رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور محمد

رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12 بقلم نور محمد

رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12 هى رواية من كتابة نور محمد رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12

رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ بقلم نور محمد

رواية لؤلؤة الدنجوان هشام ولؤلؤ الفصل الثاني عشر 12

مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة العاصفة التي كادت أن تنهي حياتهما. ثلاثة أشهر تبدلت فيها ملامح القصر الباردة، لتشرق فيه شمس دافئة لم يعرفها من قبل؛ شمس اسمها "لؤلؤ".
التئم جرح كتف هشام تماماً، لكن الندبة ظلت محفورة على جسده الصلب كختم أبدي، يذكره في كل مرة ينظر إليها في المرآة بأن هذه المرأة التي تنام بجواره تستحق أن يفديها بألف روح. لقد تغير القاسي، ذاب جليد غروره، وتحول الدنجوان الذي طالما تلاعب بقلوب النساء إلى عاشق متيم، لا يرى في نساء الأرض جميعاً سوى طيف زوجته السمراء الفاتنة.
في صباح يوم مشرق، تسللت أشعة الشمس عبر الستائر الحريرية لجناحهما لتداعب وجه لؤلؤ الغارقة في نوم عميق. كانت تنام بهدوء ملائكي، متكورة كجنين داخل أحضان هشام الذي كان يحيطها بذراعيه القويتين بتملك وحماية.
فتح هشام عينيه المظلمتين ببطء، ولم تكن أولى نظراته سوى لها. مرر أصابعه الخشنة برقة متناهية على خصلات شعرها الفاحم المتناثرة على وسادته، ثم نزل ليتلمس وجنتها السمراء الناعمة. ابتسم بحنان بالغ، وطبع قبلة طويلة ودافئة على جبينها.
"يا صباح الجنة اللي فتحت أبوابها ليا،" همس هشام بصوته الأجش العميق بجوار أذنها.
تحركت لؤلؤ بكسل، وفتحت عينيها الواسعتين اللتين تشبهان حبات القهوة الداكنة، لتقابل ابتسامته الساحرة التي تذيب قلبها في كل مرة.
"صباح الخير يا حبيبي..." همست بصوت ناعم، ورفعت يدها لتمسد على لحيته الخفيفة. "إنت صاحي من بدري؟"
جذبها إليه أكثر حتى التصقت تماماً بصدره العريض، وقال بضحكة رجولية جذابة: "صاحي من بدري عشان أشبع من ملامحك قبل ما أنزل الشركة. وحياة ربنا مانا قادر أسيب السرير ولا أسيب القصر طول ما إنتي فيه."
توردت وجنتاها بخجل محبب لقلبه، ودفنت وجهها في عنقه. "هشام... إنت بقالك أسبوعين مابتروحش الشركة وسايب الشغل كله لعادل. الناس هتقول إن لؤلؤ سحرت هشام الشافعي وقعدته في البيت."
"يقولوا اللي يقولوه!" زأر بخفوت وهو يقبل عنقها بحرارة جعلتها ترتجف. "أنا فعلاً مسحور بيكي، والشركة تولع، الفلوس تولع، مفيش حاجة في الدنيا دي تسوى لحظة وأنا في حضنك. أنا لو عليا أخبيكي جوه ضلوعي ومخليش عين في الكون تلمحك."
بعد وصلة من الغزل الرومانسي الذي أتقنه هشام ببراعة العاشق، نهض بصعوبة من السرير ليرتدي ملابسه استعداداً للذهاب إلى الشركة. بينما بقيت لؤلؤ في السرير، تشعر بإرهاق غريب وثقل في جسدها لم تعتده.
عندما وقفت أمام المرآة لترتب شعرها، داهمتها موجة دوار مفاجئة، فتمسكت بحافة التسريحة وأغمضت عينيها بقوة حتى تمر.
"لؤلؤ؟ مالك يا حبيبتي؟"
كان هشام قد خرج من غرفة الملابس يرتدي حلته السوداء الأنيقة، ولاحظ شحوب وجهها اللحظي واهتزاز جسدها. اقترب منها بسرعة البرق، وأحاط خصرها بذراعه ليسندها.
"مفيش يا حبيبي، مفيش حاجة." حاولت رسم ابتسامة مطمئنة على شفتيها. "تلاقيني بس قمت من السرير بسرعة، هبوط بسيط."
عقد هشام حاجبيه بقلق، ووضع ظهر يده على جبهتها ليتأكد من حرارتها. "وشك أصفر ومخطوف! أنا مش هنزل الشركة النهارده، هطلب الدكتور فوراً."
"يا هشام عشان خاطري بلاش مبالغة،" تعلقت برقبته بدلال عفوي لتمتص قلقه. "أنا زي الفل والله، يمكن عشان مانمتش كويس امبارح من... من سهرنا."
احمر وجهها بشدة في نهاية الجملة، مما جعل هشام يبتسم بانتصار وتتغير ملامحه القلقة إلى نظرة ماكرة وعاشقة. طبع قبلة سريعة على شفتيها وقال: "طيب يا ستي، هعديهالك المرة دي. بس أول ما تحسي بأي تعب، تكلميني فوراً، مسافة السكة وأكون عندك. مفهوم؟"
"مفهوم يا حبيبي،" ضحكت برقة وهي ترتب له ياقة قميصه.
مرت ساعات النهار ببطء على لؤلؤ. لم يكن الدوار مجرد هبوط بسيط كما ظنت. كانت تشعر بغثيان مستمر، وضعف عام يجعلها غير قادرة على الوقوف لفترات طويلة. فضلت البقاء في جناحها، متكئة على الأريكة، تقرأ كتاباً محاولة تجاهل هذه الأعراض.
في تمام الساعة الرابعة عصراً، انفتح باب الجناح بقوة، ودخل هشام. لم يستطع البقاء في الشركة بعيداً عنها، ترك كل الاجتماعات وعاد إليها كالمغناطيس. كان يمسك في يده صندوقاً مخملياً صغيراً.
"لؤلؤة قلبي اللي وحشتني من تلات ساعات بس!" قالها وهو يقترب منها، لكن ابتسامته تلاشت فوراً عندما رأى حالتها.
كانت لؤلؤ مستلقية على الأريكة، وجهها شاحب كالموتى، وجبينها يتصبب عرقاً بارداً، وتتنفس بصعوبة.
"لؤلؤ!" ألقى الصندوق من يده، وركع على ركبتيه أمامها بلهفة ورعب حقيقي. "في إيه؟ إنتي تعبانة أوي كده ليه؟ ليه مكلمتينيش؟"
حاولت فتح عينيها والتحدث، لكن الكلمات اختنقت في حلقها. "هشام... أنا... دايخة أوي..."
وقبل أن تكمل جملتها، غابت عن الوعي تماماً لتسقط رأسها بضعف على ذراعه.
"لؤلؤ! ردي عليا يا لؤلؤ!" صرخ هشام صرخة زلزلت أركان القصر، وفقد كل ذرة من تماسكه. قلبه الذي لا يعرف الخوف، كان يرتجف الآن رعباً من فكرة فقدانها.
حملها بين ذراعيه كطفلة صغيرة، وركض بها نحو السرير ووضعها برفق. أخرج هاتفه وصرخ في وجه عادل الذي رد على الفور: "دكتور العيلة يكون عندي في القصر في أقل من عشر دقايق! ولو اتأخر دقيقة واحدة هنسف المستشفى بتاعته! بسرعة يا عادل!"
كانت الدقائق العشر تمر على هشام وكأنها دهور من العذاب. كان يمسح وجهها بالماء البارد، يقبل يديها، ويهمس لها بكلمات مختلطة بالدموع والخوف. الدنجوان الذي لم يبكِ يوماً، كانت دموعه تلمع في عينيه وهو يرى حبيبته مستلقية بلا حراك.
أخيراً، وصل الطبيب مسرعاً، يلهث من الركض.
"اكشف عليها فوراً! شوف مالها! لو حصلها حاجة أنا هموتك!" زأر هشام في وجه الطبيب وهو يتراجع للخلف ليفسح له المجال، لكنه لم يخرج من الغرفة، بل ظل يذرع المكان جيئة وذهاباً كالأسد الحبيس.
