآآآه
أطلق رصاصة على كفيها المقيدتين قبل أن يعاود السؤال :
- هسأل تاني لآخر مرة، قبل ما الرصاصة التانية تكون في دماغك.. مـين ؟؟.
آهاتها المزعجة دفعته لسماع جملتها كاملة، قبل أن يهدر حياتها تمامًا :
- والله ما اعرف.. احنا بناخد الأوامر والعنوان ونص الفلوس بس، ماليش أسأل والله.. آآآآآه.
أبعد السلاح عن رأسها ليقول :
- يبقى دليني على اللي مشغلك.
*************************************
خرج من القبو ومن خلفه عصبة من الرجال، ثم التفت إليهم ليقول :
- عرفتوا هتعملوا إيه؟.
كانوا منقسمين لمجموعتين، وكل مجموعة وكّلت إليها بعض المهام :
- تمام يا باشا.
أشار لهم للتحرك، بينما سار هو ومن خلفه رجلين أثنين، وقد قرر السيناريو الذي سيتحرك به، وكأن راضيًا تمام الرضا عن الخطة المحكمة التي وضعها خلال دقائق فقط، ولن يستغرق تنفيذها سوى ساعة على أقل تقدير، ساعة واحدة وستكون البلدة جمرة من النـار.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"الإنتقام وجبة، لابد أن تؤكل ساخنة"
____________________________________
كان يجلس على طرف المقعد، لا يسعه أي مكان في الدنيا الآن، يحس ضياعًا غريبًا وشتاتًا لأول مرة يشعر به منذ أن مات ولده الأكبر "حسن"، والآن ولدهِ الآخر سجين ولا يدري كيف سيتجاوز تلك الفترة بمفردهِ؛ بينما الولد الأصغر "علي" قد غادر للقاهرة من أجل استكمال الفصل الدراسي الثاني بالجامعة، متجاهلًا كل مصاب العائلة الذي يعتبره - جزاء من جنس أعمالهم-.
لقد حوّله الهم لرجل كهل طاعن بالسن، بينما عمرهِ لم يتجاوز الواحد وستون عامًا بعد؛ لكنه يشعر وكأنه على حواف العقد التاسع من العمر تقريبًا.
زفر "حمدي" مختنقًا وقد جثم القلق على صدرهٍ كما يحطّ الحريق على أرض تشبعت بزيت الجاز، يختلق في عقله سيناريوهات عدة، للفعل ورد الفعل، مؤمنًا بأن "هاشم" لن يكون عويلًا إذا ما نجت زوجته، سيدك بهم الأرض دكًا، لذلك عليه أن يكون متأهبًا مستعدًا لأي شئ قد يحدث في أي لحظة. لقد ضاعف من عدد الرجال الذين يحرسون المنزل، وجعل منهم من يقف بالأعلى ومنهم من يقف بالأسفل، وفي اليمين واليسار، تحسبًا لأي مكان قد تأتي منه ضربة الغدر.
طرقات عادية على الباب، بالكاد وصلت لمسامعه وهو بحجرة استقبال الضيوف، فخرج على أثرها مترقبًا عن هوية الزائر الذي سيكشف عنه الباب، فكانت المفاجأة أن رآه هو واقفًا، يستأذن في الدخول بكل هيبة واحترام شديدين.
أشار "حمدي" للخادمة أن تنصرف، ومشى هو بإتجاه الباب وعصاه تصطك بالأرضية، وهو يرحب به متلفحًا بثوب التجاهل لما صنع :
- يامرحب.. اتفضل ياولدي.
حرر "هاشم" يداه التي كانتا تتشابكان معًا، ثم وطأ باحة الدار ومن خلفه بدأ رجاله يدخلون أيضًا، حينما كان يتفقد المنزل من حوله وهو يقول :
- مشيت فجأة واحنا مكملناش كلامنا، قولت آجي أكمله في بيتك ياحج.
عينا "حمدي" توزعت أنظارها بينه وبين رجاله الثلاثة الذين دخلوا في أعقابه ثم أغلقوا الباب، وقد بدأت خطوط وجهه التعبيرية تفقد توازنها، وتشكلت في هيئة الريبة المتوجسة وهي يقول :
- الكلام خلص لما رفضت عرضي، ولا عندك كلام تاني غير اللي قولته؟؟.
كانت يمناه في جيب سروالهِ الفاتح، وفي عينيه استنكار صريح وهو يقول :
- انت مش هتضايفني ياحج حمدي ولا إيه؟!.
بدأ ذلك الهدوء الشديد يثير طاقة "حمدي" الإنفعالية ويحفز الخوف المدفون في أعماقهِ، وظهر ذلك على عصبيته الغير مبررة والتي ظهرت فجأة في صوته :
- انتـي يا بـت!..
جلس "هاشم" على أكبر مقعد ضمن جلسة ضخمة في باحة الدار، ومازالت عينهِ تتفقد كل شئ من حوله گالذي جاء يشاهد بضاعتهِ، حتى باغته "حمدي" بسؤاله المباشر وبدون أي التواءات:
- جاي ليه يا هاشم.. هات اللي عندك طوالي.
حضرت الخادمة لقدمهِ بعجالة، فبادر "هاشم" محادثتها مباشرة :
- عايز قهوة سادة.. ياريت غامقة زي سواد الليلة دي كده.
اقشعرت الخادمة لدى كلماتهِ الأخيرة، والتي أصابتها بالفزع لدرجة دفعتها للذهاب من أمامه فجأة دون سابق إنذار، حينما تحولت ملامح "حمدي" لأخرى أكثر حِدة وانصهار :
- أنا معنديش وقت أضيعه ليك، قول جاي في إيه وامشي.
- إنت اللي هتمشي ياحمدي.. قبل ما البيت يولع بيك لا قدر الله وتموت محروق.
تملكت سخونة شديدة التوهج من رأسه، كأنها تحترق بسكون مرعب، وبخطوات متسرعة ومتعجلة كان يعدو بإتجاه الباب، مستغيثًا بالقوم المحتشدين أمام المنزل لحمايته، فكانت المفاجأة أن الخارج مهجورًا خاليًا من أي إنسان، فقط أثنين من الحراس التابعين لـ "هاشم" يمنعون خروج أي أحد من الباب؛ لكنه تمكن من رؤية هذا الخواء بالخارج، والذي أشعرهُ برجفة مفاجئة هزت قلبه بين ضلوعهِ، بعدما تبينت النية الحقيقية وراء زيارة "هاشم" ، لم يبيت في ليلتهِ ولم ينتظر حتى يحلّ الصباح لكي يأخذ ثأرهِ، اعترافًا بأن الإنتقام وجبة لابد أن تؤكل ساخنة، وقد حضر بنفسه حتى يشمّ رائحة الشواء.
وقف "حمدي" على الباب لبرهه من الزمن، يحدق في الخارج الذي بات گالأرض البور، حينها كانت عينا "هاشم" الشامتة قد تعلقت به، ليقول بنبرة تغلفت بالحقد :
- تعالى يا حج زمان رجلك مش شيلاك.. تعالى أقعد.
سحبه أحد الرجال من أمام الباب لكي يُدخله عنوةً، فرفع "حمدي" عصاه وضرب بها ذراع الرجل ضربةً عنيفة، جعلت الجمر يشتعل في عيناه المحمرة، وسحب سلاحهِ من خصرهِ يكاد يسدد الطلقات في رأس "حمدي" لولا تدخل "هاشم" ليصد رجله:
- خلاص يا شناوي، معلش زي أبوك برضو.
تركه "شناوي" ومازالت نظراته محتقنة، جراء تلك الضربة التي لم يتفاداها، حينئذٍ كان صياح "حمدي" يدوي دويًا في أرجاء المنزل، في اللحظة التي تجمعت فيها نساء الدار وأطفالهم على الدرج ليشاهدوا المهزلة التي لم تحدث من قبل :
- قوم فـزّ من مكانك، أخـرج بـرا قبل ما.........
قاطعه "هاشم" قبل أن يستمع لتهديدهِ الثائر،وهو ينظر لساعة الهاتف المضبوطة بالثانية :
- رد على تليفونك ياحج من غير كلام كتير.
كان بالفعل صوت هاتفه الموضوع على المنضدة قد بدأ يصل لمسامع الجميع، في إشارة منذرة بما هو آتٍ لأجله. ثقلت خطوة "حمدي" وهو يسير بإتجاه الهاتف، حتى رأى أسم أحد العاملين لديه في مربى المواشي، فأجاب عليه فورًا :
- أيوة ياواد، في إيه يافال الغراب؟!.
جحظت عيناه وهو يتلقى أولى الأخبار الخاصة بعرض الليلة، وانتقلت عيناه لـ "هاشم" وهو يهتف هتافًا حارًا :
- انت عـملت إيـه ياابن المحروقــة انــتَ.
نشب الحريق الحقيقي في رأسه الآن، حينما أخطأ "حمدي" بلسانهِ في حق والدتهِ المتوفاه، والتي لم يتجرأ أحد على دعس طرفها بكلمة من قبل. تدارك "هاشم" نفسه لئلا يفجّر رأسه فينهي حياته على الفور، وإنما يتمنى أن يذيقه العذاب والمذلة أولًا، قبل أن يتواري أسفل الثرى. لحظات من الصمت بينما عينا "حمدي" قد احمرت من الغليان، فـ خسارتهِ عظيمة قاسمة للظهر، ويحاول استيعاب ما حلّ على رأسه بين ليلة وضحاها، فلم يلاحظ أبدًا تلك العيون التي ترسل إليه إشارات نارية في نذير بإنه قد أخطأ وعليه دفع الثمن، ليعيد سؤاله وهو يقذف بهاتفهِ گالمجنون :
- رد عــليا.. وديت البهايم فين؟؟ دول ١١٧ راس يابن الـ......
أوقفهُ "هاشم" قبل أن ينطق بأي لفظ مرة أخرى :
- أحمد ربنـا ان راسـك مش فيـهم يا حـمدي...
ثم وقف عن جلسته كي يتابع حديثه وهو يقترب منه رويدًا رويدًا :
- ده جزء صغير من ردي عليك.. ولسه في باقي، دخولك بيتي والـ**** اللي بعتهم عشان يخلصوا من مراتي دي حاجه مش هتعدي بالساهل كده..ولا إيه!.
همهمات النسوة بالأعلى والتي بدأت تعلو مصحوبة بزمجرة قوية وكأنها معركة بالأعلى، مشوشة عقل "حمدي" أكثر وهو يفكر في كلماته التهديدية، والتي قصد بها استمرارية الحرب من جهتهِ، كأنه كان يعدّ منذ زمن لذلك الرد وانتظره على أحرّ من الجمر، وقد قدمه له "حمدي" على طبق من ذهب.
كل ذلك و "حمدي" عاجز عن الرد، ليس وراءه غطاء يحميه ولا رجال يدافعون عنه، إن قُتل الآن لن يشعر به أحد، وحتى جثمانه لن يجدوه كي يُصلى عليه الجنازة، فقد فعلها "رضوان العزيزي" من قبل في أحد أعداءهِ، وحتى الآن لم يعثروا للمتوفى على أثر، وقد يفعلها ابنه الآن ويجدد ميثاق الإنتقام.
نظر "هاشم" من حولهِ، متأملًا الدار العتيقة التي عاش فيها أجيال الطحان منذ أكثر من مئتي وخمسون عام، رآها تحفة أثرية قديمة تستحق التخليد؛ لكنه في الأصل سيتخلص من تلك التحفة ليتركه بلا جدور، تائه في أرض لن تكون ملكه من اليوم.
ذلك الجوع الذي رآه "حمدي" في عيني "هاشم"،كأنه يطمع في المزيد ليشفي رغبة صدره، دفعته للجنون، فـ هدر فيه متنصلًا من صمته اللعين :
- أخرج من هنا.. مش خلاص عملت النمرة بتاعتك؟؟.. مش عايز أشوفك ولا انت ولا حد من اللي حواليك قصادي.
ابتسامة مستهزئة ارتفعت على طرف محياه، وهو يتخيل الصورة التي رفعت من مستوى النشوة لديه لأقصى مستوياتهِ :
- إنت اللي هتخرج من هنا.. ومش لوحدك.
رفع رأسه قليلًا وكأنه يشير لأولئك النساء اللاتي ينظرن إليهم من الأعلى :
- انت وكل اللي في البيت ده.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان "هاشم" يمد يدهِ لأحد رجالهِ، فناوله عدة مفاتيح مرفقة بأرقام غرف، فـ مدّ بها "هاشم" يده لـ "حمدي" وهو يقول :
- متقلقش أنا فكرت فيك وعامل حساب كل حاجه.. دي مفاتيح غرف في لوكانده "فندق" ٥ نجوم، كلهم إطلالة على الترعة والهوا يرد الروح فيهم.. تاخد أهل بيتك وتطلع على هناك.
ثم ربت على ذراعهٍ في سخرية و :
- ومتحملش هم المصاريف، أنا دافع أجرة أسبوع كامل لحد ما تدبر حالك.
لم يتحمل "حمدي" أكثر من هذا، وكانت يداه تمسك بتلابيب "هاشم" في عصبية مفرطة، وقد تحولت بشرتهِ لحُمرة مريبة وهو يصرخ فيه وجهه :
- أنا هــسيبــلك بيتــي وأرضــي!!.. ده عـلـى جـثـتـي يابن العزيزي!.. أوعى تكون مستـخف بيـا عشان واقفلك بـطولي.. ده انا أهد الدنيا فـوق دمـاغـك!.
أزاح "هاشم" يدي "حمدي" عنه معتمدًا على الفارق الجسماني بينهما، وهو يفسر له توابع إصرارهِ هذا :
- انت فعلًا هتطلع جثة.. لو مخرجتش من هنا على رجلك هتخرج على ضهرك انت وكل اللي معاك ياحج.. أنا بنصحك بلاش تدوق النار اللي هتاكل في البيت، ميبقاش الزريبة والبيت وانتوا!.. كده خسارة كبيرة!.
لم يرغب "هاشم" في الكثير من الجدل وسماع كلماتهِ الأبيّة المتعجرفة، ولذلك أولاه ظهرهٍ وهو يختتم حديثه :
- أكيد مش هتستنى في المقبرة دي وتموت محروق.. معاك دقايق قبل ما الرجالة يحرقوا البيت باللي فيه، ياأما تمشي.. يأما.........
وخرج من البيت متشوقًا لمشاهدة القسم الأكثر متعة وإثارة، متيقنًا أن "حمدي" سيغادر منكس الرأس محني الظهر، ثمنًا لفعلتهِ الحمقاء التي لم يدرس تبعاتها جيدًا، فـ أودى به الحال لذلك الوضع المزري الذي لا يتحمل حتى المفاوضة.
دقائق وكانت نساء الدار يخرجن بجلابيبهن السوداء، يكتمون حتى أنفاسهم كما أمرهم "حمدي"، منعًا لتسرب الفضيحة لأكثر من ذلك، وعلامات القهر والخزي تغمر وجوههم بعد ما أصابهم، لم تمر لحظات على خروجهم حتى بدأت ألسنة النيران تظهر من خلف النوافذ والأبواب، والحرارة المرتفعة قد غطت المحيط كله لتدفعهم إلى الإبتعاد عن مرمى النيران، وهم يشاهدون ذهاب بيت العائلة والملاذ الآمن، أكبر بيوت البلدة كلها وأشهرهم، الآن هو تحت سيطرة النيران التي تنهش في أعمدتهِ وجدرانهِ جزءًا جزءًا، حتى يتحول لكتلة من الرماد، رماد لن يحيا مجددًا.
************************************
كانت شاردة طيلة اليوم، تلك الزيارة بعثت في نفسها الراحة بالطبع، لكن جزءًا منها مازال يتآكل على ابنتها، حتى وإن كانت قد اطمئنت على هوية القائمين على رعايتها، فالأولى لها أن تكون بين أحضان والدتها وليس العكس.
تنهدت "كاميليا" بضيقٍ شديد، منذ عودتها من منزل "هاشم" الجديد وهي تحس اختناقًا، علمت بزواجهِ مؤخرًا وبأن تلك العروس الجديدة هي التي تهتم بـ ابنتها، فما زادها ذلك إلا سعيرًا ينهش في ضلوعها، فهو اختار حياة أخرى جديدة وأقرّ عقابها بسلب ابنتها الوحيدة منها، وهذا ما لم تكن تحسب له حسابًا. طرقت "هداية" باب غرفتها، ثم فتحته لترى بعينيها الظُلمة التي تجلس فيها ابنتها منذ عودتها من الخارج، ففتحت الإنارة ونظرت لوجهها الذابل وجسدها الذي فقد الكثير من وزنه، ثم دنت منها لتقول بنبرة قلقة :
- وبعدين ياكاميليا؟؟.. كده مش كويس عشان صحتك يا بنتي!.. هتقفي في وشه إزاي وترجعي شغلك وبنتك وانتي بالحالة دي؟؟.
خرج صوتها المخنوق من حنجرتها المجروحة لتقول :
- جاب لبنتي واحدة تانية تربيها وانا عايشة ياماما؟.. انتي متخيلة؟. أنا مش مصدقة إنه طلع بالـ**** ة دي!!.
ربتت "هداية" على ساقها وهي تقول :
- أهدي يا كاميليا.. قومي شوفي سعد عايز إيه، قاعد برا ومصمم يشوفك.
تلقائيًا نظرت "كاميليا" لساعة الحائط مندهشة من زيارته في ذلك الوقت المتأخر :
- دلوقتي ؟؟.. مااحنا كنا مع بعض من كام ساعة عايز إيه تاني ؟.
أفصحت "هداية" عن شعورها السئ تجاه الرجل :
- أنا مش مرتاحة!.. من أول ما جابلك العنوان وخدك لهناك وانا حاسه إن وراه حاجه.
نهضت "كاميليا" عن جلستها لترتدي عليها شيئًا من أجل مقابلة الضيف الغير مرغوب فيه، ولكي تتخلص من لحاقه بها ظنًا منه إنها ذات فائدة لحربه الباردة ضد إبن أخيه. خرجت إليه وعلى وجهها علامات الفتور جلية، لتسأله في عجالة وهي تنظر لساعة اليد :
- خير ياعمو.. إيه السبب المهم اللي خلاك تنورنا دلوقتي؟.
كان مبتسمًا وديعًا وهو يشير إليها كي تجلس إلى جواره :
- طب نقعد الأول عشان الكلام هيطول.
جلست على طرف الأريكة وهي تنظر لتعابير وجهه المريبة، وقد اقتنعت بأن والدتها على حق، هذا الرجل آتيًا إليها وفي أحضانهِ قنبلة يود لو تنزع هي فتيلها. لم ينتظر "سعد" أو يطيل في المقدمة الغير مهمة، ودخل في صلب الموضوع مباشرة :
- أنا ساعدتك النهاردة عشان توصلي لمكان ليلى وتعرفي الوش الحقيقي لهاشم.. دورك بقى تساعديني وتساعدي نفسك عشان نكسب المعركة دي ضده.
شبكت "كاميليا" ذراعيها أمام صدرها وسألته :
- يعني إيه مش فاهمه!؟.
كان متحفزًا، كأن المكر يتراقص گالثعالب في حدقتيه :
- يعني نمشي في طريق المحاكم وتطلبي حقوقك وحقوق بنتك.. ده غير إننا ممكن نثبت إنه خطف البنت وحرمك منها و........
لم تجد لديها من الإستعداد لسماع بقية حديثهِ، فقاطعته وهي تقف عن مكانها، بعدما فهمت غايته من إقحام رأسها في المشاكل أمام "هاشم" كي يستفيد هو من تلك الزوبعة التي ستكون من حوله :
- أنا فاهمة يا عمو إنك واخدني سلم تطلع بيه لهاشم، بس أنا أسفة ده مش هيحصل، أنا مش طرف في مشاكلكم ولا هدخل بنتي محاكم وأقسام.. وبعدين هاشم أداني كل حقوقي، يعني ارتاح.. ومشكلة بنتي هحلها مع أبوها من غير تدخل من حد.
كانت نظراته تحتقرها، ينظر إليها كأنها لا شئ، بعدما صدمته بإنها لن تكون طرفًا في الحرب، على النقيض تمامًا، ستسعى لكسب "هاشم" من جديد، ستمشي في الطريق الذي سيصل بها لإبنتها، ولا يوجد سوى طريق الضغط على العاطفة التي تستقر في باطن "هاشم" ، تلك التي لا يعلم أي أحد عن مستقرها.
كانت نظرته المزدرية كافية للتعبير عن مكنون صدره، ولم ينطق كلمة أخرى، فقط انسحب من هنا قبل أن يسبّها بأفظع الشتائم التي حضرت على ذهنهِ بينه وبين نفسه، فقد أهدر مجهوده عبثًا حينما بحث لها عن "ليلى"، نقطة الضعف الحية لـ "هاشم" ، ظنًا إنها ستعترف بالجميل؛ وقد خبت ظنونهِ جميعًا.
**************************************
كان صباحًا غريبًا، غلب فيه الرزق على البلدة كلها، عُقرت الذبائح منذ الصباح الباكر، ونُصبت موائد الوليمة العظيمة برعاية "هاشم العزيزي"، وزّعت اللحوم على جميع الفقراء والمحتاجين بوفرة، بجانب الوليمة التي اهتم بها عدد كبير من الطباخين المهرة، وقد شاع هنا وهناك أن السبب هو زواج "هاشم" الميمون من إبنة آل طحان، فـ انتشر الدعاء إليهم بالسعادة والهناء على ألسنة الجميع، بعدما غطت الذبائح احتياجات الجميع لأيام متتالية، وحرص القائمين على الأمر تنفيذ أوامر "هاشم" بتوزيع البقول والخضراوات والحبوب بكميات تفي غرض الجميع لشهر كامل.
جهزت "عبير" صينية إفطار فاخرة كما أمرها "هاشم" ، ثم صعدت بها لغرفتهِ وهو يتقدم خطواتها، فتح الباب بنفسه بهدوء وحذر شديدين، ثم تناول منها الصينية من يدها كي لا تدخل عليها وهي نائمة بعمق هكذا، ليدخل إليها بمفرده فوجدها بالفعل بدأت تفيق.
كان أثر المهدئات قد بدأ يزول، واستعادتها للوعي لم تستغرق سوى دقائق معدودة، لتتذكر كل ما جرى ليلة أمس، فتصاب بقشعريرة دبت بأعماقها، جعلت رجفة تسري في أطرافها فشلت بالسيطرة عليها. وضع "هاشم" الطعام جانبًا، ثم جلس لجوارها وهي يسألها :
- حاسه بحاجه ؟.
أطبقت جفونها گالتي تعتصرهم، ثم أجابت نافية :
- مفيش.
أمسك بكفها بين راحتيهِ، يفركهما بتنكيك معين لتشتيت ذهنها عما تفكر فيه، لكي تتخلص من تلك الذكرى السيئة التي انتصبت أمام عينيها. لحظات ثم قال بصوت سلبها قلقها :
- اللي حصل مش هيتكرر تاني.. وعد.. مستحيل حمدي يفكر يمس شعرة منك بعد النهاردة.
رفعت عيناها إليه بعد إخفاق طويل، ثم همست بصوت متعب :
- أنا عايزة أمشي من هنا.. مش عايزة أرجع تاني، عايزة أنسى كل اللي حصل.
تغلغلت أصابعه بين خصلات شعرها متلمسًا حريرتهِ، ثم استقر كفه على وجنتها ليقول :
- حاضر.. أفطري وخدي العلاج بتاعك والدكتور في الطريق، نطمن عليكي ونرجع القاهرة.
أغمضت عيناها قبل أم ترمي رأسها على كتفهِ، ورغمًا عنها أطلقت العنان للدموع كي تنساب على كتفيه وهي تقول :
- كنت هموت.. كانوا هيموتوني عشان الفلوس والورث!.
ربت على ظهرها مواسيًا، حينما استمع لطرقات خافتة على الباب :
- أرتاحي انتي.
أرخاها على الفراش وراح يفتح الباب، ليجد "عبير" وعلى وجهها علامات الإستفهام بارزة :
- في إيه؟؟.
- ست صباح من بيت حبش تحت.. بتقول عايزة تشوف رحيل هانم ضروري.
لم يحتاج لكثير من الوقت كي يفهم سبب تواجد كبيرة بيت حبش هنا، والآن تحديدًا، يبدو أن أخبار الزفاف السعيد قد وصلت لآذانها منذ زمن، والآن حان وقت إبرام الإتفاقيات التي ستحمي الطرفين، من لعنة آل طحان التي عاشت لسنون طـويلـة....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"لن تدرك أن الفخ فخًا، إلا بعدما ترى قاعهِ."
_____________________________________
كان من البديهي ألا يتركها تقابل أحدًا وهي في حالتها تلك، فلم تستعد وعيها بعد، وتفاقمت عليها الآلام مؤخرًا بعد زيارة الطبيب وتطهير الجرح ثم تبديل الضمادة، فأصبح لزامًا عليها الراحة بعدما تناولت كمية كافية من مسكنات الألم.
كانت فرصة رائعة حقًا، أن يقابل سيدة "بيت حبش" التي أصبحت المسؤولة الأولى عن العائلة بعدما نفق أربعة رجال منها في حادثة الثأر التي وقعت بينها وبين عائلة "الطحان". إنها العائلة الأشد كرهًا وبغضًا لسلالة "حمدي الطحان" كلها، والأسطورة تقول أن عدو عدوي يكون صديقي، لذلك لم يفوّت فرصة لقائها الآن بنفسهِ.
دخل إليها ليجدها إمرأة حسناء، رغمًا عن سنها الذي تجاوز الخمسون عامًا، إلا إنها لا تزال شابة قوية كأنها في العقد الثالث من العمر، وقد ضاعف من الإثارة تلك العيون التي تكحلت بالأسود الفاحم، فـ أضفت عليها مزيدًا من الحُسن الذي تستر أسفل الملحفة السوداء الكبيرة التي ترتديها. لم تنهض عن جلستها وهي تراه يدخل غرفة الإستقبال، حتى جلس في الجهة المقابلة لها ليقول :
- أهلًا يا ست صباح.. أؤمريني!؟.
غلبت اللكنة الصعيدية على نبرتها الجدية وهي تهنئه:
- مش عارفه أقول مُبارك عليك الجوازة ولا مُبارك عليك المقبرة الجديدة!.
ابتسم "هاشم" هازئًا من معرفتها معلومة گهذه، وسار على نفس النهج من الإستهزاء متابعًا :
- قوليلي مبروك على الأتنين.
لمحت السخرية في عيناه، فكان أمرًا يصعب عليها تقبّله بدون رد، لذلك كان تلميحها متعمدًا وهي تسأله في خبث:
- وعروستنا عارفه اللي ورا الجوازة ولا.. ؟.
لم يروق له ذلك التلميح المهدد، فـ أبقى وجهه صلبًا حازمًا وهو يرد :
- متهيألي ده موضوع ميهمكيش في حاجه، ولا خلاص بقيتي فاضية لدرجة إنك تشغلي بالك بالأمور الزوجية للناس!.
لم تحب "صباح" أسلوب المراوغة كثيرًا، فهي تعرف طبعه جيدًا، ولم تنجح في مهمتها إن وضعت همّها في الإنتصار عليه، لذا تركت الحوار في منتصفهِ ومهدّت لسبب مجيئها اليوم :
- أنا مش جاية اتسامر معاك.. أنا جيت أقابل بنت الطحان، بلغها إني عايزاها في مصلحة.
طرق "هاشم" بأصابعه على مسند المقعد وقد انعقد حاجبيهِ مذهولًا :
- مصلحة إيه اللي ليكي مع مراتي؟!.
كانت صريحة أكثر من اللازم، مع شخص هي تعلم إنه يتسم بالملاوعة والخبث :
- المحلات والدكاكين اللي في الجهة الشرقية، عايزاهم.
"هاشم" لديه خلفية مسبقة عن الصراعات والحروب الأهلية التي دارت على مر السنون بسبب ملكية تلك المتاجر، حيث كانت العائلتين بينهما نسب قديم، وتحول مسارهِ لعداء شديد وواضح بسبب أمور الأرث التي فرقت ذوى الدم الواحد. لذلك لم يتعجب من رغبتها المستميتة في استرداد ما تراه حقًا لعائلة "حبش"، وإنما كان لديه رأي آخر :
- بس دول اتباعوا خلاص ياست صباح.. ياريتك جيتي بدري شويه!.
فهمت "صباح" على الفور إنه المشتري لا محاله، فالحال بينهما لا يختلف، "هاشم" أيضًا من أعداء آل طحان المعروفين، وقد هدأت بينهم الأمور بعدما عقد "رضوان العزيزي" هدنة لوقف سيل الدم الذي غرقت فيه البلد في فترة من الزمن، وهو ما زال محافظًا على عهد أبيه، إلا أن "حمدي" قد نقض العهد وفسخ الهدنة بـ اعتدائهِ على "رحيل"، فما كان من "هاشم" إلا رد الصفعة بصفعتين لعلهم يرتدعوا عن نواياهم تجاه زوجته.
نهضت "صباح" عن مكانها بعدما أحست أن تلك الجلسة لن تؤتى ثمارها، وشبكت أصابعها وهي تسأله بإبتسامة متعجرفة :
- طبعًا انت اللي اشتريت!.. مفوتش الفرصة ولا استنيت هبابه حتى!.
وقف "هاشم" أيضًا وعلى تعبيراتهِ أسف كاذب :
- معلش بقى ياست صباح، كان لازم أصون مال مراتي وأحافظ عليه من الحوش اللي عايزين ياكلوه.
أومأت "صباح" رأسها بتفهم، بدون أن تظهر ضيقها الذي بلغ حلقومها:
- مُبارك عليك يا عزيزي، طالما خرجت من يد حمدي أنا راضية، حتى لو معاك انت.. سلام.
استوقفها قائلًا :
- مش تستني لما نتغدى سوا!.. ده الشيفات مجهزين وليمة النهاردة.
أرادت أن تبلغه إنها تعلم عن استيلائهِ على مواشي "آل طحان"، والتي تعدّت المائة رأس حيواني :
- ألف هنا عليك، أنا ماكلش من بهيمة اتربت في بيت طحان أبدًا.
وأولته ظهرها، فلوح بيده وهو يودعها :
- مع السلامة يا ست الصباح، شرفتينا.
خرج "هاشم" قاصدًا غرفتها من جديد، لعلها تسأله عن سبب الزيارة، تأهب بالرد المناسب كي يقنعها بضرورة ضمّ المتاجر لقيادته أيضًا گحال الأرض التي حصل عليها مؤخرًا منها بثمن زهيد، حتى ينتهي الأمر عن بكرة أبيه؛ لكنه رآها غافية، نائمة مستكينة غير عابئة بأمور الدنيا التي تدور من حولها، فما زالت تعيش أزمة نفسية جراء ما واجهته بالأمس، مستثقلة فكرة أن يحرض عمها الوحيد على قتلها. علقت عيناه عليها لحظات، يراقب خطوط وجهها التي تتشنج بتوترٍ خفيف لكنه ملحوظ، گالتي ترى شيئًا داخل حلمها وقد جثم عليها. تقدم من الشرفة وأغلق زجاجها، ثم سحب عليها الستار المانع للضوء فأصبحت الغرفة مظلمة تمامًا كما يحب هو، ظنًا منه إنه بذلك سيؤمن لها نومًا عميقًا، إلا إنه استمع لصوت نهنهه خافت وكأنها استيقظت فجأة، فـ اقترب منها وفتح إضاءة الأباجورة الخافتة، ليجدها گالقطة المذعورة بعيناها المفزوعتين، متمسكة بالغطاء كأنه يحميها من شئ مجهول، فسألها بقلق من تعابيرها :
- فـي إيـه ؟!.
قفزت من نومتها لأحضانهِ گصغيرتهِ "ليلى" التي تذكرها للتو، وهمست بنبرة مرتعشة :
- أنا بخاف من الضلمة.
كانت تتشبث به وذراعيها حول رقبته تكاد تخنقه من شدة الخوف، فـ جمد هو للحظة قبل يبعدها عنه قليلًا وهو يقول :
- أنا معرفش،خلاص هفتحلك الستارة تاني.
ونهض ليفتح الستارة مجددًا فتعود إضاءة النهار لتخترق الغرفة، وهي في مكانها مازالت تقاوم مخاوفها كي تستعيد اتزانها، خاصة وإنها لم تحبذ رؤيته لها هكذا.
- ها؟.. كده أحسن ؟.
- آه.. هي الست اللي جت كانت عايزة إيه؟.
جلس "هاشم" على طرف الفراش وهو يسرد بإيجاز :
- عايزة تشتري منك المحلات اللي في الجهة الشرقية.. بس اني قولتلها إني اشتريت خلاص.
قطبت جبينها متعجبة تصرفاتهِ المتعجلة:
- ليه؟؟.. مش كانت تاخدهم وتريحنا من الهم ده أحسن، بدل ما نتحط في مواجهة مع عمي تاني.
أزاحت الغطاء عنها بتشنجٍ وتركت الفراش وقد اعتراها الإنزعاج الشديد من تصرفه دون أن يسألها رأيها :
- انت مشوفتش إيه اللي حصل عشان الأرض!.. عايزنا نستفزه تاني ويرجع يعمل عملته معايا تاني!.. أنا مش عايزة منهم حاجه خلاص كفاية يسيبوني في حالي.. كنت وافقت على بيعهم عشان نخلص من أي رابط بينا وبينهم!.
تابع عصبيتها المفرطة التي يراها لأول مرة بكل هدوء، حاجبًا غضبهِ اللعين عنها لئلا يكون هو الخاسر، فـ صفقته منها لم تنتهي بعد. وما أن بصقت ما يحتويه صدرها رماها بنظرة متجاهلة، قبل أن يوليها ظهره ويخرج من الغرفة بدون أن ينطق بكلمة، تاركًا عاطفتها تتأرجح يمينًا ويسارًا بحيرة، لكي تندم على ما فعلته للتو وتتراجع عنه بسهولة، بدون أن يكون له أي جهد لتغيير رأيها الذي لم يتوافق مع رغباتهِ الطامعة.
تأففت "رحيل" بضيق شديد، فرغبتها نابعة من احتياجها للطمأنينة والراحة، والبعد عن المشاكل قدر المستطاع، كفاها ما عانته من تلك العائلة التي ظلمتها دومًا؛ لكن "هاشم" لم يفهم ذلك، حدود تفّهمه وقفت لدى رغبته بضمّ كل ما ينتمي لـ آل طحان، مهما كان ذلك مكلـفـًا.
***************************************
كانت الحماسة في ذروتها، وقدميه تتسابقان في الوصول لمكان لقائهما، بعدما طلبت منه بنفسها تحديد موعد بدون أن تتهرب منه. لا يدري "مراد" كيف وصل للمطعم بهذه السرعة، قد يكون لأنه لم يتوقف عن التفكير فيها طيلة الطريق، فمرّ عليه الزمن گلحظات خاطفة دون أن يشعر. دخل للمكان معتقدًا إنها لن تكون هنا، فما زال الوقت مبكرًا عن الموعد بعشرة دقائق؛ لكن على العكس كانت تجلس هناك في زاوية تطل على منظر نيلي بديع، تحتسي قهوتها الفاتحة التي لا يحبها "مراد" على الإطلاق، سار نحوها بذلك الثبات المفتعل، حتى بلغ طاولتها الصغيرة وشاركها فيها، وهي تبتسم بتكلفٍ لم تنساه :
- صباح الخير.
نظرت "ندى" في ساعة يدها قبل أن تمازحه قائلة :
- قول مساء الخير.. الساعة ٢ ونص يا مراد!.
ابتسم وهو يشير للنادل قائلًا :
- معلش.. أنا بحب الصبح من زمان انتي عارفه.. محتاج قهوة فرنساوي من فضلك.
- حالًا، تؤمر بحاجه تانية؟.
- ميا ساقعة وتلج.
- تمام يافندم.. عن أذنك.
لم ينتظرها "مراد" حتى تبدأ الحديث عن سبب طلب اللقاء، وافتتح هو الحوار معها قائلًا :
- في دكتور عايزك تروحيله زيارة مع آ....
تنحنح "مراد" بتحرجٍ وهو يسألها :
- نسيت أسألك هو ابنك أسمه إيه؟.
ابتسمت "ندى" وهي تجيبه :
- مـراد.
حدق "مراد" فيها لوهله، لم يصدق إنها أقدمت على أمر گهذا، لقد وضعت لطفلها أسمهِ، لم تنساه أو تمحوه من ذاكرتها كما اعتقد، بل إنها فضّلت أن يكون قطعة منها بنفس الأسم، كي تتذكره دومًا ولا يغيب عن بالها ولو يوم واحد. كان شيئًا ثمينًا للغاية بالنسبة له، جعل قلبه يرفرف بسعادة لم يقوَ على سترها، فأجفلت "ندى" جفونها وقد رأت في عيناه فيض من حبها، وأرادت أن تدفن ذلك الشعور على الفور قبل أن ينمو بداخلها الأمل من جديد :
- أنا طلبت منك نتقابل عشان حاجه كده.. تخص رمزي أخويا.
كأنها لسعة كهرباء، أصابت مراكزه الحسّية فجأة لتنتشله من جمال مشاعره، ليستيقظ منها وقد بدت عليه بعض الجدية :
- آها.. ماله رمزي؟.
نظرت إليه للحظات، نظرة جعلته يتيقن من أن ما ستقوله قد يكون خطيرًا طالما إنه استرعى ذلك الصمت المتردد منها، فأصابته الجدية الحازمة وهو يكرر سؤاله :
- ما تقولي يا ندى انتي لسه بتفكري بعد ما جبتيني هنا؟.
تنهدت "ندى" وهي تسأله :
- لسه علاقتك قوية بهاشم يامراد ؟.
قطب جبينه وقد بدأ عقله يربط الأمور ببعضها البعض :
- إيه علاقة كلامنا بهاشم!.. ياريت تكلمي بصراحة أكتر.
فلم تجد "ندى" داعي من الإطالة في المقدمة التي استنزفت صبر "مراد" المحدود :
- رمزي وكاميليا بيحبوا بعض يا مراد.. مينفعش هاشم يقف في طريقهم لمجرد حبه لتمّلك كاميليا وكمان يستخدم البنت الصغيرة في التأثير على......
قاطعها "مراد" بحزم وهو يسأل :
- هو ده الموضوع اللي طلبتي نتقابل عشانه؟.
لم يختفي توترها الذي ظهر على وجهها فجأة :
- آه.
نهض "مراد" عن مكانه وهو يقول :
- يبقى ياريتني ما جيت.
أخرج ورقات نقدية من جيبه ليدفع ثمن المشروب الذي لم يهنأ بتناوله، بينما كانت تحاول هي إيقافه :
- مراد ميصحش تقوم وتسيبني كده!.. لسه تصرفاتك العشوائية زي ما هي متغيرتش!.
رمقها بنظرة حادة، قبل أن يردف بـ :
- أنا مبدخلش بين واحد وطليقته عشان أسهل دخول طرف تالت يا مدام.. أنا آسف.. افتكرتك تعرفيني أكتر من كده!.
وبالفعل غادر، بدون أن يأبه بعتابها له، تركها بعدما خاب أمله من جديد، وهو الذي ظن إنها تراجعت عن مقاومته أخيرًا، وستفتح الباب من جديد لعلاقتهم المظلومة التي لم تأخذ حقها؛ لكنها من جديد هدمت ذلك الأمل على رأسه، فخرج بدون أن يدرك إنه يسير بدون وجهه، بدون مسار، يسير عشوائيًا - كما وصفته -، وهذا كان هينًا عليه أكثر من شعوره بإنها تستخدمه وسيلة لخدمة غايات أخيها، مستهينة بالصدفة التي جمعتهم من جديد.
****************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كانت تجلس في الغرفة الفندقية الركيكة، حالما يتم تجهيز منزلهم الآخر وتنظيفه من أجل المعيشة فيه مؤقتًا، حتى تتم صيانة المنزل المحترق. تنظر حولها بإشمئزاز، وعيناها مملؤتان بالحسرة على ما أصابهم، لقد كان انتقامًا حارقًا بحقّ، لن تنساه ما حيت، سعّر النار في صدرها وأشعل رغبتها في الإنقضاض على "رحيل" لتقتلها بيديها الأثنتين. نفخت "سعاد" بزمجرة وهي تغمغم بصوت خفيض :
- آه لو بس أطولك يابنت الـ ×××××.
طرقات خافتة على الباب جعلتها تنهض لفتحه، فرأت "منال" وقد تزينت ولطخت وجهها بأدوات الزينة، وارتدت أفضل ثيابها الملونة وهي تضحك ضحكة ملأت شدقيها، ونظرات الشماتة في عيناها واضحة :
- ازيك يا حماتي.. يوه يقطعني، على طول أنسى كده!.. أزيك ياطنط سعاد عاملة إيه؟.
كادت "سعاد" تصفق الباب في وجهها وقد غلت الدماء في عروقها، لولا أن "منال" وضعت قدمها لتحول بينها وبين إغلاق الباب، ودفعته برفق وهي تقول في عتاب زائف :
- أخس عليكي ياطنط وانا اللي كنت جيالك بزيارة!.
ثم أشارت للطعام الذي تحمله وهي تقول بنبرة مائعة :
- فتة لحمة ومعاها خيرات ربنا كلها.. البلد كلها كلت منها وخدت اللي يكفيهم أسبوع، ربنا يباركله هاشم بن العزيزي أكل البلد كلها ببلاش و.....
دفعتها "سعاد" بقوة حتى ارتدت "منال" للخلف وهي تصيح فيها :
- لو ممشيتيش من هنا هموتك يا بنت الـ ××××.
وصفعت الباب في وجهها بينما الأخيرة تكاد تموت من فرط الضحك :
- ملكيش حق يا طنط هي دي كلمة شكرًا!.
ثم اقتربت من الباب وهمست بصوت مسموع :
- ولسه.. مش هتلاقوا بيت يلمكم يا عيلة و×××ـة.
وهمّت بالإنصراف وهي تحس تلك البرودة الناعمة تداعب شرايينها التي كانت تغلي بالغضب، لقد بردت نارها وخمد غضبها بعدما سارت الحكاية على ألسنة الجميع في البلدة، وتحولت سمعة العائلة لأضحوكة تمر على شفاة الجميع، الآن فقط تحققت العدالة الآلهية ونالت "سعاد" ما تستحقه، الأقامة في غرفة مهترئة في مبنى قديم يطل على الترع، بعدما جعلتها تفقد منزلها وزوجها بعنادها المتجبر، ها هي تتذوق مرارة ما أذاقته لغيرها.
****************************************
أغلق السائق حقيبة السيارة بعدما وضع فيها الأغراض الهامة، ثم نظر لسيدهِ منتظرًا الإشارة :
- تمام كده يافندم.
نزع "هاشم" نظارة النظر وهو يسأله :
- خدت نصيبك انت وعيالك من اللحمة؟
ابتسم السائق بإمتنان لإهتمام سيده :
- آه ياباشا يدوم عزك.
نظر "هاشم" من حوله يبحث عنها خِلسة :
- طب اركب انت وخليك جاهز.
ثم أشار لـ "عبير" كي يسألها :
- هي الهانم لسه منزلتش؟.
- لأ نزلت من بدري وكانت قاعدة هنا، بس شويه ولقيتها لفت ورا عند البيت الأزاز.
أومأ "هاشم" برأسه متفهمًا :
- طيب.
كانت تشاهد "عنبر"، الصقر المفضل لـ" هاشم"، يبدو عليه القوة والجسارة، عيناه الحادتين المخيفتين توحي بإنه متربصًا ينتظر الهجوم على أحدهم، بينما جناحيهِ العريضين اللذان لا يحجبهما سوى القفص كانا يلوحان برغبة شديدة في الطيران. تأملته "رحيل" وكلها رغبة في الإقتداء به، أو ربما بسيدهِ، قوية ، شديدة البأس، لا تخشى أحدًا ولا تهاب مستقبلها الغامض، لقد أصبح الخوف والقلق المستمرين عبئًا على صدرها الصغير، لم تعد قادرة على حمله أكثر من ذلك، ظنت لربما يكون ذلك الصقر هو معلمها الجديد، أو هكذا خيّل إليها تفكيرها الحيران، وسط كل المشاعر السلبية التي تعيشها الآن.
- بتعملي إيه هنا؟.
انتفضت مفزوعة وهي تلتفت إليه، فقد كان الفاصل بينهما عدة سنتيمترات معدودة :
- جيت أقف شويه لحد ما تنزل.
- طب يلا متأخرين.
قبل أن يستبقها كانت تمسك بذراعهِ ليقف كي تقول :
- هاشم.. انت زعلت مني؟.
نظر إليها صامتًا، فـ أسبلت جفونها بتحرج منه وهي تقول :
- أنا أسفة، كنت مخنوقة شويه.
كانت نظرتهِ تُقبض قلبها، گالوعيد الصامت قبل إنفجار القنبلة الموقوتة :
- آخر مرة تحصل.. لأني مش ضامن رد فعلي ممكن يكون إيه لو اتكررت تاني.
تحاشت النظر لعينيه التي ذكرتها بـ "عنبر"، كأن فيهما خصالًا من بعضهم البعض، وراقبت ابتعاده وهي تسير ببطء من خلفه، حتى وصلت للسيارة، لم يفتح بابها گالعادة أو يطمئن على جلوسها بالخلف، فأدركت إنه ربما يعاقبها أو متعمدًا تجاهلها، ليسبب ذلك ضيقها أكثر وأكثر وتمر عليها الرحلة في منتهى الصعوبة، هذا ما أراده "هاشم"، حيلة الضغط النفسي قد أتت بأولى نتائجها وبدأت "رحيل" تلوم نفسها لأنها لم تستجب لرغبة زوجها الذي يهتم بشؤونها ويحلّ عنها المشاكل والصعاب، بدأت ترى إنها مخطئة بحق، وعليها إصلاح الخطأ الذي ارتكبته بدون وعي كي يكون راضيًا عنها.
***************************************
طيلة الطريق كانت عيناه على اليمين، كأنه يشاهد الطرقات وهي تركض أمامه گجري الوحوش، لم يتحدث إليها بكلمة، لم ينظر تجاهها، ولم يعيرها أي اهتمام؛ بينما في السابق كان يغدق عليها باهتمامهِ ولطفهِ الزائد الذي اعتادت عليه، فلم يكن يسيرًا عليها أن تتقبل هذا التغير الذي تسببت فيه بنفسها الآن.
ظلت محتفظة بصمتها تجنبًا لإثارة إنفعاله، فالتحدث أمام السائق الشخصي لن يكون لائقًا الآن. وصلت السيارة أمام منزلهم، فـ فتحت الباب بنفسها بدون أن تنتظره، ووقفت لحظتين حتى ترجل هو أيضًا، ثم استبقها للداخل في خطى منتظمة، متعمدًا كل تلك الخطوات التي ستؤدي بها للوصول إلى مسعاه هو وبكامل إرادتها، بعدما بدأت مسيرة العصيان على قرارتهِ، الأمر الذي كان مرفوضًا بالكامل بالنسبة له، خاصة بعد تجربة مريرة ذاق فيها كيف تكون المرأة إذا ترك لها الرجل كامل الحرية وأرخى إليها زمام الأمور.
دخل "هاشم" وعيناه تبحث عن صغيرته التي افتقدها جدًا، وقبل أن ينادي عليها كان صوتها الرنان يصل لأذنيه وهي تقترب منه، فـ انبعجت شفتيه بإبتسامة مبتهجة وهو ينحني ليحملها بين أحضانهِ وهي تركض إليه ركضًا. ضمها لصدره برفقٍ وهو يقول :
- وحشتيني يا ليلى.. وحشتي دادي أوي.
شددت "ليلى" ذراعيها اللاتي يعنقانهِ وهي تقول :
- وانت كمان وحشتني أوي أوي.
كانت "رحيل" تقف بالخلف، تنظر للقاء الحارّ في تشوقٍ محروم، بينما أسرعت إليها "جليلة" في شوق وهي تقول :
- حمدالله على السلامة.. أتأخرتوا ليه مش كنتوا هتيجوا امبارح ؟.
لمحت "جليلة" ضمادة اليد، وترآى لها ملامح الإعياء والإنهاك على وجه ابنتها حينما اقتربت منها، فـ شحب وجهها وعيناها تتفحص معالم وجه ابنتها قبل أن تسألها متوجسة :
- إيه اللي حصل؟؟.
ثم وجهت أنظارها نحو "هاشم" وكأنها تعيد السؤال، فأردف بدوره :
- متقلقيش ياهانم موضوع وخلص.. رحيل هتحكيلك فوق في أوضتها.
كأنه إيحاء لها، كي تصطحب والدتها للأعلى وتختلي بها ثم تقصّ عليها التفاصيل، فـ استجابت "رحيل" لرغبته وتقدمت بخطاها :
- تعالي يا ماما هفهمك.
داعب "هاشم" وجنتي "ليلى" وهو يسألها عن حالها :
- عملتي إيه وانا غايب يا روح قلب دادي؟.
تحمست "ليلى" وارتفع الأدرينالين في دمائها، مستعدة لأن تحكي كل شئ لوالدها العزيز :
- حاجات كتير أوي.. تعالى معايا أوضتي وانا احكيلك، ناناه جليلة جابتلي لعب حلوة أوي، وورق كتير أرسم فيه وألوان، وكور ملونة كمان.
وأخذت تسرد بعشوائيتها تلك إلى أن وقع لسانها بالحقيقة التي حذرتها "جليلة" بألا تحكيها، رغمًا عنها وأمام جاذبية أبيها وقدرته على استخراج الكلمات من لسانها عجزت عن الأحتفاظ بالسر الخطير، وهي لا تعلم ماذا سيكلف هذا!.
تلقى "هاشم" المعلومة بدون أن يثير أية ضجة أمام الصغيرة، كأنها لم تحكي شيئًا، بينما صدره يغلي غليان مسعّر، فقد ساعدت تلك السيدة على وجود طليقته هما والإنفراد بـ ابنته التي تركها لها أمانة، والأدهى من ذلك إنها تحاول أن تدس الأمر بمساعدة الخادمة و "ليلى" التي لا تعي شيئًا مما يدور حولها.
غادر "هاشم" غرفة الصغيرة، وهو لا يشعر بإنها من خلفه بخطواتها الرشيقة، صوت دقات قلبهِ المندفعة بإنفعال جعلته يغفل عن وجود "ليلى" خلفه، ليتصادف مع ذلك مناداتهِ للخادمة بصوتهِ الجهوري :
- حِـــراء!.
حضرت بين يديه خلال دقيقة واحدة، فـ زجرها بنظرة مستشيطة لن تنساها أبدًا، قبل أن يسألها بحزم صارم :
- انتي معايا بقالك قد إيه؟.
أحست "حِراء" بأن الأمر جمّ خطير، وإنه متعلق بتلك الزيارة التي لم تحكي عنها شيئًا، ورغم إنها حاولت أن تداري خوفها إلا إنه كان متفشيًا على ملامحها :
- ١٣ سنة!.
بات صوته مشحونًا بكثير من الغضب، وهو يسألها في عصبية مفرطة :
- كل السنين دي ومتعلمتيش إني محبش حاجه تحصل من ورا ضهري؟؟.
أصبحت متأكدة إنه علم بالأمر، فـ اتخذت الطريق الأسهل وقدمت الإعتذار قبيل أن يحكم عليها :
- حقك عليا يا باشا.. والله كلمتك يوميها مردتش عليا.. أعمل إيه بس؟.
كان جوابه على سؤالها قاطعًا، لا يحمل أي احتمال للتغيير :
- تلمي حاجتك وتغوري من هنا.. مش عايز أشوف وشك تاني ومن غير ولا كلمة، وقبل ما تمشي تبعتيلي شريكتك عشان تاخد حظها هي كمان.
كانت "ليلى" قد اختبأت في خوف بجانب الدرج، بعدما رأت إنفعال أبيها الذي لم تراه من قبل، وقد حجبه عنها مرارًا وتكرارًا، هي فقط الوحيدة التي رأت وجهه الناعم ودلاله المفرط، والآن قد رأت وجهه البشع الذي يخلو من أي تعبير من تعابير الرحمة. ظلت تشاهد من بعيد حتى رأت والدها يختفي بداخل غرفة المكتب، وقد ترك الباب مفتوحًا تمهيد لحضور "جليلة" أيضًا، فـ انتظرت "ليلى" بتصرف تلقائي غير مدبر، حتى رأت "جليلة" وهي تقترب من الباب وتدخل، ليفاجئها "هاشم" بوابل من الكلمات الحادة التي من وسعها أن تنهي العلاقة بينهما للأبد، والتي لم تتحملها "جليلة" بتاتًا، وهي إمرأة حرّة عاشت طيلة حياتها لا تطلب سوى احترام الجميع. رمقتهُ "جليلة" مذهولة، لأول مرة ترى هذا الوجه المرعب، وتسمع لتلك الكلمات الحادة، من رجل ظنت يومًا إنه راقي ومهذب أكثر من اللازم؛ لكن ذهولها لم يدم طويلًا، وسرعان ما حاولت الدفاع عن نفسها وعن الموقف الذي اتخذته في الوقت الذي كان فيه غائبًا :
- أسمع.. أنا مسمحلكش تكلمني باللهجة دي.. أنا مش حارس من حراس بيتك هتؤمرني وأنا عليا الطاعة، أنا هنا ضيفة وعليك تحترمني.
لم تتغير معالم وجهه الحانقة وهو يقول :
- والله الضيف ميجيبش ضيوف تاني في مش ملكه.. ومكنش من حقك تستضيفي واحدة انتي عارفه عداوتي معاها.
خشن صوتها الناعم، وصدر من صدرها قويًا عاليًا وهي تصيح في وجهه بدون أن تأبى لشئ :
- مش مشكلتي.. حل مشاكلك بعيد عني وعن بنتي، ومن بعد النهاردة أنا ماليش مكان هنا.
كأنها تعابير محتقرة، غزت ملامحه بدون شعور :
- أوعي تكوني فاكراني همسك فيكي!.. مع السلامـة.
لم تنتظر دقيقة أخرى، وكانت تهرب من غرفته وهي تتماسك بأقصى قواها لئلا تنهار أمامه، لكي لا تبكي على الإهانة التي شعرت بها منه، غير شاعرة بالطفلة التي رأت وسمعت كل شئ، وتوّجع قلبها الصغير لما رأته ومازال الذهول مسيطرًا عليها.
ركضت "ليلى" لغرفة المكتب التي مازالت مفتوحة، فرآها "هاشم" الذي حاول أن يتستر على غضبه في تلك اللحظة بصعوبة شديدة :
- لوليتا!.. إيه اللي نزلك من أوضتك؟.
تجاهلت "ليلى" سؤاله وقد بدا صوتها متحشرجًا ينذر بالبكاء :
- انت هتسيب حِراء وناناه جليلة يمشوا؟؟
كبح "هاشم" جماح عصبيته وهو يبتسم في وجهها ويقترب منها قائلًا :
- أنا هفضل قاعد معاكي وهنلعب كتير أوي مع بعض.. وكمان رحيل معانا.
انفجرت "ليلى" بصراخ طفولي، غير قادرة على تقبّل ما يحاول "هاشم" إقناعها به :
- أنا مش عايـزة أقـعد مـعاك.. انت مش بتحـبني.. انت خدت مني كل الناس اللي بحبهم.. مامي وناناه هداية وحِراء وناناه جليلة، أنا مش هقعد هنا أنا همشي مع ناناه جـليلة.
وركـضت من أمامـه ركضًا سريعًا، بينما لم يدرك هو إلى أي نقطة وصل تعلق "ليلى" بـ السيدة "جليلة"، تلك الوحيدة التي عوضتها غياب "كاميليا" وملأت ذلك الفراغ قليلًا، والآن عليه أن يواجه توابـع أفعالهِ، التي وصل تأثيرهـا لابنتـه الوحـيدة "ليلـى"...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"لعنة الحُب إذا أصابت، نفذت."
____________________________________
كانت كلمات الصغيرة گالسهام النافذة في أعماق قلبهِ، قلبه الذي لم يحب أحد بقدرها في الدنيا أجمع، الآن وقد أعلنت العصيان عليه أصبح گالخواء، يشعر بفراغٍ متألم لما سمعه منها ولم يتخيل يومًا أن طفلة في عمرها قد تفكر هكذا.
ركضت "ليلى" بعدما رمت بكلماتها الجلّادة في وجهه، فـ ظل "هاشم" قرابة العشر ثواني يحاول استيعاب ما قالته بعجزٍ شديد، ثم هرع إليها ليتدارك الأمر قبل أن يفقد السيطرة عليه بالكامل. كانت في غرفتها، تجمع ملابسها على الأرض بفوضوية وكأنها بالفعل ستغادر تنفيذًا لتهديدها؛ فتنهد "هاشم" وهو يدنو منها بحذر، ثم جلس على الأرض بجوارها أمام خزانة الملابس، ليعاتبها في لطفٍ وصوتٍ ناعم مرتخي :
- كده عايزة تمشي وتسيبي دادي لوحده يا ليلى؟.. هونت عليكي.
كانت تعابير وجهها الغاضبة توحي بأن كلماته لم تؤثر فيها، بل إنها ضاعفت من مشاعرها السلبية تجاه تصرفه :
- اشمعنا ناناه جليلة هانت عليك، وأنا كمان هونت عليك انت عارف إني بحبها.
تحامل "هاشم" على نفسه لكي لا يخسرها تمامًا، وتماشى مع عقليتها الصغيرة لعل ذلك يؤتي بثماره :
- حببتي هي اللي عايزة تمشي، أعملها إيه؟.
قدمت "ليلى" حل بسيط وسهل؛ لكنه بالطبع لم يكن بتلك الصورة اليسيرة بالنسبة له :
- قولها l'm sorry وهي هترجع في كلامها وتفضل معايا.
اتسعت عيناه قليلًا، فقد فاقت "ليلى" حدود تخيله، كأنها كبرت عن عمرها أعوام أخرى وهو لا يشعر، وطلبت منه أمرًا استصعبه :
- بس انا مش غلطان في حاجه.. هي اللي اتصرفت غلط والمفروض كانت تعتذر عن الـ......
تشنجت "ليلى" وهي تنهض عن الأرض، فاقدة الأمل في أن يرضيها حديث والدها :
- خلاص يبقى سيب ليلى تمشي هي كمان.. أنا مش هقعد هنا من غير ناناه جليلة وحِراء.
تأفف "هاشم" وقد بدأ يضيق ذرعًا؛ لكن بدا الأمر يستحق التفكير، خاصة وأن تواجد "جليلة" حتمًا سيرتبط بمكوث "رحيل" بدون أي ضغوط أو عكوسات أخرى. نهض "هاشم" ولحق بالصغيرة ليدبر محاولة قد تكون ناجحة :
- طب هتفق معاكي اتفاق.
نظرت إليه الصغيرة بتركيز، كأنها تأهبت لسماع اقتراحهِ :
- أنا هحاول بس انتي ساعديني.. إيه رأيك ؟.
استغرق الأمر منها بضعة ثواني للتفكير، قبل أن ترد عليه :
- موافقة.. بس لازم تعتذر، الغلطان لازم يعتذر مامي قالت كده.
كتم "هاشم" تأففًا منزعجًا وهو يرضخ لرغبتها، وسرعان ما انتقل لغرفة "جليلة" من أجل استرضائها، لعلها تقبل بتغيير رأيها والمكوث هنا، بعدما تسبب لها "هاشم" بحرج كبير. طرق بابها لتأتيه الإجابة بالدخول، فدخل إليها وفي أعقابهِ "ليلى"، ليجدها بالفعل قد بدأت ضبّ الأغراض في حقيبتها. نظرت إليه "جليلة" بإستفهام، قبل أن تسأله برسمية لم يعتادها من تلك السيدة الناعمة اللينة :
- خير.. في أي أوامر تاني قبل ما أمشي؟.
لم يعطي "هاشم" الصمت فرصة، ودنى منها خطوة وهو يقدم خالص اعتذاراتهِ :
- آنا آسـف يا هانم.. مش فاهم إزاي الحوار بينا أتحول فجأة للمنحنى ده، أتمنى تقبلي اعتذاري.
كان ردها جامدًا خاليًا من معالم الرضا :
- حصل خير.
وتابعت إغلاق حقيبتها وكأن اعتذاره غير كافي لتمكث معهم مجددًا، فتدخلت "ليلى" بدورها وفي صوتها نبرة الحزن بينّة:
- خلاص ياناناه جليلة دادي اعتذر رجعي الشنطة.
أجبرت "جليلة" نفسها على رسم بسمة خفيفة لكي لا تحزن الصغيرة، ثم هتفت برفضٍ :
- معلش يالولي مش هقدر أقعد أكتر من كده.
بدأت الدموع تتجمع في مقلتي "ليلى"، غير قادرة على تحمل هذا الفراق المقدّر عليها :
- خلاص خديني معاكي.. انا قولت لدادي مش هقعد هنا لو مشيتي، هاجي معاكي.
الآن فهمت "جليلة" سبب مجيئه للإعتذار، يبدو أن "ليلى" ضغطت عليه كثيرًا، وإلا ما تنازل وأتى حتى عتبة غرفتها. انحنت "جليلة" عليها تمسح على وجهها برفقٍ حاني وهي تقول :
- أنا هجيلك على طول وانتي كمان تعالي مع رحيل لما تيجي تزورني.
رفضت "ليلى" رفضًا قاطعا متعنتًا وهي تضرب الأرض بقدميها :
- لأ لأ لأ.
لم يحب "هاشم" تورط صغيرته في أعمال الإستعطاف وشحذ المحبة، فـ سحبها من يدها إليه، وانحنى إليها ليقول :
- روحي أوضتك يا ليلى وانا هتصرف.
نظرت إليها بعينها الدامعة التي تذبح في قلبه، فأكد إليها مجددًا إنه سيفعل ما تريد :
- متقلقيش، دادي دايمًا يوفي بوعوده.
أومأت رأسها بخيبة أمل، ثم جرت قدميها الصغيرتين وخرجت، كي تواجه "رحيل" في طريقها، والتي انحنت عليها لتحملها بعطفٍ وهي تسألها مذهولة :
- مالك ياليلى؟ مين مزعل القمر؟.
أطرقت رأسها في حزن وهي تشرح بها بإستفاضة طفولية :
- دادي زعل ناناه جليلة وعايزة تمشي وتسيبني.
حدقت "رحيل" وهي تستمع لأخبار لم تكن على دراية بها، فـ منذ عودتها وهي تجهز الخزانة وتعدّ المسبح لكي ينعم بحمام هادئ، بينما هو يفسد الأجواء بالخارج وهي لا تدري شيئًا.. تابعت "ليلى" وهي تشير ناحية الغرفة :
- وهو عندها دلوقتي عشان يقولها متمشيش.
أومأت "رحيل" رأسها بتفهم وهي تنظر للباب المغلق، ثم تحركت من أمامه وهي تقول :
- طب تعالي احكيلي اللي حصل كله.. و متخافيش أنا هخليها تفضل معانا لو دادي مقدرش يقنعها.
أغلق "هاشم" الباب، فكان لا بد من إيجاد المنفذ الذي من خلاله سيقنعها بالإستمرار في المعيشة هنا، بجانب إلحاح "ليلى" المستمر بالطبع.
أشار إليها "هاشم" لتجلس على الأريكة الجانبية، ثم جلس قبالتها على طرف الفراش وهو يذكرها بلمحات من الماضي الذي سيعيد لذهنها ماذا فعل من أجلهم -كما يزعم- :
- احنا بشر زي ماانتي عارفه ياهانم، وكلنا مليانين أخطاء.
حاولت أن تقاطعه لكنه أشار إليها ليتابع :
- من فضلك خليني أكمل.. أنا عارف إني لما بفقد أعصابي بكون إنسان تاني خالص، واحد محدش يعرفه، ويمكن ده أسوأ عيوبي.. بس انا قبلت أقف في وش النار عشان رحيل وعشان حضرتك وده كان أكبر عيب فيها هي كمان، إني أخلق لنفسي عدو من الفراغ لمجرد إني أحميكم، ومع ذلك قبلت، لأننا مش كاملين، ومطلوب مننا نتحمل بعض بعيوبنا عشان نعدي.
ضاقت عينا "جليلة" مستنكرة حديثه، وبالأكثر عن تقديمه يد العون لهن في أوقات الحاجه :
- يعني نهزأ بعض بأسم رد الجميل!؟.
- أكيد لأ ياهانم، أنا بعتذرلك تاني عن أسلوبي وعارف إن الخطأ كبير، أنا بحاول أفهمك إني زيي زي أي حد مش ملاك يعني.. أتمنى تقبلي اعتذاري وأنا كمان هقبل رغبتك أيًا كانت، بس من فضلك تفكري في ليلى اللي اتعلقت بيكي أكتر مني أنا شخصيًا، عن أذنك يا هانم.
كان ودودًا لطيفًا كما عهدته في السابق، لا ينتمي أبدًا لذلك الوجه الذي رأته عليه منذ قليل وكان صادمًا لها، ورغم عدم رضاها عن فكرة الإستمرار في العيش هنا، إلا إنها تفكر في الأمر من أجل "ليلى" و "رحيل" ، ابنتها التي عادت من الموت مؤخرًا بعدما حيكت لها مؤامرة لعينة كادت تودي بحياتها للهلاك، هي الآن تحتاج "هاشم" أكثر مما يحتاجها، إن كانت الحياة تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة فقد فازت "رحيل" من وجود "هاشم" أكثر من فوزه هو، هذه هي الحقيقة التي تدركها "جليلة"، بدون أن تشعر إنهن محطّ أطماع ابن العزيزي، وإنه يحتاجهن بالأكثر وليس العكس كما تظن هي.
***************************************
اختلى بنفسه في غرفة المكتب، مستثقلًا التنازلات التي قام بها من أجل ابنته مؤخرًا، من اعتذار لـ "جليلة" وإجبار "حِراء" على عدم الرحيل، هذا ليس هو، وإنما ابنته أجبرته على أن يكون شخص آخر من أجل استرضائها.
طرقات على الباب سلبته من أوج تفكيره، فـ التفت بمقعده المتحرك وهو يسمح بالدخول :
- أدخل.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخلت "رحيل" إليه متهادية الخطى، فأشاح عيناه عنها مصممًا على نفس موقفهِ، حينئذٍ دنت منه إلى أن أصبحت أمامهِ، وجلست القرفصاء عند ساقيه قبل أن تسترسل في الحوار :
- قبل ما أعرفك حياتي كانت في حته تانية، بعد ما اتحرمت اني أكمل تعليمي مبقتش فارقه معايا حاجه، كنت راضية، عايزة اليوم يعدي عشان ييجي غيره.. في وسط ظلم عمي لينا بعد ما بابا الله يرحمه مات ملقتش حد يرحمني غير حسن، مع إنه كان ناشف معايا، بس عمره ما ظلمني، قولت لنفسي أهو أحسن الوحشين، ورضينا على أمل إن الحق يترد لأصحابه.
كان يستمع إليها بإصغاء، يقرأ الكلمات التي تملأ عيناها ولا تنطقها، يشعر بالمأساة التي عبرت خطوط وجهها حتى انتقلت إلى لسانها، منتظرًا النتيجة التي سيثمر عنها ذلك الحديث :
- إنت الوحيد اللي اديتني حريتي، لما شوفتك قدامي قوي وبتاخد الحق بدراعك أنا كمان استقويت، حسيت إن ضعفي مبقاش لايق عليا وانا جمبك، وإن حقي اختار وأقرر، كنت عايزة اتعلم منك إزاي أدوس على الظالم وأعدي من غير ما ضميري يوجعني، يمكن عشان كده قولت لأ، رفضت إنك تاخد القرار بالنيابة عني، ونسيت إنك أنت اللي وصلتني هنا ولولاك كان زماني لسه محبوسة هناك.
قبل أن ينطق بكلمة اعتراضية كانت تسبقه بالقول :
- عارفه إني غلطانة، ومش جايه أبرر، أنا جاية اعتذر، واطلب منك تشاركني في القرارات اللي تخصني، متبقاش عليا زيهم وترجعني لزمن كرهت العيشة فيه، ساعدني أخرج من حبسي ياهاشم، متحبسنيش زي ما هما حبسوني.
رأى تلك العبرة التي تقف على طرف أهدابها، فـ تناولها بإبهامهِ قبل يمسح بكفهِ الكبير على خدّها، ثم رفعها عن الأرض ونهض هو أيضًا إلى أن أصبحت قبالتهِ، تكاد تكون لصيقة به، حسس بأصابعه على موضع جرحها فتآوهت بتألمٍ، فأبعد يده وهو يسألها :
- غيرتي على الجرح لما رجعنا؟.
هزت رأسها بالنفي وقد بدأ وجهها يستعيد إشراقته، فـ سحبها إليه ليقول في صوتٍ ذا مغزى :
- طب تعالي، أنا هغيرلك عليه بنفسـي.
وساقها معه لغرفتهم، من أجل أن ينسيها جفاء الساعات الماضية، ولأنها بادرت بإسترضائه أكثر من مرة، فكان عليه أن يقبل بالمبادرة وألا يزيد من جرعة العقاب لكي لا تعتاد بعدهِ، فيخسر تأثيرهِ الطاغي عليها.
*************************************
ارتشفت "صباح" آخر رشفة في فنجان القهوة المُرة، تلك التي تتلذذ بمرارتها التي تترك أثرًا في حلقها قد يدوم لساعات؛ لكنه دومًا يذكرها إنها عاشت مرارًا أضعاف ذلك. تركت الفنجان جانبًا وهي تمد ساقها المغطاة بالملحفة السوداء، وهي تعتلي العريشة الضخمة المصنوعة من الخوص، التي صنعها كبير بيت حبش منذ سنوات طويلة، وتوارثتها الأجيال من العائلة رجلًا يليه رجل، إلى أن جلست عليه "صباح" سيدة بيت حبش، حتى يبلغ ولدها الأكبر السن المحدد ليرث ملك أبيه، ملك بيت حبش.
هرولت الشابة الصغيرة نحوها، كانت فتاة لم تتجاوز العشرين من العمر، ممسكة بورقة مطوية بين أصابعها، حتى وقفت بين يدي سيدتها وهتفت بـ :
- چيبتلك رقم المحمول بتاعها، أهو.
تناولته منها ونظرت إليه مليًا، قبل أن تسألها :
- تفتكري هتعصاه وتبيعلي؟.
- والله مش هنخسر حاچه لما نچرب، إحنا اللي يهمنا الدكاكين.
قبضت "صباح" على الورقة بين يديها وكأنها تدسها، ثم سألت والنهم جليًا في لمعان عيناها :
- وحمدي؟؟ عمل إيه؟.
ابتسمت الفتاة متشفية، وكأن الشماتة تحوم فوق رأسها بسعادة :
- نقلوا للبيت التاني اللي في الجهة القبلية، والعمال شغالين ليل نهار عشان يقوموا البيت الكبير من تاني، بعد ما النار نهشته كله.
