رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1 بقلم مايول
رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة مايول رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1
رواية عهود الطفولة تميم ومليكة الفصل الاول 1
أنا مليكة.. اسمي ده بالنسبة للناس مجرد حبر على ورق قديم في سجلات ملجأ "الأمل"، بس بالنسبة لي هو عنوان لحياة طويلة كلها قسوة ووحدة. فكرت كتير إني أنسى، بس فيه ذكريات بتلزق في الروح زي الشمع الحار.
قاعدة دلوقتي ببص لنفسي
في المرايا، وشايفة البنت اللي كانت زمان بتترعب من ضلّها جوه الدار، وبفتكر اليوم المشؤوم اللي حياتي اتقلبت فيه رأساً على عقب. الحكاية كلها بدأت وأنا لسه طفلة عندها خمس سنين، عايشة جوه جدران مقشرة ولونها باهت، مفيش في حياتي دفا ولا صوت حنون يطبطب عليّا. الدار ده كان عبارة عن ممر طويل ومظلم، وريحة طبيخ قديم، ومشرفات قلوبهم أحجار، كل همهم يمشوا اليوم وخلاص.
بس وسط القرف والبرد ده كله، ربنا رزقني بحاجة واحدة حلوة.. "تميم".
تميم ده مكنش مجرد صاحب وخلاص، ده كان أهلي، وكتفي، وسندي الوحيد في الدنيا دي كلها. اتعرفت عليه واحنا صغيرين، كنت أنا قاعدة في حديقة الملجأ الخربانة، عمالة أعيط عشان كيس الشيبسي اللي اتسرق مني، فلقيت تميم.. طفل أنحف مني بشوية، شعره كيرلي وعينه فيها نظرة ذكاء وتحدي غريبة. قرب مني بهدوء، وطلع من جيب معطفه المقطع حتة شوكولاتة مدمرة ونص سايحة، قسمها بالنص واداني نصها من غير ما نطق بكلمة.
ومن اليوم ده، بقينا إحنا الاتنين ضد العالم. كنا بنقعد بالساعات تحت شجرة التوت القديمة اللي في آخر الحديقه
لكن القدر كان مخبي لنا سيناريو تاني خالص.. مرعب ومفاجئ.
في يوم كان برد جداً، نفس اليوم اللي كملت فيه تمن سنين، كنت ماشية في الممر الطويل فجأة لقيت المشرفة هانم جاية بتجري عليا،
ووشها مفرود بابتسامة غريبة أول مرة أشوفها عليها، وقالت لي بحدة: "المفروض تفرحي يا مليكة! فيه ناس مهمين قاعدين جوة عند المديرة وعايزين يتبنوكي.. اخلصي ظبطي هدومك وتعالي ورايا فوراً!".
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة. تبني؟! يعني إيه؟! يعني هسيب الدار؟ يعني هسيب تميم؟!
رجلي نملت ومكنتش قادرة أقف على طولي. جريت زي المجنونة أدور على تميم في كل حتة لحد ما لقيته واقف مستنيني عند أول الممر، كأن إحساسه كان دليله. وقفت قدامه وأنا أنفاس متقطعة وعניا غارقة في الدموع.
قالي بصوت مبحوح
ومرعوب:
"مالك يا مليكة؟ المشرفة كانت بتقول إي؟"
رديت وأنا بشهق: "بيقولوا.. بيقولوا فيه ناس جم ياخدوني.. . مش عايزة أروح يا تميم! أخاف منهم! أنت الوحيد اللي ليا هنا، هسيبك وتروح فين؟!"
تميم مسك كف إيدي الصغير بين إيديه، وشد عليها جامد لحد ما حسيت بوجع، بس الوجع اللي في قلبي كان أكبر بكتير. بص في عيني نظرة
عمرها ما تتنسي أبداً، وقال لي بثبات غريب رغماً عن
الدموع اللي لمعت في عينه: "اسمعيني كويس يا مليكة، وماتنسيش ولا كلمة.. اجهزي وروحي معاهم، يمكن تلاقي حياة أحسن، بس أوعي.. أوعي تنسيني. أنا هكبر وهدور عليكِ مهما طال الزمن،
قبل ما ألحق أرد عليه، جت المشرفة وجذبتني من دراعي بقسوة، وشدتني ناحية مكتب المديرة وسط عياطي
وصراخي. آخر صورة خزنتها عيني لتميم وهو واقف لوحده في ظلام الممر، بيلوح لي بكسرة قلب، وبيقول بعينه اللي مش قادر ينطقها: "مستنيكي".
فوقت من صوت افكاري على صوت ماما وهي بتناديني عشان الفطار، وبصيت لنفسي في المرايا لقيتني لسه واقفة باصه للشباك. هزيت راسي ونزلت بسرعة على تحت عشان ألحق الفطار مع بابا وماما قبل ما أتأخر على الجامعة.
قعدت على الترابيزة المطبخ
الخشبي البسيط
، وبابا كالعادة مدّ إيده بلقمة فول وقال بضحك: "أومال يا دكتورة، ناوية تروحي
المحاضرة الأولى ولا كالعادة هتتأخري عشان طرحتك اللي بتاخد ساعة تتلف؟"
ضحكت وماما حطت قدامي كوباية الشاي المضبوطة وقالت بحب:
"سيبها براحتها يا محمود، بنتي دي بتتعب في الكلية ومجهودها ضايع بين المحاضرات والمذاكرة".
بصيتلهم وأنا حاسة بدفا غريب بيملى قلبي
. الناس دي أهلي الحقيقيين، هما اللي ربوني وفتحوا لي بيتهم وقلبهم وأنا لسه طفلة عندي تمن سنين
، من غير ما يحسسوني يوم واحد إني غريبة عنهم أو إني جيت من ملجا. عمري ما حسيت بالفرق بيني وبين أي بنت ثانية لها أهل حقيقيين، بالعكس
، حبهم ودعمهم ليا هو اللي خليني أقف على رجلي وأبني نفسي.
خلصت فطار، ولميت كتبى في الشنطة، وودعتهم ونزلت. الكلية كانت زحمة كالعادة،
ودخلت المدرج وقعدت جمب صاحبتي المقربة "سارة"، اللي أول ما شافتني بدأت ترغي في مواضيع الدنيا والآخرة
، من أول الدكاترة الرخمين لحد المحاضرة اللي فاتت اللي مَفهمناش منها حرف.
قعدت أضحك معها وأحاول أركز في الشرح، بس كان فيه دايماً جزء من عقلي سرحان في حاجات تانية.
صح أنا عشت حياة مستقرة وجميلة جداً، بس ذكريات الطفولة القديمة وجدران الدار الباهتة بتنط أحياناً في دماغي.
وخصوصاً لما بفتكر إن فيه ناس كتير في الدنيا لسه بتعاني، أو لما بفتكر طفولتي القديمة وصديقي الوحيد زمان "تميم"..
الطفل اللي وعدني إنه هيدور عليا، مع إني من سنين طويلة فقدت الأمل إني ألاقيه أو إنه يعرف عني حاجة أصلاً.
بس يمكن عشان هو كان الشخص الوحيد اللي حسسني بالأمان وسط قسوة الدار زمان، فكسب مكانة في حتة تانية جوة روحي، من غير ما أستنى إنه يظهر ولا يشغل بالي دلوقتي، فأنا كبرت وحياتي ماشية في سكات وهدوء.
خلصت المحاضرات الطويلة اليوم ده وأنا حاسة بإرهاق رهيب. رجعت البيت المغرب، وكان البيت هادي وريحته حلوة، وماما كانت طابخة أكلتي المفضلة. قعدت معهم على العشا، وحكينا عن تفاصيل اليوم، وبعدين طلعت أوضتي عشان أذاكر شوية حاجات للجامعة بكرة
. فتحت اللابتوب وبدأت أكتب حاجات في مذكراتي، أفرغ فيها كل الشحنة والتوتر اللي حسيت بيه طول اليوم.
قعدت أتأمل الأوضة بتاعتي؛ الحوائط اللي لونها لبني هادي، والمكتب اللي مليان ورق وكتب، والسرير المريح اللي عليه دبدوب قديم جبته وأنا في أول سنة لي في الجامعة. كل ركن هنا بينطق بالسلام والأمان اللي ربنا رزقني بيه بفضل بابا وماما اللي تبنوني وربوني أحسن تربية.
قفلت اللابتوب، وتثاوبت من شدة التعب، ورميت نفسي على السرير وبصيت للسقف وأنا بفكر في بكرة وإيه اللي مستنيني....
____________________________________________________