قام الطبيب بفحص لؤلؤ بدقة، قاس ضغطها، ونبضها، وأجرى بعض الفحوصات السريعة. بعد دقائق، بدأت لؤلؤ تستعيد وعيها ببطء شديد، وفتحت عينيها لتجد هشام يندفع نحوها ويمسك بيدها بقوة.
"إنتي كويسة يا روحي؟ حاسة بإيه؟" سألها بلهفة.
التفت هشام للطبيب وعيناه تشتعلان بالغضب والقلق: "طمني! مراتي مالها؟ إيه سبب الإغماء ده؟"
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة وواسعة، وأغلق حقيبته ببطء. "مفيش أي داعي للقلق خالص يا هشام بيه. الخضة دي كلها ملهاش لزوم. المدام زي الفل."
"زي الفل إزاي وهي قاطعة النفس من شوية؟ إنت دكتور مابتفهمش؟" صرخ هشام بحدة.
توسعت ابتسامة الطبيب، ونظر إلى لؤلؤ المنهكة ثم إلى هشام المحمر غضباً، وقال بهدوء وثقة:
"المدام زي الفل يا هشام بيه، الإغماء والدوار والغثيان دي كلها أعراض طبيعية جداً... مبروك، المدام حامل في الأسبوع السادس!"
سقطت الكلمة في الغرفة كقنبلة موقوتة، لكنها قنبلة من الفرح والذهول.
"حامل؟" همست لؤلؤ بصوت متقطع، واتسعت عيناها بصدمة ممتزجة بفرحة لا توصف، ووضعت يدها المرتجفة لا شعورياً على بطنها المسطح.
أما هشام... فقد تسمر في مكانه وكأن صاعقة ضربته. تيبس جسده، وتوقفت أنفاسه لثوانٍ كاملة. الدنجوان... القاسي... سيصبح أباً؟ ومن من؟ من المرأة الوحيدة التي عشقها حد الجنون. ثمرة حبهما، قطعة منه ومنها، تنبض الآن بداخلها.
تحولت نظراته الحادة المليئة بالغضب إلى نظرات ضائعة، مبهوتة، قبل أن تمتلئ عيناه المظلمتان بدموع غزيرة، دموع فرح طاهر نقي لم يعرفه في حياته.
"أنا... أنا هبقى أب؟ لؤلؤ... إنتي حامل مني؟" همس هشام بصوت مختنق بالدموع، وكأنه غير قادر على تصديق المعجزة.
"ألف مبروك يا فندم. هكتبلكم على شوية فيتامينات ونظام غذائي تمشي عليه، ولازم راحة تامة،" قال الطبيب منسحباً بهدوء ليتركهما في هذه اللحظة المقدسة.
بمجرد إغلاق الباب، انهار هشام تماماً. ليس انهيار ضعف، بل انهيار عاشق تذوق أقصى درجات السعادة. ركع على ركبتيه بجوار السرير، ودفن وجهه في عنق لؤلؤ، وانفجر في بكاء رجولي صامت هز كتفيه العريضين.
"هشام... حبيبي بتبكي؟" رفعت لؤلؤ يدها الضعيفة ومسحت على شعره، ودموعها تنهمر على خديها بسعادة غامرة.
رفع هشام وجهه المبلل بالدموع، ونظر إليها بنظرة تحمل عشق الأرض والسماء. أحاط وجهها بكفيه، وأمطرها بسيل من القبلات المتلهفة على جبينها، خديها، وشفتيها.
"ببكي عشان أنا أسعد راجل في الكون يا لؤلؤ،" قال بصوت يرتجف من فرط المشاعر. "إنتي مديتيني بالحياة. إنتي دخلتي حياتي وأنا ميت من جوه، أحييتيني بحبك، ودلوقتي بتديني أعظم هدية ممكن راجل يتمناها. حتة مني ومنك، بيكبر جواكي."
نهض هشام قليلاً، وانحنى بجسده الضخم حتى أصبح وجهه ملامساً لبطنها. وضع يده الكبيرة الدافئة برفق شديد جداً على معدتها، وكأنه يلمس كنزاً قابلاً للكسر، وطبع قبلة حنونة ومطولة هناك.