نهضت "صباح" عن جلستها والإبتسامة تزين محياها، كأنها تريد الإستفادة من الموقف العصيب لتُظهر شماتتها :
- واچب برضو نبعتلهم العشا، اختاري أصغر عنزة من الزريبة، وشيعيها "أبعتيها" مع حد من الرچالة، ويقولهم ست صباح بتمسي، ولو عايزين فطور كمان نبعت.
تطايرت الفتاة من السعادة، وركضت لتلبي أمر سيدتها، فهي أيضًا إحدى ضحايا "حمدي" وأولاده، وقد توفى زوجها أثناء العراك الذي نشب بطلقة طائشة من سلاح "حسن" وهو يدافع عن أخيه الأصغر "حسين"، وعزائها الوحيد أن "حسن" أيضًا قد مات تاركًا خلفه زوجتهِ تنعيه وتبكي عليه.
أمسكت "صباح" بهاتفها ودوّنت الرقم فيه كي يكون محفوظًا لديها، ثم أعادته في جيبها قبل أن تدخل للداخل، وهمست بصوت بالكاد سمعته آذنيها فقط :
- ياريت تصيب والبت دي هي اللي تسلمني يد حمدي الطويلة عشان أقطعها.
**************************************
كان صباحًا مشمسًا، درجات الحرارة معتدلة، ونسمة الهواء العليلة تداعب أطراف حجابها العصري يمينًا ويسارًا، وقد تركت نافذة السيارة مفتوحة ليتجدد الهواء وتستمتع بعبق الصباح.
انتبهت "رحيل" لوالدتها التي كانت تتحدث إليها في السيارة، فـ التفتت إليها تلقائيًا :
- أيوة يا ماما بتقولي حاجه ؟؟.
كانت "جليلة" جادة جدًا، ولم تستطع التخلص من تأثير غضبها بالأمس، رغم قرارها بإستمرار العيش مع ابنتها ومع "ليلى" التي تعلقت بها أكثر من أي أحد آخر :
- بسألك اتكلمتي معاه في حاجه؟.
أومأت "رحيل" برأسها نفيًا، وبدت علامات عدم الرضا على تعابيرها :
- لأ.. سمعت كلامك ومفتحتش سيرة عن اللي حصل امبارح.
ربتت "جليلة" على فخذها وهي تقول :
- كويس.. مش عايزاكي تعكري حياتك بسببي، أنا بعرف أصرف أموري كويس.
وصل بهم السائق أمام البناية الفخمة في الشارع الراقي، ثم ترجل ليفتح بابها :
- اتفضلي ياهانم.
هبطت "رحيل" عن السيارة وهي تقول :
- أنا هطلع للدكتور أخلص وانزل على طول.
عرض عليها السائق :
- طب أركن وأطلع مع سيادتك!؟.
- لألأ مفيش داعي.. دي عيادة خاصة وانا جاية أطمن على الجرح بس، شكرًا.
استبقته هي ووالدتها للداخل، استقلت المصعد إلى الطابق الرابع، ثم هبطت عنه للدور المطلوب، نظرت "جليلة" من حولها لتقول في دهشة :
- هو فين الدكتور ده؟ ؟.
- فوق في السابع يا ماما.
قطبت "جليلة" جبينها وهي تسألها :
- وإيه اللي جابنا الرابع يا رحيل!.. كده تتأخري على معادك يا بنتي.
أشارت "رحيل" إلى مقر بيع وإيجار العقارات الذي أتت من أجله، ثم بررت لوالدتها سبب مجيئها السري هنا :
- إحنا جايين عشان نشتري شقة لينا، لازم يبقى في سكن منفصل بتاعنا ياماما.
كانت فكرة رائعة، لم تخطر على ذهن "جليلة"، حتى في وسط أذمتها وقرارها بالخروج من منزل "هاشم" لم تعلم إلى أين وجهتها ولا تملك منزلًا هنا. أطرقت رأسها هنيهه تفكر، قبل أن تسألها :
- وجوزك ؟.. يعرف؟.
- لأ، ومش لازم يعرف ياماما.
كأنها وجدت لنفسها سببًا لكي تخطو خطوات مجهولة لا يعلم عنها شيئًا، غموضهِ وإزدواجية تصرفاتهِ تجاهها دفعتها لأن تؤمن نفسها ضد أي بادرة غدر، خاصة وإنها بدأت تشعر حيالهِ بمشاعر الزوجة لزوجها، بدأت تألفه وتعتاد وجوده، بدأت تعتمد عليه كُليًا؛ لكن أمام تصرفه ضد والدتها وجدت نفسها مجبرة على تأمين حياتهم، وألا تترك نفسها وأمها في مهبّ الريح، هذا أمانها الوحيد، لكي لا تتكرر المأساة مرة أخرى، لكي لا تكون مسـتعبـدة من جديد.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"وسـيلة مـشروعـة"
____________________________________
كان يشعر وكأن حلقهِ گالأرض البور، مهما روى ظمأه لا يشبع، ومهما شرب الماء لا يرتوي، وتلك الحرارة الملهبة التي تنبعث من صدرهِ تشعره وكأن حريقًا يلتهم أحشائه. ظلت عيناه مفتوحة هكذا، لم يتذوق للنوم أي طعم، يجلد ذاتهِ ونفسهِ التي انصاعت من جديد لأمور الغرام الذي ظنه انقضى، وقد ظهر في حياته من جديد بين ليلة وضحاها گشبح غريب لم يتعرف عليه، وإذا به يُفاجأ بإنه سيكون درجة من سلم الوصول لهدف آخر، كأنها لم تراه، ولم تتأثر بعودتهِ في حياتها، هو فقط الذي ترك العنان لساقيه حتى قادته للمنحدر، المنحدر الذي رأى فيه نفسه يُستغل فقط.
مرت عدة ثواني على رنين جرس الباب، تجاهله عمدًا إلى أن رأى الألحاح والإصرار الشديدين من الزائر، فـ اضطر مرغمًا على ترك فراشه الذي لم يتركه منذ الأمس، وراح يفتحه بيأسٍ وإنعدام رغبة، ليرى "هاشم" أمامه وعلى وجهه معالم الإمتعاض واضحة :
- طالما صاحي سايبني على الباب ساعة ليه؟؟.
أولاه "مراد" ظهره ودخل وهو يقول بصوت مهزوم :
- مش قادر أقوم.
دخل "هاشم" وصفق الباب من خلفه :
- السكرتارية بلغتني إنك أجازة أسبوع!.. أول مرة تعلمها في حياتك في إيه؟؟.
ارتمي "مراد" على الأريكة وذراعيهِ مرفوعتان نحو مسند الظهر :
- محتاج أبعد عن الناس، وحجزت طيارة بكرة رايحة على تركيا.
لم يصدق "هاشم" الحالة التي يرى عليها ابن عمهِ، هذه المرة الأولى التي يحس فيها بضعفهِ وقلة حيلتهِ، حتى عندما هجرته حبيبة عمره لم يصل لتلك الحالة، كان مثابرًا عنيدًا حينها؛ لكنه الآن يرى شخص لا يعرفه، مستسلم للهزيمة تاركًا نفسه لمهبّ الريح يعصف به كيفما يشاء.
جلس "هاشم" بالقرب منه، وسأله بتشكك :
- هي مشيت تاني؟.
أشاح "مراد" بوجهه يمينًا وهو يقول :
- ياريتها ما ظهرت.. كنت خلاص اتعودت على الوحدة وقطعت الأمل!.
تأفف "هاشم" وقد نفذ صبره، غير مقتنع بتلك المهزلة التي صنعها وهم الحب في رجل گالجبل مثل "مراد" :
- أنا مش مصدق إن واحد زيك في دماغك وقوتك يهزمه الحب!.
لمعت عينا "مراد"، وفي قلبه وخزة تقطع في جوفه :
- بكرة تجرب وتعرف، يعني إيه يكون للإنسان نقطة ضعف والحياة تمسكه منها.
- مش عايز أجرب حاجه.. الملك هو اللي يعيش عيشتي، ولا يفرقله ست راحت ولا ست جت.
ثم نهض عن مكانه قائلًا :
- قوم معايا ورانا حاجات، أنت نسيت مؤتمر شرم الشيخ وشغلنا اللي داخلين عليه وبنجهزله؟!.
لم يحرك "مراد" ساكنًا وهو يجيبه بنفس انعدام الشغف :
- مش عايز أروح في أي حته، أنا هنزل من هنا على المطار.
ثم وقف عن جلسته ليمشي بإتجاه غرفة النوم :
- أقفل الباب وراك وانت نازل.
وأغلق الباب من خلفهِ بينما عينا "هاشم" المعترضتين عليه إلى أن اختفى، فـ انسحب هو أيضًا ومزاجه قد تلوث بالفعل، كي يواجه يومًا سيكون سئ لا محالة، فـ بداية اليوم هي التي تنبئ بنهايته -كما يعتقد-، وهو بدأ يومه بشكل غير مرضي بالمرة.
**************************************
وصوله لمقر الشركة لم يستغرق سوى ثلث الساعة، صعد للطابق الذي يحتوي على مكتبهِ وعقله لدى "مراد"، حتى لحقت به السكرتيرة وهي تبلغه في عجالة:
- آ.... المدام في المكتب عند حضرتك من بدري، أنا حاولت أفهمها إن ممنوع الـ......
توقف عن السير والتفت إليها يرمقها بإنفعال، فـ ابتلعت باقي كلماتها وهي تجفل جفونها خشية بطشهِ الصباحي الذي يقدر بثلاثة أيام خصم على الأقل :
- مدام مين!؟.. ومين سمح إنها تدخل مكتبي وانتي لازمتك إيه!؟.
تماسكت بصعوبة وهو تجيب :
- المدام زوجة حضرتك، لما قالتلي إنها مراتك مقدرتش أمنعها تدخل المكتب و.....
- حسابنا بعدين.
قاطعها مشيرًا بأصبعه كي تقطع حديثها، ثم شقّ طريقهِ للمكتب وقد تلاعبت الظنون برأسه، والتخمين الأكبر كان بإتجاه "كاميليا"، لم يخطر بباله أبدًا إنه سيرى "رحيل" عندنا يفتح الباب، واقفة أمام النافذة المطلة على الشارع الرئيسي بأحد المناطق الراقية المخصصة لمباني الشركات والإدارات:
- رحـيل!!.
التفتت إليه، كانت حسناء بحق، يبدو إنها ابتاعت الملابس الجديدة واهتمت بالذهاب لمركز تجميل، بدا وجهها مشرقًا وجميلًا أكثر من كل مرة، وهي تبتسم إليه بوداعةٍ قائلة :
- صباح الخير.
تقدم منها بخطوات متأدة وهو يسألها :
- جيتي هنا إزاي؟؟.
- السواق هو اللي جابني، قولتله ميقولش حاجه عشان المفاجأة متبوظش.. عجبتك المفاجأة ؟.
أجبر نفسه على أن تشق إبتسامة باهتة محياه، وهو يلمس وجنتها المحمرة قائلًا :
- أكيد.. انتي والمفاجأة أحلى من بعض.
ثم أمسك بيدها يساعدها على الدوران في مكانها وهو يتأمل طاقمها الجديد :
- اشتريتي هدوم جديدة ؟.
أومأت رأسها وهي تتحسس حجابها الحريري الأنيق لتقول :
- هدوم وجزم وطرح.. جيبت حاجات كتير أوي.
- تتهني بيهم.
خللت أصابعها بين أصابعه وعيناها تستحي النظر إلى عينيه التي تفحصها :
- جيبتلك حاجه انت كمان.. غمض عينك.
أغمض عيناه وهو يستمع لصوت حقيبتها التي تفتحها، ثم صوت حذائها وهي تقترب منه من جديد، أمسكت بيده وكأنها تضع في أصابعهِ خاتمًا، فـ فتح عيناه ونظر بفضول إلى يسراه، فإذا به خاتم زواج فضي أنيق (دبلة) محفور عليه أسميهما بشكل عربي مزخرف، وقد كان مناسبًا تمامًا لمقاسهِ. تلألأت نظراتها بحماسة وهي تسأله :
- إيه رأيك ؟؟.. أنا لقيتك مش لابس دبلة قولت إجيبهالك بنفسي.
تحسسها بإبهامهِ وكأنها لم تعجبه كثيرًا، ليقول بمجاملة:
- حلوة، شكرًا علشان فكرتي فيا.
ثم تحرك نحو مقعده في خطوة مفاجئة لها، وهي التي ظنت إنه سيقابلها بالعناق والأحضان!. خاب ظنها، وكافحت كي لا يظهر ذلك على وجهها الرقيق الآن، ثم جلست في مقابلته وهي تسأله :
- هو احنا ينفع نتعشى برا النهاردة؟.. أنا عمري ما خرجت معاك لوحدنا من وقت ما اتجوزنا.
لحظتين وهو ينظر إليها گالذي يفكر بالأمر، حتى ظنت إنه سيرفض، ليملأ الحزن تعابيرها فجأة؛ لكنه أزال تلك التعابير بكلمة واحدة منه :
- ماشي ، جهزي نفسك انتي وليلى نروح نتعشى برا النهاردة.
أشرق وجهها من جديد، ونهضت من مكانها بحيوية گعصفور يطير من قفصهِ نحو الحرية :
- خلاص أنا هروح دلوقتي على طول يدوب أجهز نفسي وأجهز ليلى.
نظر في ساعته بفضول ظنًا أن الوقت قد أزف :
- الساعة لسه مجتش واحدة!.
- ده يدوب ألحق.
ثم دنت منه لتطبع بشفاهها على خدهِ قبل أن تقول :
- سلام.
- سلام.
نظر لوجهه عبر المرآة الصغيرة لئلا يكون أحمر الشفاه خاصتها قد ترك أثره على وجهه، فلم يجد له أي أثر، فأمسك بهاتفهِ واتصل بالسائق قبل أن تصل هي إليه :
- أيوة يا حيوان.. تاني مرة تبلغني رايح فين وجاي منين بالهانم، مش تمشي بيها على مزاجك وانا آخر من يعلم.
ثم أغلق الهاتف وألقاه على سطح مكتبه، ليحس بالإختناق وهو يرى دبلتها في أصبعه، فنزعه من يداه ووضعه في جيب بنطاله، قبل أن ينشغل بأي عمل آخر ويسهو عنه.
***************************************
كان المجلس مجتمعًا في منزل آل "الصاوي"، بعدما عزم "عدنان الصاوي" إعلان زيجة ابنته من ابن عمها "عمرو"، تنفيذًا لرغبة "منال" التي وافقت على عرض الزواج الذي قدمه "عمرو" لها، وقد كان شغوفًا بحبها منذ زمن، فتحقق حلم الطفولة وأتى اليوم الذي سيتزوج فيه من حبيبة الصبى ذات الجدائل السوداء الناعمة" منال"، ليحقق أملًا قد نسى إنه حلم به يومًا.
علت الزغاريد وبدأ الجمع يهنون ويؤيدون الزواج، بينما قاعة النساء يهللون ويمرحون، وهي بينهم ترسم على وجهها أحلى تعابير السعادة، وفي صدرها شماتة واضحة وسرورًا من إنها قد أخذت انتقامها من طليقها اللعين "حسين"، الذي مازالت تعشقه حتى النخاع، لكن الحقد غلب على مشاعر الحب التي نمت بجوفها لسنين طويلة.
خرجت "منال" من المجلس النسائي لتقابل زوجها الجديد بعدما تم عقد القران، فـ انحن "عمرو" ليُقبل يداها ثم يقول :
- مُبارك يا منال.. ياللي كنتي بعيدة المنال.
ابتسمت "منال" بإستحياءٍ وهي تجفل جفونها :
- الله يبارك فيك ويخليك ليا.
ثم رفعت بصرها إليه تسأله :
- هتقول لمراتك أمتى إني بقيت ضرتها ؟.
ابتسم "عمرو" قائلًا :
- زي ما تحبي.. أنا مرضيتش أقول حاجه لحد ما الفرحة تتم زي ما طلبتي مني ووفيت بكلامي.
ربتت على ذراعه وهي تقول بتحفزٍ عجيب :
- يبقى نقولها سوا.. النهاردة.
ضمها "عمرو" إلى صدره وهو ينظر يمينًا ويسارًا لكي لا تحقد عليهما العيون :
- من عيني يامنالة.. يخلص الفرح ونروح على بيت عم حمدي طوالي.
ربتت "منال" على صدره وهي تسمع لصوت دقات قلبه قائلة :
- يخليك ليا ياسيد الرجالة كلهم.
*************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ضم "حمدي" عبائتهِ لصدره، ونظر لهيئته المكتملة في المرآة، فإذا به يرى شبح الإنكسار في عينيه، وتلك الخطوط المجعدة قد برزت على وجهه أكثر من أي وقت سبق. ما حدث بالفترة الأخيرة لم يكن سهلًا على الإطلاق، يكفيه نظرات العامة والمارين بالشوارع، والتي تسببت بإنه يحبس نفسه في المنزل لأيام طويلة، منعًا لمواجهة تلك العيون الشامتة فيه، إلى أن تنتهي صيانات منزل آل طحان وينتقل لهناك من جديد.
دلفت "سعاد" وهي تحمل بيدها الفحم المشتعل في القدر الفخاري، ثم نثرت عليه حبات البخور والمسكتة لطرد الطاقة السلبية من المنزل، وبدأت في نشر الرائحة بالغرفة وهي تقول :
- أعوذ بالله من الشيطان الرچيم، يارب أبعد عننا الشر يارب، يارب ردلي بيتي وابني يارب.
سحب "حمدي" عكازه وكاد يخرج من الغرفة، لولا إنها استوقفته قائلة :
- بقولك إيه يا حج.. أوعى تحكي لحسين عن اللي جرى!.. لو سمع بس اللي عمله الـ×××× هيطلع وكل همه ينتقم، وأنا مش عايزة أخسر ابني التاني.
رمقها "حمدي" بإحتقار شديد، فهي أحد الأسباب الرئيسية فيما وقع عليهم، وكانت فكرة التخلص من "رحيل" فكرتها هي بالأساس. طالعها بتلك النظرات لبضعة لحظات حتى خجلت، فأنزلت عيناها عنه وهي تقول :
- ما خلاص ياحج!.. من وقت ما حصل اللي حصل وانت بتلومني ومش طايقني.. ماانا فيا اللي فيك ويمكن أكتر.
رفع "حمدي" سبابته في وجهها محذرًا :
- مش عايز أسمع حسك ياسعاد ولا بالخير ولا بالشر.. وعيالي أنا اللي هتصرف معاهم وانتي اطلعي منها خالص.. كفاية اللي حصل من تحت شورتك المهببة.
كادت تدافع عن نفسها من جديد :
- أنا ياحاج؟؟ ده انا آ......
هدر بصوته في وجهها حتى ارتعدت وعادت للخلف خطوات :
- قولـت أخـرسي.. واخـفـي من وشـي.
خرج من الغرفة وهي في أعقابه، تعتذر وتستجدي رضاه عليها، بينما كان الباب بالأسفل يقرع بقرعات عالية، فعادت "سعاد" إدراجها لتستر رأسها أولًا ثم عادت تلاحقه.
فتح "حمدي" الباب ليرى زوج ابنته الكبرى "تيسير" وبجواره "منال"، وجهها مشرقًا ويبدو عليها الزينة، لم يفهم "حمدي" تحديدًا ماذا يحدث؛ لكنه فتح الباب على مصرعيه ليقول :
- أهلًا ياولدي.. تعالى .
ثم نظر نحوها معاتبًا :
- طب كنتي جيبتي العيال نطلّ عليهم يامنال، ولا فاكراهم هيتقطعوا مننا عشان أبوهم مش فاضيلك؟؟.
ابتسمت "منال" ملئ شدقيها وهي تنظر للحماة نظرة متشفية :
- والله البيت معروف ياعمي، تنورونا في أي وقت.
تدخلت "سعاد" غير قادرة على تحمل المزيد :
- أمال جاية ليه لو مش معاكي ولاد ابني!.
فتدخل "عمرو" لإعلان القنبلة الحقيقية، والحفاظ على كرامة زوجته قبل أن تهدرها "سعاد" بلسانها السليط ونظراتها الحادة :
- جاية معايا أنا يا حماتي.
ثم نظر لـ "حمدي" وقد بدأت علامات الإستفهام تنتشر على وجوههم :
- أنا جاي أقولك إني أتجوزت منال يا عمي.. تيسير برضو حقها تعرف.
صرخة مصحوبة بعويل أتت من الداخل، إنه صوتها، يعرفه جيدًا، وإذا بها تهرول وما زالت الصرخات تخرج من فمها ركضًا، حينئذٍ كانت عينا "حمدي" قد دقت بإحمرارٍ منذر بغضب على وشك الإنفجار :
- إنت بتقول إيه ؟؟ بتتجـوز على بنتـي أنا ياعمرو!؟.
قطب "عمرو" حاجبيه مدهوشًا من ذلك التعبير الذي خرج من رجل گ "حمدي" :
- شرع ربنا يا عمي.. وانت كنت هتنفذه من قبل على منال بت عمي، يبقى إيه المشكلة ؟؟.
بين لحظة وأخرى كانت "تيسير" قد قطعت الطريق إليهم، وأول ما أرادت فعله هو التهجم على "منال"؛ ولكن كان "عمرو" في مواجهتها، حيث أحكم قبضتيه عليها ومنعها من الإشتباك معها، وصوت "منال" المتغنج بالخلف تحتمي في زوجها :
- ألحقني ياعمرو.. مراتك قال إيه عايزة تضربني!.
دفعها "عمرو" للداخل وهو يصيح فيها :
- أدخلي جوا وانا كلامي مع أبوكي.
صرخت "تيسير" في وجهه بإنفعال، والدموع تسيل گالنهر من عينيها :
- إنت فاكرني هفضل على ذمتك بعد عملتك السودا دي!!.
تدخل "حمدي" وهو يأمرها بالدخول :
- أدخلي ياتيسير جوا دلوقتي.. وانا ليا كلام تاني مع عمرو.
رفض "عمرو" أي مجال للمفاوضات، وكأنه ينتظر الطلاق على أحر من الجمر :
- مفيش كلام تاني ولا تالت ياعمي.. لو تيسير هترضي تعيش معايا في بيتي يبقى هتعيش هي ومنال تحت سقف واحد.. غير كده معنديش كلام، وياريت تقولي رأيها دلوقتي.
رأى "حمدي" في كلماته تحديًا سافرًا لشخصهِ، حيث إنه كان مصرًا على تزويج ولده من "رحيل"، وكان سببًا في هدم بيت بالسابق، فلم يتحمل هذا وقالها في وجهه :
- يبقى شيل ده من ده يرتاح ده عن ده.. أنا معنديش بنات يعيشوا مع ضرر.
لم ينتظر "عمرو" ثانية أخرى، وكان يرمي باليمين في نفس اللحظة :
- يبقى تيسير طالق مني يا عمي.. و حقوقها وورقتها هييجوا لحديها، وعيالي هيفضلوا عيالي ومسؤوليتي.
والتفت ليصطحب زوجته :
- يلا يامنال.
وزعت "منال" نظرات الشماتة عليهم واحدًا تلو الأخرى، قبل أن توليهم ظهرها وتنصرف منتصرة، الآن فقط قد رُد إليها حقها، ولا ينقص سوى علم "حسين" بما حدث، كي يعيش ندمًا على فراقها، وندم آخر لأنها في ذمة رجل آخر غيره، إنها أكثر الأشياء إيلامًا للرجال، وأقواهم تأثيرًا على مشاعر الرجولة، لقد اختارت له أفضل عقاب، وهو حرمانه من أول حب وأول زواج عاشه في حياته، مقابل أفعاله الكثيرة التي ارتكبها في حق زوجة أرادت العيش تحت أقدامهِ؛ لكنه دعسها عمدًا، وقد ظن أنها ضد الجروح والندوب، وأن عقد الزواج هو عقد عبوديـة مفتوح للأبـد.
***************************************
قد حلّ المساء بظلامهِ، وهي في انتظار نزهة الليلة. ابتاعت عُلبة مخملية رقيقة، تناسب هدية ثمينة گهديتها، ووضعت بداخلها الهدية قبل أن تتركها على مكتبهِ، وعيناها الشغوفة تنظر للعلبة في تشوقٍ وحماس، ترغب في معرفة ردّ فعلهِ على هديتها.
نظرت "رحيل" في ساعة يدها الفضية لتجدها السابعة والنصف مساءًا، فـ تحركت لتخرج من غرفة مكتبه سريعًا قبيل أن يراها أحد، ثم صعدت لغرفتهم متأملة إنه مازال بدورة المياه، ينعم بالحمام الدافئ الذي جهزته له، حيث وضعت أوراق الياسمين والفل في الماء الدافئ، وسكبت فيه زيوت طبيعية فوّاحة لتشعره بالإسترخاء.
وقفت "رحيل" أمام المرآة تتأمل هيئتها المنمقة، ثم تناولت زجاجة عطرها الجديد ونثرت منه بغزارة من أجل لفت انتباههِ، ثم ضبطت حجابها استعدادًا للخروج برفقتهِ لأول مرة. خرج "هاشم" والمنشفة على خصرهِ، وقطرات الندى منتشرة فوق جسدهِ بعشوائية مثيرة، نفض شعره بأصابعهِ وهو يتأمل هيئتها جيدًا، قبل أن تتعلق عيناه بشفاها المطلية بلون بني محمرّ مثير وملفت، ليقول تعليقهِ الجاد :
- الروچ ده فاقع أوي كده ليه!.
نظرت لشفاها بالمرآة قبل أن تردف :
- حاضر هخففه.
كانت يداه أسرع إليها، حيث خطف ذراعها مجتذبًا إياها نحو صدرهِ، هامسًا بصوتهِ الرخيم الذي تحبه :
- أنا هخففهولك بنفسي.
كانت كلماته الأخيرة قبل أن يلتهم شفتيها بفمهِ، غارسًا في أعماقها ألذ المشاعر الأنثوية التي تحسها الأنثى بين ذراعي زوجها، لتسبح في عالم آخر سرعان ما تندمج معه وهي بين أحضانهِ. طالت قُبلتهِ، كأنه مشتاقًا ملتاعًا إليها، أحست ذلك في حرارة أنفاسهِ التي أختلطت بأنفاسها، وأصابعه التي كادت تحررها من ملابسها من أجل الغوص في أعماقها أكثر وأكثر، وهي في كامل استسلامها لرغباته گعادتها التي أحبها هو، حتى قطع عليهم لحظتهم صوت الصغيرة "ليلى" وهي تطرق على الباب :
- دادي أنا خلصت لبس من بدري.. يـلا بـقى!.
حمحمت "رحيل" وهي تواري وجهها المحمر عنه، فـ تجاوزها "هاشم" ليفتح الباب فتحة صغيرة كي لا يرد صغيرتهِ :
- حالًا ياروحي هخلص لبس وأجيلك.
قطبت "ليلى" جبينها وهي تتفحص وجه أبيها قبل أن تسأله :
- دادي انت حاطط روش "روچ" ؟!.
انتبه "هاشم" لشفاه التي تلطخت بأحمر الشفاه، فـ وضع أصابعه على شفتيه تلقائيًا كي يبرر لها :
- لأ ياحببتي ده من القهوة.. حالًا همسحه، استنينا انتي تحت.
وثبت "ليلى" وهي تبتعد عن الغرفة حينما أغلق "هاشم" بابها، بينما عاد الأخير ينظر لوجهه الذي تلطخ في المرآة وكأنه سائل شيكولاتة، ثم نظر حيالها ليجدها قد مسحت شفاهها بالفعل وعيناها تتهرب من النظر إليه :
- أنا جهزتلك الطقم اللي هتنزل بيه.
نظر إليه فإذا به نفس ألوان طاقمها، أومأ رأسه بتفهم حينما كانت هي تستعد للمغادرة :
- أنا هروح أشوف ليلى لحد ما تخلص.
انسحبت من الغرفة لتتركه على حريتهِ، ثم بدأت تهبط الدرج لتكتشف إنها تناست إعداد حقيبتها، فعادت مرة أخرى كي لا تتسبب في تأخير عن النزهه القصيرة التي سيصطحبها فيها.
لم يكن مقصودًا منها التلصص عليه، لكن صوته كان واضحًا ظاهرًا لها، لتستمع إليه وهو يتحدث عبر هاتفه :
- لأ يامتر مش هتنازل عن القضية، خليه كده محبوس زي الكلب.. أيوة خدت الأرض وهاخد المحلات كمان، ويبقى حمدي وابنه يوروني هيعملوا إيه.
بدأ جسمها يسخن تدريجيًا، وكأنها تخشى تصديق حدسها، ومازالت تستمع إليه وهو يتحدث بعفوية، غير مدرك إنها خلف الباب الذي يعتقد إنه يتستر عليه :
- مالها رحيل، أهي وسيلة زي أي وسيلة مشروعة الواحد بياخد بيها اللي هو عايزه.. هي بنت الطحان كانت تحلم تتجوز من هاشم العزيزي!!..
وقد صدق حدسـها بالفـعل.. إذًا هي الوسيلة - المشروعة - التي حصل بها على مطامعه، الوسيلة السهلة التي لم تكلفه عناء ولا مجهود، وسيلة أتته على طبق من ذهب، وهو لم يغفل عن استغلالها الإستغلال الأسـوأ على الإطـلاق.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
امتلأ حلقها بالمرارة فجأة، وكأن سيقانها قد تجمدن في مكانها ولم تستطع تحريكهم أبدًا. ما سمعته على لسان "هاشم" كان متوقعًا من عقلها الذي بدأ بالشك منذ فترة؛ ولكن قلبها لم يصدق أبدًا، لذلك تعيش صدمة حقيقية الآن لأنها لم تستوعب أحكام العقل، فبقيت جامدة گالثلج، رغم أن النار تشتعل في أحشائها الآن. حركت أطرافها السفلية بصعوبة شديدة، كأنها تجرهم جرًا، ونظرت للدرج وهي تهبط عليه ليُخيل إليها إنها ستسقط من أعلاه، كما حدث تمامًا منذ لحظات، لقد قذف بها "هاشم" من أعالي السماء حتى ارتطمت بالأرض، فأحست وكأن جذورها تنخلع من اليابسة، كأنها تُقتلع من المكان الذي ظنت إنها تنتمي إليه، ولم يعد لديها أغصان لتحارب عن نفسها، حتى من أمنته على نفسها ظهرت حقيقته من خلف ذلك الوجه الضاحك المبتسم، المهذب والناعم، لقد كان طيرًا جارحًا قاسيًا، قذف بها إلى عرض البحر، وهي لا تدرك معنى السباحة.
سحبتها خطواتها لمكتبه، دخلته خِلسة لتستعيد هديتها الثمينة التي لم يستحقها أبدًا، وقد بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها، فلم تعتاد بعد على الخذلان، ولا تقوى على هزيمة نفسها التي تتأمل العيش في سعادة، ركضت وعيناها تراقب الطريق، لئلا يراها أحد في حالتها تلك، لا سيما والدتها التي استمرت بالعيش هنا من أجلها فقط، الآن إذا علمت بالحقيقة ستدفعها للهروب من ذلك الرجل لا محاله، وهي في حاجه ماسّة للوقت، الوقت هو الخطة التي ستسعفها، ولو أن جرحها الغائر لن يكفيه الإسعافات الأولية؛ ويحتاج لتدخل جراحي.
*************************************
شد حزام الأمان على خصرهِ، ثم نظر عبر النافذة ليرى إنه ما زال واقفًا على أراضي بلاده. تنهد "مراد" مستعيدًا في ذهنهِ آخر لقاء بينهم، متعمدًا سكب الغلّ على مشاعره تجاهها، لعل ذلك يُفيد في حالته المستعصية أو يشفي جرحه قليلًا. أحس بأحد جلس إلى جواره، رائحة العطر تشير إلى هويتها، أنثى تميل للعطور الناعمة غير النفاذة، تسلل إليه شعور بإنه يتذكر هذه الرائحة جيدًا، أو إنه يحفظها من مكانٍ ما في عقلهِ؛ لكنه عاجز عن التذكر. تحركت رأسه قليلًا لكي يستكشف صاحبة العطر، ثمة فضول شديد يداعب حواسه الآن وهو منصاع إليه، حتى وقعت أنظاره على صفحة وجهها الجانبية، إنه يعرفها، مألوفة إليه ، فلم يمنع نفسه من محاولة التأكد من هويتها :
- آحم.. مساء الخير.
التفتت إليه برأسها ليتبين كامل وجهها، فرآها هي، جارتهِ الصغيرة، الملاك الذي كان يلعب معه في الصغر، "رقــية أبو سـالـم"، صديقة الطفولة وأنيسة ليالي المراهقة الطويلة. انتفخت عينا "مراد"، ولم تقل عنه الفتاة دهشة، إذ نطقت بأسمه غير مصدقة إنها تراه هنا الآن :
- مُـراد ؟!.. معقول ده انت؟.
ابتسم "مراد" تلقائيًا وكأن الغيمة التي حلقّت فوق رأسه لأيام طويلة قد انسحبت من السماء :
- أزيك يا روكا.. لينا سنين مشوفناش بعض!.
لم يقل وجهها ابتهاجًا عنه، بل إنه كانت مشرقة أكثر من اللازم :
- أنا كويسة.. وانت ؟.. طمني عنك وعن أخبارك؟!.
ثم انطفأت قليلًا وهي تسأله بترقبٍ غير ملحوظ :
- وندى عاملة إيه؟.
لتتحول إشراقتهِ لظلام مفاجئ، ظلام بدد البهجة خلال ثانية واحدة، ليجيب بدون أي تفكير :
- دي قصة اتقفلت من زمان.. ومش عايز في أول مقابلة لينا نفتحها تاني.
تضايقت بعدما تسببت في تحول وجهه للتعاسة الشديدة، ثم هطلت عليه باعتذاراتها كما كانت دائمًا :
- أنا أسفة مقصدتش أبدًا أضايقك.. انت زعلت؟.. Sorry بليز متزعلش.
ضحك "مراد" رغمًا عنه ليقول :
- انتي لسه بتعتذري كل ٥ دقايق زي ما كنتي؟!.
ابتسمت "رقية" وهي تشيح بعيناها عنه :
- أعمل إيه طبع.
- انتي رايحة تركيا ليه؟.
كانت سعيدة وهي تقدم نفسها گرائدة للأعمال في واحد ما أهم المجالات التي تعمل بها النساء حاليًا :
- أنا مسافرة في شغل يخص المكتب بتاعي، براند ملابس وانا مكتبي الوحيد اللي بيوزعه في مصر.
- هـايـل.
- وانت ؟.
أسند "مراد" رأسه على مقعد الطائرة وهو يجيب :
- سياحة.. محتاج أفصل.
أحست "رقية" بإقلاع الطائرة، ومازالت لم تتأكد من إحكام حزام الأمان بعد، فـ توترت بشدة وهي تحاول إغلاقهِ وبدا ذلك جليًا عليها، ليبادر "مراد" بتقديم المساعدة :
- متقلقيش يارقية بسيطة.. خليني أساعدك طيب.
بالفعل أغلق الحزام وأبتعد على الفور، ليسألها في توجس :
- انتي لسه بتخافي من الطيارات؟.
حاولت استعادة توازنها، لتقول بإبتسامة أظهرت توترها أكثر :
- لا عادي.. أنا تمام.
ثم أرادت أن تبعد دفة الحوار عنها :
- طمني عليك وعلى أحوالك.. عملت إيه السنين اللي فاتت؟.
***************************************
تقريبًا حصلت على ساعتين من النوم فقط، بعدما هربت الراحة من جفونها طيلة الليل، ولم تستسلم جفونها سوى مع شروق الشمس. فتحت "رحيل" عيناها وقد بقيت آثار الشمس على وجهها، لتحس بآلام متفرقة في سائر بدنها، وكأنها خاضت معركة أثناء النوم دون أن تشعر، فتآوهت وهي تنهض عن الوسادة، لينفتح الباب فجأة وبسرعة أفزعتها. دخل "هاشم" وعيناه معلقتين بها :
- صباح الخير.
فإجابت بصوت مرهق مكتوم :
- صباح النور.
تأملها قليلًا وقد تأكد شعوره بإنها ليست في حالتها الطبيعية، ليسألها بفضول :
- هو في إيه بالظبط؟.. من امبارح شكلك مش طبيعي، في حاجه انتي مش قايلالي عليها؟؟.
أومأت برأسها وهي ترفع عيناها إليه، لكي لا يشعر بشيئًا الآن على الأقل :
- لأ.. بس شكلي داخله على دور برد تقيل شويه.
اقترب قليلًا منها وهو يقول :
- ما هو باين.. عينك حمرا ووشك منفوخ كأنك منمتيش طول الليل.
نظر في ساعة يده قبل أن يقول :
- هبعتلك الدكتور يبص عليكي النهاردة انتي وليلى.. أحسن البنت تكون خدت البرد منك.
كادت تنهض عن الفراش فأشار لها كي تتوقف :
- خليكي انا مش عايز ولا فطار ولا حمام ولا أي حاجه.
نفت وجود نية گهذه لديها، وهي تجيب بجدية بيّنة :
- أنا داخلة الـ Toilet مش هعمل حاجه تانية.
أومأ رأسه متفهمًا، ومازالت عينه عليها إلى أن أغلقت الباب من خلفها، كأنه لم يصدق كذبتها، لم يقتنع بتلك النظرة التي تحاول إخفائها عنه، ثمة أمر مريب فيها، رغم إنها مدة قصيرة التي قضتها معه؛ إلا إنه فهم جزء كبير من شخصيتها، شخصيتها التي تحاول أن تتلاعب عليه الآن وكأنه لا يوجد أي شئ.
فتحت "رحيل" صنبور المياه عن آخره، لكي يغطي على أنينها الذي لم تستطع منعه، وخلعت عنها ثيابها أيضًا ومازالت الدموع تفيض من عيونها بغزارة، حتى دخلت المسبح أسفل المياة المنسابة على رأسها، فـ اختلطت بدموعها وغسلت وجهها من أثارها تمامًا. أطلقت زفيرًا طويلًا بعدما كتمت أنفاسها أسفل الماء، ثم نظرت للفراغ وقد تحجرت بقايا الدموع في عيونها، لقد وجدت مدخلًا للإنتقام لنفسها، لن تترك الأمر وكأنه لم يكن، لن تكون الجذع الضعيف المنكسر، عليها أن تقتص لنفسها من ذلك الجبار الذي لم يحترم قدسية قلبها وتلاعب به بين أصبعيه. لقد اكتشفت بفطنتها إنه منذ أول ليلة قضتها في منزله وهو يخطط لما هو فيه الآن، ليست من محاسن الصدف ولا ترتيبات القدر، بل كان كل شئ مدبر بإحكام، لقد سقطت فريسة بكل طواعية، والآن عليها أن تتخلص من الصياد قبل أن يضيق عليها القفص.
خرجت "رحيل" من دورة المياة ونظرت حولها، لم يكن هناك، فـ خطت محو الشرفة ونظرت من خلف الستار، لتراه بالأسفل يلاعب "ليلى" قبل أن يمضي في طريقه. عادت للداخل واستخدمت هاتفها لإجراء مكالمة هاتفية گأولى خطواتها لإستعادة الحق المهدر، وظلت في حركة مستمرة يمينًا ويسارًا حتى أتاها الرد :
- ألو.. أيوة يا بشمهندس معاك رحيل.. ياترى أقدر أستلم بيتي أمتى؟. آه.. طب كويس جدًا، خلاص هكلمك تاني بالليل ان شاء الله.. شكرًا.
أغلقت المكالمة، ثم بدأت تجري مكالمة أخرى، مكالمة جعلت الأدرينالين يرتفع في جسدها، وحرارتها تتضاعف من فرط الحماس :
- ألو.. صباح الخير ياست صباح، ياترى عرضك لسه موجود.. وانا كمان جاهزة أبيـع.
****************************************
محاولات بائسة منذ يومين للوصول إليه، لا تصدق إنه ابتعد لهذه الدرجة، لمجرد شكوك واهيه في رأسه اقتنع بها، وإنه مجرد أداة لتحقيق ما تريد وليس إلا ذلك.
كررت "ندى" محاولات الإتصال به عسى تجد هاتفه مفتوحًا؛ لكنه گالعادة مغلق، وحساباته الإجتماعية قد حظرها من عليها، كأنه انقطاع نهائي لا عودة فيه، بعدما مزق كل الخيوط الضعيفة التي كانت لا تزال تربطه بها.
ألقت "ندى" هاتفها على الطاولة، وقد ضاق عليها صدرها أكثر بعدما فقدت الأمل في الوصول إليه. فكرت في زيارة مكتبهِ، أو منزله؛ لكنها كانت خطوة ثقيلة للغاية، خاصة وإنها هي التي كانت تدفعه للإبتعاد عنها، هي التي رفضت العودة للعهد القديم، فـ رسخت برأسه أوهامه حيالها.
خرج "مازن" إليها وهي يتطلع لتعابير وجهها المقروءة، ثم جلس قبالتها وهو يسأل :
- لسه مفيش رد منه؟؟.
أومأت "ندى" رأسها بالسلب، فـ رفع عنها أخيها ذلك الحمل الثقيل :
- خلاص متتعبيش نفسك، أنا اللي هتكلم مع كاميليا لآخر مرة، ياأما تيجي معايا ياأما.... خلاص كده.
أنا مش هفضل مستني العمر كله ولا كأني كنت حاجه في حياتها.
مسحت "ندى" على وجهها وهي تسأله :
- هو الولد نام؟.
- آه.
نهضت عن مكانها وهي تقول :
- طب انا هروح اطمن عليه.
وهربت، أفضل ما تتقنه "ندى" كان الهروب، هكذا كان يدّعي "مراد" دائمًا، وعلى ما يبدو كان حكمه عليها صائبًا.
**************************************
تأخر گعادته، لم تسأله أين هو ولماذا تأخر كما كانت تفعل دائمًا، فقد سئمت تدليل إنسان أناني مثله، لم يفكر قط سوى في تحقيق أطماعه على حساب مشاعرها هي، ليس ذلك فحسب، بل إنه اشترى أرضًا بثمنٍ بخس وكأنه يستهزأ بها، بعدما أوهمها إنه دفع مبلغ باهظ من المال في أرض لا تستحق أبدًا هذا الرقم. ظلت ماكثة في غرفتهم، عيناها على الدبلة التي وجدتها اليوم ملقاه على المكتب، وكأنها ليست شيئًا معنيًا بالنسبة له، لم تستعيدها ولم تأخذها، لعل وجودها أمام عينيه يذكرهُ بأثمهِ، أو تكون هي السوط الذي سيجلده بلا رحمة، وقد لا يعاني في غيابها على الإطلاق. إنها تواسي نفسها الآن بإنه سيعيش في عذاب الضمير بعدما تهجره، وكل خشيتها هي أن يكون حجرًا قاسيًا لدرجة إنها لن تؤثر فيه.
انفتح الباب ليدخل منه "هاشم"، يبدو عليه الأرق والضيق معًا. لم تتحدث إليه أو ترحب بوجوده، بينما رأى هو تلك الحقائب الموضوعة جانبًا، ليسألها في فضول :
- إيه الشنط دي ؟.
- شنطي.
نهضت عن جلستها لتقف في مواجهتهُ وتقول :
- أنا عايزة أمشي من هـنا يا هاشـم.. طلـقـني....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لا تدري كيف أتتها تلك الجرأة لتقف أمامه وتطلب التطليق منه، قد يكون جرحها أكبر من أي ألم آخر فلم تشعر سوى بجمر الحقد ينبعث من أنفاسها المضطربة؛ وظنها إنه سيجن جنونه، سيعتقلها، سيحافظ عليها قِسرًا إلى أن يتحقق مبتغاه كاملًا؛ لكن رده كان صادمًا للغاية، أقوى من أي صدمة أخرى :
- ماشي.. الصبح هنشوف الموضوع ده.
وخطت أقدامه خطوتين نحو الفراش، بينما تدخلت هي لتوقفه :
- لأ دلوقتي.. مش قادرة أصبر للصبح.
نظر في ساعة هاتفه قبل أن يرمقها بإستنكارٍ حازم، ثم هتف ببادرة إنفعال قد يتطور لشئ خارج حدود توقعاتها :
- انتي بتهرجي؟!.. هجيبلك مأذون منين دلوقتي!.
تراجعت للخلف خطوة، وانكسرت عيناها عن النظر إليه غير قادرة على المواجهة أكثر من ذلك :
- أفتكرت قصدك هنتكلم الصبح!.
- أتكلم في إيه؟.. انتي خدتي قرارك وطلبتي اللي عايزاه، وأنا هحققهولك، بس كده.
رفعت عيناها تنظر إليه في عتاب جريح، لم تتوقع إنه سيرمي بها هكذا دون أن يكلف نفسه عناء السؤال عن السبب، دون أن يهتم بما تعانيه. ألقى "هاشم" حذائهِ ومدد جسدهِ على الفراش، واضحًا عليه آثار الإرهاق والتعب، بدون أن يشغل عقله لثانية واحدة بما حدث، تاركًا إياها گالجمر على نار مشتعلة، ليدخل في نوم عميق.
****************************************
أول صباح في المدينة النابضة بالحياة، البقعة التي جمعت بين عبق التاريخ وسحر الحاضر، أسـطنبول.
تناول "مراد" إفطار خفيف بالفندق الفاخر الذي يستضيفه ثم نزل إلى الشوارع، ثم إلى الساحل مباشرة، رائحة البحر التي تهب في عكس إتجاه الريح اخترقت أنفه وكأنها أنعشت دماغهِ، جلس وهو يتأمل طيور النورس، يلتقمون الطعام الذي يلقيه المارّة، سابحًا في أفكاره التي ذهبت به لنفس المكان المحزن، إلا إنه هز رأسه رافضًا التفكير فيها أو في مواقفها السلبية معه، لتصحو آذانه على رنين هاتفه برسالة على تطبيق المحادثات الشهير "واتساب" :
- أنا خلصت meeting دلوقتي وراجعة الفندق هغير هدومي وعندي نزهه لمضيق البسفور، تيجي معايا؟.
ذمّ على شفتيه يفكر خلال لحظات، حتى وردته رسالة أخرى :
- أكيد انت مش جاي تركيا عشان تقعد في الفندق وعلى الساحل!.
طيف ابتسامة ظهر على شفتيه وهو يكتب رسالة لها :
- معنديش مانع، أنا كمان هطلع أغير هدومي وهستنى منك رسالة.
أغلق الهاتف، ثم نظر لسفح البحر الأبيض المتوسط، نظرة أخيرة قبل أن ينهض من مكانه ليعود إلى الفندق، لكي يستعد لنزهه حقيقية ستغير معنى الكآبة التي أتى بها إلى هنا، مُدعيًا إنها سيغادر أراضي تركيا وقد نسى من هي ومن تكون.
***************************************
لم تنم في غرفتهم، بل أن الليل كان حارًا ساخنًا عليها فلم تتحمل المزيد من التواجد بقرب أنفاسهِ التي تحس بها من حولها، خرجت بعدما غاص "هاشم" في نوم عميق، وقضت سهرتها أسفل النجوم في حديقة المنزل الصغيرة، حتى بدأ شروق الشمس، فصعدت لغرفتها لكي لا تلفت أنظار الخدم في المنزل.
جلست على الأريكة وعيناها عليه، نائمًا گالملاك، لا ينتمي أبدًا للصورة الشريرة التي ترسخت في ذهنها بعد تلك الحادثة الشنيعة التي اكتشفت فيها حقيقتهِ.
بدأ يفتح عيناه رويدًا رويدًا، فـ تصنّعت "رحيل" إنها نائمة على الأريكة كي لا تخاطبه، حتى رآها هناك بالفعل، فـ فهم إنها ترفض حتى الإقتراب منه.
كان شعورًا سيئًا، هزّ مشاعر السيطرة التي كان يحسها حيالها، وعكر صفو مزاجه منذ الصباح، فـ دفع عنه الغطاء وبدأ ينزع ملابسهِ في تشنجٍ غير مقصود، ثم دخل دورة المياة عاريًا، كي ينفض غبار المزاج السئ عن وجهه الكظيم.
تنهدت "رحيل" بعدما شعرت أنفاسها تضيق صدرها، ثم نهضت عن الأريكة وغادرت الغرفة كلها، قد يجعلها هذا تتنفس بشكل أكثر أريحية. هبطت للأسفل فوجدت والدتها بالمطبخ تُطعم "ليلى" حبوب القمح بالحليب الساخن، بينما الأخيرة في غاية الإستمتاع بمذاق وجبة القمح التي لم تعتاد عليها، مسحت "رحيل" على وجهها وهي تردف بـ :
- شبعتي يالوليتا؟
مسحت فمها بالمنديل وكأنها عاقلة راشدة، قبل أن تجيبها بدلالٍ :
- آه شبعت.
ساعدتها "رحيل" على الهبوط عن الكرسي وهي تقول :
- طب اطلعي أوضتك لحد ما نجهز المفاجأة اللي اتفقنا عليها امبارح.
ثم غمزت لها نصف عينها، فغمزت "ليلى" بكلتا عيناها وهي تقول :
- اتفقنـا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ركضت "ليلى" من والحماس يطير من خلفها، حينما التفتت "رحيل" لتسأل والدتها :
- لميتي حاجتك ياماما ؟.
جففت "جليلة" كفيها بالمنشفة وهي تقول :
- آه لميت كل حاجه.. السمسار قالك هيسلمنا الشقة النهاردة ؟.
أومأت "رحيل" برأسها مجيبة :
- آه يا ماما.
اقتربت منها "جليلة" لتسألها بخفوت :
- قالك إيه لما طلبتي منه الطلاق؟.
زفرت "رحيل" وهي تشيح بوجهها للجانب الآخر :
- قالي الصبح نتكلم.....
سمعت صوته وهو يتحدث في هاتفه أثناء نزول الدرج، فتركت الحديث في منتصفه وخرجت مهرولة، غير قادرة على تحمل الصبر الذي يأكل رأسها.
أنهى "هاشم" مكالمته في عجالة، وعلى وجهه تعابير الإمتعاض واضحة. نظر إليها في استنكار وتفحص ثم هتف بـ :
- روحي ألبسي حاجه المأذون في الطريق.
اتسعت عيناها بذهول، فقد أنجز العمل في أقل من نصف ساعة تقريبًا، بدون أن يتأنى أو يفكر، بدون أن يسألها عن أسبابها لطلب الطلاق. رأى "هاشم" الصدمة في عينيها، فـ فهم للتو إنها أرادت التفاوض على الأقل؛ لكنه لم يكن بالرجل الذي يتحمل التفاوض في أمرٍ گهذا :
- مالك مصدومة كده ليه ولا كأنك انتي اللي طلبتي الطلاق!.
برز البغض في نظراتها إليه وهي تقول :
- افتكرتك على الأقل هتهتم تسأل عن السبب!.
هزّ رأسه نافيًا :
- لأ مش هسأل، أكيد ليكي أسبابك المقنعة واللي مش عايز أعرفها.. طالما دي رغبتك هنفذهالك، مش أنا الراجل اللي يبقى على ست فكرت تمشي.. دي حريتك وانتي اخترتيها.
ثم نظر في ساعة يده قبل أن يتابع :
- متتأخريش المأذون مش فاضله كتير.
تجاوزها ودخل مكتبه منفردًا بنفسه، حينئذٍ كانت تعدو بخطواتها سريعًا للأعلى، لم تحس سوى بالإختناق الذي يجثم على صدرها، ويجبرها أن تنهي كل شئ بعجلٍ للمغادرة من هنا. كانت قد جمعت أشيائها بالفعل، فلم يبقى سوى بضعة أشياء خفيفة جمعتها في حقيبة صغيرة، ثم ارتدت من الثياب ما يناسب الخروج من هنا.
حدث كل شئ في غفلة من الزمن، كأنها لا تشعر بالوقت الذي يمضي والأحداث الدائرة من حولها، هل كان ينتظر أن تطلب التطليق منه بنفسها؟ أن إنها كانت خطواته التالية وهي لا تعلم؟.. تلك السرعة التي تصرف بها لا تحمل سوى معنى واحد من الأثنين.
هي الآن تجلس أمام المأذون الشرعي، يسألها حول التأكد من رغبتها، فـ تهز رأسها إيجابًا بدون أن ترمش لها عين، لحظتين وكان "هاشم" يوقّع على أوراق الطلاق الرسمية، لحظتين أخرتين وألقى عليها يمين الطلاق. كل شئ تم في وقت قياسي وكأنه مُعد له سابقًا، وربما ترتيب القدر الذي اختار لها ألا تشعر بلوعة الأيام ولذلاعة الصبر.
سحب "هاشم" بطاقتهِ ليضعها في جيبه، ثم هتف بخشونة ورسمية:
- المحامي هيكلمك عشان يديكي كل حقوقك، وفي شقة فاضية هيوصلك ليها السواق تقعدوا فيها مؤقتًا آ.....
أرادت أن تبتر الحبال التي جمعت بينهما، قطعًا لا ردّ له :
- مش عايزة حاجه.. ولا محتاجه الشقة، أنا أتصرفت.
ابتسم "هاشم" ابتسامة الغيظ الدفين وهو يحاول التغطية على ذلك :
- طب كويس إنك مرتبة أمورك من بدري.. أنا برضو محبش أشيل ذنب الولايا.
نظرت "رحيل" للحارس الواقف هناك، ثم أشارت إليه :
- لو سمحت.. في شنط فوق محتاجة تنزلها.
نظر الحارس نحو سيده، وكأنه يستأذنه :
- أسمع كلام الهانم يا عطية.
- حالًا ياباشا.
صعد الحارس، بينما ترك "هاشم" آخر كلماته :
- خدي راحتك.. البيت بيتك ياهانم.
وسحب نفسه نحو غرفة المكتب، لحين انتهاءها من إجراءات المغادرة السخيفة، متحاملاً على نفسه التي لم تكن راضية عما يدور. لا يدري كم من الوقت مرّ عليه وهو في غرفته معتكفًا أمام حاسوبهِ الشخصي، حتى نظر في ساعته ليجدها الرابعة عصرًا، فتأفف منزعجًا وهو يغادر المكتب، وعيناه تدور في اليمين واليسار بحثًا عن ابنته التي لم يراها اليوم ولم يسمع لها صوتًا. صعد لغرفتها التي تمضي فيها أغلب الوقت بسبب كثرة الألعاب، ثم دخل إليها مبتسم الوجه بشوش الخلقة :
- روح قلب دادي من جوا.
لم تكن في غرفتها، قطب جبينه وهو ينادي عليها بحثًا في اليمين واليسار وحتى في دورة المياة الملحقة بالغرفة، لكنها لم تكن موجودة بتاتًا. الغرفة مرتبة ومنظمة أكثر من اللازم، الفراش مهندم وكأنها لم تنم عليه. الآن فقط انتبه لباب خزانة الملابس الموارب، ليهرع إليه وينظر بداخله، فإذا به فارغ تمامًا، ثيابها وأغراضها غير موجودة، أغلب ألعابها غير مرئية بالنسبة إليه، فـ انقبض قلبهِ وهو يفكر في التفسير الوحيد الذي حطّ على تفكيره، وبصوتٍ زلزل جدران المنزل كله كان يصيح بإسمها :
- لـيـلـــــى.....!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"وإذ بها تتعلم كيف تحرق أحدًا، فكان الحريق من نصيب معلمها."
____________________________________
خرج من غرفة صغيرتهِ مسعورًا، وصوتهِ يرج جدران المنزل رجًا عنيفًا، حتى أتت "حِراء" أثر صوته مهرولة، وقد فرّت الدماء من عروقها، وشحبت بشرتها گالتي رأت شبحًا.
وقفت أمام الدرج وسيقانها تتخبط في بعضها البعض، حتى سألها "هاشم" بصوته الذي أفزع جميع من سمعه :
- ليلـى فـين ؟؟.. البنت فـيـن قبل ما اوديكي ورا الشـمس؟!.
ارتعشت أطرافها وهي تشير للأعلى :
- فوق والله.. كانت في أوضتها، هطلع أجيبهالك حالًا.
أمسك برسغها قبل أن تتحرك، يكاد يعتصره بين أصابعه وهو يهدر في وجهها :
- مش في البـيت كُـله.. قـلبت عليها الدنيـا مش موجـودة.. كنتي فين لما ست رحيل مشيت؟؟.
تماسكت لئلا تتلوى من ألم ذراعها أمامهِ :
- كنت هنا والله، خرجت بشنطها بس أنا فضلت واقفة لحد ما خرجت.
ضاعف "هاشم" من ضغطهِ على ذراعها فصرخت متأثرة بالألم العنيف، وقد بدأ ذراعها يندمل كأن الدماء توقفت في عروقها :
- آآآآآآآه... أبــوس إيـدك ياهاشـم بيه والله ما أعـرف حاجــه! والله آ......
- أخــرسـي.
دفعها دفعة قوية، سقطت على أثرها أرضًا، لا تصدق إنه أفلتها، وكانت خشيتها الوحيدة أن يتطاول عليها بالضرب والإهانة؛ لكنه خرج من المنزل متعجلًا وكأن له حساب آخر.
حضر جميع الحرس إلى أقدامهِ، فشملهم بنظرة قاسية ممتعضة قبل أن يسأل :
- الهانم الصغيرة فين يابهـايـم!.. إزاي تخـتفـي من البـيت وانتوا واقفين زي التيـران على البـاب؟.
بدأوا ينظرون لبعضهم البعض، قبل أن يجيب أحدهم :
- محصلش ياباشا!.. احنا مشوفناش الهانم الصغيرة من الصبح!.
- ولا خرجت مع المدام ولا أمها؟.
أجابوا في أصوات متداخلة مع بعضهم البعض :
- محصلش.. لأ مخرجتش.. النهاردة مشوفناش الهانم الصغيرة خالص والله ياباشا!.
أشار لأحدهم :
- جهزلي الكاميرات دلوقتي هنراجع اليوم كله من أوله.
تبخر الجميع من حوله لإطاعة أوامرهِ، وهو گالقدر المغلي الذي يطرد الغليان من حوله، على وجهه أمارات الغضب المقيت الذي سيأكل الأخضر واليابس، ولو يطالها بين يديه لن يتركها تتنفس حتى، وكأنه أجزم على إنها هي التي أخذتها، بل اختطفتها من أحضان والدها، وهو الذي ظنها وديعة گالحمل الصغير، لا تعض ولا تنغز، لا تؤذي ولا تحرق، وإذ بها تتعلم كيف تحرق أحدًا، فكان الحريق من نصيب معلمها.
***************************************
كان بين الأمواج، يتدحرج يمينًا ويسارًا بين تياراتها العاصفة، متلذذًا بتلك البرودة المائلة للدفء، وكأنه نسى أمر السباحة منذ زمن، حينما سئم غدر البحر الذي خطف طفل صغير لا يتعدى الأربعة الأعوام أمام عينيهِ. ها هو يعود للرقص أسفل سفح البحر، منتشيًا بشعوره به، وبلذة الصعود للسطح لرؤية قرص الشمس وهو يعانق الخط الأزرق الناعم، ثم تبتلعه الأمواج معلنة صفحة ليلية جديدة.
نفض "مراد" الماء عن شعرهِ وعينيه، ثم نظر من حوله بحثًا عنها، كانت ممدة على طوق منتفخ بالهواء ورأسها نحو السماء، على ما يبدو إنها غافية، كانت في حالة سكون شديدة، مستسلمة للأمواج التي ترنحها يمينًا ويسارًا، مغمضة العينين سابحة في عالم آخر، إلى أن أحست بحركة تقترب ملامسة الطوق الخاص بها، فـ انتفضت من رقدتها لتسقط في المياة فجأة، خمسة ثوانٍ حتى صعدت للسطح لكي تستمع إلى صوت ضحكته، فأدركت إنها گالعادة فزعت بدون داعي، مسحت عيناها من أثر الماء المالح ثم نظرت إليه في استهجان لتقول :
- أخس عليك يامراد لسه فيك نفس العادة!.
قطع ضحكته ليجيب عليها :
- أعمل إيه في حاجات مبتتغيرش.
ثم نظر بإتجاه الشاطئ ليقول :
- مش هنطلع بقى ؟؟.. الشمس خلاص غابت.
كانت نبرتها أقرب للدلال وهي ترجوه :
- أستني شويه كمان، أنا ملحقتش أشبع من أنطاليا والصبح هنكون في اسطنبول مش هاجي هنا تاني إلا بعد فترة.
- طب أنا هخرج دقيقتين أشوف تليفوني وآجي.
أومأت رأسها بتقبل، حينما خرج هو بإتجاه الشاطئ، والفضول يحك رأسه حول ما وصل إليه "هاشم" بخصوص حادثة طلاقهِ، حيث حدثه الأخير بشأن المأذون وطلب الطلاق من "رحيل"؛ لكنه لم يعاود الإتصال به أو أخباره بأي شئ آخر.
تناول "مراد" منشفتهِ الزرقاء وجفف بها بعضًا من ماء البحر الذي علق بجسدهِ، ثم جلس فوق المقعد وبدأ الإتصال بـ "هاشم"، وعقله قلقًا مترقبًا حيال الأخبار التي سيتلقاها.
أجاب عليه "هاشم"، وقبل أن يسأله كان الأخير يحكي كل شئ بعصبية مفرطة :
- أهدى بس عشان أفهم!.. إيه دخل ليلى في الحوار!؟.
استمع منه للنهاية ما رواه على مسامعه، مصدومًا من ردّ الفعل الذي اتخذتهُ "رحيل" قبل أن تغادر منزله، وما الذي سيدفع إمرأة مثلها لفعل عدواني گهذا إلا إذا كانت قد تأذت.. بلى، هي بالفعل تأذت وكان عليها رد الصاع صاعين، على الأقل لا تغادر وهي تشعر بإهدارها عبثًا، بينما هو يعيش حياته الحرة بكل طمأنينة.
- طيب يا هاشم، حاضر هنزل في أول في طيارة.. سلام.
أغلق الهاتف وعيناه تنتقل نحو البحر، حيث كانت "رقية" تنتظره بالداخل على إنه سيعاود النزول للبحر مرة أخرى. نفخ "مراد" بضيق بعدما فسدت أجازته، أو فترة الهدنة التي أعطاها لنفسه من أجل أن تستمر حياتهِ؛ لكنها لم تدم گالعادة، وعليه أن يغادر أراضي تركيا العزيزة في أقرب وقت عائدًا لأرض الوطن الذي احتضن كافة آلامه وذكرياتهِ البائسة.
****************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
****************************************
كانت ممدة فوق الفراش، تنظر لصندوق الهدايا الذي كانت أعدته مسبقًا لتهديهِ إياه؛ لكنها عادت به ومعها قلب مملوء بالخذلان. أسوأ ما في الأمر إنها - بالرغم من قلقها منه وشكوكها التي تحاصرها - إلا إنها زرعت بذور المحبة في قلبها لكي يسقيها هو بحنانهِ ورعايته، وبالفعل كان حنونًا رقيقًا معها، لا تصدق إنه نفس ذات الشخص الذي يسعى خلف مطامعه من خلفها، وإنه قرر الإستغناء النهائي عنها بدون أن يعير للأمر أي اهتمام، بدون أن يسأل أو يحاول الإصلاح.
بدأت تشعر إنها قليلة الحظ، مكتوب على جبينها ألا تسعد أو تكتمل سعادتها، حتى في غمرة الفرح حطت التعاسة على قلبها المسكين گالطير المشؤوم، فلم تكتمل الليلة التي سعت من أجلها كثيرًا، وضاع معها مستقبل كامل كانت تحلم به معه.
طرقت "جليلة" بابها قبل أن تدخل، فرأتها تمسح بقايا الدموع عن وجهها لكي لا تراها، دنت منها ومسحت على شعرها برقة وهي تواسيها :
- اوعي تضايقي نفسك يارحيل، ميستاهلش يابنتي.. وبعدين الزعل وحش عليكي.
ثم جلست لجوارها وهي تتابع :
- دي إرادة ربنا إنه يكشفهولك دلوقتي، قبل ما تتعلقي بيه أكتر.
نظرة مكسورة التمعت بها عيناها، فتراجعت "جليلة" عن عبارتها لتقول :
- عارفه انك اتعلقتي خلاص.. بس برضو الحكاية لما تكون في أولها بتبقى أسهل، وربنا يعوض عليكي يابنتي.
تنهدت "رحيل" وهي تنهض عن الفراش، تناولت العلبة ووضعتها بأحد الأدراج لكي تكون بعيدة عن رؤيتها، ثم هتفت بـ :
- ست صباح جايه القاهرة بكرة عشان نوثق عقود المحلات في الشهر العقاري.
لم تكن "جليلة" موافقة تمامًا على هذا الرأي :
- ما بلاش يا رحيل.. دي برضو الحاجه اللي فاضلة من ريحة المرحوم الله يرحمه.
رفضت "رحيل" التمسك بأي شئ قد يربطها بـ آل طحان :
- مش عايزاهم خلاص.. خليني أقطع أي أمل أو محاولة لعمي وعياله، احنا مش ناقصين يا ماما كفاية علينا الهم اللي احنا فيه.
ثم جلست على طرف الفراش لتتابع :
- خليني أفوق لنفسي وأشوف هعمل إيه الفترة الجاية، أنا لازم أفكر في مستقبلي انا وانتي.
- طب وهاشم!.. فكرك هيسيب بنته ومش هيدور عليها.
أشاحت "رحيل" بوجهها للجهة الأخرى وهي تجيب :
- ميهمنيش، خليه يدور ويحفى عشان يلاقيها.. يمكن ساعتها يحس هو عمل إيه فيا!.
نهضت "جليلة" وجلست إلى جوارها، ثم ربتت على كتفها وقد بدا عليها التردد وهي تقول :
- طب و... يعني....
فهمت "رحيل" على الفور إلى ماذا ترمي والدتها، فـ انتفضت من مكانها بتشنجٍ لتصيح بعصبية متشددة :
- أنـسـي يا ماما.. اللي بتفكري فـيه مش هيحـصـل أبـدًا.. على جـثتـي.
****************************************
خرج "حمدي" مع ولده كتفًا بكتف، بعدما دفع له كفالة مبلغًا وقدره من المال، لم يكن الأمر سهلًا، فقد استغرق أيام طويلة ومحاولات عديدة مع العديد من ذوى السلطة، من أجل التدخل في الموضوع، الأمر الذي كلفه الكثير من المال بإضافة الكثير من الخدمات المشروعة وغير المشروعة، فقط من أجل أن ينقذه مما وقع فيه جِراء الفـخّ. ربت "حمدي" على ظهر "حسين" حتى رأى الغبار يتطاير عن ملابسه :
- كفارة يا ولدي.. الحمد لله إنها جت على كده.
كانت عيناه محمرة بشكل غير طبيعي، ووجهه شاحب وباهت، كما خسر الكثير من الوزن بشكل واضح نتيجة عدم اشتهائه للطعام. فرك وجهه بأصابعه وهو ينظر من حوله، ثم التفت لوالده يسأله :
- عايز أعرف كل اللي جرى وانا في السجن يا حج.. كل حاجه بالحرف.
فكر "حمدي" مليًا، هل يحكي له أن يدس عنه الأمر حفاظًا على حياته وأمانه؟!.. تلك اللحظات كانت كفيلة لأن يقرأ "حسين" ما يجول في ذهن والده، فقطع عليه ذلك الطريق قائلًا :
- ما تفكرش كتير يابا.. كده كده هعرف، يبقى تيجي منك انت أحسن.. إيه اللي حصل؟.
سحبه "حمدي" بعيدًا عن المخفر وهو يقول :
- بس تعالى وهقولك في الطريق.. لسه الليل طويل ياولدي.. تعالى.
****************************************
لقد شاهد تفريغات الكاميرات بالخارج لأكثر من مرة، عسى أن يرى شيئًا يُطلعه على مكان ابنته، ثغرة تركتها "رحيل" تخبره بأي شئ عنها؛ لكنها لم يجد شيئًا، وحتى رقم السيارة التي أخذتها لم يستطع الوصول لإرقامها. يكاد الجنون يتمكن من عقله بحقّ، وجسدهِ گكتلة من نار إن لامست الأخضر جعلته رمادًا محترقًا، وعيناه گالشرر الحامية، تؤذي بشدة من ينظر إليها.
كان رجال الحراسة يراقبون المشاهد معه، في محاولة لتقديم العون إلى ربّ عملهم، إلى أن لاحظ أحدهم حقيبة كبيرة، كان قد حملها بنفسه فوجدها ثقيلة بشكل زائد عن بقية الحقائب، فأشار إلى الحقيبة الظاهرة أمامه على الشاشة وهو يقول :
- الشنطة دي سعادتك كانت تقيلة أوي وانا بشيلها، غير باقي الشنط!.
التفت إليه "هاشم" يسأله بحدة :
- قصدك إيه!.. بنتي خرجت من البيت في شنطة الهدوم؟ ؟.
نكس الرجل رأسه بحرج :
- باين كده يافندم!.
حمل "هاشم" إحدى الشاشات وقذف بها أرضًا لتسقط متهشمة لمئات الجزيئات وهو يصيح :
- هايـن عليـا أولـع فيـكوا كـلكـوا بـجــاز.. غــوروا من وشــــي.
ركض الجميع من أمامه گالجرذان، حينما صعد هو للأعلى، قد يفيده البحث مرة أخرى لأي اكتشاف يقوده لابنته، حتى ينتهي هذا الجحيم، وإلا أصبح كل شئ من حوله حريقًا. رنّ هاتفه وهو يدخل للغرفة التي كانت تمكث بها، فأجاب عليه بسرعة وهو ينظر من حوله بتدقيق :
- معالي الباشا، طمني.. يعني مسجلتش دخول في أي فندق ولا مستشفى! ولا في أي أثر لبياناتها!.. مش عارف أشكرك ازاي تعبتك.. ولا أي حاجه ياباشا تسلم أنا هتصرف.. القانون على راسنا طبعًا متقلقش، دي مراتي.. مش هأذي مراتي يعني ياباشا!.. تسلم.
وأغلق المكالمة بعدما فشل في الوصول لأي معلومات يستدل منها على مكانها، فقذف بالهاتف وهو يكز على أسنانه قائلًا :
- آه يا بنت الـ ***** بس أطولك وانا هخلي حياتك جحيم، أوصلك بس!..
راحت يداه تتجول في كل مكان هنا وهناك مرة أخرى، عسى أن يجد ثغرة تركتها من خلفها؛ لكنها نظفت المكان جيدًا قبل أن تغادر، صرخ في عصبية مفرطة وهو يطيح بزجاجات العطور الفاخرة خاصتهِ، ليتهشم أغلبها أيضًا وتفوح الروائح في كل مكان، وإذا بعيناه تلمح شيئًا ملفتًا للأنظار، بداخل صندوق القمامة الصغير، بطاقة خط محمول جديدة قد تم استخدامها مؤخرًا ملقاه في المهملات، انحنى ليأخذها من الصندوق، فـ بُهت وجهه أكثر وأخذت عيناه تتسع في ذهولٍ وصدمة، مدّ يده وأخذ ذلك الشئ الذي يعرفه جيدًا، ونظر إليه غير مصدقًا، وقد تجمدت حواسهِ وأعصابهٍ كافة، حتى عجز عن مجرد التفكير، إنه اختبار للحمل وعليه علامتين باللون الأحمر، أي كان الإختبار إيجابي!.
لم يصدق، أيعقل؟.. هل غادرت وهي تحمل طفله!.. هل ذهبت وأخذت معها أطفاله الأثنين!؟.. هل وصل بها الحد للإنتقام منه بتلك الصورة البشعة!؟.
لقد أصبح قاب قوسين أو أدنى، گالذي حُشر بين المطرقة والسندان، بعدما علم إنه ينتـظر طـفل جـديـد!.....
**************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"يخرج من كل إنسان تعرفه إنسان آخر لا تعرفه."
____________________________________
بدأت الأعراض الحقيقية للحمل تظهر بمرور الأيام، إنه بداية شهرها الثاني، ومع هذا بدأت تحس وكأنه يتقدم بسرعة هائلة. دخلت دورة المياة تتقيأ للمرة الثانية على التوالي خلال ساعة واحدة، شاعرة بغثيان قوي يهاجم معدتها، وأنفاسها تتراكم عند صدرها تتناولها بصعوبة، إلى جانب جروحها التي لم تلتئم تمامًا حتى الآن، وقد اهتاجت عليها نتيجة المجهود الذي بذلته في القئ. خرجت "رحيل" نحو غرفتها وهي تستند على الجدران، إلى أن ارتمت أخيرًا على فراشها غير قادرة على الرؤية بوضوح أو الوقوف على قدميها، أغمضت عيناها في محاولة منها لنسيان الألم، بعدما حذرها الطبيب من تعاطي مسكنات الألم القوية في شهور الحمل، مشيرًا للعواقب الوخيمة التي قد تصيب جنينها جِراء ذلك. هطلت عيناها بالدموع فجأة، وإذ بها تراه أمامها من جديد، مستعيدة في ذهنها كيف تخلّى وذهب دون أن يسأل ما هي جريمتهِ، كيف كانت هيّنة لتلك الدرجة المميتة للمشاعر!.. ألم يذكر لها شيئًا يُلين حديد قلبهِ!؟.
زاد بكائها الذي لم تفهم أسبابه الآن، وكأنها الهرمونات الطبيعية في جسدها قد تضاعفت تأثرًا بحزنها، فبدأت التقلصات تهاجم رحمها بشدة، معلنة ضرورة توقفها عن حالة البكاء الهيستيرية تلك، فتذكرت أخيرًا أن الطبيب قد حذر أيضًا من التوتر والعصبية وأي مثيرات للحزن في تلك الفترة الحرجة من حياة أي أنثى، لتتوقف على الفور من أجل طفلها الذي لا ذنب له من سوء اختيارتها، ومسحت بأصابعها على بطنها في رفقٍ، وهي تهمس بـ :
- خلاص مش هعيط تاني.. أنا أسفه.
وأغمضت عيناها عسى أن ترتاح من الآلام الجسدية والنفسية المتفرقة في أنحائها، لتدخل في نوبة نوم عميق گعادة الأيام السابقة، وتنسى معها كل ما تحس به من ألم.
**************************************
تضارب كبير أصاب مشاعرهِ، ومازال قاعدًا في مكانه عاجزًا عن التفكير، وكل ما يفعله هو النظر إلى اختبار الحمل الموضوع أمامهِ على سطح المكتب. رسميًا سرقت أطفاله وغادرت، إذًا هناك سبب أقوى لم يبحث هو عن أصوله، إذ كانت أنثى ناعمة رقيقة في كل الليالي التي قضاها معها، لم تنشد سوى الأمان والطمأنينة، لماذا تفتكر فجأة؟ لماذا ترغب في الإنتقام منه بدلًا من تعزيز علاقتها به بعدما علمت بشأن حملها؟، ثمة أمر مريب لم يفهمه حتى الآن، وعليه فكّ الشفرة حتى يستطيع إيجادها.
تأفف "هاشم" وهو يحيد بعيناه عن مركز تعلقهِ، ثم نهض عن مقعده وأخذ يجول في الغرفة وقد أصاب الصداع النصفي رأسه بألمٍ شديد، حتمًا هناك ثغرة تركتها، يستحيل أن يبقى عاجزًا هكذا ولا يستطيع إيجادها.
استرعى تركيزه صوت السيارة التي تعبر البوابة بالخارج، فخرج من مكتبه متيقنًا من إنه "مراد" وقد عاد لأرض الوطن، وبالفعل كان هو يترجل عن السيارة ويتجه نحوه وهو يسأل :
- في جديد؟.
كانت عينا "هاشم" محمرة بشكل مرعب، كأنه لم ينام منذ فترة، هذا إلى جانب ملامح الغضب التي أعتمت تعابيره بشكل كبير :
- عارف خدت البنت ليه!؟.
كان "مراد" مترقبًا جوابه، ليتابع "هاشم" :
- ودتها لأمها.
ارتفع حاجبي "مراد" مذهولًا من طريقة العقاب التي اختارتها "رحيل"، كانت الأصعب على الإطلاق، خاصةً لأب متعلق بإبنته مثل "هاشم" :
- وهي ليه تعمل كده؟؟.. أنا تصورت إنها خدتها لأن ليلى اتعلقت بيهم!.. يعني مسافة أيام وترجعها!.
هز "هاشم" رأسهِ بالنفي وكأنه متأكدًا من تخمينهِ المبني على حوادث سابقة :
- لأ، كاميليا بقالها أيام مختفية من بيتها وأمها قاعدة لوحدها.. تفتكر دي صدفة!.
نفخ "مراد" بإنزعاج وهو يرى تلك الحالة التي وصل إليها "هاشم"، بينما تابع الأخير وفي صوته اهتياج منفعل :
- الأتنين خدوا عيالي وهربوا!!.. فاكرين نفسهم هيعرفوا يـعاقـبـونـي، ده أنا هـبقى عمـلهم الأسـود.
قطب "مراد" جبينه في استنفار، وقد جذبته الكلمة الأخيرة :
- عيالك؟؟.. هي آ.....
أومأ "هاشم" رأسه بالإيجاب، وهو يحيد بعيناه عن النظر إليه :
- حـامـل...
**************************************
كانت أصدق لحظات الحُب، حينما ودعتها بقُبلة ناعمة وعناقٍ سخيّ، ثم ابتعدت عن الفراش بعدما تأكدت من إنها غفت تمامًا، دثرتها جيدًا ثم خرجت بهدوء وسحبت الباب من خلفها.
خرجت "كاميليا" وقد استعاد وجهها إشراقتهِ، وبدت گحالتها السابقة بعد أن رُدت إليها روحها، نظر إليها "مازن" في إعجاب وهو يقول :
- أنا مبسوط إنك رجعتي كاميليا اللي اعرفها.
تنهدت "كاميليا" بأريحية شديدة وهي تقول :
- وانا مبسوطة إن بنتي رجعت لحضني.. بس مش عارفه إزاي هقدر أسافر من هنا وهي معايا!.. لازم أبوها يوافق على السفر.
بدأ القلق يظهر في شكل تجعيدات صغيرة على وجهها وهي تتابع :
- مش لازم أسيب فرصة لهاشم ياخدها تاني من حضني يامازن، أنا معنديش استعداد لأي مجازفة.
ترك "مازن" كأس العصير خاصته على الطاولة وهو يقترح عليها :
- مفيش غير الهجرة غير شرعية.. غير كده هتفضلى هنا في مصر لحد ما البنت تكبر.
رمقته بإستنكار بعدما قدّم ذلك المقترح الردئ:
- هجرة غير شرعية؟.. وانت تفتكر ممكن أعرضّ بنتي وأعرضّ نفسي لحاجه زي دي ؟.
لم يتحمل "مازن" لأكثر من ذلك، فقد ضغطت "كاميليا" على أعصابه طيلة الفترة الماضية بشكل أتلف توازنهِ الإنفعالي، وحان الوقت للتنفيث عن ذلك :
- أمال فاكرة هتعملي إيه ؟؟.. هتفضلي هربانة هنا في الشقة دي انتي والبنت؟.. مسيره يوصلك، ليلى لازم تدخل مدارس وأكيد مش هتزوري شهادة ميلادها، أو هتتعرض لأي تعب زي باقي الأطفال وتضطري توديها المستشفى وساعتها بيانات بنتك هتكون على المشاع وسهل جدًا يوصلها منها.. طول ماانتي في مصر هيطولك هيطولك.. بلاش سذاجة يا كاميليا!.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وضع يده على كفها وهو يدنو منها وهتف بنبرة أكثر هدوءًا:
- وبعدين انتي مش بتفكري فينا خالص ياكاميليا، العلاقة دي أنا الطرف الوحيد اللي بيسعى فيها!.. طالما ليلى رجعت ليكي تممي جوازنا، وأي صعب أنا هبقى معاكي فيه.
سحبت يدها منه بإنفعال وهي تنظر إليه مستهجنة:
- أسيب مشاكلي وأروح أتجوز مش كده!.. عشان بدل ما كان أبوها خاطفها مني دلوقتي ياخد حضانتها بحكم المحكمة!! لو هي دي فكرتك يبقى خليها لنفسك يا مازن.
نهض "مازن" بعدما نفذ صبره عليها، سحب مفاتيحه وهاتفه وهو يقول :
- أنا اللي ماشي وخليكي مع نفسك يا كاميليا.
صفع الباب من خلفهِ بقوةٍ، وبقيت هي في مكانها، تفكر في وضعها الذي لم تجد له حلًا، سوى محاولة الجلوس على طاولة التفاوض من جديد مع طليقها، عسى ذلك يأتى بنتيجة عادلة، بعد أن أصبحت "ليلى" في عهدتها من جديد، وبدون أن تكون مقيدة بأي مخاوف أخرى أو تهديدات معقدة منه، فـ الآن هي الطرف الأقوى في هذه المعركة المفروضة عليها.
***************************************
كان السعال قد تمكن من صدرهِ، بعدما عاود التدخين من نرجيلتهِ التي تركها لمدة من الزمن بعد تحذيرات الطبيب المتشددة، لكن مع عودته إليها أصبح الأمر أشد صعوبة من ذي قبل.
ترك "حسين" الشاي خاصته ونظر إلى والده وهو يقول :
- كفاية ياحج بقى.. نسيت كلام الدكتور ولا إيه!.. أرحم نفسك مش كده.
لم ينتبه "حمدي" لكلمات ولده المحذرة، وتحدث كأنه لم يسمع شيئًا :
- هنعمل إيه ياحسين.. أول هام لازم تشوف موضوع العيال، أنا مقبلش عيال ولدي الكبير يعيشوا مع جوز أمهم.
لم يعبأ "حسين" بذلك الأمر كثيرًا ،فما يشغل عقله كان أكبر من ذلك بكثير :
- لما أخلص حكاية بنت عمي يا حج هبقى أشوف عيالي.. أنا لازم أنزل مصر مع طلعة النهار.
قذف "حمدي" بذراع النرجيلة وهو ينظر لولدهِ بإحتقان:
- أسمع ياحسين.. رحيل بقت في ذمة راجل، أنسى أي حاجه تانيه تخصها، كل اللي عايزينه ناخد المحلات حتى لو بالفلوس.. إنما هي متهمنيش ولا تعنيني تغور في داهيه هي وجوزها الملعون.
قطب "حسين" حاجبيه بإستنكار :
- مكنش ده كلامك ياحج.. ولا حريق البيت خفف قلبك!.
- أخـــرس ياواد قطع لسانك.. أنا خسرت راچل ومش هخسر التاني ياحسين.. مش هسيبك تحصل أخوك، وساعتها دم هاشم مش هيكفيني ولا هو ولا نسله.. هتبقى مجذرة يابني.
حضرت "سعاد" وهي تحمل طبق الفاكهه الكبير، ودخلت بدورها في الحديث :
- أبوك بيتكلم صح يا حسين، أبعد عن الشيطان ابن الشياطين يابني.
انتفض "حسين" من مكانه گالذي لدغه عقرب :
- إيه اللي بتقوله ده يابا.. بعد ما حرق الدار باللي فيها وسرق المواشي وخلانا حدوتة البلد كلها بتقولي أبعد!.. ده على جثتي.
نهض "حمدي" ليُهدئ من روع ولده ببضعة كلمات مبهمة :
- ومين قالك هنسيب حقنا يا حسين.. بس انا مش عايز أضحي بيك وانا باخد الحق يا ولدي.. أخد الحق صنعة برضو.
طرقات جامدة على باب المنزل، دفعت "سعاد" للإختباء لئلا يكون غريبًا أتى لزيارتهم، بينما فتح "حسين" الباب ليجد أحد رجال والده وهو يصيح أثناء الدخول :
- يابا الحج.. ألحق يابا الحج.
وقف "حمدي" مشدوهًا متوترًا وهو يسأل :
- في إيه ياواد؟؟.
كان يلهث گالذي قطع شوط كبير من الركض حتى انتهى به المطاف هنا، وحاول مجتهدًا أن يعاند أنفاسهِ الغير منتظمة وأن يروي سبب حالته :
- الست صباح حبش ياحج.. حطت يدها على المحلات وجايبه العمالة من الصبح وشغاله فيهم قال إيه ملـكهـا!.
ارتفعت حرارة "حمدي" لأقصى درجة، غير مصدق ذلك الخبر وكأن "رحيل" قد أقسمت على قتله بذبحة صدرية، أما "حسين" فلم يختلف عنه كثيرًا، بل إنه كان گالجمرة التي قفزت من فوق النيران، وطار مسرعًا للخارج غير مهتم بنداء والدهِ الصائح، بعدما فقد عقلهِ كله.
***************************************
الأجواء مظلمة في أغلب الغرف، لم يبقى أي إنسان هنا سواه هو، دخل إليه "مراد" ليجده ممدًا على الأريكة وعيناه مغطاه بجفونه المغمضة. زفر "مراد" أنفاسهِ وهو يقول :
- انت هتفضل هنا لحد امتى الموظفين كلهم مشيوا، بقالك أيام على الحال ده!.. وبعدين يا هاشم؟
حرر "هاشم" تنهيده حارّة من صدره وهو يقول :
- عشر رجالة بشنبات رايحين جايين يدوروا في كل مكان وهي فص ملح وداب!.. حتى كاميليا ملهاش أثر، وأنا ماسك نفسي على الآخر.
اعتدل في جلسته وهو يتابع بصوته الأجش :
- لو سيبت عليهم شيطان دماغي مش هيعيشوا يوم واحد على وش الأرض هما الأتنين.. حاسس إني لو مسكتها هموتها في إيديا.
- أهدى يا هاشم، المواضيع عمرها ما هتتحل كده.
رنّ هاتفهِ، فتناوله بغير شغفٍ وأجاب :
- هـا ؟.
تحفزت حواسه وبدت تعابير وجهه أكثر تحمسًا وهو يغادر جلستهِ :
- متأكد ؟؟.. يعني فتحت تليفونها؟.. ابعتلي location على الواتساب حالًا.
قالها وهو يجمع هاتفهِ وأغراضهِ :
- طمني ياهاشم وصلت لأيه؟.
- الشباب عرفوا يوصلوا لإشارة الخط اللي لقيناه.. أنا رايح على هناك على طول.
فتح أحد أدراجهِ وسحب منها سلاحه الخاص، فـ حدق فيه "مراد" وهو يستوقفه في مكانه :
- انت واخد مسدسك ليه؟!.
ازاحهُ "هاشم" عن طريقه وهو يجيب :
- الاحتياط واجب يابن عمي.
لحق به "مراد" خشية أن يرتكب أي جنون، لا سيما أن عيناه أطلقت نذير شرٍ، فصاحبه حتى يمنع الكارثة من الوقوع إن وقـعت...
*************************************'
أعدت "جليلة" مشروب الأعشاب الساخن، عساه يهدئ من حالها قليلًا، بعدما بدأ وجهها في الشحوب وظهرت عليها علامات الإعياء الواضحة. تركت "جليلة" الملعقة وخرجت وهي تصيح :
- يلا يارحيل عملتلك شويه أعشاب هيريحوا بطنك على الآخر.
تركته على المائدة ثم دخلت إليها غرفتها، فإذا بها ممدة على الأرض فاقدة تمامًا للوعي، لتطلق "جليلة" صرخ مدوية وهي تركض نحوها، في نفس اللحظة التي استمعت فيها لصوت الباب الذي يقرع بإنفعالٍ قوي، وهي تستغيث بغير وعي :
- بنتي.. حـد يلـحـق بنتـي يا نـاس!....
***************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"الإنتقام سكين له شفرتين، طرف مُوجع وطرف يُوجع."
____________________________________
لم تنتبه "جليلة" لهذا القرع المدوي بالخارج رغم إنه قوي وعنيف، بعدما وصل لمسامع "هاشم" صوت "جليلة" وصراخها المستغيث. أخيرًا سمعتهُ، وهمّت بالركض وهي تتنفس بصعوبة بالغة، لكي تفتح الباب للمنقذ الذي أتى في الوقت المناسب بالضبط، بعدما فشلت هي في حملها أو إسنادها، حيث فقدت الوعي تمامًا وتضاعف وزنها لتصبح أثقل من قدرة والدتها على مساعدتها.
فتحت الباب غير مدركة من الطارق، فإذا بها تصتدم بـ "هاشم" أمامها، فـ استغاثت به مجبرة، بدون أن تفكر في أي شئ آخر سوى إنقاذ ابنتها :
- ألحقنا يابني.. رحيل جوا مرمية على الأرض معرفش إيه اللي حصلها ألحقها أبوس إيدك.
هرع "هاشم" وعيناه المرتاعة تبحث في الرواق، غرفة أثنين وحتى ثلاثة وهي غير متواجدة، إلى أن أشارت إليه "جليلة" وهي تصيح لمقر غرفتها البعيدة عن الرواق، فدخل متعجلًا ليرى ذلك المشهد الذي روّع قلبه، انحنى عليها ووضع أصبعيه يفحص نبضها، كان ضعيفًا يصل إليه بصعوبة، وأنفاسها تكاد تكون مختفية، لم يتحمل صبرًا وحملها بين ذراعيهِ وقد بدأ وجهه في الإصفرار والبهتان. كل ذلك و "مراد" مشدوهًا متأثرًا بوقع المفاجأة، يسير من خلفه وهو لا يفهم ولا يشعر ما الذي دفع الأمور لتلك النقطة، لماذا تعرضت لهذه الأزمة الصحية المفاجئة لا يفهم.
فتحت "جليلة" باب المصعد لكي يخرج منه "هاشم" وهو يحملها، بينما كان "مراد" قد سبقه ليفتح باب السيارة ويستعد للمغادرة. وضعها "هاشم" برفق في الأريكة الخلفية وجلس لجوارها، ثم أغلق باب السيارة متعمدًا بينما "جليلة" واقفة هكذا، أتنتظر أم تجاور ابنتها في الجلوس؟ ؛ لكن فعلة "هاشم" كانت مفاجئة إلى حدٍ ما، فوجدت نفسها تفتح الباب الأمامي وتستقر بجوار "مراد"، ثم هتفت بصوت متحشرج :
- أطلع يابني على مستشفى الروضة اللي في آخر الشارع.. هنلاقي هناك الدكتور اللي متابعين معاه.
تجاهل "مراد" حديث "جليلة" تمامًا، ونظر لابن عمه في المرآة وهو يسأله بغموض :
- دكتور فتحي؟؟.
فكان جواب الآخر :
- بسرعة على هناك.
نقلت أنظارها المستنكرة بينهما وهي تصيح بإنفعال :
- هو انتوا هتمشونا على كيفكم!..مفيش وقت نروح لحد تاني ما الدكتور جمبنا أهو.
كان "مراد" قد بدأ في قيادة السيارة بالفعل، والصمت سائدًا لا أحد فيهم يتكلم أو يجيب عليها، فـ أصرّت الصمت هي الأخرى، بينما صدرها يعجّ بالنيران، منها الخوف الشديد، ومنها الذعر من وجودهم بين يدي "هاشم" من جديد، لا سيما إنها في أكثر حالاتها وهنًا وضعفًا.
التفتت "جليلة" تنظر لوحيدتها في قلقٍ، فكانت رأسها على فخذ "هاشم"، يرنو إليها بنظراتٍ لا تستطيع تحديد ماهيتها، هل هي شفقة أم اشتياق، حقد أم حنين، غضب أم سكينة.. نظرات دفعت "جليلة" لتتسائل في نفسها هل عليها أن تخشاه أم تطمئن لأنه أتى في الوقت السليم؟!.
**************************************
كانت تجلس وسط أهل الدار، مستأنسين ببعضهم البعض، يحتفلون بإمتلاك الدكاكين والمتاجر التي باعتها "رحيل" لعائلة حبش، حينما هبط "حمدي" على مجلسهم گالغراب ذا الفأل السئ.
أدخل الخادم "حمدي" عليهم بعدما وافقت "صباح" على دخوله، وعلى فمها ابتسامة النصر طاغية، وهي تدعوه للإنضمام إلى مجلسهم :
- ياألف أهلًا وسهلًا، أتفضل ياحج حمدي، لسه كنّا في سيرتك.
شمل "حمدي" الجميع بنظراتٍ مستهجنة وهو يقول :
- لسه مفيكوش راجل يا عيلة حبش عشان أكلمه!؟.. بدل ما انا كلامي مع النسـوان!.
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر إليها متعمدًا، فقابلت سخريته وإنتقاصهِ منها بإبتسامة مثيرة لإزعاجهِ :
- مش هنرد عليك، أنت برضو راچل مصدوم واحنا هنقدر ده.
نهضت "صباح" عن جلستها فتبعها عدد من الرجال، حتى أصبح العدد غفيرًا بالنسبة لغرفة لم تكن كبيرة في مساحتها، ثم وقفت على بُعد مترين منه وهي تسأله بإستهزاء :
- شور عليا يا حمدي ياطحان، نعمل إيه في الدكاكين الچديدة؟!.. أنا قولت نهدّهم ونطلع بأبراچ فخمة كده، بس الرچالة عايزين نشغلهم في التچارة، ما تشور علينا!.. انت برضو خبرة وفي يوم كان الملك ده ملكك.
لم يهتم "حمدي" بكل ما قالته، وعرض عليها عرضه الأخير :
- هديكي اللي دفعتيه وأكتر ياصباح، بس تسيبي الدكاكين وتفرّي.
منعت "صباح" ضحكة رقيعة كادت تخرج من بين شفتيها، واكتفت بضحكة هازئة :
- لو دفعتلي مال قارون كله، ميساويس الدكاكين دي.. خلاص مبقتش مقسومالك.. أنساها احسن.
دنى "حمدي" خطوة، فـ تجمع الرجال حول منه وقد قال واحد منهم :
- أديك خدت الرد ياحچ، ما تفارقنا بقى عشان السهرة صباحي ومش طالباك خالص!.
تجاهله "حمدي" وظلت عيناه نحو "صباح" وهو يهدر بـ :
- خدي فلوسك وفارقي يا بت الناس بدل ما تخسري كل حاچه، أنا مش هسيب ملكي مهما حصل!.
- كـان ملكك ياحمدي.. قصدي كان مِلك بت أخوك، وهي خلاص بـاعت، باعت المِلك وباعتك وباعت الاهل والأرض.. يلا مشّي ياحمدي، طلبك مش عندي، روح دور في حته تانيه.
وأشارت لأحد صبيانها الصغار :
- وصلوا الحچ ياولاد.. يلا عشان العشا زمانه خلص.
والتفتت مولياه ظهرها في تجاهلٍ متعمد، ليحس "حمدي" بإهانة مباشرة موجهه إليه، وكل ذلك يعود لـ "رحيل"، تلك النبتة السوداء التي عجز عن السيطرة عليها، فـ أقحمته وأهله في كل ما هو فيه الآن. تضاعفت الكراهيه في نفسه، وأحس إنه يريد الإنقضاض عليها، تهشيم عظامها وسفك دمائها جزاءًا لفعلتها، لم تكتفي بالتمرد عليه فحسب، بل إنها شاركت في الإنتقام منه بأسوأ الطرق - حسب ما يظن -.
**************************************
كانت عيناه تأتي وتذهب عليها، وهي جالسة غير شاعرة بمراقبته لها، وكل ما يشغل بالها هو ابنتها الراقدة بالداخل، أما هو فكان كتلة من السعير على نار هادئة تحافظ على إبقاءهِ مشتعلًا.
خرج الطبيب برفقة مساعدتهِ وعيناه نحو "هاشم"، حيث انتفض الأخير من مكانه وتحرك نحوه ليسأل :
- في إيه طمني؟.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ربت "فتحي" على ذراعهِ قائلًا :
- متقلقش الوضع مش خطير بالشكل اللي متخيله، لكن ممكن يتطور لحاجات مش لطيفة لو متمش العلاج.
تدخلت "جليلة" لتسأله في هلع :
- طمني يادكتور بنتي مالها ؟.
فأجابها الطبيب :
- ضغط واطي يا حجة، وكمان التحاليل مش أفضل حاجه في بعض القيم لازم نظبطها عشان حملها يمشي طبيعي وكويس.
تدحرجت نظرات "جليلة" للأسفل، وكأنها تحرّجت من ذكر الحقيقة - التي اعتقدت إنها مازالت مخفية - :
- أنيميا وضعف وكمان مفيش تغذية كويسة، ده غير إن الغدة الدرقية كسلانه وهنحتاج نعوض الهرمون المفقود ده بأقراص، وطبعًا هنتابع الضغط بصفة مستمرة.. هي متابعة مع مين؟.
تدخل "هاشم" على الفور ليمنع "جليلة" من التحدث :
- مع هدى سماحة يا دكتور.. احنا لسه هنروح نتابع معاها.
- طب حلو جدًا.. دكتورة هدى ممتازة وهتكون مطمن عليها أكتر، الف سلامة عليها وربنا يقومهالك بالسلامة.
أومأ "هاشم" رأسه بالإيجاب بينما مرّ الطبيب من أمامه، فسألته "جليلة" بفضول وقد بدأت عيناها تضطرب بوضوح :
- هدى مين اللي بتكلم عنها؟؟.. بنتي راحت لدكتـ......
قاطعها "هاشم" ليسأل سؤاله الذي تأجل لكل هذا الوقت :
- ليلى فين ياجليلة هانم؟؟.
ازدردت "جليلة" ريقها وهي تشيح بنظراتها المتوترة عنه، فأعاد "هاشم" سؤاله بنفاذ صبر :
- أكيد مش هستنى أكتر من كده عشان أعرف بنتي فين!.. كفايه أوي المدة اللي فاتت!
لم تكذب عليه أو تدس الأمر أكثر من ذلك، فهو أب ويحقّ له أن يعلم عن مكان ابنته :
- أطمن.. هي مع مامتها.
ابتسم "هاشم" من بين غيظه الذي تفاقم في هذه اللحظة، مانعًا نفسه من أي تهور أو إندفاع - على الأقل حاليًا - :
- عندك حق ياهانم.. أنا كده اطمنت فعلًا!.
نظر في ساعة يده قبل أن ينظر إليها من جديد :
- مراد مستنيكي تحت.. هيوصلك البيت تجيبي هدوم لبنتك عشان تخرج من المستشفى، أكيد مش هتطلع بالمنظر ده!.. ولما نروح نكمل كلامنا.
أومأت "جليلة" برأسها متفهمة حالة السكون - المؤقت - التي هو عليها الآن :
- ماشي.. بس أمانة عليك تـ........
- لما نروح يا هانم نبقى نتكلم، ده مش مكانه ولا وقته..ولا إيه؟!.
- صح.
انسحبت "جليلة" لكي تنفذ أمرهِ، خاصة وإنها ترتعب من لحظة المواجهة الآتية، والتي ستكون بين ابنتها وبين "هاشم"، لذا عليها أن تتهيأ نفسيًا لكي تقف جوار ابنتها أمام "هاشم" وردّ فعله الغير متوقع.
راقبتها عيناه، مراقبة دقيقة متفحصة، حتى غابت عن الممر الطويل الذي يقف فيه، فمشى بالإتجاه الآخر حيث وجد طاقم التمريض الخاص بقسم الطوارئ، فأشار لإحداهن لتقترب منه فقال :
- من فضلك مراتي تعبانه جوا ومحتاج حد يخلص إجراءات الخروج عقبال ما اجيبها.. ممكن تقومي بالمهمة دي نيابة عني؟.
ووضع في جيب معطفها الطبي الأبيض حفنة من النقود لا بأس بها، أحست بملمسهم المغري فـ ابتسمت له وهي تقول :
- من عيوني.. ألف سلامة على الهانم.
وركضت لكي تلبّي طلبه مقابل سخائهِ اللامحدود، بينما دخل "هاشم" إليها وعلى وجهه تعابير الودّ الرحيم وهو يهتف بـ :
- سلامتك يا روحي.. ده انا قلبي واقع في رجلي لحد دلوقتي.. هاتلنا كرسي من فضلك.
نظرت إليه الممرضة بإبتسامة عذبة وهي تنزع المحلول الموصول بوريدها:
- حمدالله على السلامة.
فأخذت هي أيضًا نصيبًا من سخائهِ اللامتناهي، لتغادر وتتركهم بمفردهم، حينما كانت "رحيل" في حالة مائلة لعدم الإدراك، متأثرة بدوران الرأس الذي لم يفارقها بعد. نظرت إليه بعيون مشوشة، لكي تضرب ذاكرتها ذكرى سماعها للحقيقة المبرحة، فبدأت كسرات التجاعيد تنتشر على صفحة وجهها، واعتصرت عيناها تكافح ألم كتفيها ورقبتها أثر سقوطها المفاجئ، ثم تشنجت وهي تحاول النهوض من رقدتها :
- أنا عايزة أروح من هنا.
ثبتّ "هاشم" كتفيها بيديهِ لكي تعود للإسترخاء من جديد، ثم أشار للممرضة التي عادت بالمقعد المتحرك قائلًا :
- حالًا هنمشي يا حببتي.
تناول منها المقعد ومازالت ابتسامته المصطنعة على محياه :
- شكرًا.. أنا هنقلها عليه بنفسي تقدري تتفضلي.
بالفعل خرجت، فـ شرع "هاشم" في حملها بهدوء رزين بينما حاولت هي أن تقاومه بقوةٍ غير موجودة :
- لو سمحت نزلني.. سيبني أنا هقوم لوحدي.
أراح جسدها على المقعد وهو يمسح على شعرها قائلًا :
- وانا أقدر اسيبك برضو!.
ثم دفع مقعدها للخروج من هنا، وهو يشتت ذهنها بكلماتهِ لئلا تلاحظ غياب "جليلة" :
- حالًا هنروح وتاكلي وترتاحي متشيليش هم حاجه.
فركت "رحيل" وجهها ومازالت تشعر بإندمال فيه، ثم سألته بدون أن تسهو عن غياب والدتها :
- ماما فين؟.
- روحت البيت عشان تحضرلك أكل.. انتي محتاجة تغذية.
وقف عن دفع مقعدها ثم التفت نحوها وانحنى وهو يشير نحو بطنها التي تحمل قطعة منه، ليقول في خبثٍ :
- انتي دلوقتي اتنين في واحد.. يعني لازم تاكلي كويس ليكي ولأبني اللي جاي.
فهمت إنه علم بشأن حملها، فـ بدأ الإرتباك يختلط بملامح التعب الواضح على تعابيرها، وقبل أن تتفوه بكلمة أخرى كان يربت على كفها قائلًا :
- متقلقيش هنتكلم في كل حاجه.. بس لما يتقفل علينا باب الأول.
ثم تابع دفع مقعدها حتى خرج من المشفى نهائيًا، وإذ بسيارة تنتظره بالخارج والسائق جوارها، فأشار إليه لكي يذهب من هنا، حيث أجلسها بالأمام وأصر هو على القيادة، لكي يذهب بها بعيدًا عن هنا، وكأنه اختطاف مقنن، بدون أي مجهود يذكر، وبدون أن تشعر حتى بإنه يعدّ لها فخًا لا قـاع لـه.
**************************************
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"البذرة الوحيدة التي لا تحتاج لمواسم الصيف والشتاء لكي تنبت هي بذرة الكراهية، تنبت في دقائق، وتزهرّ وتنمو خلال لحظات قلائل."
____________________________________
أخيرًا وصلت للمنزل، من أجل إحضار بعض الحوائج التي ستلزمها للخروج من المشفى، مازالت قلقة، خائفة، مجردة من الشعور بالراحة، منذ أن تركت المشفى وهي تخشى المواجهة بينهما وإلى ماذا ستؤدي، بذلك كانت تتعجل الوصول لكي تعود إليها بسرعة.
أدخلتهُ "جليلة" لكي تغلق الباب وقالت :
- أدخل يا بني.. أتفضل ارتاح انا مش هغيب، يدوب أحط الحاجه ف الشنطة وآجي على طول.
أوقفها "مراد" في مكانها وهو يقول :
- مفيش داعي يا حجه.. زمانهم مشيوا من زمان.
قطبت "جليلة" جبينها في استغراب وهي ترنو إليه بتوترٍ :
- يعني إيه!.. يمشوا إزاي وعلى فين ؟
ابتسم "مراد" بتوددٍ كي لا تشعر بالريبة، وحاول إقناعها بأن ذلك في صالح الجميع:
- انتي مش عايزاهم يتصالحوا ولا إيه؟.. خلينا نسيبهم مع بعض شويه يحلوا المشاكل اللي بينهم إحنا مالنا!.
حجبت "جليلة" بعض الإنفعال، إلا أن البعض الآخر قد طفى على صفحة وجهها وهي تقول :
- مفيش حاجه هتتحل يابني.. بنتي دماغها ناشفة انا عرفاها! وبعدين مش كان يقولي الأول ويشور عليا!.
أشار إليها "مراد" لكي تجلس، ومازال يتبع نفس أسلوبه الرزين :
- أقعدي بس يا حجة.. تعالي اتفضلي.. انتي زعلانة ليه، مش كده أحسن ما الطفل اللي جاي يعيش من غير أب؟ ؟.
كأنه لمس الوتر الحساس لدى "جليلة"، الشعور الذي تعاني منه منذ إتمام الطلاق، وهو صعوبة العيش بطفل بدون أن يعلم والده به، ودّت لو أن "هاشم" يعلم بشأن حملها حتى وإن لم تعود حبال الودّ؛ لكن الآن تشعر بالخطر رغم إنها لم ترى منه ما يشير لذلك.
شردت "جليلة" لوهله، مما أشعر "مراد" بتأثيره عليها، فتمادى بذلك لكي ينهي ذلك الجدل :
- متقلقيش ياحجة جليلة، صدقيني ده أفضل ليهم هما الأتنين، زي ماانتي عارفه هاشم مش بيسيب ولاده بعيد عنه، يبقى الأفضل لرحيل إنها ترجع لجوزها وتكون جمب ابنها أو بنتها اللي جايين وتضمن مستقبل كويس ليهم، مفيش حل غير ده.
- طب وانا؟؟.. انا عايزة اطمن على بنتي وأعرف اللي حصل إيه!.. ده حتى التليفون مش معاها.
- أنا هاخد منك التليفون وأوصله بنفسي ليها، وهخليها تكلمك وتطمنك عليها.. تمام؟.
ترددت ما بين مدى صحة ما يحدث من خطئهِ، هل هذا لصالحها أم على العكس تمامًا، حتى إن كان العكس، ماالذي تستطيع فعله سوى الإنتظار!.
*************************************
لقد حقق جزءًا من مآربهِ، الوصول إليها بعد كل تلك الليالي الطويلة في حد ذاته انتصار له، حتى وإن وصل إليها متأخرًا أفضل من أن لا يصل نهائيًا.
كانت طيلة الطريق مغيبة عن الإدراك التام، معتقدة إنها بأمان معه، حتى وإن كانت لا تطيق سماع أنفاسهِ التي تكاد تعدّها. لم تتخيل أو تشك في أي من نواياه، لذلك قطع بها كل تلك المسافة وهي لا تشعر حتى بالوقت. الآن هي ممدة على فراش ناعم للغاية، لا يشبه فراشها الذي اعتادت عليه في بيتهِ، مريح جدًا، لدرجة جعلتها تُجبر مداركها على الإنتباه، حتى تستطلع في أي مكان هي!. فتحت عيناها نحو السقف، كان مجوفًا گلوحة فنية بشكل خطير جاذب للنظر، أدارت رأسها لليسار ثم إلى اليمين، كان جالسًا هناك يتطلع إليها في ثبات شديد، لم يليق أبدًا بذلك البركان الحميم الذي يندلع من أحشائهِ، ينتظر اللحظة التي ستفيق فيها لكي يبدأ أول حوار بينهما بعدما اختفت تمامًا.
كانت نظرته إليها كفيلة لأن تفهم أن ما حدث لن يمر مرورًا كريمًا، لذلك اعتدلت في نومتها وكادت تنهض عن الفراش، لولا إنه أشار إليها كي تتوقف :
- خليكي زي ماانتي.. الدكتور محرج عليكي أي مجهود.
بسمة ساخرة ظهرت على يمين ثغره وهي يتابع :
- عشان سلامة ولي العهد!.
ازدردت ريقها في قلقٍ وهي تسأله بشئ من الحرج :
- هما قالولك في المستشفى؟!.
هزّ رأسه بالنفي وهي يُطلعها على الثغرة التي تركتها گالبلهاء من خلفها :
- عارف من قبلها.. اختبار الحمل اللي نسيتيه في الباسكت!.. ما هو الحرامي كده لازم يسيب وراه أثره!.
اتسعت عيناها بذهول مستنكر من تشبيهها باللصوص:
- حرامي؟!.. آ.....
نهض عن مكانه، وفي طرفة عين كان يقف أمامها منحنيًا عليها، حتى وصلت رائحة أنفاسهِ المُحملة بالكافيين لأنفها :
- أمال سرقتك لبنتي دي تتسمى إيه؟.. كنتي بتهزري معايا مثلًا؟.
كانت تُقيم ظهرها، إلا إنه دفعها لكي تعاود مرة أخرى :
- قولت متتحركيش من مكانك.. ولا خلاص مبقتيش تفهمي الكلام!.
وخزتهِ كانت مؤلمة مرتين، مرة لكتفها ومرة لنفسها التي أحست بالجفاء والقسوة، ورغم ذلك تحاملت على نفسها كي تتابع معه ذلك الحوار السخيف :
- أنا مسيبتش حاجه ورايا!.. انت أكيد بتألف.
تغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر حِدة، وهي تعترف أخيرًا بما لم يسمعه من قبل :
- زي ما ألفت عليا إنك بتخاف علينا وإنك هتحمينا، وانت كل همك الأرض.. الأرض اللي تمنها فوق الـ ٣٥ مليون وانت أخدتها مني بـ عشرة بس ومفهمني كمان إنك مزود في الفلوس عشاني!.. انت مش بس ضحكت عليا!.. انت غـشاش.. مثلت عليا وخلتني أقتنع بيك وبجوازي منك وانت مفيش في بالك غير مصلحتك وبس....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كانت تقول كلماتها الأخيرة وقد بدأت عيناها تفيض بالدمع، أخيرًا صرخت في وجهه وخرجت من صمتها اللعين الذي كاد يقتلها كمدًا، وتابعت بدون أن تتوقف عن الصراخ، وهو يستمع لأسبابها الغير معلنة لطلب الطلاق منه لأول مرة :
- خدتني سـلم عشان تاخد اللي عايزه من أهلي وتكسرهم وانت مش حاسس إنك بتكسرني أنا.. أنا مطلبتش غير إنك تحميني.. تحبني، تعوضني السنين اللي فاتت والجوازة اللي مكنتش بأختياري!.. بس انت طـلعت أسـوأ منهم كـلهم.. على الأقل محدش فيهم مثّل عليا وخدعـني زيك!.
أطبقت أصابعه على فكّها يكاد يعتصره، وصوت أنينها بالكاد يخرج من بين شفتيها بصعوبة بالغة وهي تحاول الفكاك من قبضتهِ الصلبة، بينما صوتهِ گزئير متوحش ومخيف :
- لولا إنك شايلة ابني جواكي أنا كنت حاسبتك على كل حرف بتقوليه، بس متقلقيش.. الحساب جاي جاي وانا مش بنسـى أبـدًا.
أخيرًا حرر فكّها لتطلق آهه متألمة وهي تتحسس موضع أصابعه، حينما سألها بدون مراوغة وصوته يكاد يشقّ الجدران من شدته :
- لـيلـى فـين!؟ .. ولو حاولتي تلفي وتدوري هـ.....
قاطعت صوته بإباءّ وكِبر :
- ليلى مع أمها.. في المكان اللي تستحقه، أنت متستاهلش تكون أب لملاك زي ليلى!.
مازالت تضغط على عروقهِ النافرة بالفعل، متعمدة وبشكل صارخ أن تستقطب أسوأ ما فيه، حتى استسلم "هاشم" لرغبتها وصفعها صفعةٍ جعلت أصابعه تحترق من شدتها، وخيط الدم قد بدأ يتسرب من جانب شفتيها في ذهولٍ منها، إذ شدد قبضتيه على ذراعيها وهو يهزّها بعنف :
- عشان كده خبيتي عني إنك حامل!.. كنتي فاكرة إنك هتاخدي عيالي الأتنين مني؟!.. ده انتي لسه متعرفنيش صحيح!، بس انا هعرفك يارحـيل.. لو مخلتكيش تندمي على كل حاجه مبقاش أنا هاشم، أنا هوريكي السواد الحقيقي.
تركها جامدة مصدومة على الفراش وخرج من الغرفة، خرج وأغلق عليها من الخارج لكي يمنع أي حركة لها أو أمكانية للخروج من هنا، نظرت لأصابعها التي لمست دفئًا غزيرًا على وجهها فترآى لها الدماء السائلة من بين شفاها، فـ اجهشت بالبكاء وهي تمسح الدماء قبل أن تسيل على ثيابها، حقًا كانت صدمة غير متوقعة، لم تتخيل إنها خُدعت به لهذه الدرجة، لقد كانت عمياء تمامًا، ودخلت بقدميها للوكر الذي لا تدري كيفية الخروج منه آمنه، إلى جانب حملها الذي سيجعل الطريق بينهما طـويـلًا.
**************************************
مقعد واحد أسفل البساط الأسود من السماء والمزدان بالنجوم التي تلألأت في تلك الليلة الهادئة، أمام سفح البحر الذي هاجت أمواجهِ ما بين مدٍ وجزر، جلس يتأمل ما حدث بالأيام الماضية، وكيف تحولت لشخص آخر مع أول دعسة منه على ذيلها، حرفيًا خرج منها إنسانه لا يعرفها، ولم يتوقع منها الغدر لمجرد الإنتقام منه، بعد أن بدأ هو بخداعها.
صوت الأقدام التي تسير على الرمال كانت تقترب من آذانهِ، فـ حانت من رأسه التفاته استطاع من خلالها التنبؤ بهوية الزائر، ثم عاود النظر لتلك الظلمة التي تتلألأ بإنعكاس ضوء القمر عليها وهو يسأله :
- عملت إيه؟.
جلس "مراد" على الرمال بملابسه، وانغرزت أصابعه في برودة الرمال وهو يجيبه :
- اتفاهمت معاها بطريقتي.. وخدت منها هدوم رحيل وحاجاتها والتليفون كمان عشان تكلمها تطمنها.
نظر إليه "هاشم" بنظرات مستنكرة ليقول :
- تليفون إيه!!.. انا ولا هسيبها تكلم حد ولا تشوف حد! لحد ما أعرف انا هعمل إيه معاها.
تنهد "مراد" وهو يحاول لفت انتباهه للخطر الذي تمثله "جليلة" :
- لو مسمعتش صوت بنتها عمرها ما هترتاح .. هتفضل تدور وراك وتعملنا صداع احنا في غنى عنه!.
- مش فارقه كتير.
- هاشم.. متنساش إنها حامل.
زفر "هاشم" أنفاسهِ الحارّة قبل أن يهتف بـ :
- ماهو ده اللي مصبرني عليها.. لولا كده كان زمان الموقف مختلف تمامًا.
كان "مراد" يشاركه التفكير بصوت مرتفع :
- يمكن القدر عمل كده عشان ينجيها من تهورك هي وإبنك اللي جاي!.
ضاقت عينا "هاشم" غير راضي عن ذلك التحليل :
- وبنتي اللي راحت؟!.
- بنتك عمرها ما هتروح لسبب بسيط جدًا.. أولًا كاميليا مش هتعرف تخرج بالبنت من مصر من غير أذنك، ثانيًا إحنا مفتحين عينا على كل حاجه ممكن نلاقي فيها أثر أو سجل للبنت، مدارس ومستشفيات ونوادي.. قريب أوي هنعرف هما فين.
نهض "هاشم" من مكانه بعدما سئم ذلك الحوار الغير مُجدي، حينما كان "مراد" يتابع :
- أنا جيبتلك الأكل اللي طلبته وسيبته في الشالية.
مشى "هاشم" بإتجاه (الشالية) وعقله يفكر في حل يدفع به للوصول إلى ابنته، هذا الأمر الذي استحوذ على كامل إدراكه ولم يعد يفكر في شئ سواه. أخذ حقيبتها وبدأ يتجه نحو الغرفة الداخلية التي احتبسها فيها، فتح الباب بمفتاحهِ ثم ولج، مازالت راقدة في نفس المكان، وكأنه الجمود قد تمكن من جسدها فلم تقوَ على الحركة. ترك الحقيبة جانبًا ومازالت عيناه ترنو إليها بغيظٍ يكبحه عنها :
- هدومك وحاجتك في الشنطة دي.
أخيرًا تحرك جسدها لتغادر الفراش وهي تصيح بـ :
- أنا همشي من هنا.. مش عايزة أقعد معاك دقيقة واحدة.
تمالك أعصابه التالفة بالفعل وهو يقول :
- للأسف ده مبقاش خيار متاح ليكي، كان عندك الفرصة دي لما سيبتك تمشي بهدوء وانتي رفصتيها برجلك، يبقى متلوميش إلا روحك.
صرخت في وجهه بدون أن تأبه بأي نتائج :
- يعني إيه هقعد معاك في الحرام!؟؟. هو بالعافية؟!.
بسمة ساخرة، وقد تكون ماكرة خبيثة، صعدت على محياه في تسليةٍ وهو ينبئها بالخبر السعيد - وربما تعيس - :
- معلش نسيت أقولك.. مش أنا رديتك!.
حدقت عيناها بذهولٍ مصدوم، أمرًا لم تكن تتمناه - الآن على وجه الخصوص -
وظلت هكذا للحظات، لم ينفك جليد حلقها حتى تابع هو بفتور شديد :
- حقك عليا ملحقتش أعرفك.
رددت الكلمة غير مصدقة إنها عادت مجددًا لذلك الأسر؛ لكن هذه المرة بغير إرادتها :
- رديتنـي!!.
- آها.. ماانا مش هسيب ابني لواحدة غدارة زيك تربيه لوحدها، ولا إيه رأيك ؟.
التفت لكي يتركها تعيش صدمتها بحرية، مستمتعًا بتلك التعابير التي طغت على وجهها؛ لكنها لم تظل في جمودها سوى لحظة واحدة، لحظة فرقت بينها وبين التقاطها للمزهرية الفارغة التي كانت تتوسط المنضدة الصغيرة، وفي لمح البصر كانت تركض خلفه لئلا يخرج قبيل أن تترك عليه أثرها، وبالفعل كانت تكسر المزهرية على رأسهِ وهي تصرخ بأعلى صوت، كأنها طاقة الكراهية التي بدأت تفور من غليان صدرها، وقد انبعثت لئلا تحترق هي بـها....
**********************************
