رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير بقلم سعاد محمد
رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة سعاد محمد رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير
رواية حب العمر الاول من الفصل الاول للاخير
بإحد قُري محافظة المنيا صعيد مصر
بذاك المنزل الضخم ذو الطراز العصري، على صوت تنبيه هاتفها النقال، بدات تفتح عينيها بتكاسُل فى البداية ثم جذبت هاتفها ونظرت له نهضت، دقاىق بدلت ثيابها بأخري وخرجت من الغرفة تسير بين أروقة ذلك المنزل، قامت بالطرق على إحد الغرف قائلة:
إصحوا الساعة ستة الصبح، كفاية نوم حدانا شُغل كتير لازمن يخلص، جوموا حضروا الفطار، هِمي مِنك ليها.
عادت تسير حتى صعدت الى الدور الثاني، طرقت بخفة على باب الغرفة ثم فتحت ودلفت ببسمة قائلة:
صباح الخير يا “جحة وجدان”… ميعاد دوا الصُداع بتاعك.
إبتسمت لها بأولفة ثم تنهدت بضعف قائلة:
صباح النور يا “شكرية”، والله باخد العلاج فى وقته بالمظبوط، وبرضوا الصداع مش بيسيب راسي ساعات ويرجع تاني… كمان بحس بحرقة فى عِينيا.
تنهدت شكرية بأسف قائلة:
أنا بقول نغير الدكتور ده، وكمان تروحي تكشفي نظر عِينكِ حمرة، مرات أخوي كانت إكده طول الوجت تجول راسي بتوچعني وبدلت فى البرشام لحد ما الصيدلي جال ليها روحي لدكتور نظر ولما كشفت نظر الدكتور قال إن نظرها هو السبب فى الصداع… وصف لها علاج ووصف لها نظارة والصداع راح.
تنهدت وجدان قائلة:
كوثر أختى إمبارح قالتلى كده برضك، قالتلى على دكتور عيون وقولت لها نروح له النهاردة بعد العصر… قبل ما يوصل طوفان المسا عشيه كلمني عالموبايل وقال جاي النهاردة عالمسا.
إبتسمت شكرية قائلة:
إن شاء الله هيكون ده السبب، هروح المطبخ أجول لهم يجهزوا الوكل اللى بيحبه طوفان بيه.
أومأت لها مُبتسمة بتنهيد آسف قائله:
بيجول إنه جاي ليوم واحد بس… زي ما يكون ضيف، بجيت بحس إنه مش طايج(طايق) يجعد إهنه.
تنهدت شكرية بأسف قائلة:
فعلًا طوفان إتغير بعد الحكاية الأخيرة منه لله اللى كان السبب، والله السجن عليه قليل ولو إنك تزعلي مني.
تنهدت وجدان بآسف قائلة بخضوع:
عِندك حق، بس هنقول إيه اللى حصل كان قدر… غلطة صغيرة بسببها مات إتنين… تعرفي اوجات رغم زعلي من غياب طوفان عن إهنه بس بقول إكده أحسن جلبي حاسس إن سكوت عيلة أكيد من وراه هدف، وبالذات بسبب عدم حضور بِتهم (بنتهم) العزا، ده بوها وچوزها برضك… مخافش غير من خُبث الحريم.
سئم وجه شكرية قائلة:
ده لساه بِت بنوت متچوزتش.
تنهدت وجدان بمعارضة:
كان مكتوب كتابهم والفرح كان فاضل عليه أيام بس القدر.
تنهدت شكرية بغصة بنفس الوقت فكرت ثم إبتسمت قائلة:
كل شئ قدر،
بس تعرفي يا حجة وجدان إيه اللى يرجع طوفان يُجعد إهنه
نظرت لها وجدان بإستفسار، فإبتسمت مُستطردة حديثها بيقين:
يتچوز من إهنه، وجتها غصب يرچع كيف ما كان ميغيبش عن إهنه.
فكرت وجدان ثم أومأت مُبتسمة بتفكير سائلة بحِيرة:
تفتكري.
اكدت شكرية:
أكيد، وبعدين ده عدا التلاتين سنة هيفضل عازب لحد ميتي.
اومات وجدان بتوافق:
بس مين العروسة.
إبتسمت شكرية قائلة:
بنات الاكابر يا مكترهم وكل كُبرات البلد لاه المحافظة والصعيد كلياته يتمنوا نسب “طوفان مهران”.
❈-❈-❈
القاهرة بـ شقة فخمة أحد الأحياء الراقية
فتح عينيه يشعر ببعض الأرهاق بسبب الآرق الذي يعيشه بالفترة الأخيرة، بسط يديه يتمطئ
إصتطدمت يديه بتلك الغافية جواره،نظر نحوها سُرعان ما زفر نفسه يشعر بالفتور نحوها…إعتدل نائمًا على ظهره ينظر للا شيء
كأنه شارد الذهن،لكن فاق على لمسات يد تلك التي إقتربت منه بدلال تقترب بجسدها فوق صدره العاري،ثم رفعت رأسها تُقبل عُنقهُ بجرأة،شعور بالفتور ليس غريب عليه يغروه من تلك اللمسات حتى تلك القُبلات التى زادت وهي تقترب من شِفاه،أحاد برأسه بعيد قليلًا،وضعت قُبلتها فوق عُنقه،ثم بدأت تتحسس صدره بيدها،تحاول إستمالته لكن هيهات هي تعلم كم هو شخص بارد المشاعر،لكن قد تنحج إحد تلك المحاولات ويقع بفخ غرامها… وقتها ستنال كُل ما تبغي، وأكثر ما تبغي هو ذاته، لا مانع من المجازفة، رسمت دوائر وقلوب بحركات مُثيرة على صدره، ثم تعمدت ضغط جسدها على جسده، ثم رفعت رأسها تنظر الى عيناه المُظلمة، وتبسمت بدلال وهي تتحدث بتمني:
تيفو…
تهكم بضحكة سخرية قائلًا:
إيه تيفو دي، سبق وقولتلك مش بحب الدلع…
ابتسمت بمكر وهي تُقرب شفتيها من أذنه، وهمست بصوت ناعم:
يعني عايزني أناديك إيه
ضحك بخفة، لكن عينيه ظلتا تراقبانها بحذر، وكأنه يعلم نواياها الخفية… ابتعد عنها قليلًا، قائلًا ل بنبرة جافة:
ناديني باسمي وخلاص، مش محتاج دلع.
لم تتراجع، بل اقتربت أكثر، وكأنها تختبر مدى صبره، أو ربما تتلذذ باستفزازه.. بدهاء وهي تهمس:
بس أنا بحب الدلع.
نظر لها مطولًا، ثم أطلق زفرة ضجر، كأنها باتت معركة صغيرة بينهما، من سيربحها؟
رفع يده وأبعد خصلة من شعرها سقطت على صدره ، ونظر في عينيها مباشرة وهو يقول بهدوء حازم:
وأنا بحب النظام… فخلي بالك.
لكنها لم تكن ممن يتراجع بسهولة… مازالت تحاول قد تنجح فى الوصول الى قلبه… رسمت بسمه وهي تضع يدها فوق موضع قلبه وقالت بتمني حقيقي:
نفسي يكون عندي بيبي منك يا طوفان.
ضحك بعلو صوته للحظات ظنت أنه قد يوافق، لكن بإزدراء أبعدها عن جسده ونهض يجذب سروال داخلى قام بإرتداؤه سريعًا، ينظر لها بعينين تضجان بالسخرية والجمود، مرر يده في شعره بقوة كأنه يحاول استيعاب ما تفوهت به، ثم قال بصوتٍ مبحوح من فرط الضحك:
بيبي… منك إنتِ… ده إنتِ دماغك فيها حاجات غريبة أوي،.
نهضت ببطء من على السرير، لم تتخلى عن ابتسامتها لكنها شعرت بوخزة صغيرة في قلبها من طريقته… تقدمت نحوه بخطوات بطيئة كأنها تخشى أن يهرب منها، ثم وقفت أمامه واضعة يديها على خاصرته، ورفعت وجهها تنظر له بتوسل خفي:
ليه مستغرب.. مش ده الطبيعي.. ولا يمكن أنا اللي مش مناسبة أكون أم لولادك.
نظر إليها بتمعن للحظات، ثم زفر بملل وهو يهز رأسه، نبرته كانت باردة كأنها لم تعنِ له شيئًا:
فعلًا إنتِ مش مناسبة تكوني أم ولادي.
رغم فظاظة رده لكن تقبلت ذلك، وضاقت عيناها بدهاء وهي تميل برأسها قليلًا، قبل أن تهمس بخبث:
إنت عارف إني بحبك وافقت نتجوز عرفي، رغم إنك عارف إني من عيلة لها قيمتها، بس قبلت بسبب رغبتك فى كده، وقولت مسألة وقت و….
ضاقت عيناه للحظة، كأنه لم يعجبه استفزازها، استدار مبتعدًا عنها وهو يلتقط قميصه ويرتديه ببطء راسمًا بسمة برود ثم عاد ينظر لها بإحتداد فظ قائلًا بنبرة جافة:
إنت عارفة آخر علاقتنا بتنتهي بمجرد ما بقوم من جانبك عالسرير،وأعتقد إن المُقابل بتاخديه قبل ما تنامي جانبي عالسرير،فبلاش زيادة أحلام، وطالما بقى نفسك تبقي أم… أنا بقول ننهي الجوازة دي ونقطع الورقتين، وطبعًا هتلاقي اللى يتمني نظرة رضا منك… لكن أنا…
قاطعته بتسرُع وهي تتنازل عن كبريائها في لحظة ضعف، تشبثت بذراعه بيد مرتعشة، وعيناها تتسعان بارتجاف:
لا، متقولش كده أنا مش مجرد واحدة في حياتك بتقضي معاها وقت لطيف عالسرير، إحنا متجوزين، حتى لو كان عرفي.
ارتفع حاجباه بسخرية باردة وهو ينتزع ذراعه من بين أصابعها كأنه يرفض حتى أن يلوثه بلمستها، ثم أردف بنبرة ازدراء:
متجوزين… وإيه بقى قيمة الجواز ده لو ورقتين ممكن يتقطعوا بسهولة.
شهقت وهي تشعر بوقع كلماته كصفعة أحرقتها، حدقت في ملامحه القاسية بحثًا عن أي أثر للمشاعر التي أقنعت نفسها يومًا أنها موجودة، لكنها لم تجد سوى برود قاتل… أدركت الحقيقة التي لطالما تهربت منها… كانت مجرد وسيلة تسلية له، لا أكثر.
عضت شفتها السفلى لتمنع دموعها من الانهمار، ثم رفعت ذقنها بعناد محاولة التماسك، وهمست بصدق:
بس أنا بحبك يا طوفان.
استدار بعيدًا عنها غير مبالٍ، بينما أخذت هي تحدق في ظهره، وهو يُغادر
تاركًا لها المجال لتُفكر، أو ربما لتغرق في صعوبة تحقيق أمنياتها المستحيلة…لكن تيأس.
❈-❈-❈
بأحد مشافي القاهرة الخاصة بالعيون
رغم ذلك الحزن المصبوغ ليس فقط بزيها الأسود، كذالك مرسوم على ملامحها، لكن رسمت بسمة طفيفة وهي تسمع الى ذلك الطبيب الذي يتحدث بآسف:
للآسف المستشفى خسرت دكتورة شاطرة فى مجال العيون، بس مُتأكد المكان اللى هتروحي فيه هيكون فرصته أفضل، بتمني لكِ دوام النجاح والتميُز يا دكتورة فى المكان اللى أختارتيه.
إبتسمت له بدبلوماسية قائلة:
مدحك شرف ليا يا دكتور، وفى أطباء أكفاء دايمًا فى كل مكان، تلاميذ لأساتذة مخضرمين ومُتميزين زي حضرتك.
إبتسم لها وهي تُغادر مُتحسرًا على خسارة المشفي لطبيبة ذات كفاءة…
بينما خرجت تسير بالرواق لكن توقفت حين سمعت النداء
“دكتورة دُرة”
رسمت بسمة وهي تنتظر تلك التى إقتربت منها تلهث قائلة بمرح:
مساء الخير يا دكتورة
كويس لحقتك قبل ما تمشي من المستشفي إتفضلي.
نظرت دُرة الى تلك الحقيبة الورقية الكبيرة سائلة:
ده إيه اللى فى الكيس.
إبتسمت الاخري بحياء قائلة بشُكر:
ده الفستان اللى كنت طلبته منك لخطوبة بنتِ الحمد لله لبسته فى الخطوبة ورفع رأسنا قدام المعازيم، كتر خيرك، أنا غسلته فى المغسلة والله عشان يفضل بلمعته، كتر خيرك يا دكتورة جميلك على راسي.
بغصة قلب تبسمت قائلة:
ألف مبروك لبنتكو، ربنا يتمم لها بخير والفستان أنا قولتلك قبل كده هدية مني ليها، انا مش محتاجاه، خليه عندك ينفعها فى كتب الكتاب، ومعاكِ رقم موبايلي، متنسيس تعزمني فى الفرحه الكبيرة.
تحدثت الاخري قائلة:
ده كتير والله يا دكتورة، والله انا أتشرف بحضورك بس أخاف أتقل عليكِ، هتجي مخصوص من المنيا للقاهرة عشان فرح بنتِ.
ربتت على كتفها بتواضع قائلة:
هاجي، بس إنتِ أوعي تنسي تعزميني.
إبتسمت لها الاخري ونظرت لها بإمتنان وهي تُغادر تدعو لها أن يُسلي قلبها من الحُزن.
❈-❈-❈
ليلًا
بمنزل متوسط الحجم
كانت تجلس بتلك الرُدهة التى تطل على حديقة متوسطة تنظر نحو السماء شاردة إنتبهت حين سمعت:
ماما إيه اللى مسهرك لدوقتي الساعة قربت على واحدة ونص، حضرتك مش بتحبي السهر.
نظرت له ببسمة حزينة قائلة:
مش جايلي نوم، من وقت ما دُرة كلمتني عالموبايل وقالت إنها خلاص خلصت إجراءات نقلها من مستشفى القاهرة لمستشفى الرمد فى المنيا، قولت لها تچي فى القطر قالت إنها مش هتتحمل وقوف القطر الكتير،وهاتجي بعربيتها،حتى قولت لها الطُرق إختلفت،قالتلى هتشغل Gps،واللى يسأل ميتوهش.
إبتسم بألم يعلم سبب خوف والدته من مجئ دُرة الى هنا بعد عِدة شهور من مقتل والدهم وخطيبها،جلس جوار والدته يربت على يدها قائلًا:
متقلقيش يا ماما،دُرة مش هتوه عالطريق،فاكرة وإحنا صغيرين لما كانت بتروح لمكان كانت بتحفظه من أول مرة،وطالما هتجي بالنهار يعني الطريق هيبقي شغال متقلقيش وقومي نامي.
إبتسمت له بغصة،هي لا تخشي عليها من الطريق بل تخشي من مجيئها الى هنا بهذا الوقت،دُرة لم تحضر العزاء ليس لمرضها كما إدعت بل لهدف برأسها،تخشي أن تكون تُفكر فى القصاص والثأر.
❈-❈-❈
بمنزل فخم وكبير مجاور لمنزل طوفان
لم تستطيع النوم لشعورها بالغضب والضجر،تقلبت كثيرًا فى الفراش مما ازعج ذلك النائم جوارها،نهض بغضب وأشعل ضوء الغرفة قائلًا:
“سامية”
بعدين فى الليلة اللى مش هتفوت دي مش هتتخمدي يا ولية فى ليلتك.
نهضت جالسة على الفراش تنبُر وتعوي قائلة بإستهجان:
طبعًا إنت مش حاسس بإبنك المرمي فى الأحداث،وسمعت لحديت طوفان واد أختك وقبلت تجدم ولدي للمحكمة وإتحكم عليه بالحبس،وأها بيجضي شبابه فى السچن،وإنت وواد أختك نايمين فى التكيف.
تنهد بغضب قائلًا بزم وإستهجان:
ولدك يستحق اللى جراله،وإحمدي ربنا لو مش طوفان كان زمانه إتعدم أو عيلة غُنيم ولا بدران جتلوه.
تهكمت بإستهزاء وإستقلال شأن قائلة:
هما اللى غلطوا فى ولدي، وبعدين هما عيلة بدارن حداهم رجالة،ولا واد كريمان عنده نخوة عشان ياخدوا بالتار.
نظر لها بإحتقار قائلًا:
متنسيش عيلة بدران أخو الجتيل ظابط ويقدر يوصي زمايلة فى الداخليه على ولدك، فبلاش تتحدتي إكده جدام خد بلاش طبعك الاستفزازي، وكمان عيلة غُنيم مش شويه، متنسيش كلياتهم برهن إشارة من واد كريمان
فبلاش ترطي بالحديت الفاضي، والمحامي قال إن مجرد ما ما ولدك هيتم الواحد وعشرين سنه سهل يقدم التماس ويطلع من الجضية، كيف ما قال طوفان، يعني طوفان يعتبر وقف بحر دم بتقديمه ولدك للمحكمة، ونامي فى ليلتك لا يمين بالله تباتي وإنتِ مش على ذمتي.
نظرت له كادت تتحدث لكن نظرة عين عزمي اصمتتها، بينما هو نظر لها بحقد وداخله تمني لو أخطات رصاصة وأصابت رأسها وإستراح من غطرستها وحقدها.
❈-❈-❈
فى صباح اليوم التالي
فتح شُرفة غُرفته، وقف ينظر أمامه لبزوغ الشمس من بعيد، عيناه تتجولان حول تلك الاراضي التي تمتد امامه، تلك الأراضي المملوكة له من أجداده وهو زاد من إتساعها لاضعاف، سمع صهيل ذلك الجواد، أبتسم وهو يستنشق ذلك الهواء الحار نسبيًا رغم أنها نسمات الصباح الباكر، لم يُفكر كثيرًا، دلف الى الغرفة وإرتدي ثياب الفروسية وغادر الغرفه مُترجلًا الى أسفل، لكن قبل أن يخرج من باب المنزل توقف حين سمع والدته تنادي عليه، إنتظر حتى إقتربت منه، وقفت تتمعن النظر له حتى إتضحت رؤيتها له وهو بزي الفروسية، تفوهت بقلق:
رايح فين بدري إكده.
أجابها:
هطلع بالفرس أشم هوا البدرية.
ابتسمت والدته رغم قلقها، وتحدثت وهي ترفع يدها لتعدل ياقة قميصه تحت السترة:
إنت مش ناوي تهدى بجي وتريح جلبي وتسمع حديتِ.
ضحك بخفة وربت على يدها بحنان:
بعدين يا أمب،دلوق الفرس مستنيني، والصبحية دي ليها طعم تاني في المزرعة.
زفرت ببطء، تدرك أنه لا شيء يوقفه حين يتعلق الأمر بهدف فى رأسه، ثم أوصته:
طب خليك على مهلك، ومتأخرش عشان الفطار.
أومأ لها برأسه بقبول ثم غادر
نظرت إليه وهو يبتعد، هزت رأسها بابتسامة صغيرة، ثم عادت للداخل تتمتم:
ربنا يحفظك ويهديك يا ولدِ.
❈-❈-❈
على الطريق
لم تُخبر والدتها بميعاد خروجها الباكر وسيرها على الطريق بهذا الوقت كي لا تُثير قلقها، ها هي إقتربت من مشارف البلدة تقود السيارة الخاصة بها، رغم مرور سبع سنوات لم تأتي للبلدة، رغم إختلاف ملامح الطريق، لكن لم تتوه بالطريق، لكن لم تنتبة الى ذلك المطب الصناعي الكبير الموجود على الطريق، لسرعة السيارة لم تنتبه وغصبًا إنتفضت بالسيارة مع علو وهبوط المطب، لم تتمالك نفسها وإهتزت يديها على النقود حاولت السيطرة على السيارة لكن بنفس الوقت سمعت صوت فرقعة قوي، علمت أنه إحد إطارات السيارة قد تضررت، حاولت تطويع السيارة لكن غصبً
فقدت السيطرة على السيارة بالكامل حاولت المراوغة على الطريق لكن الطريق محصور بين جدار خرساني يبدوا أنه لمصنع كبير، والناحية الأخري كانت دوشم خرسانية بنهايتها طريق تُرابي لم تنتبة لتلك الشجرة التى على جانب الطريق، فقدت الأمل فى السيطرة على السيارة كادت تتخذ القرار وتقفز من السيارة لكن نفذ الوقت وإنجرفت السيارة لتصتطدم بتلك الشجرة، إرتج جسدها للخلف لكن سُرعان ما خبطت رأسها بمقود السيارة بقوة فاقدة للوعي فى الحال.
❈-❈-❈
المُتعة الصباحية له
وهو يتسابق فوق جوادهُ مع نسمات الصباح الباكر يتريض بين دروب وأشجار تلك الأراضي الواسعة، لكن اليوم إنجرف بجواده وخرج الى ذلك الطريق التُرابي، صُدفة أو قدر، رأي تلك السيارة التي يرتشق مُقدمتها مع تلك الشجرة، رغم حذره ترجل من فوق الجواد وذهب الى تلك السيارة نظر من خلف زجاج الباب، رأي فتاة تميل برأسها فوق المقود، فكر بحذر ونظر الى الزجاج الامامي للسيارة المشروخ لو لمسه ربما يتهشم لقطع صغيرة،لم يُفكر قام بكسر زجاج الباب بحذر ثم فتح قفل السيارة ورفع رأس تلك الفتاة عن المقود، رأي تلك الدماء التي تسيل فوق جبينها وهي تبدوا بوضوح غائبة عن الوعي، بلا تفكير فك حزام الأمان من حول جسدها وحملها خارج السيارة، وضعها على الأرض على بُعد خطوات من السيارة سُرعان ما سمع صوت سقوط ذلك الزجاج، نظر الى تلك الفتاة المُمددة أرضًا وتلك الدماء، فكر بلحظات جذب وشاح رأسها لحُسن الحظ كان هنالك وشاح آخر أسفله، قام بربطة حول رأسها، ثم بأحد أطرافه حاول إزالة الدماء عن وجهها، ظهرت ملامحها الرقيقة والجميلة بوضوح، شعور غريب سرى بجسده، ربت على وجنتيها حاول إفاقتها لكن لم تستجيب له، تنهد حائرًا وضع يده أمام أنفها، تفاجي بأن انفاسها تكاد تكون معدومة، تصرف سريعًا وضع يديه فوق صدرها يضغط عليه ثم وضع يده مره أخري بالقُرب من أنفها مازالت أنفاسها ثقيلة، دون تفكير فى حُرمانية، وضع شفاه فوق شفتيها وقام بالنفخ للحظات، ثم ترك شِفاها وعاود الضغط على صدرها، حتى سمع سُعالها، لكن مازالت عينيها غافية، عاود التربيت على وجنتيها، لكن كآن عينيها تُجاهد بصعوبه، فكر، ونهض واقفً ذهب الى سيارتها فتح الباب،ونظر داخلها كان الزجاج منثور، رأي مقصده، زجاجة مياة، جذبها بحذر يبتعد عن الزجاج ثم عاد مرة أخري نحو تلك الفتاة، فتح الزجاجة وضع القليل على يده وقام بنثرها على وجهها، لأكثر من مرة، حتى إستطاعت فتح عينينها بغشاوة نظرت له سألة بخفوت:
إنت مين؟.
نظر بعينيها الواسعة كآنه رأي عالمًا خاص لا يرا فيه سوا إنعكاس وجههُ فقط بين مُقلتيها السوداء، سحر خاص جعلها يتذمر بغضب حين أغمضت عينيها مرة أخري.
🌊🌊
كأنها كانت لحظة افاقة ثم عادت لفُقدان الوعي
حاول إفاقتها لكن كأنها مازالت تتمسك بغفوتها، نهض واقفًا أخرج هاتفه، سريعًا دق على أحد الأرقام وانتظر ثواني تمُر كأنها ساعات.. حتي رد عليه الآخر سريعًا حدثه بأمر:
هاتلي عربيتي عند الطريق الخلفي للمصنع بسرعة.
أغلق الهاتف وجثي مرة أخري لاحظ سيل بعض الدماء من أسفل ذلك الوشاح، نهض سريعًا وتوجه الى السيارة بحث عن صندوق الاسعافات الأولية حتي عثر عليه جذبه سريعًا وعاد إليها، أخرج قُطن وشاش ومُطهر طبي، ازاح ذلك الوشاح وإكتشف مكان ذلك الجرح بمنتصف مقدمة خصلات شعرها، سكب المُطهر فوق القطن وقام بوضعها موضع الاصابه برأسها ثم وضع ضماد يضغط عليه بقوة من الجيد أنها غائبة عن الوعي والا لما تحملت الألم… نظر نحو الطريق يترقب وصول السائق بالسيارة، دقائق قليلة مرت ساعات تنهد حين رأي قدوم السيارة حتى توقفت بالقُرب منه، ترجل سائقها وتوجه نحوه بلهفة سائلّا:
طوفان بيه إيه اللى حصل، ومين دي.
نظر له بلا إهتمام قائلًا بأمر :
إفتح باب العربية الخلفي بسرعة.
نفذ السائق طلبه، ثم نظر نحوه كان يحمل تلك الغائبة عن الوعي وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة، ثم أغلق الباب وتوجه نحو المقود قائلًا بأمر:
خُد الحُصان رجعه للإستطبل ولو الحجة وجدان سألتك عني قول لها، ظهر أمر ضروري مش هتأخر.
سريعًا غادر بالسيارة بسرعة عالية، حتي أنه لم يسمع قول السائق:
إيدك بتنزف يا بيه.
بعد وقت قليل صرير توقف السيارة كافيًا لإعلان مدي سُرعتها الفائقة، لم يُبالي حتى بعدما ترجل سريعًا وترك باب السيارة مفتوح، عيناه على تلك الغافية بالمقعد الخلفي، فتح الباب وجذبها يحملها بين يديه الى أن دخل الى داخل المشفى صرخ فيمن إستقبله قائلًا:
عاوز دكتورة فورًا.
ثم أكد مرة أخري:
دكتورة مش دكتور.
❈-❈-❈
منزل كريمان
قلق ينهش قلبها منذ ليلة أمس حاولت السيطرة عليه بالصلوات وقراءة القرآن يهدأ قلبها لبعض الوقت ثم يعود القلق… حاولت إلهاء نفسها بتنظيف المنزل بدأت بفتح الستائر للنور والشمس يدلفان الى المنزل،بعد وقت قليل أنهت ذلك جلست تستريح لكن نبض قلبها عاود القلق،فتحت هاتفها وقررت مُهاتفة دُرة،لكن إستغربت رنين الهاتف ولا ترد عليها،زاد قلقها،بنفس الوقت إقترب منها باسل باسمً يقول:
صباح الخير يا ماما،واضح إنك صاحية بدري أوي،ونضفتي البيت وكمان فى طبيخ ريحته صحتني من النوم.. كل ده عشان دُرة،كده أنا هغير منها، وأفكر أروح أقعد أسبوع ولا إتنين فى شقة القاهرة عشان أضمن إن يوم ما أرجع الاقي كل ما لذ وطاب.
إبتسمت له بحنان أموي وجذبت يده فإنحني عليها بسرعة قُبلت رأسه بحنان قائلة:
إنت سندنا يا باسل.
ضمها بحنان وقبل يدها ثم رأسها قائلًا:
إنتِ اللى سندنا يا ماما حتى وبابا عايش كنتِ إنتِ عمود العيلة ربنا يخليكِ لينا، وتبطلي القلق الزايد ده، دُرة آخر مرة قابلتها فى القاهرة قالتلي إنها بتفكر فى الرجوع لهنا عشان مبقتش حاسة بالأمان فى القاهرة، رغم إنها بقالها فترة عايشه هناك لوحدها جنب شقة خالي، بس كان وجود بابا حتي لو بعيد عنها كان محسسها بالأمان ان وقت ما تحتاج له بمكالمة تليفون هتلاقيه جنبها.
غض قلب كريمان بمرارة وهي تشعر بسوء خشية مجيئها ومكوثها هنا لهدف برأسها، تعلم مدى تقارب وتعلُق دُرة بوالدها حتي وهي بعيد عن هنا، كذالك هدم فرحتها قبل زواجها بأيام، تحولت الأفراح المتوقعة الى أطراح حقيقية
❈-❈-❈
منزل طوفان
غرفة بألوان هادئة تدُل على، طبيعة صاحبة الغرفة الرقيقة بطبعها الهادئ، فتحت شُرفة غرفتها التى تطل على منظر تلك الأشجار المُصطفة، رغم أوراقها الخضراء لكن مازالت ثمارها الصغيرة تنمو بلونها الأخضر،ورائحة الليمون المُنبعثة تُعطي إنتعاشًا مع رائحة الريحان الذي نثرها الندى،منظر طبيعي يجعل النفس تصفوا،لكن لفت نظرها ذلك السائق الذي يدلف نحو الإستطبل بجواد طوفان،لفضول او قلق منها،سريعًا بدلت ثيابها،وذهبت الى غرفة والدتها،تبسمت وهي تدلف قائلة:
صباح الخير يا ماما.
أومأت لها وجدان ببسمة حنون:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
صباح النور.. يا “جود” إيه مصحيكِ بدري كده إنتِ فى أجازة.
إبتسمت لها قائلة:
نمت بدري وصحيت بدري، بس من شويه وأنا فى البلكونة شوفت السواق داخل بالفرس بتاع طوفان.
إستغربت وجدان ذلك قائلة:
غريبة ده طلع بيه من شوية، حتى جولت لـ شكرية تخضر الفطار على ما هو يرجع، هتصل عليه.
بالفعل جذبت هاتفها الخليوي، وهاتفت طوفان، لكن سُرعان ما أغلق الهاتف دون رد، قلقت قليلًا ثم نظرت لـ جود قائلة:
طوفان قفل الموبايل، خير، خلينا ننزل لتحت نسأل السواج.
بالفعل بعد دقيقتين كان السائق يقف أمام وجدان التى سألته بتسرع:
ليه إنت اللى رجعت الفرس للإستطبل، فين طوفان بيه.
أجابها كما أخبره طوفان دون زيادة بالحديث:
طوفان بيه قالي إنطوفان بيه قالي إنه عنده مشوار ضروري ومش هيتأخر.
عقدت وجدان حاجبيها بقلق، ثم نظرت إلى جود التي شاركتها نفس الشعور بعدم الارتياح. لم يكن طوفان من النوع الذي يغلق هاتفه فجأة أو يترك مسؤولياته دون تفسير واضح.
سألت السائق بجدية:
وقال لك رايح فين.
هز رأسه نافيًا:
لاه… كان مستعجل.
تبادلت وجدان نظرات مع جود، ثم قالت بحزم:
لازمن نعرف راح فين… طوفان عمره ما اختفى كده بدون سبب إكده.
حاول السائق طمىنتهن قائلًا:
هو قال انه مش هيتأخر.
اومئن له برأسهن وهو ينصرف بينما قلب وجدان للحظات يدق بتسارع، وبداخل قلبها شعور فى الفترة الأخيرة بالقلق والخوف الدائم سولء كان بالقريه أو بالقاهرة، تنهدت بغصة، تتمني لو تستطيع الدخول الى عقل طوفان الذي تبدل حاله فجأة حتى قبل تلك الحادثة الأخيرة… أصبح لابد من وضع حد كي يعود وينضبط بوجود زوجة له.
❈-❈-❈
بمنزل عزمي مهران
على طاولة الفطور
جلست سامية على المقعد المُجاور له كذالك ريان بالمقعد المقابل لها،تنهدت بصوت مسموع رفع عزمي عيناه عن الطعام ونظر لها سُرعان ما زفر نفسه بسأم قائلًا بنبرة إستفسار غاضب:
في إيه عالصبح قالبه وشك.
نظرت له سامية بحاجبين معقودين، ثم ردّت بنبرة ممتعضة:
هو لازم يكون في حاجة مش ممكن الواحد يصحى مزاجه مش رايق وخلاص
ارتشف ريان رشفة من قهوته وهو يراقب الحوار بصمت، بينما وضع عزمي الملعقة بعنف على الطبق، ليصدر صوتًا مزعجًا، قبل أن يتحدث بنبرة إستهزاء مصحوبة بحِدة:
لا يا حبيبتي، مش خلاص اللي عنده حاجة يقولها بدل ما يفضل قالب الجو نكد.
زفرت سامية بضيق، وأشاحت بوجهها وهي تحرك الملعقة في كوبها بلا هدف، بينما تحدث ريان بنبرة صلبة وهادئة وهو يتفحص ملامحها المتوترة:
أنا السبب يا بابا.
نظر له عزمي بنظرة استفسار فاكمل حديثه:
عشان جولت لها إني بفكر أجضي الاچازة مع صحابي “راس شيطان”.
تنهد عزمي هامسًا لذاته:
والله إنت ما محتاج تروح راس شيطان، بيكفي تبص لوش أمك.
بينما ترددت سامية للحظة، ثم نظرت إليه قبل أن تقول بفتور:
أنا طول الليل أحلم بكوابيس وصحيت مش مرتاحة، وإنت تجولي هتسافر مع صحابك وتغيب عني مش كفايه أخوك اللى مرمي فى سچن الأحداث قرب على خمس شهور، هعقد لوحدي بالدار كيف العاقر اللى محدهاش عيال.
رفع عزمي حاجبه ساخرًا وهو يقطّع قطعة من الخبز قائلًا بسخرية:
كوابيس… إبجي أتغطي كويس وكفاية نكد عالصبح، أنا مش موافج إنه يسافر مع أصحابه مش قبل ما النتيجة تظهر ولو ساجط(ساقط) كيف السنة اللى فاتت مش هوافج وهتجضي الإچازة وسط العمال تشتغل زيهم، يمكن تتعلم وعقلك يفتح…مش عارف ناجصك إيه عن زمايلك اللى سبجوك وبجوا فى تانية چامعة،بت كوثر السنة دي فى الثانوية،ومتوكد كيف العادة هترفع راس أبوها وتبجي من الأوائل،صدج(صدق)اللى قال الدنيا حظوظ.
تهكمت سامية بضيق قائله:
وماله حظك،حظك أحسن من غيرك،شوف” حمدين غُنيم”
عشان يدخل بِته كلية الطب باع خمس فدادين اللى إشتراهم طوفان، ياريته ما كان إشتراهم،هما اللى چابوا الهم و وليد ولدي بيدفع تمن نخوته بالأحداث.
نظر لها عزمي بشرر قائلًا:
لو كنتِ ربيتي ولدك مكنش وصل للغباء اللى إتصرف بيه وإدخل فى اللى مالوش فيه،لكن تربيتك الزينة فسدته،زي ما هتفسد ولدك التاني اللى مش حاطط حاجه فى راسه غير المنظرة والفُسح مع الصايعين اللى زييه.
قال ذلك وإنتفض واقفً بغضب يرمي تلك المحرمة فوق الطاولة قائلًا بغضب :
نفسي إتسدت، مش فاضي حدايا الأهم من الجُعاد وسماع النواح والحديت اللى يفور الدم.
لمعت عيناها بالغضب، وضمت يديها في حجرها حتى اشتدت مفاصلها بياضًا، لكنها تماسكت… أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوت مبحوح بالكبرياء الجريح:
أنا ربيتهم على الصح، بس العوج اللي اتعلموه كان بره بيتي، من ناس كانوا المفروض يبقوا قدوة، ناس زيك.
التفت إليها بحدة، وتقدّم خطوة كأنه سيقول شيئًا آخر، لكنه توقف، استدار مغادرًا الغرفة بخطوات سريعة حتى لا يتهور ويفتعل
… ويفتعل ما لا يُحسب عُقباه، فالغضب كان يعصف برأسه كعاصفة هوجاء، لكنه كان يعلم أن التفوه بكلمة أخرى قد يشعل النار أكثر مما يحتمل.
أما هي، فظلت جالسة في مكانها، تحاول أن تحافظ على مظهر الثبات، لكن داخلها كان العاصفة ذاتها… قبضت أصابعها على طرف ثوبها، تكتم رجفة تسللت إلى أطرافها.
سمعت هي وريان صوت الباب يُغلق بعنف، فرفعت رأسها، زافرةً أنفاسًا حملت مرارة أكبر مما تطيق… تمتمت لنفسها بصوت لم يخرج من بين شفتيها المرتعشتين:
دايمًا بتمشي قبل ما تسمع للنهاية، ودايمًا أنا اللي أتحمل التهمة لوحدي.
بينما نظرت لـ ريان الذي كأن ما حدث امامه عرضًا بالتلفاز كآن لا شأن به يؤثر، لكن سُرعان ما إبتسم بخباثة وهو يسمع لحديث سامية الداعمة له:
كمل وكلك ومتجلجش هتروح الرحلة مع صاحبك.
لمعت عينيه بزهو وخباثه، فإنتشي قلبها كآنها بذلك تُثبت أنها ذات سُلطة وكلمة مسموعة دون تفكير فى عواقب.
❈-❈-❈
بمنزل متوسط بسيط
وضعت تلك الصبية آخر طبق طعام ثم ذهبت مُسرعة بمرح وقفت أمام باب الغرفة وطرقت الباب قائلة:
أبوي إحنا خلصنا الوكل عالسفرة.
فتح لها الباب سريعًا مُبتسمً بحنان ومد يده ضمها لكتفه قائلًا بمحبة:
صباح الخير يا سُجى..
يسلم يدك إنتِ وإخواتك.
تبسمت له بينما هو نظر خلفه الى تلك الراقدة فى الفراش قائلًا:
كوثر مش هتجومي تفطري معاي أنا والبنات.
نظرت له وهي تشد ذلك الدثار الخفيف عليها قائلة برفض:
لاه مش چعانه دلوق، حاسة براسي تجيلة هكمل نوم، إفطروا إنتم، وأنا لما أجوع هبجي أكُل.
هز رأسه بآسف وضم سُجي بعدما أغلق الباب سار معها نحو طاولة الطعام، جلس بين ثلاث فتيات كُلهن رغم شعورهن بقسوة والدتهن لكن معه تختفي القسوة ويظهر الحنان والدعم منه لهن، يجعلهن يشعرن انهن أميرات.
بعد دقائق دلف الى الغرفة نظر نحو كوثر التى كانت مُستيقظة، تفوه بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من العتاب:
كوثر مالك ليه مش عاوزة تاكلي معانا.
زفرت بضيق دون أن تُغمض عينيها، ثم فتحهن قائلة بصوت متكاسل:
جولتلك مش جعانة دلوق، وراسي بتوجعني، سيبني أنام.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
اقترب منها وجلس على طرف الفراش، مرر يده على جبينها بحنان كأنه يتحسس حرارتها، لكنها أبعدت وجهها قليلًا بضيق تنهد بصبر سائلًا:
كوثر… أنا عارف إنك مش عيانة، بس مش حابب أضغط عليك، بس لو في حاجة مضايجاكِ، جوليلي.
فتحت عينيها أخيرًا ونظرت إليه نظرة عابرة، ثم همست بنفاذ صبر:
مفيش حاجة، بس كيف ما جولت حاسة جسمي واچعني.
تنهد وهو ينهض، لكنه قبل أن يخرج قال بصوت هادئ:
طيب، ارتاحي، ولو احتاجتي أي حاجة البنات موجودة.
خرج تاركًا إياها تتقلب في الفراش، في حين وقفت سُجى عند الباب تراقب والدها، قبل أن تقترب منه هامسة:
بابا… ماما زعلانة.
نظر إليها وابتسم ابتسامة صغيرة، ثم ربت على رأسها:
ماما حاسة بشوية وجع خدي بالك مِنيها إنتِ وإخواتك، وانا مش هتأخر فى الشغل.
لم تقتنع سُجي تمامًا، لكن أومأت لوالدها بهدوء قبل أن ترد بخفوت:
حاضر يا أبوي
راقبته وهو يبتعد متجهًا للخارج، ثم استدارت نحو الغرفة بفضول… بخطوات حذرة، وطرقت الباب بخفة قبل أن تفتحه قليلًا وتطل برأسها:
ماما… عاوزة حاجة؟
لم ترد كوثر فورًا، بل زفرت ببطء وكأنها تحاول تجميع طاقتها للرد بقسوة، ثم قالت دون أن تنظر إليها:
لاء روحي لعبي مع إخواتك.
لكن سُجى لم تقتنع، فتقدمت أكثر وجلست بجوار الفراش، متأملة وجه والدتها الذي بدا شاحبًا… مدت يدها الصغيرة ولمست كفها برقة، هامسة:
ماما… لو زعلانة من ابوي ما تزعليش. هو بيحبك وإحنا كمان بنحبك.
انتفض قلب كوثر لكلمات ابنتها البريئة، فتحت عينيها ونظرت إليها للحظة، ثم ابتسمت رغم الحزن العالق بعينيها، وسحبتها إلى حضنها، قائلة بصوت خافت:
وأنا كمان بحبكوا، يا سُجى.
شعرت الصغيرة بالراحة في حضن والدتها، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن هناك شيئًا تخفيه كوثر… شيئًا لم تفصح عنه بعد.
❈-❈-❈
بالمشفى
دلف الى إحد الغرف وهو مازال يحملها، وضعها فوق الفراش
وقف جوار الفراش ينظر الى وجهها الذي رغم وجود آثار للدماء عليه لكن بهي، توقفت عيناه على شفتيها المرسومة تُكمل بقية تناسُق جمال وجهها
سرح للحظات يتأمل وجهها، لكن افاقه رنين هاتفه، أخرجه دون النظر له أغلق الصوت، وبلا شعور منه جلس على طرف الفراش إمتدت يده بلا شعور تسير على وجنتيها ينظر لملامحها توقف إبهامه يتحسس شفتيها برتابة بداخله تنمو رغبة أو شعور بالتمني، شعور
دفين لم يستطع تفسيره، شيء بين التوق والتملُك، بين الشفقة والانجِذاب… عينيه لم تُفارق شفتيها، وكأنهما تهمسان له بسر دفين… إقترب بوجهه من شفتيها وكاد يُقبلها… مرة أخري يتمني تذوق شفتيها… لكن
فاق من شروده على صوت أنفاسها المضطربة، وهمسها بإسم فسره جيدًا
“حسام”
تراجع سريعًا، وكأن يده قد احترقت بلمستها… زفر ببطء، يعاتب نفسه على انجرافه خلف تلك اللحظة… ثم نهض، يعدل من وضع الغطاء عليها، قبل أن يلقي نظرة أخيرة على ملامحها الغافية، لكن لفت نظره بوضوح ذلك الخاتم الذي يتوسط بنصرها الأيسر، شعر بـوخزة غير مفهومة في صدره، إحساس غريب بين الضيق والتوجس.. حدّق في الخاتم مطولًا، وكأنه يبحث عن إجابة خفية خلفه… هل هو مجرد زينة… أم يحمل خلفه التزامًا لم يكن في حسبانه..
قبض يده دون وعي، وأجبر نفسه على التراجع… لا يحق له التفكير في هذا، ولا يحق له الانجراف أكثر… لكن رغم ذلك، بقيت صورة الخاتم مطبوعة في ذهنه، تُثير داخله شعورًا لم يواجهه من قبل.
بنفس الوقت دلفت طبيبة ومعها إحد الممرضات نظرت نحوه لاحظت يده النازفة،تفوهت بامر :
ممكن تخرج بره، كمان إيدك بتنزف ممكن تكون محتاجة عنايه.
نظر نحو ظهر يده وتلك الدماء السائلة، كآنه لم يشعر بذلك الجرح الذي للتو شعر ببعض الألم، دون جدال مع الطبيبة خرج ذهب نحو غرفة الطوارئ، بلحظات دخل طبيب وبدأ يعتني بيده حتى إنتهي قائلًا:
واضح إنك من الناس اللى بتقدر تتحمل الألم، إنت رفضت أحطلك بنج موضعي، رغم
الجرح كبير حداشر غرزة، حاول تتجنب وصول الماية لايدك،كمان هكتبلك مضاد حيوي، غير الغيار الجرح يوميًا بإنتظام
أومأ له دون حديث وغادر الغرفة توجه الى تلك الغرفة مره أخري، دلف مباشرةً، كانت الطبيبة تنتهي من وضع ضماد حول رأس الغائبة عن الوعي، نظرت ليده المُضمدة،بينما هو سألها:
إيه حالتها بالظبط.
اجابته بعملية:
فى جرح كبير فى راسها واضح إنه نزف كتير،وده السبب إنها مُغمي عليها،كمان فى خبطة فى صدرها،واضح لها أثر ممكن تكون سببت لها ضيق تنفس،بس الخالة مش خطيرة،ممكن بكرة او بعده بالكتير تخرج من المستشفي…هي دلوقتي تحت تأثير البنج،بس كام ساعة وتفوق.
أومأ لها برأسه لكنه تفاجئ من قول الطبيبة:
هي تبقي مرات حضرتك.
لوهلة إتسعت عيناه وظل صامتً…مما جعل الطبيبة تشعر بالحرج وتنحنحت وخرجت من الغرفة ومعها المُمرضة،بينما هو ظل لحظات ينظر لها يشعر بشفقة… بذلك الوقت عاود رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ونظر له، تنهد
بعُمق قبل أن يجيب بصوت منخفض:
مساء الخير، يا أماي.
بلهفة سألته:
جولي ليه مكنتش بترد عليا وليه السواج رچع بالفرس.
أجابها ببساطة:
شغلانه مهمه طرأت وكان لازم أكملها بنفسي.
بقلق سألته:
شغلانة إيه دي.
رد بصبر:
شغلانه خاصة بالمصنع، خلاص إنتهت، ومش هتأخر، لازم أقفل الخط دلوق.
بتنهيد مُضطرب، أغلقت الهاتف وهي تشعر أن هناك شيئًا غير مريح في نبرة صوته… لم يكن كعادته، رده مختصرًا أكثر من اللازم، وكأنه يريد إنهاء المكالمة سريعًا… مررت يدها على جبينها وهي تفكر، هل عليها تصديق ما قاله، أم أن هناك ما يخفيه عنها؟ ولماذا عاد السواق وحده… حاولت طرد الوساوس من رأسها، لكن قلبها ظل يشعر بالقلق، وكأن حدسها يصرخ بأن هناك ما هو أبعد من مجرد شغلانة انتهت..وتقبلت إنهاؤه السريع للمُحادثة بينهم .
أنهى المكالمة وهو يشعر بثقل غريب في صدره، عاد ببصره إلى تلك الغافية، ثم اقترب منها قليلًا وهمس بصوت مسموع:
ليه راجعة لهنا تاني دلوق يا….
“دُرة مُختار غُنيم”.
❈-❈-❈
بعد وقت بالإستقبال الخاص بالمشفى
وقف طوفان يدفع تكاليف المشفي دون ذكر إسمه كذالك يُعطي للموظف بطاقة هاوية خاصة بـ دُرة، وأخبرهم برقم الهاتف كذالك طلب منهم الإتصال بذويها وإخبارهم بوجودها فى المشفي… بالفعل تم ذلك
بمنزل كريمان
شعور قلبها بالقلق لم يكُن مجرد شعور خاطئ بشيء بل كان شعور حقيقي بالسوء الذي حدث لـ دُرة
مُكالمة هاتفية وصلت الى المنزل بوجودها بإحد المشافي، لم تنتظر وقت، وها هي مع باسل ومعهم ثالث يدلفون الى المشفي بقلق عارم…
بنفس الوقت من باب آخر للمشفي كان يُغادر طوفان.
❈-❈-❈
ليلًا
فجأة أثناء نومه سطع ضوء بالغرفة داعب عيناه بقوته، فتح عينيه فى البداية بغشاوة، حتى إستطاع تقبل سطوع الضوء، إتسعت عيناه قائلًا بذهول:
” حسام”
لكن سكت أو بالأصح كأنه فقد صوته وهو يسمع نعت الآخر له بعيون تفيض غيظً مُكررًا إتهامه له:
خاين… خاين يا طوفان… إنت السبب… موتي في رقبتك، ولسه فاكر إنك هتهرب من اللي عملته، والسبب إنت عارفه، مُتأكد دُرة راجعة هي اللى هتقدر تُقف قدام” طوفان الخاين”.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخلت الى تلك الغرفة، تبسمت حين رأت
فُستان عروس،إقتربت منه حاز على إعجابها،بلحظات كانت ترتديه شعرت بنعومة القماش ينساب على جسدها، والتطريزات اللامعة تعكس الضوء كنجوم صغيرة تحيط بها… استدارت ببطء أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بدهشة وكأنها ترى نفسها لأول مرة…
رفعَت يدها تتحسس الدانتيل الناعم عند كتفيها، تساءل عقلها بصمت:
مين اللى جاب الفستان ده هنا.
لم تمضِ في تساؤلاتها طويلًا، حين فُتح الباب فجأة، وامتزج صوت صريره مع بسمة أفلتت منها…وهي تدور بسعادة قائلة:
إيه رأيك فى الفستان يا بابا.
وإشارة من يده مع بسمة تصف مدى جمالها قبل جمال الفستان عليها، ذهبت نحوه وكادت تضمه لحظات ويتبدل، لكن شهقة مكتومة ونظرة ذهول، وهي
ترا إنعكاس يبتعد عن باب الغرفه، ووالدها ينهار جسده أرضًا مُتأثرًا بتلك الرصاصة التى إخترقت منتصف رقابتهُ، صرخ عقلها غير مستوعب وهي تهبط جالسة جواره تبكي عينيها تستجدي الواقع أن يكون كابوسًا، أن يعود الزمن لحظة للوراء، أن ينهض والدها ويمسح دموعها كما اعتاد، لكن الدماء المتدفقة على الأرض أكدت لها أن الموت لا يُعيد أحدًا…
ارتجفت أصابعها وهي تحاول إيقاف النزيف المستحيل، أنفاسها تتسارع، قلبها يدوي في صدرها كطبول حرب، بينما انعكاس المرآة خلفها يرسم صورة الرعب.. ظل قاتم يقف عند الباب، حيث سقط والدها…رفعت رأسها ببطء، وعيناها تلتمعان بالرعب والغضب، لترى إنعكاس ظل يقترب وفوهة مسدس ما زالت مصوبة، ودخان البارود يتلاشى في الهواء… لم تتحرك، لم تصرخ…
كأنها في عُزلة الدموع والدماء، وفستان العروس الأبيض الذي أصبح دمويًا، وهمهات والدها الأخيرة وهو بالكاد يُحرك شفتيه، وكلماته الأخيرة كأنها وصية لها
“الأرض… طوفان… طوفان… الأرض… رجعيها”
فجأة فتحت عينيها وهي تشهق لم تشعر وهي تنطق بلوعة قلب:
بابا….
لوهلة إنخضت كريمان التي كانت تمكُث معها بالغرفة، نهضت حين سمعت همسها وأقتربت من الفراش ربتت على وجه دُرة حنان وعيناها تتجمع بهن الدموع، وهي تُربت على وجنتي دُرة التى فتحت عيناها اللتان تسيل منهن الدموع دون دراية منها، جففت كريمان تلك الدموع وجلست جوارها على الفراش تضمها لصدرها، تُربت على ظهرها قائلة بتحريض:
إبكي يا دُرة هترتاحي.
إمتثلت لتحريضها تبكي، شهور مضت كانت تلك الدموع حبيسة بين جفنيها، لكن حتى مع تلك الدموع مازالت لا تجد الراحة، بل زاد الأسي والقسوة فى قلبها، وعقلها يُعيد نهاية ذلك الكابوس
“الأرض…طوفان…رجعيها”
ذلك إشارة من والدها،تذكرت بأخر لقاء لهما قبل مقتله،لمح لتلك الرغبة إستراد تلك الأرض التى كانت هي السبب فى بيعها، عادت من أجل إستراد تلك الأرض،أول أهدافها.
❈-❈-❈
-خاين يا طوفان
مازال صدى الصوت يتردد
نظر نحو يشعر بعيونه يفيض منها الندم،لكن تجبر بالرد:
عمري ما كنت خاين يا حسام،إفتكر كويس مين اللى خان من البداية،وكذب وإنت عارف كان نتيجة كذبك، أنا اللى خِسرت، فوق يا حسام بلاش تعيش دور الضحية.
نظرات عين حسام غير مُبالية وهو يبتسم كأنه يتشفي بإثارة غضب طوفان…
سادالصمت بينهما، الهواء أصبح مُمتلئ برائحة الخيانة والخذلان… رمش حسام ببطء، ثم رفع زاوية شفتيه بابتسامة لم تصل لعينيه، ابتسامة ساخرة كأنها نصل خنجر يُغرس في صدر طوفان ببطء، ثم تهكم قائلًا ببسمه بلا مشاعر:
خِسرت….. أنا كنت بكسب في رأيك.
تقدم طوفان خطوة، ثم همس بصوت خفيض لكنه يحمل قسوة الجبال:
اللي خسر فعلًا… هو اللي واقف قدامك دلوقتي وهو مش قادر حتى يعترف إنه ادمر.
توقف طوفان يشعر بتيار بارد يجتاحه، لكنه لم ترمش عيناه يُحدق فيه بثبات… لكن بداخله يشعر بشيء ينهار ، الجُدران الذي ظن أنه شيدها حول قلبه بدأت في التصدُع.
لكن نفض عقله ذلك وتلك الابتسامة التى فوق شفتي حسام، قاسية وكلماته قاضية:
“دُرة” رجعت وهتاخد منك تار الخيانة.
إنتفضت عيناه وفتحهما باتساع، يشعر كأن جسده تجمد لثوانٍ وهو يحدق في ظلام الغرفة لحظات، نهض من فوق الفراش يشعر بمشاعر غير مفهومة، لما تلك المواجهه بينه وبين حسام، أزاح الستائر قليلًا، مازال ظلام أول الليل،همس عقله بلا وعي
“دُرة…”
الاسم وحده كان كفيلاً بإشعال دوامة كاملة من الذكريات، من الندم، من ذلك الألم الذي أقنع نفسه أنه دَفنه منذ زمن بعيد… لكن لا… لم يُدفن شيء، كل ما فعله هو أنه دفن نفسه داخله، وترك الزمن يمر ليغطيه بطبقة زائفة من النسيان.
والآن… ها هو الماضي يعود، ليس كذكرى، بل كحقيقةٍ حيةٍ تتنفس وتستعد للانتقام، وكأن عقله يتمرد يرفض الإستسلام لفكرة أن الزمن قد يكون طوي صفحة الماضي … أو ربما لم يكُن يرغب فى المواجهة الثانية.
❈-❈-❈
باليوم التالي
صباحً
بمنزل طوفان
على طاولة الفطور
نظرت وجدان الى يد طوفان المُضمدة مازالت لا تُصدق أنها مجرد إصابة بالخطأ، بنفس الوقت دلف عليهم عزمي باسمً يُلقي الصباح… تبسمت له وجدان ظل يتجاذب الحديث معهم الى أن وصل الى قوله:
سمعتوا الخبر اللى داير فى البلد من عشية إمبارح.
باستفهام سألته وجدان:
خير.
أجابها مستهزءً:
بيجولوا بِت “مُختار غُنيم”رجعت للبلد.
خفق قلب وجدان بقلق وبتلقائية نظرت نحو طوفان الذي كأن الحديث لا يهمه،بينما إستطردت عزمي الحديث بنبرة شماتة:
تجولي النحس راچع معاها،بيجولوا عملت حادثة على أول الطريق الترابي اللى أول البلد،كانت جاية سايجة عربية لحالها،عاوزه تبين إنها متفرقش عن الرچالة وبتسوق عربيات يظهر جعادها فى مصر وحدها دخل براسها إنها إكده تبجي كيف الرچالة، أها جت على راسها وبيجولوا بايته فى المستشفي.
لوهلة غص قلب وجدان، وسألته:
وحالتها خِطرة.
هز عزمي رأسه بنفي قائلًا:
مش عارف والله ده الكلام اللى وصلني…كمان فى حديت تاني وصلني عنها مش عارف ده صوح ولا أوشاعات.
نظر له طوفان بصمت، بينما سألته وجدان:
وإيه هو الحديت التاني ده.
أجابها ببساطة:
بيجولوا إنها هتتجوز من سِلفها أخو چوزها، جصدي اللى كان خطيبها….
إنتفض طوفان ونهض بغضب قائلًا بتعسُف:
انا رايح المكتب لما تخلص رط (رغي) فى حديت النسوان إبجى حصلني حدانا شُغل أهم من حديت الحريم اللى مالوش عازه.
غادر طوفان بينما نظر عزمي لـ وجدان التى تتبع طوفان بعينيها وجال بعقلها خاطر سُرعان ما نفضته وإنتبهت لبقية حديث عزمي السافر.
❈-❈-❈
بالمشفي
عصرًا
بالإستقبال
إستغرب كل من باسل وحاتم حين أخبرهم أن تكاليف المشفي بالكامل سُددت، تسائل الأثتين معًا عن هوية من دفع التكاليف.
رد المسؤول:
بصراحة مقالش إسمه هو دفع التكاليف كاش وقال الفاتورة تطلع بإسم المُصابة.
إستغرب الإثنين ثم سأل حاتم:
مش فاهم ليه هو مش عاوز يقول هو مين ختي عشان نرد له التكاليف، كمان نشكره إنه ساعد المُصابة.
أجابه المسؤول:
معرفش والله.
سأل باسل:
طب هو شكله إيه، مش ممكن توصفه لينا.
أجابه المسؤول:
للآسف أنا جديد فى المستشفى ومش من النواخي دي، وبصراحة مركزتش معاه.
زفر حاتم نفسه وهو يرفع رأسه يتجول بعيناه بالمكان لاحظ وجود بعض الكاميرات الخاصة بالمراقبة فتنهد قائلًا:.
كاميرات لمستشفى أكيد بتسجل …اللي بيحصل، يعني كل حاجةموثقة.
توقف للحظات وهو يمرر يده في شعره بتفكير، قبل أن يلتفت إلى الموظف وسأله:
ممكن أشوف التسجيلات.
لم يتردد المسؤول قليلًا قبل أن يرد:
دي حاجة لازم إدارة المستشفى توافق عليها.
شدد حاتم من نبرة صوته قائلًا:
أنا ظابط شرطة، والأمر ضروري، ولو الإدارة محتاجة إذن رسمي، أنا ممكن أوفره.
أومأ المسؤول بتوتر قبل أن يشير له إلى مكتب المسؤول عن الأمن في المستشفى.
غادر باسل وحاتم، بينما ترقب المسؤول حتى إبتعدا ودخلا الى غرفة الأمن وقام بإتصال خاص.
بينما دخل باسل وحاتم الذي أخرج هويته وأعطاها للمسؤول الذي رحب به، كذالك فعل له ما طلبه وأخرج سجلات الكاميرات الخاصة بذلك الوقت… إستغرب بل ذُهلا الإثنين تسجيلات الكاميرات لا توضح سوا صورة غير واضحة تمامًا، كأن هناك تشويشًا متعمدًا أو خللًا تقنيًا أصاب الكاميرات في تلك اللحظة تحديدًا.
تبادل باسل وحاتم نظرات سريعة قبل أن يسأل باسل بصوت منخفض:
ده طبيعي.
نفي حاتم رأسه بإستغراب بينما وضح
المسؤول عن الأمن متخدثً بتوتر غير ملحوظ:
بصراحة لأ، الكاميرات بتشتغل كويس طول الوقت، وده مش مرة يحصل فيها عطل بالشكل ده…بيبقي عُطل بسيط.
ضيق حاتم عينيه بتفكير قبل أن يسأل:
مين آخر شخص كان له وصول مباشر للكاميرات أو لغرفة المراقبة.
المسؤول ابتلع ريقه قائلًا بثبات:
الأمن الداخلي بيتابعها، لكن أي تعديل أو مراجعة بتكون عن طريق الإدارة الفنية للمستشفى.
قاطعه باسل بحدة:
عايز قائمة بأسماء أي حد كان ليه تعامل مع الكاميرات إمبارح.
أومأ المسؤول سريعًا وبدأ في البحث عن الأسماء، بينما تبادل باسل وحاتم نظرة أخرى… هناك شيء غير طبيعي يحدث هنا… لو بظروف أخري كان تقبلا ذلك.
بعد قليل بغرفة دُرة
إنتهت الطبية من مُعاينة دُرة وتبسمت لها قائلة بخطأ غير مقصود:
واضح إن زوج حضرتك مهتم بيكي جدًا.
تفاجئت درة ، وتحدثت لتُصحيح الموقف:
بس انا مش متجوزة، قصدي زوجي توفي من فترة.
تعجبت الطبيبة من ذلك وتحدثت مُعتذرة:
آسفة، بس الاهتمام اللي شُفته في عيونه كان واضح أوي، افتكرت إنه جوزك… عالعموم
حمدالله على سلامتك يا مدام.
أومأت دُرة رأسها بشعور مُتداخل بين الدهشة والإستفسار ، لكنها تماسكت سريعًا حين دخلت كريمان للغرفة التى شعرت بضيق من نعت الطبيبة لـ دُرة بـ “٠مدام”ودت ان تقول لها أنها لم تتزوج،بينما ردت دُرة بصوت هادئ:
شكرًا، الله يسلمك.
راقبت الطبيبة وهي تبتعد، لكن كلماتها ظلت تتردد في ذهنها، تُثير بداخلها مشاعر متناقضة،تود معرفة ذلك الشخص الذي يبدوا اهتمامه بها كان واضحًا لهذه الدرجة،نفضا ذلك ورجحت أن الطبيبة قد تكون أساءت الفهم.
تنفست بعمق وهي تحاول تهدئة دقات قلبها التي تسارعت دون سبب واضح، ثم استدارت نحو كريمان التى نظرت لـ يد دُرة زفرت نفسها بهدوء عكسي حين رأت خاتم الزواج بيدها اليُسرى، يحق للطبيبة نعتها بذلك اللقب، لكن أرجأت حديثها لوقت آخر وتحدثت:
خليني أساعدك تلبسي الطرحة، باسل وحاتم زمانهم خلصوا إجراءات خروجك من المستشفى.
اومأت لها بقبول، بينما بإستفسار سألت كريمان رغم لومها :
عملتي اللى فى دماغك وجيتي بالعربية كمان ياريت بالنهار، الحمد لله إنها عدت على خير، الله أعلم لو كان الشخص اللى جابك المستشفى كان شخص غير أمين كان عمل فيكِ إيه، ويمكن كمان كان خاف من المسئولية وسابك تنزفي لحد ما…
توقفت تنفض التفكير السئ،لكن إستطردت حديثها:
متعرفيش هو مين.
تقبلت لوم كاريمان تعلم ان ذلك نابع من قلقها،وهزت رأسها بنفي:
لاء…هعرفه منين،أنا مش فاكرة غير مطب ورا المصنع مخدتش بالى منه وهو اتسبب فى فقد السيطرة عالعربية وبعدها مش فاكرة غير شوية غشاوة مش متفسرة،عالعموم زمان باسل وحاتم عرفوا مين البطل اللى انقذني وأبقي قدمي له شُكر خاص.
نظرت لها كاريمان بغضب وكزتها فى كتفها بغيظ قائلة:
بتتريقي عليا وماله.
غصبً تبسمت دُرة وهي تتأوه بألم بسبب وجع ضلوع صدرها،خفق قلب كاريمان من ذلك،بينما قالت دُرة بتطمين:
ده وجع بسيط بسبب كدمة يمكن بسبب الدريكسون خبط فى ضلوعي.
تنهدت كريمان بقلق واضح وهي تنظر إليها بحنو، ثم قالت بصوت مُحذر:
الموضوع مش هزار يا دُرة، إنتِ كنتِ بين الحياة والموت، وأنا مش قادرة أتصور لو كان حصل لك حاجة.
قاطعتها دُرة بابتسامة مطمئنة، رغم الألم الذي كان يضغط على صدرها:
أنا بخير يا ماما، وعدت على خير… المهم دلوقتي نخرج من هنا ونرجع البيت.
رغم أنها حاولت تهدئتها، إلا أن كريمان لم تفوت الحِيرة والفضول الذي مر في عينيها… هل كان بسبب حديث الطبيبة؟ أم بسبب ذكر الرجل الذي أنقذها؟
تنهدت كريمان مجددًا وهي تساعدها في ضبط حجابها، وتحدثت بفضول:
أنا عندي فضول أعرف مين البطل ده، مش بس عشان أشكره،مش عارفة ليه قلبي مش مطمن.
تنهدت دُرة ببساطة قائلة:
عادي يا ماما،معرفش ايه سبب قلقك… شخص شاف حد في أزمة وساعده،مجرد مساعدة…. ليه مكبرة الموضوع.
لكن كريمان لم تقتنع بسهولة، لكن تقبلت ذلك، بينما
دُرة إستنشقت قدر الهواء لثوانٍ، تحاول أن تبدو غير مبالية، لكن عقلها لم يستطع الهروب من الفكرة… هل يعقل أن يكون شخصًا تعرفه؟ أم أن والدتها تبالغ كعادتها.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحً
بمنزل طوفان
إنتهت من إرتداء ثيابها،وترجلت لأسفل،ذهبت نحو تلك الغرفة التى تجلس بها وجدان،دلفت مُبتسمةحين رأت كوثر تجلس مع والدتها رحبت بها قائلة:
كيفك يا خالتي منورة.
نظرت لها كوثر ببسمة مُصطنعة سائلة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لابسه إكده ليه إنتِ خارجة.
إبتسمت لها قائلة:
أيوه يا خالتي،المحل اللى بشتري منه أدوات الرسم إتصل عليا وقالى إن وصلهم الالوان والفرش اللى كنت طلبتهم منه.
قاطعتها كوثر بنبرة اهتمام:
طب ما كنتِ طلبتي منه يوصلهم لهنا بدل ما تروحي بنفسك.
ضحكت جود برقة وهي تجلس بجوارها:
طب ليه المحل مش بعيد،كمان بس أنا بحب أشوف الألوان بعيني، وأحس بيها قبل ما أشتريها… ده غير إني كنت محتاجة أخرج شوية وأغير جو… من وقت إمتحانات الجامعة مخرجتش.
هزت كوثر رأسها بتفهم، ثم تأملتها بنظرة متفحصة قبل أن تُعلق بمرح يطوي الخُبث:
بس لبسك شيك أوي، تحسي كأنك رايحة تجابلي حد مش رايحة تشتري ألوان وفُرش.
ضحكت جود وهي تتظاهر بالاندهاش:
و هو لما اروح أجيب ألوان أبقى لازم أبقي بهدوم البيت؟ يعني لازم أكون مهملة في لبسي.
قهقهت كوثر بنزق، ثم قالت بمكر:
مش قصدي كده، بس يعني… هو في سبب تاني للخروج غير الألوان.
شعرت جود بالخبث من أسئلة كوثر، فقالت:
لاء مفيش سبب غير الألوان، أنا كنت جاية أستأذن من ماما.
تبسمت لها وجدان بنظرات متفهمة مليئة بالدفء قائلة:
خدي العربية بالسواج معاكِ عشان متتأخريش.
إبتسمت جود وغادرت،بينما كوثر راقبت مغادرتها ثم نظرت لـ وجدان بلوم قائلة بنبرة تشكيك:
بسهوله إكده تسبيها تخرج،إحنا فى زمن بنسمع بلاوي … الله أعلم صحيح خارجه بسبب حقيقي… ولا يمكن رايحه تجابل حد تاني…وبتتحجج بالالوان…. بِتك مش بِت أي حد، دي أخت “طوفان مهران”والناس بجت نفوسهم طماعة.
نظرت لها وجدان بإستهوال قائلة:
حديتك صح، بس برضك انا واثجة فى جود، مش بتكذب عليا.
نظرت لها كوثر ولوت شفتيها بسخط، ثم أدارت دفة الحديث قائلة:
كمان طوفان وعيشته إكده فى مصر كتير مش خايفه تلوف عليه مصراوية تتمرقع جدامه وتشغل عقله وتخطفه ويعيش إهناك، وينسي إهنه، لازمن تكوني زكية، هو مبجاش صغير، المفروض تشغليه بصبيه من إهنه عشان تضمني إنه يرجع لإهنه دايمًا.
تنهدت وجدان قائلة:
والله فاتحته بالامر ده، وجالى إنه مشغول الفترة دي،…
قاطعتها كوثر بتصميم:
هو جالك إكده وانتِ إستسلمتي، يبقي متزعليش بجي لما تلاقيه داخل عليكِ بمصراوية ويجولك مرتي…إسمعي حديتِ وإشغليه بصبية من إهنه.
تنهدت وجدان بقلق قائله:
يعني أخطب له من وراه وأفرضي طوفان موافجش أصغر نفسي جدام الناس.
تفوهت كوثر ببساطة:
تصغري نفسك ليه، إنت هتروحي لحد غريب.
ضيقت وجدان عينيها بإستفهام سائلة:
جصدك مين؟.
أجابتها كوثر:
بِتِ سُجى.
نظرت لها وجدان بذهول مُرددة:
سُجى.
نظرت لها كوثر قائلة بتأكيد:
أيوه سُجى بنتِ، ولا متلقش بالمجام.
نفضت وجدان الذهول وأجابتها:
سُجى مجامها عالي، بس دي صغار جوي على طوفان، ده أكبر مِنيها بأكتر من إتناشر سنة كمان يادوب خلصت الثانوية العامة ولسه جدامها الچامعة.
تهكمت كوثر قائلة:
وماله ده كلياته مش عيب، اها يشكلها على كيفه، والجامعه مش صعبه تدخل اي كلية نظرية أربع سنين وتتخرج.
نظرت لها وجدان بذم قائلة:
بس سُجى شاطرة فى المدرسة وبتجول نفسها تبجي دكتورة، بلاش تهدمي أحلامها، كمان متوكدة إن طوفان مش هيوافج هو بيعتبرها زي جود أخته الصغيرة.
حاولت كوثر التظاهر بعدم التأثر، فردت بصوت هادئ لكنها تحمل نبرة دفاعية:
ـأنا مجولتش حاجة وحشة، بس بنجول اللي شايفينه.. طوفان راجل، وسُجى بنت صغيرة، بس الأيام بتغير كل حاجة.
رفعت وجدان حاجبًا بسخرية، وأجابت بثقة:
الأيام بتغير حاجات، بس مش كل حاجة، خصوصًا اللي متأسس على الاحترام والأخوة.
قطبت كوثر جبينها قليلاً، لكنها لم تجد ما ترد به، فاكتفت بزفرة صغيرة وهي تلتفت للجهة الأخرى، بينما تركت وجدان الحوار وهي تشعر بأنها وضعت حدًا لهذا الحديث الذي لم يعجبها من البداية.
شعرت كوثر بالحرج لكن أخفت ذلك، بينما شعرت وجدان بالاسف من تفكير كوثر القديم.
❈-❈-❈
بأحد المحلات الخاصة بادوات الرسم والألوان
فرحت جود بتلك المجموعة التى حصلت عليها سواء من الالوان والفُرش، كذالك الأوراق الفاخرة التي اختارتها بعناية، كانت تشعر بسعادة غامرة وهي تمرر أصابعها فوق ملمسها الناعم، وكأنها تلامس أحلامها التي بدأت تأخذ شكلًا ملموسًا… ابتسمت بحماس وهي تضع المشتريات في صندوق ورقي، ثم التفتت إلى البائع قائلة:
عندكم ألوان زيتية جديدة؟ سمعت إن فيه درجات جديدة نزلت.
أومأ البائع برأسه وأخرج لها علب صغيرة قائلاً:
أيوه، دي مجموعة درجات مميزة، وبتناسب كل أنواع القماش والخشب.
أخذتها جود بحماس، وتفحصت الألوان بعينين لامعتين قبل أن تقول:
دي بالضبط اللي كنت بدور عليها.
تبسم لها البائع من لمعة عينيها شعر الرسم بالنسبة لها أكثر من مجرد هواية، هو بالفعل ذلك هو وسيلتها للتعبير عن مشاعرها التي لا تستطيع صياغتها بالكلمات… اليوم، وهي تحمل تلك الأدوات الجديدة، شعرت كأنها طفلة وحصلت على هدية ذات قيمة عاليه.
تبسمت للبائع قائلة:
تمام شوفلي حساب المواد دي قد ايه.
قال لها قيمة الحساب، فتحت حقيبتها، لكن تفاجئت المبلع السائل معها أقل بكثير، أخرجت تلك البطاقة البنكية قائلة:
للأسف مش معايا المبلغ اللى قولت عليه بس معايا كريدت ممكن تسحب قيمة المشتروات دي.
تنهد البائع بآسف قائلًا:
للاسف مش بنقبل غير كاش، بس فى ماكينة سحب فلوس على أول الشارع تقدري تروحي تسحبي منها وترجعي تدفعي.
أومأت له مُبتسمة قائلة:
تمام مش هتأخر.
سارت لبضع دقائق وتوقفت أمام تلك الماكينة الخاصة بسحب النقود… لكن لسوء الحظ كان هنالك زحام بعض الشئ إضطرت للوقوف، حتى إقتربت من الماكينه، لكن دلف أحدهم أمامها وقف، لحظات قبل ان يتهجم أحد الواقفين بغضب، إضطر لقول:
معليشي يا جماعة أنا ظابط فى الداخلية ومرتبي كبير هاخده على مراحل بس متقلقوش أكيد الماكنه فيها فلوس هتكفينا كلنا.
لم تُخفي جود بسمتها حين التزم ذلك الشخص الذي كاد يتهجم، لكن زفرت نفسها، بسبب الحرارة كذالك الوقت…
نظر لها ثم إبتسم قائلًا بمساعدة:
هاتي البطاقة بتاعتك أدخلها الماكنة.
ببساطة اعطت له تلك البطاقة، بالفعل ادخلها بالماكينه ثم تجنب لها قائلًا:
إتفضلي إكتبي رقمك السري، والمبلغ المطلوب
بالفعل كتبت الرقم السري لحظات وخرجت النقود،سحب البطاقة واعطاها لها مُبتسمً،أخذتها منه وغادرت دون النظر للبطاقة،بينما هو تتبعها بعيناه قبل أن يغضب احدهم،عاد الى الماكينه لكن تفاجئ أن البطاقة لا تعمل،أخرجها ليتفاجئ لقد تم تبديل البطاقات…نظر حوله لكن كانت إختفت،خرج من التجمُع،ونظر للبطاقه وقرأ الأسم:
“جود نوح مهران”.
سُرعان ما إقترب منه أحدهم قائلًا:
حاتم باشا البيه رئيس القسم بيتصل على حضرتك وبيقول أنه موبايلك مُغلق.
إنتبه له قائلًا:
أيوه فاصل شحن نسيت أشحنه فى البيت دلوقتي أشحنه فى العربية، عالعموم احنا راجعين القسم تاني.
لحظات وهو بداخل السيارة عاد ينظر لتلك البطاقة وبداخله حيرة عقل
أهذا
صدفة أم قدر.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
صباحً
بالكاد تحسنت صحتها، بعد حصار كريمان لها، لكن اليوم قررت الهروب من ذلك الحصار، تهربت بصعوبه وخرجت من المنزل دون شعور منها، ذهبت تتجول بتلك الأرض الخاصه بهم تشتم رائحة الليمون… حتى إقتربت من ذلك النبع الموجود على رأس الأرض… توقفت لحظات
كعادته الصباحية تجول بجواده، لكن اليوم قرر التجول بين تلك ألاشجار حتى وصل الى ذلك النبع
ترجل من فوق الجواد تركه يشرب المياة من ذلك النبع، ثم أشعل سيجارة نفث دُخانها، لكن سُرعان ما دهسها أسفل قدمه حين سمع لتلك التى خرجت من خلف إحد الأشجار قائلة بتهكم:
السجاير مُضرة بالصحة بالأخص لو كانت عالريق.
نظر نحوها وإبتسم بإستهزاء وعلى شفتيه ابتسامة استخفاف، قبل أن يرد بنبرة واثقة:
أكيد صحتي آخر شيء يهمك ، ويمكن بتتمني موتي.
ضحكت بسخرية ونبرة لا مُبالاة إستقلال من شأنه:
لا حياتك تهمني ولا موتك يفرق معايا، إنت بالنسبة لى ولا شيء، بس ليا عندك حاجة مهمة وعاوزة أستردها، وده كل اللى يهمني.
تقبل طريقتها الجافة، ونظر إليها بتمعن، عيناه تضيقان قبل أن يميل برأسه قليلًا مستفسرًا: وأيه هو الشيء اللي يهمك تسترديه.
عقدت ذراعيها أمام صدرها، ورمقته بنظرة متحدية قبل أن تجيبه بتملُك:
أرضي… قصدي أرض أبويا اللى سبق وإشترتها منه.
قهقه بسخرية، متعمدًا استفزازها:
ومين قالك إني عرضتها للبيع أساسًا.
تقدمت نحوه خطوة، والغضب يشتعل في عينيها، لكنّها تماسكت وتحدثت بحزم:
من غير ما تعرضها، دي أرض أبويا وأنا عاوزة أرجعها تاني.
راقبها بصمت للحظات، ثم ابتسم بمكر وهو يميل نحوها قليلًا قائلاً بصوت خافت:
ولو رفضت أبيعها؟
توعدت له دون تردد، وعيناها تتوهجان بالتحدي قائلة:
ساعتها مش هسيبك في حالك.
ضحك من نبرة التحدي بصوت خافت، وكأن كلامها لم يكن سوى مُزحة عابرة، سائلًا ببرود:
وإنتِ ناوية تعملي إيه بالظبط.
رفعت ذقنها بعناد، وحدقت في عينيه بثبات قائلة:
هخليك تندم إنك رفضت العرض بالتراضي.
ضاقت عيناه قليلًا وهو يتأملها، ثم قال بنبرة تسلية:
كبيرة أوي على تهديداتك دي، بس خليني أشوف هتعملي إيه غير الكلام.
تقدمت خطوة أخرى، حتى صار بينهما مسافة ضئيلة، ثم تفوهت بحِدة:
متستهونش بيا يا طوفان، الأرض دي هترجع لي مهما كلفني الأمر… حتى لو اتنازلت عن مبادئي وتربيتي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة ، وحك ذقنه بأنامله يُفكر للحظات ثم إقترب منها خطوة قائلًا بمكر وتحدِ:
ممكن أوافق أبيعلك الأرض بس فى حالة واحدة بس.
نظرت له توهجت عينيها بفضول واستفسار سائلة:
وإيه هي الحالة دي بقي.
لمعت عيناه بخباثة ومكر كأنه يتلذذ بفضولها قبل أن ينطق بتحدي:
تتجوزيني….
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
❈-❈-❈
ابتسم بطريقته المتعالية، ثم انحنى قليلًا نحوها وعاود التحدث بنبرة تحدي تكفي لإشعال فتيل الغضب داخلها:
“تتجوزيني.”
تسمرت في مكانها، يعلو وجهها الذهول قبل أن يتحول إلى مزيج من الدهشة والاشمئزاز. عقدت حاجبيها وقالت بحدة، وكأنها سمعت مزحة ثقيلة:
إنتَ بتستهبل صح.
ضحك بصوت منخفض، عاقدًا ذراعيه فوق صدره وهو يجيبها بمكر:
أنا في قمة الجدية… الأرض مقابل الجواز صفقة عادلة مش كده.
رفعت حاجبيها بإستهزاء سُرعان ما ضحكت بهستريا حتى تحولت تلك الضحكات الى بداية سُعال وبسُرعة كان سُعالها يزداد،حتى وصل الى سُعال حاد كاد يخنقها، فإنحنت قليلًا وهي تضع يدها على صدرها تحاول التقاط أنفاسها…. فورًا تلاشى التحدي من عينيه وحل محله قلق واضح، سرعان ما أقترب منها يمد يده نحوها، سائلًا:
فين البخاخة.
تحشرج صوتها وهي تقول بانفاس تكاد تكون مُتقطعة:
مش معايا.
– إهدي وحاولي تاخدي نفسك بهدوء.
قالها بنبرة تحمل نفاد صبر مختلطًا بقلق حقيقي لم يستطع إخفاءه…وهي تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة… لم ينتظر أكثر، وجذبها سريعًا نحو نبع المياة،ملأ يديه بالمياة وضعها أمام شفتيها يحثها على الارتشاف،لكنها عاندت ورفضت ذلك،تنهد بغضب لم ينتظر،جذبها نحو النبع،إنحنت تمد يدها أسفل المياة،لكن لرعشة يديها كانت المياة تنساب من بين الفروق التي بين أصابعها،لم ينتظر وقام بوضع كفيه أسفل كفيها،بنظرة عين يحثها برجاء على الشُرب فلا داعي للكبرياء،بالفعل لشعورها بالألم بصدرها والإختناق،إحتست بعض المياة بروية،حتى هدأ السُعال قليلًا…جذبها ثم أجلسها على تلك القطعة الخرسانية المجاورة للنبع، نظر بغصة قوية تضرب قلبه حين رأي عيناها دامعتين من شدة السعال… ظل يراقبها ، متوترًا رغم أنه حاول التظاهر بالعكس… لم يبتعد عنها حتى بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا… بلل يديه بالمياه ثم نثر تلك المياة على وجهها بخفه…
حتى استعادت بعض من توازنها، نظرت إليه نظرة حادة، وقالت بصوت لا يزال متأثرًا بالنوبة:
مبسوط لو كنت مُت دلوقتي، كنت هتكون إنت السبب.
تنهد بإرتياح قليلًا، رغم مازال وجهها يحمل أثر احمرار ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية وتحدث بقصد منه وهو يضع يديه حول وجهها:
لسه العرض قائم وممكن أزود المهر كمان.
إنتبهت على وضعه ليديه فوق وجنتيها سُرعان ما تبدلت وعادت للجفاء، تنظر إليه بغضب، ثم دفعته بقوة وإستنكار قائلة:
إبعد عني… أوعى تفكر تلمسني.
لعدم ثباته، وتمسُّكه بها، فقد توازنه فسقط على ظهره، وسحبها معه دون قصد، لتجد نفسها ممددة فوق جسده، أنفاسهما تتلاحم، وعيناهما تتشابكان في صدام محتدم بين… الرفض والانجذاب
الرفض من جانبها وإزداد غضب ورفعت يدها الأخرى كادت تصفعه
والإنجذاب منه وهو ينظر الى شفتيها يبتلع ريقة الذي يشعر أنه جف… فكر أن يقترب اكثر وكاد يُقبلها…
بنفس الوقت تسارعت أنفاسها، وهي تحاول التملص من قبضته، لكن يده كانت ما زالت ممسكة بعضدها، تمنعها من الإفلات… ارتجفت شفتيها وهي تتحدق بحدة ترفع يدها بغصب مُستعر:
سيبني.
لوهلة تمسك بمعصم يدها الأخري بقوة ، جالت عيناه تدرس ملامحها المرتجفة، وتلك اللمعة في عينيها التي لم تكن محض غضبً فقط، بل شيء آخر… شيء لم تستطع إخفاءه عنه… إبتلعت ريقها بصعوبة، قلبها ينبض بعنف وغضب، وحركت يدها تحاول فك أسر يده، لكن قبضته كانت كالأصفاد، فشلت محاولة سلت يدها
همس بصوت أجش، محمّل بنبرة لم تألفها منه من قبل سائلًا بتحدي صريح:
ليه حاسس إنك خايفة.
ارتجفت أنفاسها، وتهكمت بضحكة سخرية قائلة بإستقواء وهي تدفعه بنفس اللحظة عن قصد منه ضعفت مسكة يداه، فإنتفضت واقفه تنظر له وهو مازال مُمددًا قائلة بتكرار مُستنكرة:
خايفة
أنا أخاف منك إنت… بلاش تتوهم، انا قدمت عرض بالتراضي إنك تبيع لى الأرض وهسيبلك مُهلة تفكر، أعتقد تعرف رقم تليفون البيت الأرضي.
نهض هو الآخر واقفًا، ينفض عن ملابسه آثار الاتربة التي أسقطته معها، ثم رفع عينيه إليها بنظرة ثابتة تحمل مزيجًا من التحدي والاهتمام المكتوم.
اقترب منها بخطوات بطيئة، حتى كاد يختصر المسافة بينهما، فتصلبت في مكانها، لكنه لم يلمسها هذه المرة، فقط مال برأسه قليلًا وهمس بصوت أكثر عمقًا:
عرضك مشروط بموافقتك أنا قولت لك الحل الوحيد.
اشتعلت عيناها بالغضب، وارتفع صدرها مع كل نفس تحاول التحكم فيه، قبل أن ترد بنبرة تحمل قسوة لم تستطع إخفاءها:
آخر شيء ممكن أعمله في حياتي إني أبقى مراتك، حتى لو كانت الأرض دي آخر حاجة في الدنيا.
إنحنى برأسه قليلاً وهو يرد بهدوء مستفز:
يبقى انسي الأرض، لأنها مش هترجعلك .
ازدادت يداها قبضًا، وكأنها تحاول كبح جماح نفسها عن لكمه، لكنها بدلاً من ذلك، ألقت عليه نظرة أخيرة مليئة بالازدراء قبل أن تستدير وترحل، غير مدركة أن ابتسامته الساخرة قد تحولت إلى شيء آخر… شيء أكثر دهاءً.
وهو يقول بصوت عالي:
إعتبريها صفقة، خدِ وقتك… بس متنسيش، العروض مش بتفضل متاحة للأبد.
لم تهتم لحديثه وتابعت سيرها تختفي من أمامه، ليس فقط بسبب غضبها منه بل لمقتها ذلك الشعور بالضعف أمامه وهي تشعر بإقتراب إختناق مرة أخري لن تجعله يرا ذلك مرة أخري…
راقبها بصمت يشعر بقلق عليها وهي تبتعد، خطواتها تحمل من الثقة بقدر ما تحاول إخفاء اضطرابها… تابعها بعينيه حتى اختفت، ثم زفر ببطء، وهو يمرر يده في شعره،
وهو يتجه نحو جواده، معتليًا إياه يضرب بقدميه بطن الجواد الذي إنطلق مُسرعًا.
❈-❈-❈
بمنزل عزمي
إستقظ على اصوات رنين هاتفه الجوال
فتح عينيه بضجر ومد يده بتكاسل نحو الهاتف الموضوع على طاولة بجانب الفراش ، نظر إلى الشاشة بعينين نصف مغمضتين، فوجد اسم المتصل يلمع بإلحاح… زفر بضيق قبل أن يرد بصوت مبحوح:
خير بتتصل ليه بدري إكده
جاءه صوت الطرف الآخر مشحونًا بالخوف والتوتر:
وليد… إبن حضرتك إتخانق هو إتنين معاه فى “الأحداث” والتلاتة إتنقلوا للمستشفي، بس…
إنتفض معتدلًا في فراشه وهو يمرر يده على وجهه بشبة برود في محاولة لطرد بقايا النوم وعاود السؤال بتأكيد:
عيد اللى جولته تاني.
جاءهُ الرد الذي جعله يستيقظ بالكامل،يشعر بالريبة والفزع… كلمات كفيلة بأن تسحب الأرض من أسفل قدميه.
نفض غطاء الفراش عن جسده ونهض بحركة مضطربة… بنفس الوقت رمق تلك الغافيه وفكر للحظات تردد أن يُقظها ويُخبرها لكن تراجع ربما ان الامر بسيط وقتها
تراجع في اللحظة الأخيرة… ربما الأمر بسيط، ربما لا يستدعي إثارة القلق كذالك لا يود،إقحام عقله برد فعلها الذي بالتأكيد سيكون مُبالغًا وحانقًا ومُثيرًا لفظاظة حديثها…الأفضل إرجاء إخبارها لاحقًا بعدما يتأكد إن كان هنالك خطر حقًا أو لا…فهو برغم محاولته إقناع نفسه بذلك، لم يفلح في إخماد ذلك الاضطراب المتصاعد داخله فبالك لو علمت تلك ستجعل عقله يشت بمُبالعتها ونقها الدائمين.
❈-❈-❈
بمنزل دُرة
عادت الى المنزل تشعر بعصبية من حديث طوفان الجاحف،لحُسن الحظ أو ربما بسبب أن الوقت مازال مُبكرًا كان المنزل خالي… ولم تتصادف مع احد،سريعًا ذهبت نحو غرفتها
دخلت وأغلقت الباب خلفها تشعر بحرارة حِقد تغزوا جسدها…توجهت فورًا نحو حمام الغرفة نزعت ثيابها وفتحت صنبور المياة توقفت أسفله تشعر بغزارة المياة تنساب فوق جسدها، تشعر بإشمئزاز وبخيالها جسدها فوق جسد طوفان، كأن عِطره إلتصق بأنفها،
أنفها… لحظات وكادت تشعر بإختاق مرة أخري أوصدت الصنبور وجذبت مئزر إرتدته خرجت من الحمام سريعًا توجهت نحو إحد أدراج الخزانة جذبته بتسرُع، جذبت تلك القطعة البلاستيكية (بخاخ)سرعان ما وضعته بفمها تضغط عليها تشعر برذاذ يفتح شُعب رئتيها، تشعر بعودة دخول الهواء لـصدرها، عاودت تتذكر قبل قليل وكأن رأسها تكاد تُسحق من الألم، كأن دوامة من الأفكار السوداء تحاصرها، تخنقها أكثر مما فعل ضيق التنفس…. أغمضت عينيها للحظات، تحاول تهدئة نبضات قلبها التي تضرب صدرها بعنف…. وضعت البخاخ جانبًا وهي تأخذ أنفاسًا عميقة متقطعة، تحاول طرد الشعور العالق في داخلها، ذلك الاشمئزاز الذي ينهش كيانها…
تحركت بخطوات مضطربة نحو السرير، جلست على طرفه، ودفنت وجهها بين يديها….كيف تمكنت بضع كلمات من طوفان الجاحف من زلزلة هدوئها بهذا الشكل…. حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر انتهى، لكن جسدها المرتجف لم يكن يصدقها…. انتفضت فجأة، كأن صاعقة ضربتها، لا… لن تسمح له بالإبتزاز بهذه السهولة…. عضت على شفتيها بعناد ونهضت واقفة، اتجهت نحو المرآة ونظرت إلى انعكاسها. لم تكن ترى سوى شبح مرهق لامرأة تحاول الوقوف بثبات وسط عاصفة.
همست بصوت متحشرج:
مستحيل أخليه يبتزني الأرض هترجع، كمان القصاص العادل لازم يتحقق.
جففت بقايا مياه تنساب من شعرها عن وجهها. عادت تسحب نفسًا عميقًا، هذه المرة لم يكن طلبًا للهواء فقط، بل للشجاعة أيضًا… لكن فجاءة عقلها إنتبه لشيء كيف لم تنتبه لـ يد طوفان
كان ملفوف عليها ضِماد… تذكرت أيضًا قبل أيام أثناء سيرها بأحد ممرات تلك المشفي تخيلت رؤية طوفان بالمشفي، وقتها لم تهتم بذلك، همست بذهول غير مستوعبة:
معقول…. طوفان هو اللى خدني للمستشفي…
عقلها بدأ يربط التفاصيل، الضماد على يده، الظل الذي لمحته في المشفى، والشك الذي بدأ يتسلل إليها… هل من الممكن أن يكون طوفان هو من أنقذها بالفعل
سُرعان ما نفت ذلك بتأكيد وثقة:
مستحيل يكون طوفان، لو كان هو كان ممكن يستغل الموقف ويظهر نفسه بس عشان يكسب تعاطف إنه المُنقذ صاحب الأخلاق.
شعرت بحرارة خفيفة تغزو جسدها، ربما بسبب الهواء،فالهواء الذي تسلل من الشُرفة شبه ساخن بل كذالك بسبب تلك الأسئلة التي بدأت تطارد عقلها… زفرت نفسها تحاول نفض كُل ذلك عن رأسها التي بدأت تشعر ببوادر ألم، أخرجها من كل تلك الأفكار
دخول كريمان الى الغرفة ببسمة حنان سُرعان ما إختفت وتوجهت نحو باب الشرفة وأغلقته ثم نظرت لها بذم وغضب قائله:
مستحمية وفاتحة باب البلكون،ممكن تاخدي هوا فى صدرك وهو مش ناقص، وكمان شعرك مبلول ناسية الجرح اللى فى راسك مش قولتلك ممنوع تقربي الماية منه كده ممكن يلتهب.
إبتسمت غصبًا قائلة بتبرير:
الجو اساسًا حر، كمان الجرح شبه إلتئم.
وكزتها بكتفها وتفوهت بسخرية:
برد الصيف أسوء من برد الشتا،وإنتِ صدرك مش ناقص،هروح أجيب علبة الإسعافات أشوف الجرح اللى إلتئم ده.
تبسمت دُرة بغصة،لحظات وعادت كريمان،بصندوق الإسعافات لكن تحدثت بسؤال:
إنتِ كنتِ خرجتي.
إرتبكت دُرة ونفت ذلك قائلة:
هخرج فين بدري كده.
نظرت لها كريمان تشعر بعدم الثقة وجادلتها:
طب وهدومك اللى فى سلة الغسيل فى الحمام،انا امبارح بالليل خدت كل الهدوم اللى مش نضيفة.
توترت دُرة وكذبت قائلة:
ده كان غيار نضيف هلبسه بس وقع مني فى الحمام إتبل ماية وقولت ألبس غيره ناشف.
نظرت لها كريمان قائلة:
ده لبس خروج إنتِ هتخرجي.
اومأت دُرة قائلة بتأكيد:
أيوه،هروح المستشفى المفروض كنت إستلمت شغلي هنا، بس الحادثة أخرت ده، والحمد لله بقيت كويسه، وأقدر أشتغل.
زفرت كريمان نفسها قائلة:
وفيها ايه لما تاخدي كمان كام يوم راحه مش عشان حرج راسك… عشان الكدمة اللى كانت فى ضلوع صدرك.
تنهدت دُرة بهدوء قائلة:
بقيت كويسه، وبعدين فى الاول اكيد مش هيبقي الشغل عليا تقيل، يعني متقلقيش، ده مجرد إني هستلم هنا، وطب العيون مش مُتعب… زي التمريض يا سيادة النيرس(ممرضة).
تبسمت كريمان تشعر بغصة،قائلة:
خلاص سيبت التمريض من زمان.
إبتسمت غصبًا دُرة وهي تتذكر سبب ترك والدتها لمهنة التمريض من أجلها أولًا منذ طفولتها أصيبت بوعكة صحية بسبب تعرضُها لأستنشاق مُبيدات زراعية خطيرة بطريقة مباشرة ومُركزة تركت أثر على تنفُس رئتيها لم تتعافي بشكل طبيعي … لذلك مازالت كريمان تشعر بقلق على صحة دُرة، فقررت ترك التمريض لتكون بجانبها دومًا.
تأملت دُرة والدتها للحظات، تلمح في عينيها مزيجًا من الحنين والتمني، ربما لأنها كانت تحب عملها لكنها ضحت به من أجلها… شعرت بوخزة تأنيب في صدرها، لكنها حاولت تخفيف الأجواء قائلة بمزاح:
بس برضو، الخبرة مش بتروح، وأهو انا حقل تجارب.
ضحكت كريمان بخفة، لكن عينيها ظلت تراقبان دُرة بحذر، وكأنها تحاول قراءة ما وراء إصرارها على العودة سريعًا للعمل.
….. ـــــــــ
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد وقت
بمشفي حكومي
دخلت دُرة الى غرفة مدير قسم العيون،نهض يصافحها بعد أن قدمت نفسها له، عيناه كانت تتفحصها جيدًا، وعرف نفسه:
أنا دكتور عادل السيد، واضح إنك مش من الصعيد… أكيد منقولة هنا بسبب نقص الأطباء.
تبسمت بإستهزاء وأجابته بثقة:
بالعكس أنا من هنا من المنيا بلد أبويا، كمان معتقدش فى نقص أطباء، أطباء الصعيد كتير جدًا وفي كل التخصصات.
شعر بالحرج قائلًا بنبرة إعتذار:
متأسف بس أنا خمنت كده من لهجتك بعيدة عن لهجة الصعيد تمامً.
أومأت برأسها قائلة:
ممكن عشان بقالي فترة عايشه فى القاهرة، بس لو تحب أكلمك باللهجة الصعيدي… واضح إن حضرتك مش من الصعيد.
إبتسم قائلًا:
فعلًا تخمينك صح، أنا من الجيزة.
أومأت قائلة:
الجيزة تعتبر بداية خط الصعيد، وأكيد أنا مش جاية عشان أقدم على وظيفة، أنا دكتورة والمفروض أي مكان بشتغل فيه لازم أحس فيه بالأُلفة.
إبتسم بإعجاب واضح قائلًا:
فعلًا، بتمني لكِ كل التوفيق في عملك هنا، ومتأكد هتكوني إضافة قوية للقسم.
ابتسمت درة بثقة قائلة:
شكرًا، لمدح حضرتك…بستأذن أروح أشوف شغلي أكيد فى مرضي محتاجين لوقتي أكتر.
أومأ برأسه مُبتسمً بإعجاب، وهي تُغادر الغرفة يشعر بأنها شخصية قوية، واثقة من نفسها، راقب خطواتها وهي تغادر، ولاحظ مدى اعتزازها بذاتها، وكأنها تريد أن تُثبت فرض مهارتها الطبية …
جلس على مكتبه وهو يسترجع حواره معها، شعر بأنها ليست مجرد طبيبة جديدة انتقلت إلى القسم، بل امرأة تحمل بداخلها كبرياءً خاصًا، لا تسمح بأن تُحاصر ضمن توقعات مسبقة… ابتسم لنفسه وهو يتساءل عن سر جاذبيتها.
بينما دُرة تسير في الممر بثبات، تشعر بإعتزاز بنفسها دائمًا هي من تفرض على الآخرين احترامها لكفاءتها.
❈-❈-❈
بالقاهرة
بالمقر الرئيسي لمجوعة شركات مهران
خلف مكتب رئيس الإدارة
وصل للتو جلس بشموخ خلف مكتبه،ينظر الى مديرة مكتبه قائلًا:
تمام يا “مدام نادية” إعملي إجتماع مع العملاء الجُداد، كمان هاتيلى تقرير مبيعات الشهر اللى فات… وكمان ملف الطلبيات الجديدة… وكمان بلغي المسؤولين فى إجتماع للإدارة بكرة عاوز كل إدارة تقدم لى تقرير مُفصل عن سير الشُغل.
أومأت له مُبتسمة بإحترام ثم غادرت
بينما هو إضجع بظهره يُفكر بـ عرض دُرة شراء الأرض من أين لها بثمن تلك الأرض لابد أن يعرف ذلك،جذب هاتفه وقام بإتصال خاص سمع لرد الآخر عليه مُرحبًا،تنهد قائلًا بإستفسار:
ليه مقولتليش عن رجوع دُرة للـ المنيا،واضح فى أسرار مخفية عني،كمان عرضت تشتري الأرض عاوز أعرف هدبر ولا دبرت تمنها منين،متأكد من كلامها بثقة إنها فعلًا معاها تمن الأرض….عاوز أعرف المعلومة دي النهاردة.
إبتسم الآخر قائلًا:
إنت هنا فى القاهرة.
اجابه:
ايوه لسه واصل وقدامي يومين هنا.
إبتسم الآخر قائلًا:
تمام نتقابل المسا وأكون معايا كل المعلومات اللى طلبتها.
أجابه بترحيب:
تمام نتعشي سوا.
أغلق طوفان الهاتف، تنهد وهو يُقلب الأمور في رأسه، كيف تمكنت دُرة من توفير هذا المبلغ…لا داعي للحِيرة بالتأكيد سيعلم…
نهض من مقعده وتوجه نحو النافذة، ناظرًا إلى شوارع القاهرة المزدحمة، عقله يعمل بسرعة، يعلم السر وراء رغبتها في امتلاك الأرض… دُرة عادت لهدف برأسها
أخرج سيجارة من علبته وأشعلها، نفث دخانها ببطء، على يقين يعلم أن تلك الأرض ليست السبب الوحيد لعودة دُرة…دُرة تود القصاص،لكن لمن
والداها…
ام…
نفث دخان السيجارة ونطق عقله الإسم الثاني…حسام
يشعر بمرارة تختلط برائحة الدخان المتصاعد، كأن أنفاسه تحمل معه رماد الماضي. حسام… الاسم وحده كان كفيلاً بإثارة فوضى في صدره، فكيف بعودتها.
أدار السيجارة بين أصابعه، يراقب الجمر المتقد في طرفها، يشبه تمامًا ذلك اللهيب الصغير الذي لم ينطفئ أبدًا في قلبه درة لم تعد تلك الفتاة الرقيقة التي كان يعرفها، بل امرأة عادت تحمل في عينيها عاصفة غضب.
لكن القصاص… لمَن ومِن مَن… بالتأكيد لدية دور في دائرة الحساب
تمتم بصوت خافت يُردد إسمها:
دُرة.
أخرجه من تفكيره صوت رنين هاتفه، عاد نحو المكتب، وضع باقي السيجارة بالمنفضة، ثم جلس وجذب الهاتف يرسم بسمة سخرية، وقام بالرد وسمع لهفة الأخري:
طوفان أخيرًا رجعت للقاهرة، أنت وحشتني أوي، أنا كنت خلاص هجيلك المنيا.
تهكم ساخرًا ثم تحدث بقسوة:
أكيد الجاسوس بتاعك اللى فى الشركة بلغك إنى هنا بسرعة أوي… يا “رزان”.
توترت وعاودت حديثها بإشتياق:
هنتظرك الليلة فى الشقة، إنت واحشني أوي، بقولك كنت هجيلك المنيا.
تهكم بسخط قائلًا:
عشان كنت طلقتك وقطعت الورقتين فورًا، قولتلك المنيا خط ممنوع.
تغيرت نبرة صوتها، وارتجف طرف أنفاسها وهي ترد بسرعة:
حبيبي … مش عارفة سبب إن ممنوع أجيلك المنيا، ممنوع أتكلم، ممنوع حتى أقول إني مراتك… إنت عارف إني بحبك…
قاطعها ببرود:
زران، أنا مش فاضي عندي إجتماعات مهمة نتكلم بعدين.
تنهدت بغصة قوية قائلة:
طيب هستناك الليلة فى شقتنا متتأخرش.
تنهد بسئم:
إن شاء الله.
قال ذلك وأغلق الهاتف ألقاه على المكتب أمامه وعاد يُشعل سيجارة أخري منفثًا دخانها ببسمة مستهزءًا من قسوة القدر،يتخلل عقلهُ وقلبهُ الندم على تلك الزيجة السرية … كانت غلطة لم يكن ينبغي أن يقع فيها، خطأ لم يكن يليق به، لكنه وقع… والآن لابد لإصلاح ذلك دون ضرر لأحدهم.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
مساءًا
تنهدت وجدان بحُزن وهي تبوح لـ شُكرية:
مش عارفه في أيه حصل فجأة خلى طوفان يسافر للقاهرة، مع إنه الكام يوم اللى فاتوا، كنت حاسه إنه قريب مني وبدأ يسمع لحديتي… كنت حاسة إنه خلاص فهم إنه لازم يتجوز ، وإنه قرب يلين لكن فجأة رجع الصبح من برة وجالي مسافر لـ مصر
نظرت إليها شكرية بعينين مليئتين بالشفقة، ثم سألتها بلطف:
هو جالك ليه سافر.
هزت وجدان رأسها بيأس قائلة:
قال شغل… بس أنا مش مصدقة، فجأة كده يجول مسافر.
ارتشفت شكرية رشفة من كوب المياة ثم قالت بتفكير:
مش يمكن حديته صُح وجاله شغل طارئ، بس جلبي بيجول إنه طالما كان بدأ يلين، إن لما يرجع تاني لأهنه ممكن يوافجك ويرضي يتجوز، المهم دلوق، إنتِ لازمن تفكري وتشوفي له صبية تليق بمجامه العالي وتكون مناسبه لذوجه (لذوقه)… والحمد لله أها كيف ما جولتلك إن ممكن يكون سبب الصداع وچع عينكِ، لازمن تهتمي بيهم، ده مفيش بعد النضر (النظر).
أومأت وجدان قائلة:
طوفان هو نضري يا شُكرية، أنا خايفه، بعد ما عرفت من عزمي إن وليد اتصاب فى الاحداثية، يمكن تكون حادثه مدبرة، واد بدران ظابط ويده ممكن تطوله هناك.
نفت شكرية ذلك قائله بتصحيح:
إنتِ هتسمعي لحديث عزمي بيه الماسخ، وليد هو اللى شراني، لو صحيح واد بدران عاوز يأذي وليد مكنش إستني وجت، ومكنش قبل حديت طوفان إنه يخلي القانون هو اللى ياخد مجراه، كان جتل وليد فى التو.
تنهدت وجدان بحِيرة وقلق قائلة:
منه لله وليد بغلطة مِنيه إتسبب فى جتل تنين… كمان رچوع بِت غُنيم فى الوجت ده حاسة إن فى عاصفة جاية، جلبي متاخد، بالذات لما عرفت إن الحُكم فى الإستئناف اللى جدمه المحامي لـ وليد عالحُكم كمان آخر الشهر ده، قبل الأجازة القضائية…كل ده موترني ومقلق جلبي،طوفان هو اللى سلم وليد بيده للبوليس.
تفهمت شكرية خوف وقلق وجدان وحفزتها قائلة:
إبعدي القلق عن راسك، وليد غلط وبيدفع ثمن غلطه.
اومأت وجدان بنظرة قلق، ربتت شكرية على يدها قائلة بثقة:
طوفان راح القاهرة عشان سبب، وبالتوكيد مش هيسيب الأمور تتدهور،أكيد عنده عِلم وفضل أنه ميظهرش فى الصورة ، يمكن بيحاول يسيطر على اللي جاي من بعيد.
لم تقتنع وجدان، مازالت تشعر أن ما هو قادم ليس الأفضل ، بل أشبه بإعصار قد يهدد باجتياح كل شيء.
❈-❈-❈
بغرفة جود
عقلها الباطن اختزن صورة ذلك الشاب الذي قابلته منذ أيام، وكأن ملامحه انحفرت في ذاكرتها دون وعي منها… دون إرادة، بدأت يدها تتحرك على الورق، ترسم ملامحه بدقة غريبة… ما إن انتهت حتى نظرت إلى الصورة بدهشة، تتفحصها باستغراب… كيف حدث ذلك.. كيف استطاعت استذكار تفاصيل وجهه بهذه السهولة رغم أنها رأته لمرة واحدة فقط! ازدادت دقات قلبها، وراحت تسأل نفسها
هل ذلك مجرد صدفة، وكيف ترك لقاؤه في داخلها أثرًا عميق هكذا…
شعرت بارتجافة خفيفة في أصابعها وهي تمررها فوق الملامح المرسومة، وكأنها تتحسس وجهه في الحقيقة… عيناه في الصورة تحملان ذات العُمق التي لاحظته في لقائهما العابر، ونظرته التي لم تدم طويلًا، لكنها علقت في ذاكرتها كأنها جزء من وعيها… ازدحمت الأفكار في رأسها،تشعر ان هنالك شيئًا خفيًا جعل عقلها الباطن يحتفظ بملامحه… قلبت الصفحة بسرعة، كأنها تحاول الهروب من أثره، لكنها عرفت في قرارة نفسها أن الهروب لن يكون بهذه السهولة… وضعت الفُرشاة وعلبة الألوان جانبًا ونهضت، متوجهة إلى النافذة، عسى أن تجد في الهواء الرطب ما يشتت تفكيرها… لكن حتى مع انسياب النسمات الليلية، كانت صورته لا تزال هناك، حاضرة في ذهنها، نابضة كما لو كان يقف أمامها من جديد.
❈-❈-❈.
بمنزل حاتم بدران..
إقترب إنتصاف الليل، دلف الى غرفته يشعر بإرهاق بدني، تمدد بنصف جسده على الفراش يتنهد بتكاسُل،مُستسلمً لوهج التعب… لكن سُرعان ما إستقام جالسًا يرسم بسمة دافئة لوالدته التى دخلت الى الغرفة، حتى لا يُشعرها بإرهاقه.
جلست جواره على الفراش قائلة:
أحضرلك عشا خفيف.
أجابها ببساطة:
لاء يا ماما أنا مش جعان متغدي متأخر.
تحدثت مره أخري:
طب أجيبلك كوباية لبن دافيه تشربها قبل ما تنام.
إبتسم قائلًا:
لبن دافي فى الجو ده، خلاص الحر دخل، قولى عصير متلج، بس أنا مش محتاج أكتر من دُش بارد بعدها أنام.
ظلت جالسة لحظات تنحنحت أكثر من مرة فهم حاتم ان هنالك ما تود الحديث به، فحثها على الحديث بطريقة غير مباشرة:
بس غريبه إنك لسه صاحية لحد دلوقتي.
تنهدت بألم فى قلبها، تدمعت عينيها، قائلة:
الضهر كنت عند كريمان مرات خالك الله يرحمه، وجالت لى إن دُرة راحت تستلم شغلها فى المستشفي، جلبي وجعني جوي.
ضمها حاتم يشعر بوخزات قوية تضرب قلبه قائلًا بمواساة:
الحياة بتمشي يا ماما، ودُرة أكيد فى شغلها هتلاقي اللى يسلي قلبها من الحُزن، على خالي و…
توقف قبل أن ينطق إسم أخية المغدور يشعر بألم قوي بقلبه، ربما إستسلم غصبً لقرار القانون، لو كان بمهنة أخرى غير الشرطة ما كان إستسلم للقانون، وكان أخذ القصاص بالمثل… لكن هو يدافع عن القانون فكيف يخترقه.
نظرت له والدته بدموع ثم تفوهت بنبرة رجاء:
ليا عندك طلب يا حاتم.
نظر لها يشعر بتهتك فى قلبه من دموعها وقبل أن يسألها، إستطردت حديثها:
دُرة….
دُرة كانت فى حُكم مرات أخوك، أتجوزها يا ولدي إنت أولى بيها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل ساعتين تقريبًا
بأحد مطاعم القاهرة الفاخرة
سحق عُقب السيجارة بالمنفضة ثم نهض واقفً يمد يده للمصافحة قائلًا:
إتأخرت يا “شاهر”
أبتسم شاهر قائلًا:
إنت عارف زباين مكاتب المحامين بيبقوا رغايين… ربنا نجدك من المهنة دي..وبقيت راجل أعمال.
ضحك طوفان وشعر بحنين لكن تهكم ساخرًا:
يعني كان بمزاجي أبقي راجل اعمال ده كان آخر هدف أفكر فيه فى حياتي، أقعد خلينا نتعشي الأول.
بعد قليل تساءل طوفان:
قولى المعلومات اللى عندك عن دُرة.
أجابه بتوضيح:
دُرة عرضت الشقة اللى هنا للبيع.
إستغرب طوفان ذلك قائلًا:
يعني دُرة قررت تبيع الشقة اللى هنا، معني كده إنها خلاص قررت تستقر فى المنيا.
أومأ له شاهر موافقًا:
أكيد… وده سبب كمان إنها بالتأكيد طلبت منك تسترد الأرض بأي تمن، الشقة إنت عارف إنها فى منطقة راقية وتمنها يفوق ضعف حق الأرض، كمان تقدر بسهولة تبيعها، واللى عرفته إنه جارها اللى كان قصادها كان سبق وعرض يشتريها، بس وقتها والدها رفض، قال إن الشقة تبقي موجودة هنا لهم ينزلوا فيها لما مامتها تجي عشان تزور والدتها وأخواتها، بس طبعًا دُرة الوحيدة اللى تقدر تتصرف وتبيع الشقة دلوقتي لأنها بإسمها، وأكيد طالما قررت ترجع تعيش فى المنيا الأرض أهم بالنسبة لها من شقة تقدر تستغني عنها لان فى بديل بيت جدتها والدة مامتها القديم موجود ومامتها لها حق فيه.
جذب طوفان سيجارة أخري وأشعلها نفث دخانها قائلًا:
كل ده مفهوم، بس السؤال المهم… ليه رجوعها المنيا بالشكل المُفاجئ ده.. ليه عاوزة الأرض بأي تمن.
نظر له الآخر نظرة ذات مغزى قبل أن يرد ببطء:
أكيد عندها هدف.. دُرة مش هترمي فلوسها في الهوا، يبقى أكيد الأرض دي تفرق معاها بشكل كبير.
ضيق عينيه وهو يفكر، ثم قال وهو يسحب نفسًا آخر من السيجارة:
الأرض كان عليها نزاع زمان، فاكر أبوها دخل في مشاكل وصلت للمحاكم عشانها مع ولاد خاله… وحتى بعد ما استقرت باسمه باعها فورًا.
ابتسم شاهر ابتسامة جانبية وهو يرد:
أيوه، بس في نقطة تانية لازم تفكر فيها… إنت متأكد إن رجوعها المنيا مجرد استقرار بس؟ ولا فيه سبب تاني؟
رفع حاجبه مستفهمًا، ثم ألقى بعقب سيجارته في المنفضة وهو يتمتم:
متأكد فى سبب تاني وإنت عارفه يا شاهر.
أومأ شاهر مؤكدًا، زفر طوفان نفسه وهو ينظر الى بصيص تلك السيجارة الأخري الذي أشعلها يشعر بوخزات قوية فى قلبه قائلًا:
الحُكم فى قضية قتل حسام وعمي مختار خلاص بعد أيام.
هز شاهر رأسه بآسف قائلًا:
وإنت دارس عارف القانون كويس ممكن ثغرة صغيرة تنهي القضية من قبل ما تبتدي، يعني القانون مش هياخد القصاص المُناسب للجريمة.
نفث طوفان الدخان ثم تنهد بعمق وهو يراقب الدخان يتلاشى في الهواء، كأن أفكاره تتبدد معه، ثم تمتم بأسف:
القانون ساعات بيعمي عينه عن الحق، وساعات بيشوف اللي عاوز يشوفه بس… كمان الأدلة الجنائية وشاهدة الشهود فيها ثغرات.
ألقى شاهر نظرة طويلة عليه، قبل أن يقول بنبرة هادئة لكنها مشحونة:
وإنت هتسيب الحكم يمشي زي ما إحنا متوقعين.
ارتفع حاجباه قليلًا، ثم أسند ظهره إلى الكرسي قائلًا ببطء:
القانون مش كل حاجة يا شاهر، وأحيانًا… العدل لازم يتاخد بإيدك…ومتأكد ده سبب من أسباب رجوع دُرة وإستقرارها فى المنيا،دُرة كانت مرتبطة جدًا بوالدها و……
توقف طوفان فأكمل شاهر:
متأكد النصيب الأكبر لوالدها.
نظر له طوفان يشعر بغصه قوية قائلًا:
وحسام فرحهم كان بعد أيام من الحادثة.
رفق شاهر به قائلًا بتأكيد:
حسام كمان من ضمن الأسباب لكن السبب الأقوى والدها،والدليل أول محاولتها إسترداد الأرض،رغم إنها عارفة إن الأرض إتسببت قبل كده فى مشاكل كبيرة كان ممكن توصل للقتل لولا لجوء والدها للقانون،الأرض دي كانت نزاع بين عيلتين ودُرة فى دماغها هدف أنا خايف منه…زيك بالظبط،الأرض دي طول ما هي تحت سيطرتك فى نزاع مكبوت.
اومأ طوفان قائلًا:
عارف ومش فاهم ليه دُرة الأرض دي بالذات مُصره عليها.
نظر له شاهر بمغزي قائلًا:
لاء إنت فاهم ليه هي مُصرة،وعشان كده حطيت لها شرط تعجيزي،رغم إنى متأكد إن نفسك دُرة توافق عالجواز.
نفث طوفان دخان السيجارة التى
ارتجفت نيرانها بين أصابعه قبل أن يسحقها بعنف في المنفضة، كأنما يسحق فكرة لم تكتمل بعد.
❈-❈-❈
بمنزل حاتم
ذُهل من طلب والدته منه تعلثم للحظات قائلًا بدهشة ورفض:
مستحيل…
مستحيل يا ماما اللى إنتِ بتقوليه ده، دُرة طول عمرها زي أختي، حتى تعاملنا مع بعض كان محدود، مش زي تعاملها مع حسام.
نظرت له بدمعة تفر من بين أهدابها تحرق قلبه:
فكر يا حاتم، جلبي مش هيتحمل يشوف دُرة مع راجل تاني بعد أخوك غيرك إنت.
مازال مذهولًا، ضم رأس والدته بين يديه وقبلها قائلًا:
أرجوكِ يا ماما بلاش تكتمي الحزن فى قلبك بالطريقة دي والتفكير ده، أنا ودُرة إحنا الإتنين صعب يكون بينا جواز، أنا مش بشوفها غير إنها خطيبة حسام اللى كان بيحلم باليوم اللى هيتجوزوا فيه، صحيح القدر إتغير، بس كمان متنسيش مشاعر دُرة كانت لـ حسام حتى لو مبقاش موجود هي الوحيدة اللى بتتحكم فى مشاعرها،إفرضي أنا وافقت وهي رفضت،وقتها…
قاطعته والدته بحزم، رغم رعشة صوتها:
وجتها هكون عارفة إنها مش هتنظر لحد تاني بعد حسام، وساعتها هرتاح، لكن لو عندها استعداد تبدأ من جديد، فأنتَ أولى بيها، يا حاتم… مش عاوزة حد غريب ياخد مكان أخوك في حياتها.
تنهد حاتم بعمق، يمرر يده في شعره بتوتر، ينظر إلى والدته بعينين مثقلتين بالحيرة:
ماما… الحب والجواز مش لعبة نقرر موازينها، ودُرة من حقها تختار حياتها براحتها، وأنا… أنا مش شايف نفسي زوج ليها.
ارتجف قلب والدته بقلق، أمسكت بيده بحنان وضغطت عليها بقوة كأنها تحاول نقل إحساسها إليه:
أنا مش بقول غصب، ولا عاوزاك تعمل حاجة ضد إرادتك أو إرادتها، بس فكر… فكر في دُرة كويس، شوفها بعيد عن كونها خطيبة أخوك، يمكن تقدر تغير مشاعرك ناحيتها.
ابتلع حاتم ريقه، يشعر أن الحديث يضغط على روحه، لكنه لم يكن قادرًا على نطق رفض قاطع، ولا قبول حقيقي، فقط همس بصوت خافت:
تمام يا ماما هحاول بس محتاج وقت قبل ما أقدر أقرر.
هزت والدته رأسها بتفهم، رغم أن قلبها كان يشتعل بالخوف… ليس على دُرة فقط، بل على ابنها أيضًا.
غادرت الغرفة وتركت حاتم الذي تمدد على الفراش مره أخري بعد أن كان يشعر بالأرهاق البدني فقط إزداد إرهاقه النفسي أضعافًا، وكأن الكلمات التي ألقتها والدته تركت ثقلاً جاثمًا فوق صدره… أغلق عينيه وهو يتنفس بعمق، لكن راحة النوم كانت بعيدة عنه.
“دُرة”
لم يفكر بها يومًا بتلك الطريقة، لم يتخيلها سوى الفتاة التي كانت مرتبطة بحسام، أخيه الذي رحل تاركًا فراغًا لا يُملأ… كيف له أن يفكر في أن يكون… مجرد الفكرة تثير داخله شعورًا بالذنب، وكأنها خيانة لذكرى حسام.
انقلب على جانبه، يحدق في السقف بشرود… والدته كانت محقة بشيء واحد
بالتأكيد بل من الممكن أن تحب دُرة رجلًا آخر؟
لا يعرف، لم يسبق أن رآها إلا في دائرة حسام، لم يتخيل يومًا أنها قد تكون لشخص آخر، وبالتأكيد لن يتخيلها له هو.
حاول طرد كل الأفكار، لكن عقل لم يطاوعه، وقلبه بدأ ينبض بأسئلة لم يكن مستعدًا لمواجهتها…. نهض من فراشه بتوتر، كأن البقاء في مكانه يزيد من دوامة أفكاره… توجه إلى النافذة، يدس يديه في جيبي بنطاله.. يتنفس ببطء، يحاول استجماع شتات نفسه، يسأل عقله:
هل فكرت دُرة في الأمر… هل ترى الأمر مستحيلًا مثلي، أم أن الأمر مختلف بالنسبة لها.
دُرة دائمًا كانت هادئة، متزنة، كذالك كانت غامضة… مشاعرها لـ حسام لم تكُن واضحة مثلهُ،لكن حين رأها آخر مره تبدوا بوضوح أنها حزينة جدًا، حتى حين ذكر حسام،تدمعت عينيها بالتأكيد السبب قسوة فقدانها له ، فكيف يمكن أن تفكر في رجُل آخر الآن.
أغمض عينيه للحظة، يتذكر كيف كانت تنظر لـ حسام، نظراتها كانت واضح بها الحب والدفء… لم يسبق له أن رأى مثلها… شعورٌ غريب تسلل إليه، غير مريح، لكنه لم يستطع تسميته وهاتف يعبث برأسه:
أنا مش بحبها… مستحيل… ولا حتى فكرت فيها غير حبيبة حسام.
هنا كان القرار سهلًا… لا داعي للحيرة دُرة ستظل بنفس المكانة.
❈-❈-❈
بمنزل دُرة
شعرت بأرقٍ لم تستطع النوم رغم محاولاتها المتكررة… حديث طوفان ظل يتردد في رأسها كطيفٍ مزعج يأبى الرحيل. تأوهت باستهزاء من طلبه الزواج، كيف فكّر بذلك.. يبدو أنه فقد عقله تمامًا.
تقلبت فوق الفراش، تحاول نفض تلك الأفكار بعيدًا واستجداء النوم، لكن لا فائدة، بل ازداد الأرق إحكامًا على جفونها… حين تذكرت نظرات ذلك الطبيب إليها… نظرات جعلتها تشعر بالنفور منه،لماذا شعرت بتلك الغصة في حلقها… لماذا أثرت بها تلك النظرات..
رفعت يدها اليسرى بغير وعي، ثم تجمدت حين وجدت بنصرها خالي من ذلك الخاتم
نهضت سريعًا، قلبها ينبض بتوتر غير مبرر، وأشعلت باقي ضوء الغرفة، تتلفت حولها بجنون وهي تبحث عنه… راحت تمرر أناملها فوق سطح المنضدة بجانب السرير، رفعت الوسادة، نظرت أسفل السجادة، لكن لا أثر له. همست لنفسها بقلق:
راحت فين الدبلة.. أنا مش بقلعها من فترة.
توقفت في منتصف الغرفة، شعرت بشيء ناقص، كأنها فقدت جزءًا منها دون أن تدري متى أو كيف… زفرت أنفاسها بعمق، محاولة تهدئة دقات قلبها المتسارعة، لكنها لم تستطع الهروب من ذلك الإحساس الغريب الذي تسلل إليها… إحساس بأن فقدان ذلك الخاتم يُعيدها لتتذكر ذلك اليوم الذي وصل لها خبر مقتل والدها وحسام، كان مازال بداخلها جزءًا يرفض قبول رحيلهم، الآن تشعر بشعور الفقدان يزداد بداخلها… وعقلها يستوعب غصبً أن من يرحل لا تنتهي ذكراه لضياع خاتم، بالغد ستشتري خاتم آخر.
❈-❈-❈
بـ شقة رزان
اسفل تلك البِناية، توقف طوفان بسيارته، ظل جالسًا بالسيارة يُنفث دخان تلك السيجارة، يشعر بمقت من نفسه ومن تلك الخطيئة الذي وقع بها، لكن كان بتلك الفترة كالسقيم ظن ان العلاج هو تناول دواء مُر قد يقضي على السقم أو يقتله، لكن لا ذاك ولا ذاك حدث العلاج كان خطأ جسيم
لم يقضي على السقم
ولم يقتُله أيضًا،بل زاد من عِلته وزاد وجعًا لا شفاء منه.. ظل يُحدق في الظلام الممتد أمامه، وكأنّه يبحث فيه عن بصيص يُعيد إليه شيئًا من راحته المفقودة… لكن الحقيقة كانت واضحة كضوء النهار، لا فرار منها ولا مهرب… كان العلاج خطأ، والندم تأخر… ألقى بقايا السيجارة من النافذة، راقبها وهي تتلاشى في العتمة، تمامًا كما تلاشت أوهامه بأن الحل يكمن في تصحيح تلك الخطيئة… زفر أنفاسه بعمق، بينما تسللت إلى صدره مرارة أشد من الدخان، مرارة الذنب الذي لا يغتفر…
رفع عينيه إلى البناية أمامه،لم يتردد عليه إنهاء ذلك الزواج الذي ظنَّه ذات يوم خلاصًا، لكنه لم يكن سوى قيد جديد يُكبّله… لم يكن حبًا، بل كان هروبًا، والآن عليه أن يدفع ثمن اندفاعه… قرار أصبح واجبً للتنفيذ… والخطوة التالية حتمية…
بالفعل ضغط على نفسه وصعد الى تلك الشقة،
لحظات قبل أن يرفع يده كي يدُق الجرس، تفاجئ بها تفتح باب الشقة تبستم وهي تستقبله بشوق، كأنها كانت تراه قبل أن يصعد هي كانت هكذا بالفعل رأته من خلف الشُرفة.. جذبته للداخل وسريعًا عانقته، حاولت تقبيله لكن كعادته يتمنع عن ذلك، رغم غصتها تغاضت عن ذلك وقبلت وجنتيه تُخبرهُ بمدى إشتياقها له، لكن هو كعادته باردًا معها وأمسكها من عضديها يدفعها للخلف محاولًا أن يكون لطيفً، ثم تركها وذهب الى تلك الأريكة وجلس عليها بثبات، بينما هي
توقفت للحظات تُحدق به، تُحاول استيعاب جفائه المعتاد، لكنها لم تستطع كبح مشاعرها فاقتربت وجلست بجانبه، عيناها تبحثان عن دفءٍ منه، أي شيء يُطمئنها أنه لم يأتِ ليُطفئ رغبته كعادته…
جلست جواره تحاول الدلال عليه، لكنه كان أكثر برودًا، حاولت تقبل ذلك وبغباء منها سألته:
مالك..واضح إن الايام اللى قضيتها فى المنيا الفترة الاخيرة قست قلبك.
همست بذلك تحاول أن تفك شفرة صمته.
نظر إليها نظرة عابرة، ثم زفر ببطء
لكنها لم تيأس ،رغم يقينها منذ أن دخل كم هو مُثقل بأفكاره، بعواطفه التي يُصر دائمًا على كبتها أمامها، فمدت يدها تلمس يده، لكنّه أبعدها برفق… شعرت بوخزات فى قلبها، جعلتها تقول بحزن وهي تُراقب عينيه التي تهرب منها:
مالك يا طوفان
حاسه أنك مش هنا… جسمك هنا، لكن روحك في حتة تاني.
نهض من مكانه، يُحاول أن يجد لنفسه مفرًا من مواجهتها، لكنه لم يجد سوى الحائط المقابل يُحدق به كأنه أكثر أمانًا من نظراتها المتوسلة.
-انا جيت… ده كفاية، مش كده.
قال ذلك بصوتٍ جاف، يعلم أنه يُوجعها لكنه لا يعرف كيف يُخفف من حدة المسافة التي تفصل بينهما رغم قربهما.
ابتلعت المرارة في حلقها، بابتسامة ضعيفة راودت شفتيها وهي تقول بهدوء مستسلم: أيوه… كفاية.
لكن في داخلها، كانت تعرف هنالك أمرًا ما..بالفعل لم ينتظر وإستدار ينظر لها،بعين خالية من المشاعر،ليس بها سوا البرود القاتل لها وهو يتحدث بهدوء:
قبل ما نتجوز عرفي، كان بينا إتفاق… إن يوم ما واحد فينا يختار الإنفصال التاني يتقبل بدون إعتراض.
تجمدت مقلتاها على ملامحه الجامدة، كأن كلماته صفعة قاسية على وجنتيها… لم يكن صوته يحمل ذرة انفعال، مجرد جملة مقتضبة تحمل حُكماً لا رجعة فيه.
بلعت ريقها بصعوبة، محاولةً أن تستوعب وقع كلماته… إتفاق؟ هل أصبحت مجرد بند في عقد، لا أكثر… هكذا هي كانت بالفعل… هذا الاتفاق كان موجودًا منذ البداية، لكنها لم تكن مستعدة لسماع هذه الكلمات منه أبدًا… ليس بهذه البرودة… بل كانت تتمني أن يأخذ ذلك الزواج طريقًا آخر ويُعلن للنور بزواج رسمي، شعرت بمدى الخذلان يتسلل إلى أوصالها، وكأن كلماته كانت نصل حاد مزق آخر خيط من الأمل الذي كانت تتشبث به… هل كانت ساذجة إلى هذا الحد… هل ظنت للحظة أن ما بينهما قد يتجاوز كونه مجرد صفقة
تسارعت أنفاسها، ورفعت عينيها نحوه، تبحث في ملامحه عن أي بادرة تردد، أي شعور بالذنب، لكنها لم تجد سوى الجليد… برود قاتل، قاسٍ، كأنه يطعنها عمدًا دون أن يرمش له جفن… حاولت التنازل
همست بصوت مرتجف، تحاول أن تتعلق بفرصة أخيرة
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
-بس
قاطعها بهدوء قاسٍ:
مفيش بس… إحنا كنا عارفين إن اليوم ده ممكن يجي بأي وقت.
رمقته بعينين زائغتين، تبحث فيهما عن شيء يكذب ما يقوله، عن أي أثر لما كان بينهما… لكنها لم تجد سوى الجمود… مشاعره دائمًا كانت واضحة بالبرود والجفاف..
حاولت أن تتحدث، أن تدافع عن كرامتها، لكن الكلمات خانتها، تجمدت على طرف لسانها، تمامًا كما تجمد قلبها وهو يستوعب الحقيقة… بالنسبة له، لم تكن سوى بند في عقد، صفقة أُبرمت وانتهى الأمر.
أغمضت عينيها للحظات قبل أن تفتحهما وتراه يُخرج من جيبه ورقة…
نظر لها ببرود قائلًا:
دي ورقة الجواز اللى معايا مبقاش لها لازمة.
قال ذلك ولم يُمزق الورقة بل مزق قلبها.. حقًا كان الطمع هو أحد أسباب موافقتها على تلك الزيجة الرخيصة، لكن لا تنكر أنها أحبته بكل بروده معها وجفاؤه والقليل من مشاعرهُ التى حتى لم تكُن موجودة بعلاقتهم الحميمية التى كانت تشعر أنه ينفُر منها أحيانًا كثيرة، كأنه لم يكُن يرغبها، لم يكن حبًا، لم يكن شغفًا، بل كان مجرد صفقة خاسرة لم تربح فيها سوى وجع قلبها، وفتات من اهتمامه الجاف… لديها يقين أنه كان هروبً…أو محاولة نسيان لامرأة تسُكن روحه منذ زمن.
أما هو، فكان بداخله يشعر بالذنب كلما اقترب منها، وكأن قربه منها خيانة لمن تسُكن روحه منذ زمن… داخله يشعر بالشفقة على تلك التى تحجرت دموعها، وهي لم تستطع كُرهه… ولا حتى التوقف عن التعلق به، رغم علمها أن قلبه ليس لها، ولن يكون أبدًا… لكن مقامها وقيمتها لن تجعلها تستجدي حُبهُ أو تطلب منه ما لا يستطيع منحه… كرامتها كانت أقوى من احتياجها، حتى وإن كان قلبها يذوي في حضرة جفائه… لكنها لم تعد تملك القوة للبقاء في علاقة تعلم جيدًا أنها تُهدرها، علاقة تُشبه قيدًا من حرير، ناعم الملمس لكنه يخنق أنفاسها… لم تعد تريده بجسده فقط، تريد روحه، قلبه، نظرته الدافئه الذي لم يمنحها لها يومًا، ولم تعد تحتمل أن تعيش كظل في حياته، مجرد امرأة فى الظِل دون أن تحمل مكانًا حقيقيًا في قلبه…. في تلك اللحظة، أدركت أن الرحيل ليس هزيمة، بل ربما نجاة… او بفِكر سيدة الأعمال
المصلحة قبل المشاعر الواهية.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
بمنزل طوفان
على طاولة الفطار…
شعرت وجدان بالضيق والضجر من تلك العوينات التى كانت حول عينيها، زفرت بضجر وسأم وهي تخلعها ثم وضعتها على الطاولة، نظرت لها جود سائلة:
مالك قلعتي النضارة ليه يا ماما.
أجابتها بضيق:
بتوجع دماغي، كمان بحس عيني مزغللة أكتر… وكمان حاسة بخيال واقف على وشي.
إبتسمت جود قائلة:
هي كده فى الاول بس يا ماما، بس مع الوقت هتتعودي عليها وتبقي كآنها شئ من وشك، أنا كنت كده لما عملت نظارة للمُذاكرة، بس مع الوقت إتعودت عليها.
زفرت وجدان نفسها، بينما نظر لها طوفان ببسمة مؤكدًا حديث جود قائلًا:
جود عندها حق، بس طالما مضايقة حضرتك ممكن نسأل الدكتور ونشوف لو ينفع تعملي عملية تصحيح نظر بدون نضارة.
واقفته وجدان قائلة:
يكون أحسن من النضارة.
إبتسم لها كذالك هي تبسمت قائلة:
هنادي على شُكرية،هي معاها إسم الدكتور ورقم موبايله.
أومأ مُبتسمً.
بعد وقت قليل
أمام مستشفي الرمد الحكومي…
توقف طوفان بالسيارة،تنهد داخله بإشتياق منذ آخر لقاء بـ دُرة لم يراها،ربما هذه فرصة،بالفعل سريعًا ترجل من السيارة ودخل الى المشفى
لكن فجأة توقف بالممر يشعر بخفقان قلبه، حين رأي
دُرة تخرج إحدى الغرف، تمسك بملف طبي بين يديها، بينما عيناها شاردة وكأنها غارقة في أفكارها… بدا عليها الإرهاق، أو ربما الحزن، لم يستطع التحديد.شعر طوفان بحرارة تتسلل إلى صدره، لم يتردد للحظة قبل أن يخطو نحوها، لكن فجأة، وقبل أن ينطق باسمها، خرج شخص من الغرفة ذاتها، وقف بجوارها وتحدث معها بصوت خافت… شيء ما في طريقة حديثهما، في المسافة القريبة بينهما، جعل الدماء تثور في عروقه…
لم يُلاحظ ضيقها من حديث ذلك الطبيب السمج بالنسبة لها، ولا محاولتها التهرُب منه، لكن هو يجذبها بالحديث عن حالة ذلك المريض…
لحظات عيناه تُطلق إشعاعات نارية…
لم يعُد قادرًا على الصبر والغِيرة تفتك بعقلهُ بلا إهتمام بالعواقب لاحقًا، توجه بخطوات ثائرة إليهم، غير مبالٍ بنظرات الدهشة التي تلاحقه… كان كل ما يشغل باله هو انتزاعها من ذلك المشهد الذي أضرم النار في صدره… توقف أمامها، عيناه مشتعلة بالغضب، شعرت بالتوتر لكن اظهرت الثبات سُرعان ما تحول ذلك الى غضب حين تواقح ووضع يده فوق مِعصم يدها يقبض عليه بقوة وهو يجذبها للسير قائلًا:
عن إذنك، محتاج الدكتورة فى حاجة مهمة.
رفعت رأسها باندهاش، مترددة بين مقاومته والانصياع لتلك السلطة التي يفرضها حضورُه الطاغي… لكن قبل أن تنطق، امتدت يده، لم يمنحها فرصة للرفض، وسحبها معه وسط أعين الماره مترقبة، وكأن العالم من حوله لم يعُد يعنيه…
وهي تشعر بالغضب السحيق لكن لا تود إثارة شغب بالمشفى
حاولت أن تحرر يدها من قبضته، لكن أصابعه كانت كالقيد، تحكُم السيطرة عليه بقبضة قوية… همست من بين أسنانها، بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:
إنتَ بتعمل إيه إنت إتجننت سيب إيدي فورًا.
لم يتوقف، ولم يلتفت إليها حتى، فقط استمر في سيره بخطوات ثابتة كأنها قرار لا رجعة فيه…حتى اجتاز الممر الطويل، غير مكترث بالأنظار الفضولية، حتى وصلا إلى أمام إحد الغرف الجانبية..بمجرد أن دخلا أغلق الباب خلفهما بقوة.
توقفت تتنفس بتسارُع للحظات حتى شعرت بهدوء تنفسها نظرت له بغضب وعيونها تتوهج بانفعال، بنفس الوقت رفعت يديها تدفعه بعيدًا، قائلة بإستهجان وهي تنهج:
مش هترتاح غير لما أموت بسببك، إنت إتجننت إيه اللى عملته ده.
لم يفك قبضته يده على مِعصمها ، بل إزدادت قوة،كذالك ركز نظراته على ملامحها بجمود مريب.
تعصبت عليه وعادت تدفعه بقوة قائلة:
إيه جابك هنا المستشفي، إنت بتراقبني.
غصبً أفلت يدها وعاد خطوات للخلف،يحاول أن يهدأ، لم تنتظر لحظة قبل أن تضغط على أسنانها بقوة،تتحدث بصوت خافت، تحاول الحفاظ على وقار المكان:
وقاحتك زادت عن الحد…بأي حق تجرني وراك بالشكل.
نظر إليها بحدة، كأنه غير قادر على احتواء الغضب الذي يعصف به، واقترب خطوة، لتشعر بأنفاسه الحارة قريبة من وجهها وهو يقول بصوت منخفض لكنه قاتل:
وإنتِ إزاي تسمحي لنفسك توقفي مع الحيوان اللى كنتِ واقفه معاه فى المَمر قدام الخلق اللى فى المستشفى، مين ده.
اتسعت عيناها بدهشة،عادت خطوة للخلف، لكن لم يكن لديها ذرة استسلام… رفعت ذقنها بتحد، قائلة ببرود:
وإنت مالك… مش من حقك تسألني… أنا حُره أقف مع اللى عايزاه فى أي مكان، قدام الناس او حتى فى أوضة مقفولة علينا.
نهشت الغِيرة عقله، لمعت عيناه بتوهج غاضب ، وكأن كلماتها كانت الوقود الذي أشعل آخر فتيل غضبه … اقترب منها أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى، ثم قال بصوت مُنخفض مشحون بالتهديد مُباشرةً:
يبقى خليني أخلق حقي بنفسي…
نظرت له بريية وهي تعود للخلف حتى إصتطدم ظهرها بالحائط، رغم ذلك تمثلت بالقوة الزائفة ورفعت ذقنها بتحدٍ، تحاول ألا تُظهر ارتجافة أنفاسها أو رعشة يديها التي أخفتها خلف ظهرها….، لكن سُرعان ما رفعت إحداهن تُشير له بإصبعها بتوعد:
لو قربت مني هصرخ وألم عليك المستشفي وهخلى الامن يعمل لك محضر تعدي، وكمان تحرُش.
غصبً ابتسم ابتسامة طفيفية، مُستهزءًا بسخرية مُكررًا كلمتها بإستقلال:
تعدي وتحرُش.
خفق قلبها بقوة من الريبة من ملامح وجهه،التى كانت أشبه بشفرة حادة تُهدد بجرحها دون أن تلمسها… مدّ يده إلى جوار رأسها، محاصرًا إياها تمامًا، ثم قال بنبرة أكثر عمقًا، أشبه بوعيد مكتوم:
بلاش تستفزيني يا دُرة، بلاش توصليني إني افقد أعصابي.
نظرت له بغضب قائلة:
إفقد أعصابك ولا حياتك حتى متهمنيش وآخر مره تقرب مني.
شدت قامتها بتحدٍّط رغم ارتجاف أنفاسها، أكملت بصوت حازم:
بعد كده مش هتلاقي مني غير الرد بالطريقة اللي تستحقها.
لمعت عيناه بسخرية، اقترب أكثر حتى كادت أنفاسه تحرق المسافة بينهما، قال بصوت منخفض لكنه يحمل من الخطورة ما يكفي لإرباكها:
مش أنا اللى محتاجلك يا دُرة إنت اللى عرضتي إسترداد الأرض وقولتلك التمن.
قبضت يدها بقوة تحاول ألا تستسلم لرعشة الغضب، دفعته من أمامها بقسوة، ثم استدارت مبتعدة، لكن صوته لحقها كطعنة في الظهر:
هنرجع نتقابل تاني.. ومش بعيد إنتِ اللي تطلبي نتقابل المرة الجاية.
توقفت لحظة، لكنها لم تلتفت، فقط واصلت سيرها، محاولة ألا تدع كلماته تترك أثرًا في قرارها.
بينما شعر طوفان بغضب، خرج خلفها نظر لها وهي تسير، كذالك رأي ذلك الطبيب يدخل الى إحد الغرف، لم يُفكر وذهب نحو تلك الغرفه.. رغم الغضب المستعر بقلبه لكن تمثل بهدوء وإدعي الخطأ بخباثه منه علم إسم الطبيب، خرج من الغرفة يحاول ضبط أعصابه، أخرج هاتفه قام بإتصال قائلًا بأمر:
هبعتلك إسم ساعة بالكتير عاوز أعرف تاريخ حياته.
بعد وقت خرج من غرفة أحد الأطباء، أثناء سيره بالممر لمح ذلك الطيب شعر بغضب لكن لجم نفسه وغادر المشفى،ينتظر فقط معلومة عنه.
بعد حوالي ساعتين كان يجلس بمكتبه بالمصنع ينتظر ذلك الإتصال يسمع للآخر بإنصات:
دكتور عيون، من الجيزة ومنقول هنا من حوالي ست شهور عنده عيادة شغالة كويس طبعًا من زباين المستشفي، مطلق وعنده بنت عايشة مع طليقته فى الجيزة وتقريبًا علاقته بها مُختصرة على نفقة بنته.
زفر طوفان نفسه قائلًا:
تمام.
أغلق الهاتف فكر للحظات ثم بخباثة منه قام بإجراء إتصال آخر.
بعد الترحيب وبعض العتاب من الشخص الآخر، ابتسم طوفان قائلًا:
مشاغل والله لكن إنت عارف مكانتك عندي.
تجاذب الحديث بلباقة الى أن وصل الى هدفه فتحدث بدبلوماسية:
أنا كنت فى مستشفى الرمد، وفى هناك دكتور مش من هنا، واضح إنه مضايق من وجوده هنا، يظهر كان بينه وبين مراته خلاف واضح إنه اتحل وعاوز يرجعها بس هي مش عاوزه تجي هنا، خلينا نقرب بينهم ونرجعه الجيزة تاني، أهو تساهم فى لم شمل أسرة.
وافقه الآخر قائلًا بمدح:
تمام، ربنا يصلح بين إيدك.
أغلق الهاتف وضعه على المكتب أمامه ثم تنفس بهدوء قائلًا:
أما اشوف إيه آخر عِنادك يا دُرة.
❈-❈-❈
مضت عِدة أيام
اليوم المُنتظر
الطقس حار للغاية لكن ليست حرارة الشمس أقوي من حرارة الترقُب، لو أحرقت الشمس الأرض أهون من ذاك الترقُب المتوقع بآخر جلسة المحكمة
وجود كاميرات إعلامية، تنقل تفاصيل تلك الجلسة القضائية
المتهم فيها أحد شباب عائلة مهران المعروفة
الاتهام قتل إثنين من عائلتين مختلفتين
والحضور بداخل القاعة مُختصر وترقُب أمني حذر ونشط
بداخل القاعة
جالت عين عزمي وهو يبحث عن طوفان الذي تأخر فى الحضور عمدًا، كما توقع
حضور دُرة ليس فقط دُرة بل أيضًا حاتم
دخل آخرهم عيناه تُمشط القاعة حتى رأي دُرة تجلس فى المنتصف بين أخيها وحاتم
لم يُبالي لذلك، وجلس جوار عزمي الذي إبتسم له، أومأ طوفان برأسه
لحظات ودلف حاجب المحكمة يُعلن حضور القُضاة، وقف الجميع لحظات ثم جلسوا
تحدث أحد القُضاة وهو ينظر نحو مكان وكيل النيابة قائلًا:
قبل الحُكم هل النيابة عندها أي إعتراض أو تقديم مستندات جديدة تفيد حيثيات القضية.
نفي وكيل النيابة، أومأ القاضي قائلًا:
تمام
بما إن القضية خدت فترة طويلة قبل إصدار الحُكم فـقررت اللجنة القضائية بعد مدولات حيثيات وأدلة القضية كذالك شهادة الشهود قررنا بالإجماع…
بنفس اللحظة
أغمض حاتم عينيه، كذالك طوفان و دُرة
كـ رد فعل واحد دون إتفاق بينهم
بل توارد رد فعل لحُكم متوقع بحسم المصير، وكأن أرواحهم مُعلقة بين الرجاء والخوف… وضياع القصاص العادل
فتح القاضي ملف القضية، تأمل الحاضرين للحظات، ثم نطق بصوت ثابت:
“حكمت المحكمة…”
في تلك الثانية، تسارعت نبضات قلوبهم، توترت أنفاسهم، تحجرت الدموع في عيني دُرة،كأنها تحاول التمسك بأمل واهٍ… بينما شد طوفان قبضته، بينما حاتم.. فقد شعوره وكأن الزمن توقف،
الآن كلمات القاضي التالية لن تكون تقرير لمصير القاتل فقط،بل قد تكون طوفان هادر قد يُبدل مصائر الجميع.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
القلق ينهش قلب كريمان،تشعر بالندم ليتها ذهبت معهم الى المحكمة ليس لمعرفة النُطق بالحُكم بل بالبقاء جانب أبنائها، القلق ينهشها أكتر من رد فعل دُرة، باسل لديه قُدرة فى التحكم فى أعصابه عكس دُرة مُندفعة للغاية وقت عصبيتها لا تُفكر وتفقد السيطرة على كلماتها وتصرفاتها، مما قد يُفاقم الأمور… تتخيل أسوأ السيناريوهات، تخشى أن تُقدم دُرة على تصرف طائش يُعقد الموقف أكثر… تُراقب عقارب الساعة وهي تتمنى لو بإمكانها تسريع الزمن، أو استعادت الوقت لتصحح قرارها وذهبت معهم، تُمسك هاتفها بتوتر، تُفكر في الاتصال بـ باسل، لكنها تراجعت، تعلم أنه قد لا يرُد في مثل هذه اللحظات.
تنهدت بأسي وهي تتذكر ليلة أمس، حاولت تهدئة دُرة وإقناعها بعدم حضور جلسة المحكمة لكن كان بلا جدوى، دُرة أشبه ببركان على وشك الانفجار، عيناها تلمعان بالغضب، وكلماتها تُقطر تحديًا… باسل كان هادئًا كعادته، لكن أحيانًا الصمت أسوء وأكثر إثارة للقلق من اظهار الانفعال…. أغلقت كريمان عينيها للحظة تحاول الثبات،سُرعان فتحتها على صوت رنين هاتفها ، إنتفضت يدها كذالك قلبها بصدرها قبل أن تفتح الهاتف… وترا هوية من يتصل… هل خاب توقع النُطق بالحُكم وتحققت العدالة بيظ القانون… أم أن الكارثة المتوقعة قد وقعت….
خاب ذلك حين علمت هوية المُتصل حاولت تمالك أعصابها، إلا أن ارتجافة خفيفة سرت في أطرافها رغمًا عنها… حدقت في الشاشة للحظات، ثم قامت بالرد:
مساء الخير يا ماما.
تفوهت والدتها بقلق سألة:
إيه الأخبار عندك… عرفتي المحكمة حكمت بإيه.
أجابتها بقلق مُستعر:
لاء، بندم ياريتني روحت معاهم، قلبي مش مطمن وخايفه من دُرة أكتر من باسل، باسل بيعرف يتحكم فى أعصابه، إنما دُرة إنتِ عارفاها، بتتعصب بسرعة… وتفقد سيطرتها على أعصابها.
حاولت والدتها تهدئتها قائلة:
لاء متقلقيش إن شاء الله القانون هيحكم بالعدل و….
قاطع حديث والدتها صوت رنين الهاتف الأرضي للمنزل، دب القلق فى قلب كريمان وإنتفض جسدها برعشة قويه وتعلثمت فى الرد على والدتها وأغلقت الهاتف دون وعي منها، توقفت لحظات تنظر الى الهاتف الأرضي حتى توقف الرنين، ينبض قلبها بعنف، ونظراتها لم تفارق الهاتف، كأنها تتوقع أن يدق مرة أخرى حاملاً معها خبرًا بالتأكيد سيُغير كل شيء… بالفعل عاود الرنين، سُرعان ما رفعت سماعة الهاتف، وهي تسمع حديث المحامي:
إحنا عملنا اللى علينا بس للآسف المحكمة لها، بالادلة والبراهين، كمان شهادة الشهود.
بعقلها أغلقت الهاتف لا تود سماع أكثر من ذلك ليتأكد حدس قلبها، والآن لابد من قرار أن لا تنتظر، بالفعل، أخذت هاتفها وكادت تخرج من المنزل لكن تصنمت مكانها حين رأت من يقترب منها، تفوهت بصوت مختنق:
إنت…
اتسعت عيناها في ذهول، وقلبها يشتعل غضبً لم تكن تتوقع رؤيته هنا، في هذه اللحظة بالذات… كان وجهه جامدًا، يخفي وراءه شيئًا لا تستطيع قراءته، لكن نظراته كانت كفيلة بأن تتيقن أن العدالة إنتهي دورها بخسارة…وضياع الحق…والقادم إعصار.
❈-❈-❈-❈-❈
على الجانب الاخر بمنزل طوفان
بغرفة وجدان، ختمت قراءة القرآن، أغلقت المصحف ووضعته جانبًا، ثم نهضت من فوق الفراش… سارت بخطوات هادئة نحو شُرفة الغرفة، تنظر إلى الخارج داعبت الشمس القوية عينيها، فأغمضتهما سريعًا قبل أن تتراجع قليلًا إلى جانب به ظل يحميها من وهجها القاسي
عقلها لم يكن أقل اضطرابًا من قلبها، أفكارها تتشابك كسُحب صيفية ثقيلة توشك أن تمطر… على يقين أن هناك عاصفة تلوح في الأفق، لكنها لم تكن تملك سوى الانتظار، والمقاومة بصمت
رغم عِلمها أن القضية لا تمس طوفان مباشرةً، إلا أن القلق يضرب قلبها بلا هوادة… تلك القضية قد تكون إعصارًا يضرب الجميع، لا يترك خلفه سوى الفوضى والدمار، وقد يدخل طوفان وسط ذلك، ويتحقق ما يُرعبها… أن يُرغم على الاندفاع نحو قلب العاصفة، حيث لا ملاذ ولا مفر…. كل الطرق تبدو محفوفة بالمخاطر، وكل الاحتمالات تقود إلى هاوية مجهولة… تنهدت بعمق، محاولةً كبح ارتجافة خفيفة تسللت إلى أناملها… عليها أن تجد مخرجًا قبل أن تبتلعهم العاصفة جميعًا…
والسؤال الذي لا إجابة له
ماذا تفعل، كي تبعد طوفان عن ذلك الإعصار القادم…
طوفان…
نطق إسمه قلبها
طوفان التي خافت أن يرث جحود والده أنقذته منه تسع أعوام شكلت شخصية أخري بعيدة عن مُبتغي والده القاسي، رغم كل ذلك الحذر بالنهاية كان القدر، الذي أجبره على التنازل عن أمنياته والإستسلام لرغبات وأمنيات والده حاول الهروب منها … لكن بلحظة فاز القدر وتحققت أمنيات والده،كأنها قدرًا موصود.
❈-❈-❈
المحكمة
الصمت للحظات كان كفيل بسماع دوي نبضات قلوب الجميع، وهم ينتظرون سماع الحُكم، حتى القاضي نفسه بداخله يشعر بآسف مصحوب بتوتر غريب، وكأن كلماته القادمة ستحمل ثُقل العالم على كاهله… كانت معظم العيون تنظر نحوه، تترقب بشغف ممزوج بالخوف، بينما الهواء في القاعة أصبح أثقل، يكاد يُسمع صوت الأنفاس المتلاحقة… رفع القاضي نظره عن الأوراق أمامه، تنحنح قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
“بعد النظر والمداولة في جميع الأدلة والاستماع إلى أقوال الشهود..”
ثم توقف للحظة، وكأنه يمنح الزمن فرصة للتمدد أكثر، يحاول التخفيف، قبل أن ينطق بالحكم الذي بالتأكيد سيُغير مصائر الجميع…
أستطرد حديثه:
حكمت المحكمة على المتهم
“وليد عزمي مهران”… حسب الدلائل
حيث أن القتل كان بالخطأ ودفاع عن النفس،بالسجن ثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ مع بقاء حق النيابة فى إلاستئناف على الحُكم،كذالك من حق المُدعين بالحق طلب الإستئناف…. رفعت الجلسة.
نهض القُضاة سريعًا غادروا القاعة
بينما أول من فتح عيناه طوفان ونظر نحو دُرة
شعر بإنقباض فى قلبه حين رأي تلك الدمعة تسيل فوق إحد وجنتيها، قبل أن تفتح عينيها وترفع إحد يديها تمسح تلك الدموع التى سالت من عين واحدة والثانية تحجرت الدموع بين أهدابها، تشعر كآن عينيها تشارك إنشطار قلبها،
ضاعت العدالة، وسط تهليل وزراغيد والدة ذلك المجرم القابع خلف القضبان يُهلل ويرقُص هو الآخر… لم تستطع النهوض ظلت جالسة، بينما باسل رغم شعوره بغصة تفتك بقلبه لكن مد يده ليساعدها على النهوض، لكن درة لم تستجب، وكأن قدميها إلتصقت في الأرض، تأبى الرحيل قبل أن تستوعب ما حدث…
نظرت إلى القفص حيث يقف ذلك المجرم، يتراقص وكأنه يحتفل بنصرٍ عظيم مُستحق، بينما أمه تزغرد كأنها تزفّه لعُرس… في تلك اللحظة، لم تعد تفهم شيئًا، كيف يفرح الظالم بينما يُجلد قلوب المكلومين.. كيف تتساقط دموعها وحدها بينما يملأ ضحك ذلك المجرم القاعة.
أما باسل، فكان يحاول جاهدًا أن يحتفظ بثباته، لكنه شعر بمرارة تهز كيانه… لكن خوفه الاكبر الآن على دُرة ورد فعلها حدق بوجهها رأى في عينيها كل الألم الذي لم تفصح عنه، وكل الظلم الذي سقط عليهم كصخرةٍ ثقيلة…
بثبات ظاهري همس لها بصوت متحشرج:
دُرة قومي.
لكنه لم يجد منها سوى صمتًا جامدًا، وصورة فتاة أُنهِك قلبها من الظلم، لكنه ما زال ينبض رغم كل شيء… بصعوبة بالغة جذبها باسل حتى إستطاعت الوقوف على قدميها، تسير لجواره… حتى توقف باسل حين توقف أمامه طوفان عيناه لا تفارق دُرة التى أصبحت مثل الدُمية بلا روح تُحرك قدميها، لكنها لا تعرف إلى أين… نظراتها تائهة، مُعلقة في اللاشيء… حتى لم تهتم أو بالأصح لم ترا وقوف طوفان ولا تجاهُل باسل له ومحايدته له يستكمل السير….
بينما حاتم منذ أن فتح عيناه على أصوات التهليل ثار عقله
شعر كأن شيئًا يُكبّله، لكن عقله هو الأكثر ضجيجًا…. من أين يأتي هذا التهليل.. ولماذا يشعر أن قلبه يضرب بقوة كأنه سينفجر بلحظة
نهض ببطء، أنصت أكثر… كان الهتاف يعلو ثم يخفت، يتغلغل في مسامه، يوقظ داخله ذكرى قريبة و”حسام” يُخبره أنه لم يتبقي سوا أيام قليلة على زواجه وأحلامه بهذا اليوم،وتلقيه خبر مقتله بعد ساعات، شعر بضيق حاد في صدره، لا بل إعصارًا يُمزقه من الداخل… رفع يده إلى جبينه، وكأنه يحاول كتم الضجيج الذي يزداد داخله، لكن بلا فائدة… لحظة وأخرى ولم يُفكر وهو يقترب من ذاك القضبان الحديدي بلا تفكير، جذب سلاحه الميري من فوق خصره وفتح صمام الامان،رفع سلاحه، أنفاسه تتسارع كأنها تدفعه إلى الهاوية، لم يكن بحاجة إلى تفكير إضافي، لقد اتخذ قراره… كأنه يُعلنها
“إن كانت عدالة القانون ضعيفة، فماذا عن عدالة الروح بالروح”
تشنجت يده، وانحرف السلاح قليلًا، ليرتد صوت رصاصة أصابت حديد القفص مدويًا في المكان…لم يهتم أنه على شفير الهاوية عيناه ثابتتين لا خوف فيهما، فقط يقين واحد، أن هذا هو القصاص العادل…
سريعًا تدخل الأمن وذهبوا نحوه جعلوه
يُخفض سلاحه، لا يشعرون بكم الألم في الذي بصدره الثائر
صرخ فيهم قالها بصوت مشحون بالغضب والضياع:
قتل حسام دمر فرحته.
مازال يقبض على السلاح بشدة، لكن بصعوبة سيطروا على إندفاعه، أخذوه الى خارج القاعة وضعوه بغرفة جانبية،تركوه وحده لحظات دقائق حتى حاول السيطرة على إندفاعه، أو هكذا ظن…
حين دخل الى الغرفة ذلك القائد ونظر نحو حاتم بلوم قائلًا:
إيه اللى حصل ده يا حضرة الضابط.
كاد يعترض وهو يقول:
ده قاتل يا أفندم، المحكمة كده بتكافئه مش بتعاقبه.
شعر القائد بآسف لكن هو ينفذ القانون، تنهد بآسف وهو يُربت على كتف حاتم:
أنا مقدر موقفك، بس إنت ظابط شرطة مهمتك هي تنفيذ القانون، وعشان حاسس بموقفك هتغاضي عن مُعاقبتك، وبلاش تندفع لسه القضية مخلصتش، لسه الإستئناف، وارد يحصل مفاجأة تغير مسار القضية، حاول تهدا، ودلوقتي أنا هسمح لك بأجازة يومين تحاول تهدا فيهم، إحنا رجال بتنفذ القانون.
بداخله تهكم حاتم، فعن أي قانون يتحدث، عدالة ضالة… لكن تحكم فى ذاته وامأ للقائد بإستجابة واهيه لا أكثر.
❈-❈-❈
مر النهار كان صعبً على البعض وعلى البعض الآخر عكس ذلك
بشقة خاصة بأحد مُدن المنيا
وضعت تلك السيدة الأرجيلة وجلست جوارها أيضًا، تناول ذلك الجالس الخرطوم قائلة:
” الف مبروك يا سي عزمي”.
أخذ منها الخرطوم نفث دخان كثيف قائلًا بإستفسار:
مبروك على إيه يا” إبتهاج”.
أجابته ببراءة:
على براءة سي وليد،مش هو طلع براءة من الجضية.
ضيق بين عينيه سائلًا بنبرة إستفسار مصحوبة بنبرة شك:
وإنتِ عرفتي منين إن وليد خد براءة.
توترت إبتهاج قليلًا، لكنها حاولت السيطرة على نفسها سريعًا، فابتسمت وهي ترد بنبرة مُتحفظة:
الخبر انتشر في المنطقة، والناس كلها بتتكلم عنه. مش انت عارف إن الحاجات دي بتتنقل بسرعة.
ظل عزمي يحدق فيها للحظات، ثم أعاد سحب نفسٍ عميق من الأرجيلة قائلًا بخباثة:
آه.. صحيح، الحاجات دي بتتنقل بسرعة، بس مش لأي حد.
رغم محاولتها إخفاء ارتباكها، إلا أن يدها امتدت لا إراديًا نحو كوب الشاي الموضوع أمامها، رفعته إلى شفتيها لتخفي رعشة خفيفة، لكنها شعرت بنظراته تحاصرها… وهو يسألها بنبرة شك:
عرفتي منين يا إبتهاج.، إنتِ بتروحي فين من ورايا.
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تضع الكوب على الطاولة، ثم قالت بتردد مصحوب بمحاولة للتملص:
والله عرفت صدفة كنت فى السوق بشتري خُضار و سمعت الخبر وفرحت بيه.
ابتسم عزمي نصف ابتسامة، تلك التي تحمل وراءها ألف سؤال وألف احتمال، ثم قال بنبرة بطيئة لكنها ثقيلة بالمعاني:
طيب يا سِت ابتهاج، لو سمعتِ حاجة تانية.. برضو قوليلي، ها.
أومأت برأسها سريعًا، بينما كان قلبها يخفق بقوة، متساءلة إن كان قد صدقها أم أنه فقط يمنحها مساحة كافية لتورط نفسها أكثر…أخفت توترها الزائد وهي تنهض من على الأرض قائلة:
الفحم إنطفي هجيب غيره من المطبخ.
غابت عن عيناه بينما هو يتابع سحب نفس آخر من الأرجيلة ببطء، وعيناه مسلطتان على البخار المتصاعد أمامه، لكنه في الحقيقة لم يكن يرى الدخان، بل كان يحاول تحليل الموقف… إبتهاج مش ساذجة، وعمرها ما كانت تنقل كلام لمجرد النقل…فكّر في نفسه وهو يمرر أصابعه على لحيته القصيرة.
حرك الخرطوم بين يديه، ثم ضرب طرفه على حافة الطاولة بحركة غير مقصودة، وكأنها ترجمة لحيرته…
عاد بظهره للوراء، مسندًا رأسه للحائط، وهو يردد في داخله:
الموضوع مش داخل دماغي.
بنفس اللحظة، عادت ابتهاج تحمل بيدها ملقط الفحم وطبق صغير به قطع جديدة متوهجة، فوضعتهم على المنقد أمامه قبل أن ترفع نظرها إليه بحذر، متسائلة إن كان قد نسي حديثهما أم لا… لكنه باغتها بسؤال آخر، هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا لكنها أكثر ضغطًا أيضًا:
والناس كانت بتقول ايه فى السوق كمان.
توترت إبتهاج مجاوبة:
معرفش أنا جولت اللى سمعته.
نظر لها بشك لكن أخفي ذلك وهو يضع خرطوم الأرجيله على الطاولة ثم جذبها على غفلة، شهقت بخضة سُرعان ما بدلت شهقتها الى ضحكة خليعة وهي ترا تلك النظرة التى تضُخ بالرغبة الشهوانية الواضحة ابتسم وهو يراقب ضحكتها ، قبل أن يمد يده ببطء، ينزع ذلك المئزر عن جسدها ،يُراقب ارتجاف أنفاسها الخافتة…ثم همس بصوت خفيض لكنه محمل بالضغط ذاته:
متأكدة إن ده كل اللي سمعتيه.
أخفضت عينيها سريعًا وأومأت برأسها قائلة بصوت مهتز قليلًا:
هو ده اللي سمعته… والناس بتتكلم كتير، وكل واحد بيزود من عنده.
لم يقل شيئًا للحظات، فقط ظل يراقبها بصمت، يداه تسير تُعطي دافئًا لجلدها البارد تحت لمساته… التقط أنفاسها ببطء، وكأن صبره بدأ ينفد… وهو يُقبلها بشهوانية، ثم ترك شفتيها قائلًا:
ابقي بعد كده ركزي كويس فى اللى بتسمعيه، وابقي قولي لي لو افتكرتي حاجة تانية، مفهوم.
رفعت وجهها إليه، تنظر له بنظرة مترددة تملأ عينيها، لكنها وجدت في عينيه شيئًا جعلها تبتلع ريقها ببطء… شيئًا جعل قلبها يضطرب من جديد… وأمأت رأسها بقبول… لمعت عيناه كأنه السيد وهي الخاضعة، شعور مُميز من تلك الرهبة الذى يراها بعينيها، شعور مفقود لديه مع زوجته الأولى وأم إبنيه التى يشعر أنها إمرأة جليدية بلا مشاعر أنثوية رقيقة، عكس تلك الخاضعة التى أسفله، شعور بالنقص هي تُكمله، بل تُغرقه فيه حتى ينسى كل ما افتقده من سطوة… يُدرك أنها ليست مجرد استسلام، بل استسلام مشوب بالخوف والتردد، لكنه استسلام رغم ذلك… نظر إليها بعينيه الحادتين، متلذذًا بذلك التباين بين قوتها الخارجية وبين الرهبة التي تتملكها الآن… تلك الرجفة التي تسري في أوصالها لم تكن فقط من رهبة الموقف، بل من شيء آخر… شيء يجذبها نحوه رغم كل محاولات عقلها للهرب… تراه سيدًا بالفعل، ليس بالقوة فقط، بل بقدرته على جعلها تستجيب له، على أن يفرض حضوره الطاغي حتى دون أن يطلب.
أما هو فشعر بلذة الانتصار. لذة جعلته يزداد تعلقًا بها، ليس كحبيبة ، بل كإنسان يضفي عليه إحساسًا لم يعرفه من قبل… إحساسًا بأنثى تعترف به، تخشاه، وتتهاوى أمامه، رغم كل محاولاتها للصمود…لكن بهذه اللحظة هو السيد المُبجل.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
ليلًا
لم تستطيع كريمان النوم وهي تشعر بالخوف والقلق على دُرة، ردة فعلها الصامته توجع بشدة، ليتها تصرخ قد ترتاح من ذلك الثُقل على صدرها.. لامت نفسها لما إستسلمت لها و نهضت من فراشها متجهة إلى النافذة، علّها تجد في الظلام سكينة تهدئ من روعها. كان الليل هادئًا بشكل مخيف، لا صوت سوى دقات قلبها المتسارعة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تستعيد نظرات دُرة الشاحبة، صمتها الموجع، والبرود الذي غلف ملامحها كأنها تخلت عن كل شيء حتى عن الألم…
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد أفكارها، لكن الشعور بالذنب كان ينهشها بلا رحمة… لماذا لم تصرّ على الحديث معها أكثر لماذا تركتها تغرق في صمتها دون أن تحاول كسر جدار الجمود التي تتظاهر به دُرة، والليل ينسحب حتى إقترب الفجر وهي مازالت جالسه تنظر الى ذلك الألبوم تارة تبتسم بعفوية وتارة تسيل دموع الفقدان المريرة…”مختار” تزوجا عن قصة حُب،رغم رفض والدته لها فى البداية بحِجة أنها ليست صعيدية “مصراوية”كما لقبتها”المصراوية الجريئة”
كيف لفتاة بمقتبل العقد الثاني من عمرها وتتغرب بعيد عن أهلها من أجل وظيفة مُمرضة بأحد مشافي المنيا…لكنه كان القدر الذي جاء بها لتلتقي بحبيب عمرها الذي سرق قلبها منذ اللحظة الأولى، بنظراته الواثقة وابتسامته الدافئة التي لم تفارق مخيلتها يومًا… مختار كان مختلفًا بروحه القوية واعتزازه بجذوره الصعيدية…. لم تبالِ بكلام والدته، ولا بالرفض الذي واجهته، فحبها له كان أقوى من أي اعتراض… لكن الحب وحده لم يكن كافيًا ليحميها من قسوة الأيام… كم تمنت لو أن الزمن توقف عند لحظات سعادتها معه ذكري ليلة زفافهم وخجلها الذي غمر وجنتيها حين همس باسمها لأول مرة بصوت يملؤه الشوق… كانت تلك الليلة حلمًا تجسد في الواقع، حيث اختلطت مشاعرها بين الفرح والخجل، وبين الخوف من المجهول والأمل بحياة دافئة في كنفه… لم تكن الأيام كلها، حُب فقط بل مشاعر مُتعددة بينهم، تشعبت بقلوبهم، زواج كان متوقع فشله بأشهر قليلة إستمر ونضج الحُب وتشعب لمشاعر كثيرة، فرحة أول طفلة كانت دُرة شقاوتها وهي صغيرة تعلُقها بـ مختار، ذكري ميلاد باسل رغم صِغر عُمره لكن يمتاز بكثير من خِصال مُختار،
تنهدت كريمان وهي تقلب صفحات الألبوم، تراقب صور الماضي كأنها تبحث عن إجابة بين الذكريات… كانت دُرة أول ثمرة لهذا الحب، طفلة جميلة بعينيها السوداء الواسعتين، لكن شيئًا ما في تلك العيون تغيّر… أصبحت شاحبة، خاوية، كأنها تحمل همومًا ..
ذكريات إنتهت بدموع فُراق جائر، مُختار لم يكُن يستحق تلك النهاية البشعة على يد ذلك القاتل القذر، لكنه القدر
كم تمنت لو استطاعت أن تعود بالزمن إلى تلك اللحظات، حين كان يمسك بيديها برفق، يقسم لها أن تكون سعادتها غايته… ولكن الزمن لا يعود، والواقع لا يعرف الرحمة أغلقت الألبوم.. نهضت تشعر ببعض التقلُصات بظهرها، لم تهتم بها، وقررت الذهاب الى غرفة أول ثمرة جمعت بينها وبين مختار
أغلقت الألبوم ببطء، نظرت إلى خارج الشرفة…ظلام الليل يقترب على الرحيل
مازال ينتابها شعور القلق بل ينهش بضراوة، وضعت الالبوم على الطاولة ونهضت تعلم الى أين، بعد لحظات فتحت غرفة دُرة بهدوء، كانت الغرفة مُظلمة للغاية، شعرت بتوجس وأشعلت الضوء، سُرعان ما خفق قلبها بشدة حين نظرت نحو الفراش كان فارغًا، تجولت عيناها بالغرفة، لم تكُن موجودة، شعرت بقلق سريعًا بدأت بالبحث عنها بين أركان المنزل لكن ليست موجودة، إزداد الخوف والقلق والتوجس، وعقلها يسأل بذهول…
أين ذهبت بهذا الوقت.
❈-❈-❈
أثناء سيرهُ سمع آنين بُكاء، ذهب نحوه سريعًا أشعل ضوء هاتفه ونظر أمامه بذهول قائلًا:
دُرة!
توقعت إنك تجي لهنا.
نظرت له بكراهية حادة قائلة بإتهام مباشر:
إنت السبب، إنت كنت عارف إن الحُكم هيبقي ضعيف، عشان كده سلمت القاتل للشرطة.
أجابها وهو يقترب منها بدفاع:
أنا عملت اللى كان لازم يحصل… ومتأكد لو عمي مختار مكاني كان هيعمل نفس الشئ يا دُرة.
نظرت له بإزدراء وقاطعته بشبه صُراخ:
متجبش سيرة بابا، إنت كداب، إنت خوفت على نفسك.
توجع قلبه وأصبح المسافة صغيرة بينهما، لكنه لم يتراجع… أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئتها، لكن دموعها كانت تُخبره أن الغضب ليس الشيء الوحيد الذي تشعر به، بل الخذلان أيضًا.
دافع بصوت هادئ لكنه مُصر:
دُرة، أنا خوفت عليكِ وعلى باسل، مش على نفسي… كنت عارف إن القانون ممكن ميحققش العدالة اللي كنتِ عايزاها، بس لو كنتِ خدتي حقك بإيدك، كنتِ هتضيعي حياتك.
قهقهت بسخرية مُرة ومسحت دموعها بعنف:
حياتي ضاعت من يوم ما بابا وحسام إتقتلوا.
غص قلبه بشدة، رغم أنه كان يتوقع تلك الكلمات… نظر إلى وجهها المتعب، إلى عينيها اللتين رغم الغضب ما زالتا تحملان بريق الألم الذي يعرفه جيدًا توقفت أنفاسها للحظة، لكنها لم ترد،كآن عقلها تائه بين الغضب والحنين، بين الرغبة في الصراخ وبين الرغبة في كتمان ذلك الألم…
نبضات قلبها قلبها تتسارع بعنف، وكأنها تُذكرها بكل لحظة خذلان، بكل دمعة حبستها، وبكل صرخة لم تستطع إطلاقها… لم تكن تريد أن تظهر ضعفها أمامه، لكنها لم تستطع إخفاء ألمها أكثر.
شعر بتهتك نياط قلبه،مد يده إليها بأمل، وكأنه يقترب من نصل حاد قد يجرحه في أي لحظة، همس بصوت مبحوح:
دُرة… أنا مش عدوك.
رفعت عينيها نحوه ببطء، كانت نظرتها مزيجًا من الاحتقار… تكرهه بقدر ما كانت تحتاج الى يد والدها الآن تنتشلها من ذلك التوهان يضمها يُضمد ذلك الوجع الذي يكاد يفتك بها وليته يفعل ذلك وتنتهي… بعين مغشية من كثرة الدموع، تفوهت بصرامة
إبعد عن طريقي يا طوفان، اللى بينا هو الدم اللى إنت ضيعت حقه…
فى اللحظة اللي سلمت فيها القاتل بإيدك.
تصلبت كلماته في حلقه، شعر وكأنها أطلقت عليه رصاصة مباشرة إلى صدره، لكنه لم يتحرك… ظل ينظر إليها بعينين تحملان وجعًا لا يقل عن وجعها.
قال بهدوء قاتل، كأنه يحاول لملمة ما تبقى من روحه:
لو كان بإيدي كنت رجعت الزمن لورا… بس مكنش عندي اختيار تاني، دُرة.
قهقهت مجددًا، لكن ضحكتها كانت أكثر وجعًا هذه المرة، ، وها هي تُعلن انسحابها، أو ربما هزيمتها أمام كل شيء:
لأ، كان عندك اختيار… بس اخترت إنك تفضل خاين
شعر وكأن كلماتها صفعت روحه، لكنها لم تكن المرة الأولى التي يُتهم فيها بالخيانة، ولن تكون الأخيرة… لكنها الأكثر إيلامًا، الأكثر تمزيقًا لما تبقى منه… كأنها غرست خنجرًا في قلبه ثم أدارت النصل ببطء، لتتأكد من أنه لن يُشفى أبدًا.
«يتبع»
ده آخر فصل فى رمضان، ❤❤❤كل عام وانتم بخير❤ ربنا يعود علينا الايام المباركة بخير دايمًا ياااارب 🤲🏻❤❤ أفتكروني فى دعواتكم، ولكم بالمثل وأكثر
الفصل الجاي الثلاثاء وهيبقي فى انتظام حسب التفاعل طبعًا
❤❤❤كل عام وانتم بخير❤❤❤
للحكاية بقية
﷽
#طوفان_الدُرة “ملحمة طوفان هزمهُ العشق”
الطوفان السادس
#سعادمحمدسلامه
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
القلق ينهش قلب كريمان،تشعر بالندم ليتها ذهبت معهم الى المحكمة ليس لمعرفة النُطق بالحُكم بل بالبقاء جانب أبنائها، القلق ينهشها أكتر من رد فعل دُرة، باسل لديه قُدرة فى التحكم فى أعصابه عكس دُرة مُندفعة للغاية وقت عصبيتها لا تُفكر وتفقد السيطرة على كلماتها وتصرفاتها، مما قد يُفاقم الأمور… تتخيل أسوأ السيناريوهات، تخشى أن تُقدم دُرة على تصرف طائش يُعقد الموقف أكثر… تُراقب عقارب الساعة وهي تتمنى لو بإمكانها تسريع الزمن، أو استعادت الوقت لتصحح قرارها وذهبت معهم، تُمسك هاتفها بتوتر، تُفكر في الاتصال بـ باسل، لكنها تراجعت، تعلم أنه قد لا يرُد في مثل هذه اللحظات.
تنهدت بأسي وهي تتذكر ليلة أمس، حاولت تهدئة دُرة وإقناعها بعدم حضور جلسة المحكمة لكن كان بلا جدوى، دُرة أشبه ببركان على وشك الانفجار، عيناها تلمعان بالغضب، وكلماتها تُقطر تحديًا… باسل كان هادئًا كعادته، لكن أحيانًا الصمت أسوء وأكثر إثارة للقلق من اظهار الانفعال…. أغلقت كريمان عينيها للحظة تحاول الثبات،سُرعان فتحتها على صوت رنين هاتفها ، إنتفضت يدها كذالك قلبها بصدرها قبل أن تفتح الهاتف… وترا هوية من يتصل… هل خاب توقع النُطق بالحُكم وتحققت العدالة بيظ القانون… أم أن الكارثة المتوقعة قد وقعت….
خاب ذلك حين علمت هوية المُتصل حاولت تمالك أعصابها، إلا أن ارتجافة خفيفة سرت في أطرافها رغمًا عنها… حدقت في الشاشة للحظات، ثم قامت بالرد:
مساء الخير يا ماما.
تفوهت والدتها بقلق سألة:
إيه الأخبار عندك… عرفتي المحكمة حكمت بإيه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أجابتها بقلق مُستعر:
لاء، بندم ياريتني روحت معاهم، قلبي مش مطمن وخايفه من دُرة أكتر من باسل، باسل بيعرف يتحكم فى أعصابه، إنما دُرة إنتِ عارفاها، بتتعصب بسرعة… وتفقد سيطرتها على أعصابها.
حاولت والدتها تهدئتها قائلة:
لاء متقلقيش إن شاء الله القانون هيحكم بالعدل و….
قاطع حديث والدتها صوت رنين الهاتف الأرضي للمنزل، دب القلق فى قلب كريمان وإنتفض جسدها برعشة قويه وتعلثمت فى الرد على والدتها وأغلقت الهاتف دون وعي منها، توقفت لحظات تنظر الى الهاتف الأرضي حتى توقف الرنين، ينبض قلبها بعنف، ونظراتها لم تفارق الهاتف، كأنها تتوقع أن يدق مرة أخرى حاملاً معها خبرًا بالتأكيد سيُغير كل شيء… بالفعل عاود الرنين، سُرعان ما رفعت سماعة الهاتف، وهي تسمع حديث المحامي:
إحنا عملنا اللى علينا بس للآسف المحكمة لها، بالادلة والبراهين، كمان شهادة الشهود.
بعقلها أغلقت الهاتف لا تود سماع أكثر من ذلك ليتأكد حدس قلبها، والآن لابد من قرار أن لا تنتظر، بالفعل، أخذت هاتفها وكادت تخرج من المنزل لكن تصنمت مكانها حين رأت من يقترب منها، تفوهت بصوت مختنق:
إنت…
اتسعت عيناها في ذهول، وقلبها يشتعل غضبً لم تكن تتوقع رؤيته هنا، في هذه اللحظة بالذات… كان وجهه جامدًا، يخفي وراءه شيئًا لا تستطيع قراءته، لكن نظراته كانت كفيلة بأن تتيقن أن العدالة إنتهي دورها بخسارة…وضياع الحق…والقادم إعصار.
❈-❈-❈-❈-❈
على الجانب الاخر بمنزل طوفان
بغرفة وجدان، ختمت قراءة القرآن، أغلقت المصحف ووضعته جانبًا، ثم نهضت من فوق الفراش… سارت بخطوات هادئة نحو شُرفة الغرفة، تنظر إلى الخارج داعبت الشمس القوية عينيها، فأغمضتهما سريعًا قبل أن تتراجع قليلًا إلى جانب به ظل يحميها من وهجها القاسي
عقلها لم يكن أقل اضطرابًا من قلبها، أفكارها تتشابك كسُحب صيفية ثقيلة توشك أن تمطر… على يقين أن هناك عاصفة تلوح في الأفق، لكنها لم تكن تملك سوى الانتظار، والمقاومة بصمت
رغم عِلمها أن القضية لا تمس طوفان مباشرةً، إلا أن القلق يضرب قلبها بلا هوادة… تلك القضية قد تكون إعصارًا يضرب الجميع، لا يترك خلفه سوى الفوضى والدمار، وقد يدخل طوفان وسط ذلك، ويتحقق ما يُرعبها… أن يُرغم على الاندفاع نحو قلب العاصفة، حيث لا ملاذ ولا مفر…. كل الطرق تبدو محفوفة بالمخاطر، وكل الاحتمالات تقود إلى هاوية مجهولة… تنهدت بعمق، محاولةً كبح ارتجافة خفيفة تسللت إلى أناملها… عليها أن تجد مخرجًا قبل أن تبتلعهم العاصفة جميعًا…
والسؤال الذي لا إجابة له
ماذا تفعل، كي تبعد طوفان عن ذلك الإعصار القادم…
طوفان…
نطق إسمه قلبها
طوفان التي خافت أن يرث جحود والده أنقذته منه تسع أعوام شكلت شخصية أخري بعيدة عن مُبتغي والده القاسي، رغم كل ذلك الحذر بالنهاية كان القدر، الذي أجبره على التنازل عن أمنياته والإستسلام لرغبات وأمنيات والده حاول الهروب منها … لكن بلحظة فاز القدر وتحققت أمنيات والده،كأنها قدرًا موصود.
❈-❈-❈
المحكمة
الصمت للحظات كان كفيل بسماع دوي نبضات قلوب الجميع، وهم ينتظرون سماع الحُكم، حتى القاضي نفسه بداخله يشعر بآسف مصحوب بتوتر غريب، وكأن كلماته القادمة ستحمل ثُقل العالم على كاهله… كانت معظم العيون تنظر نحوه، تترقب بشغف ممزوج بالخوف، بينما الهواء في القاعة أصبح أثقل، يكاد يُسمع صوت الأنفاس المتلاحقة… رفع القاضي نظره عن الأوراق أمامه، تنحنح قليلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه حاسم:
“بعد النظر والمداولة في جميع الأدلة والاستماع إلى أقوال الشهود..”
ثم توقف للحظة، وكأنه يمنح الزمن فرصة للتمدد أكثر، يحاول التخفيف، قبل أن ينطق بالحكم الذي بالتأكيد سيُغير مصائر الجميع…
أستطرد حديثه:
حكمت المحكمة على المتهم
“وليد عزمي مهران”… حسب الدلائل
حيث أن القتل كان بالخطأ ودفاع عن النفس،بالسجن ثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ مع بقاء حق النيابة فى إلاستئناف على الحُكم،كذالك من حق المُدعين بالحق طلب الإستئناف…. رفعت الجلسة.
نهض القُضاة سريعًا غادروا القاعة
بينما أول من فتح عيناه طوفان ونظر نحو دُرة
شعر بإنقباض فى قلبه حين رأي تلك الدمعة تسيل فوق إحد وجنتيها، قبل أن تفتح عينيها وترفع إحد يديها تمسح تلك الدموع التى سالت من عين واحدة والثانية تحجرت الدموع بين أهدابها، تشعر كآن عينيها تشارك إنشطار قلبها،
ضاعت العدالة، وسط تهليل وزراغيد والدة ذلك المجرم القابع خلف القضبان يُهلل ويرقُص هو الآخر… لم تستطع النهوض ظلت جالسة، بينما باسل رغم شعوره بغصة تفتك بقلبه لكن مد يده ليساعدها على النهوض، لكن درة لم تستجب، وكأن قدميها إلتصقت في الأرض، تأبى الرحيل قبل أن تستوعب ما حدث…
نظرت إلى القفص حيث يقف ذلك المجرم، يتراقص وكأنه يحتفل بنصرٍ عظيم مُستحق، بينما أمه تزغرد كأنها تزفّه لعُرس… في تلك اللحظة، لم تعد تفهم شيئًا، كيف يفرح الظالم بينما يُجلد قلوب المكلومين.. كيف تتساقط دموعها وحدها بينما يملأ ضحك ذلك المجرم القاعة.
أما باسل، فكان يحاول جاهدًا أن يحتفظ بثباته، لكنه شعر بمرارة تهز كيانه… لكن خوفه الاكبر الآن على دُرة ورد فعلها حدق بوجهها رأى في عينيها كل الألم الذي لم تفصح عنه، وكل الظلم الذي سقط عليهم كصخرةٍ ثقيلة…
بثبات ظاهري همس لها بصوت متحشرج:
دُرة قومي.
لكنه لم يجد منها سوى صمتًا جامدًا، وصورة فتاة أُنهِك قلبها من الظلم، لكنه ما زال ينبض رغم كل شيء… بصعوبة بالغة جذبها باسل حتى إستطاعت الوقوف على قدميها، تسير لجواره… حتى توقف باسل حين توقف أمامه طوفان عيناه لا تفارق دُرة التى أصبحت مثل الدُمية بلا روح تُحرك قدميها، لكنها لا تعرف إلى أين… نظراتها تائهة، مُعلقة في اللاشيء… حتى لم تهتم أو بالأصح لم ترا وقوف طوفان ولا تجاهُل باسل له ومحايدته له يستكمل السير….
بينما حاتم منذ أن فتح عيناه على أصوات التهليل ثار عقله
شعر كأن شيئًا يُكبّله، لكن عقله هو الأكثر ضجيجًا…. من أين يأتي هذا التهليل.. ولماذا يشعر أن قلبه يضرب بقوة كأنه سينفجر بلحظة
نهض ببطء، أنصت أكثر… كان الهتاف يعلو ثم يخفت، يتغلغل في مسامه، يوقظ داخله ذكرى قريبة و”حسام” يُخبره أنه لم يتبقي سوا أيام قليلة على زواجه وأحلامه بهذا اليوم،وتلقيه خبر مقتله بعد ساعات، شعر بضيق حاد في صدره، لا بل إعصارًا يُمزقه من الداخل… رفع يده إلى جبينه، وكأنه يحاول كتم الضجيج الذي يزداد داخله، لكن بلا فائدة… لحظة وأخرى ولم يُفكر وهو يقترب من ذاك القضبان الحديدي بلا تفكير، جذب سلاحه الميري من فوق خصره وفتح صمام الامان،رفع سلاحه، أنفاسه تتسارع كأنها تدفعه إلى الهاوية، لم يكن بحاجة إلى تفكير إضافي، لقد اتخذ قراره… كأنه يُعلنها
“إن كانت عدالة القانون ضعيفة، فماذا عن عدالة الروح بالروح”
تشنجت يده، وانحرف السلاح قليلًا، ليرتد صوت رصاصة أصابت حديد القفص مدويًا في المكان…لم يهتم أنه على شفير الهاوية عيناه ثابتتين لا خوف فيهما، فقط يقين واحد، أن هذا هو القصاص العادل…
سريعًا تدخل الأمن وذهبوا نحوه جعلوه
يُخفض سلاحه، لا يشعرون بكم الألم في الذي بصدره الثائر
صرخ فيهم قالها بصوت مشحون بالغضب والضياع:
قتل حسام دمر فرحته.
مازال يقبض على السلاح بشدة، لكن بصعوبة سيطروا على إندفاعه، أخذوه الى خارج القاعة وضعوه بغرفة جانبية،تركوه وحده لحظات دقائق حتى حاول السيطرة على إندفاعه، أو هكذا ظن…
حين دخل الى الغرفة ذلك القائد ونظر نحو حاتم بلوم قائلًا:
إيه اللى حصل ده يا حضرة الضابط.
كاد يعترض وهو يقول:
ده قاتل يا أفندم، المحكمة كده بتكافئه مش بتعاقبه.
شعر القائد بآسف لكن هو ينفذ القانون، تنهد بآسف وهو يُربت على كتف حاتم:
أنا مقدر موقفك، بس إنت ظابط شرطة مهمتك هي تنفيذ القانون، وعشان حاسس بموقفك هتغاضي عن مُعاقبتك، وبلاش تندفع لسه القضية مخلصتش، لسه الإستئناف، وارد يحصل مفاجأة تغير مسار القضية، حاول تهدا، ودلوقتي أنا هسمح لك بأجازة يومين تحاول تهدا فيهم، إحنا رجال بتنفذ القانون.
بداخله تهكم حاتم، فعن أي قانون يتحدث، عدالة ضالة… لكن تحكم فى ذاته وامأ للقائد بإستجابة واهيه لا أكثر.
❈-❈-❈
مر النهار كان صعبً على البعض وعلى البعض الآخر عكس ذلك
بشقة خاصة بأحد مُدن المنيا
وضعت تلك السيدة الأرجيلة وجلست جوارها أيضًا، تناول ذلك الجالس الخرطوم قائلة:
” الف مبروك يا سي عزمي”.
أخذ منها الخرطوم نفث دخان كثيف قائلًا بإستفسار:
مبروك على إيه يا” إبتهاج”.
أجابته ببراءة:
على براءة سي وليد،مش هو طلع براءة من الجضية.
ضيق بين عينيه سائلًا بنبرة إستفسار مصحوبة بنبرة شك:
وإنتِ عرفتي منين إن وليد خد براءة.
توترت إبتهاج قليلًا، لكنها حاولت السيطرة على نفسها سريعًا، فابتسمت وهي ترد بنبرة مُتحفظة:
الخبر انتشر في المنطقة، والناس كلها بتتكلم عنه. مش انت عارف إن الحاجات دي بتتنقل بسرعة.
ظل عزمي يحدق فيها للحظات، ثم أعاد سحب نفسٍ عميق من الأرجيلة قائلًا بخباثة:
آه.. صحيح، الحاجات دي بتتنقل بسرعة، بس مش لأي حد.
رغم محاولتها إخفاء ارتباكها، إلا أن يدها امتدت لا إراديًا نحو كوب الشاي الموضوع أمامها، رفعته إلى شفتيها لتخفي رعشة خفيفة، لكنها شعرت بنظراته تحاصرها… وهو يسألها بنبرة شك:
عرفتي منين يا إبتهاج.، إنتِ بتروحي فين من ورايا.
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تضع الكوب على الطاولة، ثم قالت بتردد مصحوب بمحاولة للتملص:
والله عرفت صدفة كنت فى السوق بشتري خُضار و سمعت الخبر وفرحت بيه.
ابتسم عزمي نصف ابتسامة، تلك التي تحمل وراءها ألف سؤال وألف احتمال، ثم قال بنبرة بطيئة لكنها ثقيلة بالمعاني:
طيب يا سِت ابتهاج، لو سمعتِ حاجة تانية.. برضو قوليلي، ها.
أومأت برأسها سريعًا، بينما كان قلبها يخفق بقوة، متساءلة إن كان قد صدقها أم أنه فقط يمنحها مساحة كافية لتورط نفسها أكثر…أخفت توترها الزائد وهي تنهض من على الأرض قائلة:
الفحم إنطفي هجيب غيره من المطبخ.
غابت عن عيناه بينما هو يتابع سحب نفس آخر من الأرجيلة ببطء، وعيناه مسلطتان على البخار المتصاعد أمامه، لكنه في الحقيقة لم يكن يرى الدخان، بل كان يحاول تحليل الموقف… إبتهاج مش ساذجة، وعمرها ما كانت تنقل كلام لمجرد النقل…فكّر في نفسه وهو يمرر أصابعه على لحيته القصيرة.
حرك الخرطوم بين يديه، ثم ضرب طرفه على حافة الطاولة بحركة غير مقصودة، وكأنها ترجمة لحيرته…
عاد بظهره للوراء، مسندًا رأسه للحائط، وهو يردد في داخله:
الموضوع مش داخل دماغي.
بنفس اللحظة، عادت ابتهاج تحمل بيدها ملقط الفحم وطبق صغير به قطع جديدة متوهجة، فوضعتهم على المنقد أمامه قبل أن ترفع نظرها إليه بحذر، متسائلة إن كان قد نسي حديثهما أم لا… لكنه باغتها بسؤال آخر، هذه المرة بنبرة أكثر هدوءًا لكنها أكثر ضغطًا أيضًا:
والناس كانت بتقول ايه فى السوق كمان.
توترت إبتهاج مجاوبة:
معرفش أنا جولت اللى سمعته.
نظر لها بشك لكن أخفي ذلك وهو يضع خرطوم الأرجيله على الطاولة ثم جذبها على غفلة، شهقت بخضة سُرعان ما بدلت شهقتها الى ضحكة خليعة وهي ترا تلك النظرة التى تضُخ بالرغبة الشهوانية الواضحة ابتسم وهو يراقب ضحكتها ، قبل أن يمد يده ببطء، ينزع ذلك المئزر عن جسدها ،يُراقب ارتجاف أنفاسها الخافتة…ثم همس بصوت خفيض لكنه محمل بالضغط ذاته:
متأكدة إن ده كل اللي سمعتيه.
أخفضت عينيها سريعًا وأومأت برأسها قائلة بصوت مهتز قليلًا:
هو ده اللي سمعته… والناس بتتكلم كتير، وكل واحد بيزود من عنده.
لم يقل شيئًا للحظات، فقط ظل يراقبها بصمت، يداه تسير تُعطي دافئًا لجلدها البارد تحت لمساته… التقط أنفاسها ببطء، وكأن صبره بدأ ينفد… وهو يُقبلها بشهوانية، ثم ترك شفتيها قائلًا:
ابقي بعد كده ركزي كويس فى اللى بتسمعيه، وابقي قولي لي لو افتكرتي حاجة تانية، مفهوم.
رفعت وجهها إليه، تنظر له بنظرة مترددة تملأ عينيها، لكنها وجدت في عينيه شيئًا جعلها تبتلع ريقها ببطء… شيئًا جعل قلبها يضطرب من جديد… وأمأت رأسها بقبول… لمعت عيناه كأنه السيد وهي الخاضعة، شعور مُميز من تلك الرهبة الذى يراها بعينيها، شعور مفقود لديه مع زوجته الأولى وأم إبنيه التى يشعر أنها إمرأة جليدية بلا مشاعر أنثوية رقيقة، عكس تلك الخاضعة التى أسفله، شعور بالنقص هي تُكمله، بل تُغرقه فيه حتى ينسى كل ما افتقده من سطوة… يُدرك أنها ليست مجرد استسلام، بل استسلام مشوب بالخوف والتردد، لكنه استسلام رغم ذلك… نظر إليها بعينيه الحادتين، متلذذًا بذلك التباين بين قوتها الخارجية وبين الرهبة التي تتملكها الآن… تلك الرجفة التي تسري في أوصالها لم تكن فقط من رهبة الموقف، بل من شيء آخر… شيء يجذبها نحوه رغم كل محاولات عقلها للهرب… تراه سيدًا بالفعل، ليس بالقوة فقط، بل بقدرته على جعلها تستجيب له، على أن يفرض حضوره الطاغي حتى دون أن يطلب.
أما هو فشعر بلذة الانتصار. لذة جعلته يزداد تعلقًا بها، ليس كحبيبة ، بل كإنسان يضفي عليه إحساسًا لم يعرفه من قبل… إحساسًا بأنثى تعترف به، تخشاه، وتتهاوى أمامه، رغم كل محاولاتها للصمود…لكن بهذه اللحظة هو السيد المُبجل.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
ليلًا
لم تستطيع كريمان النوم وهي تشعر بالخوف والقلق على دُرة، ردة فعلها الصامته توجع بشدة، ليتها تصرخ قد ترتاح من ذلك الثُقل على صدرها.. لامت نفسها لما إستسلمت لها و نهضت من فراشها متجهة إلى النافذة، علّها تجد في الظلام سكينة تهدئ من روعها. كان الليل هادئًا بشكل مخيف، لا صوت سوى دقات قلبها المتسارعة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تستعيد نظرات دُرة الشاحبة، صمتها الموجع، والبرود الذي غلف ملامحها كأنها تخلت عن كل شيء حتى عن الألم…
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد أفكارها، لكن الشعور بالذنب كان ينهشها بلا رحمة… لماذا لم تصرّ على الحديث معها أكثر لماذا تركتها تغرق في صمتها دون أن تحاول كسر جدار الجمود التي تتظاهر به دُرة، والليل ينسحب حتى إقترب الفجر وهي مازالت جالسه تنظر الى ذلك الألبوم تارة تبتسم بعفوية وتارة تسيل دموع الفقدان المريرة…”مختار” تزوجا عن قصة حُب،رغم رفض والدته لها فى البداية بحِجة أنها ليست صعيدية “مصراوية”كما لقبتها”المصراوية الجريئة”
كيف لفتاة بمقتبل العقد الثاني من عمرها وتتغرب بعيد عن أهلها من أجل وظيفة مُمرضة بأحد مشافي المنيا…لكنه كان القدر الذي جاء بها لتلتقي بحبيب عمرها الذي سرق قلبها منذ اللحظة الأولى، بنظراته الواثقة وابتسامته الدافئة التي لم تفارق مخيلتها يومًا… مختار كان مختلفًا بروحه القوية واعتزازه بجذوره الصعيدية…. لم تبالِ بكلام والدته، ولا بالرفض الذي واجهته، فحبها له كان أقوى من أي اعتراض… لكن الحب وحده لم يكن كافيًا ليحميها من قسوة الأيام… كم تمنت لو أن الزمن توقف عند لحظات سعادتها معه ذكري ليلة زفافهم وخجلها الذي غمر وجنتيها حين همس باسمها لأول مرة بصوت يملؤه الشوق… كانت تلك الليلة حلمًا تجسد في الواقع، حيث اختلطت مشاعرها بين الفرح والخجل، وبين الخوف من المجهول والأمل بحياة دافئة في كنفه… لم تكن الأيام كلها، حُب فقط بل مشاعر مُتعددة بينهم، تشعبت بقلوبهم، زواج كان متوقع فشله بأشهر قليلة إستمر ونضج الحُب وتشعب لمشاعر كثيرة، فرحة أول طفلة كانت دُرة شقاوتها وهي صغيرة تعلُقها بـ مختار، ذكري ميلاد باسل رغم صِغر عُمره لكن يمتاز بكثير من خِصال مُختار،
تنهدت كريمان وهي تقلب صفحات الألبوم، تراقب صور الماضي كأنها تبحث عن إجابة بين الذكريات… كانت دُرة أول ثمرة لهذا الحب، طفلة جميلة بعينيها السوداء الواسعتين، لكن شيئًا ما في تلك العيون تغيّر… أصبحت شاحبة، خاوية، كأنها تحمل همومًا ..
ذكريات إنتهت بدموع فُراق جائر، مُختار لم يكُن يستحق تلك النهاية البشعة على يد ذلك القاتل القذر، لكنه القدر
كم تمنت لو استطاعت أن تعود بالزمن إلى تلك اللحظات، حين كان يمسك بيديها برفق، يقسم لها أن تكون سعادتها غايته… ولكن الزمن لا يعود، والواقع لا يعرف الرحمة أغلقت الألبوم.. نهضت تشعر ببعض التقلُصات بظهرها، لم تهتم بها، وقررت الذهاب الى غرفة أول ثمرة جمعت بينها وبين مختار
أغلقت الألبوم ببطء، نظرت إلى خارج الشرفة…ظلام الليل يقترب على الرحيل
مازال ينتابها شعور القلق بل ينهش بضراوة، وضعت الالبوم على الطاولة ونهضت تعلم الى أين، بعد لحظات فتحت غرفة دُرة بهدوء، كانت الغرفة مُظلمة للغاية، شعرت بتوجس وأشعلت الضوء، سُرعان ما خفق قلبها بشدة حين نظرت نحو الفراش كان فارغًا، تجولت عيناها بالغرفة، لم تكُن موجودة، شعرت بقلق سريعًا بدأت بالبحث عنها بين أركان المنزل لكن ليست موجودة، إزداد الخوف والقلق والتوجس، وعقلها يسأل بذهول…
أين ذهبت بهذا الوقت.
❈-❈-❈
أثناء سيرهُ سمع آنين بُكاء، ذهب نحوه سريعًا أشعل ضوء هاتفه ونظر أمامه بذهول قائلًا:
دُرة!
توقعت إنك تجي لهنا.
نظرت له بكراهية حادة قائلة بإتهام مباشر:
إنت السبب، إنت كنت عارف إن الحُكم هيبقي ضعيف، عشان كده سلمت القاتل للشرطة.
أجابها وهو يقترب منها بدفاع:
أنا عملت اللى كان لازم يحصل… ومتأكد لو عمي مختار مكاني كان هيعمل نفس الشئ يا دُرة.
نظرت له بإزدراء وقاطعته بشبه صُراخ:
متجبش سيرة بابا، إنت كداب، إنت خوفت على نفسك.
توجع قلبه وأصبح المسافة صغيرة بينهما، لكنه لم يتراجع… أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئتها، لكن دموعها كانت تُخبره أن الغضب ليس الشيء الوحيد الذي تشعر به، بل الخذلان أيضًا.
دافع بصوت هادئ لكنه مُصر:
دُرة، أنا خوفت عليكِ وعلى باسل، مش على نفسي… كنت عارف إن القانون ممكن ميحققش العدالة اللي كنتِ عايزاها، بس لو كنتِ خدتي حقك بإيدك، كنتِ هتضيعي حياتك.
قهقهت بسخرية مُرة ومسحت دموعها بعنف:
حياتي ضاعت من يوم ما بابا وحسام إتقتلوا.
غص قلبه بشدة، رغم أنه كان يتوقع تلك الكلمات… نظر إلى وجهها المتعب، إلى عينيها اللتين رغم الغضب ما زالتا تحملان بريق الألم الذي يعرفه جيدًا توقفت أنفاسها للحظة، لكنها لم ترد،كآن عقلها تائه بين الغضب والحنين، بين الرغبة في الصراخ وبين الرغبة في كتمان ذلك الألم…
نبضات قلبها قلبها تتسارع بعنف، وكأنها تُذكرها بكل لحظة خذلان، بكل دمعة حبستها، وبكل صرخة لم تستطع إطلاقها… لم تكن تريد أن تظهر ضعفها أمامه، لكنها لم تستطع إخفاء ألمها أكثر.
شعر بتهتك نياط قلبه،مد يده إليها بأمل، وكأنه يقترب من نصل حاد قد يجرحه في أي لحظة، همس بصوت مبحوح:
دُرة… أنا مش عدوك.
رفعت عينيها نحوه ببطء، كانت نظرتها مزيجًا من الاحتقار… تكرهه بقدر ما كانت تحتاج الى يد والدها الآن تنتشلها من ذلك التوهان يضمها يُضمد ذلك الوجع الذي يكاد يفتك بها وليته يفعل ذلك وتنتهي… بعين مغشية من كثرة الدموع، تفوهت بصرامة
إبعد عن طريقي يا طوفان، اللى بينا هو الدم اللى إنت ضيعت حقه…
فى اللحظة اللي سلمت فيها القاتل بإيدك.
تصلبت كلماته في حلقه، شعر وكأنها أطلقت عليه رصاصة مباشرة إلى صدره، لكنه لم يتحرك… ظل ينظر إليها بعينين تحملان وجعًا لا يقل عن وجعها.
قال بهدوء قاتل، كأنه يحاول لملمة ما تبقى من روحه:
لو كان بإيدي كنت رجعت الزمن لورا… بس مكنش عندي اختيار تاني، دُرة.
قهقهت مجددًا، لكن ضحكتها كانت أكثر وجعًا هذه المرة، ، وها هي تُعلن انسحابها، أو ربما هزيمتها أمام كل شيء:
لأ، كان عندك اختيار… بس اخترت إنك تفضل خاين
شعر وكأن كلماتها صفعت روحه، لكنها لم تكن المرة الأولى التي يُتهم فيها بالخيانة، ولن تكون الأخيرة… لكنها الأكثر إيلامًا، الأكثر تمزيقًا لما تبقى منه… كأنها غرست خنجرً
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بمنزل حاتم بدران
أثناء دخوله الى المنزل وصل الى أذناه آنين بُكاء والدته التي تهذي بوجع...
شعر بانقباض في صدره وتسارُع في دقات قلبه، وكأن عبئًا ثقيلًا يجثم على صدره هرول نحو الغرفة التي تنبعث منها أنَّات والدته، عيناه تبحثان بقلق يعلم مصدر الألم الذي جعلعقلها يهذي بذاك الوجع،نظر الى ملامحها الشاحبة، عينيها المغرورقتان بالدموع، وشفتيها اللتان ترتجفان بكلمات مفهومة... اقترب منها، أمسك بيدها المرتجفة، وحاول تهدئتها... لكنها شهقت و بحرقة، فارتعش جفناه، وشعر بوخز الضمير ينهش صدره... لم يكن بحاجة إلى مزيد من التذكير بأنه، رغم حنكته القانونية، لم يتمكن من حماية من يحب...
تفوه بصوت خافت مليء بالقلق يحاول مواساتها:
ماما... أرجوكِ هدي نفسك... كده هتتعبي.
نظرت له تُلقي
كافة اللوم على :
من يوم "طوفان مهران" ما سلم الجاتل للشُرطة وأنا جلبي كان حاسس إن غرضه يضيع الحق، كان باين عليه إنه بيوالس عشان كان بيغير من حسام أخوك.
اشتدت رعشة يدها وهي تضغط على أصابعه بقوة، وكأنها تتشبث بيقين غائب... تابع بنظراته دموعها المنهمرة، شعر بثقل الحزن الذي يعصف بقلبها، لكنه لم يعرف كيف يطمئنها، خاصةً وهو نفسه تائه بين الشكوك... لكن لم يفهم قولها الأخير فتسأل بإستفسار:
وطوفان كان بيغير من حسام ليه، اللى أعرفه كان بينهم وِد قديم.
توترت والدته بإرتباك قائلة بتفسير:
مش جصدي، غيرة بمعني " غيرة" جصدي
إنك عارف إن حسام كان معارض خالك إنه يبيع الأرض له، بس هو أقنع خالك وأشتراها منه... الأرض دي كِنز، قريبة من الماية، ريها سهل وأرضها خِصبة جوي.
تنهد حاتم بفهم قائلًا:
بس اللى أعرفه إن الأرض كان عليها خِلاف كبير بين عيلة "غُنيم" وعيلة"بدران" وكان ممكن يوصل لنزاع،ويجيب مشاكل كبيرة وخالي أكيد فكر أن بيبعها كده الخِلاف إنتهى، أرجوكِ يا ماما بلاش تعذبي نفسك أنا وبابا محتاحينك معانا، كمان حُسام مش هيبقي مرتاح فى قبره وإنتِ في العذاب ده.. هو كان دايماً بيقول إنه نفسه يشوفنا عايشين في سلام، مش شايلين هم حاجة... إحنا محتاجينك، يا ماما.. أنا وبابا مش هنعرف نكمل لوحدنا، وإنتِ أكتر واحدة عارفة ده.
أخدت نفس عميق وهي بتحاول تكتم دموعها، رغم صوتها المُرتعش وأومأت بأسي قائله:.
عارفة بس غصب عني مش قادرة.. مش قادرة أنسى اللي حصل، مش قادرة أتصور إن كل ده حصل فى غمضة عين،حسام راح مننا كده بسهولة...قبل فرحه بأيام.
شعر بغصة قويه تكاد تفتك بقلبه لكن تماسك وهو يمسك يديها بحنان، قائلًا بحزم ممزوج بالرجاء:
عارف وجع قلبك يا ماما بس حسام أكيد مكنش هيتمني إنك تعيشي في حزن وآسي، ولا إحنا كمان نقدر نتحمل نشوفك كده... خلينا نحاول نضغط على قلوبنا، يمكن ربنا يهون علينا قسوة فُراق حسام.
تنهدت بوجع وهي تومئ برأسها تُربت على كتف حاتم الذي إرتمي بحضنها، يتنفس بسخونة... لكن رفع رأسه عن صدرها، ينظر لها بإندهاش بعدما قالت له بنبرة رجاء:.
لو عاوز نار جلبي تبرد إتجوز دُرة.
نظر لها بصدمة قائلًا:
تاني يا ماما بتقولى نفس الكلام، سبق وقولتلك، أنا ودُرة عمرنا ما كنا قريبين من بعض حتى زي إخوات، كمان حتى لو أنا وافقت مش إحتمال هي ترفض.
زفرت نفسها بأسي قائله:
أهو قولت احتمال... هي لسه صغيرة عشان خاطري وافق ولو هي رفضت أنا مش هطلب منك الطلب ده تاني.
إبتلع ريقه بقلة حيلة قائلًا بمهاودة:
حاضر يا ماما هفكر و...
قاطعته بمحايله:
هتفكر فى إيه؟.