"أهلاً بيك يا قلب أبوك،" همس هشام لبطنها، والدموع لا تزال تلمع في عينيه. "أنا مش مصدق إني هبقى أب... هحميك إنت وأمك بروحي، هخليكم أسياد الدنيا دي كلها."
أمسكت لؤلؤ بيده التي تستقر على بطنها، ونظرت إليه بعيون تفيض بالعشق. "نفسك في ولد ولا بنت يا هشام؟"
اعتدل هشام وجلس بجوارها، وسحبها لحضنه ليضمها بقوة وحنان. "نفسي في حتة منك إنتي. نفسي في بنت سمرا، عيونها واسعة وبريئة زيك. بنت تاخد طيبتك وحنيتك، عشان أدلعها وأخليها أميرة الشافعي اللي مفيش راجل يقدر يرفع عينه فيها. ولو ولد، هربيه يكون راجل وسند، يتعلم إزاي يعشق ويحترم الست اللي في حياته، زي ما أبوه بيعشق أمه."
"هشام..." همست لؤلؤ وقد غلبتها مشاعرها، "أنا بحمد ربنا في كل سجدة على الليلة اللي جمعتني بيك. الخوف اللي حسيته في أول يوم، اتبدل بأمان ملوش حدود. إنت عوضي الجميل يا هشام."
تذكر هشام الصندوق المخملي الذي ألقاه على الأرض في لحظة ذعره. نهض والتقطه، ثم عاد وجلس أمامها. فتحه ببطء، ليظهر بداخله خاتم ماسي فريد من نوعه، يتوسطه حجر زفير أزرق نادر محاط بحبات الألماس.
"أنا كنت جايب الخاتم ده النهارده عشان أقولك بيه إني عمري ما هقلعك من قلبي،" قال وهو يسحب يدها الرقيقة ويلبسها الخاتم الذي تلألأ في إصبعها. "بس دلوقتي الخاتم ده ملوش قيمة قدام الهدية اللي إنتي إديتهالي. يا لؤلؤتي... إنتي بقيتي عيلتي، وتاريخي، ومستقبلي."
قبلت لؤلؤ الخاتم، ثم عانقته بقوة، دافنة وجهها في صدره العريض، تستمع لنبضات قلبه التي أصبحت تعزف لحناً جديداً؛ لحن الأبوة، ولحن العائلة التي ستُبنى على أساس متين من العشق النقي الذي لا يعرف الانكسار.
في تلك الغرفة الهادئة، وسط دموع الفرح والهمسات العاشقة، تأكدت لؤلؤ أن حياتها القادمة ستكون أسطورة من الحب والفرح. الدنجوان المغرور الذي كان يرفض القيود، قيدته هي برباط الحرير، وبطفل سيحمل اسمه، ليكتبا معاً فصلاً جديداً من رواية عشق لا تنتهي، رواية أثبتت أن الحب الحقيقي هو القوة الوحيدة القادرة على ترويض الوحوش، وتحويل الألم إلى أمل، والخوف إلى أمان أبدي.
في تمام الساعة الثالثة فجراً، ساد سكون عميق أرجاء القصر الفخم. كان الجناح الملكي غارقاً في الظلام إلا من إضاءة خافتة تنبعث من مصباح صغير بجوار السرير.
تحرك هشام في نومه، ومد يده بوعي نصف غائب نحو الجانب الآخر من السرير الوثير ليضمها إلى صدره كعادته كل ليلة، لكن يده التقطت فراغاً ووسادة باردة.
فتح عينيه المظلمتين بصدمة، وانتفض في جلسته وكأن عقرباً لدغه. طار النوم من عينيه في جزء من الثانية. أين لؤلؤ؟ منذ أن علم بحملها، أصبح نومه خفيفاً للغاية، يستيقظ على أقل حركة منها خشية أن تتألم أو تحتاج لشيء.
"لؤلؤ؟" نادى بصوت أجش قلق، وهو يزيح الغطاء الحريري بسرعة.
ارتدى مئزره الأسود، وخرج من غرفة النوم بخطوات واسعة يغلفها القلق. بحث عنها في الشرفة، وفي غرفة الملابس، ولم يجدها. بدأ قلبه يدق بعنف، حتى لمح ضوءاً خافتاً ينبعث من المطبخ الصغير الملحق بالجناح.
