رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير
رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة مايا خالد رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير
رواية جبل الهواري من الفصل الاول للاخير
كانت بتجري وفستانها الأبيض المنفوش بيتكعبل في رجليها، ونفسها بيتقطع من الخوف وهي شايفة كشافات العربيات وراها زي عيون ديابة بتلمع في الضلمة. مكنتش شايفة قدامها، لحد ما خبطت في ص,,در زي الصخر، ووقعت تحت رجلين راجل واقف بطوله وهيبته، لابس جلبابه الصعيدي وشاله، وفي إيده سبحة حركتها وقفت فجأة أول ما شافها.
رفعت عينيها اللي مليانة دموع، وقالت بصوت متهدج ومبحوح:
’أبو.س يدك.. إحميني.. عمي لو مسكني هي-,,-ني!’
بصلها بنظرة حادة زي نصل السيف، نظرة خلت الرعشة اللي في جسمها تزيد ميت مرة. نفخ دخان سيجارته ببرود وهو بيبص لرجالة عمها اللي قربوا من أرضه، وقال بصوت جهوري هز أركان المكان:
’اللي يدخل حدانا يبقى في حمانا.. والست دي دخلت “مضيفة جبل الهواري” يعني بقت عرضي وشرفي، واللي هيقرب خطوة واحدة من حدودي، هعتبره اختار نهايته بيده!’
عمها وقف بعيد وهو بينهج بغل:
’دي هربانة من فرحها يا جبل بيه، دي واكلة حقنا وواصمة عارنا!’
جبل بص للفستان المقطع والتراب اللي غطى ملامحها الجميلة، وابتسامة باردة اترسمت على وشه:
’والعار ميتغسلش غير بالستر.. ومن الليلة “قمر” هتبقى مراتي التانية، والي عنده كلمة يحطها في جِرابه ويوريني عرض كتافه!’
بصتله بذهول وهي مش عارفة.. هل هو فعلًا أنقذها؟ ولا هي هربت من ن,,ار عمها لقت نفسها في قلب جحيم جبل الهواري، الراجل اللي مبيعرفش الرحمة؟
“دخلت ‘قمر’ البيت الكبير ورا جبل، كانت حاسة إن الحيطان نفسها بتبص لها بضيق. البيت ريحته بخور قديم وهيبة تخلي القلب يق,,بض. أول ما خطت رجلها في الصالة الواسعة، سمعت صوت رنة خلخال حادة، ونزلت واحدة من على السلم بخطوات واثقة، لابسة أسود في أسود، وعينيها متكحلة بغلّ ون,,ار.
وقفت ‘هنادي’ مراته الأولى، وبصت لقمر من فوق لتحت بكسرة عين وقالت بصوت زي الحية:
’هي دي بقى الشاردة اللي جايبها تستر عليها يا جبل؟ جايب لنا الفضايح لحد عتبة دارنا وفرحان بويت الستات؟’
جبل لفت لها وعينه اسودت من الغض,,ب، وصوته طلع واطي بس يرعب:
’هنادي! كلمة زيادة وهتبيتي في بيت أبوكي واصل.. الست دي بجت مراتي، يعني مقامها من مقامك، والبيت اللي يساعني يساعها، فاهمة ولا أعيد؟’
هنادي اتصدمت من لهجته، دي أول مرة يعلي صوته عليها عشان واحدة غريبة. بصت لقمر وقربت منها وهمست في ودنها بحيث جبل ميسمعش:
’دخلتي برجلك عِش الدبابير يا حلوة.. والي قبلك حاولوا يطيروا، وجبل قص ريشهم.. استعدي بقى للغل اللي هتشوفيه.’
قمر مكنتش قادرة ترد، كانت بتبص لجبل اللي سابهم ودخل مكتبه وقفل الباب برزع هزت البيت. لقت نفسها وحيدة وسط ست مغلولة وعم بيدور عليها بره عشان .
طلعت قمر للأوضة اللي جبل أمر إنها تقعد فيها، كانت أوضة واسعة بس باردة. قعدت على طرف السرير وهي لسه بفستان فرحها المقطع، ودموعها نزلت غصب عنها. فجأة الباب اتفتح ودخل جبل.
قلبها دق بعن,,ف وهو بيقرب منها، فك شاله ورماه على الكرسي وبصلها بنظرة غريبة، فيها إعجاب مخفي ورا قسوة ملامحه، وقال بصوت حازم:
’محبش أشوف الضعف في عيني اللي يتحداني.. أنتي دلوقتي شايلة اسم جبل الهواري، يعني راسك متتكسرش لحد واصل، حتى لو كان أنا.. فاهمة؟’
رفعت راسها بتمرد فاجئه وقالت له:
’أنت محمتنيش يا جبل بيه.. أنت سـجنتني بس في سج,,ن أوسع شوية.. والاسم اللي شيلتهوني ده تمنه هيكون غالي قوي.’
قرب منها أكتر لحد ما أنفاسه لفت وشها، وقال بابتسامة مخيفة:
’أنا بحب الحاجة الغالية.. وبحب أدفع تمنها بالراحة.. اقلعي الفستان ده، وجهزي نفسك، عشان من الليلة مفيش خروج من الدار دي إلا على القب,,ر.’ ”
”فاتت ليلة كانت أطول من العمر كله على ‘قمر’.. ليلة قضتها وهي سامعة صوت ريح الصعيد بتخبط في الشبابيك زي ما تكون بتنذر بالعاصفة اللي جاية.
الصبح طلع، وقمر لبست خلقات بسيطة كانت هنادي رمتهالها بترفّع، ونزلت المطبخ وهي حاسة بنظرات الخدم والكل بيتهامس عليها. أول ما دخلت، لقت ‘الحاجة راضية’ أم جبل، ست وقورة بشعر أبيض متغطي بطرحة شيفون، قاعدة وبإيدها سبحة، وهنادي واقفة جنبها بتزييد في الكلام.
هنادي بصوت عالي عشان تسمعها:
’أهي شرفت يا مرت عمي.. عروسة الغفلة اللي خلت جبل يوقف وش لوش قصاد عيلة المنشاوية، وكله عشان سواد عيونها.’
الحاجة راضية بصت لقمر بنظرة فاحصة، نظرة ست شافت الدنيا وعارفة مين اللي بيمثل ومين اللي شايل وجع. شاورت لقمر تقرب:
’تعالي يا بتي.. في دار الهواري مفيش حريم بتقعد تحط إيدها على خدها.. هنا الكل بيخدم، والكل بيطوع أمر الكبير.’
قمر ردت بعزة نفس فاجئتهم:
’أنا مش جاية عشان أكون عالة يا حاجة.. أنا يدّي بتعرف الشغل، بس ياريت اللي يطلب مني حاجة يطلبها بأدب.. مش كإني خدامة عندها.’
هنادي برقت عينيها وجت ترد، بس صوت جبل اللي رن في الممر سكت الكل:
’جمر (قمر) معاها حق يا هنادي.. ومن الليلة هي اللي هتستلم مفاتيح المخازن معاكي، والكلمة كلمتها في غيابي.’
هنادي صرخت بذهول:
’مفاتيح المخازن؟ دي لسه مكملتش يومين! أنت بتسلم الغريبة أسرار الدار يا جبل؟’
جبل ماردش عليها، وبص لقمر اللي كانت بتبادله النظرات بتحدي، وقال بصوت واطي ومسموع ليها هي بس:
’عايز أشوف التمرد اللي في عينيكي ده هيصمد قد إيه قصاد المسؤولية.. ولا هو كلام وخلاص؟’
قبل ما حد ينطق بكلمة، الباب البراني خبط بعن,,ف وصوت ض*رب ن,,ار حيّ في الهوا خلى الكل يتفزع. الغفير دخل بيجري وهو بينهج:
’إلحق يا جبل بيه! عيلة المنشاوية حاصروا الدار، وعمها “سويلم” واقف بره ومعاه رجالة بأسلحتهم، وبيحلف ميمشيش من هنا إلا وراس بت أخوه في إيده!’
هنادي ضحكت بشر وهي بتبص لقمر:
’أهو المو*ت جه لحد عندك يا فِتنة.. وريني بقى جبل هيبيع عيلته وهيبته عشانك ولا هيسلمك ليهم ويريحنا؟’
جبل سحب سلاحه من جنبه، وبص لقمر بصه أخيرة خلت قلبها يقع في رجليها.. كانت نظرة غامضة، مش مفهوم هل هيودعها ولا هيحارب الدنيا عشانها. خرج جبل للساحة، وقمر بتهور وجنون، جريت وراه ووقفت ورا الباب بتراقب اللي هيحصل.
سويلم عمها كان واقف وشره باين في عينيه:
’سلمنا البت يا جبل، السكي,,نة على رقبتها هي اللي هتغسل عارنا، متخليش الدم يوصل للركب بيننا وبينكم عشان حتة عيلة!’
جبل وقف وسط رجالته، وبكل برود الدنيا، عمر سلاحه ورفعه في وش سويلم وقال:
’الدم لو وصل للركب، عيلة المنشاوية هي اللي هتغرق فيه.. البت دي مراتي، والي يعوز يغسل عاره، يغسله بعيد عن حرم جبل الهواري.. أني دلوقت بطلت أتكلم باللسان، والسلاح هو اللي هيقول كلمته!’ ”
”الدنيا هديت فجأة، وصوت ‘تكة’ السلاح في إيد جبل كان لها رنة مرعبة في السكون اللي حل. قمر ورا الباب كانت بتترعش، مش خوف,,اً من الم*وت، لكن خوف,,اً من إن جبل يتهور ويروح ضحية لواحد زي عمها.
وفجأة، وبدون تفكير، قمر فتحت الباب الكبير وخرجت. الشمس ض*ربت في وشها، وفستانها الأبيض اللي بقى مبهدل كان لسه عليها. الكل اتصدم، وسويلم عمها عيونه برقت ورفع بندقيته عليها وهو بيصرخ:
’أهي الفاجرة ظهرت! نزلي يدك يا جبل، دي عرضنا وإحنا أولى بدمها!’
جبل مالتفتش وراه، بس صوته طلع زي الرعد:
’ادخلي جوه يا قمر! رجوعك لورا خطوة واحدة، خروجك بره الدار دي يعني م*وتك!’
قمر مسمعتش الكلام، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنبه، وبصت لعمها بـ غلّ وقالت:
’عار إيه اللي بتتكلم عنه يا عمي؟ العار هو إنك كنت عاوز تبيعني لواحد قد أبويا عشان تمسح ديونك! العار هو إنك -,,-ت أبويا زمان وواكل ورثي ودلوقت جاي تكمل عليا! أنا مش هربانة عشان أغلط، أنا هربانة عشان أعيش!’
سويلم ضحك بسخرية:
’وهتعيشي فين؟ في حض*ن واحد رماكي في بيته زي الجارية؟ ده اتجوزك عشان يكسر عيلتنا مش أكتر!’
قمر لفت وشها لجبل، وبصت في عينيه اللي كانت بتغلي، وقالت بصوت مسموع للكل:
’لو كان جبل خدني عشان يكسركم، فأنا راضية.. ولو كان سج,,نني، فسج,,نه جنة بالنسبة لبيتك. اض*رب ن,,ارك يا عمي، بس لو راجل بص في عيني وأنت بت-,,-ني!’
سويلم فقد أعص,,ابه وضغط على الزناد، وفي نفس اللحظة جبل سحب قمر ورا ضهره وبدأت الملحمة. صوت الرصاص بقى في كل حتة، ورجالة الهوارية ردوا بكل قوتهم. جبل كان بيض*رب ن,,ار بيد، والإيد التانية ماسكة إيد قمر بـ قُبضة حديدية، كإنه بيقول لها ‘مستحيل أسيبك’.
في وسط المعمعة، رصاصة طاشت وخدشت كتف جبل. قمر صرخت باسمه، وهنادي اللي كانت واقفة عند الشباك بتراقب، ضحكت بـ شم,,اتة وهي شايفة دم جوزها بيسيل بسببه.
جبل محاولش يداري وجعه، بالعكس، ض*ربته بقت أقوى لحد ما رجالة سويلم انسحبوا وهما شايلين مص,,ابيهم وهربوا من قدام ‘جبل الصعيد’.
جبل لف لقمر وهو بينهج، وعيونه فيها مزيج مرعب من الغض,,ب والإعجاب. قرب منها ومسكها من كتافها بعن,,ف وهزها:
’أنتي كيف تخرجي واصل؟ كنتي عايزة تمو*تي وتكتميني بدمك؟’
قمر، والدموع في عينيها، مدت إيدها ولمست جـ,ـرح كتفه:
’أنت انصبت بسببي يا جبل..’
جبل شد إيدها ونزلها، وقال بصوت فحيح:
’الجـ,ـرح ده مبيوجعش.. اللي بيوجع فعلًا هو التمرد اللي في راسك ده.. بس وحق الجـ,ـرح ده، من الليلة مفيش خروج، ومفيش كلمة هتتقال في البيت ده غير كلمتي.. أنتي دلوقت دخلتي ذمتي بجد، والحساب بيننا لسه مبدأش!’
شالها بين إيديه قدام الكل، ودخل بيها البيت وهنادي واقفة على السلم وشها أصفر من الغيرة، والحاجة راضية بتهز راسها وبتقول:
’دخلت الن,,ار برجليك يا ولدي.. والبت دي شكلها هي اللي هتطفي ن,,ارك أو تح,,رقنا كلنا!’
جبل دخل أوضته ورزع الباب برجله، ونزل قمر على السرير، وبدأ يفك شاله وهو بيبصلها نظرة خلت قلبها يدق طبول الحرب من جديد.”
”رمى جبل سلاحه على التربيزة بعن,,ف، وكان الدم مغرق قميصه الأبيض. قمر كانت واقفة بتترعش، مش بس من منظر الدم، لكن من نظراته اللي كانت بتحاصرها زي الصياد.
قربت منه بخطوات مترددة، ومدت إيدها لكتفه وهي بتقول بصوت واطي:
’لازم أطهرلك الجـ,ـرح ده.. الدم مش راضي يقف.’
جبل مسك إيدها قبل ما تلمسه، وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
’خايفة عليا يا بت المنشاوية؟ ولا خايفة السند اللي اتحميتي فيه يقع وتلاقي نفسك لوحدك تاني؟’
قمر رفعت راسها وقالت بتحدي وهي بتحاول تداري وجع إيدها من ق,,بضته:
’خايفة على الراجل اللي وقف قدام الرصاص عشاني.. حتى لو كان الراجل ده هو نفسه السجان اللي نويت أتمرد عليه.’
جبل ساب إيدها بحدة وقعد على الكرسي، وشاور لها بصباعه:
’هاتي الشاش والمنكر (المطهر) من الدرج.. ووريني يدك اللي بتقولي عليها بتعرف الشغل هتعمل إيه. مايا خالد
بدأت قمر تداوي جـ,ـرحه، كانت قريبة منه لدرجة إنها سامعة دقات قلبه المنتظمة رغم المعركة اللي كانت من شوية. جبل كان باصص لملامحها المركزة، ولأول مرة يحس إن ‘التمرد’ اللي في عينيها مش مجرد كلام، دي قوة حقيقية.
وفجأة، الباب اتفتح من غير استئذان، ودخلت ‘هنادي’ وهي بتولول:
’يا مري! جرى لك إيه يا سيد الناس؟ بقى حتة العيلة دي تكون السبب في دمك اللي سال؟ ابعدي يدك دي عنها يا فقرية!’
جبل مص لـ هنادي بنظرة خلتها تقف مكانها:
’هنادي! قولتلك ميت مرة خبطي قبل ما تدخلي.. وقمر هي اللي بتداوي جـ,ـرحي، اطلعي بره وشوفي المطبخ والخدم.’
هنادي وشها احمر من الغيظ وقالت بصوت مخنوق:
’بتمشيني عشانها يا جبل؟ دي باين السحر اشتغل بدري قوي! بس وحق اللي بينا، البت دي مش هتبات ليلة تانية في الدار وأني موجودة!’
خرجت هنادي وهي بتخبط في الحيطان من كتر الغل، وقمر كملت ربط الشاش على كتفه وسكتت. جبل قام وقف، وبقى طوله الفارع مغطي عليها، رفع دقنها بإيده وقال بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
’هنادي واصلة (قوية) في البيت ده يا قمر، وليها ناسها.. لو فاكرة إنك بكلمتين حلوين وبلمسة يد هتسيطري، تبقي غلطانة. الحرب الحقيقية مش اللي حصلت بره مع عمك.. الحرب الحقيقية جوه الحيطان دي.’
قمر بصت له بابتسامة ثقة:
’وأنا مبهربش من حروب يا جبل بيه.. اللي وقفت قدام بندقية عمها، ميهزهاش كيد حريم.’
جبل ضحك ضحكة مكتومة، لأول مرة تظهر على وشه القاسي:
’عجباني الثقة.. بس استعدي، لأن الليلة ‘الحاجة راضية’ أمرت إن الكل يقعد على سفرة واحدة.. وهناك هتعرفي إن عِش الدبابير اللي دخلتيه، مبيطلعش منه حد سليم.’
”اتجمعت العيلة كلها على السفرة الطويلة. ‘جبل’ قاعد في ص,,در المكان، وعن يمينه أمه ‘الحاجة راضية’، وعن شماله كانت ‘هنادي’ اللي قاعدة ومربعة إيديها وبتبص لـ ‘قمر’ بنظرات سمّ. قمر كانت قاعدة في آخر السفرة، حاسة إنها غريبة، بس ضهرها مفرود وعينها منزلتش الأرض.
هنادي بصت لطبق قمر وقالت بـ لؤم:
’كلي يا عروسة.. كلي واتغذي، أصل اللي زيك وراهم أيام سودة محتاجة جهد.. ولا إنتي متعودة في بيت عمك على الأكل الني؟’
قمر سابت المعلقة وبصت لها ببرود:
’في بيت عمي كنت باكل بكرامتي.. وهنا باكل بـ إذن صاحب البيت، ولا إنتي ليكي رأي تاني يا هنادي هانم؟’
جبل كان بيسمع وهو بياكل بهدوء، بس عينيه كانت بتراقب الشرارة اللي طالعة بين الاتنين. الحاجة راضية خبطت بـ عصايتها على الأرض وقالت بصوت حازم:
’بس يا حريم! في وجود الكبير مفيش صوت يعلى.. وأنتي يا قمر، طالما بقيتي واحدة مننا، لازم تعرفي إن السفرة دي ليها أصول.. اللي يغلط يتربي، واللي يحترم نفسه يتشال فوق الراس.’
وفجأة، دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه مخطوف:
’يا جبل بيه.. المصيبة حصلت! المخزن الكبير اللي فيه المحصول.. الن,,ار ولعت فيه!’
جبل قام وقف زي الأسد، وعروق رقبته برزت:
’كيف ده حصل؟ والحراسة فين؟’
الغفير نزل راسه في الأرض:
’الموضوع مكنش صدفة يا بيه.. ده بفعل فاعل، والرجالة شافوا حد من رجالة المنشاوية وهو بيهرب من ورا السور.’
هنادي صرخت وهي بتبص لقمر بـ اتهام:
’أدي وش الفقر! من ساعة ما دخلت الدار والخراب جه وراها.. المنشاوية مش هيسيبونا يا جبل طول ما البت دي هنا، بكره يح,,رقوا البيت بمن فيه!’
جبل محطلهاش اعتبار، لبس شاله وسحب سلاحه وخرج زي الإعصار. قمر كانت واقفة مكانها، حاسة إن كل العيون بتلومها. هنادي قربت منها وهمست بـ غل:
’شفتي؟ جبل دلوقت هيح,,رق قلبه على شقاه.. وتفتكري لما يرجع، هيفضل باصص لوشك الحلو ده ولا هيشوفك السبب في دمار ماله؟’
قمر ماردتش عليها، وجريت ورا جبل. لقت الخيول بتتحضر، والرجالة متجمعين. وقفت قدام حصان جبل وقالت بقوة:
’خدني معاك!’
جبل بص لها بذهول:
’أنتي اتجننتي يا بت؟ دي ن,,ار وحرب!’
قمر مسكت لجام الحصان وقالت بـ عينين بتلمع بـ تمرد مجنون:
’لو فضلت هنا، هنادي هتاكلني بـ لسانها.. ولو الن,,ار دي بسبب أهلي، يبقى أنا أول واحدة لازم تطفّيها.. متسيبنيش هنا يا جبل، السج,,ن اللي اخترته هو جنبك، مش ورا الحيطان دي!’
جبل بصلها بذهول، حس إن الست دي مصنوعة من طينة تانية غير الستات اللي عرفهم. مد إيده ليها بقوة، ورفعها وراه على الحصان وقال لرجالته:
’وراي يا رجالة! الليلة الصعيد كله هيعرف إن اللي يح,,رق طرف توب الهوارية، جبل هيح,,رقه وهو حي!’
طاش الحصان بيهم في ضلمة الليل، وقمر كانت ماسكة في ضهر جبل بكل قوتها، حاسة إن حياتها فعلًا بدأت اللحظة دي.. وسط الن,,ار، والرصاص، والراجل اللي مبيعرفش الرحمة.”
”وصل جبل بالخيل لساحة المخازن، والن,,ار كانت واصلة للسما، وصوت طرقعة الخشب المحروق زي صوت صريخ القلوب. جبل نزل من على الحصان ونزّل قمر وراه، وعينيه كانت بتطلع شرار أشد من الن,,ار اللي قدامه.
رجالة الهوارية بدأوا يطوفوا الن,,ار، لكن فجأة طلع صوت ضحكة خبيثة من ورا دخان الحري,,ق.. كان سويلم، عم قمر، واقف ومعاه عشرات الرجالة المسلحين، ومحاصرين المكان من كل جهة.
سويلم نادى بصوت عالي:
’قولتلك يا جبل يا هواري.. سلمني البت والمحصول يغور، مارضيتش! أديك خسرت مالك، وهتخسر عمرك كمان الليلة!’
جبل وقف بـ ثبات مرعب، وسحب قمر ورا ضهره، وهمس لها بصوت واطي ومن غير ما يلتفت:
’لو حصل لي حاجة، اطلعي على الحصان واجري لبيت “الشيخ سليم”، هو الوحيد اللي هيقدر يحميكي من عمك.’
قمر مسكت في قميصه من ضهره وقالت بلهجة فيها وجع وتمرد:
’مش هجري يا جبل.. يا نعيش سوا يا نت,,ح,,رق سوا في ن,,ارك دي!’
جبل ابتسم ابتسامة خط,,يرة، ورفع صوته لسويلم:
’المال بيتعوض يا سويلم.. لكن الروس اللي هتطير الليلة ملهاش دية! فاكر إن حبة ن,,ار هتخوف جبل الهواري؟ ده أنا ن,,ار جحيمي أشد!’
المعركة بدأت.. الرصاص كان بيمطر زي المطر. جبل كان بيتحرك بخفة غريبة رغم جـ,ـرح كتفه، وبإيده التانية كان بيسحب قمر وراه من مكان لمكان عشان يحميها. وفجأة، قمر لمت قطعة حديد تقيلة من الأرض وشافت واحد من رجالة عمها بيقرب من ضهر جبل عشان يغدر بيه..
بكل قوتها، خبطت الراجل على راسه وقعته قبل ما يضغط على الزناد. جبل لف وشاف اللي عملته، عينيه اتقابلت مع عينيها في لحظة صمت وسط الدوشة.. نظرة فيها فخر، وعش,,ق بدأ يتولد من رحم الم*وت.
جبل صرخ في رجاله:
’صفّوهم! مفيش واحد من المنشاوية يطلع حي من أرضي!’
في لحظة غفلة، سويلم وجه بندقيته ناحية قمر مباشرة وصرخ:
’لو مش هتكوني ليا ولورثي، مش هتكوني لغيري يا بت الكلب!’
جبل شاف سويلم وهو بيضغط على الزناد.. وبدون تفكير، رمى جسمه كله قدام قمر عشان يفديها. الرصاصة استقرت في ص,,در جبل، ووقع على الأرض وهو ماسك إيد قمر.
قمر صرخت صرخة هزت الجبل:
’جبلللللللللل!’
في اللحظة دي، رجالة جبل فقدوا عقلهم وهجموا على سويلم ورجالته زي الوحوش، وقدروا يسيطروا عليهم. قمر وقعت على ركبها، وحطت راس جبل على حجرها، والدم كان بيغرق فستانها الأبيض للمرة التانية، بس المرة دي دم أغلى إنسان في حياتها.
جبل بص لها وهو بينهج، ورفع إيده بضعف ولمس وشها وقال بصوت متقطع:
’طلعتي.. فعلاً.. تعب تعبان يا قمر.. بس تعبك.. حلو..’
قمر وهي بتعيط ومنهارة:
’متم*وتش وتسبني ليهم يا جبل! أنت قولت مفيش خروج من دارك إلا على القب,,ر.. يبقى نم*وت سوا!’
جبل غمض عينيه، وإيده وقعت من على وشها. وفي نفس اللحظة، وصلت ‘الحاجة راضية’ ومعاها ‘هنادي’ اللي كانت بتصوت وتلطم لما شافت جبل غرقان في دمه.
هنادي هجمت على قمر وهي بتشدها من شعرها:
’-,,-تيه! يا فقرية يا وش نحس! -,,-تيه عشان تاخدي ورثه؟’
قمر زقت هنادي بقوة مكنتش تعرف إنها عندها، ووقفت بـ شموخ وسط الن,,ار والدم، وبصت للكل وقالت بصوت جهوري:
’جبل مم,,اتش! والي هتقرب منه منكم هح,,رقها مكان المخازن دي! جبل الهواري مراته قمر.. وقمر مش هتسمح لم*وته واصل!’ ”
”الدار الكبيرة اتقلبت لميتم قبل أوانها.. جبل اتشال على كتاف الرجال وهو غايب عن الدنيا، واتحط في أوضته، والحكيم (الدكتور) دخل وقفل الباب، ومنع أي حد يدخل.
قمر كانت واقفة قدام باب الأوضة، هدومها متغبرة بالتراب ودم جبل لسه معلم على إيديها. هنادي كانت قاعدة على الأرض بتلطم وتنوح بصوت عالي:
’يا خرابي يا جبل.. يا خيبتك يا هنادي! ضاع السند وضاع البيت بسبب الفقرية اللي دخلت دارنا!’
قمر بصت لها ببرود وقالت بكلمة واحدة خرستها:
’انجري قومي واصلي (فوراً).. جبل لسه حي، والنايحة دي للطلوع الروح، وجبل روحه لسه في الدنيا!’
الحاجة راضية كانت قاعدة على كنبة خشب، ماسكة سبحتها وإيدها بتترعش، بصت لقمر وقالت بنبرة فيها شك وقسوة:
’لو جرى لولدي حاجة يا قمر.. مش سويلم اللي هي-,,-ك، أنا اللي بيدي دي وأشرب من دمك، أنتي اللي جرتيه للن,,ار!’
قمر قربت من الحاجة راضية، ونزلت لمستواها وقالت بصوت واثق:
’أنا اللي فديته بقلبي يا حاجة، وهو اللي فداني بعمره.. الن,,ار اللي ولعت دي كانت فخ لينا إحنا الاتنين، ولو جبل قام -وهيقوم بإذن الله- هيعرف مين اللي ولع الن,,ار دي بجد.. ومين اللي خان الدار من جواها!’
هنادي اتنفضت من مكانها ووشها اصفر:
’قصدك إيه يا بت المنشاوية؟ أنتي بتلمحي لإيه؟’
قمر بصلتها بنظرة حادة زي الموس:
’اللي في بطنه لحمة بتنقح عليه يا هنادي.. والي يفتح بوابات المخازن لرجالة سويلم في نص الليل، أكيد مش أنا اللي كنت نايمة في أوضته!’
الكل سكت.. والحاجة راضية بصت لهنادي بنظرة غريبة، وكإن الشك بدأ ينهش في قلبها. وفجأة، الباب اتفتح وخرج الحكيم وهو بيمسح عرق جبينه:
’الحمد لله.. الرصاصة كانت قريبة من القلب بس ملمستوش، جبل بيه شديد، وربنا كتب له عمر جديد.. بس هو محتاج راحة تامة، ومحدش يدخل له واصل غير اللي هيراعية.’
قمر خطت خطوة لقدام، وهنادي زقتها:
’أنا مراته الكبيرة، أنا اللي هدخل!’
قمر وقفت زي السد وقالت:
’المرة دي لا يا هنادي.. جبل انص,,اب وهو بيحميني أنا، يبقى أنا اللي هداوي جـ,ـرحه.. والي عندها كلمة تانية، تستنى لما ‘السبع’ يفتح عينيه ويقولها بنفسه!’
دخلت قمر الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوه، وسابت هنادي برا بتفرك في إيدها من الغل. قربت قمر من السرير، شافت جبل وشه شاحب، وص,,دره متغطي بالشاش. قعدت جنبه، ومسكت إيده اللي كانت دايماً بتمسكها بقسوة، وبستها وهي بتعيط:
’قوم يا جبل.. قوم عشان توريهم إن قمر مش وش نحس.. قوم عشان أنا اكتشفت إني هربت من ظل,,م عمي، عشان أقع في عش,,قك أنت.’
فجأة، حست بصوابع جبل بتتحرك في إيدها، وسمعت صوته المبحوح وهو لسه مغمض عينيه:
’قولتي.. عش,,ق؟ ولا ده.. مفعول.. البنج؟’
قمر شهقت وحطت إيدها على بوقها من الفرحة:
’جبل! أنت سمعتني؟’
فتح عينيه ببطء وصعوبة، وبص لها بنظرة لسه فيها هيبتها رغم التعب، وقال بابتسامة باهتة:
’سمعت كل كلمة.. وسمعتك وأنتي بتوقفي لـ ‘هنادي’ و ‘أمي’.. طلعتي وحشة (قوية) يا بت المنشاوية.. بس لسه حسابنا مخلصش، أنتي لسه مديونة ليا بحياتك.’
قمر ضحكت وسط دموعها:
’أنا كلي ملكك يا جبل.. بس قوم بالسلامة، عشان في حسابات كتير في البيت ده لازم تتصفي.’
جبل ضغط على إيدها وقال بصوت رجع له قوته التدريجية:
’هنادي.. هي اللي فتحت الباب لعمك؟’
قمر سكتت وبصت في الأرض، فجبل فهم الرد من عينيها، وعينه اسودت من الغض,,ب:
’وحق وجعي ده.. اللي خان جبل الهواري، ملوش مكان في داره.. حتى لو كانت مراتي وأم عيالي اللي مجوش!’ ”
”مرت كام ساعة وقمر مابتفارقش السرير، بتغير له على الجـ,ـرح بيديها وهي بتراقب كل نَفَس طالع منه. جبل كان نايم نص نومة، بس عقله صاحي وبيغلي، غدر ‘هنادي’ كان واجع قلبه أكتر من الرصاصة.
فجأة، الباب خبط خبطات واطية وناعمة، وصوت هنادي من بره طالع بمنتهى الرقة المصطنعة:
’قمر.. يا قمر.. افتحي يا بتي، جايبة لـ ‘سيد الناس’ شوربة دافية ترم عضمه، الحكيم قال لازم يتغذى أول ما يصحى.’
قمر بصت لجبل، لقت عينيه مفتوحة ومركزة معاها، وشافته بيشاور لها بإيده إنها تفتح وتجاريها. قمر قامت وفتحت الباب، دخلت هنادي وهي شايلة صينية عليها سلطانية شوربة ريحتها نفاذة، ووشها باين عليه الحزن المزيف.
قربت هنادي من السرير وعينيها بتلمع بلؤم:
’ألف سلامة عليك يا أبو هيبة.. قلبي اتخلع عليك يا جبل، دوق الشوربة دي من يدي، دي فيها كل العافية.’
جبل عمل نفسه لسه تعبان وصوته طالع بالعافية:
’تسلم يدك يا هنادي.. حطيها على التربيزة، لسه نِفسي مسدودة دلوقت.’
هنادي بلهفة غريبة:
’لا واصل.. دي لازم تتاكل وهي سخنة عشان تجيب نتيجة، دي ‘وصفة’ الحاجة راضية مخصوص عشانك.’
قمر لاحظت إن إيد هنادي بتترعش وهي بتقدم المعلقة، وبلمحة ذكاء خطفت المعلقة من إيدها وقالت بابتسامة باردة:
’هاتي عنك يا هنادي هانم.. أنتي تعبتي طول اليوم في العياط، أنا اللي هأكله بيدي، ولازم أدوقها الأول عشان أتأكد إن ملحها مظبوط.. أصل جبل بيه مبيحبش الملح الزيادة.’
وش هنادي اتقلب وبقى لونه أزرق، وحاولت تسحب السلطانية بسرعة:
’لا! أنتي مالك أنتي.. دي شوربة معمولة بطريقة مخصوصة، لو دوقتيها مش هتعرفي طعمها.’
قمر مسكت السلطانية بقوة وبصت في عين هنادي:
’وليه خايفة يا بنت الأصول؟ طالما فيها العافية، يبقى أدوقها أنا كمان عشان أقدر أسهر على راحته.. ولا هي العافية دي لناس وناس؟’
جبل فجأة اتعدل في سريره بقوة فاجئتهم، ومسك إيد هنادي اللي كانت بتحاول تاخد السلطانية، وقال بصوت زي فحيح الحية:
’دوقيها أنتي يا هنادي.. طالما أنتي اللي عاملاها بيدك وتعبتي فيها، دوقيها قدامي عشان أطمن إن قلبك عليا.مايا خالد قصص الحياة
هنادي لسانها اتعقد، وبدأت تتلعثم:
’أنا.. أنا صايمة يا جبل.. إيه اللي بتقوله ده؟’
جبل رمى السلطانية على الأرض، فانكسرت ميت حتة، وريحة غريبة طلعت منها، والرخام بتاع الأرض لونه اتغير في ثواني. هنادي صرخت ورجعت لورا، وجبل قام وقف رغم جـ,ـرحه، وسحبها من شعرها بعن,,ف وهو بيزأر:
’بتم*وتيني يا هنادي؟ بتبيعي عشرة سنين وتتفقا مع سويلم عشان تخلصي مني ومنيها؟ أنتي فاكرة إن جبل الهواري يغفل عن الحقيقة واصل؟’
الحاجة راضية دخلت على الصريخ، وشافت المنظر، وجبل زق هنادي تحت رجلين أمه وقال:
’شوفي يا حاجة.. شوفي اللي كنتي بتقولي عليها بنت أصول وعارفة الواجب.. كانت بتحط لي السم في الأكل عشان تد.فن جبل وتورث الدار!’
هنادي بدأت تعيط وتترجى الحاجة راضية:
’والله ما كان قصدي أ-,,-ه يا مرت عمي! أنا كنت عاوزة أمشّي البت دي بس.. كان قصدي حاجة تتعبها هي.. بس الشيطان غواني!’
الحاجة راضية نزلت عليها بالقلم على وشها:
’أنتي لا بنتي ولا أعرفك.. أنتي الليلة تخرجي من الدار دي بفستانك اللي عليكي، ومترجعيش واصل، وعيالك لما ييجوا -لو ربنا كتب لنا- هيربيهم ‘ست ستك’ قمر اللي صانت الدار وأنتي بتخونيها!’
جبل بص لقمر اللي كانت واقفة مبهورة بقوته رغم تعبه، وقال للغفر اللي دخلوا:
’خدوا الست دي، ودوها لبيت أبوها، وقولوا لهم ‘بضاعتكم ردت إليكم’.. وورقتها هتوصل لها الصبح.’
بعد ما البيت هدي، والجـ,ـرح بدأ ينـ,ـزف بسيط من مجهود جبل، قمر قربت منه وهي خايفة عليه:
’ليه عملت كدا؟ جـ,ـرحك انفتح تاني يا جبل!’
جبل شدها لح*ضنه بقوة، وحط راسه على كتفها وهمس بوجع حقيقي:
’الجـ,ـرح اللي في ص,,دري هيخف يا قمر.. بس اللي في قلبي كان محتاج يشوف الحقيقة.. أنتي دلوقت بقيتي ‘الكل في الكل’.. مفيش ضرة، ومفيش عم.. مفيش غير جبل وقمر وبس.’
قمر رفعت عينيها ليه وقالت بتمردها المعتاد:
’يعني خلاص مفيش سج,,ن؟’
جبل ابتسم وشالها وقعدها جنبه:
’لا فيه.. بس السج,,ن المرة دي هو قلبي، والمفاتيح معاكي أنتي.. هتفضلي مسجونة فيه العمر كله؟’
قمر ضحكت وقالت:
’لو السجان جبل الهواري.. يبقى أنا راضية بالمؤبد.’ ”
”مر شهر على الح,,ادثة، وصار جـ,ـرح جبل ذكرى بعيدة، لكن عش,,ق قمر في قلبه بقى هو الحقيقة الوحيدة. البيت الكبير اللي كان سج,,ن لـ ‘قمر’ في أول ليلة، اتزوق النهاردة وبقى قصر من قصور الجنة.
جبل قرر يعمل فرح يحكي عنه الصعيد كله، مش بس عشان يغيظ أعاديه، لكن عشان يثبت للعالم كله إن قمر مش ‘زوجة تانية’ ولا ‘لاجئة’، دي هي ‘كبيرة الهوارية’.
الساحة كانت مليانة بالخيول، والمزامير بتعزف، والذبايح بتتعمل للفقير قبل الغني. قمر كانت فوق في الأوضة، لابسة فستان زفاف جديد، بس المرة دي مكنش مقطع ولا عليه تراب، كان مرصع بالألماظ وشغل يدوي يليق بـ ‘ملكة’.
دخلت عليها ‘الحاجة راضية’ ومعاها صندوق قطيفة كبير، فتحته وطلعت منه ‘كردان’ دهب تقيل، ولبسته لقمر وهي بتبو.س راسها:
’ده ورثي من أمي يا بنتي.. وأنتي دلوقت الأحق بيه، أنتي اللي صنتي ولدي وصنتي الدار، واليوم جبل هيزفك قدام الصعيد كله، وعاوزاكي ترفعي راسك للسما.مايا خالد
قمر بصت لنفسها في المراية، مكنتش مصدقة إن البنت اللي كانت بتهرب من المو*ت، بقت النهاردة عروسة ‘الأسد’.
فجأة، الباب اتفتح ودخل جبل، كان لابس الجلباب الصعيدي الأبيض، وعباية سودة فخمة، وشاله متركب بعناية. وقف وراها في المراية وبص لملامحها، وعينيه لمعت بـ حب عمره ما خبيّه:
’إيه الجمال ده كله؟ أنا قولت جايب قمر تسكن داري، مطلعتش غلطان واصل.’
قمر لفت له وحطت إيدها على ص,,دره، مطرح الرصاصة القديمة، وقالت بدلع ممزوج بتمرد:
’لسه شايفني متمردة يا جبل بيه؟’
جبل مسك إيدها وباسها:
’التمرد ده هو اللي خلاني أعش,,قك.. الست اللي متكسرش عينها غير للي بيحبها، هي دي اللي تصلح تكون ست بيت الهواري.’
نزل جبل وقمر على السلم، والكل وقف انتباه. ضر*ب الن,,ار (فرحاً) مكنش بيوقف، والزغاريد ملت المكان. جبل مسك الميكروفون وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين:
’يا رجالة الصعيد.. الليلة فرح جبل الهواري على قمر المنشاوية، واللي كان بيقول إنها زوجة تانية، يمسح الكلمة دي من قاموسه.. قمر هي الأولى والأخيرة، هي الست والدار والوطن، واللي يمسها بكلمة، كأنه مس جبل في شرفه!’
سويلم عمها كان من ضمن المعزومين (بأمر جبل عشان يذله)، كان قاعد في ركن وراسه في الأرض، شايف البنت اللي كان عاوز ي-,,-ها وهي بقت ملكة الصعيد، والورث اللي كان طمعان فيه بقى تحت رجليها.
جبل خد قمر في وسط الساحة، ورقصوا ‘رقصة التحطيب’ بالسيوف بخفة ودلال، والكل كان بيبص لهم بذهول.. كانت ملحمة حب ولدت من قلب القسوة.
وفي نص الفرح، همس جبل في ودن قمر:
’ناوية على إيه يا قمر؟ لسه خايفة من عش الدبابير؟’
قمر ضحكت بصفاء وقربت منه أكتر:
’الدبابير خلاص بقوا حراس يا جبل.. ومادمت أنت ‘الكبير’، أنا مش خايفة من الدنيا كلها.’
شالها جبل ولف بيها وسط الزغاريد، وانتهت حكاية الهروب، لتبدأ حكاية عش,,ق خلدتها جدران البيت الكبير في قلب الصعيد.
تمت بحمدلله مايا خالد