أجابها بتوضيح:
ماما أنا مش بفكر فى الجواز أصلًا الفترة دي،ارجوكِ بلاش تضغطي عليا أكتر ما أنا مضغوط،بس الفترة دي وأوعدك أول ما أخد القرار هقول لحضرتك،بس دلوقتي خليني أركز في شغلي وافهم حياتي رايحة فين .
نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تومئ برأسها باستسلام ظاهري، لكن عينيها لمعتا بتصميم خفي وهي تقول بنبرة تحمل مزيجًا من الحنان والإصرار:
خلاص يا حبيبي، مش هضغط عليك، بس أنا واثقة إنك هتعرف إن انسب واحدة ليك هي دُرة.
هز رأسه متنهدا، وهو يعلم جيدًا أن والدته لا تستسلم بسهولة، لكنه في الوقت الحالي غير مستعد لهذا النقاش مجددًا.
بعد قليل
خرج من الحمام، القي تلك المنشفه التي كان يُجفف بها خصلات شعره على الفرش ثم تمدد عليه هاري الصدر،ينظر الى تلك اللمبة المتوهجة، صوئها عكس ما يشعر به من عتمة، تنهد ليس بندم لاول مرة منذ أن إلتحق بالشرطة يأخذ إنذار...
بداخله نطق إسم "طوفان" أيقن عقله
هو كان لديه خِبرة بالقانون وثغراته لذلك لجأ الى ذلك،
لكن رغم إلمامه بتلك الثغرات، لم يكن بوسعه سدّ فجوة الألم التي تسربت إلى قلبه .. وهو يطن برأسه نحيب والدته الذي يفر من شفتيها.. ظل مستلقيًا ، عيناه معلّقتان بالسقف، فيما تدور في رأسه دوامةٌ من الأفكار المتضاربة...
"طوفان نوح مهران"
هكذا نطق الإسم ثم إنتفض حين تذكر تلك البطاقة البنكية، نهض نحو خزانة ثيابه... فتح أحد الادراج بحث بين محتوياته حتى وجد تلك البطاقة، تأكد من تطابُق الإسم... زفر نفسه وهو يُفكر، ثم إهتدى عقله إلى حقيقة لم يتوقعها... كيف لم ينتبه من قبل.. كيف غفل عن هذا التفصيل الذي أمامه .. قبض على البطاقة بإحكام، وشعر بقشعريرة تجتاح جسده، ...عقلهُ يُرشده نحو خيط قد يكون بداية الحق.
❈-❈-❈
بذلك المكان
إقترب طوفان وجثي على ساقيه امامها بإستعطاف يمد يده قائلًا:
مش هدافع عن نفسي يا دُرة، لأني مُتأگد مهما قولت إنتِ مش هتصدقيني.
رفعت رأسها نظرت نحو يده المُمدوة سُرعان ما إستهزأت وسخرت من ذلك قائلة بنبرة باردة:
عشان إنت عارف إنك خاين وكداب.
ضحكة قصيرة، بلا روح، خرجت من بين شفتيه.. حاول لمس يدها، لكنها نفضت ذلك سحبت يدها بعيدًا، وكأن لمسة يده قد تحرقها...
ظل جاثيًا، عينيه تلمعان برجاء صامت، لكن دُرة لم تكن مستعدة لرؤية ذلك الرجاء، لم تكن مستعدة للاستسلام .. تنهد بأسف لكنه يحمل داخله عاصفة من المشاعر المكبوتة... قائلًا بصوت هادئ:
أنا مش بطلب منك تصدقيني، بس بطلب منك تسمعيني.
زحفت درة بظهرها للوراء، تشابكت ذراعيها أمام صدرها، وعيناها تحدق فيه بسخرية واضحة..مُستهزأة:
أسمعك؟ ليه؟ عشان تقولي كلام كله كدب .. إنت جبان يا طوفان.
ليست دموعها فقط هي ما تفتك بقلبه، بل كلماتها الهادرة لقلبه، لوهلة أغمض عيناه.. وأخذ نفسًا عميقًا، كأنه يحاول أن يلملم شتات روحه التي بعثرتها كلماتها... كآن وقعها عليه أشد من طعنات خنجر مُسمم مغروس في صدره، وكل حرف نطقته كان يضرب وريدًا نابضًا في قلبه... لحظة، تساءل إن كان الألم في صدره سببه كلماتها أم دموعها التي تنهمر كالسيل الجارف، تُعري وجعها أمامه بلا حجاب... ومع ذلك، لم يستطيع النُطق، فقط أغمض عينيه، يود أن يهرب من الحقيقة، لوهلة إنخفضت يده التى تحمل الهاتف، فتسلط الضوء على يدها، بنفس اللحظة فتح عينيه على صوت شهقاتها المتقطعة، وبينما خفض يده التي تحمل الهاتف، تسلط الضوء على يدها، المغروسة في الرمل الأسود... في تلك اللحظة، عاد ببصره إليها، متأهبًا، حين بدأ السعال ينهش صدرها... لم يتردد، لم يهتم لاعتراضها أو رفضها، فقط اندفع نحوها، مدّ يديه وأطبق برفقٍ على عضديها، يجذبها للنهوض رغم مقاومتها، صوته جاء حاسمًا، متوسلًا:
دُرة، قومي معايا بلاش عناد.
قاومته بكل ما أوتيت من ضعف، ما زالت تسعل بين شهقاتها، وصوتها المخنوق بالدموع خرج متحشرجًا بنهجان:
إبعد عني مالكش دعوة بيا، سيبني أنا عاوزه أفضل هنا جنب قبر بابا، عاوزه أموت جنبهُ.
لم يستسلم، تشبث بها أكثر، وحين أدرك عنادها، دس يده في جيبه، أخرج علبة الدواء، قربها من شفتيها المرتجفتين. لكنها أطبقت فمها بإصرار، رافضة الاستسلام، بينما نظر إليها برجاء، وكأن حياته كلها مُعلقة على تلك اللحظة.
ضاقت عيناه بألم مكتوم وهو يراها تعاند حتى آخر رمق، ترفض الدواء وكأنها ترفض الحياة ذاتها... زم شفتيه بقوة، يحاول كبح غضبه، لكنه لم يتمالك نفسه أكثر، فقبض على ذقنها برفق لكنه بحزم، محاولًا إجبارها على فتح فمها قائلًا بضغط منه:
دُرة ما تعانديش أكتر.
لكنها أدارَت وجهها بعناد، ودموعها تهطل بغزارة، تهز رأسها نفيًا وهي تهمس بيأس بين شهقاتها:
سيبني… مافيش حاجة فاضلة ليا في الدنيا دي بعد بابا وحسام.
انتفض قلبه بوجع، شعر بتمزق روحها يتغلغل في صدره، أراد أن يصرخ، أن يهزها بقوة حتى تدرك أن الحياة لم تنتهِ، لكنه بدلاً من ذلك، تنهد بعمق، أرخى يده عن وجهها، لكنه لم يبتعد... بل مال نحوها، حتى صار وجهه قريبًا جدًا منها، عينيه الغارقة بالحزن تلتقي بعينيها الممتلئتين بالدموع.
تفوه بحسم:
وإنتِ فاكرة إنك لو موتي هتلاقي عمي مختار او حسام فى انتظارك... فكرى يا دُرة باباكِ كان هيكون مبسوط وهو شايفك ضعيفة كده... عمره ما كان هيرضى يشوفك بتموتي بالحسرة، ولا أنا كمان.
ارتجفت شفتاها، ترددت للحظة، كأن كلماته بدأت تتسلل عبر جدار حزنها الصلب، لكن الألم ما زال يسكن ملامحها... رأى ذلك، ولم ينتظر منها ردًا.
بهدوء، رفع يده مجددًا، مسح بابهامه دموعها المتساقطة على وجنتيها، ثم قرب العلبة من فمها من جديد، هذه المرة بصبرٍ ممزوج برجاء:
أرجوكِ، دُرة… أفتحي شفايفك، خدي الدوا.
ترددت… أغمضت عينيها للحظة، ثم، أخيرًا، استسلمت تحت وطأة الإلحاح الممتزج بالرجاء في صوته....وفتحت شفتيها تستقبل ذلك الرذاذ...ظل يراقبها بقلق وهي تعود تسنتشق الهواء، وهدأ سُعالها قليلًا
زفر براحة خفيفة، لكن قلقه لم يتبدد تمامًا... ما زالت عيناها غارقتين في ظلام اليأس، ما زال جسدها يرتجف رغم حرارة الليل الخانقة.. . لم يحتمل رؤيتها بهذا الضعف، فحسم قراره دون تردد.... بهدوء حزم ألامر... أحاط كتفيها بذراعيه وسحبها إليه، حتى وقفت بلا وعي ضمها لصدره بقوة، وكأنه يحاول أن ينقل إليها بعضًا من قوته، .... قاومته للحظة، كأنها لا تزال عالقة في براثن الألم، ثم استسلمت، سمحت لجسدها الواهن أن يستند إليه، لدموعها أن تنهمر بلا مقاومة... برفق، يهمس في أذنها بصوت خفيض:
مش هسيبك أبدا، فاهمة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
تشنجت أصابعها فوق قميصه، وكأنها تتشبث به خشية أن تقع، ثم همست بصوت مبحوح كأنها بلا وعي:
ما تسبنيش، مالكش حق تسبني زيهم.
توقف قلبه للحظة على وقع كلماتها، شعر بجرحها عاريًا أمامه، بلا أقنعة، بلا كبرياء... شدد من احتضانها، ثم أجابها بصوت ثابت، لا يقبل الشك:
عمري ما هسيبك، دُرة… عمري ما هسمحلك تضيعِي مني تاني.
سارت تشعر كأنها بلا وعي،تشعر بهوةٍ تسحبها نحو الظلام... لم تُقاوم كثيرًا، سرعان ما ارتخى جسدها... لاحظ طوفان ذلك على الفور، فلم يتردد في حملها بين يديه والخروج بها من ذلك المكان المظلم... توجه سريعًا نحو سيارته، وأسند جسدها بينه وبين هيكل السيارة حتى فتح الباب... وضعها بعناية داخل السيارة، ثم اقترب بكفه من أنفها، متحسسًا انتظام أنفاسها، شعر بالراحة عندما تأكد أن أنفاسها شبة منتظمة،مازالت ضعيفة.... ألقى نظرة سريعة على ملامحها الشاحبة تحت ضوء المصابيح الخافت، ثم زفر بضيق وأغلق الباب بلطف... استدار نحو المقود شغل المحرك، مال بجذعه نحوها وضع يديه حول وجهها يحاول إفقاتها،بالفعل حاولت فتح عينيها بغشاوة هامسة بإرهاق كأنها تقاوم ذلك النُعاس:.
مش عاوزه أنام.
تنهد بإرتياح ثم وانطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان.... خلال الطريق، ظل يرمقها بطرف عينيه بين الحين والآخر. كانت مغمضة العينين، لكن وجهها لم يكن هادئًا تمامًا، وكأنها تحارب شيئًا داخلها.
حين إقترب من منزل والدها، أخرج هاتفه ولم يتردد فى الإتصال على الهاتف الأرضي
لقلق كريمان رفعت السماعة بيد مُرتعشة وقلب يخفق بضراوة، إزداد القلق حين سمعت:.
أنا طوفان مهران.
إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تسمعه يستطرد قوله:
دُرة معايا قدامي دقيقة بالكتير وأبقى قدام البيت...
لم تنتظر بقية حديثه، باقدام مُرتعشة وقلب يخفق بشدة، ذهبت نحو باب المنزل، بنفس اللحظة كان طوفان يصف السيارة توجهت نحوهم سريعًا فتحت باب السيارة نظرت سريعًا داخلها، فوجدت دُرة جالسة في المقعد المجاور له شاحبة الوجه... وكأنها عادت من معركة صامتة لا يعلم أحد تفاصيلها. شهقت كريمان بخوف وهرعت نحو ابنتها، احتضنتها بقوة بينما راحت تتفحص وجهها بقلق، وكأنها تحاول التأكد من أنها سليمة،لاحظت ثيابها الملوثة بالرمل.. هتفت برعشة قلب:
دُرة مالها، إيه جرالها... حصل لها إيه.
وقف طوفان بجوار السيارة، يراقب المشهد بصمت، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم:
دُرة نايمه.
حاولت كريمان جذبها من السيارة، لكن فشلت، تنحنح طوفان قائلًا بحياء:
فين باسل.
أجابته:
باسل نايم،ثواني هطلع أصحيه.
أومأ لها،ربما اراد أن يحملها هو لكن لا يصح ذلك فبأي صفة يفعل ذلك، حقًا فعله سابقًا لكن كان مُضطرًا، لحظات وعادت كريمان ومعها باسل الذي هرع بقلق نحو السيارة، نظر نحو دُرة بألم، ثم لم ينتظر وحملها من السيارة توجه بها الى الداخل، بينما نظرت كريمان لـ طوفان التى عيناه تُتابع دُرة سائلة بإستفسار:
هي كانت فين، وإزاي إتقابلتوا وهدومها...
جاوبها سريعًا:
كانت فى المقابر.
تلك الكلمات الموجزة كفيله بالرد على كل الأسئله، شعرت كاريمان بالأسي،
ثم رفعت عينيها إليه، امتلأت نظرتها بمزيج من الامتنان والرهبة... لم تعرف كيف تجيبه، فقط هزّت رأسها بتفهُم ثم تفوهت بشُكر:
شكرًا يا طوفان.
أومأ لها برأسه ثم توجه نحو سيارته غادر بشعور قاسي يعتريه، وكأن يشعر بفيضان يسيل بين دماؤه،... بينما ظلت كريمان تتابعه بنظرات قلقة حتى اختفى في الظلام، ثم التفتت إلى الداخل،ذهبت نحو غرفة درة باسل قد وضع دُرة على الفراش وغطّاها بدثار خفيف.
وقفت عند الباب للحظة، تتأمل المشهد، تتساءل في صمت عمّا جرى... كانت دُرة شاحبة، وملامحها هادئة كأنها مستسلمة لوهنٍ دفين، لكن أثر الدموع الجافة على خديها كان كافيًا ليحكي عن الألم الذي سبق هذه اللحظة.
اقترب باسل منها، تمعن في وجهها بحنانٍ، قبل أن يهمس لكريمان:
إيه اللى وصلها لـ طوفان هي كانت فين.
أجابته كريمان:
بعدين يا باسل لما تفوق تبقي تحكي ليا الأهم دلوقتي إنها تبقي بخير.
تنهد باسل قائلًا بإستيعاب:
دُرة محتاجة ترتاح... هتحتاج وقت عشان تستوعب اللي حصل فى المحاكمة.
أومأت كريمان بصمت، ثم تنهدت، وعقلها يعجّ بالأسئلة التي لم تجد لها إجابة. لكن الأهم الآن أن دُرة بأمان.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
خلع ثيابهُ ثم اندفع تحت المياة الباردة، علهُ يطفئ بالمياة نيران الشعور الذي يشتعل داخله... تدفقت القطرات على جسده ، لكن حتى تلك البرودة لم تكن كافية لوأد ما يشعر به في صدره.... أغمض عينيه، تاركًا الماء ينهمر فوقه كأنه يحاول غسل روحه قبل جسده... توترت عضلاته تحت وطأة البرد، لكن الألم الدافئ في صدره ظل عصيًّا على الذوبان... زفر أنفاسه الثقيلة، مختلطًا بين الحنين والوجع، وبينما تساقطت القطرات على وجهه، لم يكن واثقًا إن كان ما يشعر به ماءً أم شيئًا آخر أشد مرارة.
❈-❈-❈
بعد مرور أكثر ثلاث اسابيع
ابتسم وهو ينهض من خلف مكتبه، يمد يده مُصافحًا بحرارة، قائلًا بترحيب:
المنيا نورت يا شاهر.
ضحك شاهر بمجاملة خفيفة، مردفًا:
المنيا منورة بأهلها.. إيه بقالك حوالي شهر منزلتش القاهرة، الآية اتعكست ولا إيه، كنت معظم وقتك هناك، ولا خلاص اللي كانت السبب بقت هنا جنبك.
جلس على أحد المقاعد في الغرفة، وأسند ظهره إليه، ثم زفر بعمق كمن يحمل في صدره نارًا، قبل أن يرد بلوعة:
للأسف... رغم إنها زي ما بتقول جنبي، لكنها بعيدة جدًا.
نظر إليه شاهر مليًا، يتأمل ملامحه التي طغى عليها الإرهاق، ثم قال بنبرة مزاح خفيف امتزج بفضول حقيقي:
برضوا لسه معاندة، راحت فين الهيبة...ياعم أنا فاكر كان نص بنات الجامعة يتمنوا بس بسمة من وِلد عيلة "مهران".
مرر يده على وجهه كأنه يزيح أفكارًا أثقل من أن تُقال، ثم تنهد مجددًا قائلًا:
الموضوع مش بالبساطة اللي أنت متخيلها.. وكمان الحكم على وليد زود الفجوة.
تأمل شاهر صديقه للحظات بآسف قبل أن يميل للأمام، مستندًا بمرفقيه على ركبتيه، ثم قال بجدية:
طيب، أنت هتفضل ساكت.
ابتسم بسخرية مرة وهو يهز رأسه ببطء:
للآسف بحاول، بس بلاقي صد... مفيش فى إيدي حاجه أعملها غير إنى أفضل أحاول لحد إمتى معرفش.
ارتفع حاجبا شاهر بدهشة قبل أن يقول:
طب والإستئناف، المُدة خلاص قربت تنتهي، حتى لو دُرة مقدمتش إستئناف، مش المفروض النيابة تقدم إستئناف عالحُكم... ليه
النيابة ساكتة لغاية دلوقت، تفتكر منتظرة تقدمه في آخر الوقت.
أشعل سيجارة ونفث دخانها وأجابه:
معتقدش النيابة هتقدم إستئناف.
بدهشة سأله شاهر:
طب ليه؟.
أجابه بتفسير:
إنت عارف إن أخو مرات خالي عضو مجلس شعب وأكيد مرات خالي إتمحلست له وتلافيها دخلت له من ناحية المصلحة، إن وليد لما القضية تتقفل طبعًا مش هيمسه أي سوء من ناحيتها ان إبن أخته قاتل، هيزعزع هيبته،طبعًا قفل القضية من مصلحته وممكن يكون إستخدم نفوذه فى وقف القضية.
تفهم شاهر ذلك لكن عاود سؤال طوفان قائلًا:
عندك حق وفى حاجه كمان إنت ممكن تكون السبب فيها بشكل غير مباشر.
بإستفسار نظر له طوفان سائلًا:
إيه الحاجه دي؟.
أجابه شاهر:
ممكن يكون عاملين زي مُجاملات وإستثناءات بسببك منصبك السابق إنك كنت زميل لهم ناسي إنك كنت "وكيل نيابة".
نفث طوفان دخان السيجارة،ثم تفوه بآسف:
للآسف وكيل نيابة سابق، لو كنت لسه فى منصبي كنت قدمت الإستئناف من تاني يوم صدر فيه الحُكم
كده يبقى الإعتماد على إستئناف صاحب الحق
اللى هما أهل اللى أتقتلوا.
تنهد طوفان بآسف قائلًا:
واللي منهم دُرة طبعًا،وأنا مش عارف فى دماغها إيه،بس عندي يقين إنها مش هتقدم إستئناف،لانها شافت عدالة القانون ومش هتغامر تاني وتلجأ للقانون.
-والحل؟
هكذا تسائل شاهر، أجابه طوفان بالصمت للحظات ثم تحدث بزفر:
للآسف مش عارف، خايف من رد فعل طايش من دُرة، أو من حاتم أخو حسام، إنت مشفتوش فى المحكمة حاول يقتل وليد، بصراحة يستحق، لو بإيدي كنت حكمت عليه بالاعدام من أول جلسة، بس للآسف زي ما قولنا قبل كده المحكمة لها الادله والبراهين وشهادة الشهود،وخلاص وليد هيخرج من الأحداث،والقضية إنتهت قانونيًا،خايف من ردود الأفعال الجاية.
تنهد شاهر بآسف قائلًا:
أكيد خوفك الكبير على دُرة لا تتهور،وعشان كده إنت قاعد هنا عشان تبقي قريب منها،بس هتفضل كده لحد إمتي.
أشعل سيجارة ونفث دخانها ينظر له بحِيرة قائلًا:
معرفش الحل الوحيد إن انا ودُرة نتجوز،وقتها هعرف أسيطر على ردود أفعالها.
نظر له شاهر قائلًا:
فى حاجه إنت مش واخد بالك منها...
نظر له طوفان بإستفسار،فإستطرد شاهر بتوضيح:
وليد...
إبن خالك،وأكيد دُرة مش هتقدر تتقبل بس تشوفه فى مكان هي موجودة فيه،وجوده هيفكرها دايمًا بمقتل والدها وحسام
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
نفث دخان السيجارة بآسف قائلًا:
سهل أمنع وليد من دخول أي مكان يُخصني.
تنهد شاهر بآسف قائلًا:
الحكاية محتاجة مُعجزة.
تنهد طوفان قائلًا:
لاء محتاجة صبر أكتر.
❈-❈-❈
بمنزل درة
تبسمت لتلك التى تفتح لها يديها تقول بعتاب:
حفيدتي الكبيرة اللى بقالها أكتر من شهر مسألتش عني، جيت مخصوص عشان أشوفك وحشتيني قد الدنيا كلها.
ضمتها دُرة قائلة:
تيتا قسمت وحشتيني والله.
ضمتها "قسمت" بعتاب قائلة:
بجد،لو صحيح كنتِ حتى سألتي بالموبايل،لكن إنت من يوم ما رجعتي لهنا نسيتني عالآخر.
إبتسمت دُرة قائلة بآسف:
مشاغل يا تيتا حقك عليا.
ضمتها قسمت بحنان قائلة:.
تعالي نقعد انا ست كبيرة ورجليا شايلني بالعافية.
إبتسمت دُرة قائلة:
ربنا يديكِ الصحة يا تيتا وتجوزي أحفادك كلهم كمان خالي مجاش معاكِ ليه.
أجابتها:
عنده شُغل كتير، وبيتحجج زيك كده.
تبسمت دُرة قائلة:
والله انا عندي شغل كتير فعلًا، لدرجة إنى مُرهقة ومحتاجه اخد شاور وأمدد جسمي عالسرير وأنام مش أقل من إتناشر ساعة.
إبتسمت لها بحنان قائلة:
كُل ده إجهاد وكسل،يلا إطلعي خدي شاور وأنا باقيه هنا كام يوم.
قبلت دُرة وجنتها قائلة:
المنيا نورت بيكِ يا تيتا.
غادرت دُرة، بينما جلست كاريمان بجوار والدتها، تتنهد بأسى، وقسمت تشاركها الشعور ذاته ثم تفوهت كاريمان بغصة:
لما كنتِ بتكلميني في التليفون وتقوليلي إن دُرة اتغيرت، كنت بقول إنها مسألة وقت… لكن مع مرور الوقت، دُرة بعدت أكتر، بقيت تحس إنها مش هي… كأنها شخص تاني، غريبة عننا، عن نفسها حتى... مش عارفة إيه اللي جواها، واضح إن اللي كانت بتحاول تخفي ألم أكبر من اللي كنا متخيلينه… كأنها بقت جدار، مفيش طريق نوصل بيه ليها، كل ما بحاول أقرب، بحسها بتبعد وبتميل للعُزلة، تبتسم قدامنا لكن عينيها… عينيها فاضية،
توقفت للحظات ثم إستطردت حديثها:
دُرة اللى كانت بتخاف تمشي من قدام شارع المقابر، تروح المقابر آخر الليل فى عز الضلمة.
سادت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن تتنهد كوثر قائلة بصوت خافت:
أنا خايفة عليها، خايفة تكون الحسرة اتوغلت من قلبها،هحاول أقنعها تجي معايا القاهرة تاني،وجودها هنا بيهلك نفسيتها.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
منزل عزمي مهران
الفرحة اليوم إثنان
الأولى نجاح الولد الصغير بالثانوية العامة... والثانية والأهم، خروج وليد من السجن
تهليلات وزغاريد تملأ الأجواء، صيحات فرح تمتزج بالضحكات، الأحضان تتوالى، والجيران والأهالي يتوافدون لتقديم التهاني.
أمام المنزل
سامية تشعر بسعادة بالغه لا تصدق أن ابنها عاد أخيرًا، تضمه بقوة وكأنها تخشى أن يضيع منها مرة أخرى.
عزمي ينظر إليه بعينين يغمرهما الفخر المُزيف...
بينما ريان بطل الثانوية العامة، فيقف متحمسًا وسط هذا المشهد، يلمع في عينيه المستقبل الواعد للتحرُر، لكنه أدرك أن هذه الليلة تخص وليد أكثر منه... ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه وهو يرى أخاه الكبير بين أحضان والدتهما
الشارع الرئيسي للبلدة يهتز بالزغاريد،وبعض النساء يوزعون الحلوى، وأخريات يطلقن الزغاريد، ورائحة المال تتصاعد وهي تُنثر في الهواء احتفالًا بعودة الكبير الغائب ونجاح الصغير.
بنفس الوقت
كان يمُر حاتم بسيارته ورأي ذلك شعر بسفح فى قلبه، وهو يرا القاتل يُستقبل بالتهليلات، دون عقاب، وضع يده فوق خصره وكاد يجذب سلاحه وينهي ذلك الإحتفال بقتل ذلك المجرم لكن تردد لوهلة، وأدرك أن تصرفًا متهورًا كهذا لن يُحقق العدالة التي يسعى إليها، بل سيُحوّله إلى مُطارد مثل القاتل نفسه... قبض على مقبض سلاحه بقوة، متحسسًا برودته تحت أنامله، ثم زفر ببطء محاولًا كبح جماح غضبه...مقتنعًا... لا، ليس الآن… ليس بهذه الطريقة...
راقب الحشود التي تهتف بحماس، واحتدم الغضب في صدره أكثر كيف يمكن للقاتل أن يسير بينهم مرفوع الرأس... كيف يُنسى الدم الذي أهدره... شدّ قبضته ثم حررها، واتخذ قرارًا… لا بد أن يجد طريقة أخرى، أذكى، ليحقق العدالة التي يستحقها هذا القاتل.
بينما طوفان حين وصل إليه ما فعله خاله وزوجته، أدرك أنهم لا يفعلون ذلك رياءً فحسب، بل ربما كان ردًّا على شماتة الآخرين بهم... كانوا يبتسمون أمام الناس، يتظاهرون بالقوة، لكنّه رأى ما وراء تلك الأقنعة... خلف بريق أعينهم المتصنّع، إحساس سابق بالهزيمة يحاولون إخفاءه وراء ستار الكبرياء والتصنُع.
لكن لماذا الآن... لماذا اختاروا هذه الطريقة تحديدًا...علم أنها مجرد محاولة لاستعادة كرامة فقدوها، شعر بغضب عارم من ذلك، لديه يقين أنهم يفعلون ذلك لإثارة ليس فقط غضب تلك العائلتين،بل غضبه هو الآخر من ذلك التحدي الواضح
يتبعون أساليب سطحية، استعراض لا يعكس إلا دمارًا قادم... يعلم أنهم اختاروا هذه الطريقة بالتحديد لأنها الطريقة الوحيدة التي يظنون أنها ستكسبهم شيئًا من احترامٍ زائف، أو على الأقل، تُمكنهم من التظاهر بأنهم ما زالوا في موقع القوة... وكلما فكر في ذلك، ازداد شعوره بالاحتقار لهم، وعز عليه أنهم لا يستطيعون إدراك حقيقة أنفسهم، بل يسعون خلف صورة مشوهة...
ترجل سريعًا من السيارة، حاسمً الامر سيُنهي تلك السخافة، لكن لسوء الحظ
بنفس الوقت أيضًا
توقفت سيارة أخري وفُتح بابها وترجلت منها دُرة قطعت ذلك الزحام حتى وصلت الى مكان وقوف وليد وبلحظة أشهرت السلاح نحوه وصمتت التهاليل وإرتفع صوت الرصاص.
«يتبع»
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل وقت قليل
بمنزل كوثر (خالة طوفان)
تلك الصبية التى لا تُصدق ما تراه عينيها عبر شاشة الهاتف، لأكثر من مره تتمعن فى النتيجة التى أكدتها لها أختيها، رغم أنها طوال سنوات الدراسة كانت متفوقة، لكن مع ذلك دائمًا ما يراودها القلق، ضمتها أختيها بمحبة وفرح، وهرعن الى والدهن يُبشران الذي خرح من غرفة النوم، تبسم لهن وهن يقفان جواره قالت إحداهن وهي ترفع الهاتف نحو وجهه:
شوف يا بابا نتيجة الثانوية نزلت على موقع الوزارة عالنت وسُجى طلعت الأولى على محافظة المنيا مش بس كده مجموعها ده أكيد هتبقى من أوائل الجمهورية كمان.
نظر نحو سُجى يشعر بفخر وهو يفرد يديه لها…إبتسمت بسعادة بالغة فى قلبها وهي تقترب منه وهو يضمها يُقبل راسهابسعادة وفخر… قائلًا:
ربنا مضيعش تعبك فى المُذاكرة.
اومأت ببسمه قائلة:
الحمدلله يا بابا أنت ساعدتني كتير فى الدروس اللى كنت باخدها كمان لما كنت بسهر كنت بتصحي تحضرلى أكل وكمان مشروبات سُخن وساقع… أنا نفسي أدخل كلية الطب.
إبتسمت إحد أختيها قائلة:
المجموع ده يدخلك طب القاهرة.
إبتسمت سُجى قائله:
لاء هدخل كلية الطب هنا، القاهرة بعيد وتكاليف ومصاريف الإقامة هناك هتبقي كتير،كفاية مصاريف الجامعة نفسها كتير،كمان إنتم الإتنين خلاص داخلين الثانوي بابا محتاج كنز مغارة على بابا.
ضحكن الثلاث،بينما ضمهن والدهن قائلًا:
مش مهم المصاريف، المهم إنك حققتي حلمك، وأنا هفضل جنبك لحد ما توصلي لكل اللي نفسك فيه… بعدين أنتم عندي أغلى من أي كنز.
امتلأت عينا سُجى بالامتنان، وعاهدت نفسها ألا تخذله أبدًا.. كذالك إبتسمن أختيها وشاغبت إحداهن بمرح:
يعني يا بابا مش نفسك فى ولد.
هز رأسه بنفي قائلًا:
لاء انا مبسوط بيكم وكمان بسببكم هضمن مكان فى الجنة، يعني جنة عالأرض وجنة فى السما.
إبتسمن لكن سُرعان ما خفتت بسمتهن حين سمعن إستهزاء والدتهن بسخرية قائلة:
كنز، وجنة… بلاش مبالغة ومالكم كده إيه سبب الهيصه دى عالصبح.
تحدثت إحداهن:
سُجى يا ماما نتيجة الثانوية نزلت عالنت وطلعت الاولي.
إستهزأت بقولها وكل ده عشان طلعت الأولى فى الثانوية، وبعدين ما لازم تطلع الاولى بعد المصاريف اللى صرفناها عليها.
شعرت سُجى بوخز قوي فى قلبها لكن ردت عنها إحد أختيها:
ما ريان إبن خالي كمان صرف أضعاف مصاريف سُجى ده كان بيجيله مدرسين مخصوص الدار وفى الآخر حتى مجموعه من مكمل ستين فى الميه، هيدخل بيهم كلية إيه، الأحسن يعيد السنة، يمكن التكرار يعلم الحمار ومجموعه يتحسن شوية.
نظرت لها كوثر بسخط قائلة بإستقلال:
ريان لو عاوز يدخل طب فلوس عزمي أخويا تدخله طب خاص.
تهكمت إحد إبنتيها قائلة:
الطب الخاص بيأخد اقل مجموع تمانين فى الميه، يعني حتى فلوس خالي مش هتنفع معاه… مش كل حاجه حلها الفلوس
نظرت لها كوثر بضيق قائلة بنبرة حادة:
إنتِ مش فاهمة حاجة، المال اوقات كتير بيكون هو الحل.. وبعدين بطلوا رغي كتير وهيصه وروحوا حضروا الفطار، عشان أبجي أروح أبارك لـ واد خالك.
نظروا لها بإستياء بالأخض زيدان الذي لام عليها وهو يرا إنسحاب سُجى ومن خلفها أختيها قائلًا بعتاب حاد:
يعني تستخسري تباركِ لبنتك وتجولى لها كلمة مبروك، وهتروحي حدا دار عزمي عشان تباركِ لواد أخوكِ، فوجي يا كوثر كسرك لخاطر بِتك مش هيحنن قلب أخوكِ، جبر خاطر بنتك أولى وهي اللى هتنفعك، أنا فاهمك يا كوثر، بس إفتكري اللى حصل مع “وجدان ونوح” زمان سهل يتكرر بينا، ومش معني سكوتي إنى خايف من طلاق بِت عيلة مهران أنا خوفي كله على بناتي اللى إنتِ مش عارفه جيمتهم، خايف تفوجي بعد فوات الآوان، ولآخر مره هجولك
توقفت كلماته في حلقه، عيناه كانتا مشدودتين إلى ملامحها التي لم تتحرك، لم ترمش حتى، وكأنها حجرت أمامه، لا تنوي أن تتراجع، لا تنوي أن تعترف حتى بالخطأ
تنهد بضيق ومسح على وجهه بكفه، ثم أكمل بصوت أكثر هدوءًا لكنه لم يخلُ من الحدة:
كوثر،.. انا مش بجولك غير كلمة حق، كلمة لازم تفكري فيها قبل ما تخسري بنتك للأبد… وجدان دفعت تمن جوازها من ” نوح “غالي، إنتِ كنتِ شاهدة على ده، وعارفة إن الندم عمره ما رجع اللي راح، ولا جبر اللي انكسر.
وقف في مكانه للحظات، يراقبها بعينين تحملان مزيجًا من الأسف والإحباط، لكنها ظلت صامتة، لم ترد، لم تمنحه حتى نظرة اعتراف بسيطة.
هز رأسه بيأس، واستدار ليغادر، لكنه توقف عند الباب، ثم قال بصوت منخفض لكنه نفذ إلى أعماقها:
لما تلاقي بنتك بتبعد عنك، لما تحسي إنها بقت غريبة عليكِ، ساعتها هتعرفي إن الكلام اللي رفضتيه النهارده… كان الحقيقة الوحيدة اللي كان لازم تسمعيها.
قال ذلك ثم غادر تاركًا كوثر وحدها مع أفكارها التي تتصارع في داخلها،لكن أصمت عقلها عن قسوة ما عاشته أختها بالماضي مع زواجها صاحب السطوة الطاغية التى كانت تتمناها هي،تهكمت بسخريه وحدثت نفسها:
وجدان طول عمرها محظوظه بس هي إكده بتحب تبان إنها ضحية عشان تخزي العين عنها،وأهو طوفان ولدها بجي كبير العيله كلياتها والآمر الناهي،وهي بجيت لها جيمة (قيمة) على حسه
هتعوز أكتر من إكده إيه.
❈-❈-❈
بمنزل دُرة
تقابلت دُرة مع كريمان عند نهاية سلّم البيت الداخلي، فابتسمت لها وهي تُغلق الهاتف وسألتها بنبرة صباحية هادئة:
صباح الخير يا ماما… تيتا وصلت القاهرة ولا لسه.
تنهدت كريمان وقالت بهدوء:
أيوه، وصلوا حالًا البيت. على فكرة، نسيت أسألك إمبارح… إنتي وخالك اختفيتوا من بدري ورجعتوا مع بعض. كنتم فين.
ضحكت دُرة بخفة وردّت:
طب ما سألتيش خالو.
كريمان تأففت ولكزتها بكتفها:
نسيت وبلاش لف ودوران وقولي كنتم فين.
تظاهرت دُرة بالألم وهي تمسك كتفها:
آه يا كتفي، اتخلع… هقولك من غير ملاوعة… روحنا السجل المدني، عملت توكيل لخالو علشان يبيع شقة القاهرة.
اتسعت عينا كريمان بدهشة:
وهتبيعها ليه… خليها لما ننزل القاهرة نقعد فيها.
صمتت لحظات ثم تحدثت:
وفيها إيه لما نبقي نقعد فى بيت تيتا.
عارضتها كريمان:
مفيهاش حاجه، بس إنتِ ليه عاوزه تبيعي الشقة إنتِ مش محتاجة لتمنها فى حاجه.
تحججت بكذب:
أيوه محتاجة تمنها.
سألتها بإستفسار:
ومحتاجة تمنها فى إيه.
أجابتها بكذب:
خلاص هستقر هنا… بفكر أفتح عيادة أو مركز طبي خاص بالعيون فى مكان كويس هنا فى المنيا وقدامي كذا مكان هاخد الأفضل فيهم…عشان كده هبيع شقة القاهرة،ملهاش لازمة.
لم تنتظر وحايدت كريمان كى تستكمل سيرها،لكن قاطعتها كريمان سائلة:
إنتِ خارجة،رايحة فين مش النهاردة أجازتك.
اجابتها ببساطة:
أيوة،بس قررت أخرج أتمشى شوية فى البلد.
إستغربت كريمان قائلة:
تتمشي فى البلد ليه.
اجابتها وهي تستكمل سيرها:
هتفرج التطور اللى بقي هنا فى البلد،مش هغيب.
قبل ان تعترض كريمان كانت دُرة خرجت من باب المنزل،تنهدت بعُمق وقلة حيلة مصحوبة بقلق.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
بغرفة وجدان،
أثناء وضعها لبعض الثياب بخزانة الملابس وقع بصرها على ذلك المُجلد ذو الجلد الملون، خفق قلبها وجذبته وذهبت نحو إحد المقاعد جلست عليه، وبدأت بفتح ذلك المُجلد تبسمت حين وقع بصرها على تلك الصور الفوتوغرافية الموجودة بين صفحات ذلك المُجلد، بدأت تطوي صفحة خلف أخرى وذكريات تلك الصور تعود بعقلها تبتسم تارة وتشعر بحنين وتارة تدمع عينيها، تلك الصور مثل توثيق لمراحل مرت بحياتها، لكن تلك الصورة التى تحمل فيها طوفان وهو بعُمر العام والنصف تقريبًا لها ذكرى خاصة ذلك اليوم ظنت أنها تحررت من إعصار كاد أن يُنهي حياتها، تذكرت جيدًا ذلك اليوم وقع الطلاق بينها وبين “نوح”
بعد مناوشات وأضغاث عاشت بها معه إختارت النجاة بحياتها وحياة صغيرها، تدمعت عينيها وهي تتذكر أن تلك الراحة لم تكُن سوا وقت قصير، هروب مؤقت من قدر ربما هو ما شكل شخصية أخرى لـ طوفان لم يرث تلك القسوة والجحود اللذان كانا يتملكان في قلب والده حاولت أن تمنحه الحب والحنان ليعوضا ما افتقده من دفء الأبوة، لكنها كانت تدرك أن بعض الندوب لا تُشفى بالاحتواء وحده… مرت بأناملها على ملامحه الصغيرة في الصورة، كان يبتسم بعفوية، عيناه مشرقتان لم تعرفا الحزن بعد.. زفرت بحرقة، وكأنها تحاول طرد الذكرى التي اجتاحت عقلها دون استئذان… تذكرت آخر مواجهة مع نوح قبل الطلاق، حين تحولت المشاحنات إلى إعصار من الكلمات القاسية، لم تعد تذكر كل التفاصيل، لكن صوته الجاف ونظرته التي تجردت من أي شعور لا تزال محفورة في ذهنها.
قبل أن تتوغل منها تلك الذكريات البائسة، سمعت تلك الأصوات العالية الدالة على الأفراح، إنتباها الفضول وتلك الأصوات تقترب من المنزل بل ربما بالمنزل
أغلقت المجلد ببطء، كأنها تخشى أن تهرب الذكريات من بين صفحاته، ثم نهضت وتوجهت نحو النافذة،بالفعل تلك الاصوات بمنزل عزمي، تحير عقلها عن السبب لكن سُرعان ما رأت وليد الذي يحمله بعض الرجال فوق الاعناق، خفق قلبها بقلق عارم دون سبب، سريعًا ذهبت نحو باب الغرفة لابد أن تنتهي تلك المظاهر الإستفزازية.
❈-❈-❈
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
صدفة أو قدر سيء تقابلت دُرة مع أخيها الذي توقف بالسيارة حين رأها تسير، توجهت نحوه تبتسم سائلة:
جاي منين.
أجابها:
كنت بشوف مشتل عند الدكتور بتاعي فى الجامعة، وإنتِ جايه منين؟.
أجابته:
كنت بتمشي فى البلد.
إبتسم لها قائلًا:
طب كفاية مشي كده الجو حر وإنتِ وشك بدأ يحمر زي الطمطماية.
تبسمت له قائلة:
طب قول زي التفاحة.
ضحك وهي تتوجه للناحية الأخري، صعدت الى السيارة، عاود باسل القيادة مره أخري، لكن أثناء ذلك، رأوا تجمُع للاهالى كذالك أصوات مزامير وأغاني وتهليلات، سألت باسل:
إيه سبب تجمُع الاهالي ده.
أجابها بعدم معرفة:
معرفش يمكن شوار عروسة… هنمر عليهم حالًا نعرف.
لحظات وجحظت عيني باسل وهو ينظر نحو دُرة بذهول وهما يشاهدان حمل إثنين من الرجال لذلك المُجرم،فكر باسل بالعودة،لكن لم يلحق،فتحت دُرة باب السيارة وترجلت منها تقطع ذلك التجمُع وخلفها باسل يحاول جذبها من وسط الزحام، لكن هيهات، دخلت خلف وليد الذي وصل الى بهو منزل عزمي…
رأت عزمي يضع سلاح فوق إحد الطاولات الصغيرة، لم يراها بل تفاجئ بها حين وقفت خلفه مباشرةً…
بنفس الوقت دخل باسل وخلفه حاتم، وآخرهم كان طوفان، الذي جحظت عيناه وهو يرا ذاك السلاح بيد دُرة تتجه نحو وليد
بلحظة كانت تُشهر السلاح نحوه
خطأ منها كان الإنتظار، لكن تلك النظرة الراهبة بعيني وليد كافية وهو ينظر لها بذُعر يود الفرار من أمامها او الافضل الإختفاء
هرع خلف والده يكاد يتوقف قلبه، بينما نظر عزمي الى بعض الرجال فهموا نظرته كادوا يقتربون من دُره لكن أوقفهم طوفان بأمر:
محدش يقرب منها.
توقف الرجال، بنفس الوقت دخلت وجدان ومعها شُكرية كذالك جود
وقف الجميع مُتأهبًا، إزدرد طوفان ريقه ونظر نحو دُرة يقترب بخطوات بطيئة قائلًا:
دُرة هاتي السلاح بلاش…
قطاعته بعصبيه:
بلاش إيه، جاي تشارك فى الإحتفال بخروج مجرم… كنت إنت اللى موالس معاه من البداية.
هز رأسه بنفي وكاد يتحدث، لكن هي رفعت السلاح نحو ساميه التى تقترب منها بشر وكادت تتحدث لكن نظرة عين طوفان جعلتها تصمت وتجنبت بعيد عن دُرة، كذالك رهبتها من أن تندفع دُرة وتطلق الرصاص، عاود طوفان يتحدث برجاء، لكن دُرة لا ترا أمامها سوا قاتل مذعور تتلذذ بذلك قبل أن تندفع وتفتح صمام الأمان الذي كان بمثابة ناقوس مُدمر مُدوي فى المكان، بنفس الوقت بخطأ تنحي عزمي عن وليد، لكن لإقتراب طوفان جذبه لخطوه قريبه منه نظرت له بغضب وإندفاع قائلة:
مُصر تأكد إنك موالس وبتحمي المجرم.
ركز عيناه على يدها التى رأي رعشتهن فى البدايه وتفوه بصدق:
مُصر أحميكِ إنت يا دُرة، إنتِ أغلي شيء عندي.
تهكمت بضحكة سُخرية موجعة وعاندت قائلة:
خاين وكداب، إبعد من قدامي مش هتردد لحظة وهتكون أول رصاصة من نصيبك .
تنهد طوفان وبحسم جذب وليد أصبح هو أمامها مباشرةً ينظر الى ظلام عينيها الذي يرا بهن إنعكاس صورة روحهُ المُتخبطة بين الرغبة والرهبة ليس خوفً منها، بل خوفً عليها، نظرة عيناه كأنها تحذير منه، لم تُبالي بذلك وضغطت على ذلك السلاح الذي بيدها وبثبات وضعت يدها الأخري تُثبت يديها فوق السلاح فوهته متوجهه نحوه مباشرةً، لم تُبالي، ولحظة وأخرى وكان القرار سهلًا عليها وهي تضغط على الزيناد، وطلقة خلف أخري وأخرى ثالثة، من الرصاصة الأولى أصابت صدر طوفان الذي إرتج جسدهُ للخلف ينخفض جسده غصبًا،
والرصاصة الثانية أصابت كتفه قبل أن ينخفض أكثر جاثيًا بين يدي والدته التي تبكي بحسرة، بنفس الوقت الرصاصة الثالثة أصابت كتف وليد، الذي صرخ بهلع، لكن لسوء الحظ حاولت إطلاق الرابعة لكن إنتهت خزنة السلاح، تعصبت بشدة، بينما هو عيناه مُنصبة عليها متحدثً بقوة الألم بوعيد:
لو إنكتب لي عُمر هتكوني ملكي وهتقلعي الأسود.
نظرت له بـابتسامة باهتة تحمل مزيجًا من الانتصار والوجع، وتحدثت بصوت ثابت رغم الاضطراب الذي يعصف بقلبها:
لو انكتب لك عمر،هصبغ جلدي بالأسود
ومش هيكون لك مكان ولا قيمة .. الأسود مش لون.. ده لون النهاية، ونهايتك أنت اللي اخترتها.
راقبته وهو ينهار ببطء بين يدي والدته، نظراته لا تزال متشبثة بها، كأنه يتحدى مصيرهما حتى اللحظة الأخيرة!. لكنها لم تتراجع، لم تشعر بأي ندم… أو هذا ما حاولت إقناع نفسها به… تلونت الأرض بالدماء لم تكن مجرد دماءه … بل دماء كل الذكريات القليلة… ذكريات حكاية لم تبدأ بعد… مازالت بمهدها، يلعق شفتاه كآنه ينتعش بشعور مذاق قُبلته لها المُحرمة
ونظرات أعين إحداها ألم بثقة ويقين…
يُقابلها نظرة حجود بكراهية موقوتة.
إندفع عزمي بغضب نحوها كذالك سامية، لكن عاود طوفان الحديث بألم:
ماما دُرة أمانتك لو صابها خدش هنسي إني من عيلة مهران وتارهم هيبقي معايا.
تراجع عزمي كذالك سامية، بينما صرخت وجدان بهلع على بعض الرجال:
إنتم واجفين تتفرجوا، إطلبوا الاسعاف بسرعة، لاه هاتوا العربيه بسرعة لازمً نتصرف طوفان مستحيل يضيع مني.
بعد وقت بأحد المشافي الخاصة أمام غرفة العمليات… كانت وجدان وجدان ومعها جود عزمي الذي جاء يتفوه بغضب:
البِت دي لازمً تتجتل، دي دخلت دارنا وعلمت علينا.
نظرت له بغضب قائلة بحسم:
اللى قاله طوفان هو اللى هيتنفذ.
إعترض عزمي بتحريض:
إزاي مش شايفه اللى عملته،ولدك شكله عشجانها(عشقان).
نظرت له بغضب صارم:
روح شوف ولدك الدكتور طلع له الرصاصة ولا لسه.
فهم من ردها إصرارها غادر المكان بغضب بينما ظلت وجدان تشعر بإنسحاب فى قلبها وهي تنتظر خروج الاطباء، حاولت التماسُك كعادتها لم تكُن ضعيفة، رغم رقة قلبها الذي ظنت أنه زاد صلابة منذ أن قبلت بالعودة للزواج من والد طوفان للـ المرة الثانية.
……..
ليلة مرت على الجميع صعبة للغاية، بعد أن طلبت الشرطة من وجدان تسليم دُرة، وافقت لهدف إبعادها عن عزمي وزوجته، حتى تعلم قصتها مع طوفان، كيف كان يُخفي كل ذلك العشق بقلبه، فهمت الآن سبب إعتراضه حين كانت تطلب منه الزواج، بقاؤه بالقاهرة لفترات طويلة، لكن لما لم يطلب الزواج منها… تذكرت انها كانت مخطوبة، ربما كان ذلك هو السبب…أو أحد الأسباب..شعرت بالعذاب فى قلبها طوفان عاني من عذاب العشق وهي لم تكُن على دراية بذلك.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالمشفي، بالكاد استطرد طوفان بعضً من صحته، كان صوته واهن ونظراته تائهة، لكن أول ما نطق به كان سؤالاً مختنقًا:
دُرة… فين دُرة.
نظرت له وجدان بعينين تغشاهما دموع الألم والخوف، وضمت كفه المرتجف بين يديها وقالت برقة مُطمئنة:
بخير يا طوفان… في أمان، سلمتها للـ الشرطة … سلمتها عشان أبعدها عن عزمي، بس متجلجش أنا خابرة عزمي ومرته، وعشان كده حذرت الظابط إن لو صابها مكروه إنت اللى هتتصرف معاه.
هزّ رأسه ببطء، لم يعرف إن كان الوجع في صدره من الجرح… أم من القلق على دُرة وهي بالسجن قد يُصيبها أزمة التنفُس.
احتبست وجدان دموعها بصعوبة وهي تمسح على جبينه سائله:
ليه ماقولتش، إنك عاشج(عاشق)
غمض عينيه بشوق موجوع
صمت خيم بينهما، تكسّره فقط دقات جهاز القلب… الذي يكتوي من قسوة العذاب.
❈-❈-❈
بمنزل عزمي
تلك الآنانيه وقفت تتحدث بغضب:
طبعًا وجدان سلمتها للشرطة عشان تبعدها، لو فضلت جدامي كنت مزعت چتتها ورميتها لكلاب السكك.
نظر لها عزمي قائلًا:
إحمدي ربنا ولدك بخير، وأها الجضيه إتقلبت لصالحنا، وبالتوكيد هيتحكم عليها، باقوال الشهود ده جتل متعمد، كمان سهل الفق لها تهمة سرجة(سرقة) سلاحي.
تهكمت ساميه باستهزاء قائلة:
شكلك مشوفتش نظرة عين طوفان ولا سمعت حديته، واد أختك عاشجها، ومتوكدة هيعمل أي شئ عشان يطلعها من الجضية.
نظر لها لاول مره يُلاحظ وهو يعاود حديث طوفان الأخير بالتوعد لأي أحد يتعامل معها بسوء، لكن لم يهتم وعليه التفكير والتسرُع فى التنفيذ دون تردُد.
❈-❈-❈
بمركز الشرطة
دلفت دُرة الى إحد الغرف،جلست على أحد المقاعد وبالمقعد المقابل لها جلس المحامي الخاص بها،تنحنح ثم تفوه قائلًا:
طوفان بيه كلمني وطلب …
قاطعته بسخريه وإستهزاء :
هو لسه عايش، كويس، وياترا طلب منك إيه بقي…
توقفت للحظات ثم عادت
للتهكم قائلة بتوقع:
أكيد طبعًا هيساوم، بس أسمع منك هو طلب إيه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بالمشفى
بإحد الغرف الخاصة
فتح عزمي الباب ودلف نظر بإستهزاء لـزوجته قائلًا بنزق:
بتأكليه بإيدك ليه، الرصاصة كانت فى كتفه، يعني يعرف يوكل نفسه بنفسه ولا هو دلع مرئ.
حدقت به سامية بجمود، ورفعت حاجبها بسخرية خافتة، ثم قالت بهدوء بنبرة تهكمًا:
يمكن إيده ما بتوجعوش، بس قلبه محتاج حد يطبطب عليه… وأنا بطبطب، عندك مانع… يضايجك فى إيه، مش كفاية الشهور اللى فاتت كان بعيد عني، النوم كان بيطير من عيني وأنا جلبي خايف عليه من المچرمين اللي كان معاهم، كُمان لما إتصاب فى الأحداث.
نبرتها الصلبة جعلت عزمي كاد يتهكم ساخرًا، لكن دخول تلك المُمرضة للغرفه جعله يصمت مؤقتًا، بينما تفوهت المُمرضة بعملية:
جاية أغير للبيه على الجرح.
أومأت لها سامية ببسمة ونهضت قائلة:
جلبي مش بيتحمل اشوف جرح جدامي هطلع بره لحد ما تخلصي…
بينما إستهزأ عزمي من ذلك بعقله يسخر من تلك المُدعية التى تدّعي الرقة، وهو يعلم تمامًا كم من القسوة تختبئ خلف تلك الابتسامة الوديعة. تمتم بينه وبين نفسه ساخرًا:
جلِبها… ده لو ليها جلب أصلًا كان زمانه رقّ من بدري
ثم استند بظهره إلى الحائط، متظاهرًا باللامبالاة، بينما عيناه تراقبان أدقّ التفاصيل وتلك المُمرضة تقوم بعملها بمهنية لاحظ نية وليد فى التحرُش بالمُمرضة التى تعمدت الضغط بقوة فوق جرح وليد الذي جعله يتأوه غضبً، لم يهتم بذلك، بل إبتسم…. بينما وليد شعر بالألم يتصاعد في صدره أكثر من الجرح نفسه، فقد فهِم أن الممرضة فعلتها عمدًا، وأنها قرأت ما دار في عينيه… عضّ على شفته السفلى يحاول كبح اندفاعه، لكن تعمد المزح بسخافة:
إنتِ بتغيري لى عالجرح ولا تنتقمي… خفي إيدك شوية.
تعمدت المُمرضة الضغط أكثر قاىلة بنبرة جمود تحاول تذويقها:
معليش حركتك الكتير هي السبب عالعموم أنا خلاص خلصت يادوب هلزق اللزق فوق الشاش… وكمان عرفت من الدكتور أنه كتب لك على خروج من المستشفى حمدالله على سلامتك.
زفر وليد نفسه بضجر كآنه لا يود الخروج من المشفي بينما المُمرضة شعرت بالمقت من نظرات ذلك الحقير وكذالك تحرُشاته السابقة، رغم صدها له، لكنه حقير… لا يحترم أنها تقترب من عُمر والدته، تذكرت طريقة والدته المتعاليه بالحديث، ايقنت انها هي السبب الأول بسوء أخلاقه، كذالك والده الذى يقف جانبً بداخلها ودت البصق عليهم جميعًا.
غادرت المُمرضة الغرفه، عادت سامية الى الغرفة بنفس الوقت صدح صوت رنين هاتف عزمي، أخرجه من جيبه ونظر الى الشاشة، بنفس اللحظة تفوهت سامية بسخط:
مش ترد على اللى بيتصل عليك.
نظر لها بنزق قائلًا:
دي وجدان.
تهكمت سامية ببرود وهي ترفع حاجبها:
آه طبعًا، وجدان… الست المصونة اللي مافيش حاجة بتكسر خاطرها،مش ولدها رجع للوعي، رُد شوفها عاوزه إيه..رُد يمكن تكون جلبها حَن وعاوزة تطمن على ولدك.
أطلق عزمي زفيرًا غاضبً، ثم قام بالرد ليسمع صوت وجدان الأمر:
طوفان عاوزة تچي له المستشفي فى أمر مهم.
أجابها بسؤال:
أنا إهنه بالمستشفي، خير.
ردت بهدوء:
خير أنا معرفش عاوزك ليه، لما تچي هتعرف، وسلم لى على وليد ربنا يشفيه.
-آمين ويشفي طوفان عشر دقايق وأكون عندكم فى الأوضة.
أغلق الهاتف نظر نحو سامية التي مصمصت شفتيها بسخريه ثم قالت بآستهزاء:
روح شوف عاوز إيه، بلاش تتأخر يمكن هيجولك وصيته الأخيرة.
نظر لها بمقت ثم غادر صامتً، بينما هي تشتعل غيظً، نظر لها وليد بإستفسار سائلًا:
تفتكري طوفان عاوز أبوي فى إيه وهو بالحالة دي يادوب فاق.
زفرت بغضب قائلة:
ياريته كان مات وإرتاحنا، أنا مش هنساله إنه سلمك للبوليس، ولا دفاعه عن الحقيرة اللى كانت عاوزه تجتلك..شكله عاشجها.
تذكر وليد ما حدث لكن لمعت عيناه بخباثة:
بصراحه هي حلوة… لاه حلوة أوي تستحق يعشقها،كانت فين دي من زمان،هي البنات الحلوة اللى زي دي دايمًا يهجوا على مصر.
نظرت له بسخط وقامت بصفعه على كتفه المُصاب…تآلم بشدة ونظر لها قبل أن يتحدث بوخته قائلة بتحذير:
لا حلوة وياريتها تغور من إهنه، وإنت كمان كفاياك رمرمة على البنات والحريم
كفايه اللى حُصل بسبب “بِت مسعود بدران”
بسببها إتحبست ست شهور فى الإحداثية بين عيال المجاطيع (المقاطيع).
نظر لها بعينين خبيثتين وبداخله يزدرد ريقة حين عادت تلك الفتاة الى مُخيلته…سال لُعابه.
❈-❈-❈
بمنزل والدة دُرة
بقهرت قلب نظرت الى باسل الذي يقترب منها قائلًا:
المحامي سبقنا عالمركز، لو جاهزة خلينا نمشي.
اومأت له قائلة:.
جهزت لها كام صنف أكل،كمان إفتكرت جهاز التنفس… كنت متأكدة من يوم ما قالت راجعه هنا تاني ان فى دماغها شر، دلوقتي عزمي وإبنه أكيد ما هيصدقوا طبعًا، ومش هحتاج يشتري شهادة الشهود، كان عالملأ ودُرة مفكرتش…أو بالأصح دُرة اوقات بتفقد عقلها ويتحكم عصبيتها فيها،وهما إستغلوا ده بالإستفزاز.
تنهد باسل بآسف، لكن سُرعان ما تذكر طوفان وكلامه، نظر لـ كريمان قائلًا:
طوفان مش كان وكيل نيابة سابق عندي شك شبه يقين إنه مش هيتهم دُرة، وكمان ممكن يأثر على عزمي والتافه إبنه المجرم.
تنهدت كريمان بأمل قائلة بتمني:
يااريت،كفاية كلام خلينا نتكلم فى الطريق عشان وقت الزيارة.
❈-❈-❈
بمركز الشرطة
استكملت دُرة تهكمها الساخر قائلة:
مفيش مانع أسمع رسالة طوفان بيه،إشجيني.
إبتلع المحامي ريقه ثم أخرج من حقيبته الخاصة حقيبة ورقية صغيرة قائلًا:
إتفضلي.
إستغربت دُرة وضيقت بين حاجبيها وهي تأخذ تلك الحقيبة بفضول لمعرفة محتوى تلك الحقيبه قائلة:
أما أشوف رسالة إيه اللى فى الكيس الملفوف لافة هدايا ده.
فتحت الحقيبة الورقية سُرعان ما إندهشت وهي ترفع يدها قائلة:
موبايل…ويا ترا إيه تاني فى الكيس.
مدت يدها جذبت علبة ورقية صغيرة سُرعان ما عرفت محتواه شعرت بضجر قائلة:
بخاخة أوكسجين كمان، يا ترا في لسه فى الكيس حاجة كمان أما أشوف.
وضعت يدها تنظر بداخل الحقيبة وجدت مُغلف ورقي صغير، جذبته بإستهزاء قائله:
أكيد كلمة الإهداء فى الظرف ده، هفتحه بس فضول مش أكتر…
فتحت المُغلف ثم فردت تلك الورقة المطوية قبل أن تقراها إستهزات قائلة:
شوفت الإستخسار ورقة كراسة مش المفروض تبقي ورقة ملونة أو مكتوبة بماية الدهب عالعموم هقراها برضوا.
توقفت للحظة ثم قراتها:
“دُرة… الموبايل ده فيه خط وعليه رصيد هراسلك عليه، عشان نتفق عالكلام اللى هتقوليه فى النيابة بكره.
تهكمت ساخرة وقطعت الورقة، نظر لها المحامي بتوتر، لحظات وصدح رنين هاتف المحامي، أخرجه من جيبه ونظر للشاشة ثم لـ دُرة قائلًا:
ده طوفان بيه هرد عليه.
أومأت رأسها بلا مبالاة، لحظات ومد المحامي يده بالهاتف نحوها قائلًا:
طوفان بيه عاوز يكلمك.
رفضت فى البداية لكن ظلت يد المحامي ممدودة غصبً أخذت الهاتف، لتسمع صوت طوفان الواضح عليه الوهن والمرض قائلًا:
دُرة بلاش عِناد وإسمعيني لازم نتفق على ألأقوال اللى هتقوليها بكره فى النيابة، دي قضية شروع فى قتل.
بعصبيه اجابته:
لاء دي مش شروع فى قتل، دي قضية قتل مُتعمد،أو بالأصح قصاص بالحق، وياريت عرفت أخد بالتار.
تنهد طوفان بألم قائلًا برجاء:
دُرة إسمعيني….
قاطعته بغضب قائلة:
مش عاوزه أسمعك، ومتقلقش أنا هعترف إن فعلًا كان فى نيتي قتل إبن خالك، وكمان أطلقت عليك الرصاص بقصد.
تأوه طوفان مُتنهدًا بألم، قائلًا بصوت متهدج:
دُرة، لو قلتِ كده في النيابة، هتدمري كل حاجة… هتدمري حياتك.
تهكمت بوجع قلب، وتحدثت بصوت يمتزج بالغضب والأسى:
حياتي… حياتي ضاعت من زمان… حياتي ضاعت لما إنت اخترت الخيانة، اخترت إنك تسلم مجرم للنيابة، وإنت عارف إن سهل يطلع من القضية بكل بساطة،.
سكت طوفان لثوانٍ، يحاول أن يلتقط أنفاسه وهو يشعر بثقل كلماتها على قلبه… همس بصوت ضعيف، وكأن الكلمات تكاد تفر منه:
دُرة، أنا… أنا كنت دايمًا خايف عليكِ. بس مش بالطريقة دي. مش ده الحل… دُرة إسمعيني…
ضحكت بمرارة، ثم قاطعته، وكل كلمة منها كأنها سكين في قلبه:
خايف عليا… ليه مخوتش من انك تخسر مكانك في حياتي أكتر… لو فعلًا صادق كنت سيبتني أخد حقي وأقتل وليد وأخد بتاري زي ما هو قتل بابا وجوزي.
كلمة “جوزي”
كان لها صدا قاسي وقع على قلبه لكن حاول مُحايلتها قائلًا:
مش هقدر أشوفك وأنتِ اللى بتهدمي حياتك يا دُرة.
عند هذه النقطة، أغلقت دُرة الهاتف فجأة دون أن تتكلم، قبل أن تشعر بحالة من الضعف.. كما لو أنها أغلقت فصلًا من حياتها، بينما طوفان ظل غارقًا في دوامة من الندم، مشاعر متضاربة تجتاحه، وعيناه تغلقان ببطء من فرط الألم الذي مازال بشعر به.
أعطت الهاتف للمحامي
قائلة ببرود:
إتعامل مع حيثيات القضيه… أنا خلاص مش عاوزة أسمع منه تاني.
نظر المحامي إليها بحذر، ولكن دُرة كانت قد اتخذت قرارها، وعيناه لا تكاد ترى سوى الحزن الذي يغطيها.
❈-❈-❈
بالمشفى
بغرفة طوفان
دخل عزمي الى الغرفة، تفاجئ بـ طوفان وحده بالغرفة يمسك بيده هاتفه لا يعلم السبب الحقيقي لتجهم وتهجُن ملامحه، إن كان ألم من إصابته، أو من شيء آخر، تنحنح قائلًا:
كيفك يا طوفان، فرحت كتير لما وجدان جالتلى إنك فوجت ورجعت لوعيك، إنت عارف مكانتك عندي،،،إنت مش واد أختي إنت إبني الكبير.
تهكم طوفان ساخرًا بنظرة مُبطنة بالإحتقار، بينما شعر عزمي بالتوتر يسري في أوردته، وكأن كلماته التي حاول بها التخفيف عن طوفان قد جاءت عكسية تمامًا… في عينيه اللامعتين كان هناك شيء لم يستطع عزمي تحديده، شيء لا يعكس المشاعر التي كان يظن أنها ستكون حاضرة بعد صحوة طوفان… ظل ينظر إليه، محاولًا فهم سر هذه النظرة التي تحمل في طياتها احتقارًا لم يكن يتوقعه، لكنه لم يستطع التجرؤ على الاستفسار.
بينما تفوه طوفان بصوت بارد، وهو يحدق في الهاتف بين يديه:
إبنك الكبير… أه ما بيقولوا الخال والد.
ربما كان الصوت خاليًا من الانفعال، لكن النبرة التي نطق بها طوفان كأنها تحمل مزيجًا من المفاجأة والشك….
حاول عزمي تلطيف الحديث سائلًا:
أومال وجدان فين؟.
أجابه طوفان بإيحاء:
راحت تطمن على وليد،هي مقابلتكش فى الطريق.
هز عزمي رأسه بنفي،تأوه طوفان بسخريه وإستهزاء قائلًا بتبرير:
المستشفى كبيرة يمكن راحت من ممر تاني غير اللى جيت منه.
هز عزمي رأسه بموافقة، بينما تفوه طوفان مباشرةُ:
بص بقي يا خالي، أنا عارف إنك قدمت بلاغ ضد دُرة بتتهمها بمحاولة قتل وليد، هتروح دلوقتي تسحب البلاغ.
ذُهل عزمي مُبررًا:
دي مش بس حاولت تجتل وليد،إنت كمان،أنا كنت هعمل محضر تاني،والشهود…
قاطعه بغضب:
قولت هتسحب المحضر يا خالي…
-إزاي انا ووليد قدمنا إفادتنا، والمحضر….
هكذا تحدث عزمي قبل أن يُقاطعه طوفان بإصرار وتوعد:
قولت هتسحب المحضر والا قسمًا بالله هنسي إنك خالي،وسهل أقدم أدلة جديدة فى قضية مقتل مُختار غُنيم وحسام بدران،والمرة دي مش هتقدر تشتري الشهود زي ما عملت قبل إكده،وكمان انا قادر أضغط على الشاهد وأخليه يغير شهادته،والمره دي وليد هيوصل للإعدام على يدي وإنت عارف إني أقدر أعمل إكده بكل سهوله.
فزع قلب عزمي مذهولًا وتحدث بتعلثُم:
واه…تدخل واد خالك السجن وعاوز تجيب له إعدام كمان،عشان مين…عشان بنت رفعت عليك السلاح ومترددتش لحظة وجامت بضربك بالرصاص جدام كُل اللى كانوا موجودين،كأنك عشاجها إياك،أنا جولت إن حديتك وجتها كان تخاريف، بس…
قاطعه طوفان بصرامة وإعتراف:
أيوه عاشجها، وإنت هتنفذ اللي جولت عليه والا مش هتردد أنفذ بدون إنذار.
ذُهل عزمي اكثر قائلًا:.
إنت كبير عيلة مهران ولازمن إتفكر بعقلك و…
قاطعه طوفان:
وعشان أنا كبير عيلة مهران لازمن حديتي يتسمع ويتنفذ بدون نقاش.
شعر عزمي بالهلع فى قلبه من تصميم طوفان حاول أن يكسب وقت ويتلاعب به ربما يستطيع إثارة كبار العائلة عليه،تفوه بمهاودة:
تمام بُكره….
قاطعه طوفان بحسم:
مفيش تأجيل يا خالي اللى جولت عليه يتنفذ دلوق، المحامي انا إتصلت عليه وفهته وهو مستنيك فى النيابة إنت ووليد،هتغيروا الإفادة،إن اللى حصل كان غير مقصود وحصل سوء فهم.
إزدرد عزمي ريقه وأومأ رأسه بموافقة، بينما شعر طوفان ببوادر ألم، بنفس الوقت عادت وجدان الى الغرفة… نظرت نحو وجه عزمي وملامحه المُلتهبة المُتجهمة، لم تتحدث وذهبت نحو طوفان وقفت جواره ثم إنحنت وهمست له بشئ تبسم لها، لكن سُرعان ما تلهفت عليه حين سمعت آنين منه، جذبت ذاك الهاتف الأرضي وطلب مساعدة، بينما نظر عزمي لهما، كاد يقترب من الفراش لكن طوفان أمره:
لازمً تروح النيابة دلوق يا خالي إنت عارف إن النيابة وجتها مش ملكها وأنا إتصلت على وكيل النيابة، كان بينا معرفة أيام ما كنت بشتغل وكيل نيابة، هو فى إنتظاركم دلوق، بلاش تتأخروا عليه.
أومأ عزمي رأسه بتنكيس قبولًا بالغصب، يخرج من الغرفة بخطوات سريعة، سمعت وجدان صوت طوفان وهو يحاول كتم آلامه، وعينيه تتلألأ بالألم… تقدمت نحوه سريعًا، جلست بجواره على طرف السرير، وبلمسة رقيقة على يده همست قائلة:
طوفان، إنت بتجهد نفسك جامد، صحتك يا ولدي.
رفع طوفان رأسه قليلاً، نظر إليها بعيونٍ غارقة في التعب، وقال بصوتٍ منخفض كمن يتحدث إلى نفسه:
أنا بخير يا ماما، دلوقتي أخد المُسكن وهرتاح.
بلهفة قلب أم تفوهت وجدان، ولمعت عيناها ببسمة ممزوجة بدمعة وهمست لنفسها قائلة:
كُل العشج ده ساكن جلبك يا ولدي، ودُرة يدها مرتعشتش ولا رف لها جفن وهي بتضرب عليك الرصاص، العشج ملوعك يا ولدي.
❈-❈-❈
ليلًا
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بشقة إبتهاج
كان عزمي يُنفث دُخان تلك الأرجيلة يشعر أن قلبه مُلتهبُ بالحقد والغضب بعدما نفذ ما طلبه طوفان منه هو ووليد الذي عاند لكن بالضغط وافق هو الآخر، او بالأصح وافق رهبةً من وعيد طوفان، شعر بالحقد والكُره لـ طوفان، نظرت له إبتهاج توهمه أنها تشعر به قائلة:
مالك يا سي عزمي، شكلك مضايق جوي.
نظر لها بغضب سحيق قائلًا:
واه هتخليني أضايج غصب.
شعرت بريبة لوهله، لكن سُرعان ما تغنجت بدلال وهي تجلس جواره، ببعض من الاغراء منها بسهولة جعلته يبوح بما فعله طوفان، وغصبه عليه هو ووليد بسحب الإتهام… تغنجت بدلال قائلة:
واضح إنه عاشج البت دي، يبجي بلاش تقرب منيها….
نظر لها بغضب قائلًا:
جلبي جايد (قايد) نار.
إبتسمت بخباثه قائلة:
طب واللى يخليك تشفي غليلك منيها وإنت بعيد.
نظر لها بلمعة عين سائلًا بإستخبار:
كيف ده.
أجابته ببسمة خبيثه:
إنت عارف إن الحكومة اليومين دول شادة حيلها مع الأخضر.
-الأخضر
الأخضر إيه يا ولية شكلك هتطيري الحجر اللى شربته.
إبتسمت بمكر قائلة:
الأخضر… هو الدولار يا جلبي من چوه…الحكومة مشددة اليومين دول،وبتقبض على أي حد عندها شك فيه،أو أي حد بلغ عنه إنه بيتاجر فى العُملة.
فهم قولها لمعت عينيه والفكره تتراقص برأسه تُداعب شيطانه الذي ضحك وهو يهمس قائلًا:
ده هتبجي سهلة جوي، وأنا بعيد.
أومأت له بسفور ماجن وهو يجذبها يُقبلها بشهوانية قائلًا:
تستاهلي الف بوسه على فكرتك، ولو مشيت زي ما أنا عاوز ليكِ الحلوان.
تدللت بغنج مُصطنع:
أنا حلواني رضاك عني وكمان مزاجك الرايق.
نظر لها بإشتهاء ونهض يجذب يدها قائلًا:
راضي عنك، جومي معاي ندخل چوه أثبتلك رضايا.
بغنج سافر ضحكت مثل ضحكات العاهرات، بينما عقلها مازال لم يصل الى نُقطة الإنتقام من “طوفان”… ربما البداية هي ذلك الشائب الذي بلا أخلاق.
❈-❈-❈
بالمشفى
غفي طوفان غصبً بسبب بعض المُسكنات، ربما غفت عيناه وجسده بسبب زوال الألم، لكن عقله مازال مُستيقظًا، لوهلة إنفرجت شفتاه ببسمه وهو يتذكر ذكرى من الماضي البعيد مازالت محفورة برأسه وبين ثنايا قلبه
بالعودة بالزمن وهو يقترب من عُمر العاشرة
بمنزل متوسط يتوسط قطعة أرض صغيرة حوله،تلك الأرض مُقسمة الى تكعيبات زراعية لخضروات ورقية مُختلفة،كذالك بعض أشجار الليمون.
كان يجلس هو وبعض الأطفال بنفس عُمره وأصغر منه وأكبر أيضًا، فوق درجات ذلك السُلم، يمسكون بين أيديهم” مصاحف”
يسمعون لتلاوات بعضهم، وهم يحفظون ذلك الوِرد الذي أعطاه لهم “الشيخ عرفة”فرضًا يحفظونه قبل أن يقوم بالتسميع لهم …
إنتهي من حفظ الوِرد المفروض عليه،أغلق المُصحف،نظر أمامه صدفه وقع بصره على تلك الصغيرة التى تصعد درجات السُلم وبسبب زحام الاطفال الجالسين،تطرفت كي تُفاديهم،لم تنتبه الى أنها تتطرف أكثر فأكثر،لو رفعت قدمها.وصعدت ربما تطأ قدمها الهواء وتسقط،سريعًا حذرها:
خلي بالك رجلك هتچي عالهوا.
لكن تلك الصغيرة عنيدة ولم تهتم،وما حذرها منه حصل،وسقطت من على طرف السلم الى الأرض،صرخت بألم،على صوت تلك الصرخة جاء الشيخ وزوجته التى هدأتها وضمدت لها ذلك الخدش الصغير بيدها،بعد قليل بداخل غرفة واسعة جلس الأطفال،واحد خلف آخر يقومون بالتسميع والتلاوة لتلك الأجزاء المفروضة عليهم،نظر لها الشيخ قائلًا:
تعالي يا دُرة ها حفظتي السورة اللى جولتلك عليها.
توترت وإرتبكت هي لم تحفظ تلك السورة،لكن لن تعترف أنها غير مُجتهدة مثل بقية زملائها…بكت بكذب وأشارت نحو طوفان وإدعت الألم بذراعها قائلة:
أنا كنت حافظة السورة،بس الواد ده زقني من عالسلم وقعت على إيدي،وإيدي إتعورت ومبقتش مركزة ولا فاكرة من الوجع.
نظر الشيخ نحو طوفان الذي هز رأسه بنفي، تبسم الشيخ، لكن عاد بنظره نحو دُرة قائلًا:
طب عقاب له بقي هياخدك وتقعدوا فى الجنينة تحت السجر وهو يحفظك السورة.
للغرابة تبسم طوفان وتقبل كذبها ذهبا معًا تحت ظل إحد الأشجار بالحديقة فى البداية سألها:
ليه كذبتي عالشيخ.
بخجل طفولي أخفضت وجهها قائله:
بصراحة ماما كانت مشغوله مع أخويا ونسيت أقول لها هي أو بابا يساعدوني فى الحفظ، وإنشغلت باللعب فى الأرض مع بابا.
إبتسم لها قائلًا:
إسمك”دُرة”.
اومأت مُبتسمه، بينما هو بطفوله بريئة تحدث بإعجاب:
أسمك جميل.
أومأت بغرور قائله بسؤال:
عارفه، بس يعني إيه طوفان، ده إسمك اللى نادي عليك بيه الشيخ.
أجابها بمعني الأسم، إستغربت ذلك وسألته:
ومين اللى سماك الأسم الصعب ده.
أجابها بغصة:
أبوي، وبعدين كفاية رغي لازمن تحفظي السورة والا الشيخ عرفه هيضربنا إحنا الإتنين.
إبتسمت وبدأت تستمع لتلاوته وحفظت السورة بعد قليل إبتسم لها الشيخ عرفة وأخرج من جيبه قطع حلوي وأعطاها لها هي وطوفان كمُحفز لهما، خرجا من تلك الغرفة، مد طوفان يده لها بالحلوي قائلًا:
خدي الكرملة دي ليكِ إنتِ تستحقيها عشان إنتِ حفظتي السورة بسرعة.
رغم انها مجرد قطعة حلوي لكن بفمها لها مذاق خاص ومختلف، أخذتها منه،تبسم لها قائلًا:
على فكرة شعرك حلو أوي،زي شعر الخيل.
بغرور طفولي منها مسدت على خصلات شعرها السوداء مُبتسمة…
مرت الأيام لقاءات شبة دائمة بينهم غير مُدبرة
ذات يوم تأخرت دُرة عن ميعادها جلس طوفان يراقب باب الحديقة ينتظر أن تطُل درة،لكنها لم تأتي،وتأخر فى العودة الى المنزل،يومها غضب والده بشدة منه وقام بجلده بالكرباج الذي ترك أثرًا على جسده وروحه كطفل.
باليوم التالي ذهب الى منزل الشيخ جسده يؤلمه…جلس على السلم ينتظر دوره كذالك ينتظر دُرة التى نادت عليه تبسم لها وهي تجلس جواره قائلة:
ماما حفظتني السورة اللى الشيخ كتبها فى الواجب،هاخد منه كرملة،وإنت كمان هتديني الكرملة اللى هيدهالك.
أومأ لها موافقًا،لكن بسبب الحر شمر عن مِعصم يديه ظهرت تلك العلامات الواضحة،شهقت حين راتها وشعرت بوخز فى قلبها قائله:
إيه العلامات اللى على إيديك دي،إيه سببها.
بكبرياء طفل أبت نفسه أن يقول لها أن والده هو من فعل ذلك،وأنها هي السبب فضل الصمت.
وضعت يديها فوق معصميه تمسدهما قائلة:
بتوجعك.
هز رأسه بنفي قائلًا بتهرُب:
مش أوي،يومين وهتروح، الشيخ بينادي علينا.
اومأت له،بينما هو عاود جذب الثوب على يديه يُخفي تلك العلامات التي كان مازال يشعر بألمها النفسي والجسدي،لكن للغرابة بسبب لمسات تلك ذات” الجدائل السوداء “كآن الألم إختفي.
«عودة»
على صوت آذان الفجر إنتهت تلك الذكري الطفولية، وبدأ يوم جديد.
❈-❈-❈
بحوالي العاشرة صباحً
أمام مبني النيابة
توقف حاتم بسيارته، مازال عقله يذمه بندم، دُرة كانت أشجع منه، حاولت أخذ القصاص المهدور، هو رجُل وهي إمرأة لكنها أشجع منه…
ظل واقفً لبعض الوقت يذمه عقله بين أخذ القصاص بالمثل بعد ضياع القصاص بالقانون… هو تعود تنفيذ القانون حتى لو لم يكُن مُقتنعًا…لكن تلك ليست قضيه لا تخُصه،بل هو دم أخيه المغدور…بذلك الوقت لفت نظره تلك السيارة التى توقفت بالجهه الأخري أمام درجات سلم النيابة،لم ينذهل حين ترجل طوفان من تلك السيارة يستند على آخر يدلف الى النيابة…فكر بعقلية رجُل،ما الذي يجعله يفعل ذلك،
والجواب سهل…طوفان عاشق لـ دُرة
و..دُرة أعلنت كراهيتها له،
طوفان هو من قدم القاتل للقانون كي يحميه
وطوفان أيضًا هو العاشق
إهتدي عقله لابد من عقاب خاص لـ طوفان
والعقاب هو ضياع دُرة
فكر بطلب والدته بل إلحاحها عليه بالزواج من دُرة…
لحظات وكان القرار سهلًا لما لا دُرة لو لم تكُن لها مكانه كبيره بقلب طوفان لم جاء إليها اليوم، لكن لن يدعه يفوز بل
سيُعاقب طوفان بالامتثال لرغبة والدته بالزواج من دُرة.
❈-❈-❈
بداخل مبني النيابة بإحد الغرف…
رحب وكيل النيابة بـ طوفان وإطمئن على صحته،جذب له أحد العساكر مقعدًا وساعده بالجلوس عليه…
بعد قليل
دلفت دُرة الى الغرفة تفاجئت بـ طوفان يجلس وحده بالغرفة، تهكمت حين فك العسكري الأصفاد من يديها وغادر
نظرت له بإستهزاء، وقبل أن تتحدث سبقها طوفان قائلًا:
مش بتردي عالرسايل، قولت أجيلك بنفسي.
نظرت له باستهزاء قائلة:
– المفروض إنك كنت وكيل نيابة سابق، وعارف إن القانون مش بيسمح بالموبايلات جوه السجن.
ده مش اختراق صريح.. ولا خلاص، القانون بقى بالنسبة لك وسيلة بتتلوّن حسب مزاجك.
أجابها بلؤم وهو يعتدل بالمقعد قائلًا بمكر:
مش الأول تقوليلي حمدالله على السلامة، أنا أنكتب ليا عُمر جديد.
تهكمت بضحكة سخرية قائلة:
ولا يفرق معايا، بس تستاهل محدش قالك إحمي مُجرم.
بصعوبه نهض واقفًا يسير بخطوات ثقيله يضع يده فوق صدره بداخل حامل طبي مرفوع فوق عُنقه، تحدث بمكر:
واقفة ليه بعيدة، ليه خايفه تقربي مني، عالعموم أقرب انا.
رمقته بنظرة باردة ثم أجابته بحِدة:
أنا أخاف منك، واضح إنك موهوم.
تبسم غصبً ثم عاود للمكر قائلًا:
ولا يمكن خايفة تقربي مني لا تضعفي،ليه حاسس إنى سامع نبضات قلبك.
تهكمت ضاحكة،
رفعت يدها تحذره، لكن قبل أن تتحدث، أمسك معصمها بحركة سريعة، اقترب أكثر حتى كاد أنفاسه تلامس وجهها، وعيناها تعكسان مزيجًا من الغضب والشيء الذي تخشى فهمه.
قال بصوت منخفض لكنه مشحون بالعاطفة المكبوتة:
بعد كده إيه يا دُرة مش هتقدري تبعديني..أو تهربي مني فاكرة نفسك لسه قادرة تبعدي.
حاولت التملص، لكن قبضته كانت قوية، مثل حصار غير مرئي يلتف حولها، يشعرها بأنها عالقة بين رغبة في الصراخ ورغبة أخرى أكثر خطورة… تلك التي تجعل قلبها يخفق رغمًا عنها.
شدت يدها بعنف قائلة:
إنت آخر حد ممكن يهددني، وافتكر كويس إنك مش هتقدر تخليني أضعف.
ضحك بسخرية، لكنه لم يُفلِت يدها، بل زاد اقترابه هامسًا:
ما هو ده اللي بحاول أثبته يا دُرة… إنك ضعيفة قدامي حتى لو بتنكري ده.. من كام يوم إيدك مرتعشتش وهي ماسكة السلاح، زي دلوقتي بترتعشي تحت إيدي.
اتسعت عيناها بدهشة وغضب، لكنها لم تملك ردًا… ليس الآن، ليس وهو يملك القدرة على كشف حقيقتها هي حقًا ضعيفة لكن ليست أمامه هو آخر من تضعف أمامه… سريعًا
حاولت أن تستجمع قوتها، أن تتذكر كل الأسباب التي تجعلها تكرهه، تجعلها ترفضه، لكن صوت أنفاسه القريبة كان يعبث بثباتها…
رفعت عينيها إليه، تحدته بنظرة مشتعلة، ثم همست بصوت مرتجف رغم محاولتها جعله ثابتًا:
وإنت فاكر إنك لو فضلت تحاصرني هتنتصر… انتصاراتك الوهمية دي مش هتغير حاجة، ومش هتجبرني إني…
بترت جملتها، كأنها أدركت أنها على وشك الاعتراف بشيء لا يجب أن يقال.
تقلصت عيناه بخطورة، شفتاه انحرفت إلى ابتسامة صغيرة، لكنه لم يترك يدها، بل زاد ضغطه قليلًا وكأنه يختبر ارتجافها… ثم سأل بخباثة:
مش هتجبريك على إيه يا دُرة؟ كملي، قوليها، يمكن الحقيقة اللي هربانة منها تبقى أوضح لما تسمعيها من لسانك.
ارتجفت شفتاها بغضب، ثم دفعته بقوة حتى كادت تفقد توازنها، لكنها تماسكت سريعًا، رفعت ذقنها بكبرياء قائلة بحزم:
الحقيقة إني مش بخاف منك، ومش بضعف قدامك والدليل إيدك المربوطة على صدرك، لسه أثر الرصاصتين…..
قبل أن تُكمل بقية إستهجانها…. جذبها من عضد يدها يضمها لجسده مُتناسيًا ألم جسده وبلحظة كان يضُم شفتيها
بـ قُبلة عاصفة للألم، قاطعة للأنفاس.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
❈-❈-❈
ظل يُقبلها بتلهف ونهم عاشق، في البداية أفقدتها الصدمة القدرة على الاستيعاب وعدم المقاومة، تجمدت لحظات بين ذراعيه كأن الزمن توقف بها، لكن شيئًا فشيئًا بدأت تتهاوى أسوارها، وتنهار معها كل محاولاتها للهرب من ضعْفها أمامه… لحظات لكن بمذاق الحياة له، حتي بدأ عقلها يُعطي إشارة الإستيعاب، فاقت رويدًا رويدًا، على دقات ذلك الهاتف الذي صدح كناقوس خطر برأسها جعلها
فاقت…ارتعشت رموشها، شهقت بأنفاس متقطعة، وهي تدفع صدره بكفيها المرتجفين، نظرت له بعيون ممتلئة بالغضب والعصبية رفعت يدها وكادت تصفعه، مُتحدثة بصوت شبه مخنوق:
إنت بتعمل إيه يا حقير يا….
شعر بألم قوي بمكان إصابته لكنه تحامل ذلك ولم يرد،لكن قاطع يدها قبل أن تصل لوجهه بيده السليمة، فقط ينظر لها بنظرة مشتعلة بالعشق، مشاعر متضاربة بين الرغبة والضعف، يستوعب غضبها وهي تتراجع خطوة للخلف تحاول سلت يدها من قبضة يده قائلة بغضب مُستعر:
مش من حقك… مش من حقك تقترب مني كده، بس إنت من الأساس معندكش أخلاق، تربية “نوح مهران” معندوش مانع إنه ياخد ست غصب.
أثارت غضبة بشدة إعصار ثائر حاول السيطرة على غضبه بصعوبة خرج صوته أخيرًا مشحون بألم جسدي ونفسي :
قولتيها إبن” نوح مهران”،يعني كُل شئ مُباح، والعرق دساس، دلوقتي خلينا نُقعد نتفق هتقولى إيه فى التحقيق.
نظرت له بغضب سحيق قائلة:
أنا قولت أقوالي خلاص وإعترفت إني فعلًا كنت قاصدة وكان نفسي أقتل المُجرم اللى إنت بتحميه بإستماتة لدرجة إنك توقف قدامي تحميه بنفسك.
شعر بألم لم يستطيع الوقوف أكثر جلس على أحد المقاعد مُتأوهًا بألم ينظر لها لا يستغرب حديثها الخاطئ ولن يُدافع عن نفسه يكفي، تأوه مره أخري قائلًا بحسم:
تمام… دلوقتي هتسمعيني وهتقولي اللى هقولك عليه قدام وكيل النيابة… وكيل النيابة ده…
قاطعته بإستهجان:
أكيد كان زميل لك ولازم يجاملك،زي ما غيره جاملك قبل كده، لكن أنا هقول اللى حصل.
فهم قولها نظر لها بغضب وعصبية من إزدياد ألم جسده قائلًا بصوت مبحوح من الألم :
لاء مكنش بينا أي معرفة سابقة،لكن وصلني عنه إنه محترف ومش بيجامل ، وما بيهموش غير الحق… وعلشان كده… لو قولتي الحقيقة زي ما هي، أنا هعترض…
سكتت للحظة، ملامحها متوترة، وتحكم العناد براسها وهتفت بحدة:
ـ أنا مش خايفة، ولا ناوية أغير أقوالي… اللي حصل قولته بالحرف، ومش فارق معايا.
أخفض بصره وضع يده السليمة فوق جرح صدره، تنهد بهدوء حين لم يجد دماء لكن ذلك لن يستمر كثيرًا عليه إنهاء ذلك التحقيق وفك صراح دُرة، رفع عينيه رمقها بحِدة وغضب ينفعل من الألم قائلًا بحزم:
دُرة هتغيرى أقوالك وهتقولى اللى هقولك عليه بالظبط.
وقفت بعناد، تنهد مُتألمً ثم تحدث بلهجة آمرة بل وتهديد مُباشر:
هتغيري أقوالك يا دُرة، لأن لو مسمعتيش كلامك أنا هكدبك فى التحقيق كمان وهقول مش إنتِ اللى أطلقتي الرصاص، هقول شخص تاني وإنتِ بتوالسي عليه.
تهكمت بإستهزاء رغم إندهاشها قائلة بسؤال:
القانون لعبتك مكنش لازم تدرس قانون، ومين بقى اللى أنا بوالس عليه.
بألم تفوه بكلمة واحدة:
“مامتك”.
غامت عينيها بظلام وتفوهت بذهول غاضبة:
ماما…. وصل بيك الفُجر عاوز تتهم ماما… بس هقول إيه حقير ومفيش عندك اي حدود أو أخلاق، بس إتهامك باطل لأني مُعترفة كمان ماما مكنتش موجودة اساسًا، بلاش…
قاطعها بألم يضغط عليها:
مين اللى قال مفيش شهود، وإعترافك هيتحول لموالسة، فكري كويس قدامك دقيقة واحدة، يا تجي تقعدي قدامي ونتفق على أقوالنا، يا…
نظرت له بغضب سحيق ودت بالفعل لو يُعطيها أحدًا سلاحً ولن تتردد للحظة واحدة بإطلاق وابل من الرصاصات بصدرهُ…غصبً إمتثلت وجلست بالمقعد المُقابل له لم تهتم بتأوهات الألم التي تخرج منه…
بينما رغم شعور الألم القاسي الذي يتحمله ابتسم وهي تجلس أمامه رمقته بنظرة آسف وهي تتذكر أحلام ذلك الشاب اليافع قبل سنوات
بالعودة قبل سنوات
بمنزل” الشيخ عرفه”
دلف طوفان مُبشرًا الشيخ بعدما ظهرت نتيجة الثانوية العامة، لم يكُن الشيخ يجلس وحده بالمندرة كانت دُرة معه تقوم بتلاوة القرآن الكريم بتجويد وهو يُصحح لها الأخطاء اللغوية… إبتسم حينما رأي طوفان، أشار بيده لـ دُرة أن تتوقف عن التلاوة، ونظر للمعة عين طوفان الذي يلهث مُبتسمً قائلًا:
تعالى إجعد يا طوفان عرفت إن نتيجة الثانوية العامة ظهرت عملت إيه أوعي تكون خذلتني أنا مراهن عليك، ودايمًا أجول الكُتاب بتاعي كُل اللى بعلمه بيكون مُتفوق.
أومأ له مُبتسمً يقول:
أنا الأول على محافظة المنيا يا شيخ عرفه.
هلل له عرفه بسعادة وقف يستقبله بعناق أبوي قائلًا:
ربنا يبارك فيك يا ولدي، ها جولي ناوي تدخل چامعة إيه.
أجابه بتلقائيه وعيناه تنظر نحو تلك الجالسة تبتسم قائلًا بإصرار:
هدخل كلية الحقوق فى القاهرة.
نهضت دُرة مُستغربة سائلة:
وإشمعنا كلية الحقوق، مجموعك كبير يدخلك أي كليه هنا فى المنيا، ليه تروح القاهرة.
لمعت عيناه مجاوبً بطموح:
أنا حابب دراسة الحقوق عاوز أبقي وكيل نيابة.
اومأ له الشيخ عرفه بفخر، بنفس الوقت دخل “حسام” الى الغرفة دون إستئذان، قائلًا بحِدة وإنعدام ذوق حتى لم يُلقي السلام:
دُرة اتأخرتي النهاردة و…
نظر له عرفه وبخه قائلًا:
المفروض لما تدخل على ناس تستأذن حتى لو كان الباب مفتوح ترمي السلام، مش تدخل كده بقلة ذوق ومش عامل إعتبار إني الشيخ بتاعك، ولا نسيت من وقت ما بطلت حفظ القرآن الكريم.
شعر حسام بالخزي كذالك الغِل والحقد من توبيخ الشيخ له بالأخص أمام دُرة كذالك طوفان الذي نظر له بسحُق وغصبً إعتذر بتبرير:
أنا مبطلتش حفظ القرآن أنا بس وقفت لفترة إنت عارف إني كنت فى ثانوية عامة زميل طوفان، وكان لازم أذاكر دروسي، وحفظ القرآن بيبقى محتاج تركيز.
نظر له الشيخ ولم يُعقب فماذا يقول لهذا الأحمق يفهمه جيدًا هدفه البقاء فقط مع تلك الدُ، بينما لم يهتم حسام لكن نظر ناحية طوفان سائلًا من باب الفضول:
هتدخل كلية إيه يا طوفان.
أجابه طوفان:
حقوق القاهرة ان شاء الله.
أومأ له قائلًا:
أنا هدخل كلية الزراعة إهنه، عشان أبقي جار خالي، أنا نفسي أبقي زيه مهندس زراعة.
اومأ له طوفان، شعر بغِيرة فى قلبه من نظرة عيناه لـ دُرة، كذالك الشيخ عرفه فهم غرض حسام… يفعل ذلك ليس لانه يريد ذلك هو يتخذ خاله قدوة كي يحصل على هدف آخر برأسه…
نهصت دُرة وذهبت مع حسام، بينما نظر طوفان لهما بشعور غير معلوم أنذاك، فقط يشعر بضيق من فكرة سير دُرة جوار حسام…لكن عرفه بخبرته مع الزمن فهم نظرة طوفان،ذلك الشاب بدأ قلبه بنبض العشق باكرًا…
بينما أثناء سير دُرة مع حسام كانت صامته الى أن تحدث هو بنبرة غِيره:
مش عارف ليه طوفان طالما جايب المجموع الكبير ده يقدر يدخل هندسة ولا حتى كُلية التجارة،هو إختار الحقوق عشان عارف إمكانياته.
لم تفهم دُرة تلك النبرة،وسألته:
فيها إيه هو حابب يبقى وكيل نيابة وبعدين يعني إيه عارف إمكانياته.
أجابها بتوضيح:
طوفان جاب المجموع ده مش بشطارته ولا بذكاؤه،ولا حتى مجهوده،ده كان عليه توصية طبعًا مش إبن “نوح مهران”والوريث الوحيد له فلازم يبقي عليه توصية خاصة.
فهمت دُرة قصد حسام ولم تهتم بذلك.
عادت من تلك الذكرى على صوت تأوه طوفان الآن فهمت قصد حسام،طوفان الآن أمامها يجبرها على تبديل أقوالها بمساومة وقبل ذلك كان يعلم بضعف القانون واستغل ذلك وأضاع الحق،حديث حسام عنه وقتها لم يكُن خاطئًا…نظرت له وجدته يضع يده فوق صدره ملامحه يبدوا بوضوح انه يتألم،أو بتفسير عقلها ربما يستغل ذلك لتتعاطف معه،لكن بالعكس كأن قلبها تحجر،ربما لو شخص آخر أمامها كانت أهتمت به،ورأف قلبها له.
بعد وقت إنتهت التحقيقات،بتطابُق اقوال دُرة مع أقوال طوفان،إنتهت القضية بالإفراج عن دُرة.
❈-❈-❈
بعد تأكده من قرار الإفراج عن دُرة إنتهت قوة تحمُل الألم لديه، لكن طلب من السائق العودة به الى المنزل لا المشفى…
حين رأته وجدان إنتفض قلبها بفزع إقتربت منه بيد مُرتعشة وضعتها فوق ذلك الدم الذي بدأ يظهر على ثيابه،بملامة نظرت له قائله:
أنا كنت بالمستشفي وجالولى إنك خرجت، كيف تطلع من المستشفى بحالتك دي، وكنت فين لدلوق.
نظر لها بألم قائلًا:
بعدين،السواق إتصل عالدكتور وإحنا فى السكة أرجوكِ محتاج أرتاح.
رأف قلبها بأنين وهي تُساعده للصعود الى غرفته بصمت، حتى تمدد على الفراش، لو بخاطره لصرخ ليس فقط من قسوة الألم الجسدي، بل من قسوة نظرات دُرة التى لم ترأف بتألمه أمامها… أغمض عيناه يعتصر الألم بداخل صدره.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
حين دخلت الى المنزل إستقبلتها والدتها كذالك باسل، وعمتها التى أظهرت الود لها، لم تستطيع البقاء معهم كثيرًا نهضت قائلة:
حاسه بصداع هطلع أخد شاور وأنام… عن إذنكم.
غادرت دُرة، وتركت خلفها كريمان تغالب الأسى، وباسل الذي خيم عليه الصمت، بينما كانت عمتها تُخفي رغبة جامحة في التلميح لفكرة زواجها من حاتم، لكنها آثرت تأجيله إلى وقت آخر.
دخلت دُرة غرفتها بخطى مثقلة، فتحت باب الخزانة مباشرة، ومدت يدها إلى أحد الأدراج… سحبت منه علبة الدواء، وضعت الرذاذ في فمها واستنشقت بقوة، لكن أثره لم يكن كما اعتادت… ما زال ذلك الاختناق يجثم على صدرها…
تهاوت جالسة أرضًا، تسند ظهرها على الدولاب، وعيناها تسكبان الدمع بصمتٍ موجع، دون إرادة منها… وكأن الألم قرر أن يُقيم في صدرها دون رحيل…جالت عينيها في الغرفة شعرت بالوحدة لم تسمع إلا صدى أنفاسها المتقطعة وارتجافات خفيفة تسري في أطرافها… حاولت أن تكتم شهقتها، لكن أصبح الألم أكبر من قدرتها على الاحتمال… ولا تمتلك سوا الصمت وكبت قلبها والإمتثال لتلك القسوة التى أصبحت تتملك منها بالأخص ناحية طوفان،تضع يدها فوق أذنيها تود طرد مشهد تألمه أمامها،لم تتوقع توغل ذلك الشعور منها يومً ناحيته .
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
بدأ الليل يُخيم بظلامه…
بغرفة تلك الحالمة الرقيقة، تمددت على فراشها تشعر بأسي على حال طوڤان كانت تظن أن قلبه كالصخر، رات قسوة والدها عليه كثيرًا لكن لم تذوقها ربما لانها لم تكن من ضمن إهتماماته مثل طوفان الذي كان يود أن يكون خليفته حاول الانتفاض لكن بالنهاية إمتثل وأصبح هو كبير العائلة من خلفه،
-طوفان
نطقها عقلها… شبه أعلن عشقه، بل أكد ذلك والسؤال
-ما هو العشق
إحساس.. أم إجتياح
ام كلاهما معًا، أو مشاعر أخري…
تذكرت قبل أيام
حين رأت حاتم يدخل الى منزل خالها خلف دُرة، تلاقت عيناهم للحظات قبل أن يحيد النظر لها، كان موقفً لولا ضجيج الرصاص هل كانت إستمرت النظرات بينهما لوقت أطول،لوهله فكرت بالذهاب نحوه والتحدُث معه،لكن منعها خجلها،كذالك ما حدث،طن برأسها نُطقه لإسم دُرة بتلك النبرة التي شقت صدرها دون استئذان….
هل كانت نبرة حانية؟ أم كانت فقط عابرة… نطق اسم “دُرة” كأنها تهمه؟ أم أن عقلها، المتورط بحاتم، صار يضخم كل شيء؟
تنهدت بصوت خافت وهي تُدير وجهها للوسادة.
ليه بفكر كتير فيه …
وعاد عقلها يُعيد الموقف
حاتم لم يخطُ خطوة نحوها… لم ذلك الحنين.
لماذا تُرهق نفسها بالتفكير به، لماذا راقبته ذلك اليوم بعيون مُترقبة
قطع سيل أفكارها…. ذلك صوت ذلك الهاتف الذي يُعطي إنذار بنهاية الشحن،حاولت نفض ذلك التفكير ذهبت نحو الهاتف بالفعل فصل الهاتف بين يدها،فتحت أحد الادراج تبحث عن شاحن الهاتف،وجدته لكن إصتطدمت يدها بتلك البطاقة الإئتمانيه،كأن ذلك مثل إشارة
لقلبها الغارق في طيف حاتم، لكن انتفضت على ذلك وتركت البطاقة،وذهبت وضعت هاتفها بالشاحن ثم تمددت على الفراش وهي تحاول التفكير بشيء آخر علها تنسي ذلك التي تيقنت أن اللقاء بينهم شبة مستحيل .
❈-❈-❈
غرفة طوفان
أصرت على البقاء جواره بالغرفة،بعدما رفض العودة الى المشفى،ها هو غفي بفضل الأدوية المُسكنة،لكن هي لم تغفوا مازالت مُستيقظة تشعر بقلق مصحوب بريبة من القادم،نظرت نحو طوفان،كآنها سمعت همسه لم تُفسر ماذا قال،إقتربت منه كان صمت،ذهبت نحو الشُرفه فتحتها بهدوء خرجت كانت نسمة صيفية حارة رطبة قليلًا، بسبب تلك الأضوية التي بالحديقة، وقع بصرها على إحد الأماكن بمنزل شقيقها عزمي… أو بالأصح منزل والديها سابقًا
وذكري تلوح أمامها
قبل سنوات طويله كان طوفان وقتها يقترب من عُمر التاسعة
كانت تقف بإحد شُرفات المنزل
تُراقب طوفان وهو يلعب في الحديقة، يركض خلف فراشة ملونة، يضحك بمرح.. شعرت بسعادة في قلبها…وهي ترا برائته، كان سعيدًا حقًا.. ضحكاته كانت تنبُض من قلبه البرئ،خفق قلبها لسعادته،لكن سُرعان ما تبدلت تلك الخفقات السعيدة الى وخزات قوية حين رأت “نوح”يقترب من مكان طوفان يُحدثه بإستهجان قوي،تبدلت ملامح طوفان الى مسؤمة بل خائفة حين أصبح أمامه وأمسكه من ثيابه بقوة وحِدة يتحدث بفظاظة وجحود يتهمه بأنه رقيق القلب وذلك لكن يصنع منه رٕجلًا،تربية النساء دائمّا ما تصنع أطفال لا يتحملون مسؤولية،تهكم عليه بفظاظة وهو يمسك تلك الفراشة الذي كان طوفان يركض خلفها فقط للإستمتاع،قام بقطع جناحيها الملونين،والقاها أسفل قدمه،قائلًا:
بتجري ورا فراشة،اللى زيك إتعلموا كيف يمسكوا السلاح،إنت قدرك الكبير من بعدي وأنا مش هسمح يجولوا نسل”نوح مهران” قلبه رهيف كيف الحريم وبيجري ورا الفراشات،إنت هتاجي معاي بعد إكده،وجودك إهنه جار أمك هيعمل منه مُسخة الصعيد كلياته،إنت هتاجي تعيش وياي فى القصر.
إرتعب قلب طوفان،يعلم أن والده ذو قلب قاسي مُتحجر،وهذا ما يجعله دائمًا ينفُر الذهاب الى ذلك القصر،يبقي مع والدته بمنزل جديه الذي يفصل بينه وبين القصر مجرد سور صغير…أنقذ طوفان وصول وجدان التى بداخلها هلع يساوي هلع طوفان لكن لن تترك طوفان له،بعدما سمعت حديثه،بقوة وإندفاع أُم جذبت طوفان من بين يديه وأخفته خلفها،رغم إرتجاف قلبها لكن رفعت رأسها نظرت نحو نوخ ذو الجسد الضخم بالمقابل لجسدها وجسد طوفان،إستجمعت شجاعة واهية بإندفاع:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
إنت عاوز إيه من ولدي،سيبه فى حاله.
نظر لها نوح بتسلية قائلًا بغلاظة وجمود:
طوفان مش ولدك لوحدك، كُمان ولدي الوحيد.
تفوهت بلا وعي:
ليه الوحيد… روح إتجوز وهات غيره وربيه كيف ما أنت رايد… ده ولدي ومستحيل…
قاطعها بغضب:
مفيش ست بعدكِ تملي عيني يا وجدان وكفاية خلينا نجفل عالماضي ونرجع من تاني نربي ولدنا بيناتنا بدل…
قاطعته بغضب أقوي:
مستحيل أرجع لك من تاني، الطلاق كان هو الصح اللى عملته من البدايه…
تبدلت نظرته الى أخري شبه ناعمة ورمقها ببرود:
مكنش ده كلامك قبل ما نتجوز، كنت مُغرمة بيا.
إرتبكت هي كانت ذلك حقًا، مُغرمة به كانت تظن أنه الفارس الذي ترغبه كل الفتيات، قوته جسارته، لكن إكتشفت أن خلف ذلك شخصية جافة وأنانية… قسوة مُغلفة بداء السيطرة، وعليها الإمتثال كأنها تعليمات إلهية.. وأكتشفت أيضًا صعوبة التكيف والتعايُش مع تلك الصفات كانت هي الجسورة حين تمسكت بقرار الطلاق بداخلها كانت تخشي على ولدها الصغير ذو العامين آنذاك من تمكين قسوة وجبروت نوح بداخل قلب طفلها، كان حصولها على الطلاق مثل إعصار فتك بالعائلة لولا خباثة نوح الذي ظن أنها مجرد وقت قصير، لكن مر سبع سنوات بالنسبة لها كانت رخاء وهي ترا حريتها هي وطفلها، بالنسبة له كانت عِجاف… لكن لن ينتظر أكثر من ذلك،ستعود لعصمته حتى ولو بالإجبار وهذا ما حدث لاحقًا
على صوت تأوه طوفان نفضت تلك الذكريات المريرة،نظرت نحوه يبدوا أنها بلا قصد منها ضغط بقوة على كتفه المصاب،ازاحت يدها،ظلت تنظر له،كان وجهه هادئًا،الآن أصبحت على يقين أن ذلك الهدوء ليس إلا قناع يخبئ خلفه ندوبًا لا تبوح بها الملامح.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
صباحً
بمنزل حاتم
إتخذ القرار رغم وجود تردُد لديه تلك الزيجة من دُرة لو وافقت، قد تكون غير موفقة لهما الإثنين، لكن إنتقامً من ذلك الـ طوفان قد يفعل أي شئ حتى لا ينال دُرة كما يبغي…
على طاولة المطبخ وضعت والدته آخر طبق للطعام ثم جلست بنفس الوقت دلف والده وجلس معها على أحد المقاعد، بينما وضعت والدته يدها على كتفه ببسمة مغصوصة، تنحنح بتردُد قائلًا:
أنا موافق خلاص يا ماما على إنى أتجوز دُرة.
إبتسمت بإنشراح قائلة:
قلبي كان حاسس إنك هتوافق وكنت خلاص هكلمها من كام يوم بس الظروف مكنتش مناسبة، خلاص الحمد لله الظروف إتحسنت النهاردة المسا هروح، ولا أقولك تعالي نروح سوا، ممكن لم تلاقيك معايا تعرف إنك مهتم بها وتوافق بدون تردُد.
بداخله ألف تردُد لكن العِند ورغبة الإنتقام، إنتفض واقفًا بعدما كاد يعترض والده:
بلاش يا حاتم، دُرة إنسانه وعندها مشاعر، بلاش تمشي ورا رغبة أمك و…
قاطعه بحسم بعدما وقف وقبل أن يسير تحدث بحسم:
هحاول أرجع بدري المسا ونروح سوا، همشي عندي مشوار مهم قبل ما أروح القسم.
غادر بينما نظر والده لها بغضب قائلًا:
بلاش يا “بدرية” عندي يقين دُرة مش هتوافق، وكمان نفسي أعرف سبب لإصرارك ده، كمان كيف جلبك هيتحمل وجودها هنا مع حاتم، بلاش تظلميها وتظلمي حاتم معاها.
نظرت له بسخط وضعت إحد اللُقيمات بفمها وأجابته:
كمان جلبي مش هيتحمل أشوفها مع حد غير حسام، يبقي حاتم أولى بيها.
هز راسه بيأس، وآسف يعلم أن خلف إصراها هدفً آخر غير المُعلن.
❈-❈-❈
أمام منزل الشيخ عرفة
توقف بسيارتها ترجلت تشعر بحنين،منذ سنوات لم تأتي الى هنا أزاحت تلك البوابة ودلفت الى الداخل تبسمت لتلك الأطفال الموجودين بالحديقة التى لم تختلف،أشجار الليمون وتلك الخضراوات الورقية،ذلك السُلم التى كانت تجلس عليه تقوم بمراجعة الوِرد المفروض عليها،أصبح المنزل أكثر قِدمًا،لكن بنفس ملامحة القديمة،ذهبت نحو باب المنزل،ليس نحو تلك الغرفة الجانبية،قامت بالطرق على الباب، فتحت لها تلك السيدة وهي تتوعد بمرح:
عارفين لو مبطلتوش شقاوة وخبط عالباب، هخلي الشيخ…
توقفت السيدة عن إستكمال حديثها تنظر لـ دُرة بتذكُر، بينما دُرة أكملت جملتها بمرح:
الشيخ عرفة يعلقكم فى الفلكة ويعبطكم.
تبسمت لها السيدة وتفوهت بترحيب:
دُرة.
أومأت لها مُبتسمة قائلة:
فكرتك نسيتيني.
إبتسمت لها وهي تجذبها تضمها بعناق مشتاق قائلة:
إنتِ من الوشوش اللى متتنسيش، تعالى لجوه الشيخ عرفه هيفرج جوي لما يشوفك، من كام يوم كُنا فى سيرتك وكان بيجولى زعلان منيها، كيف تكون إهنه ومتجيش تسلم علي، نسيت إنى انا اللى حفظتها كتاب الله.
شعرت بغصة وخزي قائلة:
لا والله عمري ما نسيته، بس الظروف.
إبتسمت لها وقبضت على معصم يدها وتوجهن الى تلك الغرفة الجانبيه، دخلت زوجة الشيخ أولًا كان يستمع لاحد الاطفال إنتظرت حتى إنتهي وتحدثت له بسعادة قائلة:
تفتكر مين اللى واجفه بره المندرة.
نظر لها بتخمين لم يفهم سائلًا:
مين يا وليه، انا مش فاضي لفوازيرك دلوق، العيال بره.
ضحكت قائلة:
لاه خمن، ولا أجولك، بلاش، يلا ادخلي برجلك اليمين.
تبسمت دُرة بتوتر وهي تدخل الى الغرفة… نهض الشيخ واقفًا يبتسم بترحيب قائلًا بعتاب:
أخيرًا إفتكرتي الشيخ الغلبان يا دُرة، إنتِ الوحيدة اللى خرزانتي ملمستش يدها.
إبتسمت له وذهبت نحوه سريعًا إنحنت على يدهُ تُقبلها بقبول ثم إستقامت قائلة:
وإنت اليد الوحيدة اللى إتحنيت عشان أبوسها يا شيخ عرفة.
وضع يده على رأسها بأبوة قائلًا:
تعالي يا بِتِ نجعُد.
قال ذلك ثم نظر لزوجته قائلًا:
إطلعي للعيال وجولي لهم يروحوا يجوا العصر، الشيخ مش فاضي لهم دلوق.
تبسمت له زوجته وفعلت مثلما قال لها، بينما جلس جوار دُرة أرضًا، فى البداية سألها بتحذير:
أوعي تكوني نسيتي حفظ القرآن الكريم، القرآن بيطير من الدماغ بسرعة.
اومأت له بنفي قائلة:
لاء أنا محافظة على قراءة القرآن وده مثبت الحفظ فى عقلي.
أومأ لها مُبتسمً يشعر بغصة
تلك الدُرة كانت ملامحها رغم جمالها تتسم بالتفاؤل والشقاوة، أمامه هادئة بملامح عابسه، تنهد قائلًا بلوم:
وصلي اللي عملتيه مع طوفان وواد خاله الفاسق، ليه كنتِ عاوزه تضيعي نفسك.
شعرت بوخزات قويه قائلة:
كنت عاوزه أحقق العدل.
تنهد بأسف قائلًا:
ربنا من صفاته العدل وتأكدي إن هو يُمهل ولا يهُمل.
نظرت له بسؤال قائلة:
إنت اللى حفظتني القرآن وربنا قال
“ولكم فى القصاص حياة”.
اومأ لها قائلًا:
كمان قال
” من عفي وأصلح”.
إستغربت قائلة:
مستحيل اصفح قبل ما العدالة تتحقق والقاتل ياخد عقابه بما يرضي الله.
نظر لها قائلًا:
قولتي بما يرضي الله، يبقي فى طُرق تانيه ناخد بها الحق بدون ما نضيع مستقبلنا ونبقي منفرقش عن المجرمين.
نظرت له بإستفسار سائله:
مش فاهمه، وإيه هي الطُرق دي، ومتقوليش المحكمة.
تبسم لها قائلًا:
لساكِ مُتسرعة… إسمعيني ووجتها هتشوفي بعينك.
❈-❈-❈
عصرًا بمنزل والد دُرة
كان هنالك طرقًا قويًا على باب المنزل،ذهبت كريمان وفتحت الباب،وقفت مخضوضه من تلك الشُرطة الواقفه تقدم لها أحد الضباط قائلًا:
معانا أمر بتفتيش البيت.
إستغربت ذلك سائلة:
ليه.
لم ينتظر الضابط ودلف الى الداخل بدون إنتظار إذن منها،كذالك تلك القوة التي كانت معه إنتشرت بين أرجاء المنزل،بنفس الوقت كان باسل يدخل الى المنزل توجه ناحية كريمان مدهوشًا وقبل أن يستعلم،أتي أحد العساكر بحقيبة يد قائلًا:
لقينا دي فوق يا باشا.
أخذ الضابط الحقيقه وفتحها، نظر بداخلها، ثم أغلقها ونظر الى باسل قائلًا:
إنت”باسل مختار غُنيم”معانا أمر بالقبض عليك لتجارتك… فى العُملات الأجنبية.
❈-❈-❈
أثناء عودتها الى المنزل
كانت تسير بالسيارة على ذلك الطريق التُرابي، لكن ظهر امامها صُدفة ذلك المجرم وليد يسير ومعه شخص آخر، رأتهما من بعيد لم تُفكر كثيرًا وعادت الى الخلف بسيارتها ثم توقفت للحظة قبل أن تُعيد تشغيل السيارة، وقادتها بسُرعة عاليه، جعلت ذلك المجرم يرتعب وهي تتوجه نحوه بعدما تجنب الآخر على جانب الطريق بينما هو المفاجأة شلت حركة جسده أغمض عيناه وهو ينتظر أن تصتطدم السيارة بجسده، لكن طال إنتظاره وظل مُغض العين حتى بعدما ترجلت دُرة من السيارة وسارت نحوه تنظر الى تلك الرمال التي تناثرت عليه بغزارة أصبح وجهه وملابسه ملوثون بالرمال، فتح عينيه بعدما سمع قولها بإستقواء ووعيد:
مش هرتاح غير لما تتساوي إنت وأبوك بالتراب يا قاتل.
❈-❈-❈
بمنزل الشيخ غرفه
دلف طوفان الى تلك الغرفه رحب به الشيخ ثم أشار له بالجلوس، فجلس لجواره قائلًا:
إتصلت عليا يا شيخ عرفه وقولت أجيلك خير.
نظر له مُبتسمً يقول:
خير يا ولدي، تعرف مين اللى كانت عندي قبلك إهنه.
تحير عقل طوفان وأومأ رأسه بـ لا.
ابتسم الشيخ قائلًا:
عارف إنك مُصاب وبالتوكيد جرحك لساه بيوجعك، بس متوكد اللى هجولك عليه هيداوي جرح أقوي..
ضيق طوفان عينيه بإستفسار، إبتسم عرفة قائلًا:
دُرة كانت عندي إهنه ولساها ماشيه من شويه، وأنا أتصلت عليك عشان إكده، أنا سبق وجولت لك على عرض يريح نفسيتها هي وكمان واد خالها حاتم.
تذكر طوفان قائلًا:
قصدك…
أومأ له الشيخ قائلًا:
دلوق الكُرة بملعبك، متوكد إنك تعرف تقنع عزمي وولده باللى جولتلك عليه.
تنهد طوفان قائلًا:
قصدك خالي يجبر وليد يقدم كفنه قدام الناس.
أومأ له عرفه بـ نعم
تنهد طوفان بيقين قائلًا بحسم:
وأنا موافق ومستعد أضغط عليهم بسهولة غصب عنهم يوافقوا وينفذوا اللى هقول عليه، لو أضمن ده يخلي دُرة تشيل فكرة الإنتقام من دماغها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بمنزل عزمي
هلع قلب سامية حين رأت وليد يدخل بذلك المنظر الرث، توجهت نحوه بلهفة وريبة قائلة بسؤال :
إيه اللى حصل هدومك كلياتها تراب.
تهكم بسخط من لهفتها وكذب عليها قائلًا:
كنت راكب الحُصان ووقعت من عليه فى الرمل.
هلع قلبها وهي تمسد على صدره بريبة سائلة:
وقعت، أوعي تكون أتعورت، جولى متداريش عليا.
تضايق ونفض يدها عن صدره وسار من أمامها قائلًا بحِدة:
لاء أنا بخير إطمني متعورتش، بس التراب ردم هدومي هطلع أستحمي.
إستدارت تنظر نحوه، بنفس وقت صعوده تقابل مع ريان الذي نظر الى ثيابه الملوثة وتهكم بإستهزاء:
مالك إيه اللى حصلك، لساك مفكر نفسك عيل صغير وبتلعب فى الطينة.
نظر له بعينين ضيّقهم بجمود، وقال بنبرة غاضبة كأنها تطفي نار بداخل صدره:
ريحني واسكت يا ريان، النهارده مش ناقصك.
ضحك ريان بسخرية، وظل واقفًا على الدرج مُتهكمً قائلًا:
أومال ناقص مين؟ ده شكل واحد كان بيصارع تيران في الحلبة.
نظر له وليد بغضب ولم يهتم وتفادي مكانه واكمل صعود السلم دون رد… عينيه بهما جحيم أسود من ذلك الرمل…بيما سامية مازالت واقفة في مكانها، قلبها مقبوض وعقلها غير مُصدق أن وليد وقع،أو حتى لو وقع ربما مُصاب ويُخفي عليها بعصبيته.
دخل وليد لغرفته وأغلق خلفه الباب بقوة يكاد يتحطم من ذلك، ذهب مباشرة الى الحمام المُرفق بالغرفه تعرى من ثيابه الرثه دلف أسفل المياة،رغم هطول المياة كثيرًا على جسده لكن مازال يشعر كأن ذلك الغُبار الاسود مازال مُلتصق بجسده، أغلق المياة جذب منشفة لفها حول خصره جلس على حرف حوض الاستحمام، ينظر نحو ثيابه الرثه،يلمع الشرر بعينيه يعود بذاكرته الى قبل وقت قليل،وقوف دُرة أمامه،لو كان معه السلاح كان تعامل معها بطريقة أخرى،كان جعلها تخشى الاقتراب منه مرة أخرى،لعق بلسانه تلك القطرات التي تنساب من شعره على وجهه تصل الي شفتيه…رغم رُعبه منها وقتها لكن الآن يمسد على صدره برغبة قائلًا:
حلوة وحلوة أوي كمان مستقوية ومستبيعة…
لوهله جمح خياله بها برغبة مِقززة.. إزدادت حين تذكر طوفان، وضغطه علي والده بقوة من أجل التنازل عن الإتهام، تهكم ضاحكً، هو يكره طوفان منذ الصغر، لكن يبدوا أن اعصار العشق يضرب قلبه بحب تلك الجميلة الشرانية، فكر وفكر عقله لابد من ردع لها، لكن لقلبه الجبان شأن آخر يخشي مواجهتها مُباشرةً…دون سلاح معه…ذهب نحو خزانة ثيابه فتحها ثم فتح أحد الأدراج لم يتفاجئ حين لم يجد أي سلاح…شعر بغضب لكن الحصول على سلاح ليس أمر صعب عليه… ذلك السلاح هو هيبته.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
بالفناء ترجلت من السيارة، وتوجهت نحو باب المنزل، لكن قبل أن تمد يدها لتفتحه، تفاجأت بـ كريمان تفتح الباب بملامح واجمة،
عينان منطفأتان ، ووجهها شاحب .
توقفت في مكانها، التقت نظراتهما، قبل أن تنطق كريمان بصوت عالى تشعر أن قلبها بداخلها يكاد ينفجر :
كنتِ فين… مش مهم دلوقتي دلوقتي خلينا نروح القسم نشوف المصيبة الجديدة اللى حصلت.
إرتجف قلب دُرة سائلة:
مصيبة إيه يا ماما، ونروح القسم ليه، فين باسل.
نظرت له بغضب:
مصيبة جديدة من يوم ما رجعتي لهنا وأنا كل يوم مُصيبة شكل، آخرها البوليس جه الدار وقبض على باسل.
إرتجف قلب دُرة رغم شعورها بالأسي، لوهلة ظنت أن تُكمل كريمان بقية إستهجانها وتقول لها، ليتك لم تعودي،لكن شعرت دُرة بـشيء من الخوف يسحب أنفاسها للخلف، كأن الأرض تميد تحت قدميها.
همست بالكاد، وصوتها متقطع:
قبضوا عليه ليه عمل إيه.
أشاحت كريمان بوجهها، وكأنها تخشي النظر في عينيها، ثم قالت بحدة مكبوتة:
معرفش، طلعوا شنطة والظابط قاله تهمة تبديل عُملة أجنبية.
شهقت دُرة، وتراجعت خطوة:
عُملة أجنبية إيه والشنطة كان فيها أساسًا
تنهدت كريمان بأسي وبنظرة أُم تشعر بالقلق أكثر من الحزن:
مش كفاية عليا اللى فات؟ كل حاجة بقت فوضى مبقتش ملاحقة عالمصايب… خلينا نروح القسم نشوف مصير أخوكِ هو كمان إيه.
بعد وقت
بخطوات متوترة ومرتجفة، ذهب الإثنين الى ذلك القسم، لكن لم يُعطيهن أحد أي معلومات،كادت دُرة أن تتهجم عليهم،لكن منعتها كريمان إتقاءًا لزيادة المُشكلة،قائلة:
خلينا نتصل بـ حاتم هو ظابط وزميلهم وممكن يفهم لينا إيه القصة.
بالفعل بعد وقت قليل
خرج باسل من إحد الغُرف بالقسم قائلًا:
القضية قضية تبديل دولارات،او بالاصح إتجار فى الممنوع بالعملة الأجنبية،كمان فى إثبات الشنطة اللى لقوها فى البيت.
ذُهلت كريمان، كذالك دُرة التى قالت بتعجب:
دولارات إيه، والشنطة دي وصلت عندنا البيت ازاي أكيد فى حااااجه……..
صمت دُرة بينما عقلها يستوعب بل ويُعطيها إستنتاجات…
نظرت لـ حاتم سائلة بإستفسار:
طيب دلوقتي مش ممكن نطلع باسل بكفالة.
هز حاتم رأسه بنفي قائلًا:
لاء للآسف، الوقت إتأخر والنيابة وقتها إنتهي، هيفضل هنا فى القسم لحد بكره الصبح.
إعترضت دُرة بغضب قائلة بأمر:
مستحيل باسل يبات هنا إتصرف… إنت مش ظابط ودول زُملائك.
نظر لها باسل بآسف قائلًا:
ده قانون يا دُرة، و…..
لم تنتظر سماع بقية حديثه وفكرت بشئ آخر، وهي تتجه للخارج، قبل أن تصعد الى السيارة فتحت هاتفها وقامت بإتصال حتى أتاها الرد سريعًا تحدثت بإندفاع:
إنت فين يا طوفان.
أجابها وهو نائم فوق الفراش قائلًا:
فى البيت خير يا دُرة.
أجابته بغضب:
مش خير، أنا قدامي خمس دقايق وأوصل قدام المصنع بتاعك اللى هنا، ياريت توصل بسرعة.
شعر بقلق وقبل أن يسأل سمع صوت إنهاء المُكالمة… ضغط بقوه على الهاتف يزفر نفسه بقلق مصحوب بترقب لسبب إتصالها الآن
نهض من فوق الفراش خطواته بسرعة ، قلبه يدق بعنف، وكل الاحتمالات السيئة تنهش أفكاره..جذب مفاتيح السيارة على عجل، وارتدى سترته دون أن يغلق أزرارها، واندفع خارج الغرفة بخطوات سريعة، وكل ما يشغله الآن… أن يصل قبل أن تصل هي… كي يعلم سبب إتصالها همس بقلة حيلة:
يارب… مبقتش فاهم دماغها بتفكر إزاي ولا فى إيه.
❈-❈-❈
أثناء نزول طوفان درجات السلم تقابل مع وجدان التى لاحظت إستعجاله وهو يُغلق أزرار سترته نظرت له بإستفسار سائله:
إنت خارج ولا إيه.
أجابها وهو يكاد يمُر من جوارها:
ايوه، مشوار مهم مش هغيب.
بلهفه مسكت كتفه قائلة:
خارج فين دلوق، إنت ناسي إنك مُصاب وجرحك لساه مطابش، ده جرح رصاص، وإنت مش مريح نفسك، راجع من شوية، الدكتور قال إنك لازمن ترتاح في السرير، وإنت مجضيها خروجات، إكده…
قاطعها وهو يُقبل رأسها قائلًا :
أنا بخير يا أمي، وده مشوار قريب مش هغيب، بلاش تعطليني بقي.
تنهدت بقلة حيلة سائلة:
وفين المشوار ده، يتأجل او إتصل على خالك عزمي يسد مكانك.
تنهد بهدوء وبرأسه تحدث بإحساس:
خالي عزمي هو سبب اللى أنا فيه.
سحب كتفه من يدها قائلًا:
خالي مينفعش، مش هغيب.
بغصب منها تقبلت قائلة:
طب خُد السواق معاك، بلاش تسوق إنت.
أومأ لها قائلًا:
حاضر.
غادر سريعًا وقفت وجدان تتنهد بأسي على حال طوفان لديها شك أن سبب خروجه الآن هو تلك “الـ دُرة” التي تستفزها ببرودها وجحودها الواضح.
بعد دقائق معدودة
توقفت دُرة بالسيارة على ذلك الطريق التُرابي الموجود خلف مصنع طوفان،
ظلت جالسة بالسيارة،تنتظر طوفان…
لوهلة شردت بذلك الطريق،قبل أيام كان هنالك مطب كبير،رغم سيرها بالسيارة على هذا الطريق مرات كثيرة لكن لم تُلاحظ إختفاء ذلك المطب،وتسوية الأرض،نظرت نحو تلك الشجره القرييه من الطريق،بسبب إنارة أعمدة المصنع
شعرت بدوخة غريية،ويعود لذاكرتها
ذلك اليوم بعد إصتطدامها،أغمضت عينيها،وعقلها يستعيد بعض من المُقتطفات التى لم تستوعبها وقتها،وخيال أحدًا يسحبها من السيارة،فتحها لعينيها للحظات،إنفزع عقلها وخيال طوفان هو ذلك الذي يُحاول إفاقتها…
بعقلها رفضت ذلك تمامً،لكن عاود عقلها رؤيتها لـ طوفان باحد ممرات المشفي اثناء خروجها من المشفي بعض تماثُلها للشفاء،كذالك إخفاء هوية من الذي دفع تكاليف المشفي…
أشياء تؤكد ذلك الخيال الكاذب،بالتأكيد غير صحيح،لو طوفان هو من فعل ذلك لا يوجد سبب لإخفاء ذلك كان تباهي…بالتأكيد طيف كاذب لم يحدُث…
أخرجها من ذلك طرق على زجاج باب السيارة، فتحت عينيها نظرت للطارق، كم شعرت بالمقت من تلك البسمه السمجة، كذالك من فتحه لباب السيارة ينظر لها وهو يستقيم بجسده يشعر ببعض الألم فى صدره، تأملها شعر ببعض الهدوء، لكن هي لحظات ظلت صامته تنظر له بعقلها سؤال كادت تسأله عن ذلك الخيال الكاذب،لكن تراجعت بغضب تملك منها، ترجلت من السيارة دفعتها بيديها بقسوة قائلة بإستهجان:
أمتى هتخلص الاعيبك،للدرجة دي إنحدرت أخلاقك ونسيت القانون اللى درسته بقيت تطوعه لأغراضك والوصول لأهدافك،حتى لو إستغليت الأبرياء وإستغليت المواقف لصالحك.
شعر بألم فى صدرة،وئن منه لكن بصعوبه أمسك يدها قائلًا بعصبية:
أنا مش فاهم إنتِ تقصدي إيه،إنتِ اللى إتصلتِ عليا.
نظرت له بغضب وإستهجان وهي تحاول سلت يدها من قبضته بغضب قائلة:
بتستعبط،بقي مش عارف عملت إيه.
ضغط بقوة على يدها قائلًا بعصبية:
دُرة كفاية إتهامات،ولا أقولك يا ترا إيه التُهمه الجديدة اللى جاية تتهميني بيها…قولى اللى عندك بدون عصبية.
نظرت له بغضب قائلة:
سيب إيدي،وكفاية إستعباط إنت عارف أنا بتكلم عن إيه،باسل أخويا مش إنت اللى لفقت له قضية دولارات،طبعًا ده عشان تضغط عليا أوافق أتجوزك .
ضيق بين حاجبيه بإندهاش قائلًا:
إهدى وفهميني دولارات إيه.
سلتت يدها بعُنف من يده قائلة بغضب مُستعر وعدم تصديق:
بقي مش عارف،بس بحذرك يا طوفان،باسل أخويا خط احمر ومش هسمحلك تستغله،سبق وقولت لك مستحيل أوافق أتجوزك خلاص حياتي إنتهت بموت حسام… حتى لو فكرت فى الجواز مستحيل تكون إنت، لأنك خاين وكمان مُستغل.
شعر بألم وقبضة قوية فى قلبه مازالت تتهمه بدون إعطاؤه فرصة للدفاع،نظرتها الباردة نصلٌ مغروس في عمق روحه… لكن حاول التريُس،أيُخبرها أنه كان أسير لحظة ضعف أو غرور أو غباء… لكنه لم يقصد إيذاءها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ومع ذلك، كان الألم في صدره يخبره بأنها لن تصدّق، ولن تغفر..مهما قال… لكن لابد من رد على هذا الإتهام الأخير حاول الهدوء قائلًا:
أولًا أنا مش محتاج أستغل باسل عشان أضغط عليكِ فى إننا نتجوز…
ثانيًا… أنا لو كنت عايز أضغط، كنت عملت كده من زمان، وبألف طريقة،
بس أنا احترمت إختيارك… واحترمت ظرفك… واحترمت حتى المسافة اللي حطيتيها بينا.
أنا ما استخدمتش باسل، ولا فكرت أستغله، .
تنهّد وهو يحاول السيطرة على نبرة صوته التي بدأت ترتجف:
أنا تعبت من كل مرة أتحطّ في خانة المتهم، من غير ما تسمعيني
أنا مش ملاك… بس عمري ما كذبت عليكِ.
نظر الى عينيها شعر بوجع وكبرياء مكسور، ثقتها معدومة فيه، شعر بآنين، لكن لن يستسلم
جذبها من ذراعها بقوة قائلًا:
فين باسل دلوقتي.
كانها نسيت قبضة يده على عضدها وتهكمت بضحكة سخرية قائلة:
فى النادي بيلعب جولف.
اقسي الاوقات قد تشُق وجههك ضحكة عابرة… ترك عضد يدها وأشار لسائق سيارته أن يتبعه، ثم توجه للناحية الأخري لسيارتها وصعد الى داخلها،
ظلت هي واقفة للحظات قبل أن يضغط على زامور السيارة مُنبهًا ثم نظر نحوها قائلًا:.
هتسوقى ولا أسوق أنا، خلينا نروح القسم عشان تتأكدي مين اللى المُستغل.
❈-❈-❈
بعد وقت قصير
بداخل قسم الشرطة
مجرد ذكر إسم “طوفان مهران” جعل ضابط الشرطة يُوافق على لقاء بينه وبين باسل، جلسا سويًا لبعض الوقت قبل أن يسمح لـ كريمان ودُرة بالدخول له…
بعد وقت خرجوا جميعًا، وظل باسل بعيدًا عن الحجز بإستثناء جلس بغرفة خاصة بالقسم.
أمام القسم…
نظر طوفان نحو دُرة التى قابلت نظرته بنظرة كبرياء، بل وبدون قصد منها حديث حاتم معها اثار غِيرة طوفان، لكن تحمل ذلك وصعد الى سيارته مُغادرًا.
كذالك دُرة ووالدتها بينما شعر باسل بالغضب من سُلطة طوفان،يعلم أنه كان بإمكانه الوساطة لـ باسل وإعطاء إستثناء له بالا يبقي فى الحجز، لكن عمدًا لم يفعل حتى يُزيد من إلقاء اللوم على طوفان…لكن طوفان أفسد عليه ذلك…شعر بالبغض أكثر له.
❈-❈-❈
لكن مازالت لم تنتهي الليلة
بشقة إبتهاج
كان عزمي يشعر بسعادة بالغة، بينما تتدلل عليه إبتهاج قائلة بمكر:
شوفت مش جولتلك الاخضر هو اللى هيجيب مفعول سريع وأها يادوب حطينا الشنطة فى الدار وبلغنا البوليس مفيش وكان طالع بالشنطة والكلبشات فى إيد أخوها.
ضحك بإستمتاع وهو يجذب ابتهاج اليه يُقبلها بسفور، وهي مُرحبه بذلك بعد قليل كانت تجذب المئزر على جسدها بعدما تأكدت من نومه بتعمُد منه جعلته يغفوا بشقتها ولا يعود الليلة لزوجته الأولي، وبتعمُد منها أيضًا فتحت هاتفه بعدما راقبته وعلمت النمط الخاص به، جالت عينيها بين أرقام الهواتف لديه، حتى وصلت الى رقم طوفان الخاص، سجلته بهاتف آخر لديها، ثم أرسلت له صورة خاصة وأعادت غلق ذلك الهاتف… وغفت جوار عزمي تنظر له قائلة بهمس:
مسيرك فى يوم من الايام هتبقي ليا لوحدي.
❈-❈-❈
اليوم التالي
النيابة العامة
بغرفة النائب العام، تم إستدعاء باسل لاخذ إفادته..
سأل النائب العام باسل:
تقول إيه فى إتهام النيابه لك بالاتجار بطريقة غير مشروعة فى العملة الاجنبية.
نظر باسل نحو المحامي الخاص به وأماء له بالرد فاجاب:
أنا بنفي التهمة دي عني.
بمحاورة من النائب تحدث:
والشنطة اللى وجدتها الشرطة فى بيتك وفيها نص مليون دولار غير زيهم مصري.
أجابه ببساطة:
الشنطة دي فعلًا كانت عندي فى البيت بس لها سبب مختلف تمامً.
بإستفسار من المُحقق:
وإيه هو السبب ده.
أجابه باسل:
كانت على سبيل الأمانه أو بالأصح صاحبها نسيها معايا فى العربية وإحتفظت بها بعد ما اتصلت عليه وقالى المفروض كنا هنتقابل النهاردة وارجعها له بس للآسف اللى حصل عطل المقابلة.
سأله المُحقق:
ونين بقي صاحب الشنطة او الامانة زي ما بتقول.
نظر باسل نحو المحامي وتبسم قائلًا بثبات:
صاحبها هو “طوفان مهران”.
إندهش المُحقق قائلًا:
تمام هبعت بلاغ خاص للسيد طوفان، ولحد ما يجي لهنا مُضطر…..
قاطعه المحامي قائلًا:
السيد طوفان عنده عِلم باللى حصل، وقال طبعًا ميرضهوش يتظلم حد بسببه وهو بالفعل موجود هنا فى النيابة تقدر تؤمر العسكري ينادي عليه من بره… أو ممكن أنا أتصل عليه.
أومأ المُحقق بقبول وأشار لذلك العسكري فهم إشارته، بعد لحظات دخل طوفان الى غرفة التحقيق، بالفعل طبق على أقوال باسل…
كما أنه قدم مستندات رسمية بسحب تلك المبالغ من حساب شركاته بأحد البنوك…ثم تحدث بثقة للمُحقق:
يعني المبالغ دي طالعه من البنك بشكل قانوني وبصفة رسمية.
أومأ المُحقق مُتفهمًا لكن فجأهم بسؤال:
طب طالما الدولارات والفلوس اللى فى الشنطة دي تُخصك، ليه جالنا بلاغ ضد السيد باسل.
بثقه رد طوفان:
أنا نفسي مستغرب اللى حصل، واضح إنه شخص له هدف فى دماغه مثلًا توريط باسل بقضيه هو برئ منها، بس هتقولى مين الشخص ده انا لو أعرف مكنتش إترددت لحظة وعرفت منه السبب،بس اعتقد بإفادتي وتقديم كشف الحساب اللى سحبت بيه المبالغ الموجودة فى الشنطة بكده براءة باسل من التهمة، فاعتقد كده القضية خلصت وباقي بس إطلاق صراح باسل.
نظر له المُحقق قائلًا:
عرفت إنك كنت وكيل نيابة سابق.
أومأ طوفان برأسه بموافقة قائلًا:
فعلًا، بس قدمت إستقالتي من النيابة لسبب شخصي، يعني الحمد لله سايب النيابة بسُمعة نضيفة.
إبتسم له المحقق قائلًا:
تمام، وبما إنك عارف فى القانون فأكيد فى إجراءات قبل خروج السيد باسل من النيابة بعد تقفيل القضية.
أومأ له مُبتسمً.
بعد الظهيرة
أمام النيابة العامة
توجه باسل نحو سيارة طوفان مد يده يُصافحه قائلًا:
شكرًا وإطمن سِرك فى بير.
إبتسم له طوفان وصافحه بمودة قائلًا:
أنا اللى متأسف لك، وبجد بشكرك على تفهمك.
بإبتسامه بادله باسل، بينما من أسفل تلك النظارة السوداء كان نظر طوفان نحو دُرة التى تتحدث مع حاتم الذي يقف معها هي وكريمان..وذلك المحامي.. شعرت دُرة بالضيق من وقوف باسل مع طوفان، كذالك تشعر بالغضب بالتأكيد باسل يشكُر طوفان، وبداخلها أصبحت الحِيرة تغزوها من ناحية طوفان.
❈-❈-❈
مساء بمنزل والد دُرة
على طاولة العشاء
جلس كل من دُرة وباسل بالمقابل لبعضهما، كذالك كريمان وبالمقابل لها أخيها
يتحدثون أثناء تناول الطعام بينما دُرة كانت شاردة العقل، إنتبهت حين سمعت صوت هاتف كريمان، نظرت نحوه، تركت الطعام وأخذت الهاتف وخرجت الي تلك الشُرفة المُلحقة بغرفة السفرة.
لحظات وعادت نظرت نحو دُرة قائلة:
دي بدرية كانت بتهنيني ببراءة باسل، وبتقول جاية كمان شويه بنفسها ومعاها حاتم.
نهضت دُرة قائلة:
تشرف،أنا شبعت هقوم أتصل على دكتور زميلي بالمستشفي كنت قايله له يشوفلى مكان هنا لعيادة، ونسيت أتصل عليه.
أومأت لها كريمان تشعر بغصة هي قسيت على دُرة بالحديث أنها منذ أن عادت والمصائب لا تنتهي، بينما تنهد باسل قائلًا:
بصراحة كنت متوقع من حاتم إبن خالي هو اللى كان يتوسط لى فى القسم، بس طوفان طلع شخصية قويه حتي وإحنا في النيابه مع المُحقق كان شخصية قوية.
نظرت له دُرة التي سمعته قبل أن تُغادر الغرفة، كادت أن تقول له لا داعي لذلك الإعحاب ولا التفخيم بشخص مثل طوفان، هو الوحيدة التى تعلم حقيقته… غادرت ليس لديها مزاج للحديث بأي شيء تود الابتعاد عن الجميع والانزواء بنفسها.
بينما نظرت كريمان لـ باسل وأخيها قائلة:
عندي إحساس كبير إن فى هدف من زيارة بدريه ومعاها حاتم،كانت لمحت لى قبل كده وأنا طنشت.
تسأل أخيها:
لمحتلك بأيه؟.
أجابته:
كان گلام وجر بعضه وقالت دُرة صغيرة وجميلة وأكيد مش هتدمر حياتها بعد وفاة حسام ممكن تقابل شاب وتتجوز،لمحت كمان إن حاتم عنده مكانه خاصه لـ دُرة…فهمت إنها ممكن بتلمح إنهم يتجوزوا،بس مقالتش بشكل مباشر طبعًا بس أنا فهمت من تلميحاتها…وأعتقد ممكن يكون مجيها بعد شويه لنفس السبب ده بالذات إن حاتم كان مرافق معانا طول الوقت وبدريه كانت بتتصل تعرف منه الأخبار.
ذُهل باسل كذالك أخيها الذي تحدث بسؤال:
بالسرعة دي معتقدش أكيد قلبها لسه موجوع على إبنها حسام،يمكن إنتِ فهمتي تلميحاتها غلط.
هزت كريمان رأسها بأشارة قائلة:
ممكن، الله أعلم بالنوايا.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل
بتلك الشُرفة الواسعه المُطلة على حديقة المنزل
بعد الترحيب بـ حاتم وبدرية
جلس الجميع يتحدثون بمواضيع بلا هدف، الى أن جرت بدرية الحديث عن عمد على كُل من أخيها كذالك حسام، وبدات تسرد بالعلاقة القوية الأخوية التى كانت تجمع بين الأشقاء بين حسام وحاتم، بدمعة عين، ثم تفوهت بلا مقدمات… عشان كده أنا بطلب إيد دُرة لـ حاتم
حسام ومختار هيرتاحوا فى قبورهم لما حاتم ودُرة يتجوزوا.
ذهول غزا عقل دُرة، تجولت عيناها تنظر الى ملامح الموجودين حتى وصلت لـ حاتم ملامحه عابسه رغم تلك البسمة الطفيفة، لم تستشف أي رد فعل لا من والدتها ولا خالها كذالك باسل، بينما عادت بنظرها لـ بدرية
ملامحها شبه بائسة متوسلة…
إزدردت ريقها الجاف وكادت تنطق بالرفض القاطع….
لكن سمعت صوت خطوات تصعد على ذلك السُلم الجانبي للشُرفة… نظرت نحو صاحب تلك الخطوات، ذُهلت حينما ظهر طوفان وأصبح يقترب من مكان جلوسهم،
صمت ساد للحظات، قبل أن
ترفع دُرة رأسها بكبرياء، لم تتفاجأ من حضور طوفان في هذا الوقت، كانت على يقين أن هناك من أخبره بزيارة عمتها، وربما خمن سبب الزيارة
تلاقت نظراتهما، كان ينتظر ردها…
حادت بنظرها عنه، رغم الرفض القاطع بداخل عقلها… لكن لتؤجل ذلك لاحقًا.. وبعناد تمكن منها، خرج صوتها واضحًا:
موافقة أتجوز حاتم.
-بجد…
كلمة واحدة نطقها ببرود، لكنها كانت على النقيض تمامًا من الصهد الذي ينصهر بداخله…
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة رغمً عنه، واقترب بخطوات واثقة حتى جلس على مسند المقعد الذي تجلس عليه دُرة…
وبجرأة، رفع يده ليُطوق كتفيها بتملُك، وعيناه مُعلقتان بعينيها بحِدة، وقبل أن تحاول نفض يده عنها،كان تجمد كل من عقلها عن التفكير،ويديها عن الحركة حين سمعت صوته الواثق بعدما تخلى عن النظر لعينيها ونظر نحو حاتم بنظرة إنتصار :
مع الأسف،أكيد دُرة إتفاجئت من عرضك، وارتبكت وقالت رد غلط… لأن ببساطة… أنا ودُرة كتابنا الكتاب.. يعني متجوزين شرعًا وقانونًا.
صمت لحظات وعن عمد قام بتقبيل رأسها وعاد ينظر لعينيها المُتسعة المذهولة مؤكدًا:
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مازالت تنظر لعينيه،رسم بسمة يستمتع وهو ينظر لدهشة عينيها التى ربما أنستها المفاجأة يده التي تحتوي كتفيها لصدره،كأن الصدمة جعلت عقلها يغفوا للحظات قبل أن تنتفض بدرية بغضب ساحق تنظر لـ دُرة تود منها تكذيب ذلك قائلة:
مستحيل إيه التخاريف اللي إنت بتقولها دي،رُدي عليه يا دُرة وكذبي كلامه، مش جديد عليه الكدب.
قبل أن تنطق دُرة باليد الأخرى لـ طوفان أخرج من جيبه ورقة مطوية قام بفردها وجها نحو بدرية قائلًا بثقة:
قسيمة كتب الكتاب أهي.
ذُهلت بدرية كذالك حاتم الذي إلتقط الورقة قام بقراءة البيانات قائلًا:
كمان والقسيمة طلعت واضح إن من…
توقف حاتم ثم نظر نحو دُرة قائلًا:
القسيمة مفيهاش توقيع دُرة
توقف مرة أخرى ثم تمعن بقراءة القسيمة، لكن قبل أن يستطرد حديثه نهض طوفان خاطفًا القسيمة من يده بإستهجان قائلًا:
أعتقد ده شأن خاص وإنت مالكش تدخل فيه، وكمان مش من حقك تفتح أوراق متخصكش.
ثم أكمل بحدة:
دلوقتي لو ليك كلام، قوله ليا أنا… مش لـ دُرة.
لوقت قليل ظلت دُرة جالسة تشعر بالتوهان كأنها بعالم فاضي تمامً، لم تستوعب الا حين إستهجنت بدرية ونهضت نحوها بغصب جذبتها لعدم إنتباهها طاوعها جسدها ونهضت تسمع حديثها الجاف كذالك تلومها بعُنف:
اللى بيقوله طوفان ده صح، إمتي حصل، نسيتي حسام بسرعة كده، هقول بلاش دم خسام، نسيتي دم أبوكِ اللى والس علي القاتل هو طوفان لو مش إستخدامه سُلطته كان أقل حاجه المتهم خد حكم بالسجن المؤبد مش حُكم زي مكافأة له.
نهضت دُرة بعصبية جذبت القسيمة من يد طوفان قرأتها بذهول وهي تنظر الى ذلك التوقيع رفعت رأسها تنظر بذهول حتي كادت تفقد النُطق خرج صوتها مُتحشرجً:
ده توقيع خالي.
رفعت بصرها نحو ذلك الذي يقف جوار والدتها يبتلع ريقه، بينما عاودت دُرة الحديث إزاي ده حصل، فعلًا عملت لـ “شاهر” توكيل، بس التوكيل كان عشان يبيع شقة القاهرة، كدة القسيمة مزورة.
تنهدت بدرية لوهله بنظرة إنتصار ودعم.، لكن سُرعان ما زال ذلك حين تحدث طوفان بتأكيد:
لاء التوكيل كان تفويض منك بموافقك على إنه ينوب عنك بعقد القران.
ذُهلت دُرة ونظرت نحو شاهر الذي لم يستطيع الصمت كثيرًا قائلًا:
أنا عملت اللى حاسس بل متأكد إنه صح، ولو مش متأكد من مشاعر طوفان مكنتش وافقته وبدلت اوراق التوكيل ببيع الشقة، بأوراق التوكيل بعقد القران، ومتأكد إن…
بغضب من دُرة إقتربت من شاهر رفعت يدها كادت تلكمه فى صدره،لكن تلقي طوفان يدها بل وجذبها للدخول الى داخل تلك الغرفة،غصبً إمتثلت لذلك،حين دخلا سحبت يديها من قبضته بقوة قائلة بغضب ساحق:
دايمًا بتلجأ للاساليب الملتوية والملاوعة، زي ما حصل فى قضية بابا وحسام، إختفي سلاح الجريمة فى غمضة عين.
غص قلب طوفان قائلًا:.
دُرة كفاية إتهامات ليا ملهاش أساس،إيه مصلحتي إني أخفي سلاح الجريمة.
نظرت له بعصبية:
مصلحتك إن القضية تنتهي لصالح إبن خالك، تقدر تقولى إيه مصلحتك فى إصرارك إنك تتجوز مني،وإنت عارف كويس إني بكرهك ومركهتش فى حياتي حد قدك.
رغم شعورة بوخزات قوية فى قلبه لكن إقترب منها بخطوات رتيبة قائلًا ببرود عكسي:
كدابة يا دُرة، عمرك ما كرهيتني، ومُتأكد لما نتجوز هتحبيني.
نظرت دُرة بغضب وهي تشعر بعصبية من برودة رده عليها قائلة:
أحبك ده مستحيل.
-فى الحُب مفيش مستحيل يا دُرة، خلاص بقيتي قدام الأمر الواقع.
هكذا رد عليها ببساطة،عكس نظرة الغضب بعينيها وهي تقول:
كتب الكتاب يعتبر باطل، أساس الجواز “إشهار وقبول” وأنا مش قابلة الجواز منك يبقى بلاش تتعب نفسك، مفيش جواز بالغصب.
جذبها من عضد يديها إصتطدمت بصدره،… شعرت برجفه قوية فى قلبها،شهقت من المفاجاة.. لكن عاندت ذلك ورفعت يديها بقصد منها ضغطت على ذلك الجرح الذي بصدره
زم شفتيه من الألم ، قبض على معصمها قائلًا بإستهوان من ذلك الألم:
إنتِ فاكرة إنك بتضعفيني.. ده وجع اتعودت عليه… بس وجعي الحقيقي إنتِ شايفاه من زمان وعجبك، كفاية عِناد يا دُرة، بموافقتك او بدون موافقتك، جوازنا قائم شرعًا وقانونًا.. خلاص أنا رتبت كل حاجه … الزفاف والدخلة حددت ميعادهم وحجزت القاعة عشان الفرح.
نظرت له بغضب قائلة برفض:.
كمان… مستحيل، يتم الفرح ده، وأنا من بكره هقدم قضية خُلع فى المحكمة.
ضحك رغمً عنه وخفف من قبضة يداه على معصميها قائلًا:
تعرفي يا دُرة مهما كبرتي وحاولتي تتغيري بس روح الطفلة العِنادية اللى على نياتها هتفضل عايشه جواكِ،خُلع إيه اللى هتقدميها،هو إحنا إتجوزنا عشان تقدري تثبتِ أسباب للـ الخُلع،هتقولى إيه فى الدعوة.
أنهي حديثه بغمزة عين بوقاحة…توترت دُرة من ذلك وتعلثمت بالرد:
قصدي قضية طلاق والسبب واضح إني مش موافقة عالجواز منك،و…
قاطعها طوفان قائلًا بثقة:
أولًا… المحكمة هتاخد وقت على ما تحدد جلسة، يعني هيكون جوازنا تم فعلًا
ثانيًا… المحكمة لها مستندات وقسيمة الجواز مُثبتة بالأوراق الرسمية،يبقى إقعدى كده وبلاش عِناد خلينا نشوف إيه الناقص ونكمله خلاص ميعاد الفرح يا دوب أيام.
دبت على الأرض بقدميها بغيظ،أضحك طوفان لكن هي إغتاظت من ضحكه وكادت تنطق بغباء…لكن فكرت بمكر كما ظن عقلها،وقالت بمساومة:
تمام أنا عندي شرط لو إتنفذ وقتها ممكن أقبل الجواز منك.
تنهد ينظر لها بإنتظار، بينما هي إستقوت قائلة:
خالك يقدم كفنه قدام أهل البلد.
لم تكُن صدمة له بل توقع ذلك، تنهد بإرتياح قائلًا:
تمام لو ده شرط قبولك، فأنا موافق يا دُرة.
نظرت له بدهشة ممزوجة بضحكة ساخرة وقالت باستهزاء:
وجايب منين الثقة دي… من الجبان ابن خالك اللي ما يعرفش يتنفس من غير سلاح… ولا من خالك اللي كل همه يوصل لحبة سلطة ويتمنظر بكلمته، وهو في الأصل ما يملكش منها غير الصيت.
ابتلع ريقه قائلًا بثقه:
قولتيها يا دُرة
خالي بيتمنظر لكن أنا كلمتي تمشي عليه بدون نقاش.
نظرت له كادت الدهشة تُطيح بسُخريتها، لكنها تماسكت وقالت بنبرة مشككة:
إنت كلمتك تمشي على خالك ده لو صح، تبقى أكتر واحد مخيف في العيلة… مش عشان قوتك،عشان اتعودت تفرض قرارك على غيرك من حساب لمشاعره وإنه بينفذ رغبتك وهو مجبور، مش مهم عندك غير إنك تظهر الآمر فقط.
اقترب منها خطوة، يبتسم رغم هدوء صوته لكن يشوبه نبرة مزيج بين التحدي والإعجاب:
أنا فعلًا ما باقنعش حد… أنا بافرض اللي أنا عايزه، حتى لو مش قادر يستوعب ده، مجبور ينفذ أمرى.
ضحكت بسخرية واستهزاء قائلة بإعتراض:
ليه كنت إلاه.
ضحك قائلًا بنفي:
لاء مش إلاه، بس دي هيبة الكبير.
تبسمت بسخرية واستهزاءت قائله:
رغم معرفتنا ببعض السنين دي كلها، بس مع الوقت بقيت بكتشفت حقايق عنك…
واضح إنك بتحب تتحكم… بس خلي بالك مش كل الناس بتخاف منك، ومش كل القلوب بتهتز لما تهدد.
رفع حاجبه، ينظر لها بتركيز كأنه يقرأ ملامحها يستمتع بجدالها:
قلبك من النوع اللي ما بيهتزش.
أبتعدت عنه تُعطيه ظهرها قائلة:
قلبي… ده بقى الحتة الوحيدة اللي مش هتعرف توصلها، لا بكلمة، ولا بأمر
إقترب منها بصمت ترتكز عيناه على وجهها التي تعمدت عدم النظر له، رفع يده قبض على عضد يدها يجذبها له… بجرأة رفع يده وضعها على وجنتها يُمسد عليها … وقبل أن يرد صدح صوت هاتفه، بعصبية منها نفضت يده عن وجنتها بعصبية وكادت تستهجن عليه لكنه ازاح يده كي يُخرج هاتفه من جيبه نظر الى الشاشة ثم اليها، قام بالضغط على ذر الرد ينظر لـ دُرة نظرة جعلتها تصمُت، بينما هو إختصر الحديث:
تمام جاي القاهرة بكره.
أغلق الهاتف وعاد ينظر لها، يعلم فضولها فتبسم قائلًا:
عندي شُغل مهم في القاهرة، هسافر الفجر وهرجع آخر النهار، وزي ما قولت من شوية جوازنا خلال الأسبوع الجاي.
حادت بنظرها بعيدًا عنه بلا إهتمام، تجرأ وضع قُبلة على إحد وجنتيها قائلًا:
عندي سفر بدري لازم أمشي دلوقتي، كلها أيام و…
قطعت بقية حديثه بجفاء وهي تدفعه بيديها قائلة:
ممنوع تقرب مني مرة تانية وبلاش طريقتك دي معايا، أنا عارفه حقيقتك يا طوفان، وتﭢكد جوازنا مش هيتم.
اومأ لها مُبتسمً بتحدي، بينما هي شعرت بشبه بداية إختناق، تركته وغادرت الغرفة، إبتسم طوفان وذهب نحو باب الغرفة خرج منها تنهد بإرتياح حين لم يجد حاتم ولا والدته، كذالك كريمان، فقط شاهر وباسل يقيفان بالحديقة… إقترب منهم تبسم له باسل الذى تسأل بإستفسار:
بصراحة إتفاجئت بحكاية جوازك من دُرة.
نظر طوفان نحو شاهر الذي إبتسم قائلًا:
متوقع رد فعل دُرة طبعًا بعد ما تمشي،مش بعيد تقرا عليا الفاتحة الفجر.
ضحك طوفان قائلًا بمزح:
مش بعيد…بس أعتقد ممكن تصُبر عليك كام يوم،بس كل ما كنت بعيد كان أفضلك.
ضحك شاهر قائلًا:
خدني أبات عندك أضمن.
ضحك باسل قائلًا بمزح:
أنا كمان بقول كده.
نظر طوفان لـ باسل،الذي تبدلت نظرته له بعدما تحدثا بقسم الشرطة ليلة أمس
فى وسط حديثهم سأله باسل:
ليه بتعمل كده يا طوفان،إنك تقول إن الدولارات والفلوس التانيه اللى كانت فى الشنطة بتاعتك ممكن تسبب لك مشكلة.
جلس طوفان على أحد المقاعد يتنهد بألم من وجع صدره قائلًا:
لاء إطمن متنساش إني راجل أعمال وعادي اتعامل بالدولارات،وسهل أثبت ده فمفيش ضرر عليا.
تفهم باسل ذلك وبمفاجأة سأله:
وليه بتعمل كده،أنا مش قريبك بالعكس يمكن بينا عداوة كمان.
تنهد طوفان بألم فى صدره قائلًا:
بالعكس إنتم عمركم ما كنتم اعدائي بالعكس،صحيح أنت مكنتش قريب منك وقت ما كنت بتروح تحفظ القرآن عند الشيخ عرفه،لاني كنت بكمل دراستي فى القاهرة،دراسة القانون اللى جمعت بيني وبين شاهر وبقينا أصحاب.
ضحك شاهر قائلًا بغمز:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مش بس دراسة القانون اللى جمعت بينا من البداية اللى جمعت بينا بنت أختي اللى بسببك هضيع عمري بدري.
ضحك باسل كذالك طوفان الذي نظر له بإمتنان وهو يتذكر قبل وقت قليل
بالعودة قبل وقت قليل
تمدد طوفان على الفراش يشعر بأرهاق كذالك بعض الوجع من تلك الجروح التى لم تلتئم، كاد يُغمض عيناه بإستسلام لغفوة علها تُهدئ من ذاك الآلم، لكن صدح رنين هاتفه الجوال، جذبه ونظر الى الشاشة،تنهد بنزق وقام بالرد قائلًا:
خير يا شاهر مش باسل خلاص طلع من القضية.
أجابه شاهر ببسمة:
أه الحمد لله كمان وصلنا البيت،بس فى حاجه جديدة لازم تعرفها.
بنزق تحدث طوفان:
أشجيني إيه الجديد.
اجابه بضحك:
مراتك… قصدي دُرة هيقدم لها عريس الليلة.
إعتدل طوفان فى الفراش مما سبب له ألم مضاعف قائلًا:
ومين ده كمان، واضح إن خلاص لازم الامر يظهر للـ العلن.
أجابه:
الاول يظهر قدام دُرة، كريمان بتقول إن بدرية لمحت لها بجواز حاتم من دُرة، يعني وارد جدًا استغلال براءة باسل، وتقول نخلي الفرحة فرحتين.
زفر طوفان نفسه بغضب قائلًا:
الفرحة فرحتين، ده عند مين، نص ساعه واكون عندك، واضح دُرة مش هينفع معها غير الأمر الواقع.
عودة على ضحكات باسل وشاهر… رفع رأسه نظر للاعلى تلاقت عيناه مع عيني دُرة التى كانت تقف بشُرفة غرفتها، رفع يده لها بمرح،أغاظها لكنها تجاهلت ذلك ودخلت الى الغرفة وأغلقت الشُرفة مما جعله يبتسم وهو يُغادر متوجهًا نحو سيارته التى كان ينتظره السائق بداخلها.
بينما دُرة حين تركت طوفان بالغرفة كان هربً حين شعرت ببوادر إختناق، قبل ان يثقٕل تنفسها أمامه، صعدت الى غرفتها، فتحت أحد الادراج جذبت علبة الدواء، سريعًا فتحت فمها تستقبل ذلك الرذاذ الذي هدأ من الإختناق، جلست لحظات على طرف الفراش قبل أن تستلقي بنصف جسدها عليه، لحظات حتى شعرت بهدوء، لكن عقلها مازال غير مستوعب،تشعر كأنها بمتاهة فجأة إنقلبت حياتها من إستعداد لزواج بعد أيام لفاجعة موت والدها وحسام معًا مرورًا بأشهُر ترقُب لمعرفة عقاب القاتل،مرورًا بعودتها الى هنا والبقاء بشكل دائم،مرورًا ومرورًا بأحداث لم تكُن تتوقعها آخرها تلك القسيمة وأنها أصبحت بمثابة زوجة لـ طوفان ذلك الكاذب الخائن،دمعة سالت من عينيها،سريعًا أعتصرت عينيها،ربما يكون كل ما مرت به ليس أكثر من كابوس مر،لكن حين فتحت عينيها لوهلة شعرت بدوار الغرفة بها،والحقيقة أكثر مرارة،بصعوبة إرتكزت على كفيها على الفراش ونهضت جالسة مره أخري،شعرت كأن الغرفة تضيق بها،تحملت ذلك الوهن النفسي ونهضت تتجه نحو شُرفة الغرفة علها تستنشق بعض الهواء يُنعش ذلك الإختناق،بالفعل للحظات كان هنالك نسمة صيفية رطبة،تغلغلت الى فؤادها أغمضت عينيها لحظات تستنشق الهواء،حتى شعرت بإمتلاء رأتيها،فتحت عينيها وليتها ما فتحتها، صدفة او قدر عينيها تلتقيان بعيني طوفان، شعرت بغضب من إشارة يده بلا تفكير أو إنتظار دخلت الى الغرفة وأغلقت باب الشُرفة، تشعر بضجر، لكن لوهله كأن عقلها كان بغفوة لامت نفسها قائلة:
إزاي عقلى كان فين، كان لازم أشوف القسيمة أمتى تم كتب الكتاب.
جاوبها عقلها:
بسيطة إنزلي لـ شاهر وإسأليه.
عاد عقلها يعترض بقسوة:
أنا لو نزلت مش هسأل شاهر أنا ممكن أقتله…بس كمان لازم أعرف،ومستحيل أحقق لـ طوفان هدفه.
بمنزل طوفان
تقابل مع والدته التى كانت تنتظره إقتربت منه بلهفة قلب قائلة:
طوفان إنت بترهق نفسك بزيادة كفاية بقى لازم تاخد فترة راحة، ناسي إصابتك.
إبتسم لها بمودة قائلًا:
أنا بخير يا ماما إطمني ومتقلقيش من ناحية فترة الراحة فأنا هاخد الفترة الجاية أجازة إجباري، عشان هتجوز.
لوهلة خفق قلبها بتوقع قائلة:
هتتجوز مين.
إبتسم وأجابها:
هو فى غيرها… دُرة، وقبل ما تسألي أو تعترضي، أمر جوازي من دُرة خلاص أمر واقع، وكمان فى حاجه تانية محتاج دعمك معايا فيها، لأنى عارف إن ليكِ كلمة مهمة عند عيلة مهران كلها.
بخفقان قلب سألته:
خير يا ولدي.
أجابها:
خير يا أمي خلينا نطلع نتكلم فى أوضتك عشان تفهميني كويس.
اومات له، صعدوا الى غرفتها وتحدث معها بذلك الشأن شرط دُرة
تفوهت بدهشة قائلة:
دم مستحيل يا ولدي إنت فاهم معني الحديت اللى بتجوله ده، ده واعر أووي، كمان خالك عزمي مش هيوافق عليه، إنت عارف إن عنده تعالي، وكمان…
قاطعها طوفان بتحفيز:
عارف تعالى خالي، بس للآسف مفيش حل غير كده، وليد فعلًا قاتل، ولو مش ضياع سلاح الجريمة، كمان شهادة الشهود اللى إتبدلت كان أقل واجب وليد خد سجن مُؤبد، يبقى عالأقل ده نوع من التغفير، ورد حق العدالة.
إبتلعت ريقها:
برضك ده أمر صعب، والناس بتتعايد بيه لسنين وفيه ذُل.
نظر لها بآسف قائلًا:
معاكِ بس ده برضو حق يا أمي، أرجوكِ أنا محتاج دعمك قدام العيلة، أنا مسافر بكره الصبح وراجع آخر النهار إن شاء، وأنا جاي فى السكة إتصلت على كُبرات العيلة وطلبت منه إجتماع بكره المسا، دعمك ليا قدامهم هيقوي كلمتِ.
نظرت لـ طوفان شعرت بغصة… طوفان كان له هدف آخر بحياته، رغم ذلك إستسلم للقدر وأخذ مكانة والده “نوح” كـ كبير للعائلة، لكنه ليس بقسوة قلب نوح، هنالك قطعة لينة فى قلبه… ربما الآن علمت سببها هي تلك الفتاة هو عاشق ويفعل كل ذلك من أجلها، عكس قلب والده كان عاشقًا قاسيًا لا يهتم بمشاعر القلب، بل كان يسعى للسيطرة، كان يُحب امتلاك من يُحب، لا يهمه إن بكى أو تألم، المهم أن يبقى بجانبه، مُلكًا له وحده… أما طوفان… ففي عينيه وجعُ الحب الصامت، في أفعاله رجاء غير منطوق، هو لا يطلب شيئًا، فقط يُعطي، فقط يتحمل… فقط يُحب…
…فقط يُحب بصمتٍ يشبه بكاء البحر تحت ضوء القمر… لم يكن بحاجة لأن يُفصح، فكل تصرف منه كان يصرخ باسمها، كل نظرة، كل تنهيدة، حتى حين يغضب، يغضب لأجلها، لا منها…. هو لا يشبه نوح، لا يشبه أحدًا في هذه العائلة المجبولة على الكبرياء، طوفان خُلق من طين مختلف… طينٍ رُوِي بحبٍ دفين، لا يعرف القسوة، فقط يعرف العشق، حتى وإن كلفه ذلك كتم أنفاسه…
لكن غص قلبها عليه
ربما دُرة لا تدري، وربما تدري وتتجاهل، لكنها إن نظرت جيدًا في عينيه، سترى الحقيقة كاملة… سترى الرجل الذي حمل قلبه على راحتيه ووضعه أمامها دون أن يطلب مقابلاً…
تنهدت بتفهُم كادت تسألة هل تستحق تلك الـ دُرة كل ما تفعله من أجلها، لكن أرجأت ذلك وطاوعته قائلة:
تمام متجلجش أنا فى ضهرك.
إبتسم لها بحنان وقبل رأسها قائلًا بإستقواء:
ربنا يخليكِ دايمًا يا أمي وكلمتك تفضل
…بركة وسند ليا، طول ما إنتي راضية عني، الدنيا مهما لفت بيا مش هتقدر تكسرني.
شدت على يده بحنو، وفي عينيها دمعة مختبئة، لم تكن تعلم كم هذا الابن يشبهها، رغم كل ما مر به… قلبه لازال يختار الحُب.
هي وحدها من ترى في صمته كلام، وفي انحناءة كتفه وجع لا يبوح به، لكنه حين يبتسم… تشعر وكأن الدنيا ما زالت بخير.
❈-❈-❈
باليوم التالي
صباحً
منزل عزمي
زفر نفسه بغضب بعدما علم بخروج باسل من تلك القضيه بلا أي إتهام، بل ضاع عليه أمواله هباءًا لا يستطيع البوح أن تلك كانت أمواله، إزداد غضبه حين رأي سامية أمامه تنظر له بإزدراء قائلة:
لسه راجع الدار دلوق، كنت بايت فين عشية إمبارح.
نظر لها بغضب قائلًا:
كنت فى داهية، بعيد عنك إنتِ وولادك.
بداخل نفسها تمتمت:
ياريت الداهية كانت خدتك ومرجعش غير خبرك…
بينما تفوهت له بإمتعاض قائلة:
سلامتك إحنا لينا غيرك، هروح المطبخ أشوف الخدامة حضرت الفطور ولا لسه، إن مكنتش على يدهم ميشتغلوش ولا يحللوا لقمتهم فى الدار.
بعد دقائق على طاولة الطعام
نهض ريان بعدما صدح رنين هاتفه.. نظر له عزمي سائلًا:
مين اللى بيرن عليك خلاك قومت من عالوكل.
نظر ريان نحو سامية قائلًا:
دول أصحابي سبق وقولت إني إتفقت معاهم هنروح كام يوم نتفسح فى الغردقة وشرم الشيخ.
إعترض عزمي قائلًا:
طبعًا دول الصيع اللى يادوب نجحوا بالعافية زيك، نفسي أعرف إيه ناقصك عن سُجى بت خالك، هتدخل طب.
أجابته سامية بغطرسة:
مش ناقص فقر زي چوز أختك، وسيب الواد ينبسط فى الاجازة مع أصحابه، كفاية كبت طول السنه.
توقفت ثم نظرت لـ ريان قائلة بتفويض:
روح يا خبيبي إنبسط ويا أصحابك.
نهض عزمي بغضب وكاد يتحدث لكن صدح هاتفه، نظر للشاشة، سُرعان ما حاول الهدوء وقام بالرد ليُنهي الحديث سائلًا:
وإيه سبب الإجتماع ده.
اجابه الآخر:
معرفش. طوفان هو اللى طلب إجتماع العيلة المسا، المسا هنعرف منه..
أغلق الهاتف قائلًا:
تمام.
اغلق الهاتف وقف للحظات حائرًا، بينما فضول سامية سألته:
إجتماع إيه.
نظر لها بإزدراء قائلًا:
من ميتي والحريم بيدخلوا فى شؤون الرجال، خليكِ مع عيالك دلعي فيهم لحد ما يخيب أملهم أكتر واكتر.
قال ذلك وغادر بعصبية… إستهزأت منها سامية ببرود ولم تهتم، لكن بداخلها فضول معرفة سبب ذلك الإجتماع العائلي.
❈-❈-❈
بمنزل حاتم
منذ ليلة الأمس وهي تغلي غضبًا… العصبية تنهش أعصابها، والحقد يشتعل خلف عينيها، يتراقص الكره في نظراتها كجمرة تتلظى… لم يغمض لها جفن، باتت تتقلب في فراشها، ينهشها الغيظ حتى مطلع الفجر…
مع أول خيط للضوء، نهضت كأنما تُساق إلى معركة. انعكاس وجهها في المرآة أزعجها، عيونها تفيض بالخذلان… بللت وجهها بماء بارد، كأنها تطفئ ما استعصى على النوم تهدئته…
جلست بالمطبخ نار قلبها أقوي من نيران الموقد…
بينما بغرفة حاتم، إرتدي زي الشُرطة الخاص ثم خرج من غرفته توجه نحو المطبخ، تفاجئ بوجود والدته تجلس على أحد المقاعد، نظر لها شعر بوخزات قوية فى حلقه إبتلعها قائلًا:
صباح الخير يا ماما إيه اللى مصحيكِ بدري أوي كده.
رفعت عينيها نظرت له بأعين باكية:
أنا منمتش أصلًا، قلبي موجوع، حاسة مأن حسام لسه ميت النهاردة، بيقولوا الوجع بيخف مع الوجت، لكن أنا وجعي بيزيد، وآخرتها كمان اللى إسمه طوفان طمع فى مرات أخوك، قلبي كان حاسس هو ليه إتلاعب بالقضية، هو كان طمعان فى دُرة من البداية.
لوهله لم يفهم حاتم معني قولها فسألها بتوضيح:
قصدك إيه بانه كان طمعان فى دُرة من البداية.
إرتبكت قائلة بتبرير:
جصدي واضح، شافها وعجبته، وهو معندوش أخلاق، عادي يطمع فى أي شئ ويعمل المستحيل عشان يوصله بسهولة زي ما عمل وكتب كتابها عليها، بعد ما ضحك على عقل شاهر وتلاقيه كمان عطاه رشوة وقبل يكتب كتابها بتوكيل منها له، طول عمري مش برتاح لـ شاهر ده خالص، خبيث زي كريمان مصراوية جريئة،ضحكت على عقل مختار زمان وعاند وإتحدي الكل وإتجوزها، حتى دُرة زيها عاشت فى مصر وخدت طباع من أم أمها أكيد، بس يمكن حُبها لـ حسام هو اللى خلاها توافق علي الجواز منه رغم إعتراض مختار فى الاول بس هي موافقتها خلت مختار وافق، أكيد كريمان هي اللى كانت بتحرض مختار على رفض حسام.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
توقفت تبكي تضع يدها على صدرها قائلة بوجع روح حقيقي:
حسام إتقتل ومختار إتقتل والإتنين دمهم راح هدر وفى النهاية طوفان وصل للي كان عاوزه، و دُرة مع الوقت هتلين وتقبل بالأمر الواقع… يا حرقة قلبي.
شعر حاتم بالاختناق، وكأن الكلمات خرجت من قلبها لتحاصر صدره هو… مد يده ليمسك بكفها المرتعش، واكتفى بالهمس:
إنتِ شايلة كل الوجع ده فى قلبك لوحدك يا ماما.
نظرت له بعينين تغمرهما الدموع وقالت بصوت مخنوق:
من يوم الحُكم بتاع القضية وأنا قلبي كان حاسس وشايفه اللى جاي، دلوق طوفان هو اللى فاز.
شعر حاتم بالغيظ والغضب يتملكان منه لكن تماسك أمامها بصعوبه قائلًا بتوعد:
مستحيل أستسلم يا ماما ودمار طوفان هيكون على إيديا.
❈-❈-❈
بمنزل والد دُرة
هي الأخرى استيقظت تشعر بالإرهاق، كأن النوم بات خيطًا رفيعًا يتقطع كلما حاولت الإمساك به. كانت لياليها مؤخرًا شبيهة بساعات معلقة بين الصحو والكوابيس، لا راحة فيها ولا طمأنينة… رفعت رأسها عن الوسادة بتثاقل، تنظر إلى السقف وكأنها تبحث فيه عن سبب ذلك الضيق العالق في صدرها… كل ما حولها صامت، لكن عقلها يضج، لا يكف عن سرد الصور والذكريات والأفكار… وكأن السكون حولها يفضح الصخب بداخلها.
بصعوبة نهضت من فوق الفراش، بعد قليل ذهبت الى غرفة السفرة، نظرت بغضب وعصبية نحو شاهر الذي كان يتحدث مع باسل،تفوهت بغيظ وتريقة دون مقدمات:
عاوزه قسيمة كتب الكتاب أكيد معاك منها نسخة بصفتك وكيل العروسة.
إبتلع شاهر اللّقمة التى كانت بفمة وإرتشف خلفها المياة قائلًا بهدوء ظاهري:
طبعًا معايا نسخة، بعد الفطار هجيبهالك.
نظرت له دُرة قائلة بأمر:
عوزاها دلوقتي.
بدون جِدال نهض شاهر غاب دقيقتين وعاد بتلك القسيمة… حاول التحدث قائلًا بتبرير:
والله أنا لو مش عارف إن طوفان بيحبك عمري ما كنت….
قاطعته وهي تأخذ القسيمة من يده قائلة بغضب:
بلاش تبريرات ملهاش لازمة… إنت تعتبر خونت الأمانة يا خالي العزيز.
أخذت دُرة القسيمة وقفت تقرأها قالت بإندهاش:
ما شاء الله مكتوب فى القسيمة تاريخ كتب الكتاب هو نفسه نفس اليوم اللى عملتلك فيه التوكيل
توقفت تشعر بإندهاش ثم تحدثت بذهول:
كمان مش معقول أول شاهد على كتب الكتاب يبقي
“الشيخ عرفه”!
أكملت قراءة القسيمة توقفت مرة أخري ثم جخظت عينيها قائلة:
مكتوب المهر إتنين مليون دولار، ومفيش مؤخر!
إزدردت شاهر ريقه، بينما نظرت له دُرة بإستهزاء قائلة:
طب فين الإتنين مليون دولار مهري، دلوقتي لو حبيت أخلعه هجيبهم منين، مش كنت تتأكد إنه دفع المهر الأول.
برر شاهر قائلًا:
أنا عندي ثقة فى طوفان ومتأكد أنه عمره ما هيغصبك تعيشي معاه والمبلغ ده مجرد رقم مالوش أي قيمة.
إستهزأت دُرة، وتركت شاهر بلا جِدال، خرجت الى حديقة المنزل تستنشق الهواء لم تُفكر وفتحت هاتفها قامت بإتصال سُرعان ما رد عليها بصوت هادئ:
صباح الخير يا دُرة.
لم ترد عليه الصباح وتفوهت مباشرة:
مكتوب فى قسيمة الجواز، إن المفروض المهر بتاعي إتنين مليون دولار، مش شايف إن المبلغ كبير أوي، كمان المفروض المبلغ كان يبقي زي القسيمة مثبوت فى رصيدي فى البنك.
إبتسم طوفان يعلم أن دُرة لا يفرق معها المال، لكن راوغ قائلًا:
المبلغ فعلًا هيتحول لرصيدك فى البنك يوم فرحنا.
تهكمت دُرة قائلة:
واضح إنك واثق من نفسك أوي، عالعموم أنا ميهمنيش فلوسك قصدي دولارتك، أنا عاوزة أرض بابا اللى أشتريتها.
إبتسم طوفان قائلًا:
لكل مقامِ مقال يا دُرتي، نبقي نتفاهم عالأرض بعدين، ودلوقتي مضطر أقفل عندي ميعاد مع عميل مهم، عاوز أخلصه بدري عشان راجع المنيا المسا لأمر هام، يلا خدي بالك من نفسك، إنتِ مبقتيش مِلك نفسك دلوقتي.
فهمت تلميحه، فاغلقت الهاتف بغضب، تقبض بيدها على الهاتف بعصبية، طوفان يقوم بسد الطُرق أمامها ويستغل الأقرباء وأصحاب الثقة لديها…
إن كان بداية من الشيخ عرفة
نهاية بخالها شاهر
❈-❈-❈
مساءً
رغم سفره وعودته بنفس اليوم، وشعورة بالالم والإرهاق الجسدي، لكن يود إنهاء ذلك الموضوع الليلة.
بغرفة الضيوف الكبيرة بقصر طوفان
دخل على الموجودين بالغرفة بهيبة خاصة تصحبه، وهم يقفون حتى أشارلهم بالجلوس، مُلقيًا السلام أولًا ثم جلس خلفهم، تنحنح بثبات قائلًا:
بدون لف ودوران إنتم معظمكم عارفيني مش بحب الرغي الكتير، أنا طلبت إننا نجتمع الليلة لأمر مهم، هيحدد مين فى الفترة الجاية هيبقي سند معايا ومين اللى هتظهر حقيقته.
قال ذلك ونظر نحو عزمي الذي تسرع بالنفاق قائلًا:
إنت عارف إن عيلة مهران كلياتها فى ضهرك ومحدش يقدر يعترض على كلمة منك.
نظر له طوفان بنظرة باردة، خالية من الابتسامة، وقال بنبرة ثقيلة:
ماليش فى الحديت المُجامل ده مكانه مش هنا، يا خالي.. اللي في ضهري بجد، مش محتاج يفضل يقولها كل شوية.
سادت لحظة من الصمت المشحون، تبادل فيها الحضور النظرات المتوترة، قبل أن يتابع طوفان وهو يوزع نظره بين الوجوه:
– الليلة دي، أنا مش طالب تأييد بالكلام… أنا طالب فعل. واللي هينفذ، هو اللي هيكمل معايا الطريق. والباقي… ربنا يسهل له.
ارتفعت بعض الحواجب، وتبدلت بعض الوجوه، بينما طوفان نظر لهم بهدوء قائلًا:
أنا سبق وقدمت وليد بنفسي للـ الشرطة وجولت الجانون هو اللى يُحكم، بس كان فى راسي غرض تاني، إن الموضوع يهدى عشان وجتها كان سهل الأمر يطور وندخل فى مشكلة تار سواء مع عيلة غُنيم، أو عيلة بدران… وبعد حُكم المحكمة اللى كنت متوقعة، بسبب ضياع سلاح الجريمة والطب الشرعي اللى أثبت إن الرصاص كان من سلاح مش مترخص، وشهادة الشهود اللى فى منها إتغيرت، الحُكم زي ما انتم عارفين، يعتبر فى عُرفنا حُكم مُخزي
واللى حصل فى المحكمة من حاتم، وبعده من الدكتورة دُرة يأكد إننا بنواجه غضب ممكن يستفحش لو متصرفتش بسرعة وكان فى حُكم عُرفي هو اللى ممكن يهدي بل ممكن ينهي أي عداوة لينا مع عيلة بدران وعيلة غُنيم، وده سبب إجتماعنا النهارده، ومش مستعد أسمع أي إعتراض من أي شخص موجود.
كانت عيني طوفان تنظران الى عزمي الذي تحدث بغطرسة قائلًا:
وإيه هو الحُكم ده، طالبين فِدية مالية… بسيطة ندفعها لهم ونخلص…سبق وكان بين العلتين دول خلاف على حتة أرض كام فدان وإنت إشتريتها،يعني” الدِية” ندفعها وننهي الخصومة.
نظر له طوفان بإزدراء لكن تحدث بثبات:
هو فعلًا المطلوب
“الدِية”
بس مش دِية مالية،المطلوب هو
إنت ووليد تقدموا كفنكم
لعيلة غنيم… وكمان لعيلة بدران.
صاعقة ضربت عقول الجالسين، وبإعصار أقوي ضربت عقل عزمي الذي نهض واقفًا يقول بغضب عارم:
ده مستحيل يحصل.
ببرود نظر له طوفان قائلًا:
إقعد يا خالي وبلاش تسرُع، اللى بقول عليه ده لمصلحة العيلة كلها، وأولها إنت ووليد
وإفتكر إن حاتم بدران ظابط شرطة وسهل يلفق لـ وليد أي قضية ويضمن حُكم مش أقل من مؤبد، غير إن ممكن يجتله بالغلط ويقول كنت بأدي مهمتي الرسمية… التسرُع مش هيفيدك وجتها… وإنت واحد عارف إن رمي التُهم بالساهل.
جلس عزمي بعدما فهم إيحاء طوفان، أنه قد يكون عرف أنه هو من إفتعل قضية إتجار باسل بالعُملة الأجنبية، تحدث بتوتر:
بسيطة أسفر وليد خارج مصر يعيش فى أي مكان تاني ملك.
تهكم طوفان ضاحكًا بخباثة قائلًا:
وقتها يبقي سهلت المهمة تفتكر صعب يعرفوا وليد سافر فين، حتى لو سافر بطريقة غير شرعية.
إزدرد عزمي ريقه الذي شبه جف، قائلًا بمراوغة كي يحصل على تعاطف وتأييد بقية الموجودين:
وإنت موافق عالحديت الفاضي ده … ولا يكون براسك غرض تاني عاوز توصله، أنا سمعتك يوم ما وليد خرج من الأحداث وبنت مختار غنيم بتتوعد بجتل وليد، إنت…
قاطعه طوفان بثقة قائلًا:
أنا فعلًا بحب الدكتورة دُرة… وده مش شئ يعيبني…
أخدها عزمي عليه وقاطعه قائلًا بنبرة تحريض:
أها يعني إنت عاوز توطي راس العيله كلياتها عشان خاطر تنول عشج الدكتورة دُرة.
بنبرة فخر تحدث طوفان:
العشق مش عيب، وأنا مش بوطي راس العيلة بالعكس أنا هدفي مصلحة الجميع، إن الدم يتوقف، وتقديم الكفن هو الحل الوحيد…
لان لو إنت رفضت أنا أول واحد هسلت يدي عن حمايتك إنت ووليد، والقرار دلوق لبقية كُبرات العيلة وهو اللى هناخد بيه.
نظر عزمي بتوهان لوشوش الموجودين وهم يتهامسون فيما بينهم، كذالك طوفان الذي يجلس فاردًا صدره يتوقع الحصول على دعمهم، وقد كان وصل الى ما يريد
توافق الجميع مع طوفان…
نهض عزمي غاضبً يقول بغيظ:.
كلياتكم هتوافجوا على حديته، إنه يرمي رجالة وهيبة العيلة تحت أقدام مراه عاوزها.
والصمت كان الرد بمؤازة طوفان، وعزمي وجب عليه الإنصياع لقرار طوفان.
❈-❈-❈-❈-❈
باليوم التالى
بتلك الغرفة الكبيرة بمنزل الشيخ عرفة
كان هنالك لفيف من كبار البلده ورجال مجلس الشعب، بحضور
طوفان وعزمي
كذالك باسل وحاتم ووالده
تنحنح الشيخ عرفة بعدما قرأ آيات من القرآن تدل على أحقية القصاص، كذالك أحقية العفو بعد التسامُح والتصالُح… ثم تحدث مباشرة عن موافقة عزمي وإبنه بتقديم كفنيهما الى
باسل كذالك والد حسام
أومأ باسل برأسه موافقًا كذالك والد حسام، بينما قبل أن ينطق أحدهما تحدث حاتم بإعتراض قائلًا:
فى طلب هام قبل ما يقول والدي قراره بالموافقة أو الرفض…
نظر له الشيخ عرفة سائلًا:
وإيه هو الطلب ده يا سيادة الضابط.
نظر حاتم نحو طوفان وتحدث بثقة وتعالي:
بما إن السيد طوفان بقي يعتبر صهر عيلة غُنيم، أنا كمان بطلب المُصاهرة وتبادل النسب بينا، واللى أعرفه إن السيد طوفان عنده أخت، وأنا بطلب إيدها للجواز.
❈-❈-❈
ذُهل جميع من بالغرفة ليس فقط طوفان الذي استقبل العرض بهدوء قائلًا بثبات:
فعلًا عندي أخت بتدرس فى الجامعة وهي بره الإتفاق المعروض،كمان جوازي من دُرة تم بموافقتها،و..
قاطعه حاتم بنبرة تصميم:
كمان تقدر تسأل أختك عن ردها،وحكاية إنها فى الجامعة مش عائق تقدر تكمل دراستها فى الجامعة ومعتقدش الجواز هيأثر على دراستها .
أومأ طوفان برأسه ببطء، كأنه يستوعب الصدمة على مراحل، ثم التفت نحو الشيخ عرفة الذي يجلس جواره، كأنّه يبحث عن تفسير، دعم، أو حتى اعتراض… لكنه أومأ بصمت، تفهم طوفان نظرته، عليه الحفاظ على هدوء الجلسة
بينما لمعت عيني عزمي، كأنها فرصة ود أن يتحدث ويقوم بإثارة الضجة قد تنتهي الجلسة وتنفض دون إتفاق، لكن سبقه طوفان
تنحنح قائلًا بنبرة أقل حِدة مراوغًا:
أنا مش ضد فكرة الجواز، بس أختي ليها شخصيتها وقراراتها… وده قرار مصيري، مكنش ينفع يتقال كده فجأة… ومش أنا صاحب القرار فيه.
ابتسم حاتم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تضع الطمأنينة فى قلب الجالسين قائلًا:
وأنا مقدّر ده، وعشان كده بقولك تسألها… وهحترم قرارها أكيد… أنا ماجيتش أفرض حاجة، بس شايف النسب هيقوي ويعزز التصالُح… وزي ما قلت، الجواز مش هيعطلها، بالعكس، يمكن يكون سند ليها.
سادت لحظة صمت، مشحونة بالحرج والتوتر… لم يتحدث حاتم لكن نظرته كانت صلبة، كأنّه يرا شيئًا أهم من الكلام … يخطط لأبعد من ذلك.
تنهد طوفان وهو يتغاضي عن نظرة الجميع قائلًا:
هكلمها… بس القرار قرارها، وأنا مش هاخد خطوة غير لما أكون متأكد إنها موافقة ومقتنعة.
لمعت عيني حاتم بظفر قائلًا:
وأنا قولت هحترم قرارها، رغم شايف النسب فى مصلحة الجميع.
نظر طوفان لـ حاتم شعور بعدم الراحة مُتبادل بينهما، كأن كل منهما يقرأ تفكير الآخر به، لكن رسما بسمة طفيفية.
❈-❈-❈
في مساء نفس اليوم
بمنزل طوفان
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مع مُضي وقت حاول أن يُرتّب أفكاره، دخل طوفان البيت بخطوات متعبة… رفع رأسه لأعلى تنهد بصبر، كُل الأثقال مُحملة بصدره وهو عليه تحمُل كل تلك الأثقال برحابة ليس غصبً، لمعت عيناه بحنان، حين رأي جود
تجلس بشُرفة غُرفتها ، بين يديها كتابً … جود ليست فقط شقيقته الصغري، بل بمثابة إبنته الذي كان يحملها منذ صغرها، كان الحماية لها حتى بوجود والدهم، كان حظها أنها فتاة فإبتعدت عن قسوة والدهم، هي إخد القطع اللينة بقلبه، لا يود إرغامها وإدخالها بفجوة بركان قد يثور ويسحبها نحو هاوية، بعقله إتخذ قرار، لكن يُخبرها بعرض حاتم، وسينهي العرض بالرفض، دخل الى داخل المنزل إبتسم حين سمع صوت وجدان تتحدث مع شُكرية بشُرفة قريبة من الرُدهة، توجه نحوهن،ألقي عليهن السلام.. نهضت شُكرية مبتسمه قائلة:
يسعد مساك يا طوفان، أحضر العشا.
أومأ لها برأسه بموافقة… غادرت شُكرية، بينما نظرت وجدان الى وجه طوفان،لو أخفي عن الجميع حقيقة ثُقل ما يتحمله هي الوحيدة التي تفهمه من ملامحة.. أشارت له بيدها ليجلس جوارها على الآريكة، بالفعل جلس جوارها، وضعت يدها على كتفه بحنو سائلة:
مرجعتش طول اليوم جولي إيه اللى حصل فى الإجتماع اللى كان بدار الشيخ عرفه.
تنهد بضيق قائلًا:
يعتبر الإتفاق تم، بس فى حاجه حصلت من حاتم، مفكر إن بكده ممكن يحط الاتفاق فى خانة عدم التنفيذ..بس غلطان.
بإرادة معرفة سألته:
وإيه اللى حصل من حاتم ومضايقك كده.
أجابها:
حاتم طلب يتجوز من جود.
نظرت وجدان له بتعجُب كأنها تستفسر ما سمعته ثم سألته:
حاتم يتجوز من جود، يعرفها منين.
أجابها:
معرفش بس أكيد عارف إن عندي أخت، حاسي بنوايا خبيثة من حاتم.
تفهمت هي الأخرى سائله:
جصدك بايه بنوايا خبيثة، إنه ممكن لو رفضت طلبه، ميقبلش الصُلح.
أجابه بإيماءة من راسه قائلًا بتبرير:
مش حكاية ميقبلش الصُلح، لان سهل أقول الموضوع ده خارج الإتفاق، بس من طريقة كلامه وتصميمه حسيت عنده نوايا تانية، زي ما يكون نظام تحدي فى دماغه، زي ما إنت إتجوزت دُرة أنا هتجوز من أختك، جود غالية عندي أوي ومش هستحمل إنها تدخل صراع هي ملهاش يد فيه.
تفهمت وجدان ذلك وتنهدت بتفكير قائلة:
أنا أعرف بدرية من وإحنا صغيرين، طول عمرها عندها عُقدة نقص فى دماغها، إنها مش من عيلة غُنيم وإنها أخت مُختار من الأم فالبتالي مورثتش فى الأرض بتاعت أختها وكلها راحت لـ مُختار حتى بعد النزاع اللى حصل بينه وبين عيلة بدران عالارض لأنه هو اللى كان واخدها عنده بعد ما جوزها مات، جوزها اللى كان من عيلة بدران اخواته فكروا ان لهم ميراث فى الأرض، بالذات
“مرعي بدران”
زفر طوفان نفسه بإزدراء قائلًا:
“مرعي بدارن”
فعلًا بسببه عمي مختار طلب مني أشتري الأرض دي، مرعي قلبه مليان سواد، عنده حقد قادر يقوم حريق وسط البلد ومش هيهمه مين يتحرق حتى لو واحد من ولاده إتحرق.
وافقت وجدان ذلك وتنهدت تنفض ذلك الثُقل عن صدرها قائلة:.
فعلّا ربنا يكفينا شره، دلوق سيبني أنا أتحدت ويا جود، نشوف رأيها أيه، رغم عندي شبة يقين مش هتوافج بس من باب التوكيد.
كانا يتحدثان لم يرا تلك التى سمعت حديثهما صدفة بعدما رأت طوفان وهو يدخل الى المنزل تركت الكتاب، تركت الكتاب ونزلت كي تطلب منه عمل بطاقة إئتمانية أخري بدل تلك التى تبدلت مع بطاقة حاتم، صدفة كادت تدخل الى الشُرفه لكن توقفت خين سمعت إسم حاتم، كانها إلتصقت بمكانها، سمعت حديث طوفان مع والدتهما، إنتفض قلبها بداخلها، شعور جديد وله سطوة فى قلبها ينبُض، قبل أن تستكمل بقية حديثهما، نظرت حولها لم تجد أحدًا غادرت الى غرفتها دخلت تشعر بنبضات قلبها العالية، شعور بالسعادة يغزوا قلبها، كأنها لم تنتبة لحديث طوفان الخائف من نوايا حاتم، فقط سمعت ما اراده قلبها البرئ… ظلت بغرفتها ترسم أماني وأحلام تحقيقها ليس بعيد كما ظنت.
❈-❈-❈
بعد وقت
بغرفة جود
مازالت تنتظر أن تدخل والدتها الى الغرفة
بالفعل سمعت صوت فتح باب الغرفة
تبسمت حين دخلت وجدان تحدثت لها بحنان قائلة:
كنتِ هتنامي.
اومأت رأسها برفض قائلة:
لاء، كنت هسهر أقرى كتاب عجبني وإشتريته أونلاين.
إبتسمت لها بحنان وجلست على آريكة مُقابلة للفراش قائلة:
تعالى نقعد شوية مع بعض نتكلم شويه.
إبتسمت جود بقبول وإقتربت منها بهدوء، وجلست جولرها على تلك الآريكة ، تحدثن مع بعض قليلًا بأحاديث مُتشعبة كانت جود تترقب حديث والدتها عن عرض حاتم، بعد عدة حوارات بينهم، بلا مقدمات تفوهت وجدان بتوقع لـ رفض جود كما حدث سابقًا، حين أخبرتها أن هنالك من تقدم لخطبتها وقتها
وضحكت ضحكة إستغراب،وأخبرتها أنها لا تُفكر بالزواج قبل إنهاء دراستها على الأقل…
جود في موضوع مهم حابة أسمع رأيك الأول.
تسألت بفضول قاىلة بتحريض:
موضوع إيه يا ماما.
صمتت وجدان للحظة، ثم قالت لها بجديّة:
فى عريس متقدملك.
توقفت وجدان تتوقع رد جود سيكون كما السابق
“انا مش ضد الجواز يا ماما، بس مش دلوقتي… عندي طموحات ونفسي أكمل الماجستير، والجواز مسؤولية كبيرة… لازم أكون مستعدة ليه عاطفيًا وعقليًا”.
لكن خاب توقع وجدان حين ظهر الخجل على وجه جود التى سألت بحرج:
ومين العريس ده يا ماما.
رد جود وحده أدهش وجدان،ظنت سترفض بلا إرادة معرفة هوية العريس،لكنها أخبرتها به وبعائلته:
العريس يبقي”حاتم بدران” بيقولوا ظابط شرطة، معرفشي تعرفي أهله أو لاء.
ابتسمت وجدان بعدما لاحظت لمعة حيرة في عيني جود، كانها تُفكر بالرفض، لكن خاب ذلك حين قالت:
أعرفهم أسماء بس يا ماما، أكيد طوفان يعرف بالموضوع ده، هو رأيه إيه.
أجابتها وجدان:
طوفان قال قرارك هو الأهم.
إبتسمت جود قائلة
أنا عارفة إن طوفان أخويا طول عمره دايمًا بيحميني، وعمره هيفضل هو السند اللى يقويني، وبسببه مش بخاف من نتيجة أي خطوة… أنا عمري ما كنت بدور على فارس الأحلام، بس لو الشخص اللي متقدم لى شخص محترم، ونيته صافية، وإبن ناس طيبين… ليه لاء
وعشان كده، أنا موافقة يا ماما.
إستغربت وجدان من ذلك، حتى أنها قالت لها بنُصح:
خدي وقت وفكري قبل ما تقولى قرارك النهائي.
هزت جود رأسها بحياء قائلة:
حاضر يا ماما هفكر تاني.
إبتسمت وجدان وضمتها قائلة:
فكري كويس، الجواز مش قرار سهل ده رحلة عُمر ولازم تبقي قدها.
اومأت جود بإبتسامة.
بعد قليل نهضت وجدان وتركت جود، نهضت جود هي الأخري تتبع بعينيها خروج والدتها الى أن أغلقت خلفها باب الغرفة، توجهت نحو الفراش تمددت عليه، تترك لنبضات قلبها العنان، تشعر بسعادة فقط، لن تتراجع فى قرار الموافقة
❈-❈-❈
صباحً
علم طوفان من وجدان بموافقة جود مبدائيًا، إستغرب هو الآخر ذلك، لكن هو لن يضغط عليها، بعد نهاية الإفطار…
دخل الثلاث الى إحد الغرف نظرت وجدان الى جود قائلة بتحذير:
قولي قرارك النهائي يا جود الجواز رابطة العمر كله.
أبتسمت جود بحياء قائلة:
قولتلك قراري من إمبارح يا ماما، ليه حاسة إنك خايفة بزيادة.
تنهدت وجدان قائلة:
مش حكاية خوف، بس ده جواز، وجواز العُمر كله.
نظرت جود نحو طوفان وتبسمت قائلة:
بس أنا مش خايفه من حاجه يا ماما، عشان عارفة إن فى ضهري طوفان دايمًا، مستحيل يسمح بأي حاجه تأذيني.
نظر لها طوفان وإقترب مُبتسمً ضمها من كتفها قائلًا:
مين اللى يجي فيه قلب يقدر يأذي ملاك زيك يا جود، مستحيل طبعًا، الا لو كان مُختل عقليًا وقتها أنا هضمن جنانه رسميًا.
إبتسمت جود بإمتنان تشعر بقوة فى قلبها منبعها قوة تُماثل طوفان.
…***
بعد قليل عبر الهاتف
كان حاتم يجلس بقسم الشرطة الذي يعمل به،يمسك تلك البطاقة الائتمانية الخاصة بـ جود لا شيء برأسه سوا أنه يود معرفة قرار طوفان، ربما يشعر براحة قلبية، أو زيادة غليان فى صدره، لن يترك طوفان يهنئ على بؤس قلب والدته…
فى أثناء ذلك صدح رنين هاتفه، نظر لشاشته
زفر نفسه وجذب الهاتف بترقُب بعدما قرأ إسم طوفان… إلتقط نفسًا طويلًا قبل أن يقوم بالرد، بلا تردُد، بعد السلام والمراوغة المُتعمدة من طوفان،فقد حاتم الصبر تصلب فكيه، قبض على البطاقة بقوة حتى ابيضّت أنامله، ثم قال بنبرة خافتة لكن حاسمة:
أكيد مش متصل عليا عشان نتساير فى حكاية تقديم الكفن، ممكن تقولي قرارك بشأن طلب إيد أختك، قرارها إيه.
بمراوغة من طوفان أصبح يكون فكرة عن أخلاق حاتم،يبدوا أنه شخص لا يعرف التحكم فى أعصابه،خفق قلبه بقلق على جود وحياتها معه كيف ستكون،كاد يرفض ألاجابه لكن تذكر موافقتها،لم يغصبها على ذلك،فأجابه ببرود:
تقدر تبعت والدتك تقعد مع الحاجه وجدان، والمسا تجيب والدك وتشرفنا فى القصر.
إرتخت قبضة يده يشعر بظفر حتى لو لم يتفوه طوفان بالقبول مباشرةً لكن ما قاله كافي ودليل على الموافقة… أغلق الهاتف مع طوفان ونهض سريعًا خارجً من القسم يعلم الى أين يذهب الآن
بعد قليل بالمقابر وقف أمام ذلك القبر الذي يحمل شهادة وفاة حسام، رفع يديه يقرأ الفاتحة حتى إنتهي قام بالدعاء لأخيه، ثم مسد بيديه على تلك الشهادة،ينفض ذلك الغُبار العالق عليها… بدمعة تحجرت فى عيناه وتفوه بثقة:
حقك هيرجع يا حسام، عارف إنك أكيد زعلان إن دُرة هتبقي من نصيب غيرك، بس أنا مش هسمح لهم بالسعادة، وهتبدأ رحلة إنتقام وطوفان هيندم على اليوم اللى فكر فيه يقرب من دُرة.
…..***
مساءً بمنزل طوفان
كان إستقبال طوفان لـ حاتم ووالده بترحيب، ثم اخذهم الى تلك الغرفة، تعجب حاتم من وجود الشيخ عرفة،كذالك عزمي الذي تنطق عيناه بغضب وكُره واضح،لكن عليه الصمت…
جلسوا معًا لبعض الوقت بحديث بسيط، كان كل من طوفان و حاتم كلامها يكتشف الآخر لكن واضح بينهم بعض الحزازية ببعض الشؤون، بالأخص حين تحدث حاتم:
أنا بقول ملهاش لازمة فترة الخطوبه، أنا شغلي فى الشرطة بياخد وقتي معظم الوقت فمش هبقي فاضي للحركات واللقاءات بتاع المخطوبين،أنا بقول نكتب الكتاب ونتجوز مع…
توقفت الجملة بحلقه،صعب عليه نطقها،لكن تحمل تلك الغصة فى قلبه وأكمل:
مع طوفان ودُرة.
ذُهل طوفان قائلًا بالسرعة دي مش معقول،إنت و وجود متعرفوش بعض،كمان تجهيزات العروسة.
تهكم حاتم بين نفسه قائلًا بحقد دفين:
مش محتاج أتعرف على أختك العينه قدامي…
بينما تفوه للعلن بثبات:
هنتعرف على بعض أفضل وإحنا متجوزين، كمان التجهيزات مش مُعضلة، أكيد تقدر تجهز أختك فى يوم، وأنا كمان الشقة عندنا جاهزة حتى بالعفش.
نظر والد حاتم له نظرة عينيه بسؤال، فأكمل حاتم حديثه:
شقة حسام جاهزة بالعفش.
نظر طوفان لـ حاتم بنظرة غضب وكاد يقف رافضًا، ذلك لكن سبقه الشيخ عرفة قائلًا بتهدئة:
خير البِر عاجله، بس فى التأني السلامة.
أومأ حاتم قائلًا بتبرير خادع:
إنتم عارفين إن شغلي فى الشرطة مُعرض دايمًا للتنقُلات فى الأقسام وبين المحافظات،ممكن فى حركة التنقُلات الجايه أروح أخدم فى مكان بعيد.
أومأ الشيخ عرفة بإقتناع.
بالنهاية وصل الى هدفه وتم تحديد عقد القران مساء يوم تقديم الكفن… كذالك الزفاف باليوم التالي مع طوفان ودُرة.
❈-❈-❈
بعد وقت
بمنزل دُرة
إستغربت دُرة من قول باسل عن طلب حاتم للزواج من أخت طوفان، تحدثت بدهشة ورفض:
أكيد طوفان هيرفض بدون جِدال.
خيب باسل توقعها قائلًا:
لاء من شوية حاتم كلمني وقالي إنه وافق وكمان قروا الفاتحة وحددوا كتب الكتاب والزفاف فى نفس يوم زفافك إنتِ وطوفان.
ذُهلت قائلة:
طوفان أميد عقله طار منه إزاي يوافق على حاجه زي دي، حاتم يعرف جود منين
جود شخصيتها رومانسية ممكن وافقت بضغط من طوفان.
تحدثت كريمان بسؤال:
وهيضغط عليها ليه، دي أخته وأكيد مش هيضغط عليها بحاجة زي دي فيها مستقبلها.
إحتار عقل دُرة تركتهم وصعدت الى غرفتها فتحت هاتفها قامت بإتصال
سُرعان ما رد عليها طوفان قائلًا:
بصراحة مكنتش مصدق إنك تتصلي عليا لما قريت إسمك عالشاشة قولت أكيد بحلم.
تفوهت بنبرة إعتراضها:
إزاي وافقت على جواز حاتم من جود.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أجابها بهدوء:
أنا واقفت بعد ما سألتها وهو وافقت بدون…
قطاعته بغضب، لكن حديثها مثل الرصاص:
بس هي مش قطعة شطرنج في صفقة، ولا ورقة في ملف… أختك إنسانة… ومينفعش تبقي كأنها بند في اتفاق.
عاود طوفان حديثه بحزم:
أنا مستحيل أدخل أختي فى أي إتفاق يا دُرة، انا قولت لماما وماما إتكلمت معها وهي وافقت بدون أي ضغط من أي حد عليها، وأنا طول اليوم مُرهق، ومحتاج أخد شاور بعدها أنام، تصبحي على خير.
أغلق طوفان الهاتف دون إنتظار، سبب ذلك غيظ بعقل دُرة قائلًا:
قفل فى وشي، الحقير مفكر إنه الحاكم بأمره والجميع لازم يوافقوا على أوامره، حقير أناني ميهموش غير راحة نفسه حتى لو على حساب غيره.
بينما بمنزل طوفان
كان مُشتاقًا لها، وفكر فى الإتصال عليها قبل أن تتصل عليه ود أن يُشاغبها قليلًا يستمتع بالحديث معها، لكن إتصالها وطريقة حديثها تلك لو أطال معها فى الحديث، ستتحامل عليه، وهو مُرهق، لو أحد غيره بعدما مر عليه بالفترة الأخيرة وتحمله وهو مُصاب برصاصتين فى جسده ما زال جرح جسده لم يلتئم مكانهم،لكان برك بالفراش،لكن هو يُقاوم ويقاوح كي يحصل على راحة قلبه منها، قبل راحة جسده.
هي دواؤه وسُقمه، شغفه وبلواه، وفتنته الذي مهما حاول يهرب منها، يعود لها…
خلع ثيابه وبقي بسروال داخلي فقط،إلتقط برشامه وأبتلعها بقليل من المياة،ثم تمدد على الفراش لحظات قبل أن يغفوا يفصل لوقت يستعد للإعصار القادم.
❈-❈-❈
مرت عِدة أيام
بظهيرة يوم الجمعة
والطقس شبة حار بل حار جدًا
بالساحة المُقابلة لأحد مساجد البلدة
نشاط أمني واسع ومُكثف حول المكان، حضور كبار الشخصيات بالمحافظة وأعضاء المجالس النيابية،كذالك شيوخ من الأزهر،وبعض القساوسة…لفيف واسع من الحضور،وترقُب وخوف
وعلى الجهة الأخري غضب عارم من
وليد وعزمي المغصوب على فعل ذلك وقام بالغصب أيضًا على وليد الذي قالها صريحة:
لو سيبتني كنت فرغت السلاح فى دماغ طوفان نفسه والشيخ عرفة معاه، ده ذُل لينا.
نظر له عزمي بغضب:
السلاح اللى جتلت بيه إتنين قبل إكده لو مش التحايل ودفع الرشاوي للشهود كان زمانك لساك بالسجن، عدي اليوم مش عاوز مشاكل، المرة دي لو حُصل حاجة هتبجي جريمة علني.
غصبً إمتثل وليد متوعدًا:
مش هنساها لـ طوفان وهدفعه تمنها غالي، بس كل شئ بآوان.
بعد وقت
تحت تلك الشمس الحارقه
خطاب ديني عن القصاص والتسامُح
أعقبه
وقوف بعض الأهالى على الصفين، ومن الوسط مرور كل من وليد وعزمي اللذان يحملان كفانيهم فوق أيديهم…يسيران من بين الصفين بخطوات غاضبة
حتى وصلا الى مكان وقوف كل من
والد حسام وباسل
إنحني عزمي أولًا أصبح جاثيًا على ركبتيه أمام والد حسام، ورفع يديه بالكفن
بينما هنالك ترقُب ونظرات مُريبة لـ وليد الذي لوهله تحكم به الكِبر وفكر بالهرب، صمت خيم للحظات توقفت بعض القلوب عن النبض خوفً من نقض الإتفاق المُسبق… لكن كلمة نطقها طوفان، أدخلت الرُعب فى قلب وليد الجبان، حين نطق بإسمه وبأشارة من رأسه أمره
-وليد..
لا داعي للنظر نحو طوفان، فلو فكر وليد بنقض الإتفاق أصبح مهدور دمه، تحكم الجُبن بقلبه غصبً فعل مثلما فعل عزمي ووجثي على ركبتيه أمام باسل رفع يديه بالكفن
لم يُفكر
والد حسام، ولا باسل وتقبلا ذلك وأخذا الكفنين من إيديهم، بلحظة كانت تُذبح الذبائح فدوًا وعفوًا مقبول…وسط همزات الأهالى.
❈-❈-❈
مساء
بمنزل طوفان
بتلك الغرفة الكبيرة، يوجد نفس كبار الشخصيات التي حضرت ظهرًا، ها هم يحضرون
عقد القران أيضًا
جلس كل من
طوفان وحاتم بالمواجهه لبعضهم،بالمنتصف كان يجلس المأذون،الذي طلب منهما وضع إيديهم ببعض،بالفعل حصل ذلك،نظر حاتم و طوفان لبعضهما كل منهما بداخله تحفُظ من الآخر لكن يمتثلا للقدر الذي لا يعلم أحدهما الى أين سيصل بهم مستقبلًا…ربما يصبحان صديقان،أو يظلا غريمان…
بالنهاية تم عقد القران، وبالغد سيكون العُرس
❈-❈-❈
بنهاية اليوم التالي
بأحد القاعات الفخمة كان العُرس الذي انتظره الجميع، تتلألأ الثريات في السقف كنجوم مُعلقة، وتعزف الأوتار أنغامًا تُغازل الروح… العروستين كُن كأميرات من زمنٍ الحكايات، تخطوان بخجلٍ وبهاء نحو مصيرٍ كُتب لهن… بين العيون والهمسات… أما العريسين، فكان الوقار والهيبه بثياب أنيقة..
كان الحضور مزيجًا من أهل وأصدقاء،ومعارف وشخصيات لها مكانتها…. تتعالى الضحكات تارة، وتتوارى الدموع خلف ابتساماتٍ مجاملة تارة أخرى….
ليلة أسطورية انتهت…
أخذ كل عريس عروسه إلى حيث تبدأ الحكايات على مهل، حيث تُخلع الأقنعة، وتُكشف النوايا، وتُولد التفاصيل الصغيرة التي تصنع عمرًا.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
إستقبال حافل من والدة طوفان ومعها سامية وكوثر اللذان يشعران بإحتقان وحقد، بينما رحبت وجدان بها بدبلوماسية…
لحظات وإنتهي ذلك الترحيب التى شعرت دُرة به بكثرة الرياء
صعدت بصُحبة طوفان الى الأعلى توقف طوفان
فتح باب الجناح وتنحي جانبًا يبتسم ، رفعت دُرة ذيل فستان الزفاف ودلفت الى الغرفة تشعر بضجر، أزداد حين دلف طوفان وأغلق الباب، إستدارت تنظر له بغضب قائلة بإستهجان:
إنتَ بتعمل إيه.
رمقها طوفان بنظرة متفحصة، قبل أن يميل برأسه قليلاً، والابتسامة لا تزال معلقة على شفتيه… قائلًا بهدوء مستفز:
داخل أوضتنا.
زفرت بضيق، قبضت على ذيل فستانها بقوة وكأنها تحاول أن تستمد منه بعض الثبات، ثم قالت بحدة:
أوضتنا، القصر فيه أوض كتير شوفلك أوضة تانيه نام فيها ،
ده جواز صفقة، إنت مفكره جواز بجد.
اقترب خطوة، مما جعلها تتراجع لا إراديًا… تأمل توترها للحظات قبل أن يجيب بصوت منخفض لكن يحمل من التهديد ما يكفي لإشعال الرهبة في قلبها:
حتى لو جواز صفقة فأنا ليا حقوق .
اتسعت عيناها للحظة، قبل أن تستعيد رباطة جأشها، متظاهرة بالتماسك، ثم رفعت ذقنها بتحدٍ وتحدثت بصوت ثابت:
حقوق… ها، واضح إنك……
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، كصياد يُحكم قبضته على فريسته… لم يمنحها فرصة الحديث ، قاطعها مباغتًا يجذبها من خصرها،بعدما قطع المسافة بينهما في غمضة عين، بلحظة ضم شفتيها بين شفتيه يُسكت احتجاجها بقُبلة متملكة، سلبت أنفاسها، ثبتها بين ذراعيه عاجزة عن المقاومة.
لوهلة تصلبت في البداية، عقلها يصرخ بالأوامر للابتعاد، للرفض، لكن جسدها خذلها للحظة، كأنها علقت في دوامة أحاسيس لم تواجهها من قبل… نبضها تسارع بعنف، ويداها كانهم دِرع هش، ترددت بين الدفع والتشبث…. حتى عادت تُدرك ما يحدث، انتفضت بقوة، تحاول الإفلات، لكن ذراعيه شدد قبضته حولها، كمن يفرض سطوته بلا نية للتراجع… همست باسمه بانفعال، نبرة صوتها متأرجحة بين الغضب والاضطراب، فشعر برجفتها الطفيفة، لكنه لم يبتعد… وعاد يُقبلها… متملكً من شفتيها….مُحاولًا فرض سيطرته على تمرُد يديها اللتان تدفعه بهن، كاد أن يفرض هيمنته لكن رنين الهاتف قطع الأجواء كضربة قاسية أعادتها للواقع بعنف… تجمد كلاهما، أنفاسها المتقطعة تتلاحق، وصدره يرتفع ويهبط ببطء، كمن يحاول كبح شراسة رغبته غير المكتملة.
استغلت اللحظة، دفعته بيديها بقوة على صدره، فاختل توازنه لثانية، بما يكفي لتبعد عن ذراعيه، تلهث وكأنها خرجت من معركة خاسرة.
ابتسم ومد يده أخرج الهاتف من جيبه، نظر لشاشته ثم لها،لاحظ إرتجاف يديها تُحايد النظر إليه، وهي تُعطيه ظهرها ما زالت تشعر بحرارة لمساته تطبع أنفاسها، بصره المشتعل يلتهمها بصمت.
ضغط على زر الرد محاولة جلي صوته، يستمع لمن يحدثه، سريعًا أنهي الإتصال قائلًا:
تمام أنا نازل حالًا.
أغلق الهاتف ونظر نحو دُرة التى أعطته ظهرها ، لكن هو تخابث وذهب نحو الفراش جذب ذلك الرداء النسائي،ثم عاد يسير توقف خلفها مباشرةً، كظلٍ قائلًا بمكر:
ما تفكريش إنكِ هربتي… راجعلك تاني.
أنهي حديثه وجنب طرحة الزفاف عن عُنقها وضع قُبلة رقيقة على جانب عُنقها هامسًا:
مش هغيب كتير
هسيبك تغيري الفستان وتلبسي قميص النوم ده.
ترك الرداء بين يديها ثم غادر مُبتسمً يعلم أنها على شفى لحظة وقد تشتعل نارًا أو غضبًا، أو ربما بين الاثنين معًا… وقفت متسمرة، تنظر إلى ذلك الرداء الحريري بين يديها، أصابعها تنقبض عليه دون وعي، وكأنها تمسك بفتيل قنبلة على وشك الانفجار…زفرت نفسًا مرتجفًا، تشعر بالدماء تتدفق إلى وجنتيها بحرارة، بينما كلماته تواصل التردُد بعقلها ..كيف تركته يفرض سطوته بهذه السهولة،
رفعت عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاسها… وجسدها ما زال يعلوه فستان الزفاف الأبيض،
أغمضت عينيها لوهلة، تحاول تهدئة أنفاسها، قبل أن تستدير ببطء، تنوي تغيير الفستان، لو ظلت
لحظة واحدة فقط… كفيلة بأن تشعل المزيد من الضيق في أنفاسها… بلحظة
نزعت عن رأسها ذلك الوشاح الأبيض وألقته بقوة فوق الفراش بغضب شديد،استدارت بعصبية، تحاول خلع الفستان بحركات مضطربة، وكأنها تنزع عنها أثر كلماته التي ما زالت تتردد في أذنيها…خلعت الفستان وألقته بجانب الوشاح على الفراش، ثم نظرت إلى الرداء الحريري الذي تركه لها، تأملته باشمئزاز، وكأنه رمز لهيمنته التي يحاول فرضها عليها… زفرت أنفاسها
بحِدة قائلة:
مفكر نفسه شخصية مهمة… ولا ملك متوج.
رفعت ذلك الرداء النسائي بين أصابعها، مترددة بين تمزيقه أو تجاهله تمامًا….فكرت تعرف جيدًا لو مزقته سيظن أنه إنتصر … القته هو الآخر على الفراش
زفرت مجددًا، ثم ذهبت نحو خزانة الثياب ارتدت رداءً آخر، أكثر تحفظًا، كنوع من التحدي الصامت… ذهبت إلى الحمام ،توقفت لحظات قبل أن تفتح الصنبور،غسلت وجهها وشفتيها بقوة ، تُزيل أثر قُبلاته،لكن مازال الغضب مرسوم ملامحها،خرجت من المرحاض بخطوات ثابتة، مرفوعة الرأس، لتواجهه كما يليق بها… بلا استسلام.
بينما قبل لحظات،عاد طوفان الى الجناح نظر نحو الفراش،ضحك حين رأي فستان الزفاف،كذالك ذلك الرداء النسائي الشبه عاري،بمكر خلع ثيابه وبقي بسروال داخلي فقط ينتظرها ، مسندًا ظهره على إحد حوائط الغرفة، وابتسامة تتراقص على شفتيه، وكأنه كان يتوقع كل ذلك… فاجئها قائلًا:
إيه غيبك فى الحمام كنتِ بتفكري فى إيه.
قالها بنبرة صوت مستفزه.. جعلها ترتجف من الخضة،إبتسم من شهقتها ينظر لها بوقاحة قائلًا:
فى عروسة تلبس بيجامة سودة ليلة الدخلة،بس تصدقي اللون الأسود ملك الألوان،وأنا كمان أهو لابس شورت أسود بخطين حُمر مطقم مع لون البيجامة بتاعتك،دي هتبقي ليلة….
-ليلة سودة، وكُل لياليك معايا هتبقى سودة.
هكذا قاطعته دُرة بتحدي، بينما بعين عاشقة إقترب طوفان بخطوات بطيئة يتلاعب بعصبية دُرة المُمتعة له، قبل أن يُفاجئها ويجذبها من خصرها يضمها لصدره العاري بتملُك، ينظر نحو شفتيها اللتان تطبقهما بقوة
بطريقة مُغرية بالنسبة له، لم يهتم وهو يُقيد حركة يديها يُقبلها بنهم عاشق مُتيم، ترك شفتيها ليتنفسا، تحدث من بين أنفاسه المُتلاحقة:
إحنا هنلعب الليلة عالخطين الحُمر…الليلة فيضان هيغرقنا مع بعض
يا ” دُرة طوفان”.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل قليل بمنزل طوفان بغرفة الضيوف
جلسن كل من سامية وكوثر إنتهزن فرصة عدم وجود وجدان بينهن،استغلا الفرصة وبدأتا يغتبان معًا، تفوهت كوثر بنبرة إستنكار:
شوفتي بنت المصراوية والفُجر بتاعها، حتي مستنش يفوت سنة على موت ابوها وخطيبها اللى كان فى مجام چوزها، بس هجول ايه، هو طوفان اللى فرضها علينا كأن مفيش غيرها.
وافقتها سامية بحقد دفين قائلة:
بكره تتكبر وتتغطرس علينا،شوفتي
ده حتى مش طايقة توقف تسلم علينا زي الخلق…
توقفت سامية عن إسترسال بقية حديثها الجاحف حين دخلت عليهن شُكرية، غمزن لبعضهن، فصمتن وبدلن الحديث يعلمن أن شُكرية هي عين وأذن وجدان…
وجدان الذي دخلت عليهن هي الأخري سائلة:
جاعدين إكده ليه.
نظرن لبعضهن ثم تحدثت ساميه بتوضيح:
جاعدين لحد ما نطمنوا عالعِرسان.
نظرت لهن بإستهانه قائلة:
العِرسان أحرار، أنا طول الايام اللي فاتت كنت مشغوله وما صدجت الفرح خلص هطلع أرتاح تصبحوا على خير.
فهمن فحوى حديثها فنهضن بنزق،تحدثت ساميه:
ومين سمعك،هقوم انا كمان،بكره صباحية جود ولازمن نبجوا فايقين.
غادرن كوثر وساميه وهن يتغامزن بينهن،بينما نظرت شكريه لـ وجدان التى ترتسم ملامحها بالقلق،تعلم سببه بالتأكيد جود
تلك الرقيقة التى كانت مُرافقتها الأولى لا تعلم الخُبث.
❈-❈-❈
بمنزل والد حاتم بعد ذلك الترحيب الفاتر من والدته لـ جود ونساء عائلة مهران اللاتي إنصرفن،
اصطحبها إلى الدور الثاني للمنزل، بمجرد أن فتح الشقة شعر بوخزات قوية تعصف بقلبه بقوة، تلك الشقة تجهزت من أجل زواج أخيه وها هو القدر القاسي، هو من يتزوج بها، إبتلع تلك الغصه وتجنب ، ودعاها للدخول بإيماءة رفعت جود ذيل فستانها ودخلت، شهقت بخضة حين سمعت صوت غلق الباب بقوة
وقفت هي وسط الردها، بثوبها الأبيض الذي بدأ يثقل على قلبها أكثر من كتفيها… بسبب نظرة عيني حاتم التى تشعر أنها باردة، بينما هو إستهزأ من شهقتها قائلًا بحنُق:
معليشي الباب اتقفل جامد.
تحدثت بهدوء:
مش مهم.
نظرت له بتوتر من صمته حتى نظراته الحادة حاد بها عنها، تنحنحت ثم صمتت، إنتبه لذلك قائلًا:
طبعًا دي اول مرة تدخلي الشقه عندك أوضة النوم هناك أهي.
أومات بخجل،تشعر بالحرج يغمرها حتى أطراف أصابعها.
مشت بخطوات مترددة نحو الغرفة التي أشار إليها، بينما ظل حاتم واقفًا مكانه، يتابعها بنظرة مبهمة لا تستطيع أن تفك شفرتها، مزيجًا من الحِيرة وعدم الفهم.
وضعت يدها على مقبض باب الغرفة، ثم توقفت، استدارت نحوه رمقته وهو يجلس على احد مقاعد الرُدهة… أومأت ثانية واختفت داخل الغرفة، أغلقت الباب خلفها برفق، وأسندت ظهرها إليه، أغمضت عينيها تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة…
شعور غريب يعتصر قلبها… كأنها ضيفة غير مرغوب بها في بيت يُفترض أنه سيكون بيتها.
أما حاتم، فجلس على الأريكة الكبيرة في الرُدهة، وأسند رأسه إلى ظهرها، زفر بقوة كأنه يطرد كل ما يختلج في صدره من مشاعر متضاربة..
تمتم بصمت قبل أن يغلق عينيه، محاولًا استجماع شتاته قبل أن ينهض ويتعامل مع هذا الواقع الجديد:
قسوة القدر… لازم أتحملها.
طرق على باب الغرفة ثم دخل وجدها تقف بمنتصف الغرفة مازالت بفستان زفافها، تخفض وجهها حتى لا تنظر له، تهكم من ذلك الحياء المُبالغ فيه، توجه نحو الفراش وجذب تلك المنامة الخاصة به ونظر نحو حيائها قائلًا:
أنا هروح أغير هدومي فى الأوضة التانية خدي راحتك.
قال ذلك وتقدم نحوها ببطء، خطواته ثقيلة كأنها تسحق شيئًا بداخله مع كل خطوة حتى توقف أمامها للحظات، لوهله رفع يده، يشعر بإستهزاء من ذاك الحياء وصمتها
رفع وجهها بيده، ينظر لها مُتهكمُ حين لمس وجهها
انتفض جسدها خجلًا، رفعت طرف عينيها له بسرعة ثم اخفضتهما مجددًا، وكأنها تحتمي بصمتها من حِدته الظاهرة.
غصبً تحدث بنبرة أقل حِدة:
شوفي أنا عارف إن جوازنا تم بسرعة ومحدش فينا يعرف التاني كويس… أنا مش هاجبرك على حاجة… كل واحد فينا يعمل حساب للي جواه… لحد ما نشوف ربنا كاتب لنا إيه.
عضت جود على شفتها السفلى تمنع دموعها من الانهمار، ثم أومأت دون أن تنطق.
أدار حاتم ظهره لها، واتجه ناحية باب الغرفة دون أن ينظر لها وهو يتحرك نحو الباب
ثم غادر الغرفة دون أن ينتظر ردها، مغلقًا الباب خلفه بهدوء هذه المرة.
وقفت جود تحدق في الباب المغلق، تشعر أن هذه الليلة ليست الليلة التي حلمت بها يومًا ما، تحولت إلى امتحان مرير لصبرها وكبريائها.
ظلت لوقت قليل واقفة تستوعب تشعر بثقل رهيب على صدرها، كأن الغرفة بتضيق بيها رغم اتساعها…
لمست ذقنها بأطراف أصابعها كانها مازالت تستشعر حرارة لمسة يده… لمسة متناقضة، فيها شيء من التهكم، وفيها شيء من الألم… بخطوات بطيئه سارت نحو الفراش
جلست على طرفه… ضمت نفسها بذراعيها، تحاول تحتضن وحدتها وغربتها بين أربع جدران غريبة عنها…
رفعت رأسها تنظر حولها…
كُل شيء بالغرفة مُرتب لعروسين، لكن تشعر ببرودة… مرت لحظات ثقيلة قبل ان تحسم الأمر، خلعت طرحة الفستان ثم الفستان ارتدت منامه حريرية ناعمة بلون السماء وقت الغروب… غير تلك المنامة التى كانت موضوعه على الفراش، فردت خُصلات شعرها المتوسط الطول، وقفت أمام المرآة تنظر لانعكاس كل شئ بالغرفة… كأنها ظلال..
بنفس الوقت، كان حاتم يجلس على أريكة الرُدهة، يتكئ بيديه على ركبته، ورأسه مدفون بين كفيه.
يشعر كأنه يدور في معركة مع نفسه…
وعقله يتصارع مع باطن عقله:
مش ذنبها إنها أخت طوفان…
وباطن عقله يرد بمعارضة:
بس برضو مش قادر أتقبلها…
والصراع برأسه مُحتدم شعر بصداع،
زفر بقوة، ثم رفع رأسه، ومرر يده بين خصلات شعره المُرتبة بعثرها…
همس لنفسه وكأنه يحكم على قلبه بالقسوة:
الليلة دي تعدي… واللي بعدها ربنا يسهل.
بالفعل بدل ثيابه بالمنامه وعاود دخول الغرفه، كانت جود جالسة على الفراش نظر نحوها صراع بين القبول والرفض، بين القوة والضعف، بين القسوة واللين
لحظات حسمها سواد عقله، وهو يجذب جود بقوة من عُنقها، جعلها تشهق، لكن كتم تلك الشهقة بقسوة قُبلته، التى تألمت منها، حاول وحاول أن يكون قاسيًا، لكن فشل بذلك لكن لم يفشل فى نيل جسدها وهو يُعطي لها شعورًا بالنفور من ذلك، كأنه يفعل ذلك كـواجب ثقيل عليه، لا كحب يربطه بها.
كانت جود مستسلمة، لا عن رضا، بل عن صدمة، عن وجع داخلي أكبر من أن تترجمه الكلمات….
كل لمسة منه كانت كطعنة صامتة تشق كرامتها، كل قُبلة مسروقة كانت تبني جداراً من الجفاء في قلبها الهش.
انتهى حاتم أخيرًا، انسحب من فوقها دون كلمة، دون حتى نظرة، كأنه يُهرب من خطيئة ارتكبها…
استدار على جانبه الآخر من السرير، وأدار ظهره لها، يلتقط أنفاسه الثقيلة بينما جسده متيبس وقلبه متخبط.
ظلت جود مُمددة، عيناها تسبحان في السقف، دموعها تجمعت عند أطراف جفنيها لكنها رفضت أن تسقط،
لأنها أدركت أن سقوط دموعها يعني سقوط آخر معاقل كبريائها.
ضمّت الغطاء عليها بقوة، وكأنها تحتمي به من عالم تحطم فوق رأسها فجأة،
وتمنت من أعماقها أن يغيب وعيها، أن تتوقف روحها عن الإحساس، ولو لهذه الليلة فقط.
وفي صمتٍ خانق، استسلم كلاهما لـ ليل ثقيل، لم يكن يشبه ليالي العشاق التي كانت تحلم بها جود،
ولا يشبه البداية التي تمناها حاتم أراد كسرها، لكن فى نظره كان هينًا معها…
لم يستوعب أن ما حدث كان
لقاء جسدين، ولكن فراق روحين… منذ اللحظة الأولى.
❈-❈-❈
تسللت ساعات الليل ببطء،
مع بداية شعاع نهار جديد
فتح عيناه نظر نحو تلك الغافية على مُعصم يده،سحبه بهدوء… إتكئ براسه على إحد يديه يتأمل ملامح دُرة الغارقة فى النوم، ابتسم وهو يتذكر ليلة أمس بعدما جذبها ظل يُقبلها بشغف عاشق… كأن أنفاسها الهواء الذي لا يستطيع العيش بدونه…
مدّ يده برفق يُبعد خصلة شعر انسدلت على وجنتها، تنهد وهو يهمس في سره:
هي التي استطاعت أن تحولني لهذا الرجل… رجل يتلهف لصباحٍ يشرق على ملامحها.
ظل يتأملها وكأن الزمن توقّف عند هذه اللحظة….لحظة قناعة أنها أثمن ما امتلكه بحياته.
انحنى برأسه، طبع قبلة هادئة على جبينها، وهمس بإسمها:
دُرة…
تحركت بخفة وهي نائمة، كأنها ردت على همسه بتلك التنهيدة الخارجة من قلبها، فابتسم وأكمل تأملها، يعلم إن وجودها جواره مثل،حنين الوطن فى قلب المُغترب.
…مد إيده وضمها لحضنه بحذر، كأنها كنز يخاف يوقظها فتعود لعنادها…
قرب وجهه من أذنها وهمس:
ياريت الزمن يقف كده… على دفا قلبك، على نبضك اللي ساكن صدري.
كأنه شعر بنبض قلبها يجاوبه بما رغب…
تأمل شفاها المضمومة وعينيها المُغمضة
عاد الى عقله ذكري بعيدة كانت بغيضة… أول إحساس له يشعُر بالخوف فى قلبه
زفر نفسه بضيق كأن تلك الذكري لا تزال تؤلمه رغم مرور السنين…
لم يكن صغيرًا حينها،كان ببداية الشباب لكنه كان أضعف من أن يُعبر عن مدى ألمه وقتها… ما زالت تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم عالقة،بل ذكريات تلك الفترة العصيبة…، كأن الزمن يعود يطن برأسه صرخاتها المكتومة ذلك اليوم
قبل سنوات وهو بعُمر التاسعة عشر، بأجازة الصيف الذي يقضيها بالبلدة، كان هنالك وعدًا باللقاء بينه وبين دُرة ذلك اليوم بعدما تقابلا صباحً بفناء منزل “الشيخ عرفة” سيتقابلان عند ذلك النبع الذي يتوسط تلك الاراضي..
هو وصل أولًا وكان الطقس حارًا ذهب نحو ذلك النبع يغسل وجهه وراسه بالمياة، ظل مُنتظرًا، لكن صدفة أو قدر قبل أن تصل دُرة وصل حسام الذي رأي طوفان يسكُب المياة فوق رأسه إقترب منه مُتهكمً بإستهزاء قائلًا:
واقف هنا ليه، كمان مش طايق الحر، قعدتك فى مصر فى الطراوة والتكييف خلتك مبقتش تتحمل حر المنيا.
نظر له طوفان بلا إهتمام قائلًا:
حر… فين الحر ده، إحنا فى العصاري وبين الغيطان، كل الحكاية كنت بشرب من النبع، ولاقيت مايته دافيه من الحر عجبتني قولت أغسل راسي… بس إنت إيه اللى جابك هنا دلوق.
شعر بالغِيرة قائلًا:
أرض خالي وكمان عمتي، هنرش الأرض عشان الشجر فيه حشرات ضارة، ناسي إني بدرس فى كلية الزراعة.
لم يهتم طوفان، لكن دار بينهما جِدال غير مُتآلف به بعض النفور ، كل منهم يتبادل عدم الأهتمام للآخر ، واكتفوا بتبادل النظرات المتحفزة والردود المقتضبة… حتي رأي طوفان وصول أحد الفلاحين بماكينة رش مُبيد زراعية، ذهب حسام نحوه دون مُبالاة لـ طوفان تحدثا قليلًا ثم دخلا الى داخل الأرض بينما ظل طوفان يُراقب الطريق من الجهتين فى إنتظار دُرة التى تأخرت حتى ظهرت على الطريق توقف ينظر نحوها مُبتسمً وقف حتى وصلت
توقفت أمامه تلهث قائلة:
معرفش مش متعودة على نوم القيالة، بس نعست إزاي معرفش.
ضحك يخفق قلبه قائلًا:
نوم العوافي، كنت هستناك حتى لو الدنيا ضلمت.
كانت طفله بعُمر الثالثة عشر لكن تشعُر بالاُلفة مع طوفان، ربما السبب ثقتها بالشيخ عرفه الذي دائمًا ما يمدح بأخلاق طوفان وأنه تلميذه الذي يفتخر به، ظلت بينهم بعض النظرات للحظات قبل أن يقطع ذلك الهُدهُد الذي نزل يشرب من مياه النبع الراكدة، نظرت دُرة نحوه ثم إبتسمت قائلة:
فاكر حكاية الهُدهد اللى الشيخ عرفة فسرها لينا.
أومأ قائلًا:
هُدهد “سيدنا سُليمان”.
ابتسمت قائلة:
الشيخ عرفة حكاياته كتير من القرآن كمان قصص تانية.
وكلمه تسحب كلمة تكتمل الجُملات بينهم بحديث بلا ترتيب فقط، يجلسان على ذلك الطرف الخراساني ونسمة العصاري، حتى وصل والد دُرة نظر نحوهما وابتسم ودُرة تنهض نحوه مُبتسمه، ضمها أسفل يده حتى توقف أمام طوفان الذي إبتسم له بقبول، كذالك طوفان بينما دُرة تحدثت ببراءة:
أنا وطوفان كنا بنتكلم عن حكايات الشيخ عرفه اللى بيحكيها لينا فى الدرس.
إبتسم مختار، لكن نظر نحو الأرض قائلًا:
حسام إتأخر، وإتصلت عليه مش بيرد، كويس إنه إتأخر، أنا عرفت إن المبيد اللى قال عليه فيه نسبة سموم.
تحدث طوفان بتلقائية:
حسام وصل من زمان وكمان عامل كان شايل مكنة رش والإتنين دخلوا الأرض.
نظر مختار نحو الارض بفزع قائلًا:
نزل من زمان.
أجابه طوفان:
من حوالي نص ساعة كده.
زفر مختار نفسه قائلًا:
أكيد لسه مبدأش رش فى المُبيد، أكيد لسه بيحل المُبيد بالمايه عالطرف التاني للارض انا هروح من الناحية دي وإنت يا طوفان روح من الناحية التانيه ولو وصلت له قبلي قول له خالك بيقولك أوعي ترش الأرض… وإنتِ يا دُرة خليكِ هنا لحد ما نرجع.
اومأت دُرة، وإمتثل طوفان وذهب للناحية الأخري، ظلت دُرة تنتظر لكن رأت أحد يسير بين الأشجار يحمل ماكينة رش يرفع خرطوم يرش الأشجار، نظرت للطريق، ثم حاولت النداء على والدها، لكن لم يأتي لها رد حسمت القرار ونهضت توجهت ناحية ذلك العامل، دخلت الى الأرض بين الأشجار، سُعلت بقوة حين دخل الى أنفها تلك الرائحة الكيماوية، لكنها وضعت يدها فوق فمها، وحاولت نهي العامل، لكن العامل لم يمتثل وإدعي عدم سماعها واكمل رش المُبيد بل أزداد فى دفعه، حين إقتربت منه، حين تحدثت إندفع بخرطوم الماكينه نحوها بالخطأ، صرخت بقوه عِدة صرخات وهي تشعر بالإختناق حتى أن سُعالها تحول الى دفعات دماء تخرج من فمها،لاحظ العامل ذلك كاد يقترب منها لكن هلع حين سمع صوت طوفان الذي سمع صرخات دُره وتوجه نحو الصوت حتى أقترب منها، هرب العامل خوفً، بينما جسد دُرة لم يتحمل وتمددت أرضًا تفقد الوعي ببطء، حتى وصل طوفان لمكانها، للحظة حين إستنشق رائحة المُبيد كاد يختنق لكن وضع يده فوق أنفه وفمه، وهو مازال يقترب، توقف للحظة يشعر بذهول حين رأي دُرة ممددة أرضًا وبقايا دماء تندفع من صدرها،تلهث بإنقطاع نفسها….نفض الذهول وذهب نحوها سريعًا،لوهله كاد يختنق،خلع قميصه وقام بشقه الى نصفين وضع النصف حول فم وانف دُرة،والنصف الآخر حول فمه وأنفه… ولم يتردد للحظة قام بحملها،وهرول بين الاشجار حتى خرج من الارض
بنفس الوقت…
وقف مُختار يُعنف حسام بأنه أخطأ برش ذلك المُبيد، لكن تركه حين سمع صرخات دُره، توجه الى خارج الارض وخلفه حسام
بينما وضع طوفان دُرة، جوار ذلك النبع وخلع عنه قطعة القميص وذهب نحو النبع بللها ثم قام بعصرها وعاد ينزع نصف القميص عن وجه دُرة وحاول مسح تلك الدماء، لكن كان وجه دُرة وحركة صدرها مثل التى تحتضر، بنفس الوقت وصل مُختار وخلفه حسام، تلهف مُختار بفزع وهو يقترب من دُرة، بينما لم يستطع حسام الصمت وذهب نحو طوفان قام بلطمه على كتفه وإتهامه بإيذاء دُرة، لم يُبالي طوفان، بل نظر نحو مختار الذي يشعر بقلق عارم وهو يحاول إفاقة دُرة التي تنقطع انفاسها ببطئ، نظر نحوهما ولم يهتم لهما وحمل دُرة يهرول سريعًا نحو سيارته المصفوفه على أول الطريق، ذهب خلفه حسام متوعدًا لـ طوفان:
لو جرالها حاجه مش هيكفيني عُمرك يا إبن نوح مهران.
نظر له طوفان بلا مبالاة،كُل تفكيره بـ دورة،لحق بهما،حتى وصل الى سيارة مُختار،وضع مختار دُرة بالمقعد الخلفي،بينما صعد حسام فى المقعد الأمامي…نظر له مختار سائلًا:
إنت بتعرف تسوق يا حسام.
هز رأسه بنفي،نظر مختار نحو طوفان الذي وصل،تحدث سريعًا:
انا بعرف أسوق ومعايا رخصة موثقة.
تحدث له مختار وهو يصعد جوار دُرة قائلًا:
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
انزل يا حسام خلى طوفان يسوق العربية.
إغتاظ حسام من ذلك ولم يترجل من السيارة بل إعتدل جالسًا على المقعد الآخر وصعد طوفان وجلس خلف المقود،يقود بسرعة عالية حتى توقف أمام أحد المشافى،ترجل مختار سريعًا يحمل دُرة الى داخل المشفى…
لحظات وخرج أحد الاطباء قائلًا:
دي حالة تسمُم عن طريق التنفس، إتنفست مُبيد بدرجة مباشرة وبكمية كبيرة دخلت صدرها، دلوقتي هندخلها العناية على جهاز التنفس وهنعمل إشاعة نحدد الضرر واصل لفين.
اومأ له مختار، بينما إقترب حسام من طوفان بغضب وكاد ينهره حتى يُغادر لكن سبقه مُختار بنظرة لوم قائلًا:
روح يا حسام أنا هفضل هنا.
بخزي إعترض حسام قائلًا:
أنا هفضل معاك يا خالي،طوفان هو اللى هيمشي…هو الغريب اللى هنا.
نظر مختار نحو طوفان،إستشف من ملامحه حقيقة قلقه على دُرة…لكن تحدث له:
شكرًا كتر خيرك يا طوفان،مالوش لازمة وجودك هنا،مرة تانية شكرًا لك.
بداخله ود البقاء،لكن نظرات حسام له ببُغض جعلته يستسلم غصبً.
مرت أيام ودُرة مازالت غافية لو نزعوا عنها تلك الانابيب الموصوله بفمها وأنفها لإنتهت حياتها…يعلم أخبارها من بعيد حتى حسم قراره وذهب الى المشفى،دفع لأحد العاملين بالمشفي مبلغً من المال،كي يُسهل له رؤيتها بالفعل دخل الى غرفة الرعاية،غص قلبه بل كاد ينفجر بداخله وهو يرا دُرة التى كان جمالها واضحً، شبه إختفي رونق وجهها حتى إنطفات بعض ملامحها،تنهد بألم مُماثل لها،
هنا لاول مرة فهم حقيقة مشاعره نحو دُرة هو يعشقها،تملكت من قلبه الفتي….ايام مرت وعلم أن دُرة بدأت تمتثل للعلاج وأنها خُلق لها عُمرًا آخر…. يُراقبها من بعيد حتي لا يترك فُرصة لـ حسام بإفتعال الشِجار معه، حتى علم أنها شبه تعافت لكن ذلك التسمُم ترك اثرًا لن يزول لكن هنالك علاج له عبر إستنشقاء أدوية موسعة للشُعب الهوائيّة برأتيها..
عاد على حركة يدها التى تحركت لا إراديًا منها وضعتها على صدره، إبتسم وهو يتذكر قبل ساعات
ظل يُقبلها بشغف وهي لوقت فقدت الادراك وامتثلت لقُبلاته، لكن فاقت حين شعرت بيديه على جسدها تخترق منامتها، شعرت بخزي من نفسها لكن عاندت ودفعته بيديها تدعي السُعال، تبسم طوفان وتركها وذهب ببطئ نحو طاولة جوار الفراش فتح أحد الأدراج وجذب تلك العلبة الدوائية، وجهها نحوها، أخذتها من يده وبالفعل رغم أنها لا تحتاج لها لكن بإدعاء منها أخذت الدواء وقامت بإستنشاق،ابتسم طوفان وهو يجذب قميصه وإرتداه هو فقط،وأشار لها بيده قائلًا بخباثة:
خلينا ناكل صنية الإتفاق.
نظرت نحو الطعام،رغم أنها جائعة لكن عاندت قائلة:
مش جعانة،أنا….
بلا إنتظار جذبها من يدها قائلًا بمرح:
حتى لو مش جعانة دي صنية الإتفاق ولازم ناكلها سوا عشان نتفق.
نظرت له بحنق وهي تحاول جذب يدها قائلة:
ده شئ مستحيل،سيب إيدِ.
لم يمتثل وجذبها جلس أولًا،وأرغمها على الجلوس،ترك يدها وبدأ بتناول الطعام،عاندت فى البداية لكن هو يتعامل معها كأنها طفلة يُرغمها أحيانًا وأحيانًا بالترغيب،حين تلذذ من مذاق الطعام،امتثلت وتناولت الطعام،كان الحديث شبه صامت حتى إنتهت أولًا من الطعام،نهضت قائلة:
هروح أغسل إيديا وأنام.
إبتسم حين عادت بعد قليل،تعمد عدم المُجادلة معها…
لكن نظر نحوها وهي تُزيح دثار الفراش وتمددت عليه،ذهب نحو الحمام عاد بعد قليل بمشاغبة منه أطفئ الضوء وترك نور خافت ثم إستلقي على الناحية الفراش،إلتقطت نفسها وإعتدلت جالسه تقول بغضب:
إنت هتنام هنا عالسرير…
قاطعها مُبتسمً بغمز قائلًا:
تصدقي نسيت إننا لازم نصلي الأول.
قبضت على يديها الإثتين بقوة ورمقته بغيظ ثم جذبت الدثار قائلة:
هروح انا أنام عالكنبة وبرطع إنت عالسرير لوحدك.
قبل أن تنهض من فوق الفراش، جذبها طوفان بقوة غصبًا، فتمددت على الفراش، وهو يطُل عليها بعينين يشتعلان بغرام متحدثً بصوت خافت مُهدد:
تفتكري نومك عالكنبة ممكن يبعدك عني… أو يمنعني عنك.
مد كفه وخط بأنامله فوق ملامح وجهها المرتجف، ثم تمتم بأشواق محبوسة:
إنتِ ملكي يا دُرة.
أنهي قوله ولم ينتظر
بل انحنى فوقها، محاصرًا إياها بين ذراعيه، حتى خفق أنفاسه الساخنة فوق شفتيها المرتجفتين.
ارتعشت في مكانها، تشهق بغضب مكتوم، فمال أكثر وهمس بخشونة كادت تلهب جلدها:
ومش هسيبك… ولا ليلة.
عقدت حاجبيها بغضب ودفعت صدره براحة يديها المرتجفتين، لكنه لم يتحرك.
بل أمسك بمعصميها برفق ، وتحدث بنبرة رجاء وعيناه تنظران لعينيها:
كفاية عناد بقى… إنتِ ليا…
ارتجفت عيناها بغصة مكبوتة، لم تعرف أكانت الرهبة من اقترابه أم من جنون شيء بداخلها يخذلها ، لكنها تماسكت بكل ما تبقى بها من كبرياء.
همست بعناد بصوت مبحوح وهي تحاول سحب يديها من قبضته:
مش من حقك… سبني وإبعد عني.
أخفض رأسه أكثر حتى التصق جبينه بجبهتها، وعيناه تغوصان في عينيها المتوهجتان، قائلًا بنبرة صلبة لا تحتمل الجدل:
لا… من حقي… ومن حقك كمان يا دُرة.
شهقت بحنق ، فشدها إليه فجأة، يستلقي على الفراش حتى سقطت فوق صدره… مرر يده في شعرها ببطء، كأنما يروض بها عاصفة المقاومة التي تشب بينهما، ثم همس بحنو:
كفاية عِناد..
شهقت أنفاسها بعنف، وعيناها تتسعان، قبل أن يسحبها بقوة إليه، يحتضنها بين ذراعيه كمن عثر على كنز ضائع ولن يفرط فيه مجددًا…
قاومت للحظات، تحاول التملص من بين ذراعيه، لكن قبضته كانت أدفأ من أن تُقاوم، ونظرة عيناه أصدق من أن تُكذب…
خارت قواها شيئًا فشيئًا، وكأنها تغرق في حضنه، تستسلم رغمًا عنها لدفء لم تعرفه يومًا…. أغمضت عينيها ، وارتخت أطرافها فوقه، كأنما أسلمت أمرها لعاصفة لا تقوى على مواجهتها.
شعر بإمتثالها بين يديه، فابتسم بخفوت، وهمس قرب أذنها بنبرة تحمل بين طياتها انتصارًا وعشقًا:
بحبك يا دُرة.
شعرت بحرارة كلماته تسري تحت جلدها، فأطلقت تنهيدة طويلة متعبة، كمن حارب طويلًا ثم أخيرًا استراح… لم تتكلم، لم ترد، فقط دفنت وجهها في صدره، تشتم رائحته التي لطالما أنكرت تأثيرها عليها.
ضمها بقوة أكبر، كأنه يخشى أن تذوب منه، وهمس مجددًا بوعود لم تنطقها الكلمات، لكن حملت تنهيدته بكل وضوح.
في تلك اللحظة، أيقن أنها خُلقت لتكون له، مهما ادعت العكس
داخل صدرها، كانت الأعاصير مُستعرة… صوت العقل يصيح بغضب:
لكن صوت قلبها كان أهدأ، أقوى…
شعرت بكل جدار شيدته حول قلبها يتهاوى،
كل قيد فرضته على مشاعرها ينكسر،
بين ذراعيه، لم تعد البطلة العنيدة، ولا المرأة الخائفة من الانكسار.
كانت فقط… أنثى .
ارتجفت شفتاها ، فرفعت عينيها المرتبكتين نحوه، تقابلت نظراتهما،
عيناه تفيضان عشقًا واحتواءً، حتى غرقت في بريقهما،
ودون أن تدرك، امتدت يدها المرتجفة ولمست وجنته بأنامل خجلى، كأنها تتحقق من وجوده، كأنه حلم قد يتبخر.
ابتسم بخفة، وأطبق كفه فوق يدها، يدفئها براحة كفه، ثم طبع قبلة رقيقة فوق أطراف أصابعها،
همس فوقها بشغف مُحتدم:
أنتِ ليا… وإحنا مع بعض… للأبد.
توردت وجنتاها بحمرة الخجل، وأغلقت عينيها في خضوع ناعم، بينما ذراعيه تضمها أكثر…
في تلك اللحظة، أيقنت أنه مهما حاولت الهرب من قدرها، فمصيرها كان دومًا أن تكون له..
بعد فيضان من الغرام إستلقي على الفراش جذبها على صدره يعلم أنها مازالت بغفوة هادئة من الإرهاق أغمضت عينها دون وعي منها، غفي هو الآخر
وها هي
تتململ بين ذراعيه،تفتح عينيها ببطء،رفعت رأسها قليلًا تشعر بأنفاسه،كذالك ملامح وجهه قريبة للغاية، يضمها لصدره،صدح صوته فى أذنيها وهو يبتسم:
صباح الخير… صباحية مباركة يا عروسة.
لحظات تنظر له يستوعب عقلها كآنها كانت بغفوة وعادت للوعي سحبت نفسها من حضنه بخفة، تسحب الغطا على جسمها، وقالت بنبرة عدم تصديق سائلة:
هو إيه اللي حصل…مستحيل أنا مكنتش في وعي.
نظر لها نظرة ساكنه للحظات يشعر بغصة فى قلبه ثم تحدث بهدوء ظاهري:
درة كفاية أنا مغصبتش عليكِ ولو كنت حسيت للحظة واحدة برفض من ناحيتك مكنش كملت.
جذبت الغطاء وقع بصرها على تلك البُقعة الظاهرة على الفراش،
شعرت ببرودة تزحف لجسدها، ويديها لا إراديًا شدت الغطاء أكتر حوالها
عيناها اتسعت بالغضب، وضربات قلبها أصبحت طبول مدوية في صدرها.
ظل للحظات مكانه علي الفراش ملامحه تشتد، من رد فعلها المُبالغ فيه، لحظات ونهض هو الآخر إقترب منها وكاد يضع يديه عليها لكن منعته بقسوة:
متلمسنيش كفاية.
حاول التمسُك بالهدوء، وضع يديه حول عضديها يقبض عليهما بقوة قائلًا بهدوء عكسي:
صباحية مباركة،هتدخلي تاخد شاور الأول ولا أدخل أنا…. ولا ندخل إحنا الاتنين سوا.
نظرت له بعضب من بروده لو ظلت أمامه قد تختنق، توجهت نحو الحمام بصمت لكن بغضب صفعت الباب قويًا فإرتج ولم ينغلق،عادت تغلقه وهي تتحدث بضجر،لوهلة تبدل ما كان يشعر به من غضب مكتوم الى ضحكة من عنادها الطفولي، الذي ربما كسر حِدة ما كان يشعر به من غضب… إنحني يجذب قميصه من على الارض وإرتداه واغلق بعض الأزرار بعشوائية،توجه نحو طاولة جوار الفراش جذب علبة السجائر والقداحة وتوجه نحو شُرفة الغرفة،فتح بابها، وخرج من الغرفة، كانت الشمس مازالت تستطع، أشعل إحد السجائر نفث دخانها كانه يطرد ذلك الغضب من داخله… يُقارن عقله بين إستسلامها له ليلًا، وجفاف حديثها قبل لحظات، زفر نفسه فكما توقع دُرة كما هي حين تود الهروب من والتنصُل من أفعالها تُهاجم ويتحكم برأسها العِناد، لكن رد فعلها هذا مس رجولته، لو لم يتحكم بغضبه معها، لكان أجبرها وأخذها الآن فى الفراش غصبً كعقاب، لكن … لكنه ليس ذاك الوحش الذي تنفر منه، ولا يريد أن يكسرها فينطفئ بريقها الذي يأسره…
شد قبضته على السيجارة حتى سقط رمادها، وأغمض عينيه يحاول كبح جماح رغبة تشتعل بداخله، رغبة في أن يُخضعها له مرة أخرى، لا بالقوة، بل بالاشتياق.
فتح عينيه ببطء، نظراته تحمل مزيجًا من الغضب والتحدي، وقسم على نفسه أنه سيجعلها تعود إليه برضاها، بلهفة قلبها قبل جسدها…
درة، تلك العنيدة، لا تعرف أنها حين تهرب تزيده تعلقًا، تزيده شراسة في امتلاكها بطريقته الخاصة…. طوح السيجارة بعيدًا، وعاد الى الغرفة بخطوات بطيئة،، كل شبر فيها يشهد على لحظاتهم، على ضحكتها، على استسلامها الذي كان يفجر رجولته نشوة، فكيف لها الآن أن تجحد كل ذلك بجفافها وكلماتها الباردة… قبض على أطراف الستائر بعنف، ثم تركها لتتراقص مع تيار الهواء، وكأنها تهزأ بضعفه أمامها.
زمّ شفتيه بعناد مرير… وصورتها في ذهنه، شعرها المتناثر فوق الوسادة، عيناها نصف المغمضتين تحت وطأة الغرام، شفتيها حين كاتت تهمس باسمه بنعومة وكأنها تغرسه في أعماقها…
ارتج جسده كله لرغبة لا تحتمل، لرغبة في كسر عنادها تحت وطأة حب يوجعه…. لكنه أخفض رأسه، ابتلع ألمه، وعاهد نفسه أن يعاقبها بطريقته…
لاحظ غيابها بالحمام، فكر، ثم ذهب نحو باب الحمام قام بالطرق عليه قائلًا بإغاظة وإيحاء:
دُرة غيبتي كده ليه… تحبي أدخل أساعدك فى حاجه.
لم يأتيه ردها، فعاود الحديث بمرح لكنها
بالداخل
قد إنتهت من أخذ حمام، ذهبت نحو تلك المرآة نظرت الى إنعكاس جسدها، رأت تلك العلامات فوق صدرها ويديها، تحدثت بغضب:
الحقير قاصد إنه يسيب العلامات دي عشان يفكرنى أنه إمتلكني بمزاجي، موهوم.
أثناء ذلك سمعت طرق على باب الحمام شعرت بغضب، نظرت حولها لم تجد سوا مُئزرين قُطنيين، أحدهما نسائي والآخر رجالي… جذبت النسائي وإرتدته وأغلقته بإحكام وفتحت بعصبيه، لعدم إنتباهها أصتطدمت بـ طوفان،
عادت للخلف بتلقائية كادت تتعثر وتسقط أرضًا لكن جذبها طوفان من خصرها عليه، شهقت وهي تتنفس بقوة ثم قامت بدفعه بعصبيه، تركها بلا مشاغبة وتوجه نحو الحمام وأغلق الباب بوجهها… شعرت بغضب.
مر وقت طويل، منذ ان تركها بالغرفة دون سبب، ظلت وحدها تشعر بالضيق والضجر، حاولت إشغال وقتها بالهاتف الخلوي، كذالك التلفاز، لكن لم يجد ذلك نفعًا…
القت الهاتف وجهاز التحكُم على الفراش تعتصر الوسادة بيديها، لكن بذلك الوقت سمعت صوت فتح مقبض الباب، سريعًا قبضت على هاتفها وإدعت الإنشغال به ولم تُعطي إهتمام لدخول طوفان، الذي رمقها وهو يبتسم،
ثم توجه نحو خزانة الثياب أخرج له ثياب خروج وضعها على أحد المقاعد وبلا إهتمام، نزع ثيابه المنزليه، وقام بإرتداء تلك، لوهلة نظرت نحوه، كان شبه عاري، شعرت بالخجل حادت بنظرها عنه، ضحك حين لاحظ ذلك… لكن حين وصل الى أنفها ذلك العِطر نظرت نحوه مرة أخري، كان إنتهي من إرتداء ثيابه لم تستطع الصمت وسألته:
إنت خارج.
أوما لها برأسه قائلًا:
أيوه.
نهضت من فوق الفراش سائله:
وممكن أعرف خارج رايح فين بقي دلوقتي.
إبتسم وهو يتوجه نحو باب الغرفة قائلًا:
رايح لـ جود أختي أصبح عليها، واجبي كأخوها.
لم يقول أكثر من ذلك وغادر، شعرت بضيق وهي تضغط على أسنانها بقوة تقول بتكرار:
واجبي كأخوها… ياااارب…
صمتت حين فتح الباب مره أخرى ودخل توجه نحو ذلك المقعد قائلًا بإختصار:
نسيت موبايلي.
أخذه وهو يرمقها ببسمة ثم غادر مره أخري يغلق خلفه الباب، بينما هي تشتعل عصبيتها.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل
بمنزل والد حاتم
رغم فتوره في التعامل معها، إلا أنه رحب بوالدتها كذلك، طوفان تبادل الإثنين النظرات معًا، كل منهما يحمل خليطًا من التحفُّظ والترقُّب للآخر… في تلك اللحظة، عن عمد منها صعدت بدرية إلى الشقة، فأستقبلها حاتم بحفاوة، كذلك جود، لكن فجأة تصنمت جود لوهلة حين رفعت بدرية يدها عن عمد، دعوة صريحة لها كي تُقبل يدها.
في تلك اللحظة، وقف طوفان بتركيز، مُتهيئًا لرؤية رد فعل جود.
نظرت جود نحوه نظرتة كانت قاسية، عينيه تحمل رسالة لا تحتاج للكلمات، كأنه يخبرها
لا تنحني لأحد مهما كان..
فهمت مغزى نظرته فورًا، وعينيه لم تفارقها، ينتظر اللحظة الحاسمة.
وبالفعل، لم تنحني جود، بل مدت يدها بكل هدوء وصافحت بدرية مصافحة عادية، كأنها تجسيد لرفضها الخضوع لأي غطرسة قد تُقلل من شأنها.
ابتسم طوفان بنظرة دعم ومساندة، كأنه يقول لها بصمت:
لن اسمح لأحد بأن يجرح كرامتك، ولن تسمحي لنفسك أن تنحني أمام أحد مهما كانت مكانته.
أنقلب الموقف أصبح مشحونًا بالتوتر، لكن جود استطاعت أن تثبت نفسها وتخرج من المأزق بكبرياء لا يشوبه أي تردد أو تخاذُل.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
القاهرة
فقدت الإدراك من هول الصدمة ثواني دقائق كأنها بعالم خالي من الحياة.. الأصوات من حولها خافتة، متقطعة، لا تسمعها كأنها تحت الماء. نظراتها شردت في الفراغ، أنفاسها تعلقت بين حلقها وصدرها، وكأن الهواء قد اختنق فجأة…اهتزت الأرض تحت قدميها، تصدعت جدران روحها وارتجف قلبي بقوة موجعة كأن كل نبضة سكين يغرس في صدرها. لم تعُد تُفرق بين دموع عينيها… والعرق البارد الذي يتصبب بغزارة على وجهها
صرخة مكتومة احتبستها داخلها، تتلوى تبحث عن مخرج، لكنها سجينة الخرس والعجز…
كل شيء من حولها بات بلا لون، بلا صوت، بلا معنى… كأنها في وسط العاصفة، مجرد بقايا إنسان.
فاقت من تلك المشاعر المُهلكة لقلبها حين اهتز ذلك الهاتف بيدها، نظرت له، كانت رسالة… لم تستطع فتحها، عينيها المبللتان أعاقتا الرؤية، لكن الفضول الذي يسكن قلب كل امرأة مجروحة كان أقوى من الانهيار…. عاودت النظر إلى ذلك الخبر، وبعض الصور المُرفقة…. خبر، ربما لو كانت قرأت عكسه، لما شعرت بكل ذاك الألم الذي ينهش كل خلية بجسدها… عاودت عينيها قراءة ذلك الخبر:
“زواج رجل الأعمال طوفان مهران، والحفل أُقيم في الصعيد مكان نشأته… حضور نخبة من الشخصيات اللامعة… والعروس طبيبة من نفس البلدة”
تجمدت أصابعها، واتسعت عيناها بذهول لم تُجيده حتى في أسوأ كوابيسها…
تاهت نظراتها بين الصور… ابتسامته الصافيه والغَريبة عليها، معها بسمته كانت تشعر أنها مُتكلفة
الان يضحك بتلقائية صافية
تسللت دمعة ساخنة من عينيها، ترددت، ثم لحقت بها أخرى كأنها تنهار واحدة تلو الأخرى، مثلها تمامًا… تنهار على مهل…يسأل عقلها:د يعني أنا كنت مجرد محطة… لاء كنت نزوة.
قلبها لم يخذلها فقط، بل تحالف عليها هي الآن تتنفس وجعًا لا يُروى… انكمشت أكثر، كأنها تحاول الاختباء من واقع يصفعها، لكنها فجأة شهقت شهقة عنيدة، ومسحت دموعها بظهر كفها قائلة في سرها:
أنا مش هنهار… واضح أوي إنى رخصت نفسي وأستاهل لما قبلت بعرضه للجواز العرفي، فكرت مع الوقت هقدر أجبره يعلن جوازنا عالملأ بجواز رسمي، لكن واضح…
توقفت تستذكر، هي من كانت تفرض نفسها عليه حتى فى علاقتهم الحمِيمية كانت تشعر أنه معها جسدًا فقط، لم يكُن يقع فى براثن إغرائها كما كانت تظن، بل كان يُعطيها القليل وبفتور منه، ويدفع مقابل ذلك أموال ربما كان يتعمد فعل ذلك، حتى قالها لها واضحة لم يأخذ منها شيء بلا مقابل أعطاه لها أضعافً.. لم تكُن تُريد ذلك الثمن أرادت الحصول على قلبه لكن لم تتمكن منه، كان خطأ حين أستسلمت لرغبته بالطلاق بينهما بسهولة، ظنت ان ذلك مجرد وقت فقط وسيعود لها، لكن ما هذا الذي تراه أمامها زواج علني من أخري، طبيبة، توقفت للحظات وعادت تتمعن فى الخبر، أيضًا الخبر به جزء آخر زواج شقيقته من قريب زوجته
معه بنفس الليلة… خدعها عقلها:
يمكن الجواز ده تم بالبدل ومفيش مشاعر معتقدش طوفان عنده مشاعر…
كذبها قلبها:
إعترفي أوقات كان بيهمس بإسم غيرك وإنتِ نايمة فى حضنه، عمره ما غلط وقالك كلمة حُب، بلاش أوهام…
صرخ عقلها بغباء ينهر قلبها الضعيف… لكن لن تستسلم وإن كانت وافقت على نهاية وِدية بينهما….
حسمت أمرها وخرجت من ذلك الموقع الذي نشر الخبر، فكرت بتسريب خبر أو إشاعة زواجه سرًا بأخري ربما يكون لها تأثيرًا فى زعزعة زواجه.
بالفعل قامت بإتصال هاتفي، بغنج منها سربت تلميحات يفهما الآخر.. اغلقت الهاتف تقبض عليه بيديها بقوة، رغم ألم قلبها لكن تشعر بأمل قادم.
❈-❈-❈
بمنزل حاتم
عاد طوفان إلى جلسته مرة أخرى، وعيناه مُلعقتان بجود التي ابتسمت له بتفهُم هادئ… في المقابل، شعرت بدرية بغصّة من الحقد… كانت تود أن تُثبت سيطرتها على جود وتُظهر أنها باتت تملك زمام الأمور، لكن محاولتها باءت بالفشل… سحبت يدها من قبضة جود بغضب، ثم رمقت طوفان بنظرة مشتعلة بالغضب، وحين التفتت نحو حاتم، وجدته شاردًا غير منتبه لما يحدث… زفرت بضيق، وقلبها يثور بغضب مكبوت…. كيف تُهزم من جود في حضرة الجميع…. نظرت إليها مجددًا، تلك النظرة التي تخلط بين الغيرة والانهزام، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة صفراء تحاول بها حفظ ماء وجهها.
بينما جود، التقطت كل تلك المشاعر العابرة في الوجوه… لكنها لم تعلق… وقفت بثقة، ورفعت تلك الصنية بهدوء نحو بدرية التى إلتقطت إحد قطع الحلوي ثم جلست جوار حاتم …. أما طوفان فابتسم بخفة، وكأن ابتسامتها منحته انتصارًا خاصًا.
جلسة كانت على صفيح بارد نظرات حاتم نحو طوفان بها شيء من البُغض وهو يرا طوفان مُبتسم تبدوا السعادة واضحة على ملامحه بالتأكيد سر تلك السعادة هي “دُرة” زوجة أخيه، بالأصح أرملة هي الأخرى إستسلمت ولم تُبالي لا بدماء والدها ولا أخيه، حقد يزداد فى نفوس كل من بدرية وحاتم.
بعد قليل نهضت جود مع والدتها للداخل،
شعرت وجدان بقلب الأُم أن جود ليست بتلك السعادة التى كانت تتوقعها، سألتها:
قوليلى أحوالك إيه مع حاتم.
بخجل أجابتها:
كويسه الحمدلله.
بقلب الأم أيقنت من وجه جود ليس فقط خجل بل هنالك شيء آخر، كادت أن تسألها أكثر لكن نداء بدريه قطع حديثهن فخرجن، نظرت وجدان لـ طوفان وأماءت له برأسها فهم مغزي ذلك ونهض مُبتسمً، قائلًا:
زيارة العرسان بتبقي خفيفة ألف مبروك وبالرفاء والبنين.
نظرت له بدرية بسخط قائله:
إنت كمان عريس، وسيبت عروستك.
أجابتها وجدان:
الواجب على طوفان يصبح على أخته الوحيدة،وجود مش بس أخته ده هو اللى مربيها،يعني معندوش أغلي مِنيها.
تهكمت بدرية بغيظ قائله بحقد:
طبعًا، الأخ قصدي الأخت غالية، ربنا يخليهم لبعض.
-آمين
قالتها وجدان، بينما نظر طوفان نحو جود، فابتسمت وأتبعته بتلقائية، توقف معها أمام باب الشقه أخرج من جيبه تلك البطاقة قائلًا:
طلعت له كريدت جديدة بدل اللى ضاعت منك، كمان ده نقوطك، وأفتكري دايمًا إنك جود مهران أخت طوفان ولازم تحافظي على كيانك ومكانتك ومقامك العالي.
إبتسمت بمحبه وهو يضع قُبلة فوق جبينها، تدمعت عين وجدان،تبسمت جود له،لكن رمقت عيني حاتم الذي نظر نحوهم،نظرته بها شيء من الاستهزاء،لم تهتم،حتى غادر طوفان مع وجدان،دلفت الى غرفة المعيشه تُعيد الترحيب بـ بدرية التى نهضت بعصبية قائلة:
على رأي وجدان إنتم عرسان جُداد هسيبكم تتهنوا ببعض.
لم تُعقب جود لكن حاتم تحدث باهتمام:
عِرسان ايه يا ماما،إنتِ الكُل فى الكُل.
إبتسمت بانتصار وهي تنظر الى جود قائلة بايحاء:
لاء خلاص بقي فى الاهم مني عندك،هنزل زمان أبوك رجع من بره أحضرله الوكل وأسيبكم على راحتكم.
نظر حاتم نحو جود قائلًا:
لما بابا يرجع يطلع لهنا نتعشا كلنا سوا.
اومأت جود بقبول بينما نظرت بدريه ببسمة انتصار.
بعد وقت طويل تعمدت بدرية السهر اقترب الوقت من منتصف الليل،تعمدت البقاء مع حاتم حتى بعد استئذان جود تركها لهما وحدهما،نهضت بدرية بعدما كان نصف حديثها تحريض على رد فعل جود ومقابلتها لها بوجه مكلوم،غادرت بعدما إستفزت رجولة حاتم…
اغلق خلفها باب الشقة توجه الى غرفة النوم،ربما لحسن الحظ وجد جود غافية، لحظات تحكم به الغضب وكاد يوقظها، لكن رنين هاتفه جعله يغادر الغرفة، بينما فتحت جود عينيها لم تكُن نائمة، شعرت بالحِيرة من الذي يتصل بـ حاتم بهذا الوقت… نهضت تتسحب بهدوء لم تكُن يومً فضولية، لكن لا تعلم سبب لذلك، إقتربت من تلك الشُرفة التى يقف بها حاتم، تسمعت بعض من حديثه، إستشفت أنه يُحدث أحد زمُلائه، لكن إنصدمت حين سمعته يقول:
شهر عسل إيه، انا مش بطيق أقعد فى البيت أنا راجع الشغل تاني آخر الأسبوع.
شعرت بوخزات قوية فى قلبها بدأ عقلها يتسأل:
لماذا تزوج بها.
ربما بدأت تفهم أن أحلامها الوردية بدأت تتبخر والواقع يفرض قسوته على قلبها البرئ
❈-❈-❈
بمنزل طوفان قبل قليل حين عاد بصُحبة وجدان،
زفر نفسه بضيق حين رأي دخول
عزمي برفقة زوجته، كذالك كوثر وزوجها
رغم ذلك إستقبلهم بهدوء… نظرت له كوثر بخباثة سائلة:
فى عريس يسيب عروسته يوم الصباحية جايين منين دلوق.
أجابتها وجدان:
جايين من عند جود.
أومأت قائلة باستفسار:
أخبارها ايه، انا وساميه وعزمي كُنا هنروح نصبح عليها بكره.
أجابتها وجدان:
بخير الحمد لله.
تحدثت سامية بسؤال سفيه:
مجبتيش الملايه معاكِ ليه.
نظرت لها وجدان قائلة:
السلو ده بِطل خلاص هما أحرار فى حياتهم وده شئ خاص بينهم…
قاطعتها كوثر بدعم ل ساميه:
ده مش سِلو ده شرف، ولازمن نطمن على بنتنا.
نظرت لها وجدان بجمود وقالت بنبرة صارمة:
بنتكم… جود بقت زوجة راجل، وهي مش ملك لحد غير نفسها وجوزها… الشرف مش بيتقاس بملاية، الشرف في التربية والنية الطيبة والستر.
سادت لحظة صمت مشحونة، تبادل فيها الحاضرون النظرات، قبل أن يحاول عزمي تلطيف الأجواء قائلاً بابتسامة باهتة، يتجاهل التوتر قائلًا وهو يتجه نحو الأريكة:
فعلاً يا وجدان، جود تستاهل الراحة، ربنا يهدي سرها، إحنا جايين نصبح على طوفان وعروسته هي فين.
نظرت وجدان لـ طوفان، فابتسم قائلًا:
ثواني هطلع أناديها.
تركهم طوفان وصعد بشوق الى غرفته… فتحها مباشرة
قبل لحظات
كانت دُرة تشعر بالضيق من مكوثها بالغرفة وحدها وترك طوفان لها، لكن حين سمعت صوت السيارة ذهبت نحو الشرفة، شعرت
…شعرت بدقات قلبها تتسارع، لا تعلم سبب لذلك،ربما التوتر، لكنها ما إن لمحته يخرج من السيارة ويرفع رأسه نحو الشرفة، حتى اختبأت خلف الستارة.
دخل طوفان الغرفة بخطوات متسارعة، كأن الشوق يدفعه أكثر من قدميه، وما إن رأها جالسه تدعي الانشغال بالهاتف تبسم وتنحنح.
نظرت إليه دُرة ، لم تتحرك من مكانها…. كان في عينيه بريق لم تره من قبل، مزيج من الحنين والرغبة والتساؤل.
قال بصوت خافت لكنه عميق:
مساء الخير.
أجابته ببرود، تبسم لها قائلًا
غيرى البيجامة السودة اللى عليكِ وإلبسي عباية عشان فى ضيوف تحت فى المندرة.
سألته بإستفسار:
مين الضيوف دول.
أجابها وعيناه تضُخ شوقً:
ضيوف جايين يصبحوا علينا.
ضمت شفتيها بضجر قائلة:
ما انا عارفة إنهم جايين يصبحوا علينا، بس هما مين.
بنفس الإجابة جاوبها:
لم تنزلى هتعرفي، هسبقك أنا لتحت متغبيش.
تنهدت بقوة قائله:
هو كده لازم يلف ويدور، أما أقوم ألبس عباية وانزل اشوف مين الضيوف دي.
بالفعل إرتدت عباءة سوداء مُزخرفه ببعض الأحجار، وفوقها وشاح أسود، نظرت لنفسها بالمرآة شعرت باعجاب غادرت الغرفة…
لكن قبل أن تدلف الى المندرة للصدفه كان طوفان ينهي حديثه عبر الهاتف بالردهة، ورأي دُرة… نظر نحوها بذهول سُرعان ما أغلق الهاتف وبلحظات قبل خطوة واحدة وتدخل دُرة الى المندرة قبض على معصم يدها وسحبها للخلف، شهقت وهي تنظر له تسير معه رغمً عنها حتى إبتعدا عن المندرة، حاولت سلت يدها لكن طوفان مازال يقبض على يدها يجبرها للسير خلفه حتى وصلا الى غرفتهما، دفعها بقوة بمجرد أن أغلق الباب خلفهما، استدارت نحوه بعينين تشتعلان غضبًا:
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فيه إيه يا طوفان… بتشدني وراك كده ليه.
كان صدره يعلو ويهبط من شدّة انفعاله، لم يرد فورًا، فقط ظلّ يرمقها بنظرة غريبة… مزيج من الغضب، والدهشة.
اقترب خطوة منها، ثم قال بصوت خافت لكنه مشحون:
إنتِ شايفة نفسك لابسه إيه
أشار بإصبعه لها من أعلى لأسفل،
ارتبكت للحظة، ثم رفعت ذقنها بعناد:
لابسه عباية زي ما قولت وكنت نازلة لضيوفك… زى ما طلبت.
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها:
عباية سودة يا دُرة.
تفوهت بلا مبالاة:
وفيها إيه، مش بتقول الاسود ملك الألوان.
تنهدت بقوة قائلًا:
وفى عروسة بتقابل ضيوفها بعباية سودة، غيري العباية يا دُرة.
ضمت يديها على صدرها، وقفت بعناد تتحدى نظرته:
ايوا سودة… أنا عاجباني العباية دي، ومش هغيرها … ولو مش عاجباك، بلاها مش هانزل لضيوفك.
ضاق فكهُ، وأغمض عينيه لحظة يكبح انفعاله، ثم فتحهما وهو يقترب منها ببطء:
يعني بتعنّدي.
أجابته بلا مبالاة:
لو شايفها عناد، يبقى أيوه… عناد.
مد يده ببطء ولمس طرف العباية عند كتفها، وقال بصوت منخفض لكن حازم:
أنا مش بطلب،أنا بأمُر… دُرة … أنا بقولك غيري العباية أفضلك.
أبعدت يده عنها قائلة بحدة:
وأنا مش من نوع الستات اللي يتقال لهم تلبسي إيه وتقلعي إيه… فاهم.
سادت لحظة صمت متوترة، نظر فيها إلى عينيها مباشرة، وقال بنبرة أقل حدة لكنها مشتعلة:
أنا فاهمك كويس… بس صبري له حدود، قدامك دقيقة واحدة تغيري العباية، والا فعلًا مش هننزل إحنا الإتنين للضيوف وهتبقي ليلتك بلون العباية.
لوهلة إرتابت من نظرة عيناه لكن تجرأت قائلة:
قصدك إيه هتضربني.
إختفي عبوس وجهه وهو يقترب منها حتي بلحظة خطفها من خصرها وضمها له بقوة أربكتها، تبدلت نظرة عينيه من الغضب إلى شيء آخر… نظرة عابثة، مشتعلة برغبة ممزوجة بامتلاك.
همس في أذنها بنبرة رخيمة، عميقة:
لأ… ما هضربكيش، بس هدوقك طعم العناد على طريقتي.
شهقت من قربه، وارتعش جسدها في حضنه، لكن أنفاسها أصبحت متماسكة، حاولت تدفعه دون جدوى، فقالت بصوت مختنق:
قصدك إيه
ضحك همسًا، قائلًا بوعيد وهو ما زال يمسك بها:
هتبقي ليلتنا سودة فى السرير وإحنا سوا زي ليلة إمبارح كده
أبعد وجهه قليلًا لينظر في عينيها بتسليه قائلًا بوعيد:
هتغيري العباية، ولا ننسي الضيوف ونكمل زي ليلة إمبارح.
كان صوته ناعمًا، لكنه يحمل تهديدًا مقنعًا بالشوق والغضب معًا… توترت قائلة باستسلام:
خلاص سيبني وهغير العباية.
ضمها أقوي قائلًا بمزاح:
لا خلاص أنا هتصل على ماما وأقولها تفضل هي مع الضيوف وتقول لهم العِرسان مشغولين بـ…
غمز بإيحاء وهو يضع قُبلة على إحد وجنتيها، إهتزت قائلة:
لاء خلاص قولت هغير العباية ومش من الذوق تسيب الضيوف يستنونا، يقولوا علينا إيه.
إبتسم ماكرًا يقول:
هيقولوا إيه يعني، أكيد عِرسان وملهوفين لبعض.
شعرت بوجنتيها تشتعلان غضبً، وزيادة خفقان فى قلبها، دفعته بيدها قائلة:
فى ضيوف مستنيانا، مش من الذوق نتجاهلهم خلينا ننزل لهم.
إبتسم وهو يجذبها نحو خزانة الثياب قائلًا:
تمام نلتزم الذوق، انا هختار لك عباية على ذوقي من الدولاب، بالفعل مازال يأسرها بين يديه وفتح خزانة الثياب إنتقى لها عباءة باللون الأخضر الزُمردي، كادت تعترض لكن إمتثلت غصبً، كي تتملص من بين يديه، بالفعل تركها سريعًا أخذت العباءة وتوجهت نحو الحمام شاغبها قائلًا:
خليكِ هنا ألبسيها عشان أشوفها مظبوطه ولا…
ضحك حين أغلقت الباب بعنف فى وجهه.
بعد قليل دلف الإثنين الى غرفة الضيوف تفاجئت دُرة بوجود والدتها كذالك جدتها. وباسل وشاهر الذي نهض يقترب منها بابتسامه لكن هي تجاهلته وذهبت نحو جدتها، وتجاهلت وجود سامية وكوثر، اللذان نظرا لها بنظرة غلول من جمالها المُلفت، حاولت وجدان تلطيف اللقاء، تحاملت دُرة على نفسها حتى إنتهي اللقاء وغادر الضيوف ..صعدت وحدها بينما ظل طوفان مع وجدان لدقائق.
دخلت دُرة الى غرفة النوم خلعت تلك العباءة فورًا، تشعر بغضب، لكن إنتهي ذلك الغضب حين فُتح باب الغرفة وطل طوفان الذي وقف مبتسمً حين وقع نظره على دُرة التى تقف بثيابها الداخلية ذات اللون الأسود المعاكس لبشرتها البيضاء… شعرت بالخجل وتوترت وهي تجذب العباءة تضعها فوق جذعها العلوي قائلة بغضب:
بتبص على إيه، مفيش عندك حيا.
ضحك طوفان، سبب لها إغاظه ذهبت نحو الحمام دون جِدال، بينما نزع طوفان ثيابه وظل بسروال داخلي، ذهب نحو الفراش وتمدد عليه، وضع يده فوق راسه ينتظر لدقائق حتى عادت دُرة نظر نحوها بتلك المنامة السوداء ثم ضحك بخفة غير مُباليًا، بينما دُرة
توجهت نحو الفراش تنظر له بترقُب، وهي ترفع دثار الفراش ثم تمددت على الفراش،
بمجرد ان تمددت تقلب طوفان، لوهلة ظنت أنه سيقترب منها لكن كان خبيثً وأعطاها ظهره، تنهدت براحة وهي تُغمض عينيها، كذالك هو نظر نحوها وتبسم، ثم وأغمض عيناه مُتثائبً بسبب الإرهاق غفي هو الآخر.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع
رغم جفاء معاملة بدرية لـ جود،كذالك مشاعر حاتم المُذبذبة معها أحيانًا لطيف،وأحيانًا عنيف برد الفعل بموقف لا يدعي العصبية،لكن كآنه شخص لدية إنفصام
شخصان يتناوبان السكن في قلبه وعقله أحدهما يحاول الاقتراب منها بلُطف، والآخر يود دفعها بعيدًا بلا رحمة، شعور يخشاه ولا يستطيع احتواءه
كلما اقتربت جود بخطوة، تراجع هو بخطوتين، تشعر كأنها تدفع ضريبة ذنب لم ترتكبه.
تفاجئت حين دخلت الى غرفة النوم، وجدت حقيبة على الفراش وهو يضع بداخلها ثياب خاصة، به سألته بدهشه:.
ليه بتحط هدوم فى الشنطة دي.
فى البداية تجاهل الرد لكن جود،يطوي الثياب ويضعها بالحقيبة… إقتربت أكثر وعاودت سؤالها، ترك وضع الثياب وإستقام واقفً ينظر لها ببرود قائلًا بنبرة ثلجية:
عندي مُهمة تبع شُغلى فى الشرطة وهغيب كام يوم، إرتاحتي كده لما جاوبتك.
حدّقت فيه جود للحظات، كأنها تحاول التحقق من انه يمزح، لكن نبرته الباردة كانت كفيلة بأن تزرع في قلبها صدق ما قاله .
قالت بهدوء تخفي خلفه زلزالًا من المشاعر:
تمام أنا سألتك لأني مراتك، مش غريبة.
أشاح بوجهه، وكأن كلماتها زادت من ضيقه، ثم قال وهو يغلق الحقيبة بعنف نسبي:
مراتي… بس أنا مبحبش الأسئلة الكتير اللى ملهاش لازمه.
شعرت وكأن الهواء يُسحب من الغرفة، ردت بتماسكٍ مُتكسّر:
لما أسألك عشان أعرف ليه بتحط هدوم فى الشنطة، ده سؤال مالوش لازمة.
لم يجب، فقط أمسك بالحقيبة واستدار متجهًا نحو الباب. وقبل أن يخرج، توقف لحظة، دون أن يلتفت تحدث ببروظ:
خلي بالك من نفسك.
كلمات باردة منه وهو يغادر، تاركًا خلفه قلبها معلقًا بين الكبرياء والانكسار.
❈-❈-❈
بالغردقة
بأحد الفنادق
لاحظ نفخها لأكثر مره، إبتسم بخباثة مُتعمدًا تجاهلها يدعي إنشغالة بالعمل عبر حاسوبه الخاص، لديه يقين لن تنتظر طويلًا، وستتحدث
وبالفعل، قبل أن تمُر دقيقة زفرت نفسها بقوة،والقت الهاتف الذي كان بيدها ونهضت من على الفراش وقفت تنظر له غاضبه، تحدثت بنبرة مزيج من ضيق وكبرياء:
إحنا هنفضل هنا لحد إمتي، أنا زهقت، خلينا نرجع للـ المنيا.
أغلق الحاسوب وضعه بجانب ونهض واقفًا يقترب منها قائلًا:
إحنا مبقالناش غير تلات أيام بس.
زفرت نفسها بضيق قائله:
يبقي كفاية كده أنا زهقت، إحنا حتى مخرجناش من الأوضة من وقت ما وصلنا… غير مره واحدة إتغدينا في مطعم الأوتيل.
ضحك حين أصبح أمامها وضع يديه حول خصرها يُقربها من صدره غامزًا بعينيه قائلًا بإيحاء مرح:
وهو فى عِرسان جُداد بيطلعوا من أوضتهم.
انهى حديثه بقُبلة على إحد وجنتيها،
عادت للخلف خطوة زفرت نفسها ورمقته بنظرة نارية، شبكت ذراعيها أمام صدرها ، قائلة بكِبر:
عِرسان، بلاش النغمة دي أنا زهقت خلينا نرجع.
ضحك قائلًا:
لاء هنكمل الأسبوع، أنا أساسًا بفكر ازود كمان أسبوع، مُستمتع هنا، البحر والوجه الحَسن.
نظرت له بحُنق قائلة:
فين البحر أنا مشفتوش غير من بلكونة الأوضة، وفين كمان الوجه الحَسن ده.
ضحك وهو يعاود وضع إحد يديه حول خصرها والأخرى رفعها يلمس وجنتها بنعومة قائلًا:
هو فى وجه فى الكون كله أحسن منك.
نظرت له بحنق،
إبتسم وهو يضع قُبلات على وجنتها يسير بشفاه نحو شفتيها قبل أن تعترض عانق شفتيها بشفتيه بعناق مُتناغم، يدفع جسدها برفق الى أن تمددت على الفراش وهو فوقها مازال يُقبلها،لوهلة كادت تدفعه بيديها، لكن امسك يدها وضعها على موضع قلبه،شعر بإستكانتها مرة أخري،وتناغمها مع قُبلاته،إمتدت يده الى أزرار كنزتها قام بفتحها،كادا يذوبان معًا بالغرام ..،لكن هنالك ما قطع صفو الغرام
، رنّ صوت إشعار عالي من هاتفه
تنهدت بضجر قائلة:
شوف موبايلك أكيد حاجه مهمة.
إبتسم وإبتعد عنها ذهب نحو هاتفه، نظر الشاشة ثم لها قائلًا:
ده شاهر خالك.
نظرت له بزهق وهي تعتدل تغلق منامتها ولم ترد، تنهد بضجر وهو يقوم بالرد على شاهر الذي أنهي الحديث معه سريعًا، ثم عاد يقترب منها قائلًا:
شاهر بيسلم عليكِ.
نظرت له بنزق صامته، ابتسم طوفان قائلًا:
إفردي وشك إحنا عِرسان…
قاطعته بغضب:
بطل النغمة دي، دلوقتي عاوزه أخرج اشم هوا البحر.
عاد يقترب نظرته خبيثه وهو يقترب لكن صدح رنين هاتفه … نظر نحو شاشة الهاتف بيده، شعر بإندهاش لم ينتبه لفضول دُرة حين سألته:
مش بترد ليه مين
“روان”
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دون قصد منها نظرت للشاشة، لكن حين رأت إسم “رزان” دخل لعقلها فضول المعرفة لوهله دون أن تشعر، بنبرتها الفضولية سألته:
مين رزان دي وليه مش بترد عليها.
لوهلة شعر بتوتر من سؤالها المُباغت، نظر لها حاول ضبط ملامحه قائلًا بهدوء:
دى عميلة فى الشُغل.
إستفسرت قائلة بسؤال:
وليه مش بترد عليها.
أجابها وهو يغلق صوت الهاتف:
عشان مش عاوز أرد عليها، ومش بتقولى عاوزة تخرجي، تمام هاخد شاور عالسريع تكوني بدلتي البيجامة،بس ياريت ميكونش طقم إسود، والا مش هنخرج.
وضع الهاتف فوق منضدة بالغرفة وتوجه للحمام، شعرت دُرة بالضيق، لكن حاولت اخفاءه خلف ابتسامة باهته… تنهدت بغضب وتوجهت نحو خزانة الثياب، لوهلة فكرت بالعِناد وإرتداء ثوب أسود، لكن زفرت نفسها، ربما ينتهز الفرصة ويتحكم، بحثت بين الثياب عن ثوب غامق،حتى وجدت طقمً باللون البنفسجي الداكن،نظرت نحو الحمام تأكدت من إغلاقه،ثم توجهت نحو الفراش وضعت الطقم ونزعت ثيابها ثم بدأت بإرتداء الآخر…
لكن قبل أن تنتهي من ذلك سمعت صوت فتح باب الحمام،نظرت نحوه سُرعان ما شعرت بخجل وإستدارت بوجهها تُخفي ذلك بعدما رأت طوفان لا يرتدي سوا منشفه حول خصره فقط،لاحظ طوفان ذلك فأبتسم، كذالك لاحظ رعشة يد دُرة وهي تقوم بغلق كنزتها… تعمد الإقتراب منها، شعرت بوجوده خلفها، تقدمت خطوة وكادت تبتعد لكن وضع يده على خصرها ينظر لإنعاكسهما بالمرآة لا ينكر ذوقها الأنيق دائمًا حتى بالثياب السوداء وذلك الثوب رغم لونه الداكن لكن يُبرز جمالها، وضع رأسه على كتفها قائلًا بخباثه:
ليه مطلعتيش ليا غيار معاكِ.
هدوء نبرة صوته له تأثير عليها، أو ربما عِلمها أنه شبه عارى جعلها لا ترفع عينيها وتنظر لإنعكاسهما، فقط حاولت أن تُخفي ارتباكها وهي تبتلع ريقها بصعوبة، وتهمس دون أن تنظر إليه:
طلع بنفسك،ممكن ذوقي مش يعجبك.
اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تداعب رقبتها، فشهقت بخفة وهي تشد الكنزة على جسدها أكثر، لكن صوته المنخفض أربكها:
بالعكس ذوقك دايمًا بيعجبني.
كلمات بسيطة، لكنها أربكتها أكثر، وكأنها صدى يدق على أوتار قلبها المرتبك… التفتت له سريعًا تتبعد عنه ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله جادًا:
طوفان…قدامك الدولاب طلع لنفسك.
ضحك هز رأسه بتفهم، ثم اقترب الخطوة قائلاً:
ـ تمام… بس ليه مضايقة كده… تعرفي حتي وإنتِ مكشرة حلوة أووي.
ابتسمت رغماً عنها، لكنها أخفت بسمتها سريعًا وهي تبتعد عنه تعدل وشاح رأسها أمام المرآة، بينما هو ذهب نحو الدولاب وبدأ يرتدى ثيابه ببطء وكأنه يمنح اللحظة وقتًا أطول… شعرت دُرة بارتباك خفيف يتسلل إلى ملامحها من جديد، فتوجهت إلى حقيبتها الصغيرة وبدأت تبحث فيها، محاولة الانشغال بأي شيء حتى لا تلتقي عيناها بعينيه…
صمته كان ثقيلاً، لكنه حمل تفكيرًا حقيقيًا هذه المرة…إنتهي من إرتداء ثيابه واقترب مجددًا، لكن ببطء وحذر، رفع يده ولمس وجنتها برفق وهو يهمس:
أنا جاهز.
تنفست بقوة حبست داخلها الهواء لثواني ثم تفوهت بخفوت:
أنا كمان جاهزة، خلينا نخرج من الأوضة دي حاسة إني هتخنق من الحبسه فيها.
إبتسم بمغزى قائلًا:
غريبة مع أن ريحة هوا البحر فى الأوضة.
نظرت له بسخط بينما هو إبتسم ببرود وهو يرفع يده بإشارة واضحة أن تضع يدها بيده،لكن هي لم تفعل ذلك وذهبت نحو باب الغرفة وفتحته،تبسم وذهب خلفها…جلسا قليلًا بمطعم الفندق،بعد وقت تحدثت:
انا أتنفخت من الأكل محتاجة أمشي عشرة كيلو عشان أهضم اللى أكلته.
ضحك ومال عليها قائلًا :
فى طريقة تانية تهضمي بها بدل المشي وأسرع فاعلية…بل ممكن تجوعي تاني كمان.
نظرت لعينيه لم تفهم،وتسألت بأستفسار:
وإيه هي الطريقة دي بقى.
غمز بعينيه بإيحاء وهو يضع يده فوق فمها قائلًا:
نرجع الأوضة تاني وهتعرفي بالتطبيق العملي.
فهمت إيحاؤه،فتضايقت قائلة:
من فضلك إحنا فى المطعم قدام الناس بلاش وقاحة
وكمان أنا أفضل المشي عالبحر عالأقل هشم هوا نضيف.
إبتسم وهو ينهض يمد يده، نظرت نحو وجهه وإبتسامته البسيطة،ثم نحو يده، لم تعترض وضعت يده بيده ونهضت تسير معه الى أن إقتربا من الشاطئ, يسيران بمحاذته وهما يسيران حتى سألته دُرة وهي تتنفس بعُمق نسمة ذاك الهواء الرطبة:
أول مره تجي هنا.
أومأ برأسه قائلًا:
أيوه، أنا أساسًا فى حياتي مفتكرش روحت مكان فيه بحر مرتين مش أكتر.
نظرت له قائلة بحنين:
أنا كل سنه لازم بابا ياخدنا المصيف لشاطئ مختلف، حتى مره حسام مكنش بيعرف يعوم وبابا أنقذه يومها، معرفش سبب إنه يدخل لجوه البحر وهو مبيعرفش يعوم… إيه اللى كان فى راسه.
تجمدت قبضة يده على يدها، كذالك شعر بـوخز في صدره كلماتها حفرت ذكريات لم يرغب في استحضارها…ربما حديثها عن حسام عفوي لكن لديه حزازية قوية إتجاهه، حاول أن يبتسم وهو ينظر لها، ثم تحدث بنبرة حادة:
كان هدفه أكيد يلفت نظرك.
-ليه
ذلك كان سؤالها الذي جعله يشعر بالغضب وهو ينظر لها قائلًا:
خلينا نرجع الاوتيل كفاية مشي أكيد اللى أكلتيه إتهضم وزيادة.
شعرت بقبضة يده القوية على يدها،كذالك تغيُر ملامحه،هي حقًا حديثها كان عفويًا…قبضت على يده بيدها الاخرى وتحدثت برجاء:
لاء أنا بتخنق من الأوضة خلينا نمشي كمان شوية أو نقعد هنا عالشاطئ في هناك كراسي قريبة عالشط.
كاد يعترض لكن نظرة عيناها المُترجية جعلته يزفر نفسه بإستسلام قائلًا:
تمام خلينا نروح نقعد هناك.
رغم رغبتها بمواصلة السير لكن استسلمت لرغبته بالجلوس، ليست تلك المرة الأولى التي تشعر بتبدُل ملامح طوفان حين تذكر إسم حسام
أثناء سيرهما ساد الصمت يدور بعقلهم أفكار مُتشابكة، حتي جلسا على ذلك المقعد، سحبت يدها من يده تنظر أمامها وهو كذالك، بعفوية منها تحدثت بحنين:
بابا فى مرة قالي طوفان هيبقي رجُل أعمال ناجح.
نظر لها مُبتسمً فأكملت بتفسير:
قالى طوفان عنده مِيزة بيسمع أكتر ما بيتكلم، يمكن إكتسب المِيزة دي من شُغله فى النيابة، إتعود يسمع قبل ما يتكلم.
أومأ لها بتوافق قائلًا:
ممكن وكمان يمكن طبيعة شخصيتي كده.
نظرت له قائلة:
فعلًا… ممكن تكون طبيعة شخصيتك، لاحظت كده كتير، كمان عندي سؤال..
نظر لها ان تسترسل حديثها فأسترسلت سائلة:
لما سيبت شغلك فى النيابة ليه مزعلتش.
ربما تفاجئ بسؤالها، كيف توقعت أنه لم يحزن لذلك، لكن هو القدر الذي دائمًا كان يهرب منه، لكن لا مفر منه… نظر لها قائلًا:
مين اللى قالك إني مزعلتش، بس إتقبلت الوضع، يمكن لأن ده كان قدري من البداية اللى حاولت أتمرد عليه، زيك كده كنتِ قدري.
ضيقت بين حاجبيها بغضب قائلة:
قصدك إيه… إنت غلطان أساسًا إنت ساومتني من البداية عالأرض وتعتبر إتحايلت عالشرع والقانون وإتجوزتني بالتزوير.
ضحك طوفان قائلًا:
مكنش قدامي طريق تاني معاكِ غير كده، بس بعد كده جوازنا تم بقبولك، وكل حاجة حصلت بينا كانت برضاكِ.
كعادتها حين توضع بموقف ضاغط تتهرب، نهضت واقفه بغيظ قائلة:.
خلينا نرجع للاوتيل بدأت أحس بشوية ساقعة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لم يُخفي ضحكته التي أغاظتها فنهض واقفً يقترب منها بمكر قائلًا:
ده الأفضل وأكيد فى الأوضة هتلاقي الدفا فى حضني.
بغيظ منها وكزته بكتفه قائلة بغضب:
سخيف، كمان انا زهقت من هنا، عاوزه أرجع المنيا، كفاية كده وجودنا هنا مالوش أي لازمة.
ضحكه يُغيظها، كذالك إجابته:
بس أنا شايف وجودنا هنا له ألف لازمة كفاية إننا لوحدنا بعيد.
سخرت من جوابه بسخط قائلة بإحتقان:
يعني لوحدنا فى الجنة.
أومأ لها وهو يقترب يضم خصرها قائلًا:
بالنسبة لى أي مكان إنتِ قريبه مني فيه يبقي الجنة يا دُرتي.
نظرت له لوهلة تشعر بذبذبات بعقلها… سُرعان ما نفضتها وإبتعدت عن يده قائلة بتهرُب:
خلينا نرجع للأوتيل.
أومأ لها مُبتسم يشير لها بيده للسير.. رغم عودتهما كانت صامتة، لكن داخلهما ضجيج لا يُحتمل.
هو يُراقبها بطرف عينيه، يحاول فك شيفرة تقلباتها، وهي تُحاول لجم مشاعرها التي توشك أن تنفلت.
كل خطوة تعيدها لواقع لا تريده، وكل لحظة صمت تجعلها تود أن تبتعد أكثر.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان
انه الليل… مارد الذكريات التي تتسلل الى العقل بلا إستئذان
نظرت وجدان لصورة خاصة بـ جود وجوارها طوفان وضعتها بين يديها، لوهلة تبسمت على بسمة وفرحة جود بتلك الصورة، جود رفيقتها الصغيرة
كان من حُسن حظها أنها ولدت فتاة، فلم تنال من قسوة نوح مثلما نال طوفان…
ذكرى قديمة
همس لسانها بوجع
“نوح”
وذكري ليلة عودتها له بعدما قبلت بعودة زواجهما مره أخري، خوفٕ على طوفان الذي هددها بأخذه منها عنوة، قبلت بالرجوع ربما كان بداخلها بقايا مشاعر له، كذالك أمل أن تكون سنوات الفراق أثرت عليه وتبدلت خِصاله القاسية وغِيرته والشك اللذان كانا مثل حبلين غلظين يخنقها بهما دون سبب
ليلة عودتها له، فكرت بتناول أحد موانع الحمل حتى لا تُنجب طفلًا آخر يتحمل قسوة نوح، وتُقيد أكثر بهذا الرباط الذي لم تعد تثق بمتانته ولا بعدالته…
لكنها تراجعت، ليس بدافع الحب، بل بدافع الحِيرة… كذالك الشك فى عقل نوح
قد يظن بها السوء وأنها بلا أخلاق وكانت تستعمل تلك الموانع بفترة إنفصالهما لأغراض دنيئة برأسه، عقل نوح كان غبيًا فى الحُب، يظنه مجرد تملُك جسد لا قلب وروح
كان خاوي القلب، سنوات دفعتها من عُمرها معه، رغم زهوتها حين ظنت أنها فازت بقلبه حين تزوجت منه… لكن منذ ليلة زفافهما وإنصدمت بشخص آخر غير ذلك الرجل الذي أحبته في السر وتمنته في العلن…
رجلٌ لم يُشبه الحُلم الذي نسجته حوله، بل كان كابوسًا طويلًا تسلل من بين ضلوعها وسكنها سنينًا…
منذ ليلة الزفاف، حين خلع القناع وظهر وجه نوح الحقيقي، فهمت وجدان أن ما بدأته بدافع الحب، قد تُكمله بدافع الخوف… أو التعود…
كان صوته عاليًا، حديثه أمر، ونظرته شك، وعاطفته تُشبه السلاسل… يقيدها باسمه، ويُحاسبها على أنفاسها، حتى باتت تخشى ظلها أن يثير غيرته…. ومع كل هذا، عادت إليه…
لأجل طوفان.
لأجل أمومتها التي لم تعرف كيف تفصلها عن كونها امرأة…
هل يُمكن لأم أن تُنقذ ابنها وتُهلك نفسها…
سؤال لم تسأله لنفسها ليلتها، بل بلعت الغصة، وارتدت ثوب العودة، وطرقت بابه لا كحبيبة، بل كمُستسلمة للقدر…
تنهّدت وجدان ومررت أصابعها على وجه جود في الصورة…
كم تمنّت لو كانت حياتها بسيطة كضحكة جود وطوفان…
لكن حياتها كانت كلوحة مشقوقة، يحاول الضوء التسلل من شقوقها فلا يضيء إلا وجعًا…
مسدت على صورة جود وداخل قلبها خوفُ لا تعرف سببه، خوف على تلك الرقيقة التى تُشبهها كانت مثلها رقيقة تهوى القراءة وقصص الشُجعان اللذين يخطفون قلوب الاميرات
جود أميرتها ليتها عارضتها او ما كانت أخبرتها ورفضت حاتم، لكن جود خيبت توقعها وهي إستسلمت بغفوة منها، لكن تتمني أن يُخطئ حدسها ويكون حظ جود أفضل منها.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
بمنزل زيدان
صباحً
طرق على باب غرفة سُجي
فتحت له مُبتسمة قائلة:
أنا جاهزة يا بابا.
إبتسم لها قائلًا:
تمام يلا بينا يا دكتورة.
ضحكت ببراءة قائلة:
لسة ست سنين على أبقي دكتورة.
إبتسم لها قائلًا:
هتبقي أرق دكتورة، يلا بينا عشان نلحق نوصل مكتب التنسيق بدري.
بالحقيقة لم يكُن ذلك هدفه بل هدفه عدم رؤية كوثر وتنغيصها بالحديث الماسخ
لـ سُجي، بالفعل غادر الإثنين يسيران معًا حتى توقف كي تمُر تلك السيارة والتي للغرابة توقف وترجل منها باسل يقترب من زيدان وقام بمد يده له يصافحة قائلًا:
أزيك حضرتك يا بشمهندس.
إبتسم زيدان وصافحة بمودة قائلًا:
أزيك يا باسل أخبارك إيه بقالي فترة متكلمتش معاك حتى فى فرح طوفان يا دوب سلمنا على بعض، الله يرحمه والدك كان صديقي زي الأخ رغم أنه كان رئيسي فى الشغل فى الوحدة الزراعية.
أبتسم له بحبور قائلًا:
مكانة حضرتك غالية لما بحتار فى معلومة بتصل على حضرتك.
ربت على كتفه قائلًا:
إنت فى مكان إبني يا باسل وأي وقت تحتاج لمعلومة او خدمة من الوحدة الزراعية أنا موجود.
إبتسم باسل، ثم سأله إنت رايح الوحدة الزراعية على طريقي إتفضل معايا أوصلك.
أبتسم زيدان قائلًا:
لاء بلاش تعطل نفسك أنا رايح مع سجي المركز عشان مكتب التنسيق.
رمق باسل تلك التى تقف بمواربة جوار زيدان سُرعان ما أخفض بصره وعاد ينظر الى زيدان قائلًا:
انا كمان رايح المركز هشتري شوية أغراض للأرض، تعالى معايا كمان في كذا معلومة عاوز أعرفها من حضرتك فرصة نتكلم فى الطريق.
نظر زيدان لـ سُجي ثم تبسم وأومأ برأسه قائلًا:
تمام، طالما مش هنعطلك… يلا يا سُجي أركبي ورا
ابتسم باسل وفتح الباب الخلفي، تلاقت عيناه مع عيني سُجي ليست المرة الأولى، لكن المرة السابقة كانا فى الظلام هذه المرة كانت وضوء الشمس ساطع كأن الضوء أعطي لعينيها الزيتونية القاتمة بريقًا كالندى فوق العُشب الأخضر.
❈-❈-❈
بشقة إبتهاج
وضعتِ الصينية المليئة بالطعام فوق المنضدة، ثم انسحبت إلى الفراش… بدأت تداعب عزمي بدلال مصطنع، همسات وقُبلات وكلمات غرامية زائفة، لا تنبع من قلبها بل من نواياها… لم تكن سوى مداعبات لعقله، ومشاغلة لجسده بلمسات جريئة…
ولدهشتها، استجاب لها سريعًا، نهض فجأة وجذبها بقوة إلى الفراش، جسده يُشرف عليها، وقلبها يرتجف بين ضلوعها…
عيناه كانتا تلمعان بشيء غامض، خليط من الشغف والتملك والرغبة الدنيئة، جعل أنفاسها تتقطع… رغم محاولتها الثبات…
اقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه على وجهها، كفه يُحيط بمعصمها، يقطع أنفاسها بسبب تلك القُبلة الجافة.. ثم ترك شفاها صوته أجش وهو يهمس:
فاكرة إنك بتلعبي بيا.
ابتسمت بدلال رغم اضطرابها، وردت بخفة:
أنا بلعب بيك.. إنت عارف حقيقة مشاعري.
شدها نحوه أكثر، عيناه لا تتركان وجهها، كأنه يحاول قراءة كذبها أو صدقها بين تقاطيعها المرتبكة.
البسي لعبتك صح، عشان لو وقعتِ… مش هرحمك.
رعشة خفيفة سرت في جسدها، لكنها أخفتها بابتسامة جانبية، ثم ردت بسؤال:
جصدك إيه بـ “البس لعبتي صح”؟.
أجابها بضحكة قصيرة وحادة، وهو يُرخى قبضته، كأنما يمنحها لحظة تنفس، أو فرصة أخيرة:
أوعي تفكري إني مش فاهمك، إنتِ مفكرة إن ليكِ تأثير عليا لا فوقي يا حلوة، إنت مش قد” عزمي مهران”
نظرت له بدموع مُصطنعة ..تُراقبه من طرف عينها… ظنت لوهلة أنه سيفقد اهتمامه، لكنه فجأة التفت إليها، بعينين تضجان بالريبة:
. قوليلي… إنتِ عايزة إيه بالضبط.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، أقرب للمراوغة منها للغزل. رفعت جسدها قليلًا واتكأت على كوعها، شعرها منسدل على كتفها، ثم قالت بنعومة مصطنعة:
أنا؟ عايزة رضاك… بس.
قهقه، لكن ضحكته كانت خالية من المرح، وقال بسخرية:
رضايا.. إنتِ بتخططي لأيه بالظبط.
عاد يقترب منها مرة أخرى، هذه المرة ببطء مدروس، كأن كل خطوة منه تزن نيتها:
خلي بالك، اللعب معايا مش زي اللعب مع أي حد. أنا لو شكيت فيكِ… هكسر الدنيا كلها فوق دماغك.
نظرت إليه بثبات، وأخفت ارتباك قلبها خلف كلمات باردة:
وإنت تفتكرني بلعب من وراك إنت…
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مال عليها فجأة، يده امتدت لوجهها بحنان زائف، إصبعه يمر على خدها كأنما يرسم عليه خريطة الغدر.
أوعي تفكري فى لحظة سهل أقطم جناحك بإيدي.
صمتت للحظات في داخلها كانت تقيس خطواتها القادمة قبل أن تسيل دموعها الزائفة قائلة بإدعاء:
كُل ده عشان جولت لك إنى رايدة يكون ليا عيال منك،وده ليه مش عشان بحبك.
تعرف جيدًا أن اللعب مع عزمي… كالسير فوق الزجاج المكسور، خطوة واحدة خاطئة… والدماء ستغمرها… لكن تحاول ربما تصل الى هدفها ويعلن زواجهما وتكون ضربة قاضية تفوز بها وتُصبح ذات شأن، ليست إبنة أحد أصغر مروجي أسلحة الموت الذي قُتل وهو يُقضي عقوبة بالسجن.
❈-❈-❈
بمنتصف الظهيرة
فتاة بالكاد أتمت الثامنة عشر، تسير على ذلك الطريق الترابي تحمل فوق رأسها وعاءً من الخوص به طعام، رغم حرارة الطقس توقفت حين رأت إحد شجرات الجميز بها بعض الجميزات الناضجة، وضعت الوعاء ارضًا نظرت حولها كان الطريق خاويًا شمرت ساقيها وصعدت فوق تلك الشجرة قطفت بعض من الجميز وضعته بحجر جلبابها ثم وضعت الطرف بفمها ونزلت من فوق الشجرة توجهت نحو ذلك الوعاء وأفضت ما بحجر جلبابها بالوعاء وكادت تحمله مرة أخرى لكن وقفت مُتصنمة حين سمعت من خلفها من يتحدث بغلظة قائلًا:
لساكِ حرامية يا بِت “مرعي بدران”.
بهلع اغمضت عيناها للحظات قبل أن تستدير بوجهها وتنظر الى ذلك الذي تلمع عيناه نحوها بنظرات بغيضة كأنه بنظراته تلك يخترق ثيابها يُعريها…بصعوبة إبتلعت ريقها الذي أصبح كالحطب الجاف قائلة برعب وخفوت:
وليد.
إقترب منها بقسوة قبض على عضدها بقوة قائلًا بتعالي:
وليد بيه…أوعي تفكري إنكِ ترفعي المقامات يا”زينة”.
❈-❈❈-❈-❈
بالفندق
جلس طوفان على طرف الفراش ينظر لوجهها الهادئ
وهي نائمة،ملامحها رقيقة وجميلة كذالك هادئة عكس طبيعتها العصبية المُتسرعة…إنحني يضع قُبلة على وجنتها،ثم همس بهدوء:
دُرة إصحي.
تنهدت بصوت ناعس ترف جفنيها… وهي غافية، إبتسم قائلًا:
دُرة حبيبتي إصحي عندنا سفر.
مازال النُعاس يُسيطر عليها إبتسم وتعامل بخُبت وإنحني برأسه نحو عُنقها يُقبلها قُبلات دافئة، حتى بدأت أنفاسه تضطرب على عُنقها
بدأت تفتح عينيها بنُعاس تهمس حين شعرت بـحرارة أنفاسه على عُنقها…. كذالك تلك القُبلة القوية الذي تعمد قوتها كي تترك أثرًا على عُنقها، شبه إستفاقت رفعت يدها وضعتها على كتفه كي ينزاح، رفع رأسه ونظر لها مُبتسمً قائلًا:
صباح الخير… إصحي بقينا بعد الضُهر وقربنا عالعصر يلا كفاية نوم عندنا سفر.
نظرت له بشبه وعي وتحدثت بصوت شبه مبحوح من أثر النوم تستفسر:
هنرجع المنيا.
أومأ برأسه نافيًا:
لاء هنسافر القاهرة.
إستوعبت رده وإستغربت سائلة:
هنسافر القاهرة ليه.
أجابها مُبتسمً:
عندي شُغل مهم هناك.
حاولت الاعتراض بداخل راسها تود الهرب من وجودها معه الذي يؤثر على إتزانها قائله:
طالما عندك شُغل سافر إنت القاهرة وأرجع أنا المنيا.
فهم هدفها، لكن فرض قراره قائلًا:
خلاص حجزت والطيارة بعد ساعة ونص.
شعرت بغيظ لكن أخفته قائلة:
تعرف أنا دلوقتي عرفت إزاي قدرت تتأقلم وبقيت رجُل أعمال رغم إنك درست المحاماة.
تبسم سائلًا رغم فهمه قصدها لكن يود مشاغبتها:
مش فاهم، قصدك إيه؟.
اجابته بتصريح مباشر:
إنت شخص بتحب السُلطة وبتحب تفرض قرارك على اللى قدامك، مش بس عيلة كاملة كلمتك ماشيه على رقابتهم.
إبتسم سائلًا:
وده عيب ولا ميزة.
أجابته:
الاتنين يا طوفان
عيب…. لما تستخدمه تتحكم في الناس ومصايرهم وتكسر إرادتهم،
ومِيزة… لما تعرف توظّفه عشان تحمي اللي بتحبهم وتاخد قرارات حاسمة وقت اللزوم.
إبتسم هو هكذا حقًا، لكن معها كل ذلك سهل مخالفة ذلك… الوحيدة التى يستطيع أن يُخالف معها قناعاته الصلبة،
أن يتنازل عن عناده المُطبِق، أن يلين صوته رغم صرامته…مخالفته الوحيدة التي يتحمّل منها العِند، ويصبر على تقلبات مزاجها،
هي وحدها من لا يرى في عصبيتها إهانة،
بل يراها خيطًا رفيعًا من الكبرياء يُشبِهه…
ويُحبه، رغم مخالفتها صدامها المستمر معه.
غصبُ نهضت من فوق الفراش بعد دقائق كان الإثنين بالمطار ينتظران موعد إنطلاق طائرتهم
لكن أثناء جلوسهم بقاعة الإنتظار كان طوفان يُشاغب دُرة بالحديث المرح بينهما حتى قطع ذلك تلك التى وقفت أمام طوفان تمد يدها له بالمصافحة، قائلة بصوت هادئ ونبرة مفاجاة:
طوفان متوقعتش نتقابل هنا.
رفع نظره نحوها بإندهاش ثم سُرعان ما نظر نحو دُرة التي تنظر نحوها بنظرات حادة.
❈-❈-❈
بمنزل والد حاتم
أثناء عملها بتنظيف المنزل
دق هاتف جود… لوهلة خفق قلبها ربما ذلك إتصال من حاتم تذكرها أخيرًا، ذهبت نحو تلك الطاولة وجذبت الهاتف… لكن سُرعان خاب توقعها حين رأت إسم والدتها على الهاتف، أجلت صوتها وبدأت تتحدث معها لا تخبرها بشئ فقط طمأنتها أنها بخير، أغلقت الهاتف وضعته مكانه كي تستكمل تنظيف المكان كما طلبت منها بدرية،
لم تنتبه أنها كانت تتسمع على حديثها مع والدتها، تضايقت من ردودها على والدتها أنه تعيش بـ راحة وهدوء… بالتأكيد عكس ما تشعر هي على دراية أن حاتم منذ سافر لما يسأل عنها رغم إتصاله عليها أكثر من مرة، بداخلها تشعر بإنشراح، هي تُعطي له أخبارها أنها تفتعل بعض المناوشات وهي تتحملها، لكن ذلك يُؤثر على تكوين فٌكرة عنها مخالفة تمامً الحقيقة.
إنتهت من تنظيف المنزل جلست على إحد مقاعد الرُدهة تستريح قليلًا، لكن بذلك الوقت صدح رنين جرس المنزل، نهضت بتعب وذهبت نحو باب المنزل قامت بفتحه سُرعان ما شهقت بخضة حين رأت حاتم أمامها يتكئ على عصا طبية، كذالك وجود لاصق طبي على جبهته.
سمعت بدرية شهقتها شعرت بضيق شديد يتصاعد في صدرها كأنه مرجل يغلي.
خطت ببطء نحو الباب، ووقفت خلف جود وكادت تتحدث بغضب لكن صمتت للحظات حين رأت حاتم، شهقت هي الأخري وذهبت جذبت جود بقسوة من أمامها وجذبت حاتم بقلق شديد قائلة بسؤال:
إيه اللى جرالك إنت مش مكلمني إمبارح العصر لية مقولتليش إنك مُصاب.
ظل صامتًا للحظات، عيناه تتنقلان بين جود وبدرية، ثم قال بصوت مبحوح :
محبتش اقلقك، أنا بخير دي إصابة بسيطة.
نظرت بدرية نحو جود بغضب وغيظ قائلة :
دي أول مرة تنصاب فى مهمة، أكيد حصل ده بسبب النحس اللى دخلت حياتنا.
فهمت جود قصد بدرية وقفت متجمدة، كلمات تؤلمها، كذالك وجود حاتم مُصاب يُربك عقلها، قلبها ينبض بعنف، وعقلها عاجز عن اتخاذ موقف واضح.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فهمت جود تلميح والدة حاتم، كانت تقصدها هي بوضوح حين قالت “وش النحس”.
شعرت بوخزات في قلبها، وخزات قاسية كأنها تخترق صدرها… للحظة كادت ترد، أن تنفي عنها هذا الظن، أن تُخبرها بأن لها ابنًا قُتل منذ أشهر، من جلب عليهم النحس وقتها، لكن تربيتها منعتها… لم تعتد أن تجرح أحدًا في وجعه، حتى لو بدأت تُشكّ أن تلك الأم لا يتوجع قلبها حقًا لفقد أحد ولديها…
لو كانت حزينة عليه كأمٍ بحق، لأشترت راحة ابنها الآخر بأي ثمن…
لكنها، رغم قصر الأيام التي عاشتها معها، بدأت تكتشف خِصالها؛
كالطمع…
يكفي أنها سألتها عن تلك النقود التي أُعطيت لها كنقوط من أخيها ووالدتها وبعض الأقارب، وطمعها في الذهب الخاص بها ، حتى أنها لمحت وإن لم تُصرح بأنها يمكن أن تعطيه لها تحتفظ لها به “احتياطًا”، بحجة أن البيت مليء بالشرفات، وسهل أن يتسلل إليه لص…
لم تقلها حرفيًا، لكنها فهمتها… أو بدأت تفهمها… بدأت تنزع عنها ذلك القناع الرقيق الزائف سريعًا….
كذالك حاتم الذي يبدوا أنه مُشتت أو يسير بلا إرادة، أيام مجرد أيام وبدأت تتلاشي صورة الرومانسية الكاذبة أمامها، فقط إنتقلت من منزل كانت أميرة مُدللة فيه، الى منزل خادمة مُهمشة فيه من البداية، ولا تعلم كيف ستستمر، لا كم من الوقت ستتحمل ذلك… كذالك الجفاء الواضح من حاتم.
❈-❈-❈
بذلك المكان بين الأراضي هلع دب فى قلب زينة وهي ترا تلك النظرات الفجة الوقحة من وليد لها، ليس فقط من نظراته بل من إقترابه منها بخطوات بطيئة وهي جسدها يتحرك لا إراديًا حتى لم تنتبه وتعرقلت بأحد جذوع الشجر الجافة، سقطت أرضًا لسوء حظها إنحصار ثيابها عن ساقيها اللتان إنكشف سترهما حتى المنتصف وظهرا عاريان أمام عيني ذلك الوضيع…
الذي تجمدت نظراته عليهما، بإشتهاء قذر… كأن الزمن توقف للحظة، قبل أن تزفر زينة أنفاسها المرتجفة وتُسرع بتغطية ساقيها المرتجفتين بارتباك، وقد علا وجهها لون الخجل والذعر معًا… لم يكن وليد بعيدًا بما يكفي، وكانت نظراته ما تزال مسمرة عليها، جامدة،مُشتهيه… لا تخفي ما بها من جرأة مستفزة ومزيج غريب من رغبة التملُك…
تحاملت على نفسها تنهض وقد قبضت على أطراف ثوبها بقوة، كأنها تحاول أن تستر به خوفها قبل جسدها… قالت بصوت مرتجف حاولت أن تجعله حازمًا:
إبعد عني يا وليد… كفاية اللى حصل قبل إكده.
لكنه لم يتحرك.. يقف كتمثال من نار، عيناه ما تزالا تحومان حولها، حتى قالت مجددًا وقد ارتفع صوتها قليلًا:
قولتلك إبعد عني الله يخليك، سيبني فى حالي.
حينها فقط، تقدم خطوة أخرى، لكنها كانت مختلفة، ليست كتلك الخطوات البطيئة الأولى، بل كان فيها تردد، صراع ما يدور بداخله… رفع يده كأنه يوشك أن يلمسها، ثم أنزلها فجأة قائلًا بصوت أجش وحاد ومُهين:
أوعي تفكري إنك إتخلصتي مني،تعرفي مش عارف فيكِ إيه بيشدني،يمكن لما…..
نظراته كانت وقحة ومخيفة، زرعت الهلع فى قلبها وهي تنظر حولها ربما تجد من ينجدها من ذلك المتوحش…
شهقت زينة ببكاء كأن كلماته صفعتها… شعرت بالخوف، بالضعف أمام رجل متوحش، لا يمت للرجولة، بل ذئب وضيع.
قالت برجاء وهي تتراجع خطوة للخلف:
حرام عليك هتكسب إيه من أذيتي.
تجمد عقله عند فكره واحده فقط ، ونظر لها طويلًا بوقاحة، قبل يصبح أمامها مباشرةً يهمس بوعيد :
مكنش لازم تعرفي… إنك نقطة ضعفي… وأنا مستحيل أضعف و…
نجدة إلاهية أنقذتها… رنين هاتفها الجوال فى البداية أربكه، كذالك سماعه لصوت صهيل أحد الخيول … كذالك تلك الصرخة التى خرجت من زينة تتبعتها بكلمات إستغاثة، وما كان ذلك الصهيل سوا من الفرس الخاص به والذي صهل بسبب وقوف إحد الحشرات الطائرة فوق أنفه
تحكمت طبيعته الجبانة استدار صعد فوق الفرس يضرب بطنه بساقيه بقوة… يهرب مثل السارق.. وكبلحظات غاب بين الأشجار، تاركًا إياها واقفة ، تكاد تختنق من ذلك الرماد الذي خلفه سيقان الجواد… ترتجف البرد بسبب سيلان العرق من جسدها بغزارة.. كذالك الخوف الذي كاد قلبها يتوقف بسببه…
وقفت للحظات مكانها، تستمع لصمت الأشجار الثقيل، رغم صمت الأشجار لكن كل نسمة هواء ثقيلة تحمل معها تهديدًا خفيًا… عضت على شفتها السفلى بقوة، عيناها تتلفتان حولها بارتباك، وقلبها يقرع صدرها كطبول إنذار
تهزي:
هو مشي خلاص … لا… أنا ليه حاسة إنه لسه هنا… يمكن مستخبي… بيراقبني من ورا الشجر.
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة ضرباته، لكنها لم تستطع… تقدّمت بخطوات حذرة، كأن الأرض تحت قدميها قد تنشق في أية لحظة ويعود يظهر أمامها تحاول إستعاب عقلها… فكرت فى العودة لكن مازال عقلها مذهول:
ما ينفعش أرجع دلوقتي… طب أرجع منين أصلاً أنا دخلت الطريق ده لوحدي، وهو كان ورايا… يمكن لسه ورايا…
التفتت حولها بسرعة، تنفست بعمق عندما لم ترَ أحدًا، لكنها لم تقتنع والهزيان يزداد:
نظراته دي ما كانتش طبيعية… كانت جريئة، مُريبة… ودي مش أول مرة أحس إنه بيراقبني من بعيد… بس النهاردة… النهاردة قرب أكتر من اللازم… لو جولت لأبوي…
صمتت بل شبكت يديها في بعضها فوق فمها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ليست من البرد، بل من إحساس دفين… بأنها لم تعد بمأمن بعد خروج وليد من السجن…تتمني لو كانوا أعدموه فهو يستحق ذلك.
❈-❈-❈
بالمطار
نظر طوفان نحو دُرة التي تبدلت ملامحها من شبه مُضجرة الى مُتحفزة، وهي تنظر الى تلك السيدة التى تبسمت قائلة:
طوفان مهران… وكيل النيابة.
مد يده يُصافحها ببسمة قائلًا:
للآسف وكيل النيابة سابقًا لأني قدمت إستقالتي من سنتين ونص تقريبًا.
-خسارة
قالتها تلك السيدة ثم أعقبتها بمديح له:
النيابة خسرت وكيل نيابة عنده شجاعة وضمير وقلبه مش بيخاف، مش بيهمه غير تحقيق العدالة.
تهكمت دُرة بسخط ولم تتحدث، بينما نظرت تلك السيدة الى دُرة وتبسمت حين رأت يدها بقبضة يد طوفان وتحدثت بسؤال أولًا:
الجميلة دي تبقى مراتك.
اومأ مُبتسمّ، بينما عادت تلك السيدة للحديث بمديح:
جميلة أوي ولايقين على بعض.
تنهدت دُرة بدأت تشعر بشبة إختناق من تلك التي تمدح بجمالها تارة… وتارة أخري بـشجاعة طوفان… من تكون، وللآسف طوفان نفسه لا يتذكرها..
ابتسم طوفان ابتسامة باهتة، وعيناه تشتتان النظر في وجهها كمن يحاول تذكر ملامح غابت عنه في زحام السنوات والقضايا.
عادت تنظر له قائلة:
أكيد ممكن تكون ناسي أنا مين، أنا والدة الشاب اللى كان متهم فى قضية طعن وإنت كنت بتحقق فيها.
تنهد بتروى وقد خفت ابتسامته:
قضية إيه بالضبط؟ سامحيني… الوجوه عندي كتير.
رفعت حاجبيها بنبرة أقرب للمرارة، رغم ثباتها الظاهري:
قضية طعن شاب كان إبن سياسي معروف… ابني اتهم فيها ظلم، وانتَ كنت وكيل النيابة اللي ماسك التحقيق… يمكن ناسي، بس أنا مش ممكن أنسى.
شعرت دُرة بانقباض في قلبها، نظرت نحو طوفان تنتظر منه ردًا، لكن وجهه بات جامدًا، يحمل مزيجًا من الدفاع والتحفُظ.
قال أخيرًا، بصوت خفيض لكنه واضح:
أه إفتكرت حضرتك دلوقتي… أكيد كان عندي شك وقتها إن ابنك بريء، لكن الأدلة كانت كلها ضده،بس كان فى ثغرة فى القضيه قدرت من خلالها أتحرى الحقيقه وقدمت رأيي بكل ضمير… وسبت الباقي للمحكمة اللى أيدت براءة إبن حضرتك.
هزّت رأسها ببطء، وقالت بابتسامة إمتنان تخفي نارًا قديمة:
عارفة… وعلشان كده أنا جيت أقولك شكرًا … بسببك إبني ظهرت برائته ومضاعش مستقبله فى السجن ظلم… بس يا خسارة فعلًا اللى زيك مكنش لازم يسيب النيابة… بس أكيد عندك أسباب قوية… لما شوفتك حبيت أشكرك، إبني النهاردة بقى محاسب فى شركة سياحة هنا.
سادت لحظة صمت، توترت فيها أنفاس دُرة،تشعر بغضب فى قلبها وهي تتذكر قضية والدها التى ضاع الحق بها…
بينما تحدثت تلك السيدة وهي تهمّ بالانصراف:
بجد بشكرك وهفضل دايمًا أقول إن فى أشخاص ضميرهم بيبقي السبب فى إنقاذ أبرياء، بتمنالك السعادة مع زوجتك اللى واضح إنها بتحبك، إنت تستحق كُل خير، وآسفه إن كُنت تطفلت عليكم.
تركتهم ومضت، بينما نظرت دُرة إلى طوفان، همست:
واضح إن الست دي مغشوشة فيه متعرفش إنه السبب المباشر فى ضياع حق قتل إتنين.
ظنت دُرة أنها همست لنفسها، لكن سمع طوفان همسها، غص قلبه بقوة، وأظهر فعلًا أنه لم يسمع همسها، إبتلع ريقه قائلًا بثبات:
بينادوا على طيارتنا، خلينا نروح مكان الطيارة.
بعد قليل جلس الإثنين بمقعديهما بالطائرة، كان الصمت بينهم، وضعت دُرة رأسها على زجاج شباك الطائرة المجاور لرأسها… نظرت الى السحاب وهي تمُر، ذكرتها تلك المرأة بما حدث قبل سنوات…
بالعودة
” كانت بالسابعة عشر وقتها
بكلية الحقوق بجامعة القاهرة
كان إحتفال التخرُج السنوي،وتكريم أوائل الدفعة…والذي كان من ضمنهم طوفان
طوفان الذي كان،يشعر بوخزات مؤلمة فى صدره وهو يرا معظم زملائه محاطين من ذويهم، أبائهم وأمهاتهم وأخواتهم، بينما هو كان وحيدًا
حتى شاهر صديقه،أو بالأصح كان سبب صداقتهما هو مُختار غُنيم والد دُرة…
والدته وأخيه الأكبر،والمفاجأة التى كانت سببً فى تخفيف مرارة ما يشعر به من وِحدة
بسمتها وإقترابها من شاهر الذي ضمها وهو يضع على رأسها تلك القُبعة الخاصة بالخريجين،جعلت طوفان يشعر بالغِيرة من شاهر ود خطفها من هنا والذهاب بعيدًا،تحمل ذلك غصبً حتى إقتربت منه مدت يدها تصافحه،نظر الى تلك اللمعة بعينيها كان لها بريقًا خاص بها،هي تميمة قلبه،لإندفاع إحد زميلاته دفعت دُرة نحوه أصبحت بحضنه سُرعان ما إبتعدت تشعر بخجل كذالك كادت تنحني وتأتي بتلك القُبعة التي وقعت من على رأسها،لكن هو سريعًا وضع القُبعة الخاصة به فوق رأسها وتبسم ثم إنحني وألتقط القُبعة الأخري ألقاها نحو شاهر الذي إلتقطها وإبتسم غامزًا له…
بعد وقت بمنزل والدة شاهر
كانت جلسه بسيطه بين طوفان وشاهر و دُرة ووالدة شاهر التى تحدثت بفخر وهي تنظر نحو طوفان قائلة بسؤال:
ها يا طوفان قولي،ناويت على إيه بعد ما إتخرجت بتقدير.
إبتسم لها بينما أجاب عنه شاهر قائلًا:
هيكون ناوي على إيه بعد التقدير ده،طبعًا هيشتغل فى النيابة…ده مش بعيد يلاقي جواب التعيين بكره،إبن نوح مهران بقي…إنما أناغلبان،هكمل شُغل مع المحامي اللى كنت شغال معاه أهو أخد خِبرة كويسة قبل ما أفتح مكتب مُحاماة خاص بيا.
تبسمت والدته قائلة بتقدير:
طوفان اتخرج بتقدير عالي،لكن إنت يا دوب مقبول.
ضحك شاهر وهو يضع يده على كتف دُرة قائلًا:
شايفه جدتك يا دُرة فى صف طوفان عليا، وإنت بقي يا بنت أختي ناوية لما تخلصي الثانوية العامة تدخلي كلية إيه.
-طب عيون.
قالتها بإبتسامة، بينما تسائل طوفان:
وإشمعنا طب العيون.
أجابته:
عشان تيتا دايمًا تقولي العيون مستحيل تكذب يمكن اللسان والقلب يكذبوا لكن العيون دايمًا بتفضح صاحبها.
حقًا ذلك نظرات العيون تفضح العاشق، هذا ما لاحظه شاهر على صديقه طوفان إتجاه دُرة…
بعد قليل نهضت والدة شاهر لطهي الطعام وشاهر للرد على الهاتف، ظلت دُرة التي أصبحت صبية تشعر بالخجل حين
نهض طوفان من مكانه وجلس جوارها مجرد سنتيميرات ما تبعد بينهما، حديث عفوي،حين قالت له:
أوعي فى يوم تظلم برئ يا طوفان، تيتا دايمًا تقول دعوة المظلوم مفيش بينها وبين ربنا حجاب.
أومأ لها بوعد من عينيه، لكن كان هنالك وعدًا آخر بعينيه … ومشاعر تدخل فى حيز جديد، وقرار يأخذه طوفان بمجرد أن تنتهي دُرة من دراسة الثانوية سيتقدم لخطبتها ولن ينتظر،يخشي أن يخفق قلبها لأحدًا غيره،لن يتحمل ذلك.”
عـــــــــــــودة
حين طرق طوفان على ذلك الزجاج جوار رأسها، رفعت عينيها تنظر له كان واقفً يبتسم قائلًا:
لحقتي تنعسي دي المسافة يا دوب ساعه… وصلنا القاهرة والطيارة وقفت والرُكاب بدأوا فى النزول.
نظرت له نظرة غير مفهومه ركزت نحو عيناه، هل ما أخبرتها به جدتها سابقًا أن العيون لا تكذب وتفضح صاحبها كان كذبً فبعض العيون أصبحت تُجيد المكر والخداع وهي وقعت بمكر بتلك العيون أولها عيني طوفان الذي يخفيهما الآن خلف نظارة تحجب الشمس، وآخرها عيني
“حسام” التي إحتارت في تفسير نظراته بين، وبين ولم تفهم مغزى لنظراته، عكس نظرة عين طوفان حين ينظر لها بأوقات الصفاء، ترى بهما حكاية لم تُروَ، وطمأنينة تُشبه حضن الغائب بعد غياب، ترى فيهما صدقًا أحيانًا يُربكها أكثر مما يريحها، وكأن صمتهما ينطق بما يعجز لسانه عن قوله…
تلك النظرات تُربكها وتُثير في قلبها سكونًا صاخبًا، كأنها على شفا اعتراف لم يُقال، أو وعد لم يُعقد بعد…
ومع كل رمشة من عينيه، كانت تشعر أن شيئًا ما يُزاح عن قلبه بصمت، شيئًا يخصها… يخصهما.
لكنها ادركت، أو تتظاهر بأنها أصبحت تُدرك، أن العيون وحدها لا تكفي، وأن حتى أعذب النظرات قد تُضلل إن لم يسندها الفعل…
يُقارن عقلها…
حين كانت تغض بصرها خجلاً أو حذرًا، كانت تشعر بثقله يظلّ معلقًا بها، وكأنه لم يغضّ طرفه عنها قط…
هل يحبّها حقًا… أم فقط يُجيد التمثيل
سؤال ظلت تحمله بين ضلوعها كجمرة، تخمد حينًا وتشتعل حينًا، خاصة حين يُقابلها بالصمت في اللحظة التي كانت تنتظر فيها كلمة، أو حتى ابتسامة تكسر تلك الحيرة.
لكنها لم تنسَ… أن طوفان، حين أحب، لم يقل، بل فعل… وتقدم لخطبتها باكرًا… لكن وقتها هل واجه رفض والده لذلك… أم إستسلم.
فاقت مره أخري حين توقفت تلك السيارة… وضع طوفان يده على كتف دُرة قائلًا:
وصلنا مالك من وقت ما ركبنا الطيارة حاسس إنك سرحانه.
نظرت ليده على كتفها، كانت يده اليسار، رأت ذلك الخاتم بدلًا عن خاتم الزواج، خاتم ذو طابع قديم، كان لوالده… لكن لأول مره تنتبه أن هنالك خاتم آخر أسفل ذلك الخاتم خاتم زواج… قبل أن تسأله كان ترجل من السيارة… ترجلت هي الأخرى قائلة بإستغراب:
ده بيت تيتا.
أجابها ببسمة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أيوة طنط وحشتني هسلم عليها وأسيبك معاها للمسا هرجع أخدك نروح الفيلا بتاعتي هنا.
صمت كأنه قبول…بالفعل صعد معها لمنزل جدتها بالكاد سلم عليها وترك دُرة معها وغادر
جلست دُرة بحُضن جدتها، ضمتها قائلة:
من زمان مقعدتيش فى خضني كده من يوم…
توقفت قبل ان تقول منذ يوم وصول خبر مقتل “مختار وحسام”بعد أن كانت شبة فقدت الوعي غير مُصدقة ذلك الخبر الذي بدل حياتها جذريًا.
❈-❈-❈
بمنزل طوفان بالبلدة
الخبر السيء قد ينتظر
بغرفة وجدان شعور بالقلق لا تعلم سببه قلبها اصبح مُعلق دائمًا بـ جود تُعطي تفسيرًا لذلك أنها كانت دائمًا أمامها معظم الوقت، بكنفها، ربما تشعر هكذا لوقت ويزول ذلك الشعور مع الوقت وتتعود أن جود أصبحت لها حياة خاصة بمكان بعيد عنها تنهدت وجدان، محاولة طرد ذاك الشعور الغامض الذي ظل ينهش قلبها دون تفسير واضح، وكأن قلبها يُدق على باب لا تدري ما وراءه…
تُقنع نفسها أن الأمر طبيعي، أن التعلق بجود ما هو إلا عادة تراكمت على مدار الأيام والسنين، لا أكثر…
لكن في أعماقها، كانت تعرف أن التعود على هذا الغياب ليس بهذه البساطة.
فوجئت بدخول شكرية عليها تلهث قائلة:
كويس إنك لسه صاحيه.
نظرت لها وجدان بلهفه سائلة:
مالك بتنهجي كده ليه، مش كنتِ فى حِنة بنت أختك الحِنة حصل فيها حاجه.
أجابتها شكريه بعدما إرتشفت القليل من المياة:
لاء الحمد لله الحِنة مرت بخير، أنا سمعت من واحدة تبقي جارة دار بدرية أم حاتم، إنها شافته داخل الدار على عكاز يعرج وكمان فى لازق على جبينه.
خفق قلب وجدان وإنتفضت واقفه تقول:
هيكون حصل له إيه، هلبس ونروح نشوف فى إيه.
بصعوبة أقنعتها شكرية:
الوقت بقينا بعد العشا بعشا تانية، إتصلي على جود وإعرفي.
وافقتها وجدان أنفاسها ضاقت فجأة، وكأن نبض قلبها أصبح في سباق مع الوقت.
فتحت العاتف سريعًا وضغطت على اسم “جود” دون تفكير، الهاتف يرن، وكل ثانية تمر كانت كضربة مطرقة على رأسها.
مرت لحظات بدت لها دهرًا حتى جاءها صوت جود على الطرف الآخر، هادئًا بعض الشيء، لكن متعبًا:
مساء الخير يا ماما.
بتسرُع منها تحدثت:
جارتكم كان فى الحِنه قالت إنها شافت حاتم داخل يعرج وفي لازق على جبينه، هو كويس.
ساد صمت لثوانٍ… كأن جود تُفكر ثم أخبرتها:
آه… كان فى مهمة شغل وإتصاب بس إصابة مش قوية،كام يوم وهيبقي كويس.
تفوهت وجدان بهدوء سائلة:
طب الحمد لله إديه الموبايل أسلم عليه.
توترت جود فماذا ستقول، أنه ظل ماكثًا جوار والدته التى تبكي بين الحين والآخر… تمسك به بخوف حقيقي.
تعلثمت قائلة:
حاتم أخد العلاج ونام.
تفهمت وجدان ذلك قائلة:
تمام، ربنا يشفيه هتصل الصبح يكون صحي، تصبحي على خير.
– وإنتِ من أهله يا ماما.
أغلقت الهاتف ظلت جالسه للحظات قبل أن تشهق بخضة حين سمعت حديث حاتم الذي دخل الى الغرفة وسمع نهاية حديثها مع وجدان لكن تسائل:
كنتِ بتكلمى مين؟.
تهكم من خضتها وإستطردت حديثه بسخرية:
مالك بتشهقي كده ليه شوفتي عفريت.
نهضت من فوق الفراش قائلة:
لاء منتبهتش لدخولك فكرتك هتفضل تحت مع مامتك.
كأنه شعر بسخريه من نبرة حديثها، وهذا غير صحيح لكن عقله مع حديث والدته عنها يوحي له بذلك، فتحدث بحِدة:
لاءهفضل هنا لو مكنش ده يضايقك.
نبرة صوته الغليظه مفهومة لكن إبتلعتها حين جلس على الفراش وضع تلك العصا الطبيه جانبًا، ورفع ساقه السليمه، حاول رفع الأخري لكن تألم، شفق قلبها ذهبت نحوه رفعت ساقه فوق الفراش، ليس هذا فقط، بل نزعت الحذاء من قدميه، تعجب من ذلك ونظر لها بذهول، لم يتوقع منها ذلك بعدما سمع من والدته أنها مُتكبرة، لكن تحكم سوء الظن أنها تفعل ذاك رياءً أمامه لا أكثر.
❈-❈-❈
بصباح
اليوم التالي
بـ ڤيلا بمنطقة راقية
استيقظ طوفان على صوت رنين هاتفه.
فتح عينيه بتثاقل، لكن ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهه حين وجد دُرة بين ذراعيه، غافية كطفلة تشعر بالأمان…
لحظات ظل قريبًا منها، يستنشق من أنفاسها الهادئة، وكأن سكينتها تغسل قلبه من صخب العالم… لكن بدأت تتململ بسبب صوت الهاتف، غصبً إبتعد وجذب الهاتف، تبسم حين رأي هوية المتصل وأجلي صوته من النوم وقام بالرد:
صباح الخير يا ماما.
تخدثت معه بهدوء ثم أخبرته أن حاتم قد أصيب ولابد من عودته كي يقوم بزيارته كواجب أخوي مع زوج أخته.
تعجب قائلًا:
وإنصاب إمتي، مش المفروض أنه واخد أجازة عشان جوازه.
أجابته:
معرفش أنا وصلي خبر، ولما اتصلت على جود أكدت الخبر، خلينا نعمل الواجب ونروح نطمن عليه عشان خاطر جود.
أمتثل بهدوء قائلًا:
تمام يا ماما أنا المسا هرجع المنيا.
-توصل بالسلامه وسلم لى على دُرة.
أغلق الهاتف، سمع صوت تثاؤب دُرة نظر نحوها وتبسم بينما هي سمعت نهاية حديثه وتسألت بفضول:
إحنا هنرجع المنيا النهارده.
نظر لها بعين لامعة بالعشق وضع قُبلة على شفاها بنعومة ثم ترك شفاها حين رفعت يديها تدفعه قائلًا بإبتسامة:
صباح الخير.
خاولت التنفُس بهدوء قائلة:
بقولك هنرجع المنيا.
كاد يراوغ لكن زجرت له فابتسم وهو يجذبها له يضمها مُشاغبً، قائلًا:
أيوه هنرجع المسا، تفتحت ملامحها وكادت تدفعه عنه لكنه حاصرها بجسده الذي أصبح فوقها يضع رأسه بعنقها يدغدغ مشاعرها التى تستجيب له بعد إلقائه كلمات هيام وغرام ولمسات حنونه وهمساته تتسلل كالعطر الدافئ في عروقها، ارتعشت أنفاسها وهي تحاول أن تحافظ على تماسكها، لكن لا مفر من تأثيره ، ولا من ضعفها الذي يتسلل إليها كسحرٍ قديم تعرفه جيدًا، وتخشاه أكثر…
شعرت بقلبها يدق بعنف، وكل محاولة منها لردعه كانت تتكسر على صخرة حنانه الماكر.
إنتهت جولة الغرام، حاولت سحبت نفسها من بين ذراعيه برفق، تحاول جمع شتات أنوثتها، بينما نظراته تتبعها بشغف واضح ورضا رجلٍ انتصر دون قتال.
قالت بصوت خافت، تحاول التهرب من سطوة اللحظة:
هنرجع إمتي.
فهم أنها تتهرب من ما حدث بينهما، فضمها بقوة يأثرها بين ذراعية هامسًا:
هنرجع المسا، عندي شوية شغل صغيرين فى مقر الشركة هخلصهم على بعد الضهر وبعدها نرجع المنيا، اللى إنتِ مستعجله نرجع لها.
إرتبكت من لهجته التي تمزج بين الجد والدلال، وشعرت بسيل من المشاعر المتضاربة يتخبط بداخلها. حاولت أن تخفي توترها فخفضت عينيها،ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه يقرأ ما بين سطورها، ثم قال وهو يمرر أنامله على خصلات شعرها:
أنا فاهمك كويس يا دُرة.
ثم ساد صمت لطيف بينهما، أدي الى قُبلات ولمسات إنتهت بصوت رنين الهاتف،بضجر تنحي طوفان عنها،وجذب الهاتف وهو يُزيح الدثار عنه قائلًا:
هاخد شاور عالسريع وأروح الشركة
هبعتلك عربية بعد الضهر.
تسرعت قائلة:
أنا هروح عند تيتا ابعتها على هناك.
أومأ مُبتسمً
بعد وقت أمام مقر الشركة إبتسم طوفان، وهو يصعد الى تلك السيارة، لم يرا تلك التى تقف بسيارتها خلف سيارته، حتى أنه لم يسمع ندائها عليه.
❈❈-❈-❈
بعد وقت
بشقة حاتم
بعد إستقباله الفاتر لكل من طوفان و وجدان
اللذان لاحظا ذلك لكن لم يهتما بذلك فرضا أنها قد تكون طبيعة حاتم عدم التألف السريع، لكن إنتفض طوفان واقفً حين مدت جود يدها له بكوب من القهوه،قبض على يدها يتمعن النظر لها، تأكد من ذلك الإحمرار الظاهر على يدها تسأل بعنف:
إيه سبب إحمرار إيدك بالشكل ده.
آنت بألم فخفف قبضة يده عليها، ونظر لها ينتظر إجابتها لاحظ نظرتها نحو حاتم الذي نظر لها بتحفُز لإجابتها التى كانت غير مُرضية لعقل طوفان ولا وجدان:
وقع عليها ماية سخنه بدون إنتباة مني.
إجابه واهيه لكن إبتلعها طوفان مؤقتً.
❈-❈-❈
بعد وقت دلف طوفان الى غرفة النوم كانت شبه مُظلمة، ضوء خافت نظر نحو الفراش كانت دُرة غافية تبسم رغم غصة قلبه من منظر يد جود…تنهد يبدوا أن دُرة مريضة بداء النوم منذ أمس بالطائرة، حتى حين عاد مساءً لمنزل جدتها وجدها نائمة، كذالك بالطريق نعست، والآن غافية…
تنهد وهو ينزع ثيابه وضعها على آريكه بالغرفه ثم تمدد على الفراش، وضع يديه أسفل رأسه، تنهد يسحب الهواء يُفكر بيد جود، حتى لمعة عيناها شعر بإنطفائها، هل هذا لسبب أم أنها أصبحت بعيده عنه، لكن لا حتى مرحها ودلالها عليه كان مُنعدمً عكس عادتها معه…
زفر نفسه بـضيق يزم نفسه هل بسبب إستكمال زواجه من دُرة تهاون ولم ينتبة على وترك جود لمصير غير معلوم…
فكر لو كان والده مازال حيًا كان من المستحيل أن يوافق على ذلك، وذكري بعيده حين أخبر والده رغبته بالزواج فإنشرح وجهه لكن حين أخبره أن الذي يود منها هي “دُرة، إبنة مُختار غُنيم” كان الرفض منه قاطعًا حاسمً وبلا جِدال.