اقترب بخطوات هادئة، ليتسمر في مكانه وهو يرى المشهد الذي أذاب كل ذرة قلق في صدره وحولها إلى ضحكة رجولية مكتومة.
كانت لؤلؤ تجلس على مقعد خشبي صغير، ترتدي ثوب نوم قطني واسع ومريح بأكمام طويلة، ترفع شعرها الفاحم في كعكة فوضوية عشوائية، وتمسك في يدها نصف بطيخة، وفي اليد الأخرى شريحة من الجبن المالح، وتأكل من هذه وتلك باستمتاع شديد، مغمضة عينيها بتلذذ وكأنها تتناول أفخم أطباق العالم.
أسند هشام كتفه العريض على إطار الباب، وكتف ذراعيه على صدره، وهو يتأملها بنظرة تقطر عشقاً وحناناً.
"أنا أقول الملايكة بتسهر في المطبخ تعمل إيه في الوقت ده؟" قالها بصوته العميق المليء بالدفء.
شهقت لؤلؤ بخضة طفولية، وكادت الملعقة أن تسقط من يدها. نظرت إليه بعينين واسعتين بريئتين، ووجنتيها محمرتين من الخجل.
"هشام! خضيتني.. إنت صحيت ليه؟"
اقترب منها بخطوات بطيئة، وسحب مقعداً ليجلس أمامها مباشرة. مد يده الكبيرة ليمسح قطرة من عصير البطيخ تمردت على شفتيها المكتنزتين، وقال بابتسامة ساحرة: "أصحى ليه؟ إنتي متخيلة إني ممكن يجيلي نوم وإنتي مش في حضني؟ قلبت عليكي السرير مالقيتكيش، كان هيجرالي حاجة."
نظرت إلى الطعام في يدها بخجل، وأخفضت عينيها. "أنا أسفة والله.. بس صحيت فجأة حاسة إني هموت وأكل بطيخ بجبنة. قولت أنزل المطبخ من غير ما أقلقك."
أطلق هشام ضحكة مدوية، رنانة، أضاءت ملامحه الحادة. "بطيخ بجبنة الساعة تلاتة الفجر؟ ده إنتاج الشافعي بيعمل عمايله بدري أوي! ألف هنا على قلبك وقلبه يا روحي."
سحب هشام يدها وقبل باطن كفها بعمق. "بس بعد كده، تصحيني. لو عايزة لبن العصفور في نص الليل، هشام الشافعي هيقوم يجيبهولك لحد السرير. إنتي تؤمري وأنا أنفذ."
"يا هشام أنا مش عايزة أتعبك، إنت مابتنامش كفاية اليومين دول بسبب الشغل اللي متراكم عليك،" قالتها بحنان وهي تضع يدها الحرة على خده.
"تعبي كله بيروح لما بشوفك مرتاحة." التقط شريحة الجبن من يدها وأطعمها إياها بنفسه، وهو ينظر في عينيها بنظرة أذابت كيانها. "كلي يا نور عيني، كلي وخلصي عشان نرجع ننام، أنا حضني برد من غيرك."
في صباح اليوم التالي، وتحديداً بعد مرور شهرين على بداية الحمل.
كانت لؤلؤ تقف أمام المرآة، تتأمل التغيرات الطفيفة التي بدأت تظهر على جسدها. لم يعد بطنها مسطحاً تماماً، بل برز قليلاً بنعومة زادتها أنوثة وجمالاً. كانت ترتدي فستاناً ربيعياً هادئاً بلون الخوخ الفاتح، طويل وبأكمام، منسدلاً بنعومة وحشمة تليق بها.
دخل هشام من الخارج، يرتدي ملابس غير رسمية؛ قميص كحلي داكن يبرز عرض منكبيه، وبنطال جينز أسود.
"بتعملي إيه يا أجمل ست شافتتها عيني؟" سألها وهو يحيط خصرها من الخلف، ويسند ذقنه على كتفها، ناظراً لانعكاسهما في المرآة.
"بتفرج على بطني اللي بدأت تكبر،" ضحكت برقة ووضعت يديها فوق يديه المحيطتين بخصرها. "أنا حاسة إني هتخن أوي يا هشام وشكلي هيبوظ."
"يبوظ؟" أدارها إليه فجأة، وعقد حاجبيه بجدية مصطنعة. "إنتي كل يوم بتحلي عن اليوم اللي قبله. إنتي دلوقتي مش بس لؤلؤتي، إنتي شايلة حتة مني جواكي. ده أحلى شكل ممكن أشوفك بيه في حياتي."
طبع قبلة رقيقة على أنفها، ثم أضاف بحماس غامض: "جهزي نفسك، إحنا هنخرج."
اتسعت عيناها بفرحة. منذ أن علم بحملها وهو يرفض خروجها من القصر خشية عليها من أي مجهود، يحاصرها باهتمام مبالغ فيه أحياناً.
"بجد يا هشام؟ هنروح فين؟ أنا زهقت جداً من قعدة القصر."
"عشان كده أنا قررت أخطفك النهارده. هنروح مكان مفيهوش حد غيري وغيرك وبس. بس بشرط..."
"إيه هو؟"
أخرج من جيبه شريطاً حريرياً أسود. "تغمي عينيكي."
ابتسمت بثقة عمياء، وأدارت ظهرها له. "أنا معاك أروح لآخر الدنيا وأنا مغمضة يا هشام."
بعد قيادة استمرت لأكثر من ساعة، توقفت السيارة. نزل هشام وفتح لها الباب، ثم ساعدها على النزول بحذر شديد وكأنها مصنوعة من زجاج رقيق. وضع يده حول خصرها، وأرشدها في خطواتها على أرض تبدو عشبية وناعمة.
"ممكن أفتح بقى؟ أنا هموت من الفضول!" قالت لؤلؤ بضحكة رنانة.
"افتحي يا ملكتي."
فكت الشريط الحريري، ورمشت بعينيها عدة مرات لتعتاد على ضوء الشمس. عندما اتضحت الرؤية، شهقت بصدمة وانبهار.
كانا يقفان في منتصف مزرعة شاسعة ومذهلة. مساحات خضراء ممتدة بلا نهاية، أشجار فاكهة وزهور نادرة تملأ المكان بعطرها الفواح، وفي المنتصف بحيرة صناعية صغيرة تسبح فيها طيور البجع الأبيض، وعلى بُعد أمتار قليلة إسطبل خيول خشبي أنيق، وكوخ ريفي ضخم مبني من الخشب والأحجار الطبيعية، يجمع بين الفخامة وبساطة الطبيعة.
"إيه الجمال ده؟ إحنا فين يا هشام؟" سألت وهي تدور حول نفسها ببهجة لا توصف، ونسيم الربيع يداعب خصلات شعرها.
وقف هشام أمامها، وعيناه تراقبان فرحتها بشغف. "دي مزرعة (لؤلؤة الشافعي). أنا اشتريت الأرض دي من فترة، وبدأت أجهزها من يوم ما عرفت إنك حامل. كنت عايز مكان لينا إحنا وبس، مكان بعيد عن دوشة المدينة، ومكان ابننا أو بنتنا يكبروا فيه ويلعبوا براحتهم من غير قيود."
دمعت عيناها من فرط التأثر. هذا الرجل لا يكف عن إبهارها. "إنت بتفكر في كل حاجة عشاني... أنا مش عارفه أقولك إيه."
"ماتقوليش حاجة. ضحكتك دي عندي بالدنيا." سحب يدها وقبلها برقة. "تعالي أفرجك على الكوخ من جوه."
قضيا ساعات النهار في استكشاف المزرعة. طعما الخيول معاً، وجلسا على حافة البحيرة. كانت لؤلؤ تضحك من قلبها، وهشام يشعر أن روحه المظلمة قد غُسلت بالكامل في بحر براءتها وعشقها.
في فترة ما بعد الظهيرة، وبينما كانا يتمشيان وسط أشجار البرتقال، تجمعت الغيوم الرمادية في السماء بشكل مفاجئ، وحجبت أشعة الشمس، وبدأ الهواء يميل للبرودة.
رفع هشام رأسه للسماء، وقطب جبينه. "شكلها هتمطر. الجو قلب فجأة. يلا نرجع الكوخ بسرعة عشان ماتاخديش برد."
وما إن أنهى جملته، حتى انهمرت قطرات المطر الربيعي بغزارة مفاجئة.
"هشام! المطر!" صرخت لؤلؤ بفرحة طفولية، وبدلاً من الركض معه، أفلتت يدها وبدأت تدور تحت قطرات المطر، رافعة وجهها للسماء لتستقبل القطرات الباردة بابتسامة واسعة.
تسمر هشام في مكانه لثوانٍ. كان يجب أن يغضب، يجب أن يجبرها على الدخول خوفاً على صحتها وصحة الجنين، لكنه لم يستطع إبعاد عينيه عنها. كانت تبدو كحورية ، فستانها الخوخي ابتل قليلاً والتصق بجسدها محتضناً إياه، وشعرها الفاحم ابتل وتناثر على وجهها وعنقها بجاذبية قاتلة مهلكة لحواسه.
"لؤلؤ! كفاية عشان هتتعبي!" زأر بصوت حاول أن يجعله غاضباً، واندفع نحوها.
لكنها ضحكت بصوت عالٍ، وأمسكت بيديه كلتيهما، وبدأت تسحبه معها في رقصة عشوائية تحت المطر الغزير. "أرجوك يا هشام، خمس دقايق بس! المطر ده خير ورحمة... أنا حاسة كأن ربنا بيغسل أرواحنا من كل وجع فات."
لم يستطع المقاومة. قوة جاذبيتها سحقت أي منطق لديه. استسلم لجنونها، وجذبها بقوة حتى اصطدم جسدها المبلل بصدره الصلب المبلل أيضاً.
انقطعت أنفاسها من قربه المفاجئ، ورفعت عينيها إليه. كان المطر يقطر من شعره الكثيف على وجهه الوسيم، وعيناه المظلمتان تشتعلان بنار لا يطفئها ماء الأرض كله.
"إنتي بتلعبي بعداد عمرك يا لؤلؤ،" همس بصوت خشن، مبحوح، تقطر منه رغبة وعشق لا يهذبهما شيء. "وأنا صبري قليل."
انحنى والتقط شفتيها في قبلة عاصفة، جامحة، مجنونة تحت المطر المنهمر. قبلة لا تعترف ببرودة الجو، فقد كانت كفيلة بإشعال النيران في جسديهما. أحاطت عنقه بذراعيها، مستسلمة لطوفان مشاعره الذي يجرفها دائماً إلى بر الأمان واللذة المطلقة.
وبعد لحظات طويلة من هذا الجنون العاطفي، رفعها هشام فجأة بين ذراعيه، متجاهلاً مقاومتها الضعيفة الخجولة، وركض بها نحو الكوخ الخشبي الدافئ.
بمجرد دخولهما، ركل الباب بقدمه ليغلقه بإحكام. كان الكوخ مضاءً بنور المدفأة الحجرية التي أعدها الحراس مسبقاً، ودرجة الحرارة بداخله دافئة ومريحة.
وضعها هشام برفق على الأريكة المخملية الوثيرة أمام المدفأة. كانت ترتجف قليلاً من برودة المطر.
"خليكي هنا،" أمرها بصوت لاهث وهو يخلع قميصه المبلل بالكامل، ليرمي به بعيداً، كاشفاً عن صدره العريض وعضلاته البارزة والندبة القديمة على كتفه.
ذهب مسرعاً وأحضر منشفة كبيرة ناعمة، وغطاءً صوفياً ثقيلاً. جثا على ركبتيه أمامها، وبدأ يجفف شعرها الفاحم برقة متناهية، يمسح قطرات الماء عن وجهها وعنقها بعناية وكأنه يعتني بقطعة أثرية نادرة.
"إنتي مجنونة، لو خدتي دور برد أنا ممكن بجرالي حاجه،" قالها بعتاب رقيق وهو ينظر لعينيها.
"ماقدرتش أقاوم يا هشام... وبعدين أنا مش هبرد طول ما إنت بتدفيني،" همست بجرأة اكتسبتها من حبه لها، ورفعت يدها لتمرر أناملها على صدره العاري، متلمسة ندبة كتفه بحنان جعل قلبه ينتفض.
توقف هشام عن تجفيف شعرها، وألقى المنشفة جانباً. أخذ الغطاء الصوفي الثقيل، ولفه حول جسدها بالكامل ليمنحها الدفء والحشمة، ثم جلس بجوارها على الأريكة، وجذبها لتستقر داخل أحضانه تماماً، بحيث يسند ظهرها على صدره، ويحيطها بذراعيه القويتين.
أغمضت لؤلؤ عينيها، مستمتعة بصوت طقطقة الحطب في المدفأة، وصوت أنفاس هشام الهادئة، ورائحة المطر المختلطة بعطره الرجولي القوي.
"عارفة يا لؤلؤ..." قطع هشام هذا الصمت الرومانسي بصوت خفيض وعميق. "أنا قبل ما أشوفك كنت عامل زي اللي عايش في ضلمة ومقتنع إنها نور. كنت مفكر إن الفلوس والسلطة هما كل حاجة. عمري ما تخيلت إني ممكن أوصل للمرحلة دي.. إني أبقى خايف على واحدة أكتر من نفسي، إني أستنى حتة عيل صغير عشان أسمع منه كلمة بابا."
رفعت رأسها من على صدره، واستدارت قليلاً لتنظر في عينيه. رأت فيهما صدقاً وشفافية لم تراها في أي إنسان من قبل.
"وإنت النور اللي نور دنيتي يا هشام،" همست وهي تضع كفها الصغير على خده. "إنت الأمان اللي كنت بتمناه في كل سجدة. إنت مش بس جوزي، إنت السند اللي عمري ما هقع طول ما هو ورايا."
أحاط خصرها بيده، وقربها إليه أكثر حتى التقت أنفاسهما. "أنا سندك، وحمايتك، وسيفك اللي هيقطع رقبة أي حد يفكر يمسك بسوء. أنا مكتوبلي أعيش عشان أعشقك يا لؤلؤة الدنجوان."
انحنى وطبع قبلة طويلة، عميقة، وممتلئة بكل معاني الاحتواء والعشق الخالص على شفتيها. ذابت لؤلؤ بين ذراعيه، وبادلته القبلة بشغف وحب فاق كل الحدود. في تلك اللحظة، أمام نيران المدفأة، وتحت سقف كوخهما الخشبي المنعزل، لم يكن هناك في الكون بأسره سوى هشام ولؤلؤ، وعشقهما الذي ينمو يوماً بعد يوم، والجنين الذي يربط روحيهما برباط أبدي لا ينقطع.
عاد هشام ولؤلؤ إلى القصر في المساء بعد أن توقف المطر، ورسم قوس قزح لوحة فنية في السماء. حملها هشام من السيارة إلى الجناح مباشرة، رافضاً أن تخطو خطوة واحدة لئلا تتعب.
وضعها على السرير بهدوء، وغطاها جيداً. "نامي وارتاحي يا حبيبتي، اليوم كان طويل عليكي وعلى البطل الصغير."
ابتسمت له بنعاس، وأمسكت بيده. "مش هتنام جنبي؟"
"هخلص تليفون مهم مع عادل، وأجيلك فوراً مش هتأخر."
خرج هشام إلى الشرفة، وأجرى اتصاله بعادل. بمجرد أن رد عادل، تغيرت نبرة هشام العاشقة إلى نبرة الحادة والجادة.
"عادل.. أنا قررت أسرع الإجراءات. كل أملاك عيلة المنشاوي اللي استولينا عليها، وكل الأراضي الساقطة، انقل ملكيتها فوراً."
"أنقلها باسمك يا هشام بيه؟" سأل عادل.
"لأ.. تنقل كل حاجة، أملاكي وأملاك المنشاوي اللي أخدناها، باسم لؤلؤ، وباسم ابني اللي جاي في السكة. أنا عايز العالم كله يعرف إن حرم هشام الشافعي هي الإمبراطورة الوحيدة للسوق كله، وإن مفيش مخلوق هيقدر يهز شعرة منها."
أغلق الهاتف، ونظر إلى السماء الصافية، وعيناه تلمعان بتصميم فولاذي. لقد عاهد نفسه أن يجعلها تملك الأرض وما عليها، وأن يظل حارسها الشخصي العاشق حتى آخر نفس في صدره.
يتبع... الكاتبه نور محمد

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا