رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20

رواية لولا الغرام بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل العشرون 20

هرعت إلى والدها وتشبثت بذراعه بلهفة حارقة، عيناها تلمعان بدموعٍ كظمتها بصعوبة، وسألته بنبرة مرتعشة كأنها تهابُ الإجابة:
-أنا جبت مجموع كام يا بابا؟

أمسكها من كتفيها بهدوء محاولاً التملص من نظراتها المستجوبة، وقال بصوت يغلفه الإرهاق:
-خليني أقعد الأول يا بنتي واخد نفسي من تعب الطريق.

رمقته بنظراتٍ تائهة، واجتاحتها رغبة عارمة في الصراخ، كانت تريد أن تنتزع منه كلمة واحدة تطمئن قلبها الثائر، نهضت "منى"من مقعدها بخطوات متوجسة، وراحت تتأمل ملامح زوجها بدقة، فقرأت في عمق عينيه مزيجاً خفياً من الحزن، الحيرة، والتردد الذي يسبق الكارثة.

لم تحتمل الفتاة الانتظار، فقبضت على يد أبيها وتوسلت إليه بعينيها الدامعتين:
-قولي جبت كام وبعدين اقعد براحتك يا بابا، أرجوك.

تنهد بعمقٍ وشعر بغصة في حلقه، فلم يكن يدرك كيف يزف إليها نبأ نهاية حلمها الذي رافق مشوارها منذ الطفولة، وحلمه هو الآخر الذي انفرط في لحظة.

كان قلبه يعتصر ألماً عليها، نظر في عمق عينيها مجدداً، وثبت يديه على كتفيها قائلاً بنبرة مبطنة بالأسى:
-الأول عاوزك تتأكدي إن ربنا عمره ما بيعمل حاجة للإنسان إلا وكان فيها الخير ليه.

فور سماعها تلك الكلمات، ارتجف قلبها بشدة، واجتاحتها موجة عاتية من المشاعر المتضاربة، خانتها دمعة دافئة وهوت على وجنتها، لتعاود رجاءه بنبرة أقرب للبكاء:
-أرجوك يا بابا، ارحمني وقول لي جبت كام؟

أطلق تنهيدة محملة بالإحباط، وقال بصوت خافت:
-87% يا بنتي.

وتابع شاكرًا لله رغم الوجع والاحباط:
- الحمد لله على كل حال.
وقعت الكلمة على قلبها كصاعقة شطرت روحها إلى نصفين، تملكها ذهول تام، وامتزجت الصدمة بالوجع والإحباط وعدم الإدراك، راحت تهز رأسها يميناً ويساراً بغير تصديق، وتمتمت بذهولٍ:
-لا، لا،مش ممكن، دي أكيد مش نتيجتي يا بابا

وتابعت برفضٍ تام وانكارٍ:
- أكيد فيه حاجة غلط.

شعرت "منى" بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها، فانهارت فوق مقعدها، وكأن ثقل هموم الدنيا وبؤسها جثم على صدرها.

أما وفاء، فاندفعت نحو حفيدتها بلهفة واحتضنتها قائلة في محاولة لتهدئتها:
-اهدي يا دليلة، اهدي يا حبيبتي.

هزت رأسها برفض قاطع، ونظرات عينيها تفيض بذهول هيستيري وهي توجه حديثها لجدتها:
-ده مش مجموعي يا تيتا، أنا حليت كويس أوي، أنا متأكدة.
9

انهمرت دموعها كشلال لا يتوقف، فتنهدت وفاء بحزن وقالت محاولةً تهدئة ثورتها:
-يا حبيبتي حصل خير، ودي مش آخر الدنيا.

اقتربت رغدة منها بسرعة، وضمتها إلى صدرها بقوة وهي تحاول بث بعض الطمأنينة في جسدها المرتجف:
-اهدئي يا دليلة، ما تنسيش إن لسه فيه سنة تالتة، ذاكري فيها واجتهدي وإن شاء الله هتجيبي مجموع كبير.

قالت كلماتها بنبرة يملؤها التفاؤل، علّها تنقذ إبنة شقيقتها من حافة الانهيار الوشيك، لكن الفتاة استمرت في البكاء بنحيب يمزق القلوب، ثم التفتت فجأة نحو والدها.

نظرت إلى ملامحه المنكسرة الحزينة، وقالت بأعين يملؤها الأسى والرجاء:
-بابا علشان خاطري، خلينا نروح المدرسة ونتأكد من الاسم ورقم الجلوس.

تعلقت به كغريق يتشبث بقشة أمل أخيرة، وتابعت بنبرة أقرب للجنون:
-مش يمكن اسمي اتلغبط مع اسم حد تاني؟ طب خلينا نقدم تظلم، أكيد دي مش نتيجتي.

أطلق زفيرًا حارًا محملاً بالهموم، وقال بنبرة متهدجة:
-اهدي يا دليلة، دي نتيجتك يا بنتي،أنا تأكدت بنفسي من الإسم ورقم الجلوس.

تحاملت منى على آلامها ونفضت عنها ضعفها، ثم تحركت نحو ابنتها وجذبتها إلى أحضانها، راحت تربت بضربات خفيفة وحانية على ظهرها وهي تهمس:
-متزعليش يا حبيبتي، أكيد ربنا عمل كده لحكمة.

ارتفع صوت بكائها ليملأ أركان المكان بالوجع، فاقتربت وفاء مجددًا وطبطبت على كتفها قائلة بوقارٍ ورضا:
-ارضي يا دليلة، ارضي يا بنتي علشان ربنا يعوضك.

نظرت الفتاة إلى أبيها، وعيناها تغرقان في بحر من الأسف والندم، وقالت بنبرة مختنقة بالعبرات:
-أنا آسفة يا بابا، كان نفسي أحقق لك حلمك.
4

تدخلت رغدة بإصرار وطموح يلمع في عينيها لكسر تلك الحالة من الحزن التي خيمت على المكان:
-إحنا لسه فيها، لو شديتي على نفسك كويس في المذاكرة، هتجيبي مجموع كلية الطب إن شاء الله.

اقترب أحمد بخطوات مثقلة بشعور الذنب، وقال بنبرة يملأها الانكسار:
-أنا آسف يا دليلة، أنا السبب في إنك ما جبتيش مجموع كلية الطب زي ما كنتي بتحلمي.

اتجهت أنظار الجميع نحوه في ذهول، فتابع الفتى بملامح يكسوها الحزن الشديد:
-أنا كنت باخد كتبي واروح لـ دليلة اوضتها، وأخليها تذاكر لي إنجليزي وعربي وعلوم.

تنهد والده بعمق، وشعر بمدى الألم الذي يعتصر قلب ابنه، فجذبه إلى صدره ليخفف عنه هذا الحمل الثقيل.

أما دليلة، فلم تعد تحتمل رؤية نظرات الشفقة أو تحمل عبء تلك الكلمات، فاعتذرت وركضت إلى الأعلى، اتجهت صوب غرفتها لتغلق الباب وتترك العنان لآلامها لتنهار، وتجهش بالبكاء بعيدًا عن أعين الجميع.

وقفت أمام مرآتها، تتعمق ببصرها إلى انعكاس صورتها التي بدت باهتة ومكسورة، رأت حلم عمرها الذي طالما سهرت لأجله يتبخر أمام عينيها ويتلاشى كالدخان.
2

لم تستطع طاقتها على الاحتمال أكثر، فخرت قواها وانهارت في بكاء مرير، راح جسدها ينتفض بقوة من شدة الوجع.

أما في الطابق السفلي، فكان الأنين والذنب يخيمان على الأجواء، ضمت منى ابنها إلى صدرها بحنانٍ دافئ وهو يجهش بالبكاء، وراحت تمرر أصابعها برفق بين خصلات شعره لتهدئ من روعه، قالت وعيناها تفيضان بالحنان:
-اهدى بقى وبطل عياط إنت كمان، قولت لك مش إنت السبب.

كان صادق جالسًا وقد نظر إلى الأرض بقلب مثقلٍ بالهموم، شبك أصابعه بعضها البعض بإحكام، وعيناه تعكسان مزيجًا قاسيًا من الصدمة، والإحباط، والحزن الدفين.

تطلعت إليه رغدة بينما يعتصر قلبها ألمًا على ابنة شقيقتها، سألته مستفسرة:
-هي لو شدت حيلها شوية في المذاكرة السنة الجاية، مش ممكن تحصل طب يا صادق؟!

هز صادق رأسه ببطءٍ وأسى، ثم أجابها وصوت الألم يصرخ في أعماقه:
-صعب يا رغدة، محتاجة تجيب 98% على الأقل، هيبقى ضغط نفسي كبير عليها.

وتابع برأفةٍ وحرصٍ على صغيرته تجلى بنظراته:
- وأنا لا يمكن أعرض بنتي لضغط نفسي كبير بالشكل ده.

خيم الصمت للحظات قبل أن تتمتم وفاء بنبرة وقورة يملؤها الإيمان والحزن معًا:
-قدر الله وما شاء فعل يا ابني، اللي عايزه ربنا هيكون يا حبيبي.

انفجرت منى في البكاء مجددًا، ولم يجد صادق مفرًا سوى أن يهز رأسه بهدوء، مستسلمًا لمقادير القدر التي عاندت أحلامهم،وسحقتها.
1

______♕______

وصلت أماني إلى منزل فاطمة، لتجد السيد عزام جالسًا بمفرده، وحين سألته عن شقيقتها، أشار بيده نحو الأعلى، صعدت درجات السلم المؤدي للدور الثالث بأنفاس متلاحقة، وحين أطلت على السطوح، وجدت فاطمة غارقة وسط سربٍ من الطيور التي تعتني بها.

كانت تنحني بهمة لتُلقمَ ذَكَر البط طعامه، فالتفتت بغتةً حين استمعت لصوت شقيقتها وهي تناديها بأنفاس متهدجة من أثر صعود السلالم:
-بتعملي ايه في الحر ده يا فيفي.

مسحت قطرات العرق عن جبينها والتقطت أنفاسها قائلة:
-تعالي يا اماني، انا قولت اطلع أأكل الطيور وازغط دكرين البط بالمرة.

جلست أمامها، ونظرت إليها بنظرة تحمل في طياتها ملامح خبر هام، وقالت دون تمهيد:
-نتيجة دليلة بنت صادق طلعت.

توقفت عما تفعله، ثم سألتها بلهفة التمعت في عينيها:
-وعملت ايه؟

أطلقت أماني زفيراً حاراً،ثم تنهدت تنهيدة عميقة امتزجت بالأسف والمرارة، وراحت تقول:
-مجموعها مش حلو، جابت 87%.

اتسعت عيناها بصدمة وسألتها مستفسرة:
-وده ما يدخلهاش طب.

عقبت بنبرة يملؤها الانكسار:
-صادق بيقول صعب.

انقبضت ملامحها حزنًا، وظهر التأثر الشديد في صوتها وهي تقول:
-لا حول ولاقوة إلا بالله، ليه كده بس يا دليلة، صادق يا حبيبي كان نفسه يفرح بيها ويشوفها دكتورة.

علقت أماني بيقين:
-دي إرادة ربنا يا فيفي، واللهم لا اعتراض.

ثم صمتت للحظة قبل أن تتابع بنبرة ذات مغزى عميق وعينين تلمعان بمراقبة ردة فعل الآخرى:
-سبحان الله، ربنا ليه حكمة في كل حاجة بتحصل.

وتابعت بدهاءٍ تستجدي ردة فعلها:
- كأن ربنا عمل كده علشان يراضي أشرف ويطبطب على قلبه.

عقدت فاطمة حاجبيها بحيرةٍ، وسألتها مستنكرةً:
-وأشرف إيه اللي هيستفاده من الخيبة دي يا أماني؟!

جاء جوابها مباشراً:
-ابنك بيحب دليلة وعاوز يتجوزها يا فيفي.

وقعت الكلمات على مسامعِ فاطمة كالصاعقة، فانسحبت من ملامحها اللهفةِ ليحل محلها وجومٌ ثقيلٌ وإحباط مرير، لم يكنِ الخبرُ مفاجأةً مطلقةً لها، فهي في النهاية أمهُ، وتستطيعُ قراءةَ ما وراءَ نظراته

كانت تشعر دائمًا ب نبضات قلبه وتعلّقه بدليلة من كثرة سؤاله اللحوح عنها، وفرحته الطفولية العارمة التي تضيء وجهه كلما رآها، وما أكد لها تلك الشكوك، تلك السلسلة الذهبية التي اشتراها لها خصيصًا في ذكرى ميلادها.

انتبهت أماني إلى التغير المفاجئ الذي حل بشقيقتها، والتمعتْ عيناها بالدهشة وهي ترى ذلك الانكسار يشعُ من نظراتها، وحين شاحت الأخيرةُ بوجهها والتزمت بالصمت التام، سألتها أماني بدهشةً:
-مالك يا فيفي؟!

تنهدت كأنما تزيحُ عن صدرها جبالاً، ثم قالت باقتضاب:
-مفيش يا أماني.

هتفت أماني باستغرابٍ يشوبه التوجس من هذا البرود المريب:
-مفيش ازاي، هو ده رد فعلك على خبر زي ده يا فاطمة؟!

واستطردت وعلامات الحيرة تملأ ملامحها:
-ده انا قولت انك هتتحزمي وترقصي لما تعرفي الخبر.

خرجت تنهيدة حارة من بين ضلوعها، لتتبعها بكلمات تقطر شجناً وعمقاً:
-هو انتِ فاكره اني ما فكرتش قبل كده اجوزها له، من يوم ما رجعت من السعودية آخر مرة وانا أول ما شوفتها اتمنيتها تكون ليه

ثم استطردت حديثها وعيناها تفيضان بمشاعر الحب والحنان:
-دليلة دي ست البنات كلهم، وأي أم ما تتمناش لابنها أحسن من كده، ادب وأخلاق وجمال وعقل الله اكبر.

عقدت أماني حاجبيها وسألتها باستغراب:
-امال المشكلة فين بقى يا فيفي؟!

تأرجحت بين القلق والخوف، وقالت بصوت متهدج:
-خايفة يا اماني، خايفة النسب يبوظ علاقتي مع صادق ويضيع حُبي وهيبتي عنده

أطلقت تنهيدة حارة، ثم استطردت حديثها بنبرة يكسوها تأثر بالغ:
-انتِ عارفة العلاقة بيني وبين صادق عاملة ازاي، ده ابني اللي ما خلفتوش، ربيته بعد موت ابويا انا والحاج عزام، كبير عيالي مش بس خالهم.

ضمت أماني كفها بحنو لتسكب في روحها السكينة، ثم طمأنتها قائلة:
-المفروض كلامك ده يطمنك اكتر، صادق بيحبك انتي والحاج عزام وبيحترمكم، يعني ان شاءالله لو حصل واشرف خطبها، مش هتختلفوا على حاجة

هزت رأسها بتخوف وقلق، بينما مر شبح تجربة مريرة أمام عينيها، وقالت بغصة في حلقها:
-من يوم اللي حصل في جوازة بنت اخت عزام وابن اخوه صلاح، وانا كارهة نسب القرايب كله، وجت لي عقدة منه

وتابعت بتذكير، مستدعية تداعيات تلك التجربة المريرة:
-اديكي شوفتي بنفسك، محمد وصفاء مكنش فيه اخوات قريبين من بعض زيهم، من يوم ما صلاح ابنه حط عينه على بنت صفاء وخطبها من سنتين، والمشاكل بدأت ما بينهم، وكملت وكبرت بعد ما اتجوزها، واهي رسيت على الطلاق، ومقاطعة الأخ لاخته اللي كان روحه فيها.

نظرت إليها أماني محاولة بشتى الطرق أن تزيل مخاوفها وتبدد هذا القلق الجاثم على صدرها، فقالت:
-صوابعك مش زي بعضها يا فيفي، وبعدين انتِ وصادق غير الدنيا كلها.

أومأت بهدوء، لكن صوتها خرج مثقلاً بالقلق والوجوم وهي تعقب:
-محدش كبير على فتنة وتحريض الشيطان يا اماني.

وتابعت بتأثرٍ:
-يبقى العقل بيقول، الباب اللي يجي لك منه الريح، سده واستريح.

لم تستسلم الآخرى أمام عناد شقيقتها، بل تابعت لتضعها أمام الأمر الواقع:
-ده رأيك انتِ يا فيفي، بس ابنك ليه كلام تاني.

ثم صمتت لبرهة، وأردفت لتكشف عن سيلٍ من المشاعر الدفينة:
-ابنك مش بس بيحب البنت، ده عايش على أمل جوازه منها يا فيفي.

توقفت عما تفعل، ونظرت إليها باستغراب، ثم سألتها بدهشة:
-وانتِ عرفتي الكلام ده منين؟!

خرجت من صدر أماني تنهيدة عميقة، وبدأت تسرد لها بتأثرٍ وتفصيلٍ ما دار وهز الوجدان،حكت لها ما جرى في الحرم المكي، وكيف تضرع ابنها وبكى في أطهر بقاع الأرض لأجل "دليلة".

ومع كل كلمة كانت تنطق بها أماني، كانت فاطمة تشعر وكأن قلبها ينخلع على عزيز عينيها، سرى في عروقها فيض من اللوعة، إذ غمرتها رغبة عارمة، وتمنت لو كان أمامها الآن، لضمتهُ إلى صدرها، ولمسحت على قلبه العاشق وهدهدتهُ حتى استكان وهدأت لوعته، ولكانت خففت عنه وطأة هذا العشق الصامت.
3

________♕________

مع حلول الليل،حل ذاك السكون الثقيل أرجاء منزل صادق،داخل حجرة"دليلة"، حضرت ندى لتواسي صديقتها وحالها، إذ كانت خيبتهما مشتركة بعد أن حصلت هي الأخرى على مجموع تسعين بالمئة.

كانتا تجلستان على الفراش في غرفتها بالطابق الثاني، يحيط بهما ركام من خيبات الأمل ومرارة سكنت بحلق كلتاهما، ساد صمتٍ موحش، قطعته ندى حين تنهدت بعمق وقالت بصوتٍ يملأهُ الاحباط:
-انا هحول ادبي يا دليلة.

وقع النبأ كالصاعقة على مسامعها، فشعرت بذهول يداهم أركان ثباتها، التفتت إليها بجسد مرتجف وقالت لها:
-انتِ اتجننتي يا ندى

ثم سألتها والدموع تترقرق في عينيها بحرقة:
-طب وحلمنا، هتتخلي عنه؟

رمقتها بنظرة مغلفة بالمرارة، وردت بواقعية ممتزجة بالإحباط، محاولةً لجم عواطف لم تعد تجدي نفعاً:
-خلينا نفكر بواقعية يا دليلة، احنا عملنا اللي علينا وذاكرنا بكل طاقتنا السنة دي، ما قصرناش، بالعكس، احنا مكناش بنام، ومع ذلك مجموعنا مش حلو، ومحتاجين معجزة علشان نجيب 98%، وندخل بيهم كلية الطب
واسترسلت بواقعية مريرة:
- للاسف يا، هي دي قدراتنا، ولازم نعترف بكده.

ابتلعت غصتها، وهزت رأسها بموائمة، وتابعت كلماتها بقوة وثبات بعد أن اتخذت قرارها الحاسم:
-أنا مش هقدر أكمل واضغط على نفسي تاني، وفي الاخر ألاقي نفس المجموع السنة الجاية، ونفس الصدمة ونفس خيبة الأمل ليا ولـ بابا وماما.

ثم حركت رأسها باستنكار ورفض لمجرد تخيل تكرار ذلك السيناريو القاسي، وقالت بنبرة قاطعة:
-انا فكرت وخدت القرار خلاص.

أطبقت دليلة جفنيها بقوة، تبحث عن ذرة تماسك داخلها، ثم سألتها بصوتٍ مهزوز:
-طب وعمو مجدي، هيوافق على قرارك ده؟

أجابتها محاولةً حسم الشكوك بملامح هادئة:
-بابا سايب لي حرية القرار،قال لي شوفي انتِ عاوزة إيه،وأنا معاكِ.

تنهدت دليلة وكأنها تلفظ آخر أنفاس المقاومة في معركتها الخاسرة، وقالت بتردد امتزج بمرارة الهزيمة:
-هي الفكرة فيها استسلام شوية يا ندى، بس للاسف، واقعية

وتابعت باستسلام والدموع تنحدر على وجنتيها:
-انا كمان هكلم بابا فيها ونفكر سوا، ولو شاف القرار مناسب، هحول معاكِ.

تلاقت نظراتهما، وفاضت عيونهما بدموع القهر والأسى؛ إذ تبادلتا نظرة طويلة عاجزة، وكأنهما تودعان حلماً عاش ملازماً لهما لسنوات، واليوم تشيعانه إلى مثواه الأخير.
2

_______♕______

جلس في بهو مسكنه مستسلمًا للهدوء بعد يوم حافل بالتعب،قبض على هاتفه المحمول وهاتف خاله عبر الخط الأرضي، مدفوعًا برغبة عارمة في الاطمئنان على مجموع معشوقته، وليهدئ من روع قلبه المرتجف بعدما علم أن نتائج الثانوية العامة قد أُعلنت رسميًا.

لم تمر سوى لحظات حتى أتاه صوت خاله، فابتلع ريقه وهتف بنبرة يملأها الخوف والرهبة :
-ازيك يا خالي انا اشرف عزام.

أجابه بنبرة يملؤها الشجن، وصوته متأثرٍ من أثر حلم ابنته الذي تهدم وتلاشى أمام عينيها:
-ازيك انتَ يا اشرف، عامل ايه يا حبيبي

شعر بنبرة الانكسار في صوت خاله، فرد باقتضاب:
-بخير الحمد لله.

تخلت عنه رصانته ليتحدث بلهفة وشغف كاد أن يقتلع صدره:
-طمني على دليلة، عملت ايه

أطلق زفيرًا مثقلاً بالهموم، وجاء رده بصوت يقطر بخيبة أملٍ حارقة:
-الحمد لله يا ابني على كل حال.

ضاقت الأنفاس في صدره، فسأله بلهفة أشد مستجديًا تفاصيل تبدد هذا الغموض الخانق:
-يعني عملت ايه يا خالي.

خيم الحزن على نبرة صادق وهو يلفظ بالحقيقة المرة:
-مجموعها مش احسن حاجه يا اشرف، للاسف مش هتدخل كلية الطب بيه.

ولدت في أعماقه مشاعر متناقضة، فرغم حبه الهائل واللا محدود لها، ومحبته الكبيرة لخاله وتمنيه الخير والتوفيق لهما في كل حين، إلا أنه لم يستطع منع الفرحة من أن تتسلل إلى أعماق روحه.

إذ تدفق في أوصاله شعورًا هائلاً من الطمأنينة، واجتاحت نفسه فرحة عارمة باغتته كمعجزةٍ، فقد تجلت له تلك اللحظة كإشارة ربانية، تعدهُ ببعث حلمه المؤجل، واقتراب الفتاة من حياته، بعد أن كان يظنها حلمًا بعيد المنال.

وتحت تأثير تلك الغبطة المفاجئة، تحدث بصوت غلفته سعادة عجز عن إخفائها تمامًا:
-معلش يا خالي، كل شيء نصيب، واكيد ربنا كاتب لها الخير في مجموعها ده.

استند صادق إلى إيمانه الراسخ، وتحدث بيقين وبصوت خافت يداري به لوعته:
-الحمدلله ، رب الخير لا يأت إلا بالخير.

عقب متأثرًا:
-ونعم بالله.

ثم صمت برهة، وتابع بصوت حاول جاهدًا أن تبدو نبرته عادية وتخلو من أي إثارة:
-ممكن بعد اذن حضرتك اكلم دليلة أبارك لها.

أجابه ممتنًا لمواساته:
-طبعاً يا حبيبي، ثواني هنده لها من اوضتها.

وضع سماعة الهاتف على الطاولة بجانبه، وخطا بخطوات هادئة مثقلة بالهم ، وقف تحت درج السُلم وبصره معلق بالأعلى، ثم نادى بصوت مرتفع:
-دليلة، دليلة.

تطلعت ببصرها نحو الأسفل قائلة بنبرة واهنة يكسوها الحزن:
-نعم يا بابا.

-اشرف ابن عمتك على التليفون وعاوز يبارك لك.

حاولت استجماع شتات نفسها، وردت بأدب واقتضاب:
-حاضر، نازلة حالا

تهادت على درجات السلم بخطوات متثاقلة، ثم رفعت السماعة وقالت بنبرة مجهدة قفز الحزن منها:
-ألو.

ما إن انساب صوتها عبر الهاتف حتى تزلزلت أركانه، وكالعادة أغمض عينيه ببطء مستسلمًا لسحر نبرتها، ظهر على ملامحه الاستمتاع العارم وكأنه يستمع إلى أجمل سيمفونية عُزفت في الوجود.

غاب عن واقعه وتحدث بصوت هائم يقطر عشقًا وهيامًا قد طال كتمانه:
-ازيك يا دليلة، الف مبروك.

خرج صوتها خافتاً يحمل مرارة الانكسار، وعيناها تلمعان بدموع متمردة، كادت أن تشق طريقها على وجنتيها وهي تقول:
-الله يبارك فيك يا أشرف.

آلمته نبرة انكسارها، فلم يطقها وحاول ترميم روحها، وبادر بمواساتها،وهو يتمتمُ في حنوٍ:
-إوعي تزعلي، إن شاء الله ربنا كاتب لك الخير كله في الخطوة دي.

ثم صمت للحظات، يترقب نبرتها ويقيس أثر كلماته عليها، قبل أن يتابع محاولاً حثها على التمسك بالأمل الزائف:
-وبعدين ذاكري، وإن شاء الله السنة الجاية هتحيبي مجموع أكبر.

راقب رد فعلها بتلهفٍ، بينما هي تنهدت بإحباط شديد، وقد تملكتها كلمات "ندى" وتغلغلت في أعماقها، فقالت بيأس استقر في روحها:
-خلاص بقى، مش هعلق نفسي في حلم تاني وأنا عارفة إنه مش هيتحقق.

ثم صمتت لبرهة، قبل أن تحسم أمرها بمرارة:
-أنا هحول أدبي خلاص.

كانت "منى" تقف خلفها مستمعة إلى كل كلمة، اشتعلت بداخلها موجة من الغضب العارم، لكنها ضغطت على شفتيها والتزمت الصمت التام، مفضلة الانتظار حتى تنهي ذلك الاتصال الغير مرغوب فيه.

في المقابل، كانت كلماتها تتساقط على مسامع أشرف كالغيث الذي أحيا أرضًا قاحلة، شعر بقلبه يرفرف بين ضلوعه، يرقص فرحًا وطربًا.

حدث نفسه بذهول ممزوج بالامتنان:
-ما هذه إلا آيةٌ وبشارةٌ من الله جلّ وعلا، ساقها إليّ لتؤكد أنه سبحانه قد استجاب لندائي الذي أودعته رحاب الحرم.
3

لم يستطع كبح جماح مشاعره، وانطلق صوته هادرًا بحماس لم يقدر على مداراته:
-برافو يا دليلة، ده أحسن قرار ممكن تاخديه، بكرة تنجحي وتتميزي في الكلية اللي هتدخليها، وأكيد هتحبي دراستك فيها.

وتابع بتفاؤل شديد وعينين تلمعان بالأمل:
-وصدقيني، بكرة شايل لك كل الخير.

أطلقت تنهيدة حارقة تخرج من جوفها المتألم، وتمتمت بجمود:
-مبقتش فارقة، من بعد خسارتي لحلمي وحلم بابا، مبقاش فارق معايا حاجة.

أجابها على الفور، بنبرة تدفق منها الشغف واليقين:
-مين قال إنك خسرتي حلمك يا حبيبتي؟
5

تصلبت في مكانها، وارتبكت دقات قلبها فور سماعها لتلك الكلمة المفاجئة، بلعت ريقها بصعوبة جافة، بينما استرسل هو في حديثه بنفس الحماس، والبهجة تقفز من نبراته:
-الحياة لسه قدامك، مقابلاكي وفاتحة لك دراعاتها، والسعادة مستنياكي يا دليلة.

كانت كلماته عذبة، تلمس الروح برقتها، لكنها أثارت استغرابها، كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها معها بهذا العمق، وشعرت بأن خلف عباراته ألغازًا لم تفهمها.

غير أن عقلها المثقل بالهموم لم يكن مستعدًا للتحليل أو التفسير، فقد ضرب الحزن سياجًا حول قلبها، لدرجة جعلتها تضيق ذرعًا بالحديث كله، لذا قاطعته قائلة بنبرة منسحبة:
-بعد إذنك يا أشرف، أنا لازم أقفل.

أجابها مسرعًا،قبل أن يفقد تواصله معها:
-تمام، بس عشان خاطري ما تزعليش، وخليكي واثقة إن ربنا هو اللي عمل كده عشان يحقق لك حلم أكيد هيكون أكبر وأحسن.
2

هزت رأسها بقلة حيلة، واليأس يكسو ملامحها وهي تقول:
-إن شاء الله، باي باي يا أشرف.

أغلقت الخط دون أن تنتظر سماع رده، أما هو، فقد أبعد الهاتف عن أذنه ببطء، أخرج تنهيدة عميقة بينما عينيه التمعت بفيضٍ من العشق الجارف.

رفع بصره نحو السقف، وهمس بنبرة تقطر امتنانًا:
-اللهم لك الحمد والشكر.

ثم أغمض عينيه وتابع والرجاء يملأ صدره:
-يارب تكمل دعوتي على خير وتفرح قلبي بيها.
1

أرخى جسده للوراء، ورمى رأسه على ظهر الأريكة مستسلمًا لخياله الحالم، راحت ملامحها ترتسم في عتمة جفونه، ليتخيل تفاصيل وجهها شديد الجمال، لاحت على شفتيه ابتسامة دافئة، نابعة من حنينٍ جارف يسكن أعماقه.

______♕_______

أنهت المكالمة والتفتت لتجد والدتها تقف أمامها وعيناها تتطاير منهما شرارات العتاب، سألتها بنبرة حادة ممزوجة بالاستنكار:
-إيه الكلام اللي قولتيه لأشرف ده؟

نظرت إليها باستغراب، وكأنها لم تستوعب خطأ ما قالته، فذكرتها بحدة بقرار تحويلها للقسم الأدبي الذي ألقته كحقيقة مسلم بها في الهاتف.

تنهدت دليلة ونطقت بدفاع:
-دي فكرة ندى، وبصراحة يا ماما عجبتني واقتنعت بيها.

لم يرق للأم هذا القرار المنفرد، وحدثتها بعتاب لاذع:
-ويا ترى اتناقشتي فيها مع بابا وأخدتي موافقته؟ ولا كبرتي وبقيتي تتصرفي من دماغك يا دليلة؟

أحنت رأسها خجلاً، ثم تنهدت قائلة بطاعة:
-حاضر يا ماما، لما ندى تمشي هنزل وأقعد مع بابا وأتكلم معاه.

تركت والدتها وصعدت درجات السلم متجهة إلى غرفتها حيث تنتظرها ندى، وعند نهاية الرواق، فوجئت بشقيقها يخرج من غرفته، وقف أمامها، وكانت عيناه تفيضان بحزن وهمّ أكبر من سنه، نظر إليها بأسف، وسألها بصوت متهدج من شدة الخجل:
-أنتِ زعلانة مني يا دليلة؟

عقدت حاجبيها وسألته بدهشة:
-وانا هزعل منك ليه يا أحمد؟

طأطأ رأسه وقال بنبرة مليئة بالذنب:
-عشان كنت السبب إنك متجبيش مجموع.

برغم الوجع العاصف الذي يسكن جوفها، والحزن والانكسار اللذين يمزقان روحها، إلا أن قلبها رثى لحال شقيقها الصغير، ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة شقت طريقها وسط الدموع الحبيسة.

اقتربت منه، ومدت يدها تلمس وجنته بنعومة وقالت بيقين وصوت يشع حنانًا:
-إوعى تفكر كده يا حبيبي، أنت ملكش أي ذنب في اللي حصل.
4

وتابعت وهي تحاول بث الطمأنينة في قلبه الصغير:
-ربنا هو اللي عاوز كده، وأكيد فيه حكمة من ورا كل ده، إن شاء الله خير.

طبعت قبلة رقيقة على مقدمة رأسه وأردفت مبتسمة:
-انزل العب بالكورة في الجنينة وبطل تفكير، وإوعى تحمل نفسك ذنب أي حاجة.

تهللت أساريره، وارتسمت ابتسامة بهية على وجهه بعد أن انزاح عن قلبه حمل ثقيل، وقال بسعادة طغت على نبراته:
-حاضر يا دليلة.

ربتت على كتفه، ثم دلفت إلى غرفتها واستلقت على فراشها بإرهاق شديد، كانت ندى تتابعها باهتمام، فسألتها بفضول:
-كان عاوز إيه أشرف؟

ردت بتلقائية وعيناها شاردتان في السقف:
-كان بيبارك لي.

ثم أردفت بنبرة غلفها الشجن:
-على إيه، مش عارفة.

رفعت ندى حاجبها الأيسر بذكاء ممتزج بالخبث، ونظرت إليها نظرة فاحصة وهي تقول:
-أنا ملاحظة إن أشرف مهتم بيكِ أوي الفترة دي.

أجابتها بهدوء ولا مبالاة، وهي لا ترى في الأمر شيئًا غريبًا:
-ما طبيعي يهتم، مش ابن عمتي؟

ضحكت الآخرى بسخرية من بلاهة صديقتها، وقالت بنبرة تحمل مكرًا أنثويًا:
-لا يا ذكية، الموضوع مش موضوع إنه ابن عمتك.

ثم تابعت مستنكرة سذاجتها:
-طب ما علي وشهاب هما كمان ولاد عمتك، بس محدش فيهم اهتم في عيد ميلادك وجاب لك سلسلة ذهب عليها أول حرف من اسمك، ولا حد فيهم افتكر يتصل ويبارك لك على النتيجة.
4

ضاقت حدقتاها، واعتدلت في جلستها وهي تنظر إليها بعدم فهم، ثم سألتها:
-تقصدي إيه؟ أنا مش فاهمة من كلامك حاجة خالص.

غمزت بعينها، وقالت بابتسامة واسعة وهي تلقي بقنبلتها:
-أشرف بيحبك يا دليلة.

توسعت حدقتاها من الصدمة، لتطلق ضحكةً هيستيرية هزمت بها ركام الأسى، والغمامة الداكنة الجاثمة فوق قلبها، ثم تساءلت بتهكمٍ حاد واستنكارٍ صارخ:
-بيحبني أنا؟ مستحيل يا ندى! أشرف ده أخويا، هو وعلي إخواتي فعلاً وعمري في حياتي ما شوفتهم غير كده.
2

ثم صمتت للحظة وتابعت باستغراب ونفور من الفكرة:
-وبعدين ده أكبر مني بكتير، إنتِ إزاي تفكيرك وصلك لكده أصلاً؟

٠واسترسلت مستنكرة:
-سوري يا ندى، بس تفكيرك في الموضوع ده سطحي وساذج أوي.
1

ابتسمت بثقة ويقين، ولم تتأثر بكلماتها، بل هزت كتفيها قائلة بتهكمٍ:
-والله ما حد ساذج غيرك أنتِ يا دليلة، وبكرة الأيام هتثبت لك وهفكرك بكلامي ده.

ساد الصمت المكان، وشردت دليلة للحظات تفكر في نبرة أشرف وصوته الهائم، وفي كلماته العميقة وألغازه التي لم تجد لها تفسيرًا منذ قليل.

تذكرت قوله:
-"مين قال إنك خسرتي حلمك يا حبيبتي؟"، فداهمتها قشعريرة غامضة، لكنها سرعان ما نفضت الأفكار من رأسها وهزتها مستنكرة، معتبرة الأمر مجرد أوهام في خيال صديقتها.
3

نهضت ندى من فوق المقعد وبدأت في جمع أشيائها قائلة:
-أنا هقوم أروح بقى عشان بابا ما يضايقش من تأخيري.

تمسكت دليلة بوجودها، ففي وسط عاصفة حزنها كانت هي المتنفس الوحيد لها، لذا قالت برجاء:
-لسه بدري، خليكِ قاعدة معايا شوية كمان.

اعتذرت بلطف وهي تتجه نحو الباب:
-مش هينفع، الوقت سرقنا.

ردت دليلة بمحاولة أخيرة لإقناعها:
-هتأخري إيه؟ يا بنتي أنتِ ساكنة في الشارع اللي ورايا.

رغم محاولاتها، صممت ندى على المغادرة رافقتها لتوديعها حتى باب المنزل الخارجي، وبعد أن غادرت صديقتها، توجهت بخطوات هادئة نحو غرفة المعيشة حيث يجلس والديها، جلست معهما، وفتحت موضوع التحويل إلى القسم الأدبي بالثانوية العامة. دار بين الثلاثة نقاش هادئ وطويل، استمع فيه الأب لجهة نظر ابنته ومخاوفها، وبدت الأم متفهمة بعد أن هدأت ثورتها.

في النهاية، اقتنع الأب تمامًا ورأى أن هذا هو القرار الأفضل والأنسب لمستقبلها، فحصولها على مجموع عالٍ في القسم الأدبي سيفتح لها أبواب كليات قوية تناسب قدراتها، بدلاً من المغامرة في طريق فقدت شغفها به، شعرت براحة نسبية بعد موافقة والدها.

_______♕_______

فور انتهاء أشرف عزام من محادثته مع من ملكت الفؤاد، مازالت البسمة ترتسم على شفتيه، فقد شعر أن دعواته في جوف الحرم بدأت تتجسد أمامه واقعًا.

لم ينتظر كثيرًا،على الفور طلب رقم منزل والده، وحسم أمره ليلقي عليهما ذاك الآمر الذي طالما تاق إليه قلبه،أبلغهما رغبته الرسمية في خطبة دليلة.

تهللت أسارير عزام، ورحب بالفكرة ترحيبًا شديدًا، فهو يرى في دليلة الفتاة المثالية لولده، أما فاطمة، فرغم تخوفها الفطري من الخطوة، إلا أنها وافقت في النهاية نزولاً عند رغبة ابنها ولمعان العشق ولهفنته التي حسته من بين نبرات صوته الغارقة في العشق،

وقبل أن ينهي الحديث، استوقفهما أشرف بنبرة جادة ومحذرة، طالبًا منهما كتمان الأمر وعدم إثارته مع أي شخص، ولا سيما خاله صادق، حتى تتسنى له فرصة مفاتحته بنفسه لنيل موافقته الرسمية.

في اليوم التالي، كانت الشقيقات الثلاث مجتمعات في منزل والدتهن، وما إن فتحت فاطمة سيرة رغبة أشرف، حتى استغلت عايدة الفرصة، والتفتت إليها لتكشف عما دار بينها وبين ابنها قبل سفره، اتسعت عيناها بذهول وصدمة، وقالت بنبرة عاتبة:
-يعني الواد قايل للكل إلا أنا وأبوه؟!

أسرعت عايدة تبرر لتهدئة روع شقيقتها، فقالت:
-اكيد كان مكسوف يقول لك يا فاطمة.

التزمت فاطمة وراحت تفكر في الأمر، وهنا تدخلت الجدة رقية في الحوار، وقالت بابتسامة داهية تنم عن خبرة السنين:
-انا كنت عارفة وكاشفة بصاته ليها من زمان، كان دايمًا مركز معاها وعينه ما بتشالش من عليها.

أخرجت فاطمة تنهيدةً عميقة وهي تشعر بوخزة ذنبٍ تدمي قلبها، ثم التفتت تلوم نفسها بانكسارٍ وهي تقول:
-يعني كلكم حسيتوا بابني وباللي في قلبه، وانا اللي امه، محسيتش بيه ولا بوجعه؟!

ربتت رقية على يدها في مواساة، وقالت بيقين حاسم:
-بعد الشر عليه من الوجع، انا بكرة هكلم صادق في الموضوع اتفق معاه، وبعد ما دليلة تخلص ثالتة ثانوي، يتجوزوا على طول.

ضحكت أماني بقوة، وقالت بدهشةٍ من تسرع والدتها:
-جواز ايه يا ماما، البنت لسه صغيرة، طب قولي خطوبة.

شوحت بيدها في الهواء معترضة، وقالت بنبرة قاطعة مستشهدة بزمنها:
-هي مين دي اللي صغيرة، ده وانا في سنها، كنت مخلفة فاطمة ومحمد، وكنت حامل في عايدة كمان.

ردت أماني بمحاولة لإقناعها وتوضيح الفارق:
-الزمن اتغير يا ماما.

تدخلت عايدة تؤيد رأي والدتها قائلة:
-لا اتغير ولو حاجة، ما بنات البلد كلهم بيتحوزوا خمستاشر وستاشر سنه لحد الوقت.

هنا حسمت فاطمة الجدال، واستعادت هدوءها وعقلانيتها، فقالت بلهجة قاطعة:
-اصبري يا ماما لما اشرف يكلم خاله بنفسه، البنت لسه فاضل لها سنة فى الثانوية، تخلصها على خير، وبعدها يحلها الحلال.

_______♕_______

مرت الأيام متلاحقة كأنها في سباق مع الزمن، انتهى رشيد وأصدقاؤه من أداء الخدمة العسكرية، لملموا أحلامهم وتقدموا معاً للعمل في إحدى كبرى شركات البترول بالقاهرة، واليوم، كان الموعد المنتظر، يوم ذهابهم إلى المقر الرئيسي لاستلام عناوين مواقع عملهم الرسمية.

دلف الأربعة إلى مبنى الشركة الفاخر، وكانت خطواتهم المتزامنة توحي بأن القدر قد عاهد نفسه على ألا يفرقهم، أو يكسر رابط صداقتهم.

بعد دقائق من الانتظار ، أُذن لهم بالدخول إلى مكتب المدير العام، رحب بهم الرجل بابتسامة وقورة، ووزع عليهم الأوراق الرسمية قائلاً بنبرة مشجعة:
-أهلاً بيكم يا شباب، ألف مبروك تخرجكم ونورتوا الشركة، إن شاء الله دي تكون بداية خطوة جديدة وموفقة، لمشواركم الطويل.

رد رشيد وعيناه تلمعان بحماس واعد:
-إن شاء الله يا فندم

بدأ بفرز ملفات التعيين الموضوعة أمامه، وتابع وهو يسلم كل منهم ورقة موقعه:
-اتفضلوا، دي عقود وقرارات تعيينكم، وكل واحد ورقتة فيها مكان توزيعه بالظبط.

واستطرد بنصحٍ:
-حابب أقولكم كلمتين حطوهم حلقة في ودنكم، أنتم هنا مش في شركة عادية، دي شركة أمريكية ومن أكبر شركات البترول في العالم، ومكان زي ده حلم لأي مهندس إنه بس يدخل من بابه.

واستطرد موضحًا:
-وجودكم هنا معناه إنكم متميزين، بس التميز الحقيقي لسه ما ابتداش

-الشغل في البترول عاوز التزام، سعي، وإن كل واحد فيكم يثبت نفسه ويطور من مهاراته، الشركة دي ميزتها إنها بتكافئ المجتهد، الفرص قدامكم مفتوحة، واللي هيثبت كفاءته ويشتغل على نفسه بجد، الشركة مش بس هترقيه هنا، لا دي هتسفره يمسك شغل في فروعنا اللي برة مصر.

وتابع بنبرة يملأها الحماس:
- المستقبل قدامكم، ركزوا واثبتوا وجودكم، وبالتوفيق ليكم جميعاً.

استطرد آمرًا:
-جهزوا نفسكم ورتبوا أموركم، عشان قدامكم يومين بالظبط وتسافروا تستلموا الشغل في المواقع.

تبادل الاصدقاء نظرات سريعة سرعان ما انطفأت حين وقعت أعينهم على أسماء المحافظات، فلم يكن هناك موقع يشبه الآخر.

التمعت عينا سامر بمسحة من الحزن لم يستطع مداراتها، وخرج صوته بوهنٍ:
- هو ماينفعش يا فندم نستلم كلنا في موقع واحد؟

رفع المدير رأسه، ونظر إليهم بمزيج من الاستغراب والجدية الصارمة التي تفرضها هيبة المكان، شعر سامر بالارتباك، لكن دافع التعلق بأصدقائه جعله يكمل بتأثر وصوت متهدج:
-أصل إحنا طول عمرنا مع بعض من أيام الثانوي، وصعب قوي نتفرق دلوقتي في الشغل بعد كل السنين دي.

هدأت ملامح المدير الصارمة، وتلاشت حدة نظرته لترتسم ابتسامة هادئة حملت الكثير من الحكمة والخبرة الحياتية، ثم علق بوعظ أبوي:
-احمدوا ربنا إنكم لقيتوا شغل في شركة واحدة، كمان عايزين تشتغلوا في نفس الموقع؟، وبعدين هو فيه موقع بيحتاج أربع مهندسين؟!

صمت لبرهة ليتأكد من أن كلماته حفرت في عقولهم، ثم ختم موجهاً حديثه للجميع بصرامة تحفيزية:
-زي ما قولت لكم، اثبتوا وجودكم، واشتغلوا بجد، الشاطر فيكم واللي هيثبت كفاءته مش بس هيترقى، ده ممكن يمسك مناصب كبيرة، ويسافر فروع الشركة بره مصر.

واسترسل بجدية ومغزى:
-المستقبل بين إيديكم، بلاش تضيعوه عشان مجرد تعود.
2

_______♕_______

انطلقوا معًا نحو الطريق المؤدي إلى الحي، يمشون بخطى هادئة تحت ضوء أعمدة الإنارة التي بدأت تتناثر على الرصيف الهادئ، كان المساء يحمل نسمة باردة تلمس الوجوه، وكأنها تبشر بفصل جديد من حياتهم.

التفت سامر نحوهم فجأة، وتوقفت خطاه لثانية وعيناه تلمعان ببريق افتقده طويلاً، ثم قال بنبرة تفيض بذهول السعادة:
-شباب، أنا بجد مش مصدق إني همسك المرتب ده كل شهر في ايدي.

ابتسم رشيد برصانته المعهودة، ووضع يده على كتف سامر وقال بنبرة غلفتها السخرية:
-ما تهدى شوية وتبطل قر وقول الله أكبر يا سي سامر، وبعدين عامل لينا زيطة وهليلة من أول مرتب لسه حتى مشوفناش منه جنيه؟

وتابع مستبشرًا:
- أمال هتعمل إيه لما نسافر ونشوف فلوس البترول اللي بجد؟

انفجر محمود ضاحكًا، لترتد أصداء ضحكته في الشارع ، وعقب بتهكمه المرح المعتاد:
-ساعتها هنحجز له غرفة في الرعاية المركزة، ترقبًا وتحسبًا لما يمكن حدوثه من وطأة الصدمة.
1

علت أصوات ضحكاتهم لتمحو بقايا تعب اليوم، وفي غمرة تلك البهجة، لمعت في عيني عمر فكرة عابرة، فخفتت نبرته قليلاً وهو يلقي بحجر في مياه الماضي الراكدة:
-يحيى عبد الحق لو عرف إننا اتعينا في الشركة دي، ممكن يحصل له حاجة.

تصلبت ملامح محمود،وهتف بنبرة حادة حملت ترسبات مرارة قديمة لم تندمل بعد:
-هو حب يعلي علينا ويحس إنه مميز، فاختار يتطوع تلات سنين عشان ياخد لقب ظابط، بس لو عرف إننا اتعينا بجد في مكان زي ده، ممكن يتجلط فيها فعلاً.

تلاشت الضحكات تدريجيًا، وساد صمت ثقيل عكر صفو الأجواء، وكأن اسم "يحيى" شبحًا شريرًا يرفض مغادرتهم.

زفر رشيد بضيق مكظوم، ونظر إليهم بعينين حاسمتين لا تقبلان الجدال، قبل أن ينطق بحدة:
-وبعدين معاكم يا شباب؟ إحنا مش اتفقنا نرمي الماضي كله ورا ظهرنا؟ وأول شخص لازم يتنفي من ذاكرتنا تمامًا مش بس يتنسي، هو يحيى.
1

تبادلوا النظرات في صمتٍ مريب، واستقرت كلمات رشيد في نفوسهم كعهدٍ جديد، أومأ الجميع برؤوسهم، عازمين على إغلاق ذلك الكتاب القديم.

تفرقوا عند نهاية الطريق، ومضى كل منهم نحو منزله، والخطوات التي كانت ثقيلة بالأمس، أصبحت اليوم خفيفة، يملؤها حماسٍ جارف، وصخب داخلي يعيد ترتيب أحلامهم لاستقبال حياة جديدة تمامًا.

_______♕_______

عاد رشيد والتفت أفراد عائلته حوله لتهنأته، وحين كشف لهم عن عقد التعيين وقرأ بلسانه ذلك الرقم المدون في خانة الأجر،غمرتهم سعادةٌ هائلة

تنفست والدته الصعداء، واشتعلت عيناها ببريق انتصارٍ امتزج بلمعة دموعها الفطرية، فقالت بنبرة اهتزت من فرط التأثر:
-اللهم صلي على حضرة النبي، ربنا يبارك لك يا ابني

لم يجد كلمات تضاهي شعوره في ذلك الحين، فامتدت يده لتقبض على كفها ومال عليه يطبع قبلةٍ تحمل كل معاني الإجلال والعرفان.

انقشعت غيوم التعب عن وجه أبيه وتراجعت تجاعيد جبهته لتفسح المجال لابتسامة هادئة وقورة،وهو يقول:
-ألف مبروك يا باشمهندس، ربنا يجعلها فاتحة خير عليك يا ابني.

تطلعت عيناه في وجه أبيه بامتنانٍ جارف تشع منه أسمى مشاعر العرفان:
-الله يبارك فيك يا بابا.

وتابع بنبرة تقطرُ فخرًا بذلك الرجل:
- اللي انا فيه ده بفضل ربنا ثم فضلك يا حبيبي، لولا تعبك واصرارك انك تعلمنا وتدفعنا للامام، مكنتش هوصل لاي حاجة.
1

تطلع إليه عبدالرحمن بعينين تفيضين بالحنان، تبددت تلك الشحنة العاطفية حين قاطعهم شقيقه "كريم" بروح الشباب المشاكسة، ملوحًا بيده بذهولٍ غلفتْه الدعابة:
-ايوا يا عم مين قدك، أول مرتب ليك قد مرتب بابا سبع مرات.

انتفضت سامية في مكانها، وقد تملكها ذلك الذعر المتوارث في قلوب الأمهات الكلاسيكي من عين الحسود، وقالت بلهفة وهي تزيح بصرها وتنفث في الهواء:
-قل اعوذ برب الفلق من شر ما خلق، يا ابني قول الله اكبر.

رفع كريم كفيه مبررًا براءة نيته وهو يبتسم:
-هو انا هحسده يا ست ماما.

لاحت على شفتي رشيد ابتسامة صامتة، بينما تحركت "بسمة" من مكانها، وتدثرت بقربه ملقيةً برأسها على كتفه بدلال طامع في كرمه:
-انا عاوزة هدية حلوة من اول مرتب يا باشمهندس.

التفت إليها ، وضمتها ذراعه بحنان دافق قبل أن يقول وهو يمسح على شعرها:
-عنيا ليكي يا بسوم، شوفي عاوزة ايه وانا تحت امرك.

تهلل وجهها، وتهادت في جلستها بامتنان غامر،وراحت تتمتمُ بدلال:
-ربنا يخليك ليا يا رشيد.

وهنا، استيقظ وعي سامية، تلك المرأة التي تعلم جيدًا قيمة المال،لتنظر في عيني نجلها،وتحدثت بعقلانية وعاطفة تبتغي فيها المنفعة:
-ايه رأيك ادخلك في جمعية كبيرة كل شهر، بدل الفلوس ما تتبهدل عليك.

أومأ لها برضا تام، وقال بسكينة نفسية تنم عن نضج مبكر وقلبٍ سليم:
-اعتبري المرتب كله في ايدك كل أول شهر يا ماما، انا هاخد منه اللي يكفيني للشهر والباقي اعملي منه جمعية، علشان توضبي منه البيت ان شاءالله.
1

رفرف قلب سامية فرحًا، وشعرت بيقين جارف أن الله قد كافأ جهادها الطويل، وأن يد نجلها البار جاءت لتمسح عنها تعب السنين، لكن كبرياء الأب وعزته جعلاه يحرك رأسه وهو يقول بصوت حاسم معترض:
-دي فلوسك يا ابني، ابني انتَ منها مستقبلك، وما تشلش همنا.

نهض باصرار واتجه صوب مقعد أبيه، وانحنى بجسده ليطبع قبلة طويلة على رأسه، وقال له بصدق تزلزلت له نبرته:
-انا وفلوسي بتوعك وملك اديك يا حاج، ربنا يبارك لنا في عمرك، ويقدرني واقدر ارد لك ولو جزء صغير من تعبك وجمايلك الكتير عليا.
5

الآن فقط، غمرت السكينة قلب عبد الرحمن المنشرح بعد طول عناء، فثمرة كفاحه قد أينعت أمامه، تملكه يقينٌ قاطع بأن ظهره لن ينحني مجدداً، فقد شبَ صغيره وغدا رجلاً يعتمد عليه، وأصبح من صنف الرجال الذين يُستأمنون على العهود، وتُعمر بأكتافهم البيوت.
2

______♕______

كان ليل الشتاء قد أرخى ستائرة على المدينة، والبرودة تلسع الوجوه بنسمات قاسية،وبرغم هذا الصقيع، وقف أشرف وحيدًا أمام امتداد البحر الغامض، يراقب تلاطم الأمواج في العتمة، مستنشقًا الهواء البارد العاطر الذي يحمل رائحة الملح والمطر، محاولًا لم شات أفكاره التي تلاطمت داخل رأسه كالأمواج.
2

مرت الايام بجنون، ولم يعد يفصل "دليلة" عن اختبارات الشهادة الثانوية سوى شهرين اثنين، شهران فقط يقرران الكثير، لقد أزاحت عن كاهله عبء الحيرة، وطمأنت قلبه المتوجس حين اتخذت قرارها الحاسم بالتحويل من القسم العلمي إلى الأدبي، ممهدةً الطريق أمام أحلامهما التي أصبحت مشتركة بالنسبة له.

لكنه في هذه اللحظة، شعر بأن قلبه يعلن العصيان، لم يعد قادرًا على الاحتمال، واستنفد كل طاقته في مقاومة الاشتياق ولوعة الانتظار الطويل.

لقد اشتاقها حد الوجع، وباتت عيناها الآسرتان تلاحقانه كظله في كل زاوية يلتفت إليها، حتى شعر أنه شارف على فقدان آخر ذرات صبره.
+

وتحت وطأة هذا الاندفاع العاطفي الجارف، جذب هاتف المحمول من جيبه، وحسم أمره بكسر القرار الذي قطعه على نفسه سابقًا، فقد كان ينوي ألا يفتح هذا الباب إلا بعد أن تنهي حبيبته اختباراتها ويطمئن على مستقبلها، لكن الشوق كان أسرع من خططه.
2

على الجانب الآخر، وفي تلك الأوقات الحميمة من ليالي الشتاء، كان الدفء يحاوط منزل"صادق"،حيث يجلس الرجل مسترخيًا بجوار زوجته وابنه، يتابعون التلفاز بينما تتصاعد أبخرة مشروب الكاكاو الساخن من الأكواب التي تحتويها كفوفهم للتدفئة.
بينما تجلس دليلة في غرفتها تسابق الزمن.

قطع صمتهم اهتزاز هاتف صادق المحمول، وحين أضاءت الشاشة باسم "أشرف"، ارتسمت على ثغره ابتسامة تلقائية ممتنة، وضغط على زر الرد بسرعة قائلًا بنبرة ترحيبية دافئة:
-السلام عليكم.

بينما كان قلب أشرف في تلك الثانية يقرع في صدره كطبلٍ حربي، ابتلع ريقه ورد بصوتٍ مرتبك تلعثمت فيه الحروف، وأنفاسه تتلاحق كأنه كان يركض أميالاً:
-وعليكم السلام، ازيك يا خالي

شعر بتوتر نبرة ابن شقيقته، فرد بحنان أبوي:
-الله يسلمك يا اشرف، اخبارك ايه يا حبيبي، طمني عنك.

أدارت "منى" رأسها نحوه، ورمقته بنظرة تعجب خاطفة، قبل أن تعود لترتشف من كوب الكاكاو الساخن بهدوء.

بينما استجمع أشرف شتات شجاعته، وأخذ شهيقًا عميقًا ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
- خالي، انا كنت عاوز اكلمك في موضوع مهم.

اعتدل صادق في جلسته قليلاً، وأصغى إليه باهتمام قائلاً بصوتٍ حنون:
-اتفضل يا حبيبي، انا سامعك.

ولأن المشاعر فاضت عن حد الكتمان، وتلاشت قدرته على المواربة، ألقى بقنبلة شوقه دفعة واحدة دون أي مقدمات تذكر:
-انا عاوز اخطب دليلة.

انتهى الفصل.

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا