رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1 بقلم سارة علي

رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1 بقلم سارة علي

رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة سارة علي رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1

رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس بقلم سارة علي

رواية نفوذ عاشق قيصر وشمس الفصل الاول 1

هبطت شمس من سيارة الأجرة بعدما أعطت السائق أجرته لتضغط على جرس الباب فتفتح شقيقتها لها الباب وهي تقول بتذمر :
" لماذا تأخرتِ ..؟! لقد قلقت ماما عليكِ .."
دلفت الى الداخل دون رد لتستقبلها والدتها وهي تهتف بضيق :
" لقد قلقت عليكِ بشدة يا شمس .. لا تفعليها مرة أخرى من فضلك .."
ردت وهي ترمق والدتها بنظرات جاهدت لتجعلها عادية :
" اسفة ماما .. أخبرتك عندما إتصلت بي منذ نصف ساعة إنني خرجت لتناول الطعام مع رنا .. "
حدقت والدتها بملامح وجهها الغريبة قبل أن تسأل :
" هل أنتِ بخير ..؟! هل هناك شيء ما ..؟! تبدين حزينة او منزعجة .. لا أعلم بالضبط .. ولكن يبدو إن هناك شيء ما .. ما بكِ يا شمس .. ؟!"
سمعت صوت أختها الصغرى ربى تهتف بضيق :
" ماما أنا جائعة .. دعينا نتناول طعامنا اولا وبعدها تحدثي معها كما تشائين .."
كتمت دموعها بصعوبة وهي تهتف بصوت متحشرج :
" عن إذنكم .. أرغب بالنوم لساعتين فأنا مجهدة قليلا .. " 
إنسحبت بسرعة نحو غرفتها الصغيرة تحتمي بها لتغلق الباب خلفها وتسقط بجسدها أرضا تبكي بصوت مكتوم وروح تشعر بإن إنتزاعها بات وشيكا ..
ظلت تبكي بصوت خافت حتى فرغت ما في جبعتها من نحيب ودموع لتنهض من مكانها وتتجه نحو الخزانة بخطوات ضعيفة فتخرج بيجامتها الزهرية ثم تخلع ملابسها وترتديها ..
انتهت من إرتداء بيجامتها لتتجه نحو فراشها وتتسطح عليه وهي تجذب الغطاء الثخين فوقها عله يمنحها شعور الأمان الذي إفتقدته بالكامل بعدما حدث ..
أغمضت عينيها وهي تقاوم إرتجافة جسدها المرتعب من كل ما يحدث وعقلها يصور لها أبشع السيناريوهات لما ينتظرها لتغفو بعد تفكير امتد لأكثر من ساعة لتفتح عينيها بفزع بعد عدة ساعات بسبب ذلك الكابوس الذي كان يحاوطها طوال نومتها ..
اعتدلت في جلستها وهي تضع كفها على قلبها الذي ينبض بعنف ثم تبدأ في قراءة ما تحفظه من آيات قرآنية تخفف عنها وطأة ما حدث ..
أغمضت عينيها وعادت بجسدها الى الخلف مستندة بعدما إنتهت من قراءة الآيات التي جعلتها تهدأ قليلا لتتذكر تلك الكوابيس التي حاصرتها بقوة طوال نومتها تلك .. كوابيس متعددة لا تتذكرها جميعها .. مرعبة بشدة خاصة ذلك الكابوس الذي ظهر به ذلك الرجل وهو ينظر اليها بملامح مرعبة قبل أن تجده ينحني نحوها بتمهل ثم يخرج فجأة من الخلف سكينة حادة ليطعن بها قلبها بقوة بينما اختفت فجأة الشمس المشرقة التي كانت تحيط المكان من كل صوب فيحل الظلام والذي لا يظهر منه سوى عينيه المخيفتين ..
تشنج جسدها وهي تتذكر هذا الحلم الذي شعرت بتفاصيله تحفر داخل قلبها خاصة تلك الطعنة التي تشعر بها حتى الآن ..
أغمضت عينيها بخوف حقيقي قبل أن تفتحهما على صوت طرقات على باب غرفتها لتسمح للطارق بالدخول فتدخل والدتها إليها وتهتف بها :
" ما كل هذا النوم يا شمس ..؟! إستيقظي هيا .. هل أصبحتِ أفضل الآن ..؟!"
حدقت بوالدتها التي نسيت خصامها صباح اليوم ما إن شعرت بحزنها لتضغط على نفسها بقوة كي لا تخبرها بما حدث وهي تذكر نفسها بسلطة وقوة تلك العائلة وذلك المدعو قيصر والذي لن يتردد لحظة واحدة في أذية عائلتها الحبيبة .. عائلتها التي لن تقبل بكل هذا وبالتأكيد سوف يثوروا لكنهم لن يستطيعوا أن يفعلوا أي شيء بحالتهم المتوسطة أمام نفوذ وسلطة تلك العائلة وهي لن تجازف بوالديها أبدا فلا ذنب لهما ولا لإخوتها بتلك المصيبة التي وقعت بها دون ذنب منها هي الأخرى ..
أجابت والدتها بصوت مبحوح :
" أنا بخير ماما .. أنا فقط متعبة قليلا .."
سألت والدتها مرة أخرى :
" أخبريني إبنتي .. ما سبب حزنك ..؟!"
أغمضت عينيها للحظة ثم فتحتها وردت بعينين دامعتين :
" لقد عرفت السعي السنوي لإحدى المواد الأساسية والذي تبين إنه ينقص سعيي الحقيقي بحوالي أربعة درجات وعندما تحدثت مع الإستاذ طردني .."
كانت تكذب لكنها مضطرة فوالدتها سوف تقتنع بكذبتها هذه وهي تعلم جيدا مدى كره إبنتها لتصرفات كهذه فهي لا تتحمل أن يؤذيها احد او يهينها أبدا ..
همست والدتها بجدية :
" ربما أنتِ من تحدثت معه بإسلوب غير ملائم قليلا يا شمس .. فأنا أعلم إن شيء كهذا سيغضبك بالتأكيد .. وأنتِ عندما تغضبين تتصرفين بلا وعي أحيانا .."
لم تجبها شمس بينما أكملت والدتها وهي تربت على كتفها بحنو:
" لا تزعجي نفسك .. حاولي أن تتحدثي معه مرة أخرى وإذا شعرت بنفسك مخطئة اعتذري منه .. حسنا .. "
أومأت برأسها بوجه متصلب ودموع حبيسة لتهتف والدتها وهي تنهض من مكانها:
" هيا انهضي وتعالي معي لنصّب العشاء سويا  فأنا إنتهيت من إعداده .."
ردت بخفوت :
" لا شهية لدي للطعام الآن .. دعيني أذاكر قليلا فالإمتحانات اقتربت .."
أومأت والدتها بتفهم ثم قالت :
" كما تشائين .. سوف أعزل لكِ طعامك .. تناوليه عندما تجوعين .."
هزت رأسها وهي تنظر الى والدتها التي خرجت بدموع سرعان ما سالت على وجنتيها بقهر ..
مسحت وجنتيها بعنف وهي تتمنى لو تحدث معجزة وينتهي كل هذا ..
أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها لتحمله فتجد رقما خاصا يتصل بها لتجزع كليا وهي تكاد تجزم بهوية المتصل ..
سيطرت على نبضات قلبها الهادرة وهي تجيب ليأتيها صوته البارد يهتف بها :
" من الجيد إنكِ أجبتِ على اتصالي من المرة الأولى ..هذا يعني إنك بدئتِ تستوعبين الواقع وما عليكِ فعله .. "
" ماذا تريد ..؟!"
سألته بإقتضاب ليرد عليها بصوت متسلط :
" غدا في تمام الساعة العاشرة سوف تكونين عندي في نفس المكان ..سوف ينتظركِ رجالي في نفس المكان الذي أخذوكِ منه .."
قاطعته بنزق :
" لن أركب مع رجالك فأنا لا أركب مع الغرباء .. كما إن هذا المكان يمر به طلاب جامعتي ومن ضمنهم زملائي في الدفعة وأنا لن أخاطر بسمعتي أبدا .. ألا يكفي خوفي من أن يكون أحدهم قد رأني وأنتم تختطفوني من هناك .. ؟!"
توقفت عن حديثها وهي تنتظر أن تسمع رده ليأتيها صوته الهادئ :
" هناك رجل سينتظرك في سيارة تاكسي بالقرب في المكان الذي تريدنه .. سوف تركبين معه كي يجلبك عندي .."
قاطعته بحدة :
" وهذا شيء آخر أيضا .. أنا لن أدخل منزل رجل غريب .. رجل يعيش لوحده .. "
رد بقوة وقد طفح الكيل منها :
" عشرات الخدم والحرس موجودين في القصر معي .. ولا داعي لإن أخبركِ إنني أستطيع أن أجلبك إجبارا عنكِ فلا تختبري صبري يا صغيرة ولا تجعليني أندم على إسلوبي الذي تعاملت معك به قبل لحظات .. سوف أرسل لكِ صباحا رقم صاحب السيارة .. تواصلي معه واتفقي معه على مكان ينتظرك عنده .. "
اغلق الهاتف في وجهها لتتأمله بحقد قبل أن تهتف مع نفسها :
" ليلعنك الله أيها الحقير .. حسبي الله ونعم الوكيل بك وبأمثالك .. أيها الظالم المتجبر .."
***
وقف في شرفته يتأمل السماء المظلمة والتي تزينها تلك النجوم اللامعة القليلة بشرود بينما صدى كلماتها يتردد داخله فيشعل غضبه أكثر من نبرتها الحادة الغاضبة والتي لا يجرأ أقوى الرجال وأعتاهم على الحديث معه بها فتأتي تلك الحمراء الصغيرة وتتحدث معه بها ..
توعد لها بداخله قبل أن يتذكر حديثها عن عدم ركوبها مع الغرباء فيكتم شعور الإعجاب الذي اقتحمه للحظة ثم يشرد لا إراديا بها وبتفاصيلها التي حفظها عن ظهر قلب ..
ومرة أخرى يسأل نفسه عن الشيء الذي جذب فريد إليها .. فهي نحيلة للغاية بجسد فتاة لا تتجاوز الخامسة عشر من عمرها وليست فتاة جامعية .. جسدها مراهقا خاليا من معالم الأنوثة المفترض وجودها لكل أنثى قاربت العشرين من عمرها بل إنه يجزم لولا طولها الجيد لظن البعض إنها ما زالت في المرحلة المتوسطة ..
لكن طولها ساعدها قليلا في تخبئة جسدها الطفولي ..
ملامحها عادية جدا فلولا بياضها الشديد وشعرها المحمر لما جذبت أنظار أحد .. هي بإختصار فتاة عادية للغاية يميزها فقط بشرتها ببياضها شديد النصوع ولون شعرها النادر .. شعرها الذي يتخيله متوهجا كنارا حارقة أمام ضوء الشمس .. تنهد بقوة وهو ينظر أمامه نافضا تلك الأفكار عنه بقوة غير واعيا لإن أفكاره تلك ربما تقوده الى جحيم .. جحيم لم ينتبه له بسبب تلك المشاكل التي تحيط به من كل صوب ..
*** 
في صباح اليوم التالي ..
كانت شمس تجلس في نفس الغرفة وعلى نفس الكرسي تنتظر قدوم قيصر الذي سيصل في تمام الساعة العاشرة كما أخبرها مسبقا ..
كانت تعتصر قماش فستانها الأخضر الحريري بقسوة وهي للمرة التي لا تعرف عددها تتمنى لو تختفي من على سطح هذه الأرض ..
سمعت صوت الباب يفتح لتنهض من مكانها وتنظر نحوه فتلتقي عينيه اللتين تتفحصانها بتمعن بعينيها المذعورتين فيفيق من تفحصه الصريح لها على صوت أحد موظفي القصر وهو يسأله عما يفعله قبل رحيله فيملي عليه بعض الأوامر قبل أن يرحل ليقترب هو نحوها بينما تراقبه هي بتأهب لتتفاجئ به يجلس على الكرسي المقابل لها ثم يأمرها أن تجلس ..
جلست أمامه وهي تضم كفيها الى بعضيهما ليهتف بهدوء : 
" بالتأكيد تودين أن تعرفي سبب رغبتي بتزويجك لشقيقي .."
أطلق تنهيدة خرجت من صدره ثقيلة ليكمل :
" فريد أخي الوحيد يا شمس .. يصغرني بتسعة أعوام .. تسعة اعوام كانت كافية لتحملي مسؤوليته كاملة .. فريد أخي الذي سأفعل المستحيل كي يبقى على قيد الحياة .. "
حدقت به تسأله بتعجب :
" وما علاقتي أنا بكل هذا ..؟! هل حبه لي يمنعه من البقاء على قيد الحياة ..؟! هل تظن إنه يحبني حقا ..؟! هل أنت مقتنع بهذا ..؟!"
أجابها بصراحة :
" كلا ، أعلم أن رغبته بك مجرد هوس وتملك وليس حبًا حقيقيا كما يدعي هو .."
" لماذا تفعل بي هذا إذا ..؟! لماذا ..؟!"
قالتها بصوت متحشرج وعينين تتسولانه أن يبتعد هو وشقيقه عنها لتجده يجيب بهدوء غير مبالي بمشاعرها التي ظهرت بوضوح على ملامحها :
" شقيقي مريض .. مريض سرطان .. في مرحلة متقدمة .. "
حل الصمت المطبق بينهما قبل أن تجده يكمل بوجه جامد بلا تعابير :
" بسبب ذلك المرض إضطر الأطباء لبتر ساقه بعدما عجزوا عن فعل شيء أخر .. "
ارتجف جسدها بالكامل وهي تستمع الى حديثه ليكمل بصوت ثقيل :
" ما زالت هناك فرصة للعلاج.. فرصة ضئيلة لكنني متمسك بها ... ولدي أمل كبير إنه سيشفى .. لكن للأسف هو يرفض العلاج كليا .. لقد أصبح يائسا بعدما فقد قدمه .. لذا قرر الإستسلام للموت .. حاولت كثيرا معه دون فائدة حتى علمت بحبه لكِ .. أو لأقل بشكل صريح هوسه بكِ .. وجودك هو من سيجعله يتقبل العلاج .. أنتِ من ستجعلينه يعدل عن رأيه الرافض بقوة للعلاج بكافة أنواعه .."
تأملته بعينين زائغتين وسألته :
" هل تظن إن بزواجي منه سوف يغير رأيه ويتعالج ..؟!"
رد بقوة وعزم :
" هو مجبر للقبول بهذا خاصة عندما أضعه على المحك .. الزواج منكِ مقابل عودته للعلاج .. "
نظرت إليه بصمت وهي تحاول أن تستوعب مدى أنانية هذا الشخص الذي يدمر حياتها بالكامل لأجل حياة شقيقه لتجد نفسها تضيف صفة جديدة عليه غير القسوة والحقارة وإنعدام الضمير وهي الأنانية ..فيبدو إن قيصر عمران يمتلك من الصفات السيئة بقدر ما يمتلك من سلطة وأموال ..
أفاقت من أفكارها المؤلمة على صوته القوي وهو يكمل :
" وأنتِ أيضا زواجكِ من أخي مقابل حماية عائلتك مما سيجري لهم اذا ما رفضتِ هذه الزيجة .."
عادت تعتصر قماش فستانها الحريري بكفيها فينظر هو إلى الكفين اللذين يقبضان على فستانها بقوة تكاد تمزقه ليرفع بصره نحو وجهها الذي أصبح متشنجا كليا واللون الأحمر طغى عليه بالكامل ..
كانت تنظر نحو الأسفل وهي تحارب ثورة حقيقية سوف تخرج من أعماقها .. كانت تقاوم إعصار روحها الذي سيبتلع كل شيء وأولهم هذا الرجل الماثل أمامها ما إن يتحرر  بمعجزة ..
سمعته يقول أخيرا بصوت بارد كبرودة قلبه الذي تشك إنه يمتلكه من الأساس :
" إذاً يجب أن نتحدث عن بقية الأمور لكن قبلها سنذهب الى قصر العائلة ليراكِ فريد وترينه بدورك .."
ظهر الكره واضحا بعينيها ما إن جلب سيرة أخيه .. كره ينبع من أعماق قلبها لشخص ستخسر حياتها بالكامل لأجله ..
شخص مريض ، مهووس بها وهي التي لا ذنب لها بكل هوسه وجنونه ..
صدح صوته يهتف بتحذير وقد فهم نظراتها دون شرح :
" منذ اللحظة التي ستصبحين فيها وجها لوجه معه سوف تظهرين له كل الحب والإهتمام .. هل فهمت ..؟!"
 رمقته بنظرات مليئة بالكره والنفور قبل أن تجيب بعنفوان :
" الحب والإهتمام أشياء لا يمكن أن يتصنعها الشخص .. مهما حاول أن يتصنعها فلن ينجح في إقناع الطرف الآخر بها .. هل تعلم لماذا ..؟!"
حدق بها بصمت لتكمل بثقة شعت من عينيها اللامعتين رغم حزنيهما الواضح :
" لإن الحب والإهتمام لا يصلا الى القلب إلا عندما ينبعان من القلب .. "
إسترسلت وهي تلاحظ تجهم ملامحه :
" لا يوجد شخص يستطيع إدعاء الحب والإهتمام لأي شخص وهو لا يشعر بهما فكيف عندما يكون هذا الشخص يشعر بعكسيهما ...؟!"
منحها نظرات شديدة الحدة قبل أن ينهض من مكانه آمراً إياها بحزم :
" لست فاضيا لأسمع أحاديث مملة عن المشاعر وكيفية إيصالها .. لدي أشياء أهم بكثير وأهمها هو ذهابك معي الى فريد ..."
تأملت ضيقه الذي سطع بوضوح في عينيه بالرغم من إظهاره الجمود واللامبالاة لتجد نفسها تبتسم فجأة وبلا وعي وهي تفكر إنها نجحت في مضايقته وهذا شيء يحسب لها ..
ربما يبدو شيئا تافها لكن فكرة أن تتسبب بإزعاج شخص مثل قيصر تفنن بإيذائها بكافة الوسائل رغم إنهما لم يلتقيان سوى البارحة واليوم تسعدها وبشدة ..
تأملها مستغربا من تلك الإبتسامة التي شقت ثغرها بشكل جعل عينيها الشاردتين تضيئان أكثر فتضاربت مشاعره ما بين تلك إعجابه بتلك الإبتسامة البريئة التي يراها لأول مرة فتمنح وجهها الطفولي إشراقة خاصة به وبين غيظه من إبتسامتها التي شعر إنها تكونت بسبب شيء يخصه ..
سألها محاولا السيطرة على مشاعره المتضاربة وتلك الإبتسامة البلهاء التي تزين ثغرها ما زالت موجوده  :
" لماذا تبتسمين ..؟!"
انتبهت على سؤاله أخيرا لتهز كتفيها وهي تجيبه بلا مبالاة ومزاج شعر إنه تحسن قليلا :
" تذكرت نكتة مضحكة .."
اومأ رأسه مدعيا عدم الإكتراث قبل أن يكمل بنفس اللهجة الآمرة :
" انهضي هيا .. سنتأخر هكذا .. "
عاد الحزن يسكن عينيها وقد تذكرت حقيقة كل شيء يجري معها ليشعر قيصر بضيق من إنطفاء إشراقة وجهها ولمعة عينيها بوضوح لكنه سرعان ما نفض هذه المشاعر  وهو يردف بصرامة :
" إتبعيني ..."
سارت خلفه بملامح ممتعضة وهي تتمنى لو تحمل مسدسا وتضرب ظهره برصاصته فيسقط صريعا أمامها وتتخلص منه بل وتخلص العالم بأكمله من هذا الرجل الظالم المتجبر ..
كان يمشي بخطوات رزينة هادئة شعرت بها بطيئة للغاية او ربما هي التي معتادة على السير ركضا وأحياناً قفزا ..
خرجا من المنزل الى الحديقة المحاطة بالغابات الواسعة وهي ما زالت تسير بخطوات توازي خطواته الرزينة ..
تمنت لو يسرع قليلا في خطواته لتتوقف فجأة وهي تتفاجئ به يتوقف في مكانه ويستدير نحوها متأملا إياها بعينيه العميقتين ليتوقف للحظات عند عينيها التي إنعكست عليها أشعة الشمس فظهرتا بلون أخضر مشع ولون شعرها الذي بدا نارا متوهجة بشكل أسر لبه لثواني قبل أن يقول بصوت هادئ :
" هناك أشياء مهمة يجب أن تعرفيها بخصوص فريد .. سوف أخبرك عنها بإختصار في الطريق حتى تكوني مستعدة للقائه .. "
تلعثمت وهي تسأله :
" أشياء ماذا ..؟!"
وقبل أن يجيبها كانت تقفز من مكانها خلف ظهره وهي تصرخ عاليا لينظر الى أحد رجاله اللذي تقدم من البقية وهو يجر أمامه كلبا بوليسيا ضخما للغاية يبدو إنه سبب رعبها ..
صاحت وهي تحتمي بظهره وتقبض على سترته من الخلف :
" إبعده عني .. لا تدعه يقترب .. "
ابتعد الرجل فورا معتذرا من رئيسه بينما إلتفت هو نحوها متأملا ملامحها المذعورة قائلا بغضب مكتوم :
" لقد ذهب .. اهدئي .. إنه مجرد كلب .. "
صاحت بصوت مستنكر وهي تسيطر على دقات قلبها :
" كلب ..؟! هل تسميه كلبا حقا ..؟! هذا وحش وليس كلب كما تقول .."
قال بضيق :
" حسنا ، المكان بأكمله كلاب بوليسية لأجل الحراسة .. يعني ليس ذنبنا إنك تخافين الكلاب .."
ردت بسرعة :
" انا لا أخاف الكلاب .. بالعكس أنا أحبهم كثيرا ولكن بالتأكيد لا أحب الكلاب من هذا النوع .. عفوا أقصد وحوش .."
قال بصوت مقتضب وهو ينظر الى ساعته :
" لقد تأخرنا حقا وانا لدي أعمال كثيرة تنتظرني .. اتبعيني هيا .."
سارت خلفه بملامح متأهبة وهي تراقب المكان حولها بعينيها خوفا من رؤية كلب جديد في المكان ..
وجدته يقف أمام إثنين من رجاله يتحدث معهما بكلام لم تفهمه فجل تركيزها كان على المكان حولها بينما تقدم جاسم منهما بعد مغادرة الرجلين  بنفس بذلته وقميصه الأسود ونظارته السوداء يتحدث مع قيصر ويخبره إنهم جاهزون للانطلاق ليشير قيصر إليها أن تركب في السيارة السوداء الفخمة التي تقف على بعد خطوات منها فتسير بوجه محتقن وتركبها بعدما فتح السائق لها الباب بينما قيصر يتحدث قليلا مع جاسم قبل أن يركب بجانبها هو الآخر ليركب السائق في كرسيه وبجانبه يركب جاسم ليصدح صوت قيصر بنبرته المتسلطة الآمرة :
" تحرك يا جمال .."
فيحرك جمال السيارة لتحتضن شمس جسدها وهي تفكر إنها تجلس لوحدها في سيارة مغلقة مع ثلاث رجال أشبه بوحوش تشعر بهم على وشك الإنقضاض عليها بينما هناك سيارات سوداء مصفحة تحيط بهم من جميع الجوانب وكأنهم في موكب الرئيس مثلا ..
ذهبت ببصرها نحو قيصر الذي ينظر أمامه بملامح غير مقروءة كالعادة لتهز رأسه بخيبة وتنظر أمامها لفترة قبل أن تتجه أنظارها نحو النافذة تتأمل الشوارع المزدحمة لتميل برأسها عليها بشرود فيستدير هو يتأملها للحظات قبل أن يشيح بوجهه بعيدا عنها نحو النافذة المقبلة شاردا بالعديد من الأشياء وعلى رأسها هي ..
***
تأملت شمس قصر عائلة عمران بطرازه الحديث والذي لا يقل فخامة عن ذلك القصر لكنه يمتاز بتصميم مبهر يثير أعجاب أي شخص بطابع حديث جدا يناقض الطابع القديم للقصر الآخر ..
فكرت إنه من الظلم أن تمتلك عائلة واحدة قصرين يتنافسان في الفخامة والرقي رغم اختلاف طرازيهما بينما ناس كثر لا يجدون مأوى ثابت لهم يقيهم برد الشتاء القارس وحر الصيف المرهق ..
تشنج جسدها وهي تشعر بصوته يخترق مسامعها :
" تفضلي يا شمس .. "
إلتفتت تنظر الى ملامحه الهادئة رغم حدتها لتومأ برأسها وهي تسير بقلب مرتجف الى الداخل وكالعادة تُفتح الباب فجأة و تستقبلهم خادمة تتحدث بلغة إنكليزية تؤكد هويتها الأجنبية ترحب بقيصر بملامح هادئة وإبتسامة رسمية لتجده يخبرها بجدية :
" أخبري روز يا ليزا إنني وصلت وأريدها في مكتبي .."
أومأت ليزا برأسها وهي تجيب بنفس العملية :
" حسنا يا بك .."
ثم سارت بسرعة نحو احدى الغرف لتتأمل شمس شعرها الأشقر اللامع بإعجاب شديد سرعان ما أفاقت منه على صوته وهو يخبرها :
" تفضلي الى مكتبي .."
لتسير خلفه بخطوات آلية وهي تفكر إنها لا تفعل شيئا منذ رؤيتها له سوى السير ورائه ..
دلفت خلفه الى غرفة واسعة تحوي مكتب ضخم وأثاث يسيطر عليه اللون الأسود لتجده يجلس على كرسيه خلف المكتب مشيرا بيده نحو الكرسي المقابل له فتتجه نحوه وتجلس عليه فتشعر ببرودة غريبة تضرب جسدها بالرغم من كونهم في أواخر شهر مايو الذي يكون حارا في بلادهم ..
سمعت صوت سيدة يصدح في أرجاء الغرفة مرحبا بقيصر لتلتفت فتجد أمامها سيدة ثلاثينية تبتسم له وهي تقول بلكنة عربية مكسرة :
" أهلا وسهلا بك يا سيدي .. أخبرتني ليزا إنك تريدني .."
رد قيصر بصوت جاد :
" نعم يا روز .. هذه شمس .. صديقة فريد .. جاءت لرؤيته .. أريدك أن تبقي معها حتى أتحدث أولا مع فريد وأخبرها بأمر قدومها .. "
" بالطبع سيدي .."
قالتها روز بنبرة عملية قبل أن تتجه بأنظارها نحو شمس وترسم إبتسامة رسمية وهي تقول مرحبة بها :
" اهلا بك انسة شمس .."
أومأت شمس برأسها وهي تجيب بصوت مبحوح :
" اهلا بك .."
لينهض قيصر من فوق مكتبه ويقول الى روز :
" شمس في أمانتك حتى أعود وأخذها بنفسي الى فريد بك .."
ثم خرج تاركا شمس تنظر الى آثره بدهشة وهي تسأل نفسها عن سبب طلبه ببقاء روز معها وكأنها في جبهة حرب تحتاج من يحميها في حالة عدم وجوده لتفيق من شرودها على صوت روز وهي تسألها عن المشروب اللذي تفضله فتجيب بأول شيء خطر على بالها ..
***
فتح قيصر باب غرفة شقيقه ودلف الى الداخل بخطوات متمهلة ليأتيه صوت فريد الحاد :
" أخبرتكم لا أريد رؤية أحد .. ألا تفهمون..؟!"
" هذا أنا يا فريد .."
قالها قيصر بصوته الرجولي الخشن ليلتفت فريد نحوه بملامحه الحادة المتوعدة قبل أن يقترب منه بخطوات متعثرة وهو يهتف بغضب عارم :
" وأخيرا جاء الكبير المحترم .. "
رد قيصر بصوت محذر :
" كبير ومحترم غصبا عنك .."
ليتشدق فم شقيقه بإبتسامة ساخرة ولسانه يسأل بتهكم مرير :
" وهل يجوز أن يحبس الكبير شقيقه الصغير بهذا الشكل  وكأنه حيوان ثائر يجب لجمه..؟!"
أجابه قيصر بقوة وعزم :
" يحبسه ويعيد تربيته أيضا طالما لا يستوعب مدى غباء تصرفاته .. طالما يفعل كل شيء يدمر حياته .."
" وهل تظن إنك بحبسك لي بهذه الطريقة سوف تصحح مسار حياتي الذي تدمر منذ زمن ..؟!"
صاح قيصر وقد بلغ غضبه أشده بسبب هذا الشاب العنيد الواقف أمامه :
" طالما إنك تعرف جيدا إن مسار حياتك تدمر بسبب أفعالك السابقة .. طالما إنك تدرك جيدا كل هذا ، ماذا تنتظر كي تصحح أوضاعك وحياتك بالكامل ..؟! ماذا تنتظر أخبرني .. ؟! لقد أضعت سنين من عمرك هباءا .. والآن بعد كل ما حدث وبعد إصابتك بهذا المرض ترفض أن تتعظ من كل ما حدث معك بسبب أفعالك القديمة وأخطائك التي لا نهاية له وتقرر الإستمرار بنفس التصرفات القذرة والأخطاء السابقة بدلا من تقويم نفسك .. "
توقف عن حديثه المرهق وهو ينظر الى ملامح شقيقه الكارهة وهو يصرخ به بيأس وضياع :
" لإنني لا أريد كل هذا .. لا أريد تقويم ذاتي .. ولا إصلاح حياتي .. لإنني لا أريد أن أعيش .. أنا راضي بما تبقى لي من أيام .. دعني أعيشها كما أحب .."
هتف قيصر ببسمة هازئة :
" تعيشها كما تحب .. في الملاهي الليلية .. بين الخمور والنساء .. أليس كذلك ..؟!"
رد فريد ممتعضا :
" لا تتحدث وكأنك لا تتناول الخمور ولا تصاحب النساء .."
قبض قيصر على قماش تيشرته هاتفا بصوت شديد الخشونة :
" لا تقارن نفسك بي .. لا تقارن أبدا .. أنا أوازن حياتي جيدا ولا أسمح لمسائل كهذه أن تسيطر على حياتي وتؤثر بوضعي وعملي ومركزي .. أما أنت فتغرق يوميا بقذاراتك دون وعي .. حتى أصبح الأمر بالنسبة لك إدمان .. ماذا تنتظر أن يحدث أكثر ..؟! لقد تدمرت بسبب كل هذا .. حتى مرضك بسبب إدمانك للمخدرات والخمور ... ماذا تنتظر أخبرني ..؟! لقد فعلت المستحيل كي أنقذك من هذا الوحل الذي تغرق نفسك به وأنت لم تستوعب بعد كل هذا .."
دفعه فادي بعيدا عنه محررا جسده من سيطرته مرددا بصوت كاره :
" أنت لا تفعل هذا من أجلي .. بل من أجل أعمالك وسمعتك وسمعة العائلة ... سمعتك الفذة والتي ستهتز ما إن يعلم الجميع بأفعال شقيقك الوحيد .. أعمالك التي تخشى عليها من التراجع الى الوراء وبالطبع مركزك في البلد .. أنت تخاف على قيصر عمران الباشا الذي يهابه الجميع . . المتحكم الأول في كل شيء .. الباشا المحترم محط أنظار الجميع وإعجابهم .. أنت تخشى على نفسك لا علي .."
رد قيصر بملامح جامدة قاسية :
" لو ما تقوله صحيح ما كنت أفعل المستحيل كي توافق على العودة الى العلاج .. بالعكس كنت سأحبسك هنا حتى تتدهور صحتك وتموت وحينها سينتهي كل هذا بموتك ..."
قال فريد بعناد :
" لن أعود للعلاج مهما حدث .. "
قال قيصر بدوره :
" لست هنا لأطلب منك العودة .. أنا هنا لأخبرك إن هناك ضيفة مهمة جاءت لأجلك .. "
" لا أريد رؤية أحد .."
قالها فريد بضيق شديد ليردف قيصر بجدية :
" لا تستعجل في رفضك يا فريد .. ضيفتك كنت تنتظرها منذ وقت طويل .. وها قد جاءت إليك لتراها وتتحدث معها كما كنت تتمنى .."
حدق فريد به متسائلا بحاجبين معقودين :
" من هي ..؟! عمن تتحدث ..؟!"
رد قيصر وهو يتنهد بصمت :
" انتظر دقيقتين وسوف تجدها عندك .."
ثم أردف بصوت محذر حازم  :
" ولكن إياكِ أن تقوم بأي تصرف غبي أو متهور معها .. أنت تفهمني بالطبع .."
خرج بعدها تاركا فريد يراقب رحيله بملامح جامدة يحاول تخمين هوية الضيفة المنتظرة ليسمع صوت الباب يفتح بعد لحظات يتبعه دخول قيصر وخلفه فتاة تنظر إليه بعينين مرتعبتين ليهمس بعدم تصديق :
" لارا ..."
تشنجت ملامح شمس كليا وهي ترى نظراته الغير مصدقة وصوته الهامس بذلك الاسم بنبرة شجنة فتشعر بألم حاد يقبض على روحها وتوجس غير مفهوم مدركة إن هناك حقيقة أعمق مما ذكرها هذا الرجل خلف ما يحدق ..
دون إرادة منها تحرك كف يدها نحو ذراع قيصر تلمسه وتضغط عليه بقوة لينظر قيصر إليها مدهوشا للحظات وهو يحاول إستيعاب ما تفعله .. هي تستنجد به .. تستنجد به ليخرجها من هنا او ربما ليحميها من شقيقه ... ؟!
شعر بمشاعره تتلبد كليا وصوته يخرج متحشرجا لأول مرة في حياته وهو يشدد كلماته في ذات الوقت مذكرا شقيقه بهوية تلك الفتاة  :
" أظن هذه أفضل مفاجئة قد تراها في حياتك .. لقد جاءت شمس بنفسها إليك .. سوف أتركها معك قليلا .. "
ثم ضغط على نفسه ومشاعره الثائرة  وهو يسحب ذراعه من قبضتها متجها خارج الغرفة التي ترك بابها مفتوحا دون أن يلقي عليها نظرة واحدة حتى فهو لا يستطيع النظر إليها ورؤية عينيها المستنجدتين أبدا ..
خرج من الغرفة ليتوقف على بعد مسافة قصيرة منها وشعور مليء بالضيق وعدم الرضا يضرب قلبه وروحه بقوة ..
***
ما زالت شمس تقف أمام فريد الذي ينظر إليها بملامح مدهوشة بجمود بينما حدقتيها تنظران إليه بتوتر شديد ..
تقدم نحوها بخطوات بطيئة قبل أن يقف أمامها متأملا ملامح وجهها الذي يحفظها عن ظهر قلب بسعادة حقيقية ليقول بصوت فرح :
" أنتِ هنا يا شمس .. تقفين أمامي .. يا إلهي لا أصدق ..."
حاولت أن تسيطر على نظراتها الزائغة ونبضاتها المذعورة وهي تذكر نفسها إنها لم تكن يوما ضعيفة الى الحد الذي يجعلها تقف أمامه بهذا الوضع ..
لقد حدث ما حدث وهي مجبرة على تحكيم عقلها والسيطرة على مشاعرها المضطربة والتصرف مع فريد وأخيه بالشكل الصحيح ..
حاولت أن ترسم إبتسامة على شفتيها مذكرة نفسها إن هذا الشاب الماثل أمامها يعاني من مرض خطير وهي عليها أن تساعده في تخطيه مهما بلغ كرهها لشقيقه بسبب تصرفاته معها ومهما بلغ نقمها عليه بسبب هوسه الذي لا ذنب لها به ..
قالت بصوت متردد : 
" كيف حالك فريد ..؟!"
رد وهو يقاوم رغبته في لمسها مذكرا نفسه بتحذير أخيه له :
" أصبحت بأفضل حال بعد رؤيتك يا لارا .."
" لارا …"
رددتها بحيرة ليهتف بسرعة متلعثما :-
" أقصد شمس …" 
تأملت ملامحه الوسيمة والتي ما زالت تحتفظ بوسامتها الشديدة رغم إرهاقها الواضح فتدرك إن هذا الشاب يمتلك من الوسامة ما يجعل مرضه وإنهاكه وشعره ولحيته الكثيفة عاجزون عن إخفاء وسامته الواضحة ..
فوجئت به يقبض على كفها وهو يجرها خلفه ويجلسها على الكنبة المقابلة لسريره الضخم مرددا بصوت ينبض بالسعادة :
" اجلسي هنا يا شمس .."
ثم أكمل وهو يتأملها بشغف حقيقي :
" لقد انتظرت هذه اللحظة طويلا .. طويلا جدا .. "
نظرت الى الباب التي ما زالت مفتوحة على مصراعيها بالقليل من الراحة ثم عادت ببصرها نحوه تحرر كف يدها من قبضة يده لتجده يهتف بلهفة :
" تحدثي .. قولي اي شيء .."
ردت بهدوء محاولة إستيعاب كل ما يجري حولها :
" تحدث أنت أولا .. أخبرني عنك .. "
عادت تتذكر حديث قيصر في السيارة قبل وصولهما الى القصر وتحذيراته الواضحة لها بشأن بعض الأمور لتكمل بجدية :
" أرغب في سماعك ومعرفتك عن قرب .."
حدق بها مسرورا بإهتمامها به ليبدأ بالحديث عن نفسه بينما هي تستمع إليه بصمت وترقب لكل معلومة تخرج منه ..
***
بعد مرور أكثر من ساعة خرجت شمس من الغرفة وهي تشعر بعودة نبضات قلبها تدريجيا الى طبيعتها ..
لقد حاولت أن تتعامل معه بأفضل طريقة ممكنة دون أن تبين إنها مجبرة على وجودها هنا ..
حمدت ربها إنه تفهم رغبتها بالرحيل وهي تخبره عن ضرورة رحيلها قبل معاد انتهاء دوامها الجامعي ..
إستغربت كثيرا عدم سؤاله عن كيفية معرفتها به ومجيئها إليه وهي التي لا تعرفه من قبل ..
انتبهت الى ذلك الحارس الذي يقف بالقرب من الغرفة متأهبا لخروجها لتجده يقترب منها يخبرها :
" قيصر باشا ينتظرك في مكتبه .."
ثم أشار الى رجل آخر يقف على الجانب الأخر وقد انتبهت إليه لتوها :
" أوصلها الى الباشا .."
تحركت نحو الرجل وسارت خلفه وهي تفكر إن قيصر ترك إثنين من رجاله أمام غرفة فادي تحسبا لأي تصرف غير محسوب ..
هبطت درجات السلم متجهة الى الطابق السفلي لتقف بعد لحظات أمام باب مكتبه فينسحب الحارس بينما تطرق هي على الباب بخفة وتدلف الى الداخل بعد سمح لها قيصر بالدخول ..
تقدمت نحوه بخطوات مترددة لتجده ينهض من مكانه سائرا نحوها ثم يقف أمامها متسائلا بحذر :
" أخبريني بما حدث ..؟!"
رفعت عينيها نحوه تتأمل ملامحه التي بدت لها أخف قسوة وجبروتا في هذه اللحظة لتتذكر أحاديث فريد عن نفسه وبعض تفاصيل حياته وضغطها على نفسها وأعصابها وهي تدعي أمامه الإهتمام واللهفة لسماع المزيد بينما داخلها يتمنى أن يحدث أي شيء يبعدها عنه وعن هذا المكان وهؤلاء الناس حتى لو كان هذا الشيء موتها ...
وجدت نفسها تقول فجأة بصوت مترجي ودموع ترقرقت داخل عينيها :
" أنا لا أستطيع الزواج من شقيقك .. لا تجبرني على ما لا أستطيع فعله .. أرجوك .."
تأمل عينيها المتوسلتين بتلك الدموع العالقة بهما فيشعر بذات الشعور مرة أخرى .. شعور غريب ما بين الضيق و الحزن .. لكن الأسوء من هذا هو ذلك الشعور الذي إحتله بقوة حيث شعر بنفسه يرغب وبشدة في مسح دموع عينيها التي هطلت على وجنتيها بغزارة ليستنكر شعوره هذا بشدة وهو يذكر نفسه بسبب وجود تلك الفتاة هنا ليغمض عينيه لثواني وهو يستمع الى شهقاتها المؤلمة فيقول بصوت جامد كجمود قلبه القاسي والذي يرفض التخفيف من جبروته :
" توقفي عن البكاء واستمعي إلي جيدا .. نحن يجب أن نتفاهم بخصوص الزواج وموعده .."
سمعت كلماته القاسية تلك فشعرت برغبة كبيرة بقتل نفسها والخلاص من كل هذا لتهتف بصوت لاهث يائس :
" أرجوك .. لا تفعل بي هذا .. لا تجبرني على ما أكرهه .. أنا لن أتحمل هذا .. والله سأقتل نفسي قبل أن أتزوجه .. "
شعر بغضب شديد من حديثها وتوسلاتها .. غضب تضاعف ما إن قالت آخر جملة ليجد نفسه يقبض على ذراعها بقسوة مرددا بلا وعي :
" اخرسي .. أخبرتك إن توسلاتك هذه لن تحقق غرضها معي .. سوف تتزوجينه إجبارا عنك .. ولا تفكري مجرد التفكير بإيذاء نفسك لإنني سأنفذ تهديدي السابق لكِ بكل الأحوال .. عائلتكِ ستتدمر بالكامل اذا لم تتزوجِ أخي .. مهما تعددت أسباب عدم زواجك وحتى لو كان السبب رحيلك من هذه الحياة .."
تجمدت نظراتها وهي تستمع الى كلماته تلك فدفعته بعيدا عنها بقوة ثم صرخت به وقد فقدت كل تعلقها بل وخوفها منه :
" أنت ماذا بالضبط أخبرني ..؟! أنت لست شخصا طبيعيا .. مستحيل أن تكون طبيعيا .. أنت قاسي .. ظالم .. عديم الضمير .. أنت أحقر رجل رأيته في حياتي ..  رجل حقير سافل وبلا أخلاق .. "
توقفت عن حديثها وشهقت بعنف وهي تسمع صوته المرعب يدوي بغضب مخيف بينما كفه الضخم يتجه بكل قوة ممكنة نحو وجهها ..
يتبع

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا